← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ثم منهم: من منع مطلقا أي لا يجوز أن يراد باللفظ المشترك كلا مفهوميه معا، نظرا إلى الإرادة، والوضع، كما لا يجوز أن يراد بالمؤمنين: المؤمنون والمشركون. وهذا لأن إرادة كل واحد منهما مستلزمة لعدم إرادة الآخر به على ما ستعرف إن شاء الله تعالى أنه موضوع لهما على البدلية لا على المعية، فلو كانا مرادين معا لزم أن لا يكونا مرادين معا وهو محال. أو نقول: بعبارة "أخرى" عن المتكلم باللفظ المشترك، إذا أراد أحدهما فقد أراد ما/ (٣٥/ب) وضع له اللفظ، فلو أراد معه المفهوم الآخر، فقد أراد العدول عما وضع له اللفظ لما سبق، فيلزم أن يكون مريدا به لما وضع له، ومريدا للعدول عنه وهو محال.

стр. 212

ومنهم من خص المنع لأمر يرجع إلى الوضع: كالغزالي، وأبي الحسين البصري، واختاره الإمام أيضا: إذ قالوا: يجوز أن يحمل المشترك على مفهوميه معا، نظرا إلى الإرادة والاستحالة في إرادتهما لكن يلزم منه مخالفة الوضع، وهذا لأنه يجوز إرادتهما قبل التلفظ باللفظ المشترك، أو عند التلفظ به مرتين، فالتلفظ به مرة واحدة لا يحيل ما كان ممكنا، وليس هو كإطلاق لفظ المؤمنين وإرادتهم وإرادة المشتركين، لأنه غير صالح للدلالة على كل واحد منهما لا بطريق البدلية ولا بطرق المعية، وجواز الإدارة مشروط بصلاحية الدلالة. وقبل الخوض في الدلالة لابد من تقديم مقدمة: وهي أن كون اللفظ موضوعا لمسميين مختلفين على البدل، ليس عين كونه موضوعا لكل واحد منهما معا، ولا عين كونه موضوعا لهما باعتبار الكلية وهيئة المجموعية وغير مستلزم لهما أيضا. أما الأول: فلأن المغايرة بين هذه المفهومات الثلاثة معلومة، ألا ترى أن النكرة من المتواطئ يدل على كل واحد من أفراد ما صدق عليه على البدل، ولا يدل عليها بحسب الدلالتين الباقيتين، والعام يدل على جميع الأفراد الداخلة تحته، لكن باعتبار كل واحد منها مع الآخر، ولا يدل بطريق البدلية

стр. 213

ولا بطريق هيئة المجموعية، ولذلك لا تتغير دلالته بقلة أفراده ولا بزيادته وأسماء العدد مثل العشرة، والعشرين، ومثل الرهط، والقوم، وتدل على مسمياتها باعتبار مجموعة أجزائها، دون اعتبار كل واحد منها، ولذلك تتغير دلالته بالزيادة والنقصان. وأما الثاني: وهو أن الوضع بطريق البدلية غير مستلزم للوضعين الآخرين فظاهر أيضا مما سبق. إذا عرفت هذا. فنقول: احتج النفاة: بأن واضع المشترك إن وضعه لأحد المسميين على البدل فقط، لم يجز حمله عليهما بأي اعتبار كان من الاعتبارين المذكورين، لأنه حمل له على غير موضوعه بدون القرينة، وهو ممتنع. وإن وضعه لهما معا بأي اعتبار كان منهما ولم يضعه لأحدهما على البدل، لم يكن اللفظ حينئذ مشتركا، لأنه غير موضوع/ (٣٦/أ) لمسممين متغايرين، وبتقدير كونه مشتركا، لم يكن حمله عليهما حملا للمشترك على كل مفهوميه، بل على مفهوم واحد، فإن المجموع من حيث إنه مجموع، أو باعتبار كل واحد منهما مفهوم واحد. ولئن سلم: أنه حمل عله على كلا مفهوميه، لكنه يقتضي أن يكون حمله على كل واحد منهما على البدل مجازا، أو هو باطل. أما أولا: فبالاتفاق. وأما ثانيا: فلأنه المتبادر إلى الفهم عند إطلاق المشترك دون مجموع مفهوماته

стр. 214

والتبادر دليل الحقيقة، وإحالته إلى العرف الطارئ دليل الحقيقة، وإحالته إلى العرف الطارئ خلاف الأصل. فإن قلت: كيف ادعيت الاتفاق على أن حمله على كل واحد منهما على البدل ليس بمجاز. وقد قال الشافعي، والقاضي أبو بكر ﵄: إنه يجب حمل المشترك على جميع مفهوماته عند تجرده عن القرينة المخصصة لأحدهما، كما يجب ذلك في سار الألفاظ العامة. ولا فرق عندهما بين العام والمشترك في أن كل واحد منهما يتناول جميع مفهوماته، إلا أن العام يتناول جميع أفراده لمشترك مدلول له بين تلك الأفراد، بخلاف المشترك، فإنه لا يدل عليها باعتبار قدر مشترك بينها. وهذا دليل منهم على أن حمله على كل واحد منهما على البدل مجاز كما هو في العام. قلت: لا نسلم أن ذلك يدل على ما ذكرت، وإنما يدل عليه إن لو لم يكن له علة سوى كون اللفظ حقيقة فيه فقط، وهو ممنوع. وكيف يقال ذلك؟. وقد قال القاضي: لو أطلق المشترك مرتين، وأريد به كل مرة معنى جاز، فأي بعد في أن يقتصر على مرة واحدة ويراد به كلا المفهومين. وهو تصريح منه بأنه يجوز إرادة أحدهما منه بطريق الحقيقة حتى يستقيم. قوله: بل إنما صار إلى ما ذكرت، وإن كان اللفظ حقيقة عندهم في المجموع، وفي أحدهما على البدل، لأن حمله على المجموع يقتضي رفع الإجمال عن الخطاب، بخلاف ما إذا حمل على أحدها على البدل، فإنه يتوقف فيه إلى وجود القرينة المعينة، ولأن الحمل على المجموع أحوط،

стр. 215

وإن وضعه للمجموع أو لأحدهما على البدل أيضا: فإن استعمل في المجموع فقط سواء كان اعتبار هيئة المجموعية، أو باعتبار كل واحد منهما لم يكن ذلك استعمالا للمشترك في كل مفهوماته بل في بعضها، وإن استعمله فيهما معا فهو بحال، لأن المعنى من استعماله في المجموع بطريق الحقيقة أن لا يحصل الاكتفاء "إلا به والمعنى من استعماله في البدلية طريق الحقيقة أن يحصل الاكتفاء" بأحدهما/ (٣٦/ب) فيلزم أن يحصل الاكتفاء بواحد وأن لا يحصل وهو جمع يبن النقيضين وإنما قيدنا الاستعمالين أعني الاستعمال في المجموع وفي البدلية بطريق الحقيقة لئلا يرد السؤال الذي يورد في هذا المقام. وهو أن الاكتفاء بأحدهما إنما يجب أن يحصل إذا لم

стр. 216

يكن داخلا في المجموع، أما إذا كان داخلا فلا نسلم حصول الاكتفاء به. والمعنى من استعماله فيه أنه لابد منه، لا أنه مكتف به كالعام فإنه مستعمل من كل واحد من أنواعه وأفراد أنواعه مع أنه لا يحصل الاكتفاء ببعض أنواعه وأفراد أنواعه، لأن المعنى من استعماله فيه أنه لابد منه لا أنه مكتف به فإنه إذا كان مستعملا في أحدهما بطريق الحقيقة لا يكون مستعملا فيه باعتبار أنه داخل في المجموع فلا يكون مستعملا فيه بمعنى أنه لابد منه فإن ذلك قد يصدق على التضمن وهو غير صادق عليه. واحتج المجوزون بوجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ والصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ثم عن تعالى أرادهما

стр. 217

من قوله "يصلون" في الآية والأصل في الكلام الحقيقة. وثانيها: قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والشجر والدواب وكثير من الناس﴾. والسجود من الناس هو وضع الجبهة على الأرض، لأنه المتبادر إلى الفهم عندما يضاف إليه، ولأنه لو أريد من السجود المضاف إلى الناس الخشوع، لم يبق لتقييد الناس بكثير فائدة، إذ السجود بمعنى الخشوع حاصل من كل الناس، المؤمن، والكافر، والسجود من الشجر، والدواب، هو الخشوع لأنه المتصور منهما، وقد أراداهما الله تعالى بالسجود في الآية. وثالثها: قوله: تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾. أراد الله تعالى من القروء المذكورة في الآية الطهر والحيض من المرأة المجتهدة، بشرط أن يؤدي اجتهادها إلى التطهر أو إلى الحيض، بدليل وجوب الاعتداد بما أدى إليه اجتهادها.

стр. 218

ورابعها: قول سيبويه: "إن قول القائل لغيره الويل لك دعاء وخبر" جعله مفيدا لكلا المعنيين مع اتحاد اللفظ، وقوله: في المباحث اللغوية حجة. وخامسها: وهو الوجه المعقول: أنه لا يمتنع إرادة ذينك المعنيين قبل التلفظ به، أو عند التلفظ به مرتين، أو عند القرينة المعينة لهما، فوجب أن لا يمتنع أيضا عند التلفظ مرة واحدة، لأن وجود اللفظ/ (٣٧/أ) وإيجاده لا يحيلان ما كان ممكنا، وهو حجة على من أنكر جواز إرادتهما مطلقا خاصة. الجواب عن الأول، والثاني: أن الصلاة، والسجود، وإن كان كل واحد منهما مذكورا في الآية مرة واحدة، لكنهما مستندان إلى ضمير فاعلين مختلفين، فهما كالمتعددين لتعدد فاعليهما، فيجوز أن يراد بكل واحد

стр. 219

منهما معنيان مختلفان، ولا يلزمه صحة إرادتهما منه عند التكلم به مرة واحدة. سلمنا: أنه ليس كالمتعدد، لكن يجوز أن يكون موضوعا لذينك المفهومين على الجمع، كما هو موضوع لهما على البدل، فاستعماله في المجموعة على هذا التقدير استعمالا له في أحد مفهوماته لا في كلها. فإن قلت: الاشتراك خلاف الأصل، فكان تقليله أوفق للأصل، وقد ثبت أن اللفظ مشترك بين ذينك الفردين، فلا يجوز أن يجعل مشتركا بينهما وبين المجموع. قلت: التزام مخالفة الأصل أولى من مخالفة الدليل القاطع. سلمنا: أنه غير موضوع للمجموع فلم لا يجوز أن يكون الاستعمال بطريق التجوز؟ فإن قلت: إنه خلاف الأصل أيضا. فالجواب عنه ما سبق، وقد أجيب عنهما بجوابين آخرين: أحدهما: ما ذكره الغزالي ﵀: وهو أنا لا نسلم أن إطلاق الصلاة على المعنيين وهما المغفرة والاستغفار، وإنما هو بالاشتراك اللفظي، بل هو

стр. 220

بالاشتراك المعنوي، والقدر المشترك بينهما هو العناية بأمر النبي ﵇ لشرفه وحرمته والعناية من الله تعالى المغفرة والرحمة، ومن الملائكة الاستغفار, وكذا القول في السجود فإن المشترك بين السجودين أعنى سجود الشجر، الدواب، وسجود الناس، هو الخشوع، وكون كل واحد منهما داخلا تحت التخير. وفيه نظر لا يخفى عليك. وثانيها: ما ذكره أبو هاشم: وهو أن كل واحد من لفظي الصلاة والسجود، وإن كان موضوعا لأحد المسميين المذكورين على البدل، لكن لا يبعد أن يقال: إنه في عرف الشرع موضوع للمجموع. فعلى هذا لا يكون اللفظ مشتركا، بالنسبة إلى الوضع الشرعي. ولئن سلم: كونه مشتركا، لكن لا يكون ذلك استعمالا للمشترك في جميع مفهوماته. وفيه نظر أيضا. أما أولا: فلأنه مبني على القول بالنقل، وفيه كلام، والخصم غير مساعد عليه. وأما الثانية: فلأن من شرطه الاشتهار بحيث يتبادر المنقول إليه إلى الفهم

стр. 221

عند سماعه، ولا شك/ (٣٧/أ) أنه غير حاصل فيما نحن فيه. وعن الثالث: بعض ما سبق، ويخصه منع أنه أرادهما، ووجوب الاعتداد بكل واحد منهما بدلا عن الآخر، عند أداء اجتهادها إليه لا يدل على ذلك، فإن ما غلب على ظن المجتهد يجب العمل به، وإن كان [ذلك] غير مدلول عليه باللفظ، بل وإن كان على خلاف ما دل عليه اللفظ، كما في تخصيص العام بالقياس والقرائن الخالية. وعن الرابع: أيضا بعض ما سبق، ويخصه "بأنه" بيان كونه موضوعا لذينك المعنيين، لا أنه مستعمل فهما على الجمع. سلمنا: ذلك لكن قوله حجة، إذا كان سالما عن المعارض، وهو غير مسلم، فإن كثيرا من أهل العربية ممن هو في رتبته منعوا من استعماله في جميع مفهوماته. وعن الخامس: أنا لا نقول: بامتناع إرادتهما مطلقا، بل لأمر يرجع إلى الوضع. ولئن قلنا به، لكن ما ذكرنا من الدليل، يوجب إحالة إرادتهما معا

стр. 222

لا نفس التكلم به مرة واحدة. فروع أربعة: الأول: اللفظ إذا كان حقيقة في شيء، ومجازا في شيء آخر، فهل يجوز حمله عليهما، عند عدم القرينة المخصصة لهما، أو لأحدهما؟ اختلفوا فيه، على حسب اختلافهم في المسألة السابقة، إلا أنه نقل بعضهم عن القاضي أبي بكر ﵀ إحالته. واحتج على إحالته: بأن المعنى من كونه اللفظ مستعملا في حقيقته أنه مستعمل فيما وضع له، والمعنى من كونه مستعملا في مجازه أنه غير مستعمل فيما وضع له، فلو كان مريدا لاستعماله في حقيقته ومجازه يلزم أن يكون مريدا لاستعماله فيما وضع له، ومريدا لعدم استعماله فيه، وذلك يستلزم كزنه غير مريد لاستعماله فيه وهو متناقض. ولأن استعماله في المفهوم المجازى يقتضي إضمار كاف التشبيه، واستعماله في الحقيقة يقتضي عدمه، والجمع بين الإضمار، وعدمه في الكلمة الواحدة محال. وهما ضعيفان. أما الأول: فلأنا لا نسلم أن المعنى من كونه مستعملا في مجازه أنه غير

стр. 223

مستعمل فيما وضع له، بل المعنى منه أنه مستعمل في غير ما وضع وهو أعم من كونه غير مستعمل فيما وضع والعام لا يستلزم الخاص فلا يتحقق التناقض. وأما الثاني: فلأن الجمع بين الإضمار وعدمه في الكلمة الواحدة إنما يمتنع بالنسبة إلى الشيء الواحد، أما بالنسبة [إلى الشيئين فلا نسلم امتناعه. مثال اللفظ الواحد المحمول على حقيقته ومجازه، "اللمس" فإنه حقيقة في "المس" ومجازى في "الوطء"، فهل يجوز أن يحمل عليهما في قوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ حتى يجب التيمم على اللامس والمجامع

стр. 224

عند فقد الماء أم لا؟ فمن جوزه حمله عليهما، ومن لم يجوزه لم يحمله عليهما. وعلى هذا الخلاف أيضا جواز حمل اللفظ على مفهومين محاذين عند تعذر حمله على حقيقته ومجازه الراجح. الثاني: أنه وإن جوز استعمال المشترك في مفهومين مختلفين عند تجرده عن القرينة، لكن لا يجب الحمل عليهما عند الأكثرين منهم، لأن اللفظ كما هو حقيقة في المجموع، فكذا هو حقيقة في أحدهما على البدل أيضا. فلو قلنا: بوجوب الحمل عليهما عند تجرده عن القرينة، كان ذلك ترجيحا لأحد المفهومين على الآخر من غير مرجح. وقال الشافعي، والقاضي أبو بكر ﵄: إنه يجب ذلك تكثيرا للفائدة ودفعا للإجمال ومصيرا إلى الاحتياط. وعند هذا ظهر أن ما ذكروه أن ذلك يكون ترجيحا غير مرجح باطل.

стр. 225

الثالث: الذين أنكروا استعمال المفرد المشترك في جميع مفهوماته. اختلفوا في تثنيته، وجمعه في جانب الإثبات: فالأكثرون منهم طردوا النفي، محتجا: بأن التثنية، والجمع إنما هو باعتبار ضم الشيء أو الشيئين إلى مثله، وذلك لا يتحقق إلا عند اتحاد المعنى فلا تتحقق التثنية والجمع عند اختلاف المفهومات. ومنهم من جوزه: زاعما بأنه لا معنى لقول القائل: اعتدى بالإقراء إلا أنه اعتدى بقرء وقرء وقرء، فإذا جاز أن يراد بكل مرة معنى، جاز أيضا أن يراد بالجمع كل تلك المفهومات، لأنه بمعناه. وجوابه: لا نسلم أنه لا معنى له إلا ما ذكرتم، بل معناه اعتدى ثلاثة أقراء، وهي إطهار أو حيض، لأن بعضها طهر وبعضها حيض. الرابع: المنكرون لتعميم المشترك المفرد في الإثبات.

стр. 226

اختلفوا في تعميمه، في جانب النفي مفردا كان أو جمعا: كقولك لا تعتدي، بقرء، أو بالإقراء. فالأكثرون منهم سووا بين النفي والإثبات وأنكروا العموم فيهما مفردا، وجمعا متمسكا بأن النفي لا يرفع إلا مقتضى الإثبات، فإذا لم يفد اللفظ في جانب الإثبات إلا مفهوما واحدا، فردا كان أو جمعا، وجب أن لا يفيد في جانب النفي إلا واحدا، نعم لو أريد به نفي المسمى حتى يكون معنى قولنا: لا تعتدي بقراء لا تعتد بما هو مسمى بالقرء، فحينئذ يعم، لأنه يفيد مسمى القرء الذي هو مشترك بين الطهر والحيض، فنفيه يستلزم نفيهما، لكن يصير اللفظ حينئذ متواطئا ويخرج عن أن يكون مشتركا. ومنهم من قال: بالتعميم في طرفي النفي محتجا: بأن دخول حرف النفي على اللفظ اقتضى نفيه مطلقا، ونفيه مطلقا يستلزم نفي ما يطلق عليه وإلا لزم أن لا يكون منفيا مطلقا، ولذلك قيل: النكرة في سياق النفي تعم وحينئذ يلزم تعميمه، وعلى هذا النحو الحجاج من الجانبين في نفي الجمع، لكن نفي المفرد أقرب إلى التعميم من نفي الجميع قليلا، لأن انتفاء الجمع يجوز أن يكون لانتفاء فرد من أفراده وحينئذ لا يلزم تعميمه بالنسبة إلى جميع مفهوماته، ولهذا نفى الجمع المذكر من المتواطئ لا يقتضي عموم النفي وإن كان فرده يقتضي ذلك.

стр. 227

المسألة الثامنة [في اللفظ المشترك إذا لم توجد معه قرينة يكون مجملا] اللفظ المشترك، إن لم توجد معه القرينة المخصصة لبعض مدلولاتها، أو لكلها كان مجملا، عند من لم يجوز حمله على جميع معانيه. وعند من جوزه أيضا لكن لا يوجب الحمل عليه. وإن وجد معه قرينة، فإما أن تكون معينة أو ملغية، فإن كانت معينة، فإما أن تكون معينة لبعض مدلولاته [أولا]. فإن كان الأول: فقد زال الإجمال عن اللفظ، ووجب حمله على ما تعنيه القرينة. وإن كان الثاني: فإما تكون تلك المدلولات متنافية، أو لا تكون. فإن كان الأول: كان اللفظ بعد القرينة مجملا، كما قبلها لتعذر حمله عليها بأسرها. وإن كان الثاني: فقيل: يتعارض الدليل المانع من حمل المشترك على جميع مفهوماته والقرينة الموجبة لحمله عليها. وهو باطل، لأن تلك القرينة، إن كانت دلالته ظنية لا تكون معارضة للقطعي، لأن الظني لا يعارض القطعي، وإن كانت دلالته قطعية، فلا يعارض أيضا، لأنه يمكن الجمع بينهما بأن يقال: إن المتكلم تكلم به مرات، وأراد بكل مرة معنى من معانيه، والدليل المانع لا ينفي ذلك، وإن فرض وجود تلك القرينة عندما

стр. 228

يعلم أن المتكلم تكلم به مرة واحدة، فلا يعارض أيضا. لجواز أن يقال: إنها مرادة على وجه التجوز، اللهم إلا أن يفرض أن تلك القرينة تعين كل واحد من تلك المفهومات على سبيل الحقيقة إن أمكن ذلك، فحينئذ يثار إلى الترجيح إن قيل: بجريانه بين القاطعين، وإلا فلا. وقول الإمام في التوفيق بينهما: أنه يمكن أن يكون اللفظ موضوعا للكل كما هو موضوع لكل واحد من تلك المفهومات] / (٣٩/أ) بالاشتراك. غير سديد، لأن القرينة على هذا التقدير، يجب أن تكون معينة لكل تلك المفهومات، ولكل واحد منها- أيضا- حتى تكون معينة لكل مفهوماته، فإن تقدير أن تكون معينة لكل تلك المفهومات، من حيث إنه قل: لا لكل واحد منها، لا تكون معينة لكل مفهوماته، بل لبعضها، فإن كل تلك المفهومات أحد الأمور المسماة به، وحينئذ يتعذر الجمع بين الدليل المانع، وبين القرينة، لأنها تقتضي أن يكون اللفظ مستعملا في الكل، وفي كل واحد من تلك المفهومات والدليل المانع ينفيه. وأما إن كانت القرينة ملغية، فإما أن تكون ملغية للبعض، أو للكل، فإن كان الأول: فالباقي بعد الإلغاء، وإن كان واحدا تعين الحمل عليه وارتفع الإجمال، وإن كان أكثر منه بقي اللفظ مجملا بين ما بقي كما كان مجملا بين الكل قبل الإلغاء. وإن كان الثاني: فحينئذ يتعذر حمله على شيء منها، ويجب حمله على مجازات تلك الحقائق الملغاة، كي لا يتعطل اللفظ، ثم تلك المجازات إما تكون متساوية، أو لا تكون وعلى التقديرين. فالحقائق الملغاة إما أن تكون بحال لو لم تكن دلالة القرينة. على إلغائها كان البعض أرجح من البعض، أو لا تكون كذلك. فهذه أقسام أربعة:-

стр. 229

إحداها: أن تكون المجازات متساوية، والحقائق متفاوتة، فحينئذ يحمل على مجاز الحقيقة الراجحة، مراعاة لذلك القدر من الرجحان. وثانيها: أن تكون الحقائق أيضا متساوية، وعلى هذا التقدير يكون اللفظ مجملا بين تلك المجازات، كما كان مجملا بين تلك الحقائق الملغاة لولا قرينة الإلغاء، هذا على رأي من لم يجوز حمل اللفظ على معنيين مختلفين، أما على رأي من يجوزه فإنه يحمله على تلك المجازات كما كان يحمله على كل تلك الحقائق لولا القرينة الملغية. وثالثها: أن تكون المجازات والحقائق كلاهما متفاوتين وهو على قسمين:- أحدهما: أن يكون الراجح مجاز الحقيقة الراجحة، فهاهنا تعين الحمل عليه [لجهة] الرجحان. وثانيهما: أن يكون الراجح "مجاز" الحقيقة المرجوحة، فهاهنا يقع التعارض بينه وبين المجاز المرجوح للحقيقة الراجحة، لأن كل واحد منهما راجح من وجه ومرجوح من وجه، فيكون اللفظ مجملا بينهما إلى ظهور الترجيح. ويمكن أن يقال الحمل على المجاز الراجح، أولى من الحمل على المجاز المرجوح للحقيقة الراجحة، لأن. الرجحان فيه حاصل في نفس ما يحمل

стр. 230

اللفظ عليه، بخلاف المجاز المرجوح، فإن الرجحان غير حاصل فيه بل في غيره فكان أولى. ورابعها: أن تكون المجازات متفاوتة والحقائق متساوية، فهاهنا يجب/ (٣٩/أ) حمل اللفظ على المجاز الراجح وهو ظاهر غني عن البيان.

стр. 231

"الفصل الثاني عشر" في الحقيقة

стр. 232

الفصل الثاني عشر في الحقيقة وفيه مسائل المسألة الأولى في تفسير الحقيقة بحسب اللغة اعلم أن الحق في اللغة: هو الثابت، قال الله تعالى: ﴿ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين﴾. أي وجبت وثبتت، وهو من أسماءه تعالى بهذا الاعتبار، لأنه الثابت أزلا وأبدا لذاته، بخلاف غيره من الموجودات. ويقال: الحق لما يقابل الباطل، لأنه جدير بالثبوت كما أن الباطل جدير بالزهوق. ومنه يقال: لذات الشيء وماهيته حقيقته، لأنها الثابتة واللازمة له. والحقيقة فعيلة منه والياء دخلت فيه لنقله من الوصفية إلى الإسمية الصرفة، كما في الأكيلة.

стр. 233

وفي التهذيب: يقال: فلانة أكيلي للمرأة التي تؤاكلك وفي حديث النهي عن المنكر: والنطيحة، إذ لا يقال: شاة أكيلة ونطيحة. ثم إن الحقيقة يحتمل أن تكون بمعنى "الفعل" فيكون معناها الثابتة. ويحتمل أن تكون هي "المفعول" فيكون معناها المثبتة. المسألة الثانية في حد الحقيقة بحسب اصطلاح العلماء . الحقيقة: عبارة عن اللفظ المستعمل في إفادة ما وضع اللفظ له أولا، بالنسبة إلى الاصطلاح الذي وقع التخاطب به. خرج بقولنا: اللفظ المستعمل في إفادة ما وضع اللفظ له أولا. المجاز. هذا على رأي من يفسره الوضع في المجاز لأنه وإن كان اللفظ موضوعا له،

стр. 234

لكن ليس ذلك الوضع أولا بل ثانيا. أما على رأي من لم يعتبره، فلا حاجة إلى قيد الأولوية، لأنه خرج بقيد الوضع، اللهم إلا إن أريد بالوضع ما يعم الوضع الحقيقي، والمجازي. وإنما كنا: "بالنسبة" إلى الاصطلاح الذي وقع التخاطب به ليتناول الحقيقة اللغوية، والعرفية، والشرعية. إذا عرفت هذا. فاعلم أن لفظ الحقيقة بالنسبة إلى هذا المفهوم حقيقة عرفية، ومجاز لغوي. أما الأول: فلأن الذهن عند سماعها مجردة عن القرائن يتبادر إلى فهم ما ذكرنا من المعنى، والتبادر دليل الحقيقة، وإلا ليست حقيقة لغوية لما سيأتي، ولا شرعية، وهو ظاهر فهي عرفية لكنها غير عامة، لأن ذلك المعنى لا يتبادر إلى فهم كل واحد من أهل العرف، بل إلى فهم العلماء فهي عرفية خاصة.

стр. 235

وأما الثاني: فلأن الحق في اللغة: هو الثابت، ثم نقل منه إلى الاعتقاد المطابق تجوزا، لأنه ليس بثابت حقيقة، إذ هو من قبيل الأعراض. ووجه التجوز هو: أنه جدير بالوجود من الاعتقاد غير المطابق ثم نقل منه إلى القول المطابق لما سبق، ثم منه إلى اللفظ المستعمل في موضوعه الأصلي، لأن فيه تحقيق ذلك الوضع فهو مجاز في الرتبة الثالثة. المسألة الثالثة في إثبات الحقيقة اللغوية والعرفية (٤٠/أ) أما الأول: فمتفق عليه، ولا نزاع لأحد فيه. وأيضا لا شك في وجود ألفاظ مستعملة في معان، فتلك الألفاظ عن كانت موضوعة لتلك المعاني فقد حصل الغرض. وإن لم تكن كذلك فيلزم أن تكون مجازات فيها، إذ ليست أعلاما لها، لكن ذلك باطل. لأن شرط المجاز حصول المناسبة الخاصة بين الموضوع الأصلي وبين المعنى المجازي، ولا يمكن جعل

стр. 236

اللفظ مجازا في صورة، إلا بعد العلم بتلك المناسبة الخاصة، وحصول ذلك العلم مشروط بالعلم بالموضوع الأصلي ولما لم يعلم لتلك الألفاظ موضوعات أخر أصلية لما يكن جعلها مجازات في تلك الصور المستعملة. وأما الثاني: فاعلم أولا: أن اللفظة العرفية: هي الفظة التي نقلت عن موضوعها الأصلي إلى غيره بعرف الاستعمال. وهي منقسمة إلى خاصة، وعامة بحسب الناقلين، فإن كان الناقل طائفة مخصوصة سميت خاصة وإن كان عامة الخلائق، سميت عامة. أما الخاصة: فلا نزاع في وقوعها، إذ هو معدوم بالضرورة بعد الاستقراء، مثل الألفاظ المستعملة في اصطلاح أرباب العلوم والصنائع، في معانيها المخصوصة التي لا يعرفه أرباب اللغة. وإنما النزاع في وقوع العرفية العامة، والأكثرون على وقوعها. وهي على قسمين:- أحدهما: أن يكون الاسم قد وضع لمعنى عام، ثم يخصص بالعرف

стр. 237

العام ببعض أنواعه كلفظ "الدابة" بذوات الأربعة دون غيرها مما يدب على وجه الأرض، كالإنسان والطير مع أنه في أصل اللغة موضوع لكل ما يدب على وجه الأرض. وثانيها: أن يكون الاسم في أصل اللغة، قد وضع لمعنى ثم كثر استعماله فيما له به نوع مناسبة وملابسة، بحيث لا يفهم المعنى الأول: كإطلاق "الغائط" على الخارج المستقذر من الإنسان، فإنه في الأصل موضوع للمطمئن من الأرض، الذي قضي فيه الحاجة غالبا فكنوا عنه الأصل باسم محله لنفرة الطباع عن التصريح به. وكالرواية بالنسبة إلى المزادة، فإنها في الأصل موضوعة للناقة التي تحملها لكن في العرف لا يفهم منها إلا المزادة ولكثرة الاستعمال فيها. وأما على غير هذين الوجهين، فلم يعلم وقوعها. ثم الدليل على أن هذه الألفاظ حقائق في هذه المعاني، وجود أمارات الحقائق فيها، نحو التبادر إلى الفهم، عند إطلاقها وعدم صحة نفيها عنها بالنسبة إلى العرف العام "وظاهر أنها ليست حقائق لغوية وشرعية

стр. 238

فهي عرفية وليست خاصة، لأنها غير مختصة بفهم قوم دون قوم فهي عرفية عامة. المسألة الرابعة في الحقيقة الشرعية الحقيقة الشرعية: هي اللفظة التي استفيد وضعها للمعنى من جهة الشرع. وأقسامها الممكنة بحسب القسمة العقلية أربعة:- أحدها: أن يكون اللفظ والمعنى معلومين لأهل اللغة، لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى. "وثانيها: أن يكونا غير معلومين لهم". وثالثها: أن يكون اللفظ معلوما لهم، والمعنى غير معلوم لهم. ورابعها: عكسه. والمنقولة الشرعية من هذه الأقسام إنما هي الأول، والثالث: فالمنقولة الشرعية أخص من الحقيقة الشرعية، ثم من "هذه الأقسام" المنقولة ما

стр. 239

نقل إلى الدين وأصوله كالإيمان، والإسلام، والكفر، والفسق. ويخص بالدينية فهي إذا أخص من المنقولة الشرعية. فإن قلت: فهذه الأقسام الممكنة، هل هي واقعة كلها تفريعا على القول بالحقيقة الشرعية أم لا؟ قلت: الأشبه وقوعها. أما القسم الأول فهو كلفظ الرحمن لله تعالى، فإن هذا اللفظ كان معلوما لهم، وكذا صانع العالم، كان معلوما لهم، من حيث إنه صانع وخالق لهم، بدليل قوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله﴾ لكن لم يضعوه لله تعالى، ولذلك قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، حيث نزل قوله تعالى: ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن﴾ الآية.

стр. 240

وأما الثاني: فهو كأوائل السور عند من يجعلها أسماء لها أو للقرآن، فإنها ما كانت معلومة لهم، على هذا الترتيب ولا القرآن ولا السور. وأما القسم الثالث: فهو كلفظ "الصلاة"، و "الصوم"، و "الزكاة"، وأمثالها فإن هذه الألفاظ كانت معلومة لهم، ومستعملة: عندهم في معانيها المعلومة، ومعانيها الشرعية ما كانت معلومة لهم. وأما الرابع: فهو كلفظ "الأب" فإنه قيل هذه الكلمة لم يعرفها العرب، ولذلك قال عمر ﵁ "لما نزل قوله تعالى": ﴿فاكهة وأبا متاعا لكم﴾. هذه الفاكهة، فما الأب؟. ومعناها كان معلوماً لهم.

стр. 241

بدليل أن له أسماء أخر عندهم نحو "العشب"، وكلفظ "المشكاة"، و "السجيل" على رأي من لم يجعلها عربيتين من قبيل توافق اللغتين

стр. 242

وكونهما معربين لا يخرجهما عن هذا القسم الذي نحن فيه، لأن اللفظ الذي لا يكون معلوما لهم أعم من أن يكون مخترع الشرع أو منقولة من لغة أخرى غير معلومة لهم. وهذا المثال إنما يستقيم إذا ثبت أن تعريبهما بالشرع، أما إذا لم يثبت ذلك بل جوزنا أن يكون ذلك حاصلا قبله فلا، فيطلب له مثال آخر. إذا عرفت الحقيقة الشرعية فنقول:/ (٤١/أ) اختلف الناس في وقوعها: لا في إمكانها، فإن ذلك "مما" لا نزاع لأحد فيه. فذهب طائفة من الفقهاء، والمعتزلة، والخوارج،

стр. 243

إليه مطلقا. وأنكره القاضي أبو بكر مطلقا. وزعم أن لفظ الصلاة، والصوم، في الشرع مستعمل في المعنى اللغوي، وهو الدعاء والإمساك، لكن الشارع شرط في الاعتداد بهما أمورا أخر، نحو الركوع، والسجود، والكف عن الجماع، فهو متصرف بوضع الشرط لا بتغير الوضع. ومنهم من فصل: كإمام الحرمين، والغزالي، والإمام رحمهم الله

стр. 244

فأثبت من المنقولات الشرعية ما كان مجازا لغويا. كما في الحقائق العرفية، دون ما ليس كذلك بأن كان منقولا عنها بالكلية. احتج القاضي على فساد مذهب الخصم بمسلكين:- أحدهما: أن القرآن مشتمل على لفظ الصلاة، والصوم، والكافر، والمؤمن. فلو كانت دلالتها على هذه المعاني المفهومة منها الآن بحسب الوضع الشرعي "لما كان كل القرآن عربيا لكن كل القرآن عربي ولا تكون دلالتها بالوضع الشرعي". بيان الملازمة: أن كون اللفظ عربيا وصف حاصل له لإفادة المعنى بحسب وضعهم، لأنه ليس ذلك الوصف له لذاته وصورته وإلا لكان قبل وضعه للمعنى عربيا. وهو باطل، لأن اللفظ المهمل لا يوصف بكونه عربيا أو فارسيا، ولأن توافق اللغتين جائز، فلو كان كونه عربيا أو أعجميا وصفا حاصلا له لذاته وصورته لزم أن تكون الذات الواحدة مقتضية للضدين ومتصفا بهما معا. وهو محال. ولا لكونه متلفظا لهم، ومستعملا عندهم في معنى "وإلا لو قال: رأيت العلماء، وأراد به الفقراء لكان متكلما

стр. 245

بكلامهم ضرورة كون هذا اللفظ متلفظا لهم ومستعملا عندهم [في معنى] فهو إذن لما ذكرنا" ويلزم من هذا أن دلالة تلك الألفاظ على تلك المعاني لو كانت بالوضع الشرعي لما كانت تلك الألفاظ عربية، وإذا لم تكن عربية، لم يكن كل القرآن عربيا، ضرورة اشتمال القرآن عليها لكن كله عربي لقوله تعالى: ﴿قرآنا عربيا﴾، ولقوله: ﴿بلسان عربي مبين﴾، ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾. والقرآن اسم للكل. بدليل إجماع الأمة، على أن الله تعالى لم ينزل إلا قرآنا واحدا، ولو كان القرآن اسما للبعض لما صح ذلك، ولما صح أيضل أن يقال في السورة الواحدة، أو الآية الواحدة إنها بعض القرآن، لأن الشيء لا يكون بعض نفسه. فإن قيل: ما المعنى من قولك: "لو كانت دلالة تلك الألفاظ على تلك المعاني بالوضع الشرعي/ (٤١/ب) لما كان القرآن عربيا" تعني به الوضع مطلقا، كيف كان، سواء كان مجازيا لغويا أو لم يكن. أم تعني به الوضع الذي لا يكون مجازا لغويا. فإن عنيت به الأول فممنوع، وهذا لأن بتقدير

стр. 246

أن يكون ذلك الوضع مجازا لغويا لا يخرج ذلك اللفظ بسببه عن أن يكون عربيا، وإن عنيت به الثاني: فمسلم، لكنه لا يفيد المطلوب، لأن إفادة تلك الألفاظ لتلك المعاني، وإن كانت بالوضع الشرعي عندنا لكن بطريق التجوز من اللغة. وأما قوله: في الدلالة عليه، وإن كون اللفظ عربيا وصف حاصل له لإفادته المعنى بحسب وضعهم. قلنا: لا نسلم، وهذا لأن اللفظ المقيد للمعنى المجازي عربي مع أن إفادته إياه ليس بوضعهم على رأي. سلمنا: ذلك، لكن تعني به الوضع الذي يعم الحقيقة والمجاز، أو المختص بالحقيقة، فإن عنيت الأول: فمسلم، لكن لا نسلم أنه غير حاصل فيما نحن فيه، وإن عنيت الثاني: فممنوع، وما ذكرته من الدلالة لا يدل عليه إذ لا يلزم من نفي القسمين المذكورين، ثبوت هذا القسم لجواز أن يكون ذلك الوصف حاصلا له بالوضع الذي يعم الحقيقة والمجاز. فإن قلت: الدليل على أنه غير حاصل، هو أن وضع اللفظ للمعنى سواء كان بطريق الحقيقة أو التجوز متوقف على تعقل ذلك المعنى، ولما لم تكن تلك المعاني معقولة لهم استحال منهم الوضع لها. قلت: لا نزاع أن وضع اللفظ لمعنى يستدعي تعقله، لكن إن كان ذلك الوضع لخصوصية تستدعي تعقله بخصوصيته، وإن كان ذلك الوضع له باعتبار ما يستدعي تعقله بذلك الاعتبار لا غير، وإذا كان كذلك فالوضع لتلك المعاني بطريق التجوز على وجه الإجمال متصور منهم، بل هو حاصل، فإنه لما علم منهم، أنهم وضعوا الصلاة مثلا للدعاء، وعلم منهم جواز تسمية الشيء باسم جزئه على وجه التجوز إما نصا أو استقراء، وعلم أيضاً أن

стр. 247

الدعاء، جزء هذه الماهية المخصوصية. علم منهم بواسطة هذه المقدمات، جواز تسمية هذه الماهية بالصلاة تجوزا. فإن قلت: أتدعي العلم بجواز تسمية كل شي باسم كل جزء منه، أو بجواز تسميته باسم بعض أجزائه، أو بجواز تسمية بعض الأشياء باسم كل جزء منه، أو بجواز تسميته باسم بعض أجزائه. فإن ادعيت العلم بالثلاثة الأول: فهو ممنوع، وهذا لأنه لا يجوز أن يسمى العشرة باسم الخمسة، ولا بالستة، وكذا ببقية أجزائها، ولا يجوز أن/ (٤٢/أ) يسمى الكل جزء ولا الجدار باللبنة ولا الدار بالجدار، ونظائرها كثيرة لا تعد ولا تحصى. وإن ادعيت الرابع: فمسلم، لكن لا يفيد المطلوب، لأنه ليس جعل ما نحن فيه من قبيل الجائز، أولى من جعله من قبيل ما لا يجوز، وعليكم الترجيح. ثم إنه معنا: إما أولا: فلأن الإلحاق بالأكثر أولى، وإما ثانيا: فلأن الأصل عدم التجوز. قلت: تدعي العلم بجواز تسمية كل شيء ببعض أجزائه، إلا أن يمنع منه مانع من عرف أو غيره، وهو إما الجزء الغالب كما في تسميتهم الزنجي بالأسود، والرومي بالأبيض، والقرآن "بحم" في قول الشاعر: تناشدني "حم" والرمح شاجر .... فهلا تلا "حم" قبل التقدم.

стр. 248

فإن كثيراً من سوره تسمى به و "الم" وإن كان يساويه في ذلك لكنا نجوز تسمية القرآن به أيضا، وأما الجزء الأشرف المقصود منه كتسميتهم الإنسان بالناطق، في قولهم: ذلك الناطق، الصامت، أي العبيد والإماء. ولو قيل: المراد من الناطق الحيوان على ما فسره بعضهم، فهو آيل إلى ما ذكرناه أيضا، لأنه حينئذ سمي باسم أشرف أنواعه، وسمي النوع باسم أشرف أجزائه، وكتسميتهم الشخص بالرأس، في قولهم: ذبح كذا رأس من الغنم، والبقر، وملك كذا رأس من الخيل، والدعاء الجزء والمقصود من الماهية المسماة بالصلاة، قال الله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ فجاز أن يسمى باسمه. سلمنا: أن إفادتها لتلك المعاني لو كانت بالوضع الشرعي لما كانت تلك

стр. 249

الألفاظ عربية، لكن لم قلت؟: إنه يلزم منه أن لا يكون كل القرآن عربيا، قوله: ضرورة كون القرآن مشتملا عليها. قلنا: وإن كان مشتملا عليها: لكنها في غاية القلة والندرة بالنسبة إلى الألفاظ المذكورة في القرآن، والنادر كالمعدوم فلا يقدح وجودها فيه في كونه عربيا، ألا ترى أن الزنجي يوصف بكونه أسود مع بياض عينيه، وأسنانه، ولا يقدح ذلك في إطلاق الأسود عليه، فكذا هنا، وكذا الثور الأسود يسمى به، وإن كان فيه شعرات بيض، ويقال للشعر الفارسي: فارسي، وإن كانت فيه كلمات يسيرة من العربية. فإن قلت: الدليل عليه أن بعض القرآن حينئذ لا يكون عربيا، وما بعضه ليس بعربي يستحيل أن يكون كله عربيا على سبيل الحقيقة، وأما الإطلاقات المذكورة، فهي على سبيل التجوز بدليل صحة النفي، إذ يصح أن يقال: ما رأيت ثورا كله أسود، وما قرأت شعرا كله فارسي، وما في الوجود زنجي كله أجزائه أسود/ (٤٢/ب). قلت: فحينئذ لا نسلم أن كل القرآن عربي على سبيل الحقيقة، ولم لا يجوز أن يكون كله عربيا على سبيل التجوز بناء على أن أكثر أجزاه كذلك؟. فإن قلت: الأصل في الكلام الحقيقة، والنص إنما يكون محمولا على حقيقته إن لو كان القرآن بجميع أجزائه عربيا لما ثبت أن القرآن اسم للكل. قلت: تعذر حمل النص على حقيقته لاشتمال القرآن على ما ليس بعربي، كالحروف المعجمة في أوائل السور، فإنها ليست من لغتهم في شيء و "كالمشكاة" و "القسطاس".

стр. 250

"السجيل" و "الإستبرق"، فإنها ليست بعربية، إذ الأول حبشية، والثاني رومية، والباقيتان فارسيتان، وإذا كان كذلك، لا يكون كل القرآن عربيا على سبيل الحقيقة. فإن قلت: لا نسلم اشتمال القرآن على ما ليس بعربي، أما أوائل السور فإنها أسماؤها عندنا، وأما البواقي فلا نسلم أنها ليست بعربية، وكونها من لغة أخرى لا تنافي كونها أيضا عربية، لأن توافق اللغتين غير ممتنع. سلمنا: اشتماله على ما ليس بعربي، لكن النص دل على أنه بجميع أجزائه عربي، ترك بمقتضى دلالته بالنسبة إلى بعض أجزائه المنفصل يوجب أن يبقي مقتضى دلالته بالنسبة إلى بقية أجزائه دفعا لكثرة المخالفة. قلت: الجواب عن الأول: أنها إذا كانت أسماء السور فدلالتها عليها ليست لغوية لأنها غير مستفادة من وضعهم لا حقيقة، ولا مجازا ولا بطريق العلمية وحينئذ يلزم اشتمال القرآن على ما ليس بعربي. وعن الثاني: أن التوافق وإن كان ليس بممتنع، لكنه نادر، والغالب هو
следующие страницы →