← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وهذا على رأي من لم يعتبر الوضع في المجاز. وأما على رأي من اعتبره فيه، فيجب أن يزاد في الحد. ويقال: هو "اللفظ المستعمل في إفادة معنى متواضع عليه / (٤٨/أ) " إلى آخره ولا يخفى عليك ما فيه من الاحترازات، وهو مطرد ومنعكس. المسألة الثالثة في أن لفظ المجاز بالنسبة إلى هذا المفهوم الاصطلاحي حقيقة عرفية ومجاز لغوي أما الأول: فلتبادر الذهن إليه عند سماعه مجردا عن القرائن، التبادر دليل الحقيقة. وأما الثاني فلوجهين:- أحدهما: ما ذكرناه. وثانيهما: أن بناء "المفعل" حقيقة إما في الموضع أو في المصدر، وليس حقيقة في "الفاعل"، فإطلاقه عليه يكون مجازا، فكيف على المشابه له؟

стр. 282

المسألة الرابعة [في وقوع المجاز في اللغة العربية] المجاز واقع في اللغة العربية. والدليل عليه إطلاقهم "الأسد" و "والحمار" [على] الشجاع والبليد، مع أنهما غير موضوعين لهما في أول الأمر وفاقا. وكذلك إطلاقهم الكبد على الوسط في قولهم: تكبدت الشمس إذا استوت على كبد السماء، أي على وسطها مع اعترافهم بأن الكبد موضع للعضو المخصوص في "الإنسان". وهذا استعارة عنه. وكذلك قوله: قامت الحرب على ساق، ودارت رحاها، وليس للحرب ساق ولا رحى، وإنما هو استعارة عن أهلاكها الرجال، لأن الرحى تفني وتعدم كل ما يقذف فيها.

стр. 283

ومثله قول امرئ القيس وليل كموج البحر أرخى سدوله .... على بأنواع الهموم ليبتلى وليس لليل "أرخى"، ولا له "سدول"، وإنما هو كناية عن الستر والتغطية، وبالجملة الاستقراء يفيد العلم الضروري بوقوع المجاز في اللغة. وأنكر الأستاذ أبو اسحاق وقوعه في اللغة. محتجاً بوجهين:

стр. 284

أحدهما: أن اللفظ المجازي لو أفاد معنى، فإما أن يفيده بدون القرينة، أو معها. والأول باطل. أما أولا: فبالإجماع. وأما ثانيا: فلأنه حينئذ يلزم أن يكون حقيقة فيه، إذ لا معنى للحقيقة إلا ما يكون مستقلا بالإفادة من غير احتياج إلى القرينة. والثاني: أيضا باطل، لأنه مع تلك القرينة لا يفيد إلا ذلك المعنى ولا يحتمل غيره، والذهن عند سماعه مع تلك القرينة لا يتبادر إلا إلى فهم ذلك

стр. 285

المعنى فيكون المجموع حقيقة فيه. وثانيهما: أن المعنى المعبر عنه باللفظ المجازي، يمكن التعبير عنه باللفظ الحقيقي، وتكون إفادته إياه من غير قرينة، بخلاف المجاز، فإنه لا يفيد إلا مع القرينة فيكون ذلك تطويلا من غير فائدة، وهو ممتنع الصدور من العرب الذين هم أهل الحكمة والبلاغة. والجواب عن الأول: أن القرينة غير منحصرة في اللفظ حتى يلزم ما ذكرتم، ثم "بل" قد تكون عقلية / (٤٨/ب) وخالية، وحينئذ لا يمكن أن يقال: اللفظ مع تلك القرينة العقلية والخالية حقيقة في ذلك المعنى، لأن الحقيقية والمجازية من عوارض الألفاظ، فإن عني الخصم بالحقيقة ما يفيد معنى ولا يحتمل غيره، سواء كان ذلك المفيد لفظا صرفا أو لا يكون كذلك، لكن يشترط أن يكون بعضه لفظا، إذ الدلالة العقلية الصرفة لا توصف بكونها حقائق، فهو نزاع لفظي فإنا لا نعني بالحقيقة إلا اللفظ الذي يكون مستقلا بالإفادة بدلالة وضعية، فإن كان الخصم يريد بها غيره فله ذلك، إذ لا مشاحة في الألفاظ. وعن الثاني: يمنع عدم الفائدة، فإنا سنذكر فوائد المجاز إن شاء الله تعالى.

стр. 286

المسألة الخامسة [في أقوال العلماء في وقوع المجاز في كلام الله تعالى] قد ثبت بما ذكرنا اشتمال اللغة العربية على المجاز. فهل هو واقع في كلام الله تعالى أم لا؟ ذهب الأكثرون إلى أنه واقع. وقالت: الروافضة. والظاهرية، كأبي بكر الأصفهاني.

стр. 287

إنه غير واقع احتج الأكثرون على وقوعه بآيات، كقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ فإن حقيقته غير مرادة، لأن حقيقته نفي مثل مثله، وهو كفر، لأنه يقتضي نفيه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، بل المراد منه نفي المثل، وهو مجاز فيه بالزيادة، إذ لو حذف الكاف استقام الكلام.

стр. 288

وكقوله تعالى: ﴿جدارا يريد إن ينقض﴾، وقوله تعالى: ﴿واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها﴾. والعير إما الإبل التي تحمل الميرة أو القافلة المجتمعة من الناس والجمال والبهائم، وعلى التقديرين السؤال عنها ممتنع، بل المراد على التقدير الأول، أهل العير فيكون مجازا من باب الإضمار كما في قوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾، وعلى التقدير الثاني بعض العير، وهو الناس، فيكون مجازا، من باب إطلاق اسم الكل على الجزء. وفي هذه الاستدلالات نظر.

стр. 289

أما الاستدلال بالآية الأولى فإن لقائل أن يقول: لا نسلم أن قوله ﴿ليس كمثله شيء﴾ المراد منه نفي المثل، بل هو محمول على حقيقته، وهو نفي مثل مثله، ولا يلزم منه نفيه تعالى بل نفي مثله. وبيانه: أن نقول لو كان لله تعالى مثل، لكان هو مثلا له ضرورة أن المماثلة لا تتحقق إلا من الجانبين، لكن ليس كمثله مثل فلا يكون له مثل وإذا أمكن حمل اللفظ على حقيقته، بحيث يحصل منه المقصود من غير محذور، كان الحمل على المجاز غير جائز لاسيما على المجاز بالزيادة، فإنه أشد محذورا من المجاز بالنقصان، إذ هو من باب الفصاحة والبلاغة، ومن المجاز / (٤٩/أ) للمشابهة فإنه من باب الاستعارة. لا يقال: فعلى هذا لا يكون النص مفيدا لنفي المثل ما لم يضم إليه ما ذكرتم من المقدمة فلا يكون مستقلا بالإفادة لكن الأمة عقلت منه [نفي المثل من غير اعتبار تلك المقدمة]، وذلك يدل على أنه "غير" محمول على ما ذكرتم. لأنا نقول: لا نسلم أن الأمة بأسرها عقلت منه نفي المثل من غير اعتبار تلك المقدمة. وكيف يقال ذلك وفي الأمة من ينكر أن يكون في كلام الله

стр. 290

مجاز؟ ومنهم من ينكر أن يكون فيه زيادة لا معنى لها، ولا يمكن حمل الآية على نفي المثل إلا بعد الاعتراف بهذين الأصلين "على القائلين بهذين الأصلين" جاز أن يفهموا منه نفي المثل على سبيل الاستقلال، وجاز أن يفهموا ذلك منه بواسطة ما ذكرنا من المقدمة وإن لم يصرحوا بها، لما أنها ضرورية على تقدير ثبوت المثل له. وأما قوله ﴿جدارا يريد أن ينقض﴾ فيمكن حمله على حقيقته- أيضا- إذ لا يبعد أن يخلق الله تعالى فيه الحياة والإرادة، إذ ليس البنية شرط الحياة، وزمن النبوة زمن خرق العادة. وكذلك القول في العير والقرية، إن سلم أن القرية اسم مختص بالبيوت والبنيان المجتمعة، وأما إن لم يقل بذلك بل يقول بأنها مشترك بينها وبين الناس المجتمعين، إما باشتراك لفظي، أو معنوي، فالاستدلال ساقط بالكلية، لأنه يمكن إجراء اللفظ على ظاهره، فلا حاجة إلى الإضمار، ثم الذي يدل على أن القرية حقيقة في الناس المجتمعين أيضا الاستعمال والاشتقاق أما الاستعمال فكقوله تعالى: ﴿وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة﴾، وقوله تعالى ﴿وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة﴾، وقوله تعالى: ﴿وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها﴾. وأمثالها كثيرة، والأصل في الاستعمال الحقيقة.

стр. 291

وأما الاشتقاق فلأن القرية مشتقة من القرء وهو الجمع، ومنه يقال: قرأت الماء في الحوض أي جمعت، [ومنه المقراة للحوض]، ومنه القراء، وهو الضيافة لاجتماع الناس لها، وقرأت الناقة لبنها في الضرع أي جمعته، ومنه القرآن لاجتماع السور والآيات فيه، ومنه القرء للطهر والحيض. أما الأول فلأنه زمن اجتماع الدم، وأما الثاني فلأنه دم مجتمع، والناس المجتمعون فيه معنى الاجتماع فوجب أن يسمى قرية، مقتضى هذا الدليل أن يسمى كل مجتمع بالقرية، لكن ترك العمل به في عدا البنيان المجتمعة والناس المجتمعين فوجب أن يبقى معمولا به فيهما، وإذا كان الاستدلال بهذه الآيات هذه الإشكالات / (٤٩/ب) فالأولى أن يعدل عنه إلى ما هو أوضح منه، نحو الاستدلال بقوله تعالى: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة﴾ وليس للذل جناح. وقوله: ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار﴾، والأنهار لا تجري وإنما يجري ماؤها، وقوله: ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه﴾ وليس

стр. 292

للباطل دماغ حتى يدمغ، وقوله: ﴿واشتعل الرأس شيبا﴾ والرأس لا يشتعل بالشيب، وقوله: ﴿وآية لهم الليل نسلخ منه النهار﴾ والسلخ إنما هو حقيقة في نزع الجلد، وقوله: ﴿لهدمت صوامع وبيع وصلاوات﴾ والصلاوات لا تهدم، وقوله: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ وليس في نفسه الحياة بل الموت وإنما الحياة في شرعيته، وقوله: ﴿أحاط بهم سرادقها﴾ و ﴿كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله﴾. وأمثالها متجاوزة حد الإحصاء. واحتج المخالف بوجوه:- أحدها: ما ذكر في المسألة السابقة وقد عرف جوابه ثمه أيضا. وثانيها: أن المجاز ركيك من الكلام لا يصار إليه إلا عند العجز عن الحقيقة، والعجز على الله محال. ثالثها: لو كان في كلامه مجاز واستعارة لوصف بكونه متجوزا ومستعيرا، وهو باطل وفاقا. ورابعها: كلام الله حق فله حقيقة فلا يكون مجازا، لأن ما له حقيقة لا يكون مجازا.

стр. 293

وخامسها: المجاز لا يستقل بالإفادة بدون القرينة، والقرينة قد تخفى فيضيع المكلف في الجهل ولم يحصل مقصود الكلام، والحكيم لا يسلك مسلكا قد يفضي إلى نقيض مقصوده مع اقتداره على سلوك ما لا يفضي إليه أصلا. وسادسها: لو جاوزنا أن يكون في كلام الله تعالى مجاز، لم يمكننا القطع بإرادة شيء من مدلولات كلامه تعالى لاحتمال أن يقال لعل المراد منه مجازات ما فهمناه من حقائقه، وإن لم نجد قرينة صارفة عن الحقيقة، لأن عدم وجدناها لا يدل على عدم الوجود، وهذا القدر من الاحتمالات كاف في نفي الجزم الجواب عن الثاني: بمنع ركاكة المجاز، بل قد يكون أفصح وأبلغ من الحقيقة في إفهام المقصود، ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي﴾ أفصح من قول القائل: الأرض شربت ماؤها والسماء وقفت عن الصب، وقولنا: "زيد أسد"، أو "كالأسد" أبلغ في إفهام الشجاعة من قولنا: "زيد شجاع"، لا نسلم أنه لا يصار إليه إلا عند العجز، بل يصار إليه لأسباب أخر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وعن الثالث: بمنع الملازمة، فغن أسامي الله توقيفية / (٥٠/أ) عندنا ولئن سلمنا: إنها قياسية، لكن [إنما] يجوز إطلاق ما لا يوهم الباطل، وما نحن فيه ليس كذلك، لأنه يوهم كونه تعالى متسامحاً في أقواله

стр. 294

وهو باطل، لأنه إنما يقال هذا فيمن لا يؤمن بقوله، ويعلم من حاله أنه لا يحتاط فيه. وعن الرابع: إن كلام الله حق بمعنى أنه صدق لا بمعنى أنه مستعمل في موضوعه. وعن الخامس: أنه مبني على قاعدة التحسين والتقبيح، وهي باطلة عندنا. ولئن سلمنا: صحتها فالظاهر زوال الالتباس مع القرينة وخفاء القرينة الذي ينشأ من الجهل احتمال مرجوح، وهو غير كاف في تقبيح الشيء وإلا لقبح إبدال المتشابهين. وعن السادس: أنا لا نقطع بشيء من مدلول كلامه تعالى، بناء على عدم وجدان قرينة صارفة عن ظاهره، بل لا يثبت بهذا الطريق إلا الظن، وأما القطع فبالقرائن المعينة للحقيقة، أو بقيام دلالة قاطعة مانعة من حمله على غير ظاهره، ومعلوم أن كون القرآن مشتملا على المجاز لا يقدح في القطع بهذا الطريق.

стр. 295

المسألة السادسة [في اشتمال العربية والقرآن على كلمة غير عربية] هل في اللغة العربية، وكلام الله تعالى كلمة غير عربية، سواء كانت معربة أم لا؟ فنقول: أما أن اللغة العربية مشتملة عليها فلا نعرف في ذلك خلافا، وإنما الخلاف في أن القرآن، هل هو مشتمل عليها أم لا؟ فأثبته ابن عباس، وعكرمة، ومن تابعهما. ونفاه الباقون.

стр. 296

قيل. الشافعي منهم، ثم اعلم أن الخلاف يجب أن يكون في غير الأعلام كأسماء الأجناس مثل "اللجام" و "المشكاة"، أما في الأعلام مثل "إبراهيم" و "إسماعيل" فلا يتجه الخلاف فيه، وكيف يتجه وقد اتفق النحويون على أن إبراهيم وإسماعيل وأمثالها غير منصرف لعلة العلمية والعجمة، ولو كان من قبيل توافق اللغتين لكان منصرفا، نظرا إلى الوضع العربي. احتج المثبتون: بان القرآن مشتمل على "السجيل" و "الإستبرق" وعلى "المشكاة"، وعلى "القسطاس" والأوليان فارسيان، والمشكاة حبشية. وقيل: هندية، والقسطاس رومي. ولأنه لو لم يجز أن يكون القرآن مشتملا على غير العربي، فإنما لا يجوز لأنه غير مفهم لهم، وهو غير منكر من القول، فإن الحروف في أوائل السور غير مفهمة، وكذلك "الزقوم"

стр. 297

و "الأب"، ولذلك قال بعض فصحاء العرب حين سمع قوله تعالى: ﴿لآكلون من شجر من زقوم﴾ ما نعرف الزقوم، إلا الزبد والعسل. وقال عمر ﵁: لما تلا قوله تعالى: ﴿وفاكهة وأبا﴾ أما الفاكهة فمعلومة، فما / (٥٠/ب)؟. وكذلك المتشابهات، فإنها لا تفهم إذ الأصح الوقف على قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾.

стр. 298

وأيضاً: إن الله تعالى أنزل القرآن على لسان العرب والمعرب من جملة كلامهم، ولذلك اعتورت عليه أحكام كلامهم من دخول الألف واللام والتنوين والجمع والتثنية وغير ذلك من الأحكام، فجاز أن يكون فيه المعرب كغيره. أجاب المنكرون: عن الأول: بأنا لا نسلم أن تلك الكلمات ليست بعربية، ووجودها في غير اللغة العربية لا يدل على أنها ليست بعربية، فإن توافق اللغتين غير ممتنع كما في التنور، والصابون، وغيرهما من الألفاظ. وعن الثاني: بمنع أن يكون في القرآن غير المفهم، أما أوائل السور فقد مر الجواب عنها. وأما "الزقوم" و "الأب" فلا يلزم من كونهما غير معلومين لواحد، أو اثنين أن لا يكونا عربيين، ولا نسلم أن المتشابهات غير معلومة، ولا نسلم أن الأصح الوقف على قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ بل على (الراسخين) غاية ما يلزم على هذا التقدير التخصيصي،

стр. 299

وهو أهون من التكلم بما لا يفهم. واحتج المنكرون: بقوله تعالى: ﴿بلسان عربي مبين﴾، وقوله: ﴿قرآنا عربيا﴾ وهو اسم لجملة الكتاب على ما تقدم بيانه. وقوله: ﴿ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي﴾، وقوله: ﴿أأعجمي وعربي﴾ استفهام عن كونه متنوعا بمعنى الإنكار، وهو إنما يستقيم إذ لم يكن في نفسه متنوعا، ولو كان فيه شيء من غير العربية لكان متنوعا، وحينئذ لم يكن الإنكار مستقيما. أجاب: المثبتون عن الآيتين الأولتين بما سبق في الحقيقة الشرعية. وعن الثالث: لا نسلم أنه استفهام إنكار عن التنويع بل معناه إن شاء الله تعالى- الكلام أعجمي ومخاطب عربي، فهو إنكار هذا المعنى لا عن التنويع. سلمنا ذلك: لكنه إنكار مطلق التنويع أو تنويع مخصوص، وهو الذي لا يفهم منه شيء. والأول ممنوع. والثاني مسلم، ونحن لا نقول به، ولا يلزم منه نفي مطلق التنويع، إذ لا يلزم من نفي الخاص نفي العام.

стр. 300

المسألة السابعة في تقسيم المجاز المجاز إما أن يقع في مفردات الألفاظ فقط، أو في تركيبها فقط، أو فيهما جميعا. والأول: كاطلاق الأسد على الشجاع، وقد عرفت حقيقته بما سبق. من التحديد ووقوعه بما سبق من الدليل ويسمى أيضا بالمجاز المثبت. والثاني: كقوله تعالى: ﴿وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا﴾ / (٥١/أ) ﴿رب إنهن أضللن كثيرا من الناس﴾ ﴿وأخرجت الأرض أثقالها﴾. ويسمى هذا النوع بالمجاز المركب، والجملي، والإثباتي، والحكمي، والإسنادي، والعقلي، لأن مفردات هذا النوع من المجاز

стр. 301

كلها مستعملة في موضوعاتها، وإنما التجوز في إسناد بعضها إلى بعض، وذلك حكمي، عقلي، ألا ترى أن "أشاب الصغير" في قول الشاعر: أشاب الصغير وأفنى الكبير .... كر الغداة ومر العشي مستعملان في موضوعيهما، وكذلك: أفنى والكبير، لكن إسناد "أشاب وأفنى" إلى "كر الغداة ومر العشي"، هو الذي وقع فيه التجوز لكونهما، مستندين إلى الله في نفس الأمر. ومثله: "أنبت الربيع البقل". و "فعل النور" والضابط فيه إنك متى نسبت الشيء إلى غير ما هو منسوب إليه لذاته لضرب من الملاحظ بين الإسنادين كان ذلك مجازا في التركيب. وبهذا القيد الأخير خرج، قول الدهري: "أنبت الربيع البقل"، و

стр. 302

"أسعد الفلك"، عن أن يكون مجازا، لأن ذلك الإسناد عنده ليس لضرب من الملابسة، بل هو أصلي عنده منتسب إلى ما ينبغي انتسابه إليه، وبه ينفصل الكذب عنه أيضا. لأن الكاذب لم يسند الأثر إلى ما أسنده لمشابهة ذلك الإسناد إسنادا آخر الذي هو أصلي، بل إما لأنه أصلي عنده، أو وإن لم يكن كذلك لكنه لم يلاحظ الملاحظة. والملاحظة قد تكون بأن يختص الشيء بأثر بأن يوجد الأثر عند وجوده، وينعدم عند عدمه، وهو غير صادر عنه، لكن أجرى الله [تعالى] سنته بأن يوجده عند وجوده، ويعدمه عند عدمه، كالهلاك مع أكل السم في قوله: قتله السم: أو بأن يكون الأثر صادرا عنه حسا كما في قوله تعالى ﴿وأخرجت الأرض أثقالها﴾ و ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ وبأن يكون الشيء سبب كقولهم: "أعطى الأمير الفقير"، و "كسا الخليفة الكعبة"، وما أشبه ذلك. وذهب بعض الشاذين إلى إنكار المجاز العقلي. إما لزعمهم: أن صيغ

стр. 303

الأفعال موضوعة في اللغة بإزاء صدور مدلولاتها عن القادر المختار، فإذا أسندت إلى غيره كانت مجازات لغوية. وربما استدلوا عليه: بأن من علامة المجاز اللغوي صحة النفي كما سيأتي- وهي موجودة فيما نحن فيه كما في المفرد، إذ يصح أن يقال: ما أخرجت الأرض الأثقال، وإنما أخرجها الله تعالى منها / (٥١/ب)، وما أتت النخلة أكلها، ولكن أتى الله منها الأكل، وما قعد فلان ولكن اقعد فيمن هو كذلك، قال الله تعالى: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ وهذا على رأينا ظاهر. وإما لزعمهم: بأن صيغ الأفعال لا تدل إلا على صدور مدلولاتها ممن أسندت إليه، سواء كان موجبا أو مختارا، وخصوصية أحدهما غير مستفاد منها- كما سيأتي- فإذا أسند فعل إلى فاعل سواء كان موجبا أو مختارا، وجب أن تكون حقيقة فيه، إذ لو كان مجازا في الموجب لكان له جهة حقيقة، كما في المفرد، ولما لم يكن كذلك، علمنا أنه ليس بمجاز. أجاب الأكثرون عن الأول: بأن صيغ الأفعال لا دلالة لها على صدور

стр. 304

مدلولاتها من الفاعل المختار ويدل عليه وجوه:- أحدها: لو كانت صيغة الفعل دالة على صدور الفعل من المختار لكان قولنا: "أخرج" و "أنبت" خبرا تاما، لأنه حينئذ يجري مجرى قولنا: "أخرج القادر"، و "أنبت القادر" وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم. وفيه نظر، لأن لقائل أن يقول: هب أنه لا يدل على خصوصية القادر المختار، لكن لا نزاع في أنه يدل على صدوره عن شيء. فقولنا: أخرج حينئذ يجري مجرى، قولنا: أخرج شيئا فكان يجب أن يكون خبرا تاما، فما هو جوابكم فيه؟ فهو جوابنا فيما أوردتموه علينا. وثانيها: أن إسناد الفعل إلى الفاعل، تارة يفيد صدوره منه فقط كقولك: "ضرب زيد"، وتارة يفيد اتصافه به فقط كما في قولك: "مرض زيد"، و "مات عمر"، وتارة يفيد المعنيين جميعا كقولك: "قام زيد"، فلو كان الفعل دالا على صدوره من القادر المختار بطريق التضمن لم يكن إسناد الفعل إلى الفاعل في هذه الصور الثلاثة على سبيل الحقيقة، لكن لم يقل أحد من أئمة اللغة، إن مرض زيد ومات عمر، مجاز لغوي. وثالثها: أن من الاستعمال الشائع من غير نكير من أهل اللسان قول القائل: "السواد يضاد البياض وينافيه"، و "إن الجسم الجمادي يقبل العرض"، ويشغل الحيز، وينتقل عن مكانه غير الطبيعي. والأصل في الكلام الحقيقة الواحدة، وحينئذ يلزم أن لا يكون حقيقة في خصوصية القادر المختار، وهو المطلوب. ورابعها: أن الفعل لو كان له دلالة على القادر من حيث الوضع لكان

стр. 305

قولنا: "أخرج القادر"، تكرارا وغيره نقصا نظرا إلى الوضع ومعلوم أنه ليس كذلك. وخامسها: هب أن الأفعال دالة على القادر المختار بطريق التضمن / (٥٢/أ) لكن لا دلالة لها على القادر المعين، وإلا لزم الاشتراك بحسب القادرين وأنه خلاف الأصل. إذا ثبت هذا فنقول: إذا أسند الفعل إلى غير ذلك القادر الذي صدر الفعل عنه لم يكن ذلك مجازا لغويا، لأن التغيير غير واقع في المفهوم اللغوي، فيكون مجازا عقليا لدخوله تحت ما ذكرنا من الضابط وأما الجواب: عما استدلوا به أولا: فهو أنا نسلم أن صحة النفي من علامات المجاز، لكن لا نسلم أنها من خواص المجاز اللغوي أو العقلي على التعيين، وحينئذ يستدل بصحة النفي على المجاز اللغوي فإنما هو بواسطة أن المجاز العقلي فيه غير متصور، أما بمجرد النفي فلا. وعن الثاني: إن نسلم أنه لا دلالة للأفعال من حيث الوضع على خصوصية الفاعل كما بينا، لكن ما الذي تريد من قولك؟ أنه لو كان مجازا في الموجب لكان له جهة حقيقة. إن أردت به أنه يكون له جهة حقيقة بحسب اللغة فهو ممنوع، إذ المجاز لو استدعى الحقيقة فإنما يستدعي حقيقة تقابله والحقيقة اللغوية ليست في مقابلة المجاز العقلي، إذا ليس معنى المجاز العقلي أن يكون اللفظ مستعملا في غير ما وضع له حتى يستدعيها، وإن عنيت به أن يكون له جهة حقيقة بحسب العقل فمسلم، لكن لا نسلم أن ليس له جهة حقيقة، بل له ذلك، وهو إسناده إلى ما هو مستند إليه لذاته. وأما الثالث: وهو الذي وقع التجوز في مفردات ألفاظه وفي تركيبه معا، فهو كقول الشاعر:

стр. 306

أحياني اكتحال بطلعتك فإن "الإحياء" مستعمل في السرور، وهو غير موضوعه الأصلي، و "الاكتحال" في الرؤية، وهو مجاز فيها، فهذا مجاز في مفرداته ثم نسب "الإحياء" إلى "الاكتحال" وهو مجاز عقلي، لأنه غير منتسب إليه في نفس الأمر "وإنما نسب إليه" لضرب من الملاحظة بينه وبين الإسناد الأصلي.

стр. 307

المسألة الثامنة في بيان جهات التجوز في المفرد قد عرفت مما سبق في حد المجاز أن العلاقة لابد منها فيه. فنقول: العلاقة التي هي شرط المجاز، ليست هي عبارة عن مجرد الاشتراك في أمر من الأمور التي هي موجودة في الحقيقة، وإلا لجاز إطلاق اسم كل شيء على كل ما عداه لأنه ما من شيء إلا ويشارك كل ما عداه في أمر من الأمور، بل لابد من المناسبة والمشاركة في أمر خاص ظاهر. إذا عرفت هذا، فلنذكر ما يحضرنا منها، وقبل الخوض في التعداد لابد من التنبيه على شيء. وهو: إنا إذا / (٥٢/ب) أوردنا مثالا بجهة من جهات التجوز لا يشترط فيه أن لا يكون مشتملا على جهة أخرى، بل يجوز أن يكون فيه جهتان وثلاثة، فلا يفهم من قولنا: مثال الجهة الفلانية كذا الاختصاص بتلك الجهة، بل شرطه أن يكون مشتملا على تلك الجهة، مع قطع النظر عن غيرها من الجهات، فإن كان فيه جهة أخرى فإنما لم ينبه عليها لأنا نذكر لها مثالا آخر. الجهة الأولى: من جهات التجوز، إطلاق اسم العلة على المعلول سواء كانت العلة "فاعلية" أو "قابلية" أو "صورية" أو

стр. 308

"غائبة". مثال الأول: إذا كانت حقيقية إطلاق اسم الفاعل وإرادة المفعول كقوله تعالى: ﴿عيشة راضية﴾ أي: مرضية، ومثاله إذا كانت ظنية كتسميتهم "المطر بالسماء". مثال الثاني: كقولهم: "سال الوادي"، و "جرى الميزاب" و "النهر" مثال الثالث: كتسميتهم القدرة باليد، والعقل، والفهم، بالقلب. مثال الرابع: كتسميتهم العنب بالخمر، والعقد بالنكاح. وثانيها: إطلاق اسم المعلول على العلة، كتسميتهم المرض الشديد، والمحنة العظيمة بالموت، ومنه قوله تعالى: ﴿حجابا مستورا﴾ أي ساترا. تنبيهان:- الأول: إذا وقع التعارض بين هذين المجازين، كان الأول أولى. وهذا ظاهر، على رأي من يجوز تعليل المعلولين المتماثلين بعلتين مختلفتين

стр. 309

لأن العلم بالمعلول المعين حينئذ لا يستلزمه العلم بالعلة المعينة. وأما العلم بالعلة المعينة، فإنه يستلزمه العلم بالمعلول المعين. وأما على رأي من لم يجوز ذلك فكذلك، لأن العلم بالعلة المعينة كما تفيد العلم بوجود المعلول المعين، فكذا يفيد كمية وجوده. وأما العلم المعلول، وإن أفاد العلم بوجود العلة المعينة حينئذ لكن لا يفيد كمية وجوده، فكان الأول أولى. الثاني: إذا وقع التعارض بين هذه العلل الأربع، كانت العلة الغائبة أولى، لا لما قيل: بأن فيها جهتي العلية والمعلومية بالنسبة إلى العلل الثلاثة الباقية؛ فإنها علة لها في الذهن ومعلول لها في الخارج، فإن هاتين الجهتين حاصلتان أيضا للعلل الثلاثة بالنسبة إليها ضرورة أن العلية والمعلولية من الأمور الإضافية المتلازمة، بل لأن عليتها في الذهن ومعلوليتها في الخارج وسائر العلل بالعكس من هذا. وقد عرفت أن دلالة الألفاظ على ما في الأذهان بالذات، وعلى ما في الخارج بالعرض فتكون جهة الرجحان التي هي العلية حاصلة / (٥٣/أ) للعلة الغائبة في الدلالة الذاتية ولغيرها في الدلالة العرضية، فتكون العلة الغائبة أولى من غيرها. وثالثها: إطلاق اسم اللازم على الملزوم، كإطلاق المس على الجماع في

стр. 310

قوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ أي قبل الوطء" وخصه قوم بالكناية إذ قالوا: أن قولهم: "كثير الرماد" للمضياف، و "طويل النجاد" لطويل القامة من باب الكنية، وهو إطلاق "اسم" اللازم على الملزوم. ورابعها: عكسه كقوله تعالى: ﴿أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون﴾ أي يدل، والدلالة لازمة من لوازم الكلام. وخصه قوم بالاستعارة، والصحيح: أن الاستعارة غيره "وستأتي" ثم من الظاهر تغايرها من الجهتين أعني العلية والمعلولية، واللازمية والملزومية، فإن الاعتبار الثاني يصدق حيث لا يصدق الاعتبار الأول، كما في الخاص والعام، فإن الإنسان ملزوم للحيوان، وهو لازم له، لا علية ولا معلولية بينهما ولا بينهما نسبة العموم والخصوص- أيضا- إن استدعاء الوجود من الجانبين شرط في الجهة الأولى دون الثانية، وإذا وقع التعارض [بين] هاتين الجهتين كانت الجهة الأولى أولى، وإذا وقع التعارض بين إطلاق اسم اللازم على الملزوم وبين إطلاق اسم الملزوم على اللازم، كان الثاني أولى لاستلزامه إياه من غير عكس.

стр. 311

وخامسها: تسمية الشيء باسم ما يشابهه، وإما في الصورة كإطلاق اسم "الفرس" على المصور بصورته، وإما في صفة ظاهرة خاصة بمحل الحقيقة كإطلاق اسم "الاسد" على الشجاع، و "الحمار" على البليد، وهذا النوع هو المستعار، وهذا لأنه هو الذي استعير فيه المعنى فاستعير اللفظ فيه تبعا لاستعارة المعنى. وإذا وقع التعارض بين هذا، وبين واحد من الأربعة، الأول أعني إطلاق اسم العلة على المعلول، وعكسه، وإطلاق اسم الملزوم على اللازم، وعكسه، فالثلاثة، الأول منها أولى قطعا للملازمة وعدم الانفكاك. وأما الرابع: فيحتمل أن يقال المستعار أولى، لأنه أكثر ولأنه من أصناف البديع، ولأن تلك الجهة حاصلة للمستعار- أيضا- مع زيادة ما ذكرنا من المرجحات، لأن بين الأسد والشجاعة ملازمة، فإطلاق اسم الأسد على الشجاعة إطلاق إسم الملزوم على اللازم، ثم إطلاقه على الشجاع- أيضا- كذلك، لأن بين الشجاعة والشجاع ملازمة أيضا. وسادسها: إطلاق اسم الكل على الجزء، كما في قولهم: الزنجي (٥٣/ب) سود، والرومي أبيض، وكإطلاق اليد على العضو المخصوص إلى الكوع، أو إلى المرفق عند من يجعلها حقيقة فيه إلى المنكب. وسابعها: عكسه، كإطلاق الرأس على الشخص في قولهم: يملك فلان

стр. 312

كذا رأسا من الرقيق، وذبح كذا رأسا من البقر. وإذا وقع التعارض بينهما كان الأول [أولى] لاستلزام الكل الجزء من غير عكس، وهذا إنما يستقيم في إطلاق اسم الجزء الأعم على الكل، أما في إطلاق اسم الجزء الخاص بالشيء كالناطق مثلا النسبة إلى الإنسان فلا، لأنه مستلزم له فيحتاج في تعليل أولوية الأول بالنسبة إلى هذا الجزء، وإلى وجه آخر وهو أن الكل مستلزم للجزء من حيث إنه كل، وأما الجزء الذي يستلزم الكل فإنه لا يستلزمه من حيث إنه جزء بل باعتبار آخر، وما بالذات يكون أولى وأقدم مما بالغير. وأيضا: الكل يستلزم الجزء بالدلالة التضمنية، والجزء الخاص يستلزم الكل بالدلالة الالتزامية، ولا شك أن الدلالة التضمنية أولى من الدلالة الالتزامية. ويدخل في هذا القسم إطلاق اسم المقيد على المطلق وعكسه، لأن المطلق جزء المقيد. وإذا وقع التعارض بين إطلاق اسم الكل على الجزء وبين إطلاق إسم العلة على المعلول أو عكسه، كان الثاني أولى لحصول الاستلزام مع زيادة التأثير والتأثر.

стр. 313

وأما إذا وقع التعارض بينه وبين إطلاق اسم الملزوم على اللازم كان الأول أولى، لأن الاستلزام مشترك ويخص بكونه داخلا في مسمى اللفظ بخلاف اللازم، فإنه غير داخل في مسمى اللفظ، ويعرف منه كونه أولى من عكسه ومن المستعار. وأما إذا وقع التعارض بين إطلاق اسم الجزء على الكل، وبين ما تقدم من الأقسام، فكل ما تقدم من الأقسام أولى منه إلا إطلاق اسم اللازم على الملزوم فإنهما سواءان، لأنه كما لا يلزم من وجود اللازم وجود الملزوم فكذا لا يلزم من وجود الجزء وجود الكل. وثامنها: إطلاق اسم أحد الضدين على الآخر، كقوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾، وقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما أعتدى عليكم﴾. سمي جزاء السيئة سيئة واعتداء وهو عدل لكونه ضدها. وإذا وقع التعارض بين هذا وبين كل ما تقدم من الأقسام، كان كل ما تقدم أولى منه إلا إطلاق اسم اللازم على الملزوم وما في معناه. فإن فيه نظرا. وتاسعها: تسمية ما يألفوه باسم ما بالفعل سواء كان بالقوة القريبة بالفعل كتسمية الخمر في الدن مسكرا، وكتسمية العال بصنعة الكتابة بالكاتب في غير حالة المباشرة، أو بالقوة البعيدة (عنه)، كتسمية الصبي بالكاتب والعالم.

стр. 314

وإذا وقع التعارض بين هذا وبين إطلاق (اسم) أحد الضدين على الآخر فيحتمل أن يقال: الأول أولى، لأنه أكثر. ويحتمل أن يقال: الثاني أولى لأن انتقال الذهن عند سماع أحد الضدين إلى الضد الآخر، أكثر من انتقاله ثمة. ويعرف من هذا نسبته إلى الأقسام المتقدمة فلا نطول بذكرها. وعاشرها: تسمية الشيء باسم ما يجاوره، كتسمية المزادة بالرواية، الشراب بالكأس عند من يجل الكأس اسم الوعاء، ولا يشترط أن يكون فيه الشراب. وأما من يقول: لا يقال: للوعاء كأس إلا إذا كان فيه الشراب فلا. وإذا وقع التعارض بين هذا وبين تسمية ما يألفوه بالعقل كان الثاني أولى، لأن تقدير الحصول يصير حقيقة فيه بخلاف اسم أحد المجاورين في الآخر، فإنه لا يصير حقيقة بحال إلا بوضع جديد، وهو مشترك، ولأنه أكثر فكان أولى. حادي عشرها: إطلاق الاسم على الشيء باعتبار ما كان عليه أولا، ثم زال عنه، كالعبد على المعتق، والضارب على من صدر منه الضرب في الماضي. وإذا وقع التعارض بين هذا وبين ما تقدم من الأقسام كان هذا أولى، لأنه حقيقة عند البعض في الحال، وبتقدير أن لا يكون حقيقة فيه في الحال إلا أنه

стр. 315

كان حقيقة فيه بخلاف ما تقدمه من الأقسام. وثاني عشرها: المجاز بالزيادة، كقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ عد من يجعل الكاف زائدة. وإذا وقع التعارض بين هذا وبين كل ما تقدم، كان كل ما تقدم أولى، لأن فيه زيادة لا معنى لها، وهو غير مرضي عند الفصحاء. وثالث عشرها: عكسه كقوله تعالى: ﴿وأسأل القرية﴾ وستعرف أنه إذا وقع التعارض بين الإضمار والمجاز أيهما أولى.

стр. 316

ورابع عشرها: إطلاق اسم المتعلق على المتعلق كتسمية المعلوم علما والمقدور قدرة، في قولهم هذا قدرة الله، وعلم الله أي مقدوره ومعلومه. وإذا وقع التعارض بين هذا وبين الإضمار فأيهما أولى فستعرف ذلك- فيما يأتي إن شاء الله تعالى- ولا يخفى عليك نسبته إلى كل ما تقدم أيضا مما تقدم. وخامس عشرها: تسمية الحال باسم المحل، كتسمية الخارج المستقذر بالغائط. فإنه في الأصل اسم المكان المطمئن من الأرض فسمي نفس الخارج به لكونه يقضي به في الغالب، ومنه قولهم: "لا فض فوك" أي أسنانك. وسادس عشرها: عكسه، كقوله تعالى: ﴿وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون﴾ أي في الجنة سماها رحمة لأنها محل رحمته.

стр. 317

ومنه يقال: في العرف في سخط الله، أي في النار، لأنها محل سخطه. إذا وقع التعارض بينهما كان الثاني أولى، لأن الحال يستلزم المحل من غير عكس. فهو كالملزوم بالنسبة إلى اللازم. لا يقال: إن الأول أولى، لأن المحل مفتقر (إليه) فهو كالمعلول من هذا الوجه [والحال مفتقر فهو كالمعلول من هذا الوجه]، وقد عرفت أن إطلاق اسم العلة على المعلول أولى من عكسه، فيكون ما يشبه أولى. لأنا نقول: لا نسلك أن أولوية إطلاق اسم العلة على المعلول إنما هو باعتبار الاعتبار الافتقار إليها حتى يلزم ما ذكرتموه، بل لما سبق من أن العلم بالعلة المعينة يستلزم العلم بالمعلول المعين من غير عكس. ولئن سلم ذلك لكن يجوز أن يكون الشيء مرجحا مع غيره، ولا يصلح أن يكون مرجحا وحده، فلا يلزم من كون الافتقار مرجحا مع الاستلزام كونه كذلك بدونه. سابع عشرها: تسمية البدل باسم مبدله، كتسميتهم الدية "بالدم" في قولهم: أكل فلان دم فلان، أي: ديته. ومنه قول الشاعر: يأكلن كل ليلة أكافا.

стр. 318

أي ثمن الاكاف. وثامن عشرها: عكسه كتسمية الأداء "بالقضاء" في قوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم الصلاة﴾ أي أديتم. وإذا وقع التعارض بينهما كان الأول أولى وإن سلم كون كل واحد منهما مستلزما للآخر، لأنه أكثر، ولأن المبدل أصل، والبدل فرع وتسمية الفرع بالأصل أولى من العكس. وتاسع عشرها: إطلاق المنكر وإرادة واحد بعينه، كقوله تعالى ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ عند من يزعم أن المأمور به كانت بقرة معينة. العشرون: إطلاق المعرف وإرادة المنكر، كما في قوله تعالى: ﴿وادخلوا الباب سجدا﴾ عند من يزعم أن المأمور به دخول باب من الأبواب لا بابا بعينه، ولا يظن أن هذا تكرار فإنه سبق ذكر إطلاق المطلق، وإرادة المقيد وعكسه، لأنهما قد يكونان معرفتين وقد يكونان نكرتين، وما نحن فيه ليس

стр. 319

كذلك بل لابد وأن يكون أحدهما معرفة والآخر نكرة. وإذا وقع التعارض بينهما كان الثاني أولى، وهو ظاهر لكون المعرف كالكل، والمنكر كالجزء [وقد عرفت أن] إطلاق اسم الكل على الجزء أولى من العكس. ويمكن أن يعارض هذا بما أن فيه تعطيل الكلمة عن الفائدة، وهي الألف ولام التعريف بخلاف عكسه، فإنه لا يتعطل فيه شيء من الكلمة، وإن كان فيه تعطيل التنكير عن الفائدة أيضا. الحادي والعشرون: إطلاق النكرة، وإرادة الجنس، كما في قوله تعالى: ﴿علمت نفس ما قدمت وأخرت﴾، وكقوله تعالى: ﴿وحسن أولئك رفيقا﴾ عند من لم يجعله اسم جنس كالصف والخصم. الثاني والعشرون / (٥٥/أ): إطلاق المعرف باللام وإرادة الجنس، كقولهم: "الرجل خير من المرأة"، و "الدينار خير من الدرهم"، فإنه ليس

стр. 320

المراد منه أن كل واحد من الرجال خير من المرأة، إذ قد تكون المرأة خيرا من الرجل، الدرهم قد يكون خيرا من الدينار، بل المراد منه الجنس. واعلم أنا إنما لم نذكر أحوال تعارض هذه الجهات المتأخرة مع ما قبلها من الجهات، لأنه يمكنك معرفتها مما تقدم فلا يطول الكتاب بذكرها. المسألة التاسعة في أن استعمال اللفظ في كل واحد من صور المجاز، هل يفتقر إلى كونه مستعملا فيه من جهتهم أو لا يفتقر إلى ذلك ؟ يل يكفي فيه وجود العلاقة المعتبرة في التجوز المستفادة من كلامهم، إما صريحا بأن كان منصوصا عليها نصا كليا أو ضمنيا، بأن كانت معلومة من استقراء كلامهم المجاز كما سبق في بيان جهات التجوز. اختلفوا فيه: فمنهم من ذهب إلى اشتراطه. ومنهم من لم يشترطه، بل يشترط وجود العلاقة المعتبرة فقط. ويعرف من هذا أن مجرد العلاقة
следующие страницы →