Полный текст (3 770 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
ورابع عشرها: إطلاق اسم المتعلق على المتعلق كتسمية المعلوم علما والمقدور قدرة، في قولهم هذا قدرة الله، وعلم الله أي مقدوره ومعلومه.
وإذا وقع التعارض بين هذا وبين الإضمار فأيهما أولى فستعرف ذلك- فيما يأتي إن شاء الله تعالى- ولا يخفى عليك نسبته إلى كل ما تقدم أيضا مما تقدم.
وخامس عشرها: تسمية الحال باسم المحل، كتسمية الخارج المستقذر بالغائط.
فإنه في الأصل اسم المكان المطمئن من الأرض فسمي نفس الخارج به لكونه يقضي به في الغالب، ومنه قولهم: "لا فض فوك" أي أسنانك.
وسادس عشرها: عكسه، كقوله تعالى: ﴿وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون﴾ أي في الجنة سماها رحمة لأنها محل رحمته.
стр. 317
ومنه يقال: في العرف في سخط الله، أي في النار، لأنها محل سخطه.
إذا وقع التعارض بينهما كان الثاني أولى، لأن الحال يستلزم المحل من غير عكس. فهو كالملزوم بالنسبة إلى اللازم.
لا يقال: إن الأول أولى، لأن المحل مفتقر (إليه) فهو كالمعلول من هذا الوجه [والحال مفتقر فهو كالمعلول من هذا الوجه]، وقد عرفت أن إطلاق اسم العلة على المعلول أولى من عكسه، فيكون ما يشبه أولى.
لأنا نقول: لا نسلك أن أولوية إطلاق اسم العلة على المعلول إنما هو باعتبار الاعتبار الافتقار إليها حتى يلزم ما ذكرتموه، بل لما سبق من أن العلم بالعلة المعينة يستلزم العلم بالمعلول المعين من غير عكس. ولئن سلم ذلك لكن يجوز أن يكون الشيء مرجحا مع غيره، ولا يصلح أن يكون مرجحا وحده، فلا يلزم من كون الافتقار مرجحا مع الاستلزام كونه كذلك بدونه.
سابع عشرها: تسمية البدل باسم مبدله، كتسميتهم الدية "بالدم" في قولهم: أكل فلان دم فلان، أي: ديته.
ومنه قول الشاعر:
يأكلن كل ليلة أكافا.
стр. 318
أي ثمن الاكاف.
وثامن عشرها: عكسه كتسمية الأداء "بالقضاء" في قوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم الصلاة﴾ أي أديتم.
وإذا وقع التعارض بينهما كان الأول أولى وإن سلم كون كل واحد منهما مستلزما للآخر، لأنه أكثر، ولأن المبدل أصل، والبدل فرع وتسمية الفرع بالأصل أولى من العكس.
وتاسع عشرها: إطلاق المنكر وإرادة واحد بعينه، كقوله تعالى ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ عند من يزعم أن المأمور به كانت بقرة معينة.
العشرون: إطلاق المعرف وإرادة المنكر، كما في قوله تعالى: ﴿وادخلوا الباب سجدا﴾ عند من يزعم أن المأمور به دخول باب من الأبواب لا بابا بعينه، ولا يظن أن هذا تكرار فإنه سبق ذكر إطلاق المطلق، وإرادة المقيد وعكسه، لأنهما قد يكونان معرفتين وقد يكونان نكرتين، وما نحن فيه ليس
стр. 319
كذلك بل لابد وأن يكون أحدهما معرفة والآخر نكرة.
وإذا وقع التعارض بينهما كان الثاني أولى، وهو ظاهر لكون المعرف كالكل، والمنكر كالجزء [وقد عرفت أن] إطلاق اسم الكل على الجزء أولى من العكس.
ويمكن أن يعارض هذا بما أن فيه تعطيل الكلمة عن الفائدة، وهي الألف ولام التعريف بخلاف عكسه، فإنه لا يتعطل فيه شيء من الكلمة، وإن كان فيه تعطيل التنكير عن الفائدة أيضا.
الحادي والعشرون: إطلاق النكرة، وإرادة الجنس، كما في قوله تعالى: ﴿علمت نفس ما قدمت وأخرت﴾، وكقوله تعالى: ﴿وحسن أولئك رفيقا﴾ عند من لم يجعله اسم جنس كالصف والخصم.
الثاني والعشرون / (٥٥/أ): إطلاق المعرف باللام وإرادة الجنس، كقولهم: "الرجل خير من المرأة"، و "الدينار خير من الدرهم"، فإنه ليس
стр. 320
المراد منه أن كل واحد من الرجال خير من المرأة، إذ قد تكون المرأة خيرا من الرجل، الدرهم قد يكون خيرا من الدينار، بل المراد منه الجنس.
واعلم أنا إنما لم نذكر أحوال تعارض هذه الجهات المتأخرة مع ما قبلها من الجهات، لأنه يمكنك معرفتها مما تقدم فلا يطول الكتاب بذكرها.
المسألة التاسعة
في أن استعمال اللفظ في كل واحد من صور المجاز، هل يفتقر إلى كونه مستعملا فيه من جهتهم أو لا يفتقر إلى ذلك ؟
يل يكفي فيه وجود العلاقة المعتبرة في التجوز المستفادة من كلامهم، إما صريحا بأن كان منصوصا عليها نصا كليا أو ضمنيا، بأن كانت معلومة من استقراء كلامهم المجاز كما سبق في بيان جهات التجوز.
اختلفوا فيه: فمنهم من ذهب إلى اشتراطه. ومنهم من لم يشترطه، بل يشترط وجود العلاقة المعتبرة فقط. ويعرف من هذا أن مجرد العلاقة
стр. 321
والمناسبة من غير أن يشهد باعتبارها كلامهم بالتفسير المذكور غير كافية إجماعا، وإن كان كلام بعضهم ليشعر بخلافه.
احتج الشارطون بأنه يجوز أن يستعار الأسد للرجل الشجاع لمشابهته إياه في الشجاعة، ولا يجوز أن يستعار للأبخر مع مشابهته إياه في البخر.
وكذلك يجوز اطلاق "النخلة" على الإنسان الطويل لمشاركته إياها، ولا يجوز ذلك في غيره من الأشياء الطويلة، وتخلف الحكم عن المقتضي خلاف الأصل، فهو إذن لفقده، ولأنه لو لم يشترط الاستعمال في كل واحد من الصور بل يكفي فيه حصول جهة من جهات التجوز، لجاز تسمية العشرة بالخمسة وبسائر الأجزاء، ولأنهم استعملوا اسم الجزء في الكل في غير موضع واحد، وكذا تسمية البيت بالحائط والسقف، وكذا تسمية الصيد بالشبكة، وبالعكس، والثمرة بالشجرة وبالعكس، والابن بالأب وبالعكس، لأن علاقة السببية والمسببية موجودة بينهما، وكذا تسمية ظل كل شيء باسمه لمشابهته إياه في الصورة، وهي إحدى جهات التجوز، ولما لم يجز كل ذلك علمنا أنه لابد من الاستعمال منهم أو النقل الصريح بتجويز
стр. 322
الاستعمال
فإن قيل: لا نسلم أن ما ذكرتم يدل على مقصودكم، أما الصورتان الأوليان فإنما لم يجز الاستعارة فيهما لعدم حصول العلاقة المعتبرة في التجوز، وذلك لأن العلاقة المعتبرة في الاستعارة هي المشابهة في أشهر الصفات / (٥٥/ب) وأخصها، و "البخر" ليس من الصفات المشهورة للأسد، والطول وحده ليس من أخص الصفات للنخلة، وإنما أطلقت على الإنسان الطويل لا لمشاركته إياها في الطول فقط، بل لمشاركته إياها في الطول وفي أمور أخر يصير المجموع أخص صفاتها، فمن تلك الأمور أنها منتصبة القامة، وأن منها ذكرا وأنثى، وأنها لا تثمر إلا بالتلقيح، وأنها لا تعيش إذا قطعت رأسها، وأن الأنثى منها يتماثل إلى الذكر على ما قيل، وبعض هذه الصفات وإن كانت قد توجد في الحيوانات التي غير الإنسان، وبعضها في الجمادات كانتصاب القامة، لكن مجموع هذه الصفات لا توجد إلا في الإنسان، ولذلك قال ﵇: "أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من بقية طينة آدم ﵇". وإذا كان كذلك فلم يدل عدم جواز الاستعارة فيهما على جواز النقل والإشارة منهم.
стр. 323
وأما الملازمة الثانية فهي ممنوعة أيضا لجواز أن يكون عدم جواز وإطلاق اسم أحدهما على الآخر لمانع، لا لتوقفه على الاستعمال فيه، ألا ترى أن
стр. 324
الحقيقة قد لا تطرد لمانع وذلك لا يقدح في كونها مقتضيه له، وإذا كان كذلك فالمجاز أولى بأن لا يطرد لمانع، وذلك لا يقدح في العلاقة المسوغة له.
ويمكن أن يجاب عن الأول: إن الاشتهار إن اعتبر بالنسبة إلى كل أهل اللسان فهو متعذر أو متعسر، وإن اعتبر بالنسبة إلى أهل العلم والخبرة منهم فهو حاصل في البخر وأمثاله، مما لا يجوز الاستعارة بسبب الاشتراك فيه وغيرهما غير مضبوط فلا يجوز تعليق الحكم به.
وأما قوله: لعل المعتبر الاشتراك "في أخص الصفات".
قلنا: هذا الاحتمال مدفوع بما أنهم يطلقون اسم أحد السببين على الآخر بأدنى ملابسة بينهما، كإطلاقهم اسم الحال على المحل، وأحد المجاوزين على الآخر، واسم أحد الضدين على الآخر، مع أن الحالية والمحلية والمجاورة والضدية ليست من أخص صفاتها.
وعن الثاني: أن الأصل عدم المانع- وأيضا- بأن إحالة عدم الحكم إلى عدم المقتضى أولى من إحالته إلى وجود المانع لئلا يلزم التعارض، واحتج من نفي الاشتراط بوجوه:-
أحدها: أن إطلاق الاسم على معناه المجازي وتمييز بعض أنواعه عن البعض يحتاج إلى بحث عميق ونظر دقيق، وما يكون نقليا لا يكون كذلك.
وثانيها: أنك إذا أطلقت الاسم على غير موضوعه الأصلي / (٥٦/أ) على وجه الاستعمال، إما لتعظيم، أو لتحقير، فالمقصود غير حاصل بمجرد إطلاق الاسم "بل" بإعارة ذلك المعنى الذي لأجله استعير اللفظ له، فاستعارة اللفظ تابعة لاستعارة المعنى، وهي ليست من الأمور النقلية بل هي
стр. 325
حاصلة بمجرد القصد وتوهم وجوده للمبالغة في المدح أو الذم، فكذلك استعارة اللفظ بحيث إن لا تكون متوقفة على النقل وإلا لزم أن لا تكون تابعة لها، بل هي مستقلة بنفسها.
وثالثها: لو كان إطلاق الاسم عل معناه المجازي نقليا، لما افتقر إلى العلاقة والمناسبة التي تكون بين محل الحقيقة والمجاز، بل كان النقل كافيا فيه كالوضع الأول، ولما لم يكن كذلك، علمنا أنه غير مفتقر إليه.
وأجيب عن الأول: أنا لا نسلم أن إطلاق الاسم على معناه المجازي يفتقر إلى النظر الدقيق، بل المحتاج إليه هي العلاقة المصححة للتجوز لا نفس الإطلاق.
وأجاب الإمام عن الثاني: بأن إعارة المعنى أمر تقديري لا تحقيقي، فجاز أن يمنع [منه] الواضع في بعض الصور. هو غير سديد.
أما الأول: فلأن احتمال المنع غير المنع، وهو غير مانع إذ لو كان مانعا لتحقق المنع في كل موضع، يكون المانع غير ممتنع.
وأما ثانيا: فلأن حاصله يرجع إلى أن عدم جواز استعمال اللفظ في معناه المجازي، يمنع الواضع منه، أو لاحتمال المنع بتقدير كونه مانعا أيضا لا لتوقفه على النقل. والنزاع إنما هو في الثاني دون الأول، فإن من يقول: العلاقة كافية في التجوز، إذا منع مانع منه من عرف أو غيره لا يجوز الاستعمال فيه مع وجود العلاقة المصححة له. بل الجواب عنه بمنع أن
стр. 326
إعارة اللفظ تابعة الإعارة، إذ لا يلزم من عدم حصول المقصود من إعارة اللفظ بدون إعارة المعنى، أن تكون تابعة لها لجواز أن يكون إعارة اللفظ مشروطة بإعارة المعنى والمشروط غير تابع للشرط.
وعن الثالث: أن المجاز إنما يفتقر إلى العلاقة لضرورة كونه مجازا، فإنه لولا العلاقة لم يكن اللفظ مجازا، بل كان حقيقة فيه أيضا، ولا يتيمز باشتراط القرينة فإنه حاصل في المشترك، فلولا العلاقة لم يكن المجاز متميزا عن المشترك، بخلاف الوضع الأول. وإذا قد عرفت ما في الجانبين من الضعف، وجب التوقف.
المسألة العاشرة
في السبب الموجب للتكلم بالمجاز
وهو وجوه:-
أحدها: أنه لا يكون للمعنى الذي عبر عنه بالمجاز / (٥٦/ب) لفظ حقيقي، فيتعين تعبيره بالمجاز.
وثانيها: أنه وإن كان له لفظ حقيقي، لكن المتكلم أو المخاطب لم يعرفه.
وثالثها: أنه وإن كان معلوما لهما، لكنه معلوم كغيرهما أيضا والمجاز قد لا يكون معلوما لغيره، فيعبر به لئلا يطلع على ذلك المعنى غيرهما.
ورابعها: أن الإخفاء، وإن كان غير مطلوب له، لكن قد يكون لفظ الحقيقة ثقيلا على اللسان، سواء كان ذلك لمفردات حروفه أو لتنافر تركيبه أو
стр. 327
لثقل وزنه.
وخامسها: أنه وإن لم يكن كذلك، لكنه يكون غير صال للسجع أو للتجنيس، وسائر أصناف البديع، أو لإقامة الوزن والقافية، والمجاز صالح لذلك.
وسادسها: أنه وإن لم يكن كذلك، لكن لما كان التعبير بالمجاز ألذ، عدل عنه إليه، أما بيان أنه ألذ فلأن التعبير عن الشيء باسم لازمه، لا يوقف على تمام المقصود بل على بعضه، فيكون المقصود معلوما من وجه، ومجهولا من وجه، والوجه المعلوم يسوقه إلى تحصيل ذلك الوجه المجهول، فيحصل هناك ألم ولذة باعتباري الجهل والعلم، ثم إذا حصل العلم بكماله بعد الشوق إليه حصل هناك لذة عظيمة، لأن اللذة إذا حصلت عقيب الألم كانت أقوى وأتم بما إذا حصلت بغتة من أن يكون مسبوقا بألم، بخلاف الحقيقة، فإنها
стр. 328
توقف على المقصود لكماله فلا تعظم اللذة.
وسابعها: أن التعبير بالمجاز قد يكون أدخل في التعظيم.
وثامنها: أن يكون أدخل في التحقير.
وتاسعها: أن يكون التعبير به أبلغ في الإنباء عن المقصود، فإن قولك: "رأيت أسدا" أبلغ في الإعلام عن المقصود من قولك: "رأيت شجاعا" أو إنسانا "يشبه الأسد في الشجاعة".
وعاشرها: أن يكون المجاز أعرف من الحقيقة. فهذا ما حضرنا من الأسباب الداعية للتكلم بالمجاز.
стр. 329
المسألة الحادية عشرة
في أن الغالب في الاستعمال الحقيقة أو المجاز
قيل: الحق هو الثاني، للاستقراء.
أما بالنسبة إلى كلام الفصحاء في نظمهم ونثرهم فظاهر، لأن أكثرها تشبيهات واستعارات للمدح والذم، وكنايات وإسنادات قول وفعل إلى من لا يصلح أن يكون فاعلا لذلك، كالحيوانات والدهر والأطلال والدمن، ولا شك أن كل ذلك يجوز.
أما بالنسبة إلى الاستعمال العام فكذلك، فإن الرجل يقول: "سافرت البلاد" و "رأيت العباد"، و "لبست الثياب"، و "ملكت العبيد"، مع أنه ما سافر في كلها، ولا رأى كلهم، وما لبس كل الثياب، ولا ملك كل العبيد.
وكذلك يقول: ضربت زيدا، مع أنه ما ضرب إلا جزءاً منه.
стр. 330
وكذا إذا عين جزء منه مثل أن يقول: ضربت رأسه. مع أنه ما ضرب إلا جزءا منه / (٥٧/أ).
وكذلك قولهم: "طاب الهواء"، و "برد الماء"، و "مات زيد"، و "مرض عمر"، بل إسناد الأفعال الاختيارية كلها إلى الحيوانات، على مذهب أهل السنة مجاز، لأن فاعلها في الحقيقة هو الله تعالى، فإسنادها إلى غيره مجاز عقلي.
وأما قول ابن جني: إن قولنا: "قام زيد"، و "قعد عمرو"، مجاز لزعمه أنه يفيد صدور المصدر، والمصدر يفيد الجنس، وهو يتناول
стр. 331
جميع الأفراد وهو غير صادر منه. فهو باطل، لأن المصدر يصدق على القليل والكثير ولا دلالة له إلا على نفس الماهية، وما كان كذلك لا يكون متناولا لجميع الأفراد، بل له صلاحية التناول، وصلاحية التناول غير التناول، ثم ليلعم أن الغلبة لو ثبتت للمجاز، فإنما تثبت لمجموع المجازين أعني الإفرادي والتركيبي.
وأما بالنسبة إلى الإفرادي وحده فلا.
وأما بالنسبة إلى التركيبي وحده ففيه نظر. على رأي من لم يثبت فاعلا وخالقا غير الله تعالى.
المسألة الثانية عشرة
في أن المجاز المفرد خلاف الأصل
إما بمعنى خلاف الغالب، أو بمنى أنه على خلاف الدليل، ويدل عليه وجوه:-
стр. 332
أحدها: أن اللفظ إذا تجرد عن القرينة، فإن وجب حمله على حقيقته فهو المطلوب، لأن الدليل حينئذ يكون دالا عليه، والحمل على المجاز حينئذ يكون مخالفة لذلك الدليل فيكون خلاف الأصل، إذ الأصل في الدليل الأعمال لا الإهمال، وإن وجب حمله على مجازه فهو باطل أيضا، لأنه يلزم وجود المشروط بدون الشرط، لأن شرط حمل اللفظ على مجازه أن يكون معه قرينة صارفة عن الحقيقة وفاقا، ولأنه إذا لم يجز حمل المشترك على أحد مفهوميه إلا بقرينة تساويهما، فلأن لا يجوز حمله على المجاز مع أنه فرع الحقيقة كان أولى، وإن وجب حمله عليهما فهو باطل أيضا لما بينا أنه لا يجوز حمل اللفظ على مفهومين مختلفين، ولأنه يلزم أن يكون اللفظ حقيقة فيهما، لأنه لا معنى لكون اللفظ حقيقة في شيء إلا أنه يجب حمل اللفظ عليه عن تجرده عن القرينة.
وإما أن لا يحمل على شيء منهما فهو أيضا باطل.
أما أولا: فبالاتفاق.
وأما ثانيا: فلأن اللفظ حينئذ يكون من المهملات لا من المستعملات.
وثانيها: أنا قد ذكرنا أن الألفاظ وضعت معرفات لما في الضمائر، فكان الواضع قال: إذا سمعتم مني أني تكلمت بهذه اللفظة، فاعلموا: أني أردت به المعنى الفلاني، فمن تكلم بكلامه وجب أن يعني ذلك المعنى، وإلا كان متكلما بكلام آخر، وحينئذ يجب حمله عليه / (٥٧/ب).
وثالثها: استدل الكل بالاستعمال على الحقيقة، فلولا أنه تقرر عندهم أن
стр. 333
الأصل في الكلام هو الحقيقة، وإلا لما صح ذلك، روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "ما كنت أعرف معنى الفاطر حتى اختصم إلي شخصان في بئر فقال أحدهما: فطرها أبي أي اخترعها".
وقال الأصمعي أنه قال: ما كنت أعرف معنى "الدهاق" حتى سمعت جاري بدوية تقول: "اسقني دهاقا" أي ملآن.
стр. 334
وبالجملة فكتب اللغة بأسرها شاهدة على ذلك. لأنهم إذا بينوا معنى لفظ فيها فقل ما يسندوا ذلك إلى النقل، بل استدلوا عليه بالاستعمال، إما في شعر أو في مثل، وذلك يدل على اتفاقهم أن الأصل في الكلام هو الحقيقة.
ورابعها: المجاز يتوقف على وضع اللفظ لمعنى، وعلى نقله إلى غيره، واستعماله فيه عند من يعتبر الوضع فيه، وعلى شرط ذلك النقل، وهو المناسبة، وعلى قرينة تصرفه عن الحقيقة، وتدل على المجاز، والحقيقة لا تتوقف إلا على الوضع، والاستعمال، وما يتوقف على أكثر المقدمات يكون مرجوحا بالنسبة إلى ما يتوقف على أقلها.
المسألة الثالثة عشرة
[حمل اللفظ على المعنى اللغوي إن لم يكن له معنى سواه]
اللفظ إن لم يكن له معنى سوى اللغوي وجب حمله عليه.
стр. 335
وإن كان له بحسب العرف أو الشرع معنى آخر، فإن كانت دلالته عليه مساوية لدلالته على المعنى اللغوي، أو كانت راجحة عليها، لكن لم ينتبه الرجحان إلى أن يصير المعنى اللغوي مهجورا بالكلية، فإن اللفظ يكون كالمشترك بينهما، ورجحانه كرجحان بعض مفهومات المشترك على البعض، وإن صار مهجورا بالكلية، فاللفظ يجب حمله على المفهوم العرفي، أو الشرعي وعند الاجتماع يجب تقديم المعنى الشرعي، ثم العرفي ثم اللغوي ثم المجاز إن صدر اللفظ من الشارع، أما إن صدر من أهل العرف أو اللغة، فإنه يجب تقديم المعنى العرفي، أو اللغوي، لأن الظاهر من حال المتكلم أن يتكلم بكلامه.
وقال القاضي أبو بكر ﵀: يكون اللفظ مجملا بين الحقيقة الشرعية واللغوية، لأن الشارع كان يناطقهم بكلامهم، كما كان يناطقهم بكلامه، فلا يرجح أحدهما على الآخر إلا لمرجح. وهذا تفريع منه على القول بالحقيقة الشرعية، وإلا فهو منكر لها. وهو ضعيف لما سبق. ولأن الغالب على كلامه استعمال الألفاظ في مفهوماتها الشرعية، فيجب تقديمه إلحاقا للفرد بالأعم والأغلب، ولأنه ﵇ مبعوث لبيان المعاني الشرعية وأحكامها، وقد صلح اللفظ أن يكون بيانا لها فيضاف إليه.
стр. 336
ثم ليعلم أن الحقيقة اللغوية، إنما تقدم على المجاز اللغوي الذي / (٥٨/أ) ليس هو براجح، أما إذا كان راجحا ولم ينته إلى أن يكون حقيقة فيه.
فقد اختلفوا فيه:
فذهب أبو حنيفة ﵁ ومن تابعه إلى ترجيح الحقيقة المرجوحة.
وذهب أبو يوسف إلى ترجيح المجاز الراجح. وتوقف فيه بعضهم
стр. 337
وعزي ذلك إلى الشافعي ﵀، لأن الحقيقة، وإن كانت مرجوحة من حيث الاستعمال، لكنها راجحة من حيث إنها حقيقة، والمجاز وإن كان مرجوحا من حيث إنه مجاز، لكنه راجح من حيث الاستعمال، وإذا تقاومت الجهتان وجب التوقف.
المسألة الرابعة عشرة
في كيفية حمل اللفظ على معناه المجازي
قد عرفت أنه إذا تعذر حمل اللفظ على معناه الحقيقي، وجب الحمل على المعنى المجازي، ثم المجاز إما أن يكون من نوع واحد، أو من أنواع مختلفة. وعلى التقديرين، إما أن يكون لحقيقة واحدة، أو لحقيقتين، أو للحقائق فإن كان الثاني: فالأمر في ترجيح بعض المجازات على البعض كما سبق في المشترك فلا حاجة إلى الإعادة
стр. 338
وإن كان الأول: وهو أن يكون المجاز لنوع واحد من الحقيقة، فإن كانت تلك المجازات مختلفة الأنواع، حمل اللفظ على الراجح منها. وقد عرفت فيما سلف، ما هو الراجح منها عند التعارض.
وإن كان من نوع واحد فذلك النوع، إما أن يكون بعض مدلولات اللفظ بطريق الحقيقة، أو لا يكون كذلك بل هو خارج عنها. فإن كان الأول تعين الحمل عليه على رأي من يرى أن العام المخصوص حجة في الباقي.
وإن كان الثاني: فأما إن كان نوعه في فرد واحد، أو أفراد كثيرة فإن كان الأول: تعين الحمل عليه]، وإن كان الثاني: فإما أن يكون بعض تلك الأفراد أولى من البعض أو لا يكون كذلك.
فإن كان الأول: حمل اللفظ عليه رعاية لتلك الأولوية.
وإن كان الثاني: فإما أن يمكن حصر تلك الأفراد عادة، أو لا يمكن، وعلى التقديرين، فإما أن يكون مع اللفظ قرينة تدل على اعتبار البعض أو إلغاء البعض، أو لا يكون معه قرينة فهذه أقسام ستة:
أحدها: أن تكون محصورة ومع اللفظ قرينة تدل على اعتبار البعض، فإن كان ذلك البعض سواء كان واحدا، أو كثيرا حمل اللفظ عليه على المذهبين، وإن لم يكن معينا بل ليس فيها دلالة إلا على البعض، من حيث إنه بعض من غير تعيين كان القول فيه كما إذا لم يوجد قرينة.
وثانيها: أن تكون محصورة، ومعه قرينة تدل على إلغاء البعض، فإن كان الباقي بعد الإلغاء واحدا تعين الحمل عليه، وإن كان أكثر من ذلك كان القول فيه كما إذا لم توجد القرينة.
стр. 339
وثالثها: أن يكون محصوره، وليس معه قرينة تدل على اعتبار البعض، ولا على الغائبة / (٥٨/ب)، فاللفظ إما أن يكون عاما أو خاصا. فإن كان الأول فمن جوز منهم استعمال اللفظ في مفهومين مختلفين، قال: يحمل اللفظ على جميع تلك الأفراد كلها، ومن لم يجوز ذلك، فحكمه عنده كحكم الخاص وسيأتي.
وإن كان الثاني: وهو أن يكون اللفظ خاصا، فالمجوزون لحمل اللفظ على المفهومين المختلفين، قالوا: بحمل اللفظ على تلك الأفراد بأسرها على البدل، إذ اللفظ ليس بعام حتى يحمل على الجمع، وليس البعض أولى من البعض، والتعليل بالكلية باطل بالاتفاق، فيتعين الحمل على البدل. هذا [ما] نقله الإمام. وفيه نظر. وهذا لأن قياس مذهبهم، يقتضي حمله على الكل بطريق الشمول، إذ ليس عندهم من شرط حمل اللفظ على المفهومين المختلفين أن يكون اللفظ عاما، وإلا لم يجز حمل المشترك على كلا مفهوميه حالة الإفراد من غير لام التعريف، ومن غير ما يقوم مقامه، كالإضافة لكنه جائز عندهم، وكيف لا، والقوم جوزوا ذلك في الأفعال كما في قوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾، وقوله:
стр. 340
﴿أو لامستم النساء﴾.
ومعلوم أن الفعل لا عموم له، وكلام القاضي في "العمدة" يدل أيضا على ما ذكرناه، وأما من لم يجوز، فاللفظ يبقى عنده مجملا بين تلك الأفراد، وحينئذ لابد من البيان.
ورابعها وخامسها: أن تكون الأفراد غير محصورة ومع اللفظ قرينة تدل على اعتبار البعض، أو الغائبة، والحكم فيها كما في نظيرتهما من المحصورة من غير فرق.
وسادسها: أن يكون الأفراد غير محصورة، وليس معه قرينة تدل على الاعتبار، ولا على الإلغاء، فاللفظ، إما أن يكون عاما أو خاصا [فإن كان خاصا] قال القاضي عبد الجبار: لابد من دلالة معينة لتعذر الحمل على الكل، مع أنه متعذر الحصر.
قال أبو الحسين البصري: هذا غير مستقيم على رأيه، فإنه يجوز استعمال
стр. 341
اللفظ في مفهومين مختلفين، فيمكن حمله على الكل بطريق البدل.
نعم يليق ذلك بمذهب من لم يجوز ذلك، لأن اللفظ لم يوضع للتحسين حتى يمكن الحمل على الكل بطريق البدل.
стр. 342
"الفصل الرابع عشر"
في المباحث المشتركة بين الحقيقة والمجاز
стр. 343
الفصل الرابع عشر
في المباحث المشتركة بين الحقيقة والمجاز
وفي مسائل:
المسألة الأولى
في الفرق بين الحقيقة والمجاز
اعلم أن الفصل بين الحقيقة والمجاز، تارة يقع بالتنصيص، وتارة بالعلامات.
أما الأول: فهو أن يقول الواضع: هذا اللفظ حقيقة في هذا المعنى مجاز في هذا المعنى "أو يقول ذلك أئمة اللغة إذ الظاهر أنهم لم يقولوا ذلك إلا عن ثقة / (٥٩/أ) أو يقول الواضع هذا حقيقة أو مجاز". فيثبت بهذا أحدها وهو ما نص عليه.
فإن أردت أن تثبت بواسطة هذا أن يكون ذلك اللفظ مجازا في غيره في الأول، وحقيقة في غيره في الثاني، وجب أن نضم إليه مقدمة أخرى.
стр. 344
فنقول: في الأول: إذا ثبت أنه حقيقة في هذا، وجب أن يكون مجازا في غيره وإلا لزم الاشتراك، وأنه خلاف الأصل. ونقول في الثاني: وإذا كان مجازا في هذا، وجب أن يكون حقيقة في غيره، وإلا لزم تكثير المجاز، وأنه خلاف الأصل، لكن لم يكونا على هذا النمط من طرق التنصيص، بل من المركب منه، ومن الاستدلال.
وأما العلامات فهي أمور:
أحدها: أن يتبادر المعنى إلى فهم جماعة من أهل اللسان، عند سماع اللفظ من غير قرينة، والمتبادر إلى الفهم هو الحقيقة، وما لا يتبادر إليه فهو المجاز.
لا يقال: ما ذكرتم منقوص طردا وعكسا.
أما الطرد: فلأن المجاز المنقول، والمجاز الراجح، مما يتبادر معناهما المجازيين إلى الفهم عند اطلاقهما من غير قرينة دون حقيقتهما.
وأما العكس: فلأن المشترك حقيقة في مدلولاته مع أنه لا يتبادر شيء
стр. 345
منهما إلى الفهم بدون القرينة.
لأنا نقول: أما المنقول: فغير وارد، لأن المنقول إليه إنما يتبادر إلى الفهم عند سماع المنقول، لأنه حقيقة فيه، وكونه مجازا فيه أيضا لا ينافي كونه حقيقة فيه كما ستعرف أن اللفظ الواحد في المعنى الواحد يجوز أن يكون حقيقة ومجازا باعتبار وضعين.
وأما عدم تبادر الحقيقة الأصلية، فالأصل أنها صارت الآن مجازا عرفيا.
وأما المجاز الراجح: فإنه وإن تبادر معناه المجازي بدون القرينة لكنه نادر، والتبادر في الأغلب لا يوجد إلا في الحقيقة، وتخلف المدلول عن الدليل الظني لا يقدح فيه، ألا ترى أن الغيم الرطب في الشتاء دليل وجود المطر منه، وتخلف عنه في بعض الأوقات لا يقدح في كونه دليلا عليه لاسيما في المباحث اللغوية، والأمارات الإعرابية، وأما اللفظ المشترك: فإنه حقيقة في إفادة أحد المعنيين لا بعينه، وهذا المعنى يتبادر إلى الفهم عند إطلاقه وسماعه بدون القرينة.
والذي لا يتبادر إلى الفهم هو أحدهما عينا، وهو ليس بحقيقة "وقد عرفت ما في هذا الجواب من الإشكالات من قبل.
ويمكن أن يقال عليه لو كان المشترك حقيقة" في إفادة أحد المعنيين
стр. 346
لكان متواطئا، لأن هذا المفهوم مشترك بين ذينك المعنيين على السوية وهو خلف.
وثانيها: أن أهل اللغة / (٥٩/ب) إذا حاولوا تعريف الشيء لغيرهم عبروا عنه بلفظ مخصوص، وإذا حاولوا أن يعبروا عن شيء آخر بذلك اللفظ لم يقتصروا عليه بل ضموا إليه ما به يتبين المراد.
فنعلم أن اللفظ حقيقة في الأول، ومجاز في الثاني، ومنه: "جناح الذل"، و "نار الحرب"، و "رحى الحرب".
وثالثها: أن يصح نفي اللفظ عن معناه المجازي، في نفس الأمر دون معناه الحقيقي.
ولهذا لما كان الحمار مجازا في "البليد" "إذ" يصح أن يقال: إنه ليس بحمار بل هو إنسان، ولا يصح أن يقال أنه ليس بإنسان.
وإنما قيدنا بصحة النفي في نفس الأمر، احترازا عن قول: من قال: في إنسان ظنه جرثومة أو حيوانا آخر أنه ليس بإنسان، فإن هذا النفي
стр. 347
لما لم يكن في نفس الأمر، لم يدل على كونه مجازا فيه.
لا يقال: إنما يصح نفي اللفظ عن معنى إذا عرف كونه مجازا فيه، لأن المعنى من قولك: البليد: ليس بحمار، أي أن الحمار ليس موضوعا بإزاء البليد، فلو عرف كونه مجازا فيه بصحة النفي لزم الدور وأيضا:
فإنا لا نسلم: أن الحقيقة لا يصح نفيها، إذ يصح أن يقال: في عرف الاستعمال لمن لا مروءة له ولا عقل يسدده أنه ليس بإنسان، ولا هو ابن آدم.
لأنا نقول: لا نسلم أن معنى قولنا: البليد ليس بحمار هو ما ذكرتم، بل معناه البليد ليس بحيوان ناهق، وقد ثبت أن الحمار حيوان حقيقة فيه، فنفي الحيوان الناهق عن البليد يستلزم نفي لفظ الحمار عنه، وإلا لزم الاشتراك، وهو خلاف الأصل، فصحة النفي لا يدل على التجوز إلا مع هذا الأصل.
ولئن سلمنا: أن معنى قولنا: البليد ليس بحمار، هو ما ذكرتم، لكن لا نسلم أن صحة النفي يتوقف على معرفته حتى يلزم توقف صحة النفي على معرفة كونه مجازا فيه، بل العارف باللغة وبمواقعها، قد يحكم بفطرته السليمة بصحة سلب اللفظ عن معنى، وإن لم يكن قد عرف قبله أنه غير موضوع بإزائه بطريق آخر، بل ربما استدل عليه بما يجده في نفسه من صحة السلب.
وعن الثاني: أن ذلك لظنهم أن الإنسان إنما هو حقيقة فيمن اتصف من بني
стр. 348
آدم بالصفات المرضية والخصائل الحميدة لا لمطلق بني آدم، ولهذا يقولون. الإنسان في الحقيقة، من اتصف بكيت وكيت من الصفات الحميدة التي يتميز الإنسان بها عن سائر الحيوانات.
ورابعها: أن نعلق الكلمة بما يستحيل تعليقها به، فيعلم أنها في أصل اللغة غير موضوعة له فيكون مجازا فيه كقوله تعالى ﴿واسأل القرية﴾.
هذا ما ذكره الإمام وغيره. وفيه نظر، لأن المجاز العقلي نحو "أخرجت الأرض / (٦٠/أ) أثقالها" و "مما تنبت الأرض" كذلك مع أنه ليس مجازا لغويا، اللهم إلا أن يرد بقوله: بما يستحيل تعليقها به، نظرا إلى الوضع اللغوي لكنه باطل، لأنه قد اعترف أن أمثلة الأفعال لا دلالة لها على خصوصية الفاعلين، ومعلوم أيضا أنه لا دلالة لها على خصوصية المفعولين، فلم يكن التعليق بالمستحيل علامة المجاز اللغوي.
وخامسها: وهو مما ذكره الغزالي- ﵀ وهو أن الحقيقة جارية على الاطراد، والمجاز عكسه. وهذا يجب تقييده بأمرين:
أحدهما: بالوجوب أي يجب أن تكون جارية على الاطراد لئلا يرد المجاز المطرد نقضا على طرده، فإنه وإن كان مطردا لكنه لا يجب طرده
стр. 349
بدليل عدم اطراد مثله من المجاز.
وثانيهما: بشرط عدم المانع، أي يجب أن تكون مطردة إن لم يمنع منه مانع شرعي، أو عقلي، أو لغوي، لئلا يرد مثل "السخي" و "الفاضل" بالنسبة إلى الله تعالى نقضا على عكسه.
اعترض الإمام عليه: بأنه إن أراد بجريان الحقيقة على العموم جريانها في موارد نص الواضع فالمجاز كذلك، وإن أراد به إلحاق المسكوت بالمنطوق به في جواز استعمال اللفظ فيه لجامع مشترك بينهما، فهذا قياس في اللغة، وهو لا يقول به.
وجوابه: لعله ذكر هذه العلامة تفريعا على جواز القياس في اللغة.
ولئن سلم: أنه ليس كذلك، لكن لا يلزم من نفي القسم الأول، القسم الثاني، أو إن لزم، لكن لا يلزم منه صحة القياس في اللغة، لجواز أن يكون اطرادها كاطراد أسماء الفاعلين، والمفعولين، وأسماء الصفات، كالعالم فإنه لما استعمله، والواضع في ذي علم واحد بطريق الحقيقة، علمنا صدقه على كل ذي علم بطريق الحقيقة.
وقد عرفت أن هذا الباب ليس من القياس في شيء، بل هو معلوم بالضرورة من قواعد كلامهم، وليس أنه إذا استعمل الواضع اللفظ بطريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وجب أن يصدق مثله، في كل موضع حتى يجوز أن يقال: "واسأل البساط"، و "الكون" بمعنى أهل
стр. 350
البساط، وأهل الكون.
وسادسها: أن يكون الاسم له معنيان، وقد اتفق على أنه حقيقة في أحدهما، وجمعه بذلك المعنى الحقيقي المتفق عليه، مخالف لجمعه بالمعنى الآخر، فيعلم أنه مجاز في هذا الآخر وإلا لزم الاشتراك، وأنه خلاف الأصل.
فاختلاف الجمع لا يدل على التجوز إلا مع هذا الأصل، وإلا فليس له إشعار بكون اللفظ حقيقة في معناه أو مجازا، ولأنه يجوز أن يكون للاسم بحسب معنى حقيقي جمع، وبحسب معنى حقيقي آخر جمع آخر مخالف / (٦٠/ب) له ليكون دليلا على تعيين أحد المسميين حالة الجمع، فعلى هذا لا يكون اختلاف الجمع دليلا على التجوز، ولا يخفى عليك أن ما قيل إن الجمع إنما هو للاسم لا للمسمى، فاختلافه لا يكون مؤثرا في اختلاف الجمع، لا يصلح جوابا عنه، وبتقدير صحته، فهو وارد عليه أيضا على تقدير التجوز لأن الاسم في المعنى الحقيقي والمجازي "واحد فاختلاف مسماه الحقيقي والمجازي" وجب أن لا يكون مؤثرا في اختلاف جمعه لما ذكره
стр. 351
وسابعها: أن يكون اللفظ له معنى حقيقي متفق عليه، وله تعلق بالغير، فإذا استعمل فيما لا تعلق له بذلك الغير كان مجازا.
مثاله: القدرة. فإنها حقيقة في الصفة المؤثرة في الإيجاد، ولها تعلق بالقادر، والمقدور، وإذا استعملت في نفس المقدور، كما في قولهم: هذا قدرة الله في النبات الحسن، لم يكن له ذلك التعلق. فيعلم أنه مجاز فيه، وهذا إنما يتم بما ذكرنا من أن الأصل عدم الاشتراك، وإلا فيجوز أن يكون له بحسب إحدى الحقيقتين متعلق دون الأخرى.
ولقائل أن يقول: هذا وما قبله إذا كان لا يتم إلا بأن الأصل عدم الاشتراك وهو وحده دليل تام على التجوز مهما استعمل اللفظ في معنيين، وثبت أنه حقيقة في أحدهما، فالتعرض لاختلاف الجمع وكون مسماه متعلقا بالغير وصحة النفي يكون ضائعا.
وثامنها: أن يكون اللفظ مستعملا في معنيين، ولم يعلم أنه حقيقة في أيهما أو فيهما، لكن استعماله في أحدهما يتوقف على استعماله في الآخر، فيعلم أنه مجاز في المتوقف فيه، لأن توقف استعماله فيه على استعماله في غيره يصير كالقرينة، وأنها آية التجوز، ولكن لا يعلم من هذا أنه حقيقة في غير المتوقف، فإذا ضم إليه دليل آخر نحو تبادر الفهم إليه، أو دل دليل مثل الإجماع وغيره على أنه ليس بحقيقة في غيرهما، فيعلم أنه حقيقة فيه مثاله: المكر [فإن استعماله في الله تعالى بمعنى إجراء المكر يتوقف على] استعماله
стр. 352
في العباد بمعنى الخداع من غير عكس، فيعلم أنه مجاز.
وتاسعها: أن يكون اللفظ مستعملا في معنيين، ويشتق منه بحسب أحد المعنيين ما يمكن الاشتقاق منه، من اسم الفاعل والمفعول وغيرهما، ولا يشتق منه ذلك بحسب المعنى الآخر، مع عدم المانع منه فيعلم أنه مجاز فيه، وحقيقة في الأول، مثاله: لفظ "الأمر" فإنه مستعمل في القول المخصوص والفعل- كما سيأتي إن شاء الله تعالى- لكنه لما كان حقيقة في القول المخصوص "لا جرم اشتق منه / (٦١/أ) الأمر المأمور به، ولما لم يكن حقيقة في الفعل" لم يشتق منه شيء من ذلك، وإنما قيدنا بعدم المانع منه، احترازا عن مثل "القارورة" فإنها مشتقة من قرار المائع، وهو موجود في الخوابي والجرار مع أنه لا يقال لها بقارورة لوجود المانع منه، إما عن أهل اللغة أو العرف.
ولا يرد على طرد هذه العلامة "الرائحة"، فإنها وإن كانت حقيقة في معناها لكن إنما لا يشتق منها، لأنه لا يمكن الاشتقاق منها إذ ليس فيها معنى الحدث، ألا ترى أن التزوج لما أمكن الاشتقاق منه اشتق منه المتزوج.
فإن قلت: ولئن سلم: أن الاشتقاق دليل الحقيقة، لكن لا نسلم أن عدمه دليل التجوز، لجواز أن يكون الاسم بحسب إحدى الحقيقتين اشتقاق دون
стр. 353
الأخرى.
قلت الجواب عنه من وجهين:
أحدهما: ما سبق من أن الأصل عدم الاشتراك.
وثانيهما: أنا لما وجدنا عدم الاشتقاق مرتبا على المجاز المناسب له لئلا يلزم تكثير المخالفة فيما ذكرنا من الصور، غلب على ظننا أن علته هي كونه مجازا، ولا تثبت مجازية ما ذكرنا من الصورة بهذه العلامة لئلا يلزم الدور بل بغيرها من العلامات، فحينئذ يكون عدم الاشتقاق معلول كونه مجازا فيستدل به على التجوز استدلالا بالمعلول على علته.
فإن قلت: الاستدلال بالمعلول المعين على العلة المعينة مشروط ببيان انحصار الغلبة في تلك العلة المعينة، لجواز أن يكون الحكم الواحد معللا بعلتين مختلفتين بالنوع، وأنتم ما فعلتم ذلك.
قلت: إنا وإن جوزنا تعليل الحكم الواحد النوعي بعلتين مختلفتين بالماهية النوعية، لكن الأصل في ذلك الاتحاد فيكفينا أن نتمسك بهذا الأصل، لأن المثبت به الظن لا القطع.
المسألة الثانية
في بيان أن اللفظ الدال على معنى قد لا يكون حقيقة ولا مجازا لغويا فمن ذلك: الأعلام المنقولة: فإنها ليست بحقيقة، ولا مجاز.
стр. 354
أما الأول: فظاهر، إذ الواضع لم يضعها لتلك المسميات.
وأما الثاني: فلأن النقل ليس لمناسبة بين المعنى الأول، وبين المعنى الثاني.
ومنه الأسماء المخترعة: ممن ليس له الوضع، سواء كانت أعلاما أو أجناسا، أما أنها ليست بحقيقة، فلأن واضع اللغة لم يضعها لشيء أصلا، ولا أهل اللسان يعرفها حتى تجعل عرفية عامة أو خاصة.
وأما أنها ليست مجازا فلأن المجاز يستدعي وضعا سابقا عليه / (٦١/ب) على ما عرفت ذلك في تحديده، وهو غير حاصل فيها.
ومنه اللفظ في أول الوضع قبل استعماله فيما وضع له: فإنه ليس بحقيقة ولا مجاز فيه.
أما الأول: فلعدم الاستعمال فيه.
وأما الثاني: فلعدم النقل.
وأما في غيره فيمكن أن يكون مجازا فيه، إذ الاستعمال فيه لمناسبة بينه وبين الموضوع الأول قبل الاستعمال فيه ممكن.
ومن هذا تعرف أن المجاز لا يستدعي سبق الحقيقة، بل سبق الوضع فقط.
ولا يلتفت إلى قول من يقول: إنه لو لم يستدع الحقيقة لعرى الوضع عن الفائدة، لأن الفائدة غير منحصرة في استعمال اللفظ فيما وضع له، نعم
стр. 355
المقصود الأصلي [من الوضع، ذلك لكنه قد يحصل بعد استعماله في غير ما وضع له، وحينئذ لا يلزم خلوه عن المقصود الأصلي] أيضا، وأما غير هذه الألفاظ من الألفاظ الدالة على المعاني فإنها لا تخلو عن كونها حقيقة أو مجازا.
المسألة الثالثة
في أن اللفظ الواحد قد يكون حقيقة أو مجازا
"أما بالنسبة إلى معنيين فظاهر، وأما بالنسبة إلى معنى واحد باعتبار الوضعين فقد يكون أيضا حقيقة ومجازا"، لأن اللفظ الموضوع للمعنى العام، إذا خصه العرف العام، أو الشرع ببعض أنواعه، كان ذلك اللفظ بالنسبة إلى ذلك المعنى العام حقيقة لغوية [ومجازا عرفيا، وبالنسبة إلى ذلك النوع بالعكس. ومن هذا تعرف أن الحقيقة قد تصير] مجازا، وأن المجاز قد يصير حقيقة.
وأما أنه يكون كذلك بالنسبة إلى معنى واحد باعتبار واحد، فذلك غير ممكن لاستحالة اجتماع النفي والإثبات.
следующие страницы →