Полный текст (3 770 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
أو الخارجي. فهو حق لكنه غير مختص بالعلم، فإن ذلك في كل الأشياء، إذ التمييز بين الذاتي والخارجي في غاية العسر لو أمكن.
ومنهم من قال: يمكن أن يعرف بالحد والرسم أيضا: وذكروا له حدودا كثيرة لا يكاد يصح واحد منها على ما عرف تزييفها في الكتب القديمة والجديدة، فمن أراد فعليه بمطالعتها. ولكن نذكر منها واحدا هو أقرب ما قيل: العلم عبارة عن صفة بها تميز بين حقائق الأشياء تمييزا لا يتطرق إليه احتمال نقيضة. فالصفة كالجنس له لاشتمالها عليه وعلى غيره.
وقولنا: بها تميز: احترزنا: به عن الحياة والقدرة والإرادة وغيرها من الصفات المشروطة بالحياة وغير المشروطة بها.
وقولنا: تمييزا لا يتطرق إليه احتمال نقيضه: احترزنا: به عن الظن فإنه وإن ميز به بين حقائق الأشياء لكن بحيث يتطرق إليه احتمال نقيضه، وهذا على رأي من لم يخص العلم بالكليات. فأما من خصه فيجب أن يفيد بالكليات.
تنبيه:
قد عرفت مما سبق أن الظن: هو الاعتقاد الراجح مع تجويز النقيض ويغايره
стр. 37
اعتقاد الراجح، واعتقاد الرجحان، مغايرة العام والخاص فقد لا يكون معهما اعتقاد آخر، وحينئذ: إما أن يكون علما، وتقليدا، أو جهلا. وإن اعتبرت القدر المشترك بين أن يكون معه اعتقاد آخر أو لا يكون ففيه التقسيم من رأى سوى الشك فإنه لا ينشأ من تقسيم اعتقاد الرجحان، لأنه لما ترجح جانب الوقوع مثلا صار جانب اللاوقع ممتعنا أو مرجوحا فلم يحصل التساوي، وكذلك رجحان الاعتقاد ظنا بشرط أن يكون معه اعتقاد آخر مرجوح لا مطلقا، لأنه لا يستدعى/ (٧/ب) أن يكون معه اعتقاد آخر مرجوح، إذا يصح تقسيمه إلى المانع من النقيض وإلى غير المانع منه فيصح أن يقال رجحان الاعتقاد، أما أن يكون بحيث يمنع من النقيض أو لا يمنع إلى آخر التقسيم.
وكلام الإمام يدل على أن رجحان الاعتقاد بإطلاقه هو الظن. وهو غير سديد لما عرفت.
стр. 38
الفصل الثالث
في الحكم الشرعي
стр. 39
الفصل الثالث
في الحكم الشرعي
والحكم في اللغة: قد جاء بمعنى المنع والصرف، يقال: حكمت الرجل عن إرادته إذا صرفته عنه، ومنه سمي الرجل حكيما، لأنه يمنع نفسه عن ما لا ينبغي، ومنه الحديدة التي في اللجام، لأنها تمنع الدابة عن العدو والجموح، وبمعنى الإحكام والإتقان، ومنه الحكيم في صفاته تعالى، وهو فعيل بمعنى مفعل. فيكون الفعل حكما يحتمل أن يكون مأخوذا من الأول، لأنه شرع زاجرا وصارفا عما لا ينبغي من الأفعال. قال الله تعالى: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾. ويحتمل أن يكون مأخوذا من الثاني، لأنه يدل على إحكام وإتقان شارعه، حيث خص كل فعل بما ينبغي تخصيصه به.
[تعريف الحكم الشرعي في الاصطلاح]
واختلفوا فيه في العرف الشرعي. فقال بعضهم: إنه خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين.
стр. 40
وقيل: مكان المكلفين: العباد، وهما غير مانعين، لأن أخبار الشارع "غير" أفعال المكلفين بكونه خالقا لها كقوله تعالى: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾، أو كونها مخلوقة لهم، كما دلت عليه آيات القدر وغير ذلك من أوصاف الفعل، وكقوله ﵇: "صلة الرحم تزيد في العمر"،
стр. 41
و "صلاة الضحى تزيد في الرزق" خطاب منه متعلق بأفعالهم مع أنه ليس حكما شرعيا.
ويخص الثاني بأنه غير مانع من وجه آخر، وهو أنه يقتضى أن يكون الخطاب المتعلق بأفعال الصبيان والمجانين حكما وليس كذلك فإن فعل غير المكلف لا يوصف بحكم من أحكام الشرع كفعل البهيمة.
وقيل: إنه خطاب الشارع المفيد شرعية. وهو غير مانع أيضا، لأنه يقتضى أن ما ثبت من صفات الله تعالى بخطاب الشارع الذي لا يدل العقل عليه نحو السمع والبصر عند من يجعلهما عقليتين، ونحو الاستواء والنزول
стр. 42
وغيرهما من الصفات السمعية يكون حكما شرعيا وليس كذلك وفاقا
وقال الأكثرون من أصحابنا: إنه الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين، بالاقتضاء، أو التخيير، "أو الوضع".
ولابد من شرح قيوده"-
فالأول: / (٨/أ) الخطاب، قيل: إنه عبارة عن الكلام الذي يفهم المستمع منه شيئا.
واعترض عليه: بأنه غير مانع، إذ يدخل فيه الكلام الذي لم يقصد المتكلم به إفهام المستمع مع أنه يفهم منه شيئا وهو ليس بخطاب.
ثم قال المعترض: والحق أن يقال: إنه لفظ المتواضع عليه المقصود به إفهام من هو متهيئ لفهمه.
стр. 43
وقال: اللفظ المتواضع عليه: احتراز: ما وقعت المواضعة عليه من الحركات والإشارات المفهمة، والمتواضع عليه: احتراز: عما ورد على الحد الأول.
وقولنا: المقصود به إفهام من هو متهيئ لفهمه: احتراز: عن الكلام لمن لا يفهم كالنائم والمغمى عليه ونحوه، فقول: المعترض: المتواضع عليه: احتراز: عما ورد على الحد الأول: مؤذن منه بأنه أراد بقوله: في الاعتراض: الكلام الذي لم يقصد به المتكلم إفهام المستمع عدم القصد لعدم الوضع. وحينئذ يكون الاعتراض ساقطا. لأن الكلام مذكور في التعريف وهو يمنع من دخول المهمل فيه على اصطلاح النحويين والأصوليين جميعا، إذ المهمل ليس بكلام عند أحد منهم.
نعم يرد عليه الكلام الذي لم يقصد المتكلم به إفهام المستمع لا لعدم الوضع، بل إما لعدم قصده المتكلم به كالصادر من النائم والمغمى عليه، أو فإن وجد لكن لم يقصد به إفهام المستمع كما إذا شافه بكلامه جمادا أو حيوانا غير ناطق فإن السامع يفهم منه شيئا لو سمع مع أنه ليس بخطاب.
لا يقال: لا نسلم أنه ليس بخطاب في الصورة الثانية. ولهذا يقال: خطاب الجماد وخطاب العربي بالزنجية قبيح، فلولا أنه خطاب وإلا لما حسن ذلك. لأنا نقول: تسميته خطابا مجاز لمشابهته الخطاب صورة، بديل أن الخطاب يستدعى مخاطبا ويشترط فيه كونه فاهما وفاقا.
стр. 44
وأما التعريف الثاني: فيرد عليه أن التكلم بالمجاز لا يكون خطابا، إن أراد بالوضع ما يخص الحقيقة، وأن أراد به ما يعم الحقيقة والمجاز، فلا نسلم أن إطلاق لفظ الوضع عليها بالاشتراك المعنوي حتى يصح إرادتهما منه، بل بالاشتراك اللفظي. وحينئذ لا يصح إرادتهما منه، ولئن سلمنا ذلك: لكن يقتضى أن يكون التكلم به لا يكون خطابا عند من لا يعتبر الوضع فيه، لكنه باطل. إذ التكلم بالمجاز خطاب سواء اعتبر الوضع فيه أو لم يعتبر. وإذا كان في اعتبار الوضع هذا النوع/ (٨/ب) من الأشكال فالأولى أن يحذف. ويقال: إنه الكلام الذي يفهم المستمع منه شيئا مع قصد المتكلم به إفهامه، ولا يرد عليه شيء مما ورد على التعريفين المذكورين.
وقولنا: المتعلق بأفعال المكلفين: احترزنا به عن أفعال الصبيان والمجانين وسائر الحيوانات، إذ لا يتعلق بأفعالهما حكم شرعي، لا يقال: لا نسلم أنه لا يتعلق بأفعالهم حكم شرعي. إذا يتعلق بإتلاف الصبي والمجنون وسائر الحيوانات الضمان وهو حكم شرعي، وكذلك يتعلق بدلوك الشمس وجوب الصلاة، وأيضا: الصبي مأمور بالصوم والصلاة على طريق الاستحباب في سن التمييز لقوله ﵇: "مروهم بالصلاة لسبع"
стр. 45
الحديث والاستحباب حكم شرعي، وإذا كان كذلك كان الحد غير جامع فيكون باطلا.
стр. 46
لأنا نقول: الدليل على أنه لا يتعلق بأفعالهم حكم شرعي الإجماع، إذ جمعت الأمة على أن شرط التكليف العقل والبلوغ وإذا انتفى التكليف عنهم لفق شرطه انتفى الحكم الشرعي عن أفعالهم. والمعنى من تعلق الضمان بإتلاف الصبي، أن الولي مأمور بإخراج الضمان من ماله عند إتلافه. وهو الجواب عن تعلق الضمان بإتلاف المجنون والبهائم، والمعنى من وجوب الصلاة بالدلوك أن الرجل مكلف بالصلاة عند مشاهدته أو علمه أو ظنه به فيرجع إلى أنه يتعلق بفعل المكلف. ولا نسلم أن الصبي مأمور بالصوم والصلاة. وهذا لأن الأمر بالشيء لا يكون أمرا بذلك الشيء.
سلمنا ذلك: لكن ليس ذلك على حقيقته بل هو على وجه التأديب كي لا يصير الترك عادة له.
وإنما قلنا: بالاقتضاء أو التخيير: ليشمل الأحكام الخمسة. وهذا لأن الاقتضاء إن كان اقتضاء فعل مع المنع من النقيض فهو الوجوب. وإن لم يكن معه فهو الندب.
стр. 47
وإن كان الاقتضاء اقتضاء ترك، فإن كان مع المنع من النقيض فهو الحرمة. وإن لم يكن معه فهو الكراهة، وأما التخيير فهو الإباحة.
وإنما قلنا أو بالوضع يتناول الحكم بالسببية، والشرطية، والمانعية. فإنها أحكام شرعية غير داخلة تحت الاقتضاء والتخيير، فلو لم يذكره لم يكن الحد جامعا.
فإن قلت: تعريفكم يقتضي أن يكون الحكم حادثا، وهو نقيض مقصودكم من رد الحكم إلى الخطاب، فإنكم إنما رددتموه إليه ليلزم قدمه كقدم الخطاب.
وإنما قلنا: ذلك لأن الأفعال حادثة، وتعلف الخطاب بها/ (٩/أ) يتوقف على وجودها ضرورة استدعاء النسبة وجود المنتسبين، والمتوقف على
стр. 48
الحادث حادث فيكون الخطاب متعلقا بها حادث فيكون الحكم حادثا.
قلت: تعلق الخطاب بالفعل لا يستدعى تحققه في الخارج، يدل عليه أن اقتضاء الفعل بالقول في الشاهد والغائب يكون قبل الفعل وإلا لكان تحصيلا للحاصل بل يكفى فيه تقدير وجوده، فحكم الله محل الفعل هو قوله رفعت الحرج عن فاعله. ولو فعله، وبوجوبه أن من فعله أثبته، ومن تركه عاقبته، ومعلوم أن هذا لا يستدعى وجود المخاطب فكيف فعله.
فإن قلت: سلمنا: أنه لا يقتضى الحدوث بل يقتضى القدم لكنه باطل لوجوه:
أحدهما: أن الفعل الحادث يوصف بالحل والحرمة فيقال: الغصب حرام
стр. 49
وإراقة دم المرتد حلال، وما يكون وصفا للحادث يستحيل أن يكون قديما.
وثانيها: أن الحكم الشرعي معلل بالسبب الحادث كحل الوطء بالبيع والهبة والنكاح ومعلول الحادث يستحيل أن يكون قديما.
وثالثها: لو كان الحكم قديما لما جاز التصريح بحدوثه، لكنه يجوز إذ يصح أن يقال: وجب هذا بعد أن لم يكن كذلك، وحلت المرأة بعد أن لم تحل فلم يكن قديما.
الجواب عن الأول: ما تقدم وهو أن المعنى من كون الفعل حلالا هو قوله: في الأول: رفعت الحرج عن فاعله، وإنما الفعل متعلقة، وإنما أطلق عليه الحال لكونه مقولا فيه ذلك.
وعن الثاني: أن المعنى من التعليل التعريف، ويجوز أن يكون الحادث معرفا للقديم.
وعن الثالث: أنا لا نسلم أن ذلك تصريح بحدوث الحكم، بل بحدوث التعلق نحو [تعلق] الإحلال بها أو حدوث متعلق الحكم "فإن الحكم" عندنا هو ذلك القول الإزلي.
стр. 50
وأما الحنفية من أهل السنة فقد عرف بعضهم الحكم، بأنه عبارة عن تكوين الله الفعل على وصف حكمي. وقال: أعني به كونه حسنا أو قبيحا أو واجبا أو ندبا، وهو باطل، لأنه لا يعرف الوصف الحكمي ما لم يعرف الحكم بتعريف الحكم به دور، ثم تفسيره الوصف الحكمي بالحسن والقبح والوجوب والندب لا تفيد لأنها أنواع الحكم فتتوقف معرفتها على معرفة الحكم, فلو عرف الحكم بها لزم المحذور المذكور.
سلمنا: أنه لا دور، لكنه تطويل من غير فائدة، فإنه يكفيه أن يقول: يكون الله الفعل على وصف الوجوب والندب والحسن والقبح من غير تعرض للحكم.
والأولى: أن يقال في ذلك على أصلهم: بأنه عبارة عن تكون الفعل على وجه يكون المكلف مأذونا في فعله وتركه على السواء، أو يكون أحدهما أرجح من الآخر في نظر الشارع أو على وجه الوضع.
واحترزنا بقولنا: / (٩/ب) في نظر الشارع: عن جلب المنافع ودفع الآلام التي هي عقلية، فإنه وإن ترجح فيه أحد الجانبين على الآخر لكن ليس ذلك في نظر الشارع، بل بسبب اللذة ودفع المكروه عن النفس.
стр. 51
والأول: الإباحة. والثاني: يتناول الأحكام الأربعة الباقية. والثالث: الحكم بالسببية والشرطية والمانعية، فالحكم عندهم هو تكوين الله الفعل على الوجه المذكور. وكون الفعل على ذلك الوصف محكوم له تعالى لا حكمه، فعلى هذا يكونون موافقينا من وجه، وهو قدم الحكم، لأن التكوين والتخليق والإيجاد وما يجرى مجراها من صفات الأفعال كلها أزلي عندهم، ومخالفينا من وجه، وهو أن الحكم عندهم عبارة عن الفعل المخصوص، وعندنا عبارة عن الخطاب المخصوص.
فإن قلت: قد أدخلت "أو" في التحديد وهي لتعليق الحكم بأحد المذكورين وذلك يقتضى الإبهام والتحديد للتوضيح وبينهما منافاة فيكون غير جائز.
قلت: مرادنا منه: أن ما وقع تكوينه على أحد وجوه الثلاثة يكون حكما، وما لا فلا، ومعلوم أن هذا لا إبهام فيه.
стр. 52
النوع الأول
الكلام في اللغات
وفيه فصول
стр. 53
"الفصل الأول"
في حد الكلام والكلمة وأقسامها
стр. 54
الفصل الأول:
في حد الكلام والكلمة وأقسامها
اعلم أن لفظ الكلام مشتق من الكلم وهو الجرح، والحروف المسموعة المفهمة إنما سميت بذلك، إما لأنها تكلم القلب بالإفهام أي توثر فيه به، إذ الكلام يستلزم التأثير. وإما لأن بعض أنواعه يجرح القلب بالإيذاء والإنكاء ولذلك قيل. كلم الكلام أشد من كلم السهام. ثم سمي الجنس باسم نوعه كتسمية علم أصول الدين بعلم الكلام، فإن مسألة الكلام بعض [أنواع] مسائله.
ثم اختلف العلماء في أن الكلام حقيقة فبماذا:
أما المعتزلة فقد اتفقوا على أنه حقيقة في العبارة فقط.
стр. 55
وأما أصحابنا فقد اختلفوا فيه، فالأكثرون على أنه لفظ مشترك بين المعنى القائم بالنفس وبين العبارة الدالة عليه، وإن كان الاشتقاق لا يشهد لهم في أنه حقيقة في المعنى، وقال بعضهم كإمام الحرمين إنه حقيقة في المعنى مجاز في العبارة تسمية للدليل باسم المدلول.
وعلى التقديرين فالذي يتعلق غرضنا به في هذا الكتاب هو الكلام بمعنى العبارة سواء كان حقيقة فيه بطريق الانفراد أو الاشتراك- أو مجازا.
وأما الكلام بالمعنى القائم بالنفس فالكلام في علم الكلام، فنقول اختلف الأصوليون والنحويون في تحديده.
أما الأصوليون فقد قال أبو الحسين البصري/ (١٠/أ) منهم: الكلام هو المنتظم من الحروف المسموعة المتميزة المتواضع عليها الصادرة عن
стр. 56
قادر واحد.
وقولنا. المنتظم. وهو إن كان حقيقة فيما يوجد أجزاؤه معا بصفة التأليف وهو غير متصور الحصول في الحروف لتعاقبها في الوجود لكن إنما أطلقناه عليها على طريق التجوز.
ووجهه أن الحروف المسموعة مشابهة له في كونها تحس معا من غير إحساس بالتعاقب.
وقولنا: من الحروف: احترزنا بع من الحرف الواحد فإنه ليس بكلام.
فإن قلت: لا نسلم أن الحرف الواحد ليس بكلام ألا ترى أن "ق" و "ع" كلام مع أنه حرف واحد.
قلت: الدليل على أن الحرف الواحد ليس بكلام الإجماع، إذ النحاة والأصوليون أجمعوا على أن أقل ما يمكن أن يكون كلاما حرفان، وأما "ق" و "ع" فإن كل واحد منهما وإن كان حرفا واحدا في الظاهر، لكنهما في الأصل حرفان، القاف والياء والعين والياء، ولذلك يرجع الياء الساقطة في حالة التثنية فيقال: قيا وعيا.
واحترزنا: بالمسموعة، عن المكتوبة، فإنه وإن أطلق عليها الكلام كما في قولهم: المكتوب في المصاحف كلام الله لكن على وجه التجوز.
стр. 57
وقولنا: المتميزة: احترزنا بها عن أصوات كثير من الطيور.
واحترزنا: بالمتواضع عليها، من المهملات.
وبالصادرة عن قادر واحد عن الصادر عن قادرين فصاعدا، كما إذا صدر "القاف" من "قف" من واحد، و "الفاء" من واحد آخر فإنه لا يسمى كلاما.
واعلم أن هذا الحد: يقتضي أن يكون بعض ما هو كلمة عند النحاة.
كالاسم والفعل والحرف الذي على حرفين كلاما عند الأصوليين، وهو قولهم: ولا يقتضي أن كل ما هو كلمة عند النحاة كلام عندهم حتى يتجه أن يقال الحد غير جامع، لأنه غير متناول لبعض الكلمة التي هي على حرف واحد كباء الإلصاق ولام التمليك.
والأولى: أن نحد الكلام والكلمة على وجه لا يلزم منه مخالفة النحاة، لأن اتفاقهم في المباحث العربية حجة على غيرهم، فيقول:
كل منطوق به على سبيل الاستقلال دال بالاصطلاح على معنى مفرد فهو الكلمة.
стр. 58
فقولنا. كل منطوق به: احترزنا به عن الإيماء والإشارة والكتابة.
وقولنا: على سبيل الاستقلال: عن الحركات الإعرابية كالرفع والنصب، فإنه- وإن كان منطوقا به دال بالاصطلاح على معنى مفرد- وهو الفاعلية والمفعولية- لكنه ليس على سبيل الاستقلال.
وقولنا: دال بالاصطلاح احتراز عن اللفظ المهمل فإنه وإن دل على حياة لافظه لكن ليس ذلك بالاصطلاح بل بالعقل، واحترزنا بالمعنى المفرد: عن الكلام.
ومن هذا تعرف ضعف ما ذكره الإمام في حد الكلمة هو: / (١٠/ب) كل منطوق بع دل بالاصطلاح على معنى فهو الكلمة، وأما الكلام: فهو المركب الذي يحسن السكوت عليه.
стр. 59
فقولنا: المركب: احترزنا به عن الكلمة.
وقولنا: يحسن السكوت عليه: عن مثل قولك غلام زيد، وهو إنما يتألف من اسمين كقولك: زيد قائم، "أو من اسم وفعل"، أو من اسم وحرف، وهو في النداء خاصة.
وأما الأقسام الثلاثة الباقية فلا يحصل منها الكلام.
ومنهم من لم يعتبر التأليف الأخير قسما مستقلا، بل زعم أنه راجع إلى القسم الثاني، لأن حرف النداء نائب مناب الفعل وتقديره أدعوك أو أناديك.
واعترض عليه: بأنه لو كان كذلك لاحتمل التصديق والتكذيب كأصله.
وأجيب عنه: بمنع الشرطية، وهذا لأنه نقل عن الخبرية إلى الإنشائية كصيغ العقود وهي غير قابلة للتصديق والتكذيب مع بقاء صيغة الخبرية فهذا أولى أن لا يقبلها لعدم معنى الخبرية وصيغته.
ثم اعلم أن أنواع الكلام أربعة، الجملة الإسمية كقولنا: زيد قائم، أو زيد قام، والجملة الفعلية كقولنا: قام زيد، والجملة الشرطية كقولنا: إن تكرمني
стр. 60
أكرمك، والجملة الظرفية كقولنا: في الدار زيد، والأخيرتان ترجعان إلى الأولتين.
وأما أقسام الكلمة فثلاثة: لأنها إن لم تدل على معنى في نفسها فهي الحرف، سميت بذلك، إما لوقوعها في طرف الكلام في الرتبة، وإما لأن بعض أنواعها على حرف واحد كباء الإلصاق ولام التمليك فسمي الجنس باسم نوعه. وإن دلت، فإما أن تدل على الزمان بصيغتها ووزنها أو لا تدل كذلك والأول هو الفعل والثاني الاسم، وإن شئت عبارة أخرى فقل: الكلمة إن دلت على معنى في غيرها فهي الحرف، وإن دلت على معنى في نفسها وعلى زمان هو ظرف لمسماه فهي الفعل، وإن دلت على معنى في نفسها من غير أن تدل على زمان هو ظرف لمسماه فهي الاسم، وسمي الفعل فعلا لكون مدلوله فعلا في الأكثر فهو من باب إطلاق اسم المدلول على الدليل.
وأما الاسم فإنما سمي اسما إما لسموه على قسيميه، أو لأنه سما بمسماه فكشفه وأظهره، وإما لكونه علامة بمسماه.
وقد ظهر بما ذكرنا من التقسيم تمييز كل واحد منها عن الآخر.
تنبيه:
اعلم أن ما ذكرنا من أن الفعل نوع من أنواع الكلمة على الإطلاق من غير تفصيل فإنما هو على رأي النحاة، وأما الحكماء فقد فصلوا بين الماضي والمضارع، واتفقوا على أن الماضي منه كلمة "واحدة" وإن دل على المصدر وعلى موضوعه الغير معين لما أنه ليس فيه جزء مستقل يدل على جزء
стр. 61
المعنى. واختلفوا في المضارع، فذهب أبو علي منهم إلى أن الذي للغائب منه / (١١/أ) كلمة أيضا لكونه غير دال على الموضوع المعين كالماضي.
وذهب الباقون إلى [أن] كل واحد من ألفاظ المضارع كلام لكونه محتملا للتصديق والتكذيب، مع أن لجزئه دلالة على جزء المعنى إذ حرف المضارع فيه يدل على الموضوع الذي صدر المصدر منه معينا كان أو غير معين كما في الغائب كلمة بالاتفاق كالماضي لكن الأول أقرب وأوثق، إذ الفرق عسير، فكان اتفاق الكل عليه أبعد.
стр. 62
الفصل الثاني
في البحث عن مبدأ اللغات
стр. 63
الفصل الثاني
في البحث عن مبدأ اللغات
اعلم أن دلالة اللفظ على المعنى: إما لمناسبة طبيعية بينه وبين معناه، وإما بالوضع: والأول مذهب عباد بن سليمان من المعتزلة ومن وافقه من غيرهم.
стр. 64
وهو يحتمل وجهين:-
أحدهما: أن تلك المناسبة الطبيعة حاملة للواضع على أن يضع ذلك اللفظ، لذلك المعنى سواء كان الواضع هو الله تعالى أو غيره. وهذا قريب لكن لا يمكن ادعاؤه في كل الألفاظ واللغات، لأنا نعلم بالضرورة أن ما يذكرونه من المناسبة بين حروف الألفاظ وبين معانيها غير مرعية في كل الألفاظ واللغات، ولأنه لو كان كذلك لما وقع المشترك بين الضدين كالقرء والجون، لأن الشيء الواحد لا يناسب الضدين مناسبة طبيعية، ولأنه لو كان كذلك لما اختلف دلالة الألفاظ على معانيها باختلاف الأمم والأزمنة، لأن المناسبة الطبيعة لا تختلف باختلافهما، فعلى هذا استدلال من استدل من أصحابنا على فساد قوله بما أنا نعلم أن الواضع في ابتداء الوضع لو وضع لفظ الوجود للعدم، أو بالعكس لما كان ممتنعا غير مستقيم، إذ الخصم لا يقول أن ذلك ممتنع على هذا التقدير، بل غايته أنه يلزم الترك بالمناسبة الطبيعية وهو غير ممتنع.
وثانيهما: أن تلك المناسبة الطبيعة وحدها كافية في كون تلك الألفاظ دالة على تلك المعاني من غير حاجة إلى الوضع. وهذا معلوم الفساد بالضرورة.
стр. 65
واحتج العباد على صحة ما ذهب إليه: بأن دلالة الألفاظ على معانيها لو لم تكن لمناسبة طبيعية لكان اختصاص اللفظ المعين للمعنى دون غيره ترجيحا لحد طرفي الجائز على الآخر من غير مرجح وهو باطل.
وجوابه: النقض بالإعلام، فإن المناسبة الطبيعة غير حاصلة فيها بالاتفاق.
سلمنا سلامته عن النقض لكن نقول: الواضع إن كان هو الله تعالى فله أن يرجح أحد الاختصاصين على الآخر من غير مرجح لكونه فاعلا مختارا.
ولئن سلم أنه ليس له ذلك فلم لا يجوز أن يكون المرجح مصلحة يعلمها الله تعالى في ذلك / (١١/ب) الاختصاص دون غيره، وإن كنا لا نعلمها. وإن كان هو العبد فله أيضا: أن يرجح أحد الاختصاصين على الآخر من غير مرجح لكونه فاعلا مختارا، وهذا على رأي المعتزلة غير أبي الحسين منهم.
وأما على رأي أصحابنا: فلا يستقيم هذا الجواب. بل جوابه: أن يقال لم لا يجوز أن يكون هو حضور ذلك اللفظ في البال دون غيره؟ وهذا كما قيل: في الإعلام. وهو أيضا: جواب المعتزلة.
стр. 66
وأما الثاني: هو أن يكون دلالة اللفظ على معناه بالوضع من غير مناسبة طبيعية. فالواضع إن كان هو الله فهو مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري والفقهاء، وأهل الظاهر، وهو المسمى بالتوقيف، لكونه متوقفا على إعلام الله تعالى إيانا بأن تلك الألفاظ موضوعة لتلك المعاني، إما بطريق الإيحاء والإلهام، أو بخلق العلم الضروري فينا بذلك. وإن كان هو العبد: فهو مذهب جمهور المعتزلة وهو المسمى بالاصطلاح. وإن كان فيهما
стр. 67
فإن كان ابتداء الوضع من الله تعالى، والباقي من العبد، فهو مذهب الأستاذ أبي إسحاق. وإن كان بالعكس فهو مذهب بعضهم.
стр. 68
وأما جمهور المحققين: كالقاضي أبي بكر، إمام الحرمين. فقد توقفوا في الكل ولم يقطعوا بشيء من هذه الاحتمالات الأربعة، وقالوا: إن كل هذه الاحتمالات ممكنة.
أما الأول: فلأنه لا امتناع في أن يضع الله تعالى اللفظ لمعنى ثم يخلق فينا علما ضروريا بذلك ويلهمنا به.
وأما الثاني: فلأنه لا امتناع أيضا: في أن يضع الواحد منا لفظاً بمعنى،
стр. 69
ثم يعرف ذلك غيره بإيماء أو إشارة، وهذا كما يعرف كل واحد من المصاحبين لغته لصاحبه إذا لم يعرف لسانه، وكما يتكلم الولد لغة والديه، وإذا ثبت إمكان تقدير الاحتمالين ثبت إمكان الاحتمالين الباقيين.
واعلم: أن الحق في هذه المسألة هو ما ذهب إليه جمهور المحققين إذ لا قاطع يدل على أحد الاحتمالات المذكورة على ما سيظهر ذلك عند القدح في أدلتهم، وليست المسألة عملية ولا آيلة إلى العمل حتى يكتفي فيها بالأدلة الظنية، وقد ثبت إمكان الكل فوجب التوقف.
واحتج القائلون بالتوقف بوجوه:
أحدهما: قوله تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ الآية. دلت الآية
стр. 70
على أن الأسماء معلمة من جهته تعالى، بمعنى أنه تعالى اوجد العلم بها فيه ﵇، إذ التعلم حقيقة في تحصيل العلم واستعماله في فعل يصلح أن يترتب العلم عليه في مثل قولهم: علمته فلم يتعلم بطريق التجويز، بدليل احتياجه إلى القرينة وهو قوله: فلم يتعلم، إذ لو اقتصر على قوله: علمته، لم يفهم منه هذا المعنى، وإذا / (١٢/أ) كانت الأسماء معلمة من جهته تعالى وجب أن تكون الأفعال أو الحروف كذلك، ضرورة أنه لا قائل بالفرق، ولأن تعليمها إما لحاجته إليها أو لتكرمته ﵇ وهما موجودان في الأفعال والحروف، إذ يتعذر التعبير عن كل ما تمس الحاجة إليه بالجملة الإسمية، فيثبت الحكم وهو التعليم لثبوت علته.
فإن قيل: هب أن التعليم حقيقة في إيجاد العلم، لكن العلم الحاصل بعد الاصطلاح عندنا من خلق الله تعالى فلم يكن تعليم الأسماء بمعنى إيجاد العلم بها دالا على التوقيف.
سلمنا: أن العلم الحاصل بعد الاصطلاح ليس من خلقه تعالى. لكن لا نسلم دلالة الآية على صورة النزاع، لجواز أن يكون المراد من الأسماء الصفات والعلامات، مثل ما يقال: أن الله تعالى علم آدم، أن الخيل تصبح للكر والفر، والجمل للحمل، والثور للحرث، وهذا وإن كان على خلاف العرف لكن الاشتقاق يشهد له، لأن الاسم مشتق من السمو أو السمة، وعلى
стр. 71
التقديرين مما يكشف عن الشيء يكون اسما وحينئذ لا تكون الآية دالة على أن اللغات توقيفية.
لا يقال: ما المراد من قولك: يجوز أن يكون المراد من الأسماء الصفات والعلامات.
أي: أنها من جملة المراد أو أنها المراد فقط، وهذا الاحتمال وإن كان خلاف ما أشعر به كلامكم، وهو التمسك بشهادة الاشتقاق، لكن لا يمتنع إرادته منه، فإن أردتم به الأول فمسلم، وإن كان على خلاف العرف لكن لا ينافى المقصود بل يحصله، لأن الآية حينئذ تكون دالة على أن كل ما يكشف عن الشيء معلم من جهته تعالى لكونها عامة، ومن جملة الألفاظ الدالة على معاينها، فتكون الآية دالة على أنها معلمة من جهته تعالى.
وإن أردتم به الثاني. فنقول: إنه غير جائز لكونه على خلاف العرف والاشتقاق والعموم.
قلنا: أردنا به الثاني وتمسكنا بالاشتقاق لبيان صحة كونها مرادة من الأسماء على وجه تخصيص العام ببعض مسمياته.
قوله: إنه غير جائز لكونه على خلاف الأصل.
قلنا: التمسك بمثله لا يفيد إلا الظن، وقد ذكرنا أن المسألة علمية فلا يجوز التمسك به عليها.
سلمنا: أن المراد من الأسماء الألفاظ المخصوصة لكن لا نسلم دلالة الآية على التوقيف، وهذا لأنه يجوز أن تكون تلك الألفاظ موضوعة خلق خلقه الله تعالى قبل آدم من الملائكة والجن ثم أنه تعالى علمها لآدم
стр. 72
سلمنا. دلالة الآية عليه لكن بالنسبة إلى كل اللغات أو بعضها / (١٢/ب).
والأول: ممنوع وهذا لأنا لا نسلم أن الجمع المحلى بالألف واللام يفيد العموم، ولئن سلمنا إفادته لذلك في الجملة، لكن لا نسلم أنه يفيده هاهنا، وهذا لأنا نعلم بالضرورة حدوث بعض اللغات بعده ﵇، بل في كل زمان كالألفاظ العرفية وأسامي الحروف والصناعات والآلات الحادثة فيستحيل أن تكون تلك الألفاظ مرادة من الآية فلم يكن العموم مرادا منها.
والثاني: مسلم لكن لا يحصل مطلوبكم.
سلمنا ذلك لكن لا يلزم منه توقيف هذه اللغات التي نتكلم بها بالنسبة إلينا لجواز أن يقال: إنه ﵇ نسى هذه اللغات، أو لم يوقف عليها غيره ثم اصطلح عليها من بعده.
سلمنا ذلك لكن لم قلت: إن الأفعال والحروف كذلك.
قوله: أو لأنه لا قائل بالفصل.
قلنا: لا نسلم أن الإجماع دليل قاطع حتى يجوز التمسك به في هذه المسألة.
سلمنا: أن الإجماع المطلق دليل قاطع، لكن لا نسلم أن هذا الإجماع وأمثاله كالسكوتي دليل قاطع، بل إما أن لا يكون حجة أو وإن كان حجة لكنه حجة ظنية.
قوله: ثانيا عليه التعليم للحاجة.
стр. 73
قلنا: مسمى الحاجة، أو الحاجة المخصوصة والأول ممنوع، والثاني مسلم، ولا يلزم منه كون الأفعال والحروف معلمة أيضا لعدم تلك الحاجة المخصوصة فيها.
واعلم أنه وإن أمكن الجواب عن بعض هذه الأسئلة لكن بأجوبة ظنية وقد عرفت أن المسألة عليمة فلا يجوز أن يعول عليها فلذلك تركنا ذكرها.
ثانيها: قوله تعالى: ﴿ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم﴾ الآية.
ووجه: التمسك بها هو أنه ليس المراد من اللسان الجارحة المخصوصة، لأنه ليس فيه كبير اختلاف، وبتقدير تحققه فإنه ليس بظاهر بخلاف غيره من الأعضاء كالوجه فإنه مع ظهوره واختصاصه بكثرة إبداع الصنع اختص بمزيد الجمال وهو داع للنظر إليه والتفكر فيه فكان ذكره أولى وأفضى إلى المقصود، فلم يكن في ذكره اللسان فائدة، بل المراد منه اختلاف اللغات، إما بطريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أو بطريق إطلاق اسم العلة على المعلول أو اسم المحل على الحال واختلافها إنما يكون آية على وجوده تعالى أن لو كانت اللغات توقيفية.
وأجيب عنه: هب أنا نسلم أنه ليس المراد من اللسان الجارحة المخصوصة،
стр. 74
لكن على الحمل على ما ذكرنا من المجاز أولى من الحمل على مجاز آخر، هو الاقتدار على اختراع اللغات أو على تلفظها فلم يتعين ما ذكرتم.
ولقائل: / (١٣/أ) أن يقول: مجاز المستدل أولى.
أما إذا قلنا: إنه من باب إطلاق اسم العلة على المعلول أو إطلاق اسم المحل على الحال فظاهر، لأن مجازكم من قبيل الإضمار على ما يبين ومجازه على هذا التقدير ليس كذلك، وإذا وقع التعارض بين المجاز والإضمار فالمجاز أولى. لأنه أكثر والكثرة تدل على قلة المفسدة.
وأما إن قلنا: إنه بطريق الإضمار فكذلك لقلة الإضمار على هذا التقدير بخلاف مجازكم فإنه يلزم منه كثرة الإضمار أو المجاز والإضمار معا. بيانه أنا لو حملنا على مجازكم يصير تقدير الآية، واختلاف اقتدار ألسنتكم باللغات، واختلاف اقتداركم باللغات على أنه أطلق اللسان وأورد الاقتدار، كما في إطلاق اليد وإرادة القدرة.
стр. 75
فعلى الأول: يلزم كثرة الإضمار، وعلى الثاني: يلزمه المجاز والإضمار معا وعلى ما ذكرنا لا يلزمه إلا الإضمار الذي هو أقل من إضماركم، لأنه يصير تقدير الآية على ما ذكرنا، واختلاف لغات ألسنتكم وكان أولى.
"والأولى أن يجاب بمنع أن اختلاف اللغات إنما يكون آية لو كانت اللغات توقيفية". وهذا لأن واضعها، وإن كان هو العبد فهي مخلوقة لله تعالى على ما عرف عن مذهبنا أن أفعال العباد ونتائجها بخلق الله تعالى.
وثالثها: قوله تعالى: ﴿إن هي إلا أسماء سميتموها أنت وآباؤكم﴾ الآية.
ذمهم على تسميتهم بعض الأشياء من غير توقيف لقوله تعالى: ﴿ما أنزل الله بها من سلطان﴾ يدل عليه، فلو كان غيرها من الأسماء اصطلاحيا
следующие страницы →