← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

وهو أيضًا غير مانع؛ لأنه يشمل المناسب وغيره؛ لأن الذي فيه المناطان المختلفان لا على سبيل الكمال أعم من أن يكون ذلك المناط مناسبًا أو غير مناسب. وأيضًا فإن إلحاقه بالغالب غير خارج عن التعليل بالمناسب. وقال القاضي أبو بكر- ﵀: الوصف إما أن يكون مناسبًا للحكم بذاته وإما أن لا يناسبه بذاته، لكنه يكون مستلزمًا لما يناسبه بذاته وإما لا يناسبه بذاته ولا يستلزم ما يناسبه، والأول المناسب. والثاني الشبه، والثالث الطرد. وهو أيضًا ضعيف؛ لأنه غير مانع إذ يدخل تحته قياس الدلالة على ما ستعرفه. وقيل: الوصف إذا لم يناسب الحكم لكن عرف تأثير جنسه القريب [في الجنس القريب] لذلك الحكم هو الشبه لأنه من حيث إنه غير مناسب يظن أنه غير معتبر، ومن حيث إنه عرف تأثير جنسه القريب في الجنس القريب للحكم مع أن غيره من الأوصاف ليس كذلك يظن أنه أولى بالاعتبار، فتردد بين أن يكون معتبرًا، وبين أن لا يكون معتبرًا، لكن اعتباره أغلب ولعله السبب في تسميته بقياس غلبة الأشباه كما نقلناه عن الشافعي- ﵁.

стр. 3082

وقيل: ما توهم المناسبة من غير إطلاع عليها بعد البحث التام ممن هو من أهل الإطلاع عليها. وتقريره: أن الوصف المعلل به لا يخلو: إما أن تظهر فيه المناسبة، أو لا تظهر فالأول: القياس المناسب، والثاني لا يخلو: إما أن يعهد من الشارع الالتفات إليه في شيء من الأحكام، أو لم يعهد، والأول هو الشبه، والثاني الطرد، فهو من حيث [إنه لم يوقف على مناسبته بعد البحث التام ربما يجزم بعدم مناسبته] ومن حيث إنه يعهد من الشارع الالتفات إليه يوجب التوقف عن الجزم بعدم مناسبته، فهو والمناسب يشتركان في كون كل واحد منهما غير مجزوم [بعدم مناسبته وهو والطرد يشتركان في كون كل واحد غير مجزوم] بالمناسبة، فهو مرتبة بين المناسب والطرد وهو دون المناسب وفوق الطرد، وفيه شبه من كل منهما ولعله السبب في تسميته قياس الشبه أو غلبة الأشباه كما سبق. مثاله: قول الشافعي في الاستدلال في مسألة إزالة النجاسة طهارة تراد لأجل الصلاة [فلا تجوز بغير الماء كطهارة الحدث فإن الجامع هو كون كل واحد منهما طهارة] لأجل الصلاة ومناسبتها لتعين الماء فيها غير ظاهرة بعد توغل البحث عنه لكن عهد التفات الشارع إليها في بعض الأحكام كمس المصحف، والطواف، وذلك يوهم اشتمالها على المناسبة. واعلم أن هذا وما ذكرناه قبله أقرب ما قيل في تعريف قياس الشبه.

стр. 3083

المسألة الثانية في إقامة الدلالة على أنه حجة إذا اقترن به الحكم . والخلاف فيه مع القاضي أبي بكر وغيره. لنا: أنه يفيد ظن العلية فوجب أن يكون حجة؛ وإنما قلنا: إنه يفيد ظن العلية؛ لأن الحكم إذا كان ثابتًا في محل ولم يعلم هناك وصف مناسب بل علم حصول الوصف التشبهي على أحد الوجوه الثلاثة المذكورة في تفسيره أخيرًا/ (١٨٥/ أ) مع أوصاف أخر طردية، فإما أن يقال: إن الحكم غير معلل بمصلحة أصلًا، وهو باطل لما تقدم أو هو معلل بمصلحة وهو الحق، وحينئذ إما أن يقال: تلك المصلحة إما أن توجد في ضمن الوصف الشبهي أو في ضمن الوصف الطردي؛ إذ لا يعلم هناك وصف

стр. 3084

مناسب مستقل بعد البحث التام عنه فلم يجز إثباتها في ضمنه؛ لانعقاد الإجماع على أن إثبات الحكم الشرعي لا يجوز باحتمال وجود مدرك له بل لابد وأن يكون لمدرك معلوم، ولو جاز مثل ذلك لكن لا شك في أنه على خلاف الأصل؛ إذ الأصل [عدم] وجود وصف آخر هناك غير ما علم لكن الثاني باطل. أما أولًا: فبالإجماع؛ لأن من لم يجوز التعليل بالشبه لم يجوز التعليل بالطرد، ومن جوزهما لم يجوز إحالة الحكم إلى الطرد مع وجود الشبه، وإحالة الحكم إلى الطرد مع وجود الشبه قول خلاف الإجماع. وأما ثانيًا: فلأن الشبه إما مستلزم للمناسبة على ما ذكره القاضي أو موهم له على ما ذكرناه أخيرًا، أو هو عبارة عن ما عرف تأثير جنسه القريب في الجنس القريب للحكم على ما ذكرناه في التعريف الذي قبل الأخير وشيء من ذلك غير حاصل في الوصف الطردي فكان ظن كون الوصف الشبهي يتضمن تلك المصلحة أكثر، فلم يجز استناده إلى الوصف الطردي؛ إذ العمل بالظن المرجوح مع الظن الراجح غير جائز. وأما أنه إذا أفاد ظن العلية وجب العمل به، فلما تقدم من الأدلة أن العلم بالظن واجب. احتجوا بوجوه: أحدها: أن الدليل يدل على عدم جواز التمسك بالعلة المظنونة على ما تقدم تقريره، ترك العلم به في العلة المناسبة لزيادة الظن فوجب أن يبقي ماعداها على الأصل.

стр. 3085

وجوابه: ما سبق غير مرة. وثانيها: أن الوصف الذي سميتموه شبهًا إن كان مناسبًا فهو مقبول بالاتفاق، وإن كان غير مناسب فهو الطرد المردود بالاتفاق. وجوابه: أنا لا نسلم أن غير المناسب طرد مردود بالاتفاق؛ وهذا لأن غير المناسب ينقسم عندنا إلى شبه، وطرد، فالطرد مردود بالاتفاق، فلم قلت أن الشبه مردود وهذا أول المسألة؟ وثالثها: أن المعتمد في إثبات القياس عمل الصحابة ولم يثبت عنهم أنهم تمسكوا بالشبه. وجوابه: أنه لا يلزم من نفي مدرك مخصوص نفي المدرك مطلقًا [ولا يلزم من عدم عمل الصحابة لهذا النوع من القياس عدم غيره من المدارك] فلا يلزم من عدم عملهم به عدم جواز العمل به لجواز أن يدل عليه مدرك آخر كما ذكرناه وغيره.

стр. 3086

المسألة الثالثة ذهب بعض أصحابنا أن الوصف الشبهي إذا لم يعرف تأثير عينه في عين الحكم بل عرف تأثير جنسه القريب في الجنس القريب للحكم لا يكون حجة. وخالفه الباقون وهو المختار . وهذا النزاع إنما يتصور إذا لم يفسر الشبه بالتفسير الذي قبل التفسير الأخير، فأما إذا فسر به فلا، فإنه عين الشبه فلا يتصور النزاع في حجيته على تقدير حجية الشبه. لنا: أنه وإن لم يفد الظن الذي يفيده ما عرف تأثير عينه في عين الحكم، لكنه يفيد قدرًا من الظن؛ لأنا لما عرفنا أن الحكم لابد له من علة، وأن العلة: إما هذا الوصف، أو غيره ثم رأينا أن جنس هذا الوصف أثر في جنس ذلك الحكم، ولم نر هذا لمعنى حاصلًا في غيره من الأوصاف ولا شك أن ميل القلب إلى كون ذلك الوصف على أقوى من ميله إلى غيره والعمل بأقوى الظنين واجب فالعمل بهذا الظن واجب. احتج الخصم بوجهين: أحدهما: أن الظن الحاصل من تأثير عين الوصف الشبهي في عين الحكم ضعيف جدًا؛ ولهذا لم يقل بحجيته أكثر الأصوليين، فإذا انحط عن هذه الرتبة إلى رتبة تأثير جنسه في جنس الحكم لم يبق منه شيء، أو وإن بقى منه شيء يسير لكنه لم يجز العمل به، كما لم يجز العلم بالظن الذي ينشأ من أدني خيال وقرينة.

стр. 3087

وجوابه: أنا لا نسلم أن الظن الحاصل من تأثير عينه في عين الحكم ضعيف جدًا، وما الدليل عليه؟ واختلاف الأصوليين في حجيته لا يدل على ذلك لجواز أن يكون الظن في نفسه قويًا لكن حصل لهم أقوى منه بعدم حجيته، على أنه لا يستدل على ضعف مأخذ الخصم بمخالفة خصمه. سلمنا أنه ضعيف لكن لا نسلم أن ضعفه بمثابة لو انحط منه إلى رتبة تأثير جنسه في جنس الحكم لم يبق منه ما يجوز العمل به، فإنا لا نسلم أنه يكون كالظن الحاصل من أدني الخيال. وثانيهما: أن الظن الحاصل من تأثير جنسه في جنس الحكم أضعف من [الظن] الحاصل من المناسب المرسل، وهو ليس بحجة، فما دونه أولى، وهذا بخلاف الظن الحاصل من تأثير جنس الوصف المناسب في جنس الحكم فإنه أقوى من الظن الحاصل من المناسب المرسل، فلا يلزم من عدم حجته عدم حجيته. وجوابه: النقض بما إذا عرف تأثير عين الوصف الشبهي في عين الحكم؛ فإن الظن الحاصل منه أقل من المناسب المرسل من حيث إن مناسبته ظاهرة، ومناسبة الشبهي ليست كذلك مع أنه حجة باتفاق بيننا وبين الخصم. فإن قلت: الظن الحاصل من المناسب المرسل وإن كان أقوى من الظن الحاصل من القياس الشبهي من الوجه الذي ذكرتموه لكنه يقوى بوجه آخر، وهو كونه ملتفت إليه من جهة الشارع بخلاف المناسب المرسل. قلت: فهذا المعني حاصل فيما نحن فيه، فإنه غير ملتفت إليه أيضًا؛ لأن/ (١٨٦/ أ) كونه بحيث أثر جنسه القريب في الجنس القريب للحكم اعتبار له والتفات إليه كما في غيره، فلم قلت أنه ليس كذلك؟ فإن ذلك أول المسألة.

стр. 3088

الفصل الرابع في الدوران

стр. 3089

الفصل الرابع في الدوران ويسمى بالطرد والعكس . ومعناه: أن يوجد الحكم عند وجود الوصف، وينعدم عند عدمه وهو المسمي بالدوران الوجودي والعدمي. فإن كان بحيث يوجد عند وجود الوصف ولا ينعدم عند عدمه فهو المسمي بالدوران الوجودي، والطرد أو بالعكس ويسمي بالدوران العدمي والعكس. والكلام في هذا الفصل إنما هو في الدوران الوجودي والعدمي، وقد يسمي بالدوران المطلق. وهو يقع على وجهين: أحدهما: أن يقع ذلك في صورة واحدة كالتحريم مع السكر في العصير؛ فإنه لما لم يكن مسكرًا في أول الأمر لم يكن حرامًا، فلما حدث السكر فيه حدثت الحرمة فيه، ثم لما زال السكر عنه بأن صار خلا زالت الحرمة عنه. وثانيهما: أن يوجد ذلك في صورتين: وهو كوجوب الزكاة مع ملك نصاب كامل تام في صورة أحد النقدين ملكًا تامًا رقبةً ويدًا، وعدمه مع عدم شيء منها كما في ثياب البذلة والمهنة، وعبيد الخدمة فإنه لا تجب فيها الزكاة

стр. 3090

لفقد شيء مما ذكرناه. واختلف الأصوليون في أنه هل يفيد العلية أم لا؟ فذهب الجمهور كالقاضي أبي بكر وغيره إلى أنه يفيد ظن العلية بشرط عدم المزاحم، وهو المختار. وذهب بعض المعتزلة إلى أنه يفيد يقين العلية. وذهب الباقون من أصحابنا وغيرهم إلى أنه لا يفيد العلية ولا يقينها وهو اختيار الغزالي- ﵀. لنا وجوه: أحدها: أن العقلاء بأسرهم مع اختلاف عقائدهم وآرائهم يفزعون إلى التجربة في أمر الأدوية والأغذية، فإنهم لما رأوا أن الأثر الفلاني يحصل عند استعمال الدواء الفلاني ولم يحصل عند عدم استعماله، فزعوا إليه عندما أرادوا تحصيل ذلك الأثر، ولولا غلب على ظنهم أنه السبب لذلك الأثر لما فزعوا إليه عند إرادة تحصيله كما لم يفزعوا إلى غيره.

стр. 3091

وثانيها: أن الحكم لابد له من علة على ما سبق، فتلك العلة إما الذي دار الحكم معه وجودًا وعدمًا، أو غيره، الثاني باطل. أما أولًا: فلأن الأصل عدم ذلك الغير. وأما ثانيًا: فلأن ذلك الغير إن كان موجودًا قبل الحكم لزم تخلف الحكم عن العلة وهو خلاف الأصل، وإن لم يكن موجودًا قبله لم يكن على لذلك الحكم إذ ذاك والأصل بقاؤه على عدم عليته، فيحصل ظن عدم عليته، وإذا حصل ظن عدم علية ذلك الغير حصل ظن عليه ما دار معه الحكم وجودًا وعدمًا لا محالة. وأما ثالثًا: فلأن ذلك الغير إن لم يصلح للعلية لم يجز جعله علة، وإن صلح لم يكن مسألتنا، لأنه حينئذ حصل هناك مزاحم ونحن إنما ندعى علية المدار عند عدم المزاحم فلم تكن تلك الصورة مسألتنا. ولا يقال: الحكم كما دار مع ذلك الوصف وجودًا وعدمًا، فكذا دار مع تعينه وحصوله في ذلك المحل، فحينئذ يكون المزاحم حاصلًا فلم تجز الإضافة إلى الوصف، أو يقال: مجموع الوصف مع التعين والحصول في ذلك المحل على عملًا بالدورانين، وعلى هذا التقدير لا يجوز تعديته عن ذلك المحل؛ لأن نقول: التعين والحصول في المحل أمران عديمان؛ إذ لو كانا وجوديين لزم أن يكون للتعين تعين أخر، وللحصول في المحل حصول آخر فيلزم التسلسل، ضرورة أن التعين حينئذ يشارك سائر التعينات في كونه تعينًا ويمتاز عنها بخصوصيته، وكذا الحصول في المحل فإنه حينئذ يكون له حصول في المحل؛ إذ ليس هو جوهر قائم بنفسه، وهو معلوم بالضرورة، فيكون له حصول في المحل، فثبت أنهما أمران عديمان وإذا كانا كذلك فلا يجوز أن يكونا

стр. 3092

[جزئي] علة ولا مزاحمًا لها. وثالثها: أن الناس إذا شاهدوا من إنسان أنه يغضب عند الدعاء باسم مخصوص، وإذا دعى بغيره لم يغضب، وتكرر ذلك مرة بعد أخرى، فإنه يحصل لهم ظن أنه إنما يغضب لكونه يدعى بذلك الاسم المخصوص؛ ولهذا لو سئلوا عن ذلك لعللوا به، حتى إن الصبيان الذين هم ليسوا من أهل النظر والفكر يعلمون ذلك؛ ولهذا إذا أرادوا إغضابه يدعونه بذلك الاسم المخصوص متتبعين له في الدروب والسكك، ويعللونه به عند السؤال عن ذلك، ولولا أن الدوران يفيد ظن العلية وإلا لما حصل لهم ذلك الظن. وأيضًا: إذا ثبت أن الدوران في هذه الصورة يفيد ظن العلية، وجب أن يكون في غيرها كذلك أما أولًا، فلقوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾ والعدل هو التسوية، ولم تحصل التسوية بينهما إلا إذا اشترك كلها في إفادة الظن بالعلية. وأما ثانيًا: فلأن الأصل أن يترتب الحكم على المقتضي والمقتضي لذلك الظن على ما تقدم إنما هو الدوران فوجب أن يثبت ذلك الظن حيث يثبت الدوران.

стр. 3093

احتجوا بوجوه: أحدها: أنه لا معني للدوران إلا الطرد والعكس، والطرد وحده لا يفيد العلية، لأن حاصله يرجع إلى سلامة الوصف عن النقض، وسلامته عن مفسد واحد لا يوجب سلامته عن/ (١٨٦/ أ) كل مفسدة، ولو سلم ذلك لكن لا يلزم من سلامة الشيء عن مفسدات الشيء صحته لذلك، فإنه كما يعتبر في كون الوصف علة عدم مفسدات العلة يعتبر أيضًا وجود المقتضي لعليته، بل اعتبار هذا مقدم على اعتبار ذلك، والطرد من حيث هو طرد لا إشعار له بالعلية ألبتة، بل إشعاره بعد النقض كما تقدم، فثبت أن الطرد وحده لا يفيد العلية، والعكس غير معتبر في العلل الشرعية وفاقًا فمجموعها أيضًا كذلك. وجوابه: إن حكم المجموع قد يخالف الآحاد، فلا يلزم من عدم علية كل واحد منهما عدم علية المجموع، ألا ترى أن كل واحد من أجزاء العلة ليس بعلة مع أن مجموعها علة. وثانيها: أن الحكم في صور الدورانات الوجودية والعديمة ما دار مع المشترك بين تلك الصور فقط بل معه وما يخص كلا منهما، فلو دل الدوران على العلية فإنما يدل على علية المجموع الذي هو غير مشترك بين الصور كلها فيتعذر الاستدلال به على العلية، فالحاصل أن ما دل الدوران على عليته، أنتم لا تقولون بعليته، وما تقولون بعليته لا يدل الدوران على عليته.

стр. 3094

وجوابه: إن جعل الدوران مفيدًا لعلية المشترك أولى، لأن المختص إن لم يصلح للعلية فظاهر، وإن صلح فكذلك؛ لكونه أكثر فائدة، ولجهة ورود الأمر بالقياس. لا يقال: التعليل بالمجموع المركب من المشترك والمختص أولى؛ لأن فيه تعدد مدارك الحكم وهو أولى من المتحد؛ لأنه أقرب إلى تحصيل مقصود الشارع من الحكم، لأنا نقول: يعارضه أن التعليل بالمشترك تعليل العلة المتعدية. والمطردة والمنعكسة وهو أولى مما ليس كذلك. وثالثها: أن الدوران قد حصل في مواضع ولا علية، وذلك يدل على أنه غير مفيد للعلية. بيان الأول: أن العلة تدور مع المعلول وجودًا وعدمًا مع أن المعلول ليس بعلة وأحد المعلولين المتساويين يدور مع الآخر ولا علية، والفصل يدور مع معلول النوع كلوازم معلولات النوع ولا علية؛ لأن المعلوم لا يصير علة علته، وكذا تدور مع العلية مع جزء العلة وشرطها ولا علية، وذات الله تعالى وصفاته متلازمان نفيًا وإثباتًا ولا علية هناك على رأينا، وكذا الجوهر والعرض والمتلازمان، والحوادث مع الزمان والمكان يتلازمان من غير علية أحدهما للآخر، وكذا غيرها من الصور التي يوجد الدوران فيها منفكًا عن العلية مما يطول استقصاؤها فثبت أن الدوران حاصل في محال من غير علية. بيان الثاني من وجهين: أحدهما: لو كان الدوران مفيدًا للعلية مع أنه يوجد في بعض الصور منفكًا عنها، فإما أن يقال: أن تخلف العلية عنه لمانع أو لا لمانع، والقسمان باطلان فبطل أن يكون الدوران مفيدًا للعلية. أما الأول، فلأنه يلزم منه التعارض وهو خلاف الأصل. وأما الثاني، فلأنه يلزم منه تخلف المقتضي عن المقتضي لا لمانع وذلك يقدح في كونه مقتضيًا، وأيضًا فإن كونه مقتضيًا للعلية في بعض الصور دون

стр. 3095

البعض مع أن اقتضاءه لها لم يتوقف على شرط إذ لو كان اقتضاؤه متوقفًا عليه لم يكن الدوران وحده مفيدًا للعلية بل الدوران مع ذلك الشرط وليس كلامنا فيه بل في الدوران وحده. ولو سلم أن كلامنا في مطلق الدوران الذي يحتمل أن يكون مع الشرط أو بدونه لكن توقيف المقتضي على الشرط على خلاف الأصل يقتضي ترجيح أحد الجائزين على الآخر من غير مرجح وهو محال. وثانيهما: أن بعض الدورانات إذا لم يكن مفيدًا للعلية وجب أن يكون البعض الآخر كذلك لقوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾ والعدل هو التسوية ولن تحصل التسوية بين الدورانات كلها حينئذ إلا بأن يكون شيء منها مفيدًا للعلية. وجوابه: أنا لا نسلم أن الدوران الذي ندعيه أنه دليل العلية قد وجد في بعض الصور منفكًا عن العلية وهذا لأن الدوران الذي ندعيه أنه دليل العلية هو الدوران الذي لم يقم دليل على عدم علية المدار فيه، والخالي عن المزاحم، وما ذكرتم من الصورة التي تخلف عنه العلية فليس كذلك فلم يقدح ذلك في كون الدوران الذي ندعيه أنه دليل العلية، وهذا هو الجواب بعينه عما ذكره في تقرير المقدمة الثانية من لزوم أن لا يكون المقتضي مقتضيًا [ولزوم ترجيح أحد الجانبين على الآخر. قوله: توقيف المقتضي] على الشرط خلاف الأصل.

стр. 3096

قلنا: نعم لكن دل الدليل عليه وهو كونه جمعًا بين الدليلين فوجب المصير إليه. ورابعها: أن المدار يجوز أن يكون وصفًا لازمًا للعلة وليس هو العلة، كالرائحة الفائحة اللازمة للشدة المطرية، ولا سبيل إلى دفع ذلك إلا بالتعرض لانتفاء وصف غيره بطريق نحو الأصل، أو السبر والتقسيم، وحينئذ يلزم الانتقال من طريق الدوران إلى طريق السبر والتقسيم، وهو كاف في الاستدلال على العلة فيضيع التعرض لطريقة الدوران. وجوابه: لو كان احتياج الدوران إلى بيان عدم وصف آخر بالأصل، أو لعدم/ (١٨٨/ أ) الوجدان بعد البحث والطلب الشديد قادحًا في كونه طريقًا إلى الظن بالعلة لقدح ذلك في أكثر الأدلة كالمناسبة وغيرها، لأن المستدل إذا أبدى مناسبة وصف أو ذكر دليلًا على الحكم فللخصم أن يقول: إنما يعمل بكل وحد منهما لو سلما عن المعارض ولا سبيل إلى دفع ذلك إلا بالأصل أو بالسبر والتقسيم، ويلزم من ذلك الانتقال من تلك الطريقة إلى غيرها، وهو كاف في الدلالة على المطلوب، وأيضًا: فإن كون ذلك المدار وصفًا لازمًا للعلية، وأن العلة حينئذ تكون غيره احتمال مرجوح لا يقدح في ظن علية ذلك الوصف المدار؛ فإنا إذا رأينا دوران حكم مع وصف وجودًا وعدمًا مع صلاحيته للعلية مع عدم علمنا بوصف آخر غلب على ظننا بكون ذلك الوصف علة وأن احتمال أن تكون العلة غيره وأنه لازم لتلك العلة احتمالًا مرجوحًا والعمل بالظن واجب فيكون العمل بذلك الوصف واجبًا ولا نعني بكون الدوران حجة سوى هذا وحينئذ لا حاجة للمستدل إلى دفع ذلك الاحتمال المرجوح؛ لأن طالب الظن ليس عليه دفع الاحتمالات المرجوحة وإنما ذلك على طالب اليقين فلا حاجة له إلى التمسك بالسبر والتقسيم وغيره.

стр. 3097

الفصل الخامس في السبر والتقسيم

стр. 3098

الفصل الخامس في السبر والتقسيم السبر في اللغة: هو الاختبار، يقال: سبرته أي اختبرته، ومنه يقال: للميل الذي يختبر به الجرح المسبار. وإنما سمي هذا النوع الآتي من الكلام بالسبر والتقسيم؛ لأن الناظر في العلة يقسم الصفات ويختبر كل واحد منها في أنه هل يصلح للعلية أم لا؟ ثم اعلم أن التقسيم إما أن يكون دائرًا بين النفي والإثبات وهو التقسيم المنحصر، وإما أن لا يكون دائرًا كذلك وهو التقسيم المنتشر. أما الأول: فهو لإفادته العلم حجة في العليات والعمليات قطعًا من غير خلاف إن كان الدليل الدال على نفي علة ما عدا الوصف المعين فيه قطعيًا أيضًا وإلا فهو والتقسيم الثاني سواء كان الدليل الدال على نفي علية ما عدا المعين فيه قطعيًا أو ظنيًا حجة في العمليات لإفادته الظن فقط دون العلميات.

стр. 3099

طريق إيراد النوع الأول هو أن يقال: الحكم إما أن يكون معللًا بعلة أو لا يكون. الثاني باطل فيتعين الأول، وتلك العلة إما الوصف الفلاني أو غيره، والثاني باطل ويذكر على ذلك دليلًا قاطعًا من إجماع أو نص، وحصول هذا القسم في الشرعيات عسر جدًا أو على وجه التغليب، وأما الأقسام الثلاثة الباقية المفيدة للظن فيمكن أن توجد بأسرها فيها. وطريق إيراد هذا القسم الظني المسمي بالمنتشر هو أن يقال: الحكم إما أن يكون معللًا، أو لا يكون، والثاني باطل؛ إما لما سبق من الإجماع على أن أحكام الله تعالى بأسرها معللة بالمصالح إن صح ذلك الإجماع، أو لإجماع الفقهاء والمعتزلة على ذلك، وإن اختلفوا في المأخذ كما عرفت ذلك من قبل، ولو سلم عدم انعقاد الإجماع على ذلك، لكن كونه غير معلل بالمصلحة على خلاف الغالب المألوف من أحكام الشرع بدليل الاستقراء، وذلك يدل ظاهرًا على أن ذلك الحكم معلل وهذا كاف في هذا المقام؛ إذ المطلوب إنما هو الظن وهو توجيه. ثم تلك العلة إما ظاهرة لنا أو غير ظاهرة لنا، الثاني باطل. أما أولًا: فلأن ذلك يبطل فائدة التعليل إذ فائدته توسع طرق معرفة الأحكام، وشرعية انقياد المكلف له وتلقيه بالقبول على وفق داعية الطبع من غير تأبي من جهة النفس وهي بأسرها غير حاصلة فيما خفيت علته. وأما ثانيًا: فلأن الغالب في العلل المعللة بها الأحكام إنما هو الظهور واندراج الفرد تحت الأعم والأغلب أغلب على الظن [فيكون كونها ظاهرة أغلب على الظن].

стр. 3100

وأما ثالثًا: فلأن الحكم إذا كان معقول المعنى كان على وفق المعتاد من تصرفات العقلاء وأهل العرف، والأصل مطابقة الشرع للعقل والعرف، وإذا بطل الثاني تعين الأول، وحينئذ نقول: العلة إما هذا الوصف، أو ذلك الوصف، أو الوصف الفلاني؛ إذ الأصل عدم ما عداها، ولأن المجتهد ناظر في الأوصاف الحاصلة في محل الحكم فإذا لم يجد بعد البحث الشديد والطلب الأكيد إلا ما ذكر من الأوصاف الثلاثة أو الأربعة غلب على ظنه أنه لم يكن هناك وصف آخر غير ما ذكر، فإذا أخبر بذلك غلب على الظن صدقه؛ لأنه عارف سليم الحس والعقل عدل ثقة، وحينئذ يحصل الظن بانحصار صفات محل الحكم فيما ذكره المجتهد وأخبر أنه لم يجد سواه فإذا نفي بعد ذلك بدليل قاطع أو ظني علية ماعدا الذي ادعي عليته غلب على الظن أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم والعمل بالظن واجب لما سبق فيكون هذا النوع حجة. وضابط هذا النوع الظني: هو أن لا يكون الدليل الدال على انحصار الصفات في محل الحكم ونفي علية ما عدا الوصف المعين قاطعًا سواء كانا ظنيين أو أحدهما. فإن قلت: لا نسلم حصر الصفات فيما ذكر فلعل له صفات أخر. قوله: بحث وطلب فما وجد. قلنا: لا نسلم فلعله لم يبحث ولم يطلب/ (١٨٩/ أ) وأخبر بذلك كذبًا ترويجًا أو طلبًا للغلبة. سلمناه لكن ربما وجده ولكن لعله ستره للعليتين السابقتين. سلمنا أنه لم يجده لكن عدم وجدانه لا يدل على عدمه.

стр. 3101

سلمنا أنه يدل على ذلك بالنسبة إليه لا بالنسبة إلى غيره. سلمنا أنه يدل عليه مطلقًا لكن لعل الخصم وجد فيه صفات أخر أو ما يدل عليها فحينئذ لا تعتبر تلك الدلالة بالنسبة إليه لعلمه بما يضاده. سلمناه لكن لا نسلم فساد غير ما عين للعلية. سلمناه لكن كل واحد منها لا مجموع اثنين أو ثلاثة منها. سلمنا فسادها مجموعًا ومفردًا، لكن لا نسلم أنه يلزم منه علية ما عين؛ وهذا إنما يلزم ذلك أن لو كان الحكم هناك معقول المعني وهو ممنوع. سلمنا أنه معقول المعني لكن لا يلزم من عدم علية غير ذلك الوصف عليته؛ لأن عدم علية غيره من قبيل إبطال المعارض ولا يلزم من عدم معارضة علية الشيء عليته في نفسه. سلمنا علية الباقي بمعني أن غيره ليس بعلة لكن لم لا يجوز أن ينقسم الباقي إلى قسمين وتكون العلة أحد قسميه. قلت: الجواب عن الأول: أن ما تقدم من الوجهين دليل على انحصار الصفات فيما ذكر ظاهرًا. قوله: لعله لم يبحث ولم يطلب. قلنا: الظاهر من حال المسلم العدل الثقة إنما هو الصدق لا الترويج والغلبة لاسيما فيما [لا] يتسامح بالكذب فيه كالإخبار عن حكم الله تعالى ولاسيما ممن شرفه الله تعالى برتبة الاجتهاد في الدين، وبه خرج الجواب عن الثاني، فإن الستر بعد الوجدان خيانة من المجتهد في الدين وهو بعيد منه.

стр. 3102

وعن الثالث: أنه لا يدل عليه قطعًا لكن يدل عليه ظنًا، والاستقراء يفيد العلم الضروري بذلك. وعن الرابع: أن عدم جودانه بعد البحث الشديد والطلب الأكيد أفاد له الظن بالعدم فإذا أخبر عن ذلك مع أن ظاهر حاله الصدق أفاد لغيره الظن أيضًا كما في سائر الأخبار اللهم [إلا] إذا اتهمه بالخيانة لكن سبق أن الظاهر عدمها. وعن الخامس: أن الظاهر من حال الخصم أنه لو وجدها أو وجد عليها دليلًا لأظهره إفحامًا لخصمه، ونصرة لنفسه، وإبرازًا لعلم مست الحاجة إلى إبرازه فلو ادعى علمه بها طولب ببيانها فإن لم يبين مع إمكان البيان لم يلتفت إلى دعواه لظهور عناده فيه فلو بين واستدل المستدل على إفساده بدليل لم يعد منقطعًا فيما ادعاه من الحصر ظاهرًا وإفساد غير الوصف الذي عينه. وعن السادس: أن الكلام حيث يتبين إفسادها بدليل من الأدلة التي تدل على عدم علية الوصف نحو النقض وعدم التأثير وغيرها من الطرق الدالة على عدم العلية. وقال الإمام ﵀: بلى لا يمكن إفسادها بعدم المناسبة لأنه حينئذ يحتاج إلى أن يبين خلو ما يدعيه علة عن هذا المفسد وذلك لا يتم إلا ببيان مناسبته، ولو بين ذلك لاستغنى عن طريقة السبر والتقسيم. قيل عليه: إن كان بيان عدم مناسبة [الصفات المحذوفة بعد تسليم المعترض مناسبة كل واحد من الصفات المحذوفة وغيرها لم يسمع منه منع مناسبة] الباقي لكونه منعًا لما سلمه فلا يجب على المستدل بيان مناسبة

стр. 3103

الوصف الثاني. وإن كان قبل تسليم مناسبة تلك الصفات، فللمستدل طريق صالح في دفع السؤال من غير حاجة إلى بيان المناسبة في الوصف المستبقي وهو ترجيح سبره على سبر المعترض لموافقته للتعدية وموافقة سبر المعترض للقصور، والتعدية أولى من القصور على ما يأتي تقريره في الترجيحات وهو ضعيف؛ أما أولًا: فلأن ذلك كلام على سند المنع وهو قد لا يكون جوابًا عن المنع؛ وهذا لأن المعترض تارة يمنع مناسبة الوصف المستبقي فقط من غير أن يسنده إلى شيء وتارة يسنده إلى شيء نحو الأصل بأن يقول: بأن الأصل عدم المناسبة، أو يقول: بحثت وسبرت فما وجدت فيه المناسبة [فإذا قال المستدل: بحثت وسبرت فوجدت فيه المناسبة] وسبري راجح على سبرك لما تقدم كان ذلك كلامًا على سند المنع لا على المنع. وأما ثانيًا: فلأنه إذا ادعى المناسبة في الوصف المستبقي ورجحه على غيره، طولب ببيانها فإن لم يبين واقتصر على قوله: بحثت ووجدت فيه المناسبة، ولم يبينها تفصيلًا لم يصغ إليه ولم يكتف منه بهذا القدر، وإن اكتفينا بهذا في جانب النفي لأنه لا كلفة في الإظهار بعد الوجدان فيكون في عدم بيانها وسترها معاندا أو لأنا لو اكتفينا منه بهذا القدر لاكتفينا منه في كل مسألة خلافية أن يقول ابتداء بحثت وفتشت فوجدت على حكم المسألة دليلًا، إذ الظاهر من حال المجتهد العدل إنما هو الصدق ولا قائل به وإنما اكتفينا منه بهذا في النفي لأنه لا طريق إليه إلا ذلك. وأما ثالثًا: فلأنا لو سلمنا الاكتفاء بهذا القدر فهو أيضًا بيان للمناسبة في الوصف المستبقي، غايته أنه على وجه جملي فلا يكون ذلك مافيًا/ (١٩٠/ أ)

стр. 3104

لقول القائل: إنه لا يتم ذلك إلا ببيان مناسبة الوصف المستبقى فبطل قول المعترض عليه أن له طريقًا صالحًا في دفع السؤال من غير حاجة إلى بيان المناسبة في الوصف المستبقي فإن ما ذكره بيان للمناسبة في الوصف المستبقي غايته أنه على وجه جملي. واعترض على طريقة عدم التأثير [المسمي] بالإلغاء أيضًا: بأن ذلك لا يتم إلا أن يبين أن الحكم ثابت بالوصف المستبقي في صورة دون سائر الصفات المحذوفة لكن لا يكفي في ذلك أن يبين أنه يوجد الحكم مع الوصف المستبقي مع انتفاء الأوصاف المحذوفة، فإنه لو كفى ذلك لكفى في أصل القياس فلم يكن إلى البحث والسبر وسائر طرق العلية حاجة فإذن لابد من بيان الاستقلال بالاستدلال ببعض طرق إثبات العلة [وعند ذلك لابد وأن يشرع المستدل في بيان الاستدلال ببعض طرق إثبات العلة] فإن بين الاستقلال في صورة الإلغاء بالبحث والسبر كما أثبت ذلك في الأصل الأول فقد استقلت صورة الإلغاء بالاعتبار وأمكن أن يكون ذلك أصلًا [لعلته] وتبينًا أن الأصل الأول لا حاجة إليه فإن المصير إلى أصل لا يمكن التمسك به في الاعتبار إلا بذكر صورة أخرى مستقلة بالاعتبار تطويلًا بلا فائدة وإن بين الاستقلال بطريق آخر فيلزمه مع هذا المحذور محذور آخر وهو الانتقال من طريق إلى آخر في إثبات كون الوصف علة الحكم وهو قبيح في مقام النظر، وفيه نظر من حيث إن الصورة التي يتبين فيها إلغاء الأوصاف المحذوفة قد تكون متعددة فلا يمكن جعل كل واحد منها أصلًا لعلته إذا لم يجتمع في واحد منها جميع تلك الأوصاف المحذوفة فلم تستقل بالاعتبار فيكون أصل العلة محل السبر والتقسيم الذي اجتمع فيه الأوصاف المحذوفة والمستبقى ومحل

стр. 3105

الإلغاء هو تلك الصور. وعن السابع: أنه باطل بالإجماع إذ الكلام حيث انعقد الإجماع على أنه لا يعتبر في ثبوت الحكم مجموع تلك الصفات. وعن الثامن: أنه يلزم منه علية ذلك المعين وإلا لزم أن لا يكون الحكم معللًا، أو يكون معللًا بما لا يعقل وكلاهما باطلان لما تقدم. وعن التاسع: أنه لا يلزم علية ذلك الوصف من ذلك الوجه الذي ذكرتم بل من حيث أنه لو لم يكن ذلك الوصف علة إذ ذاك لزم أحد ما تقدم من المحذور. وعن العاشر: أنه على خلاف الإجماع، لأن المخالف لم يقل بعلية ذلك الوصف أصلًا، والمستدل بقول بعليته مطلقًا فالقول بعلية أحد مسمى ذلك الوصف دون الآخر قول لم يقل به أحد.

стр. 3106

الفصل السادس في الطرد

стр. 3107

الفصل السادس في الطرد والمعنى منه: الوصف الذي لا يكون مناسبًا، ولا مستلزمًا للمناسب ويكون الحكم حاصلًا معه في جميع صور حصوله غير صورة النزاع فإن في حصوله معه فيها النزاع، هذا هو المراد من الجريان والاطراد على قول الأكثر. ومنهم من قال: لا يشترط ذلك بل يكفي في علية الوصف الطردي أن يكون الحكم مقارنًا له ولو في صورة واحدة. واختلف العلماء في حجية الوصف الطردي: فمن قال: المطرد المنعكس ليس بحجة قال بعدم حجية المطرد بالطريق الأولى. وأما من قال بحجيته فقد اختلفوا في حجية المطرد: فذهب بعضهم إلى أنه ليس بحجة مطلقًا.

стр. 3108

وذهب بعضهم إلى أنه حجة مطلقًا. ومنهم من فصل [وقال] بحجيته بالتفسير الأول دون التفسير الثاني. احتج من نفي حجيته مطلقًا بوجوه: أحدها: أنه يستدل على الاطراد بصحة العلة في نفسها فيقال: هذه علة فتكون مطردة وإلا لزم نقضها وأنه خلاف الأصل فلو استدل على صحة العلة بالاطراد لزم الدور. وثانيها: أنه إنما يعتبر الاطراد أن لو كان الاطراد اطراد علة، فإن اطراد غير العلة غير معتبر فيكون اعتبار الاطراد بالعلة فلو اعتبرت العلة بالاطراد لزم الدور.

стр. 3109

وفيهما نظر من حيث إنه يصح أن يستدل على أثر الشيء بصحة الشيء في نفسه، وأن يستدل على صحته في نفسه بأثره مع أن ما ذكرتم من الدور حاصل فيه، وكذا قد يمكن أن يعتبر الأثر بالمؤثر مع صحة اعتبار المؤثر بالأثر. وثالثها: إن الاطراد عبارة عن كون الوصف بحيث لا يوجد إلا ويوجد معه الحكم وهذا المفهوم لا يتحقق إلا إذا ثبت أن الحكم حاصل مع الوصف في صورة النزاع، [فإذن ثبوت الاطراد يتوقف على ثبوت الحكم في صورة النزاع، فلو أثبت الحكم في صورة النزاع] بالاطراد لزم الدور. وهو ضعيف؛ لأنا لا نستدل على ثبوت الحكم في صورة النزاع بمصاحبته للوصف في كل الصور حتى يلزم [ما ذكرتم، بل يستدل عليه بمصاحبته له في كل صورة غير صورة النزاع وحينئذ لا يلزم ما ذكره من الدور]، وليس الاطراد عبارة عما ذكره حتى يقال أن ذلك ليس استدلالًا بالاطراد بل هو عبارة عما تقدم تفسيره. ورابعها: أن حاصل الاستدلال بالاطراد راجع إلى الاستدلال بالمقارنة، لكن المقارنة وحدها لا تدل/ (١٩١/ أ) على العلية فإن الجوهر مع العرض يتلازمان ولا علية، وكذا الحد مع المحدود والذات مع الصفات والحوادث مع الزمان والمكان، فإن المقارنة حاصلة في هذه الصور من غير علية. وهو أيضًا ضعيف. أما أولًا: فلأنا ندعى عليه المقارن الذي لم يدل دليل على عدم عليته، وما ذكرتم من الصور ليس كذلك.

стр. 3110

وأما ثانيًا: فلأنا وإن سلمنا عدم دلالة الدليل على عدم العلية في تلك الصور لكن تخلف الحكم عن الدليل الظاهري في بعض الصور لا يقدح في دلالته كما في الغيم الرطب، فإنه دليل وجود المطر وإن تخلف عنه في بعض الصور. وخامسها: أن المطرد فعل الطارد، ولا شيء من العلل الشرعية بفعل الإنسان، فلا شيء من الطرد بعلة. وهو أيضًا ضعيف؛ لأنا لا نسلم أن الطرد فعل الطارد؛ وهذا لأن الطرد عبارة عن حصول الحكم في جميع محال الوصف غير صورة النزاع، وذلك ليس بفعل الإنسان بل بفعل الشارع. نعم حصول الحكم في محل الاجتهاد يتعلق بفعله لأن حيث إنه عدى الحكم من الأصل إليه بجامع مشترك بينهما، وهو الوصف الطردي، لكن ذلك بعد ثبوت علية الطرد في غير محل النزاع، وحينئذ لا يلزم أن يكون الطرد من فعل الإنسان. وسادسها: أن الوصف الطردي ليس فيه إلا سلامته عن النقض وهو من مفسدات العلة، ولا يلزم من سلامة الشيء عن مفسدات العلة أن يكون علة، وهو أيضًا من جنس ما تقدم؛ لأنا لا نستدل على عليته من هذه الجهة بل من جهة أن السلامة من النقض من أمارات العلية. وسابعها: أن الاستدلال بالطرد على كون الوصف علة تصحيح للدعوى بالدعوى؛ فإن كون ذلك الوصف علة في الأصل دعوى، وكونه علة في غيره دعوى أخرى، فتصحيح الأولي بالثانية تصحيح للدعوى بالدعوى.

стр. 3111

وهو أيضًا من نظائر ما تقدم؛ فإن الدليل على كون الوصف الطردي علة ليس هو كونه علة في الفرع حتى يلزم ما ذكره، بل هو كونه مقارنًا للحكم في جميع محاله غير صورة النزاع، وذلك ليس دعوى تحتاج إلى الدليل، فإن ذلك ثابت بالإجماع أو بالنص، وحينئذ لا يلزم ما ذكرتم من المحذور. واحتج من قال بحجيته مطلقًا بوجهين: أحدهما: أن هذا الحكم لابد له من علة لما تقدم، وغير هذا الوصف ليس بعلة إذ الأصل عدمه، وعدم عليته فتعين أن يكون هو العلة. وجوابه: أن ظن انتفاء الغير إنما يوجب ظن عليته أن لو كان هو صالحًا للعلية في نفسه وهو ممنوع، فإن ما لا يكون مناسبًا ولا مستلزمًا للمناسب، ولا مطردًا ولا منعكسًا لم يصلح للعلية عند الخصم فلم قلتم أنه ليس كذلك فإن ذلك أول المسألة؟ وثانيها: أنا إذا علمنا أن الحكم لابد له من علة، وعلمنا حصول هذا الوصف ولم نعلم غيره، ظننا كون هذا الوصف علة لهذا الحكم؛ إذ لو لم يحصل هذا الظن فإما أن يكون لأجل أن ذلك الحكم لا يستند إلى علة، وهو باطل [لأنه يناقض العلم الأول، أو لأجل أنه يستند إلى غيره] وهو أيضًا باطل؛ لأن إسناده إلى غيره يقتضي الشعور بالغير، والشعور بالغير حال عدم تحقق الشعور بالغير محال. وجوابه: أنه لا منافاة بين عدم الشعور بالغير على سبيل التفصيل وبين الشعور به على سبيل الإجمال، واللازم إنما هو الشعور بالغير على سبيل

стр. 3112

الإجمال والمقدر أولًا إنما هو الشعور به على سبيل التفصيل. واحتج من قال أنه حجة على التفسير الأول دون الثاني. أما على الأول فمن وجهين: أحدهما: أن الإنسان إذا رأى فرس القاضي واقفًا على باب الأمير، غلب على ظنه كون القاضي في دار الأمير، وما ذاك إلا للاطراد. وثانيهما: أن الاستقراء يشهد أن النادر في كل باب يلحق بالغالب فإذا علم مقارنة الحكم للوصف في أكثر الصور، ووقع النزاع في مقارنته له في صورة النزاع وجب أن يلحق بالأكثر إلحاقًا للصورة الواحدة بأكثر الصور. وجوابه: أنه لا ينكر ظن إلحاقه بالأكثر، لكن لم قلت أنه يفيد ظن علية ذلك الوصف، فإنه يجوز أن يلحق من غير علية، كما إذا رأينا شخصًا من بعض البلاد، وكان الغالب على أهله بعض المذاهب، أو الألوان فإنا نحكم أن ذلك الشخص على ذلك المذهب أو على ذلك اللون مع عدم العلية بينهما. وأما أنه ليس بحجة على التفسير الثاني فمن وجهين: أحدهما: أن الحكم بكون ذلك الوصف على مع أنه ليس بمناسب ولا يستلزم له ومع كونه مساويًا لسائر الصفات، قول في الدين بمجرد التشهي فيكون باطلًا. أما أولًا: فلقوله تعالى: ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة

стр. 3113

واتبعوا الشهوات﴾. وأما ثانيها: فبالإجماع. وجوابه: منع المساواة فإن المقارنة مرجحة فإن فرض وصف آخر مقارن غير متعد ترجح المتعدي لورود الأمر بالقياس، أو/ (١٩٢/ أ) متعد إلى فرع آخر فيكون ذلك معارضًا له، فيجب على المستدل للترجيح وإن كان متعديًا إلى ذلك الفرع الذي ادعي المستدل ثبوت الحكم فيه لم يكن معارضًا له إذ يجوز قيام معرف واحد. وثانيهما: أن القول بحجيته يفتح باب الهذيان: كقولهم في مسألة إزالة النجاسة: مائع لا تبني القنطرة على جنسه فلا تجوز إزالة النجاسة به كالدهن. وكقولهم: في أن وطء الثيب لا يمنع الرد بالعيب، شروع في نافذ فلا يمنع الرد بالعيب كالشروع في الدرب النافذ. وكقولهم: سعي بين جبلين فلا يكون ركنًا كالسعي بين غيرهما من الجبلين وأمثالهما من الهذيان. وجوابه: أنا لا ندعي أن مجرد المقارنة كيف ما كانت تفيد العلية بل يشترط أن لا يحصل هناك وصف آخر هو أولى بالرعاية، وهذا الشرط غير حاصل فيما ذكرتم من المثال فإنه حصل هناك ما هو أولى بالاعتبار من الوصف الذي ذكرتم وهو كون الدهن لزجًا، غير مزيل للنجاسة، ولما زال شرط العلية لا جرم لم تفد المقارنة ظن العلية. فإن قلت: فعلى هذا يجب على المستدل بالطرد أن يتعرض لنفي

стр. 3114

الأوصاف التي هي أولى بالاعتبار حتى يتم استدلاله. قلت: لا يجب ذلك عليه؛ لأنه من قبيل نفي المعارض، ولا يجب على المستدل بيان نفي المعارض، وهو شرط ثبوت الحكم لا شرط الدلالة، وإنما يجب على المستدل بيان شرائط الدلالة لا بيان شرائط ثبوت الحكم. وإذا قد ظهر ضعف دلائل المذاهب الثلاثة وجب التوقف.

стр. 3115

الفصل السابع في تنقيح المناط

стр. 3116

الفصل السابع في تنقيح المناط وقد عرفت فيما سبق أن إلحاق المسكوت عنه [بالمنصوص عليه] بإلغاء الفارق يسمى تنقيح المناط، وهو أن يقال: لا فرق بين الأصل والفرع إلا كذا وكذا، وذلك لا مدخل له في الحكم البتة فيلزم اشتراكهما في الحكم لاشتراكهما في الموجب له. وهذا الذي يسميه الحنفية بالاستدلال، ويفرقون بينه وبين القياس بأن يخصصون اسم القياس بما يكون الإلحاق فيه بذكر الجامع الذي لا يفيد إلا غلبة الظن، والاستدلال بما يكون الإلحاق فيه بإلغاء الفارق الذي يفيد القطع حتى أجروه مجري القطعيات في النسخ به ونسخه فجوزوا الزيادة على النص به، ولم يجوزوا نسخه بخير الواحد. والحق أن تنقيح المناط قياس خاص مندرج تحت مطلق القياس وهو عام يتناوله وغيره، وكل واحد من القياسين أعني ما يكون الإلحاق بذكر الجامع وبإلغاء الفارق يحتمل أن يكون ظنيًا وهو الأكثر إذ قلما يوجد الدليل القاطع على أن الجامع علة، أو أن ما به الامتياز لا مدخل له في العلية، وقد يكون قطعيًا بأن يوجد ذلك فيه، نعم حصول القطع فيما فيه الإلحاق بإلغاء الفارق أكثر من الذي فيه الإلحاق بذكر الجامع لكن ليس ذلك فرقًا في المعنى بل في

стр. 3117

الوقوع، وحينئذ ظهر أنه لا فرق بينهما في المعني. ثم اعلم أنه يمكن إيراد تنقيح المناط على وجهين: أحدهما وهو الأقوى: أن هذا الحكم لابد له من علة لما تقدم، فتلك العلة إما المشترك بين الأصل والفرع، أو المختص بالأصل، وهذا الثاني باطل؛ لأن الفارق ملغي فيتعين الأول، وحينئذ يلزم ثبوت الحكم في الفرع لثبوت علته فيه. وثانيهما: أن هذا الحكم لابد له من محل، وهو إما المشترك، أو المختص والمجموع المركب من المشترك والمختص داخل في هذا القسم؛ لأنه لم يوجد في غيره لكن لا يجوز أن يكون هو المختص، لأن الفرق ملغي فوجب أن يكون محله المشترك، ويلزم من هذا ثبوت الحكم في الفرع ضرورة حصوله في الفرع. وهذا ضعيف؛ لأنه لا يلزم من وجود المحل وجود الحال فيه فلأن لا يلزم من تعميم المحل تعميم الحال فيه من الصفة أو الحكم بالطريق الأولى.

стр. 3118

الفصل الثامن

стр. 3119

الفصل الثامن فيما ظن أنه من طرق إثبات العلة وليس كذلك وهو طرق: أحدها: زعم بعض الأصوليين، أن عجز الخصم عن إفساد كون الوصف على دليل على كونه علة. وهو فاسد؛ لأنه ليس جعل العجز عن الإفساد دليلًا على الصحة أولى من جعل العجز عن التصحيح دليلًا على الفساد، بل هذا أولى؛ لأنه لا يوجب إثبات ما لا نهاية له بخلاف الطريقة الأولى فإنها تقتضي إثبات ما لا نهاية له: فإن ما لا نعرف دليلًا على فساده لا نهاية له فإن من جملته الأعداد ولا نهاية لها، وحينئذ إما أن يحكم بكلا الطريقتين وهو باطل: أما أولًا: فلأنه خلاف الإجماع. وأما ثانيًا: فلأنه يلزم من ذلك إثبات ما لا نهاية له وهو ممتنع. وأما ثالثًا: فلأنه يلزم منه أن يكون الشيء الواحد علة، وأن لا يكون علة وهو ممتنع وتعارض الدليلين الظنيين وإن كان جائزًا لكنه خلاف الأصل لاسيما في الأشياء العديدة، أو لا يحكم بواحد منهما وهو المطلوب. وثانيهما: قال بعضهم: يجوز الإلحاق بمجرد الاشتراك في الوصف المطلق العام، وأطبق الجماهير على فساده من حيث إن ذلك يقتضي ثبوت أحكام/ (١٩٣/ أ) متناقضة في الفرع الواحد؛ لأن ما من فرع يفرض إلا ويشبه أصولًا كثيرة متناقضة الأحكام في أوصاف عامة، فلو جاز إلحاق الفرع بالأصل بمجرد الاشتراك في الوصف العام لجاز إلحاق كل فرع بكل الأصول؛ إذ ليس إلحاقه ببعضها أولى من إلحاقه بالبعض الآخر، وحينئذ يلزم ثبوت

стр. 3120

الأحكام المتناقضة في كل واحد من الفروع، ولأن ذلك يفضى إلى التسوية بين المجتهد والعامي في إثبات الأحكام الشرعية في الوقائع الحادثة؛ لأن ما من عامي جاهل يفرض إلا ويعلم أن هذا الفرع يشبه أصلًا من الأصول في وصف عام فيثبت حكمه فيه لاشتراكهما في ذلك الوصف العام. واحتجوا: بقول عمر- ﵁: (اعرف الأشباه والنظائر وقس الأمور برأيك) ويكفي في كون الشيء شبيهًا بشيء أو نظيرًا له الاشتراك في وصف واحد. وقوله: (قس الأمور) عام مرتب على ذلك فوجب أن يجوز القياس بكل وصف مشترك يتحقق به الشبه والنظارة. وجوابه: منع تحقق المشابهة والنظارة بمجرد الاشتراك في الأوصاف العامة؛ وهذا لأن الضدين والنقيضين قد يشتركان في الأوصاف العامة نحو المذكورية والمعلومية والمخبرية مع أنه لا يعد أحدهما شبيهًا ونظيرًا للآخر بل لابد من الاشتراك بوصف خاص. سلمناه لكنه عام وتخصيص العموم بالإجماع جائز إجماعًا، وقد أجمع السلف على أنه لابد في الإلحاق من الاشتراك بوصف خاص، بدليل أنهم كانوا يتوقفون في حكم المسألة الحادث، وما كانوا يلحقونها بأن أصل اتفق بعد عجزهم عن إلحاقها بما يشاركها في وصف خاص، ولو كان الإلحاق جائزًا بمطلق الوصف لما كان للتوقف إذ ذاك معنى. وثالثها: قال بعضهم: إثبات الحكم في الفرع موافقًا لأصل تسوية بينهما في ذلك فيكون مأمورًا به [لقوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾ وعبور
следующие страницы →