← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أحدها: أنه ممكن نظرا إلى ذاته، إذ لا يلزم من فرض وقوعه محال، ونظرا إلى داعية الواضع، فإن الواضع يتبع الغرض، وقد يتعلق الغرض به لتسهيل التعبير عن الشيء، فإن الشيء إذا كان له اسمان كان التعبير عنه أسهل مما إذا كان له اسم واحد، لجواز أن ينسى أو يعسر حفظه لتنافر تركيبه وللأقدار على الفصاحة ورعاية السجع والتجنيس وسائر أصناف البديع، فإن الشعر قد يمتنع وزنه وقافيته مع أحد الاسمين ولا يمتنع ذلك مع الآخر، وكذلك الكلام في السجع والتجنيس وسائر أصناف البديع. وثانيها: أن الشيء إذا كان له اسم واحد كانت الدواعي متوفرة على حفظه، لأنه لا يمكن التعبير عنه إلا به، فإذا ورد خطاب الشرع به عرفه كل واحد من غير اجتهاد في طلبه. أما إذا كان له اسمان لم تكن الدواعي متوفرة في حفظهما، لأن تعريفه حاصل بأحدهما فإذا ورد خطاب الشرع به فربما ورد بالاسم الذي لم يعرفه المكلف فيجتهد في طلب معناه فيتناول الثواب، فهذا الغرض يجوز أن يكون باعتبار للواضع على الوضع.

стр. 177

وثالثها: أن تضع إحدى القبيلتين أحد الاسمين، والأخرى الاسم الآخر له من غير أن تشعر كل واحدة منهما بصنيع الأخرى، ثم يتسع الوضعان فيكون الترادف واقعا ضمنا بالداعي الأصلي للوضع، ويشبه أن يكون هذا هو السبب الأكثري لوقوعه، ولا يخفى عليك أن هذا مبني على كون اللغات اصطلاحية. وأما الدليل على وقوعه: أما بالنسبة إلى لغتين فلا حاجة إليه لأنه معلوم بالضرورة. وأما بالنسبة إلى اللغة العربية فما نقل من العرب أنهم وضعوا الحنطة والقمح والبر للطعام المخصوص، واللجين والفضة للنقد المخصوص، وغير ذلك من الأسامي التي لا يعقل في معناها التفاوت أصلا. واحتجوا على عدم وقوع بوجوه:- أحدها: أنه يتضمن تعريف المعرف، وهو عيب غير واقع من الحكيم.

стр. 178

وثانيها: أنه يؤدي إلى أحد المحذورين، وهو: إما الإخلال بالفهم، أو حصول المشقة الزائدة. فما يؤدي إليه يغلب على الظن عدم وقوعه لأنهما يقبحان من الحكيم إذا أمكنه الاحتراز عنهما. بيان الملازمة: أن كل واحد من أهل اللسان إن لم يحفظ المترادفين لزم الأمر الأول، على تقدير أن يرد الخطاب باللفظ الآخر وإن حفظهما لزم الاسم الثاني. وثالثها: الترادف مشتمل على المفسدة الراجحة، ولهذا قل وجوده على رأي من/ (٣٠/أ) يقول به وما كان كذلك وجب أن لا يكون. والجواب: عن الأول: أنه إنما يكون عيبا ممتنع الوقوع، إن لو كانت الفائدة منحصرة في التعريف، وهو ممنوع بل فيه فوائد أخر، كما تقدم ذكرها. وهذا إن قيل بالتحسين والتنقيح العقلي وإلا فأصله مندفع. وعن الثاني: النقض باللغات المختلفة، ثم ما ذكرتم من المحذور معارض بفوائد الترادف كما سبق ذكرها. وعن الثالث: أنا نسلم أنه مشتمل على المفسدة التي توجب قلة وجوده، لا على ما يوجب عدمه، على أنه فاسد الوضع، لأنه استدلال بندورته المستلزمة لوجوده على عدمه.

стр. 179

فرعان: الأول: القائلون بوقوع الترادف: اعترفوا أنه خلاف الأصل. واحتجوا عليه: بأنه نادر، إذ الغالب تعدد المسميات عند تعدد الأسماء يدل على الاستقراء. ولا نعني بكونه خلاف الأصل سوى هذا. الثاني: نحو: أن يكون أحد المترادفين شرحا للآخر عند ما يكون أجلى منه عند المخاطب، فعلى هذا يختلف التعريف بحسب اختلافهما في الجلاء والخفاء بالنسبة إلى المخاطب. وهذا هو الحد اللفظي المسألة الثالثة في أنه هل يصح "صحة" إقامة كل واحد من المترادفين مقام الآخر ؟ في صحة الضم إلى اللفظ. اختلفوا فيه على ثلاثة مذاهب: منهم من أوجب ذلك على الإطلاق، سواء كان ذلك بالنسبة إلى اللغة الواحدة أو بالنسبة إلى لغتين. ومنهم من منع ذلك مطلقا.

стр. 180

ومنهم من فصل، فأوجب ذلك في اللغة الواحدة دون لغتين, وهو الأظهر. وهذا القول وإن لم يكن صريحا لكن يكن ضمنا في كلامهم. واحتج من منع مطلقا: بأنه يجوز أن يقال: ضربت زيدا، وأخذت الدراهم، ولو أبدلت لفظتي "ضربت" و "أخذت" بمرادفهما بالفارسية و "لم" يصح التركيب. وإذا لم يصح ذلك في اللغتين، فلم لا يجوز أن يكون لأمر كذلك في اللغة الواحدة؟ فلم يجب صحة إقامة كل واحد منها مقام الآخر. وأجيب عنه: بمنع الملازمة تارة، والفرق أخرى. أما الأول: فلأنا لا نسلم أنه لم يصح التركيب عند اختلاف اللغتين مطلقا، بل لو لم يصح فإنما لم يصح بالنسبة إلى غير العارف باللغتين، أما

стр. 181

بالنسبة إلى العارف لهما فلا نسلم عدم صحته، وهذا لأنه لا حجر في التركيب. سلمنا: الملازمة لكن إنما يصح ثمة لاختلاط اللغتين المؤدي إلى اختلال الفهم في الأغلب ولتنافر التركيب، وهذا المعنى غير حاصل في التركيب الحاصل من لغة واحدة، والأصل عدم مانع آخر فوجب/ (٣٠/ب) أن يبقى صحة إقامة كل واحد منهما مقام الآخر فيه كما في حالة الإفراد. واحتج من قال: بتعميم الوجوب: بأن المعنى لما صح أن يضم إلى معنى عندما يكون كل واحد منهما أو أحدهما مدلولا عليه بمرادفهما أو بمرادف أحدهما، لأن صحة الضم من عوارض المعاني دون الألفاظ. وأجيب: بمنعه، وهذا لأنه يجوز أن يكون صحة الضم من عوارض الألفاظ كما في اللغتين. وأما حجة من قال: بالتفصيل فتعرف مما سبق فلا حاجة إلى الإعادة.

стр. 182

المسألة الرابعة في التأكيد التأكيد: هو اللفظ المستعمل لتقوية ما فهم من لفظ آخر. فقولنا: المستعمل خير من "الموضوع" فإن الاسم الواحد إذا كرر كان تأكيدا. وهو غير موضوع لتقوية ما فهم منه ابتداء، بل هو موضوع له، وكذلك لفظ "النفس" و "العين" و "الكل" استعمل في التأكيد مع أنه غير موضوع للتأكيد، وإلا لكان كل واحد منهما في قول القائل: "رأيت نفس زيد" و "عين زيد" و "كل القوم"، بل في قوله: "رأيت النفس" مستعملا في غير ما وضع له لأنه ليس بتأكيد لا لفظي ولا معنوي لكنه ليس كذلك. أما أولا: فلأن ذلك إما بطريق التجوز، أو بطريق النقل، أو كلاهما على خلاف الأصل. وأما ثانيا: فبالاتفاق. وهو ينقسم إلى: لفظي: وهو بإعادة اللفظ الأول: جملة كان كان أو مفردا، اسما كان أو غيره. وإلى معنوي:

стр. 183

وهو بألفاظ مخصوصة. فمنه ما يؤكد به المفرد، والمثنى والجمع، وهو "العين" و "النفس" ومنه ما يختص بالمثنى وهو "كلا" و "كلتا"، ومنه ما يختص بذي أجزاء وهو "كل" و "أجمع" و "أكتع" و "أبصع" و "الكل" أصل الباب والبواقي تؤل به. المسألة الخامسة في الفرق بين المترادف والتأكيد وبينهما وبين التابع أما التأكيد: فيفارق المرادف في إفادة التقوية، واشتراط تقدم ذكر المؤكد، واختصاصه بالنافي، بخلاف المترادفين فإن كل واحد منهما مرادف للآخر، ففي جواز كونه عين المؤكد أو الشيء لا يرادف نفسه وفي وجوب أن يكونا من لغة واحدة. بخلاف المترادفين، فإنه يجوز أن يكون من لغتين.

стр. 184

وأما التابع: "كعطشان، ونطشان" و "شيطان، وليطان"، فيفارقهما، في أنه لابد وأن يكون على أنه المتبوع، وأنه لا يقدر فائدة أصلا إلا عن الأول ولا يقويه. ولهذا قال بعضهم حين سئل عن معنى "بسن" وهو تابع "حس" لا أدري ما هو. ويفارق المترادف خاصة، في أنه لا/ (٣١/أ) يجوز أن يفرد بالذكر. ويفارق التأكيد خاصة، في أنه لا يكون بتكرر الأول البتة، وأما التأكيد فقد يكون به.

стр. 185

المسألة السادسة [في حكم التأكيد في الكلام] التأكيد يجوز في كلام الله تعالى وكلام رسوله، وكلام الفصحاء خلافا للملاحدة والطاعنين في القرآن، بسبب وقوعه فيه. والدليل عليه وجهان:- أحدهما: أن جواز وقوعه معلوم بالضرورة، لأنا نعلم بالضرورة أنه لا يلزم من فرض وقوعه محال، نظرا إلى ذاته، ونظرا إلى داعية الوضع، فإن الداعية مما توجب وقوعه لا مما تحيله، وهذا لأن تقوية معنى الخبرية والإنشائية مطلوبة العقلاء لإزالة اللبس والغلط والتأكيد يفندها فيكون مطلوبا لهم.

стр. 186

وثانيهما: وقوعه في القرآن دليل الجواز وزيادة إذ قد ثبت أنه كلام الله تعالى. وأما وقوعه في كلام الفصحاء فيدل عليه استقراء اللغات. وأعلم: أنه وإن جاز وقوعه في الكلام لكن إنما يصار إليه إذا لم يمكن حمل اللفظ على فائدة مستقلة، أما إذا أمكن فلا، إذ الفائدة التأسيسية أولى من التأكيدية.

стр. 187

"الفصل الحادي عشر" في الاشتراك

стр. 188

الفصل الحادي عشر في الاشتراك وفيه مسائل:- المسألة الأولى في حد اللفظ المشترك وهو اللفظ الواحد الموضوع لشيئين مختلفين أو أكثر من حيث هما كذلك من غير نقل عن أحدهما إلى الآخر. فاللفظ: كالجنس، واحترزنا: بالواحد. عن الأسماء المتباينة والمترادفة. وبقولنا: "الموضوع لشيئين مختلفين" عن العلم. وقولنا: لشيئين. خير من قولنا: لحقيقتين. لتناوله ما وضع لحقيقتين، ولصفتين، وفردين من حقيقة واحدة دون قولنا: الحقيقتين. فإنه لا يتناول القسمين الأخيرين مع أنه مشترك.

стр. 189

واحترزنا بقولنا: "من حيث هما كذلك". عن "المتواطئ". وبقولنا. من غير نقل- عن "المجاز" و "المنقول". المسألة الثانية حكم اللفظ المشترك اختلف الناس في أن اللفظ المشترك، هل هو واجب أم لا؟ وبتقدير أن لا يكون واجبا. فهل هو ممتنع أو ممكن؟ وبتقدير أنه ممكن. فهل هو واقع أم لا؟ فهذه احتمالات أربعة بحسب الانقسام العقلي، وقد ذهب إلى كل واحدة منها طائفة منهم. واحتج من قال: بالوجوب بوجهين:- أحدهما: أن المعاني غير متناهية، لأن من جملتها الأعداد وهي غير متناهية، والألفاظ متناهية، لأنها مركبة من الحروف الهجائية وهي متناهية، والمركب من المتناهي متناه، فتكون الألفاظ متناهية، والمتناهي إذا وزع على غير المتناهي لزم الاشتراك بالضرورة.

стр. 190

وثانيهما: أنه لابد وأن يكون في/ (٣١/ب) اللغات لفظ دال على مسمى الوجود لمسيس الحاجة إلى التعبير عنه والمانع زائل ظاهرا، كما هو بالنسبة إلى سائر الألفاظ، وثبت في علم الكلام أن وجد كل شيء عين ناهيته، فتكون وجودات الأشياء المختلفة بالماهية متخالفة بالماهية، فيكون اللفظ الدال عليهما مشتركا. الجواب عن الأول: أنا لا نسلم أن المعاني غير متناهية، وهذا لأن حصول ما لا نهاية له في الوجود محال عندنا. وأما قوله: الأعداد غير متناهية، فمسلم، لكن بمعنى أنه لا مرتبة من مراتبه إلا وأمكن أن يوجد بعده مرتبة أخرى، مع أن المراتب الداخلة في الوجود منه أبدا يكون متناهيا لا بمعنى أن الحاصل منه في الوجود غير متناهي فلا يلزم من كون الأعداد غير متناهية بالمعنى الذي تقدم ذكره أن تكون المعاني الموجودة غير متناهية. سلمنا: أن المعاني غير متناهية، لكن لا نسلم أن المعاني المتضادة أو المختلفة

стр. 191

التي بحسبها يكون اللفظ مشتركا غير متناهية، وحينئذ لا يلزم الاشتراك، لأن أفراد النوع الواحد وإن كانت غير متناهية في الوجود الخارجي لكن يمكن أن يعبر عنها بأسرها بلفظ واحد كالعام. سلمنا: أنها غير متناهية أيضا: لكن إنما يلزم الاشتراك إن لو يوضع اللفظ لكل واحد منها على سبيل الخصوصية، فإن تقدير أن يوضع له باعتبار قدر مشترك لا يلزم ذلك، لكن ذلك محال، لأن وضع اللفظ لما لا يتناهى على سبيل الخصوصية يستدعي تعقله على سبيل التفصيل لكن ذلك محال منا. سلمنا: عدم إحالته، لكن لا نسلم أن الألفاظ متناهية. قوله: لأنها مركبة من الحروف المتناهية، والمركب من المتناهي متناه. قلنا: متى إذا كانت وجوه التركيبات متناهية، أم على الإطلاق؟ والأول: مسلم، والثاني: ممنوع. لكن لما قلت: أن وجوه التركيبات أيضا متناهية حتى يلزم التناهي؟ سلمنا: المقدمتين، وأن المتناهي إذا وزع على غير المتناهي لزم الاشتراك، لكن إنما يجب وجود الاشتراك أن لو يجب أن يكون لكل معنى لفظ وهو ممنوع. ونحن وإنما سلمنا: في هذا المقام عدم إحالة تعقل ما لا يتناهى على سبيل التفصيل، لكن لا يلزم منه وجوب أن يكون لكل معنى لفظ، بل جوازه، وهو غير مستلزم لوجوب الاشتراك. ثم الذي يدل على أنه لا يجب أن يكون لكل معنى لفظ، هو أنا لا نجد لكثير من المعاني كأنواع الروائح والاعتمادات وكثير من الصفات أسماء/ (٣٢/أ) مستقلة لا مشتركة ولا مفردة بعد الاستقراء والبحث التام.

стр. 192

وعن الثاني: أنا لا نسلم أن وجود كل شيء عين ماهيته، ودلائل مثبتيه معارض بدلائل نفاته. سلمنا: ذلك لكن يجوز اشتراك تلك الوجودات المتخالفة في أمر واحد ويكون لفظ الوجود وما يجري مجراه دالا على تلك الوجودات باعتبار ذلك المشترك لا باعتبار خصوصياتها، وحينئذ لا يلزم الاشتراك. وأما القائلون بامتناعه فقد احتجوا أيضا بوجهين:- أحدهما: أن المخاطبة به إذا كانت بدون القرينة. فهو إما عبث، أو تكليفي ما لا يطاق لأنه إن لم يقصد الإفهام لزم الأول: وإن قصد لزم الثاني: وإن كانت معها قرينة فهو تطويل من غير فائدة. ولئن سلمنا: أنه ليس تطويلا من غير فائدة، لكن القرينة قد تخفى وتظهر، وبتقدير الظهور قد تخفى وجه جلالتها على المقصود، وحينئذ يلزم المحذور المذكور وما يكون كذلك وجب أن لا يكون. وثانيهما: أن المشترك وإن تعلق به غرض لكن مفسدته راجحة عليه

стр. 193

وهي الإخلال بالفهم التام وغيره مما سيأتي [و] ذلك المقصود حاصل أيضا من المفرد بإدخال كلمة الترادد عليه، وما كان منشأ للمفسدة الراجحة مع عدم مسيس الحاجة إليه وجب أن لا يصدر من الحكيم. الجواب عن الأول: أنا لا نسلم أنه إن قصد به الإفهام بدون القرينة يلزم تكليف ما لا يطاق، وإنما يلزم ذلك أن لو يكون المقصود منه إفهام واحد منهما عينا "أما إذا لم يكن المقصود ذلك بل إفهام أحدهما لا عينا" لم يلزم ذلك، بل المقصود حاصل وهو معرفة أحدهما لا بعينه، إذ المشترك يفيد ذلك بدون القرينة. سلمان: لزوم تكليف ما لا يطاق على هذا التقدير، فلم لا يجوز أن يكون مع القرينة؟ قوله: " لأنه تطويل من غير فائدة". قلنا: لا نسلم أن يكون تطويلا، وإنما يكون كذلك لو كانت القرينة لفظية وهو غير لازم. سلمنا: أن يكون تطويل لكن لا نسلم أنه من غير فائدة، فلعل فيه فائدة لا نطلع عليها وعدم الاطلاع على الشيء لا يدل على عدمه، على أن فيه فائدة لا تخفى عليك.

стр. 194

وعن الثاني: أن تلك المفسدة لا توجب العدم، بل المرجوحية فغن الإخلال بالفهم التام حصل في أسماء الأجناس والمشتقات مع أنها حاصلة. أما لقائلون بالإمكان فقد احتجوا عليه بوجوه:- أحدهما: أنه ممكن في نفسه، إذ لا يلزم للفرد/ (٣٢/ب) وقوعه محال ولا من فرد عدمه، والأصل عدم لا يوجب امتناعه أو وجوبه فوجب أن يبقى ممكنا. وثانيها: أن الوضع يتبع الغرض والتعريف على سبيل الإجمال قد يكون غرض المتكلم، إما لمضرة في التعريف التفصيلي، كما في قول أبي بكر ﵁ حين سئل عن النبي ﵇ وقت ذهابهما إلى الغار "هو رجل يهديني السبيل".

стр. 195

وأما لكونه مترددا بين الشيئين غير واثق بأحدهما على التعين فلا يخبر عن أحدهما بما يدل عليه على التعين لئلا يكذب ويكذب ويظهر جهله، بل يخبر عنه بما له صلاحية كل واحد منهما ليكون صادقا أيهما كان واقعا. وأما لأن في التعريف الإجمال نوع لذة ليس في التعريف التفصيلي. وبيانه: أن الإنسان إذا كان غافلا عن الشيء وليس له به شعور ألبته فإنه لا يتألم بسبب فقده، وإذا حصل له العلم به دفعة واحدة لم يتلذذ به أيضا: كمال اللذة، لأنه يحص له عقيب الشوق والألم، أما إذا عرفه من وجه

стр. 196

حصل هناك ما يوجب اللذة والألم، فإذا حصل بعد ذلك له العلم به على سبيل التفصيل حصل له كمال اللذة، إذا حصل بعد الاشتياق إليه. فثبت بهذه الوجوه أن التعريف على سبيل الإجمال قد يكون غرض المتكلم، وثبت أن الوضع يتبع الغرض فجاز أن يوضع له اللفظ. وثالثها: أنه يجوز أن تضع إحدى القبيلتين اللفظ بمعنى، والأخرى تضع ذلك اللفظ بعينه بمعنى آخر، من غير أن نعلم الوضع الأول، ثم يشتهر الوضعان، فيكون الاشتراك واقعا بالداعية الأصلية للوضع. ثم منهم من زعم أنه غير واقع، وأن كل ما يظن أنه مشترك فهو، إما متواطئ وحقيقة في أحدهما مجاز في الآخر. وهذا لأنه لم ينقل من العرب بالصراحة في لفظ معين أنه مشترك، بل غاية ما يعلم منهم أنهم استعملوه في معنيين مختلفين أو متضادين، لكن يمكن جعله حقيقة في القدر المشترك كما في لفظ العين، أو حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر، كما في القرء

стр. 197

والجون، فوجب المصير إليه لما يأتي: أن التواطؤ والمجاز خير من الاشتراك. ومنهم من قال: بوقوعه وهم الجماهير. واحتجوا عليه بأنا إذا سمعنا لفظ القرء والجون لم يتبادر فهمنا إلى أحد المعنيين، بل يبقى الذهن مترددا فيه إلى وجود القرينة، ولو كان حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر، أو كان حقيقة في القدر المشترك لما كان كذلك، لأن الذهن لا يبقى مترددا/ (٣٣/أ) عند سماع اللفظ بين الحقيقة والمجاز وإلا لما حصل الفهم من شيء من الألفاظ إلا عند وجود قرينة معينة، أما للحقيقة أو للمجاز. وما يقال: لعل التردد حصل بسبب عرف طارئ لكثرة الاستعمال في المجاز، فهو وإن كان محتملا له "لكنه" خلاف الأصل، إذ الأصل عدم التعبير، ولأن التردد حاصل في مفهومات ألفاظ قلما يستعملها أهل العرف كما في عسعس الليل فإنا لا نفهم منه الإقبال والإدبار على التعيين إلا بقرينة فلا يجوز إحالته إلى استعمال أهل العرف.

стр. 198

المسألة الثالثة في أقسام اللفظ المشترك . وقد عرف ذلك من قبل، والذي نزيد هنا هو أن اللفظ هل يجوز أن يكون مشتركا بين الشيء ونقيضه أم لا؟ فجوزه قوم. ومنعه آخرون. مثاله: لفظة "إلى" على رأي من يزعم أنها مشتركة بين إدخال الغاية، وعدمه. احتج من منع: بأن اللفظ المشترك لا يفيد إلا التردد بين مفهوميه. وهذا التردد حاصل بين النقيضين قبل وضع اللفظ له وسماعه فوضع اللفظ لهما عبث. وهو ضعيف، لأنا نمنع حصر الفائدة فيما ذكروه من التردد، وهذا فإنه كما يفيد أيضا إخراج ما عداهما عن أن يكون مراد التكلم، ألا ترى أن قوله تعال: ﴿إلى المرافق﴾. كما يفيد التردد بين دخول المرفق، وعدم دخوله على تقدير أن يكون مشتركا بينهما، يفيد أيضا إخراج العضد عن الأمر بالغسل، فلا يكون الوضع لهما عيبا.

стр. 199

سلمنا: انحصار الفائدة فيما ذكروه من التردد، لكن يحصل بعد الوضع من الفائدة ما لا يحصل قبله، وهو تعين آحدهما بأدنى قرينة خالية أو مقالية، بخلاف قبل الوضع فإنه لا يزول التردد بذلك. سلمنا: صحة دليلكم لكنه إنما ينفي ما يكون مشتركا فيهما بوضع قبيلة واحدة، وأما ما يحصل بوضع قبيلتين فلا. المسألة الرابعة في السبب الذي به يعرف كون اللفظ مشتركا فنقول: معرفة كون اللفظ مشتركا، إما بالنص، وإما بالاستدلال، أما الأول: فهو بأن يقول الواضع: هذا اللفظ مشترك بين هذين المفهومين. أو يقول: هذا حقيقة في هذا وفي هذا من غير نقل. أو وضعت لهذا ولهذا سواء كان القائل: واضعا واحدا أو واضعين لكن يجب أن لا يكون بطريق النقل. أو يقول: إذا أطلقت هذا اللفظ فلا تحملوه على أحد هذين المفهومين على التعيين إلا بقرينة. وأما الاستدلال فمن وجوه:-

стр. 200

أحدها: أن يبقى الذهن مترددا/ (٣٣/ب) في مفهوماته، لا يتبادر شيء منها إليه إلا بقرينة. وثانيها: أن أهل اللسان إذا أرادوا إفهام أحد المعنيين على التعيين، اقتصروا على مجرد إطلاق اللفظ، وإن أرادوا إفهام أحدهما على التعيين لم يقتصروا عليه، بل ضموا إليه شيئا آخر، فيعلم أن اللفظ مشترك بينهما. وثالثها: أن يكون اللفظ مستعملا في معنيين، ولا يصح سلبه عن كل واحد منهما، فيعلم أنه حقيقة فيهما، إذ لو كان مجازا فيهما أو في أحدهما لصح سلبه عنهما، أو عن أحدهما، لأن صحة السلب من لوازم المجاز. وأما مجرد الاستعمال في المعنيين، فليس دليل الاشتراك، لاحتمال أن يكون أحدهما بطريق التجوز، وهذا وإن كان على خلاف الأصل لكنه خير من الاشتراك لما سيأتي. وكذلك حسن الاستفهام ليس دليل الاشتراك، لما سنذكر عن شاء الله تعالى من فوائده.

стр. 201

المسألة الخامسة [في وقوع المشترك في كلام الله ورسوله] المشترك يجوز أن يقع في كلام الله تعالى، وكلام رسوله، والدليل على وقوعه، قوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾. وقوله ﴿والليل إذا عسعس﴾. وقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾، وهو دليل الجواز وزيادة، وإذا ثبت جواز وقوعه

стр. 202

في كلام الله تعالى، ثبت جواز وقوعه أيضا في كلام الرسول، إذ لا قائل بالفصل. احتج المانعون: بأن المقصود من الخطاب الإفهام، فإن لم يقصد الله تعالى باللفظ المشترك ذلك كان عبثا، وهو على الحكيم محال، وإن قصده فإما أن يكون مع القرينة، أو بدونها، فإن كان الأول: فإما أن تكون القرينة متصلة، أو منفصلة. فإن كان الأول: فهو تطويل من غير فائدة. وإن كان الثاني: فيمكن أن لا يصل إلى السامع فيعرى الخطاب عن الفائدة، وهو محذور، وإن لم يكن مع القرينة، فهو تكليف مالا يطاق. وجوابه: على رأي أصحابنا: بمنع امتناع اللوازم كلها، فإن العبث، وتكليف مالا يطاق، وكونه تطويلا من غير فائدة، وإنما يمتنع عليه أن لو كان التحسين والتقبيح عقليا، ونحن لا نقول به. وأما على رأي المعتزلة: فمن قال منهم بجواز حمله على كل مفهوماته، منع لزوم تكليف ما لا يطاق عند تجرده عن القرينة، وأما من لم يقل به فإنه

стр. 203

يقول: لا يبعد أن يكون في ذكره وإردافه بالقرينة- سواء كانت متصلة أو منفصلة- فائدة لا يطلع عليها، كيف وإن الفائدة فيه ظاهرة، وهي ما يجده المكلف من الثواب بسبب طلب القرينة والاجتهاد فيها، فإن دلالة/ (٣٤/أ) القرينة في الأكثر ظنية. وأما قولك: يمكن أن يصل إليه القرينة. فهو ممنوع على رأي بعضهم. ولئن سلم: إمكانه لكن الأغلب الاطلاع عليها، لاسيما عند الاجتهاد التام والبحث الشديد وهو كاف في الحسن. المسألة السادسة في أن الأصل عدم الاشتراك . والمعنى به: أن اللفظ إذا دار بين أن يكون مشتركا ولن أن يكون كذلك كان ظن عدم الاشتراك أغلب، ويدل عليه وجوه:- أحدها: أن الاستقراء دل على أن الكلمات في الأكثر مفردة لا مشتركة،

стр. 204

فإذا وقع التردد في فرد من أفرادها بأنه مشترك وغير مشترك، كان ظن عدم الاشتراك راجحا على ظن الاشتراك إلحاقا للفرد بالأعم ولا غلب، ولأن كثرته يدل على قلة مفسدته، فكان الإلحاق به أولى. فإن قلت: لا نسلم أن الكلمات في الأكثر مفردة، وهذا لأن أنواع الكلمة منحصرة في الاسم، والفعل، والحرف. أما الحروف: فبأسرها مشتركة يدل عليه الاستقراء. وأما الفعل: فهو إما ماضي: وهو مشترك بين الدعاء، والخبر. وإما مضارع وهو مشترك بين الحال، والاستقبال. وأما أمر وهو أيضا مشترك بين الوجوب، والندب، والإباحة، وبين غيرها، فلم يبق إلا الأسماء. والاشتراك فيها أيضا: كثير فإذا ضم إليه القسمان الباقيان فلعل الاشتراك يغلب. فإن لم يكن "كذلك" فلا أقل من التساوي وحينئذ لا يحصل ظن عدم الاشتراك. قلت: لا نسلم: أن الحروف بأسرها مشتركة والذي يذكر في الكتب النحوية أن الحرف الفلاني يرد لكذا ولكذا فليس فيه ما يدل [على] أن ذلك بطريق الحقيقة، إذ [قد] تجوز أن يكون لبعضهما بطريق الحقيقة، ولبعضها بطريق التجوز، وكيف لا؟ واحتمال التجوز راجح على احتمال الاشتراك.

стр. 205

ولئن سلم: أنه بطريق الحقيقة لكن لا يلزم منه الاشتراك أيضا، لجواز أن يكون حقيقة في الكل باعتبار أمر مشترك بين تلك المعاني. سلمنا: اشتراك الحروف، لكن لا نسلم اشتراك الأفعال. قوله: الماضي منه مشترك بين الخبر والدعاء. قلنا: لان نسلم: بل هو عندنا حقيقة في الخبر، مجاز في الدعاء. ووجه التجوز ظاهر غني عن البيان. فلم قلت: إنه لا يجوز أن يكون كذلك؟ فإن قلت: "المجاز خلاف الأصل". قلت: قد سبق جوابه. قوله: "المضارع منه مشترك بين الحال والاستقبال". قلنا: لا نسلم: بل هو حقيقة في الحال. مجاز في الاستقبال، ولذلك جعل/ (٣٤/ب) لتعينه قرينة وهي السين وسوف دون تعين الحال. قوله: الأمر مشترك بين الوجوب والندب. قلنا: لا نسلم، بل هو حقيقة في الوجوب فقط وسنبين ذلك إن شاء الله تعالى. "سلمنا اشتراك الأفعال أيضا لكن لا نسلم كثرة الاشتراك في الأسماء بل نادر يدل عليه الاستقراء". سلمنا: ذلك لكن لا نسلم: أنه إذا ضم المشترك منه إلى الحروف والأفعال، كان الاشتراك أغلب أو يكون مساويا للإفراد. وهذا لأن، الغلبة للأسماء. فإن الأفعال بأسرها مشتقة من المصادر، وهي نوع من أنواع الأسماء والمصادر بالنسبة إلى الأسماء قليل جدا وأما الحروف فهي

стр. 206

محصورة قليلة جدا. وقد ذكرنا أن الاشتراك في الأسماء نادر، وحينئذ لا يلزمه غلبة الاشتراك ولا يساويه. وثانيها: أن احتمال كون اللفظ منفردا، إن كان راجحا على احتمال كونه مشتركا، فقد حصل الغرض، إذ لا نعني بكون الاشتراك على خلاف الأصل سوى هذا. وإن كان مساويا له، أو مرجوحا بالنسبة إليه، وجب أن لا يحصل الفهم عن شيء من الألفاظ إلا بعد الاستفسار، أو يكون معها قرينة تعين مدلولتها ولما لم يكن كذلك، علمنا فساد هذين القسمين. فإن قلت: لا نسلم أن تقدير [تقدير] التساوي والمرجوحية لا يحصل الفهم، وهذا لأن احتمال الإفراد، وإن كان مساويا لاحتمال الاشتراك، لكن لما حصل ظن كونه اللفظ موضوعا للمعنى المعين يحصل فهمه عند سماعه وظن إرادته منه، وإن كان احتمال كونه موضوعا للآخر مساويا له. قلت: فعلى هذا الفهم إنما يحصل بسبب ظن كون اللفظ موضوعا للمعنى المعين، ولا شك أن الفهم حاصل في أكثر الألفاظ من غير استكشاف وقرينة فظن كونه موضوعا لتلك المعاني دون غيرها أكثر، فيكون ظن الإفراد أكثر ولا نعني بكون الاشتراك على خلاف الأصل إلا هذا. وثالثها: أن الاشتراك، قد يكون منشئا للمفاسد، مثل مضرة القائل: فإن السيد إذا قال لعبده: أعط الفقير العين مثلا، وأراد بها الماء، ولم يضم ليها قرينة تدل عليه اعتمادا فهم العبد أو ضم إليه قرينة لكن لم ينتبه لها إما لغفلته، أو لأنها تحتاج إلى تدقيق النظر فيها، وهو لم يأت به، ففهم

стр. 207

العبد منها الذهب، وأعطى الفقير ذلك، فإن السيد يتضرر به. ومثل إخلال فهم/ (٣٥/أ) السامع، فإنه إذا سمع اللفظ المشترك مجردا عن القرينة، فربما لا يراجع المتكلم فيه، إما لمهابته، وإما للاستنكاف عن السؤال، ويحمله على غير مراده، فيحصل غير المراد، ولا يحصل المراد يوقع "في" الجهل. ولاشك أن كل ذلك مفاسد، وبتقدير أن يراجع المتكلم، فالمتكلم إن أجاب بلفظ آخر مفرد، فيقع التلفظ بالمشترك أو لا ضائعا، وإن أجابه بإيماء أو إشارة، فربما لا يحصل به البيان، وبتقدير حصوله، ففيه زيادة كلفة ليس في مفرد فيكون مضرة في حقه والسامع. فثبت بما ذكرنا أن الاشتراك منشئ للمفاسد، وما يكون كذلك وجب أن لا يكون، فإن لم يقتض ذلك فلا أقل من أن يكون قليلا تقليلا للمفاسد الناشئة منه. ورابعها: الحاجة إلى الألفاظ المفردة "ضرورة لما عرفته والحاجة غير ضرورية إلى المشترك، لأن التعريف الإجمالي وإن كان قد مس الحاجة إليه"، لكنه نادر وبتقدير أن لا يكون نادرا، لكن يحصل ذلك المقصود بإدخال حرف الترديد عليها. فثبت بهذا أن الحاجة إلى المشترك غير ضرورية، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون احتمال الإفراد راجحا على احتمال الاشتراك وهو المطلوب.

стр. 208

المسألة السابعة في أن اللفظ المشترك المفرد المثبت، إذا صدر عن متكلم واحد مرة واحدة مجردة عن القرائن. هل يجوز حمله على جميع معانيه بطريقة الحقيقة أم لا ؟ فذهب الشافعي والقاضي أبو بكر وجماعة من أصحابنا. ومن المعتزلة كالجبائي، والقاضي عبد الجبار.

стр. 209

بن أحمد، إلى جوازه. بشرط أن لا يمتنع الجمع لأمر خارج كما في الضدين والنقيضين إن جوز ذلك. وذهب الباقون من الأصحاب: كإمام الحرمين، والشيخ الغزالي، والإمام، ومن الحنفية: كالكرخي.

стр. 210

ومن المعتزلة: كأبي هاشم، وأبي الحسين البصري، إلى منعه.

стр. 211

ثم منهم: من منع مطلقا أي لا يجوز أن يراد باللفظ المشترك كلا مفهوميه معا، نظرا إلى الإرادة، والوضع، كما لا يجوز أن يراد بالمؤمنين: المؤمنون والمشركون. وهذا لأن إرادة كل واحد منهما مستلزمة لعدم إرادة الآخر به على ما ستعرف إن شاء الله تعالى أنه موضوع لهما على البدلية لا على المعية، فلو كانا مرادين معا لزم أن لا يكونا مرادين معا وهو محال. أو نقول: بعبارة "أخرى" عن المتكلم باللفظ المشترك، إذا أراد أحدهما فقد أراد ما/ (٣٥/ب) وضع له اللفظ، فلو أراد معه المفهوم الآخر، فقد أراد العدول عما وضع له اللفظ لما سبق، فيلزم أن يكون مريدا به لما وضع له، ومريدا للعدول عنه وهو محال.

стр. 212

ومنهم من خص المنع لأمر يرجع إلى الوضع: كالغزالي، وأبي الحسين البصري، واختاره الإمام أيضا: إذ قالوا: يجوز أن يحمل المشترك على مفهوميه معا، نظرا إلى الإرادة والاستحالة في إرادتهما لكن يلزم منه مخالفة الوضع، وهذا لأنه يجوز إرادتهما قبل التلفظ باللفظ المشترك، أو عند التلفظ به مرتين، فالتلفظ به مرة واحدة لا يحيل ما كان ممكنا، وليس هو كإطلاق لفظ المؤمنين وإرادتهم وإرادة المشتركين، لأنه غير صالح للدلالة على كل واحد منهما لا بطريق البدلية ولا بطرق المعية، وجواز الإدارة مشروط بصلاحية الدلالة. وقبل الخوض في الدلالة لابد من تقديم مقدمة: وهي أن كون اللفظ موضوعا لمسميين مختلفين على البدل، ليس عين كونه موضوعا لكل واحد منهما معا، ولا عين كونه موضوعا لهما باعتبار الكلية وهيئة المجموعية وغير مستلزم لهما أيضا. أما الأول: فلأن المغايرة بين هذه المفهومات الثلاثة معلومة، ألا ترى أن النكرة من المتواطئ يدل على كل واحد من أفراد ما صدق عليه على البدل، ولا يدل عليها بحسب الدلالتين الباقيتين، والعام يدل على جميع الأفراد الداخلة تحته، لكن باعتبار كل واحد منها مع الآخر، ولا يدل بطريق البدلية

стр. 213

ولا بطريق هيئة المجموعية، ولذلك لا تتغير دلالته بقلة أفراده ولا بزيادته وأسماء العدد مثل العشرة، والعشرين، ومثل الرهط، والقوم، وتدل على مسمياتها باعتبار مجموعة أجزائها، دون اعتبار كل واحد منها، ولذلك تتغير دلالته بالزيادة والنقصان. وأما الثاني: وهو أن الوضع بطريق البدلية غير مستلزم للوضعين الآخرين فظاهر أيضا مما سبق. إذا عرفت هذا. فنقول: احتج النفاة: بأن واضع المشترك إن وضعه لأحد المسميين على البدل فقط، لم يجز حمله عليهما بأي اعتبار كان من الاعتبارين المذكورين، لأنه حمل له على غير موضوعه بدون القرينة، وهو ممتنع. وإن وضعه لهما معا بأي اعتبار كان منهما ولم يضعه لأحدهما على البدل، لم يكن اللفظ حينئذ مشتركا، لأنه غير موضوع/ (٣٦/أ) لمسممين متغايرين، وبتقدير كونه مشتركا، لم يكن حمله عليهما حملا للمشترك على كل مفهوميه، بل على مفهوم واحد، فإن المجموع من حيث إنه مجموع، أو باعتبار كل واحد منهما مفهوم واحد. ولئن سلم: أنه حمل عله على كلا مفهوميه، لكنه يقتضي أن يكون حمله على كل واحد منهما على البدل مجازا، أو هو باطل. أما أولا: فبالاتفاق. وأما ثانيا: فلأنه المتبادر إلى الفهم عند إطلاق المشترك دون مجموع مفهوماته

стр. 214

والتبادر دليل الحقيقة، وإحالته إلى العرف الطارئ دليل الحقيقة، وإحالته إلى العرف الطارئ خلاف الأصل. فإن قلت: كيف ادعيت الاتفاق على أن حمله على كل واحد منهما على البدل ليس بمجاز. وقد قال الشافعي، والقاضي أبو بكر ﵄: إنه يجب حمل المشترك على جميع مفهوماته عند تجرده عن القرينة المخصصة لأحدهما، كما يجب ذلك في سار الألفاظ العامة. ولا فرق عندهما بين العام والمشترك في أن كل واحد منهما يتناول جميع مفهوماته، إلا أن العام يتناول جميع أفراده لمشترك مدلول له بين تلك الأفراد، بخلاف المشترك، فإنه لا يدل عليها باعتبار قدر مشترك بينها. وهذا دليل منهم على أن حمله على كل واحد منهما على البدل مجاز كما هو في العام. قلت: لا نسلم أن ذلك يدل على ما ذكرت، وإنما يدل عليه إن لو لم يكن له علة سوى كون اللفظ حقيقة فيه فقط، وهو ممنوع. وكيف يقال ذلك؟. وقد قال القاضي: لو أطلق المشترك مرتين، وأريد به كل مرة معنى جاز، فأي بعد في أن يقتصر على مرة واحدة ويراد به كلا المفهومين. وهو تصريح منه بأنه يجوز إرادة أحدهما منه بطريق الحقيقة حتى يستقيم. قوله: بل إنما صار إلى ما ذكرت، وإن كان اللفظ حقيقة عندهم في المجموع، وفي أحدهما على البدل، لأن حمله على المجموع يقتضي رفع الإجمال عن الخطاب، بخلاف ما إذا حمل على أحدها على البدل، فإنه يتوقف فيه إلى وجود القرينة المعينة، ولأن الحمل على المجموع أحوط،

стр. 215

وإن وضعه للمجموع أو لأحدهما على البدل أيضا: فإن استعمل في المجموع فقط سواء كان اعتبار هيئة المجموعية، أو باعتبار كل واحد منهما لم يكن ذلك استعمالا للمشترك في كل مفهوماته بل في بعضها، وإن استعمله فيهما معا فهو بحال، لأن المعنى من استعماله في المجموع بطريق الحقيقة أن لا يحصل الاكتفاء "إلا به والمعنى من استعماله في البدلية طريق الحقيقة أن يحصل الاكتفاء" بأحدهما/ (٣٦/ب) فيلزم أن يحصل الاكتفاء بواحد وأن لا يحصل وهو جمع يبن النقيضين وإنما قيدنا الاستعمالين أعني الاستعمال في المجموع وفي البدلية بطريق الحقيقة لئلا يرد السؤال الذي يورد في هذا المقام. وهو أن الاكتفاء بأحدهما إنما يجب أن يحصل إذا لم
следующие страницы →