Полный текст (3 770 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
مقامه في الحرمة فكذا ما نحن فيه، والجامع كون كل واحد منهما مظنة.
ثم قد عرف أن الجنس ينقسم إلى عال ليس فوقه جنس، وإلي متوسط فوقه وتحته جنس، وإلي سافل ليس تحته جنس وفوقه جنس [فأعم أوصاف الوصف هو كونه وصفًا يناط به الحكم فيندرج تحته المناسب وغيره وأخص منه المناسب] فيخرج منه غيره، وأخص منه الضروري فيخرج منه ما ليس بضروري، وأخص من الضروري في حفظ الدين أو النفس فيخرج منه ما عداه، وأعم أوصاف الحكم هو كونه حكمًا شرعيًا، وأخص منه كونه واجبًا أو ندبًا أو محرمًا، وأخص منه كونه عبادة وغيرها، وأخص منها كونه صلاة وغيرها، وأخص منها الفرض والنقل هكذا وقع في كلام بعضهم، ولا يستقيم ذلك إلا إذا حمل الخصوص على الخصوص من وجه دون وجه، وإلا لزم حصول الوجوب في صلاة النفل ضرورة أن العام حاصل في الخاص وهو ممتنع.
ثم كل ما كان الخصوص فيه أكثر من جهة الوصف والحكم من هذه المراتب كان ظن كونه معتبرًا في ذلك الحكم أكثر.
وأما القسم الثاني وهو المناسب الذي يعلم أن الشارع ألغاه فهو كقول بعض العلماء لبعض الملوك لما سأله عما ذا يجب عليه وقد أفطر في نهار رمضان بالوقاع عمدًا؟ يجب عليك صوم شهرين متتابعين. فقيل له: أليس أن هذه الكفارة مرتبة أولها العتق فهلا أمرته بذلك مع سعة قدرته عليه؟ فقال: لو أمرته بذلك لهان عليه الأمر فربما كان لا ينزجر عن ذلك، وأقدم
стр. 3047
على مثله مرات أخر واستحقر ذلك في قضاء شهوة الوقاع، فكانت المصلحة في إيجاب صوم الشهرين لينزجر عن مثله كرة أخرى، فهذا وإن كان مناسبًا لكن ألغاه الشارع ولم يلتفت إليه حيث أوجب هذه الكفارة بصريح النص [مرتبة من غير فصل بين المكلفين والقول به مخالفة للنص*] فيكون باطلًا، وكيف لا وفتح هذا الباب يفضى إلي [تغيير] قواعد الشرع وقوانينها عند تغير الأحوال هذا مع ما أنه يتضمن مفسدة تربو على ما تخيله من المصلحة وهي عدم الثقة للمكلفين بمقول العلماء وعدم الاعتماد على فتواهم، فإنه إذا عرف ذلك من صنيعهم لم يحصل الظن بصدقهم فيما يفتون به، وذلك يفضى أن لا يعمل العامي بالشرع أصلًا.
وأما القسم الثالث وهو المناسب الذي لا يعلم أن الشارع اعتبره أو ألغاه فهو الذي لا يشهد له أصل معين من أصول الشريعة بالاعتبار بطريق من الطرق وهذا هو المسمى (بالمصالح المرسلة) وستعرف هل هي حجة أم لا؟
واعلم أن هذا إنما يكون بحسب أوصاف أخص من كونه وصفًا مصلحيًا
стр. 3048
وإلا فعموم كونه وصفًا مصلحيًا مشهود له بالاعتبار، فلا يتصور أن لا يشهد له أصل معين باعتباره بل كل الأصول تشهد له بذلك الاعتبار.
стр. 3049
التقسيم الثالث
المناسب إما مؤثر أو غير مؤثر، وغير المؤثر إما ملائم أو غير ملائم، وغير الملائم إما غريب، أو مرسل، أو ملغى؛ وذلك لأن المناسب إما معتبر أو غير معتبر والمعتبر إما عين الوصف في عين الحكم، أو عينه في جنسه أو جنسه في عين الحكم أو جنسه فإن كان الأول والثاني فإما أن يكون اعتباره فيهما بالنص أو بالإجماع أو بالإيماء والتنبيه أو لا بل بالمناسبة أو غيرها من الطرق العقلية.
فإن كان الأول فهو المؤثر يسمى بذلك لأنه ظهر تأثيره فيهما فلا يحتاج فيه إلى المناسبة، وهو كتعليل الولاية في النكاح بالصغر دون البكارة. فإنه قد ظهر تأثيره في الولاية عليه في عين النكاح بالإجماع.
ومنهم من قال: إن ما يعرف اعتباره بالإيماء والشبه فليس بمؤثر بل هو ملائم أو غريب.
وإن كان الثاني فالأول منهما هو المناسب الغريب وهو كالمسكر في تحريم الخمر على الوجه الذي تقدم ذكره، والثاني منهما هو الملائم، وإن كان الثالث والرابع فهما أيضًا معدودان من الملائم.
وغير المعتبر إما ملغى وهو الذي ثبت أنه ألغاه الشارع كما تقدم مثاله، أو غير ملغى هو المناسب المرسل وهو إن ثبت عدم مجانسة جنسه القريب فمردود وفاقًا وإلا فمختلف فيه على ما سيأتي شرح ذلك- إن شاء الله تعالى-.
стр. 3050
التقسيم الرابع
المناسب إما محصل للمصلحة الدنيوية أو الدينية أو لهما معًا.
أما الأول فإما أن يكون محصلًا لأصل المقصود، أو تكميل المقصود وكل واحد منهما إما محصل له في الابتداء أو في الدوام فهو إذن أقسام أربعة:
أولهما/ (١٧٦/ أ): ما يحصل أصل المقصود ابتداءً، وهو كالبيع والنكاح والإجارة الصادرة من الأهل المضافة إلى المحل، فإنها تحصل ما يترتب عليها من المقاصد الأصلية كملك العين والبضع، والمنفعة.
وثانيها: ما يحصل أصل المقصود دوامًا وهو كشرعية القصاص في القطع والقتل فإنه يحصل المقصود الأصلي وهو حفظ النفس لكن في الدوام.
وثالثها: ما يحصل تكميل المقصود في الابتداء كاشتراط طهارة البدن والمكان، وتوجه القبلة، وستر العورة في الصلاة؛ وذلك لأن المقصود الأصلي من الصلاة إنما هو تعظيم الرب ، وكون العبد ذاكرًا في كل ساعة بأن له خالقًا يستحق العبادة والتعظيم، ولا شك في أن هذا المقصود يكمل باشتراط هذه الأمور في ابتداء الشروع.
ورابعها: ما يحصل المقصود التكميلي وهو كاشتراط عدم الكلام في الدوام، فإنه لو أبيح له ذلك لأخل بكمال التعظيم في الدوام.
стр. 3051
المسألة الرابعة
في أن مناسبة المصلحة تبطل وتحرم بمناسبة مفسدة مساوية أو راجحة، وقال قوم لا تبطل وهو اختيار الإمام .
[والمعني] من انخرامها وبطلانها: أن لا يقضى العقل بمناسبتها للحكم إذ ذاك فلا يكون لها أثر في اقتضاء الأحكام، لا أنه يلزم خلو الوصف عن استلزام المصلحة وذهابها عنه فإن ذلك لا يكون تعارضًا.
لنا وجوه:
أحدهما: أنه لو لم تبطل مناسبة المصلحة بمناسبة مفسدة مساوية أو راجحة لكانت معمولة بها إذ هو معناه أو لازمه، وحينئذ إن عمل بها وحدها يلزم إما ترجيح أحد المتساوين على الآخر، أو ترجيح [المرجوح على الراجح]، وكلاهما ممتنع عقلًا، أو بهما معًا وحينئذ يلزم الجمع بين الأحكام المتضادة وهو ممتنع أو خلاف الأصل.
وثانيها: أن العقلاء لا يعدون فعل ما فيه مفسدة مساوية للمصلحة أو راجحة عليها مصلحة بل يعدونه عبثًا، والعبث غير معدود من المناسب فلا يكون فعله مناسبًا.
وثالثها: أن صريح العقل حاكم بأن دفع المفسدة أهم من جلب المصلحة
стр. 3052
ومقدم عليها، واستقراء الشريعة يدل عليه أيضًا، ويلزم من هذا أن لا يجوز العمل بمناسبة المصلحة المعارضة بمناسبة المفسدة المساوية أو الراجحة لئلا يلزم ترك الأهم والعمل بالمهم أو التسوية بينهما.
ورابعها: القياس على الدليل، فإنه إذا عارضه دليل آخر راجح أو مساوٍ له في صحة المتن والدلالة فإنه وإن لم تبطل دلالته لكن لا يجوز العمل به ولو بوجه ما فكذا ها هنا والجامع عدم إفادة الظن بمقتضاه.
واحتجوا بوجوه:
أحدهما: أن المناسبتين المتعارضتين إن كانت متساويتين لم يكن إبطال أحدهما بالأخرى أولى من العكس، فأما أن يبطل كل واحد منهما بالآخر وهو محال؛ لأن علة بطلان كل واحد منهما حينئذ إنما هو وجود الآخر، والعلة مع المعلول، فلو بطل كل واحد منهما بالآخر لزم أن يكون وجود كل واحد منهما مع بطلان الآخر فيلزم أن يكونا موجودين حال كونهما معدومين وهو محال، أو لا يبطل واحد منهما بالآخر حال التعارض وهو المطلوب.
وإن كانت إحداهما أرجح من الأخرى فها هنا لا يلزم التفاسد أيضًا؛ لأنه لو لزم ذلك لزم أن يكون بينهما منافاة فإن [الشيء إذا لم يكن منافيًا للشيء لم يلزم من حصوله انعدام ذلك الشيء لكن لا منافاة] بينما لما بينا جواز اجتماعهما في القسم الأول، وحينئذ لم يلزم اندفاع إحداهما بالأخرى.
ولأن الراجحة إذا عارضت المرجوحة ونفتها، فإما أن ينتفي منها شيء لأجل معارضة المرجوحة أو لا ينتفي والقسمان باطلان فبطل التعارض.
أما الأول فلوجهين:
стр. 3053
أحدهما: أنه لو انتفى من الراجحة شيء فمن الظاهر أنه لا ينتفي إلا قدر المرجوحة وإلا لزم الانتفاء أو الترجيح بلا سبب لكن ذلك باطل لما سبق في المتساويين.
وثانيهما: أنه ليس انتفاء بعض الراجح بالمرجوحة وبقاء بعضه أولى من انتفاء الباقي وبقاء المنتفي، فإما أن ينتفي الكل وهو باطل لما سبق، أو لا ينتفي منه شيء، وهو أيضًا باطل لما سيأتي في القسم الثاني ولأنه يلزم منه خلاف التقدير.
وأما القسم الثاني وهو أن لا ينتفي من الراجحة شيء فهو أيضًا باطل؛ لأنه يلزم أن تكون المفسدة المعارضة بالمصلحة المرجوحة كالمفسدة الخالصة عن شوائب المصلحة وهو باطل قطعًا.
وجوابه: أنا لا نسلم أن على تقدير تساوي المناسبتين ليس إبطال أحدهما بالأخرى أولى من العكس؛ وهذا لأن إبطال مناسبة المفسدة أولى لما أن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وإبطال مناسبة المصلحة بأعمال مناسبة المفسدة [أولى لما أن دفع المفسدة] بأن لا يفعل ذلك الفعل للمصلحة حتى لا توجد المفسدة، ولما أن العقلاء يعدون فعل ما فيه مفسدة مساوية للمصلحة أو راجحة عليها عبثًا وسفهًا فإن من سلك مسلكًا يفوت درهمًا ويحصل آخر مثله أو أقل منه فإنهم يعدونه عابثًا وسفيهًا.
قوله في/ (١٧٧/ أ) القسم الثاني: إنه لا منافاة بينهما فلا يلزم التفاسد.
قلنا: نعم لا منافاة بين المناسبتين من حيث إنه يجوز أن يكون الفعل الواحد مشتملًا على المصلحة والمفسدة معًا، لكن بينهما منافاة بالغرض وهي
стр. 3054
منافاة الإفضاء إلى المقصود؛ فإن جلب المصلحة وإن كان مقصودًا لكن دفع المفسدة أيضًا مقصود، وفعله لغرض الإفضاء إلى المصلحة يفضى إلى حصول المفسدة، وتركه لأجل دفع المفسدة يفضى إلى ترك المصلحة وكل واحد منهما لا يحصل على وجه يكون مقصودًا فكان بينهما منافاة من هذا الوجه.
وثانيها: أن الشارع قد رتب على الشيء الواحد أحكامًا مختلفة لما فيه من المناسبة المختلفة كما في الصلاة في الدار المغصوبة والبيع في وقت النداء، فإنه قد رتب عليهما الثواب والملك من حيث الصلاة والبيع، ورتب عليهما العقاب من حيث كونها في الغصب، وكونه في وقت النداء فرتب [على جهتى المصلحة والمفسدة مقتضاهما وذلك] يدل على إعمالها وعدم بطلانهما بتعارضهما من حيث إن المصلحة والمفسدة إن كانتا متعارضتين بأن كانتا متساويتين وجب أن يندفع كل واحد منهما بالآخر، فلا تبقى مصلحة ولا مفسدة وحينئذ يجب أن لا يترتب عليهما مقتضاهما وقد ترتب هذا خلف.
وإن كانت إحداهما أرجح من الأخرى فيكون الحاصل حينئذ مقتضى الراجح دون المرجوح فكان يجب أيضًا أن لا يترتب الأمران عليهما معًا وقد ترتبا هذا خلف.
وجوابه: أن هذا ليس من قبيل ما نحن فيه؛ وهذا لأن النزاع إنما هو فيما إذا كانت المناسبتان لازمتين لفعل الشيء بحيث لا ينفك الشيء عنهما وما نحن فيه ليس كذلك؛ لأن مناسبة كون الصلاة في الدار المغصوبة يقتضى عدم صحتها غير لازمة لفعل الصلاة من حيث هي صلاة، كما أن مناسبة كونها صلاة سببًا للثواب لازمة لها وكذا القول في الصلاة الثانية فلم يحصل
стр. 3055
التعارض بينهما، إذ لا تعارض بين مقتضى الذاتي والخارجي فكان الواجب في مثله ترتيب حكم كل واحد منهما.
وثالثهما: أن السلطان إذا ظفر على جاسوس عدوه المنازع له في مملكته، فإنه يحسن منه أن يعاقبه، أو يقتله زجرًا له ولأمثاله عن مثل صنيعه، ويحسن منه أيضًا أن يعفو عنه ويحسن إليه إما للاستهانة بعدوه، أو لقصد كشف أسراره أو ترغيبًا لأعوانه إلى نفسه وأي الأمرين منهما فعل فإنه لا يعد خارجًا عن [مقتضي المناسبة والحكمة، وإن كانت المناسبتان متساويتين أو إحداهما أرجح من الأخرى وإن لزم منه] فوات مقصود الأمر الثاني.
وجوابه: منع حسن ذلك على الإطلاق بل إنما يحسن منه فعل الراجح منهما حتى لو فعل المرجوح لم يعد تصرفه مناسبًا موافقًا لتصرفات العقلاء.
ورابعها: أن العقلاء يقولون في فعل معين إن الإتيان به مصلحة في كذا لولا ما فيه من المفسدة الفلانية، ولولا صحة اجتماع وجهي المصلحة والمفسدة في شيء واحد وإلا لما صح هذا.
وجوابه: أنه يصح اجتماع جهتي المصلحة والمفسدة لما بينا أنه لا منافاة بينهما، لكن لا يلزم من ذلك أن لا تبطل بالمعارضة لجواز أن يبطل لما بينهما من المنافاة بالغرض كما تقدم.
وخامسها: أن المجتهد قد يظهر له تقديم الأخ من الأب والأم على الأخ من الأب في الميراث لاختصاصه بقوة القرابة، فإن قرابة الأخوة من الأب قد
стр. 3056
تفوت بقرابة الأمومة التي لها مدخل في الإرث، وقد يظهر له التسوية لاشتراكهما في القرابة التي تثبت العصوبة وإلغاء قرابة الأمومة التي لا مدخل لها في التعصيب، وبأي الاحتمالين منهما حكم وأفتى فالعقل يقتضي تساوي النظر من غير احتياج إلى الترجيح بأنه غير خارج عن المناسبة ومقتضي الحكمة، ولو كانت المناسبة تبطل بالمعارضة لما جاز ذلك إلا بعد الترجيح، ولما لم يكن كذلك علمنا أنها لا تبطل بالمعارضة.
وجوابه: منع كونه غير خارج عن مقتضي المناسبة والحكمة مطلقًا، بل إنما يعد مناسبًا وآتيًا بمقتضي الحكمة أن لو حكم بما غلب على ظنه رجحانه، أما مطلقًا فلا.
واعلم أن كل من قال بجواز تخصيص العلة فلابد له من القول ببقاء المناسبتين واجتماع جهتي المصلحة والمفسدة؛ وذلك لأن القول بجواز إحالة انتفاء الحكم على تحقق المنازع مع وجود المقتضي إما أن يكون لمناسبة راجحة أو مساوية أو مرجوحة فإن كان الأول أو الثاني فقد لزم منه تحقق مناسبة المقتضي المرجوحة أو المتساوية وإلا فقد كان الحكم منتفيًا لانتفاء المقتضى لا لوجود المانع؛ فإن المقتضى إذا لم يكن مناسبًا لم يكن مقتضيًا، فكان الانتفاء مضافًا إليه لما عرف أن إضافة انتفاء الحكم إلى عدم المقتضي أولى من إضافة انتفائه إلى وجود المانع لكنه خلف؛ إذ التقدير: أن انتفاء الحكم إنما هو لوجود المانع، وإن كان الثالث فقد لزم انتفاء الحكم بمناسبة المانع المرجوحة إذ لو لم يكن مناسبًا أصلًا مع أن انتفاء الحكم مضاف إليه لم تكن المناسبة شرطًا/ (١٧٨/ أ) في العلة؛ إذ المانع علة عدم الحكم فجاز إثبات الحكم بما ليس بمناسب مع انتفاء جهة الأخرى للعلية هذا خلف.
стр. 3057
وأما من لم يقل بجواز تخصيص العلة: فمنهم من يقول ببطلان المناسبة بالمعارضة والعمل بأحدهما عندها إنما هو بالترجيح.
ومنهم من لم يقل بذلك كالإمام فإنه لا يرى تخصيص العلة وقال ببقاء المناسبتين عند التعارض.
تنبيه
إذا عرفت أن المناسبة تبطل بالمعارضة فعند التعارض لا يعمل بأحدهما إلا بالترجيح، والترجيح قد يكون تفصيليًا يختلف باختلاف المسائل ولا يمكن إيراده في هذا المقام، وقد يكون احتماليًا لا يختلف باختلاف المسائل فيطرد في الكل وهو كما يقال: الحكم في الأصل مضاف إلى المصلحة الفلانية، وهي راجحة على ما عارضها من المفسدة وإلا لزم أحد الأمور الثلاثة وهو: إما أن يكون الحكم مضافًا إلى عين تلك المصلحة المرجوحة، أو إلى مصلحة أخرى غير تلك المصلحة المرجوحة، أو لا يكون مضافًا إلى مصلحة أصلًا بل يكون الحكم تعبديًا والأقسام الثلاثة باطلة فبطل أن لا تكون المصلحة راجحة.
أما الأول؛ فلأن العمل بالمرجوح مع وجود الراجح غير جائز؛ لأنا إنما نتكلم تفريعًا على أن المناسبة تبطل بالمعارضة، فكان يجب أن لا يرتب في صورة تلك المصلحة المرجوحة حكم، وحيث رتب الحكم دل على أنه غير مضاف إلى المصلحة المرجوحة.
أما الثاني فلأنا بحثنا وفتشنا فلم نجد فيه غير ذلك الوصف المشتمل على المصلحة الفلانية وذلك يدل ظاهرًا على عدم حصوله فيه.
стр. 3058
وأما الثالث: فلأن الحكم التعبدي نادر وإلحاق الفرد بالأعم والأغلب أولى، ولأن الحكم الذي عقل معناه أقرب إلى القبول، وأدعى إلي الانقياد، فكان أفضي إلى تحصيل المقصود من شرع الحكم والشارع حكيم، والحكيم إذا كان لحصول مقصوده طريقان سلك ما هو أفضي إلى حصول المقصود فيغلب على الظن شرعيته على هذا الوجه.
لا يقال: عدم وجدان وصف آخر مع البحث الشديد والتفتيش البليغ وإن دل على رجحان تلك المصلحة على ما يعارضها من المفسدة لكن عدم وجدان ما به يترجح على معارضها بعد البحث والتفتيش البليغين يدل على عدم رجحانها فليس اعتبار أحد البحثين أولى من العكس.
قلت: بل اعتبار بحثنا أولى؛ لأن بحثنا إنما هو عن وصف صالح للتعليل وذلك لا يتعدى عن محل الحكم وهو متحد، وبحثكم إنما هو عما به الترجيح وهو غير منحصر في محل الحكم؛ فإن الترجيح قد يكون بأمور تعود إلى ذات العلة، وقد يكون بأمور خارجة عنها، ومعلوم أن الحاصل بعد البحث الشديد [عن الشيء] المنحصر في محل واحد وعدم وجدانه، أما العلم بعدم وجوده أو الظن الغالب القريب من القطع بخلاف الظن الحاصل بعد البحث عن الشيء الغير المنحصر فإنه ليس كذلك فكان اعتبار بحثنا أولى.
فإن قلت: ما به الترجيح يجب أن يكون في محل الحكم وإلا لم يتحقق به الترجيح في محل الحكم وحينئذ لا فرق.
سلمنا تعدد محل بحث الترجيح واتحاد محل بحث الوصف لكن الظن الحاصل بعد البحثين يحتمل أن يكون متساويًا. ويحتمل أن يكون متفاوتًا فعلى التقديرين من هذه الثلاثة يكون انتفاء رجحان ظن عدم وصف آخر حاصلًا وعلى التقدير الواحد يكون رجحان ظن العدم حاصلًا ولا شك أن ما
стр. 3059
يقع على تقديرين من الثلاثة يكون أغلب مما يقع على تقدير واحد من الثلاثة فكان ظن عدم الرجحان أغلب.
قلت: الجواب عن الأول بمنع الملازمة فإنا لا نسلم أن ما به الترجيح إذا لم يكن في محل الحكم لم يحصل به الترجيح في محل الحكم؛ وهذا لأنه قد يرجع أحد النصين أو أحد القياسين أو إحدى العلتين بسبب أمور خارجية عن ذاتهما كما شهد به استقراء باب التراجيح.
فإن قال: بأن تلك الأمور لابد وأن توجب قوة في [محل] الحكم وإلا لم تصلح للترجيح غاية ما في الباب أنه بطريق الوساطة والترجيح أبدًا إنما يكون بما هو في محل الحكم.
قلت: فيكفينا هذا القدر من الفرق وهو أن الموجب للقوة التي حصل بها الترجيح في محله غير منحصر في محل واحد بخلاف الوصف الموجب للحكم فإن محله منحصر فكان غلبة الظن بعدمه بعد التفتيش أكثر.
وعن الثاني أن ذلك إنما يلزم فيما إذا كانت الاحتمالات كلها متساوية فأما إذا كان بعضها أظهر وأغلب فلا نسلم ذلك، ألا ترى أن الغالب على الإنسان إنما هو الصحة ولانتفائها أسباب عديدة مع أنه لا يغلب على الظن وقوعه في المرض، وكذلك الربح في التجارة هو الغالب ولانتفائه أسباب عديدة ولا يغلب على الظن وقوع التاجر في الخسارة.
стр. 3060
المسألة الخامسة
في إقامة الدلالة على أن المناسبة دالة على كون الوصف علة الحكم .
فنقول: الدليل على ذلك وجهان:
أحدهما وهو مبنى على مقدمات:
إحداهما: هي أن الأحكام مشروعة لمصالح العباد، يدل عليها وجوه:
أحدها: الإجماع وتقريره من وجهين:
أحدهما: أن العقلاء مجمعون على أنه تعالى حكيم، والحكيم هو الذي [يكون] فعله لمصلحة فمن يفعل لا لمصلحة سواء كان لمفسدة أو لم يكن لها أيضًا لم يعد حكيمًا/ (١٧٩/ أ).
وثانيهما: أن أئمة الأمصار في جميع الأعصار من أئمة الفقه مجمعة على أن أحكام الله لا تخلو عن حكم مقصودة عائدة إلى العبيد لاستحالة عودها إلى الله تعالى، وإن اختلفوا في كون ذلك بطريق الوجوب كما يقوله القائلون بالتحسين والتقبيح، أو بحكم التفضل والوقوع كما يقوله من لم يقل به.
وفي هذا التقرير نظر؛ وذلك لأن من لم يقل من الأئمة بالقياس ربما لا يساعده على هذا، فإن الأحكام عنده غير معقولة المعنى بل ربما زعم بعضهم أنها على خلاف المعقول فكيف يحصل منهم الإجماع على ما ذكر؟ نعم يصح ذلك على رأى القائلين بالقياس.
стр. 3061
وثانيها: أن تخصيص الواقعة المعينة بحكم معين إن لم يكن لمرجح لزم ترجيح أحد الجائزين على الآخر من غير مرجح وهو محال، وإن كان لمرجح فذلك المرجح يستحيل أن يعود إلى الله تعالى.
أما أولًا: فبالإجماع.
وأما ثانيًا: فلأنه حينئذ يلزم أن يكون مستكملًا بذلك المرجح لأن كل من كان فاعليته لأمر يعود إلى نفسه كان ناقصًا في نفسه مستكملًا بذلك الأمر وهو ممتنع في حقه تعالى فيتعين أن يكون لمرجح يعود إلى العبيد، وهو إما المصلحة أو المفسدة، أو لا المصلحة ولا المفسدة، والقسمان الأخيران باطلان بالإجماع فيتعين الأول.
فإن قلت: ففعله لأمر يعود إلى العبيد إن لم يكن له فيه غرض بل وجوده وعدمه بالنسبة إلي سواء لزم الترجيح من غير مرجح، وإن كان له فيه غرض عاد حديث الاستكمال.
قلت: غرض الإحسان إلى المحتاجين لا يعده العقلاء نقصًا بخلاف غرض النفس فإنه يعد نقصًا.
وثالثها: لو شرع الله تعالى الأحكام لا لمصلحة تعود إليه تعالى ولا إلى العبيد لكان إما عابثًا أو ظالمًا؛ لأنه إن لم يفعله لغرض ما لزم الأول، أو لغرض إضرارهم لزم الثاني وهما باطلان.
أما أولًا فبالإجماع فإن العقلاء بأسرهم أجمعوا على أنه تعالى ليس بعابث ولا ظالم.
وأما ثانيًا: فلقوله تعالى: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا﴾، ﴿ربنا
стр. 3062
ما خلقت هذا باطلًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وما الله يريد ظلمًا للعالمين﴾ وقوله: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾.
وأما ثالثًا: فلأن العبث والظلم صفتا نقص وهو على الله تعالى محال.
ورابعها: الاستدلال بكل ما في القرآن والأحاديث من النصوص الدالة على أنه تعالى رحيم رؤوف، وأن رحمته وسعت كل شيء، وأن الرسول كان رحمة للعالمين، وأنه كان هدى لهم، وأنه كان رؤوفًا رحيمًا بالمؤمنين وأنه لم يشرع ما فيه ضررهم، وأنه لم يرد بهم العسر بل يريد لهم العسر، ولم يشرع لهم ما فيه حرجهم، وأنه تعالى ما بعثه إلا بالحنيفية السمحة السهلة نحو قوله تعالى: ﴿إن ربك من بعدها لرؤوف رحيم﴾ وقوله: ﴿ربنا وسعت كل شيء رحمة﴾ وقوله: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ وقوله: ﴿بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ وقوله: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ وقوله: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ وقوله ﵇: (بعثت بالحنيفية السمحة) فهذه النصوص وأمثالها
стр. 3063
تدل على أن التكاليف بأسرها للمصالح فإن تكليف العمل بما لا فائدة فيه في غاية العسر والحرج والمشقة وليس فيه رأفة ورحمة به فيه أضرار.
وخامسها: أن الله تعالى خلق الإنسان للعبادة لقوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ والحكيم إذا أمر عبده بشيء فلابد أن يزيح عذره وعلته، ويسعى في تحصيل مصالحه، ودفع مضاره ليصير فارغ البال حسن الحال متمكنًا من الامتثال، لتجرده من الأشغال، فإذن كونه مكلفًا يقتضى ظن رعايته فيما يتعلق به حالًا ومآلًا، وتكليفه بما لا مصلحة له فيه ليس من رعايته في شيء فينا في كونه مكلفًا.
وسادسها: أنه تعالى خلق الإنسان مكرمًا مشرفًا قال الله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بنى آدم﴾ وتكليف المكرم بما لا فائدة فيه لا يلائم تكريمه بل ينافيه، وأما تكليفه بما فيه فائدته يلائم تكريمه، وأفعال الحكيم يجب أن يلائم بعضها بعضًا، فإذن كونه مكرمًا مشرفًا يقتضي ظن أنه لو كلف لم يكلف إلا بما فيه مصلحة.
فثبت بهذه الوجوه أن الأحكام مشروعة لمصالح العباد، ولكن ذلك إما بطريق الوجوب كما يقوله الفقهاء من أهل السنة بخلاف المتكلمين منهم فإنهم
стр. 3064
لم يقولوا بتعليل أحكامه وأفعاله تعالى بالمصالح لا بطريق الوجوب، ولا بطريق الجواز أصلًا وهو اللائق بأصولهم.
وثانيها: هو أن هذا الحكم مشتمل على هذه الجهة من المصلحة وهي ظاهرة؛ لأنا إنما نحكم بكون الحكم مشروعًا للمصلحة الفلانية إذا رأينا الحكم مشتملًا عليها.
وثالثها: هي أنا لما علمنا أن الحكم مشروع للمصلحة، وعلمنا أن الحكم الفلاني مشتمل على المصلحة الفلانية غلب على ظننا أنه إنما شرع لأجل تلك المصلحة ويدل عليه وجهان:
أحدهما: أن الحكم لا يجوز أن يكون مشروعًا لا لمصلحة لما تقدم فيكون مشروعًا لها، وهي إما المصلحة الظاهرة لنا، أو غيرها.
والثاني باطل؛ لأن الأصل عدم مصلحة/ (١٨٠/ أ) أخرى وعدم الإضافة إليها فيتعين الأول وهو المطلوب.
وثانيهما: أنا إذا اعتقدنا في ملك أنه لا يحكم إلا بمصلحته، ثم رأيناه قد حكم بحكم في محل معين يحصل منه مصلحة معينة، فإنه يغلب على ظننا أنه إنما حكم لأجل حصول تلك المصلحة، وإن أمكن أن يكون هناك مصلحة أخرى، وإذا كان كذلك في الشاهد وجب أن يكون بالنسبة إلى الغائب كذلك لوجود العلة بعينها في حق الغائب، فإن العلة لذلك الظن الغالب [ليس إلا حصول تينك المقدمتين بدليل الدوران فإن الظن الغالب] حاصل عند حصولهما وغير حاصل عند فقدهما، وهما حاصلتان في حق الغائب إذ الكلام فيه بعد أن ثبت أنه لا يحكم لا لمصلحة وأن هذه مصلحة، فثبت بهذا الدليل أن المناسبة مع الاقتران دليل العلية.
стр. 3065
وثانيهما: في بيان أن المناسبة دالة على العلية وإن لم نقل بوجوب تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه بالمصالح.
والدليل عليه هو: أنا لما تأملنا الشرائع وجدنا المصالح والأحكام مقترنين لا ينفك أحدهما عن الأخرى، وذلك يقتضى حصول غلبة الظن بحصول أحدهما عند حصول الأخرى؛ لأن وقوع الشيء مرارًا كثيرة على وجه مخصوص يقتضي ظن أنه لو وقع لما وقع إلا على ذلك الوجه المخصوص.
ألا ترى أن دوران الأفلاك، وطلوع الكواكب وغروبها، وبقائها على أوضاع مخصوصة غير واجب أن يكون كذلك على رأى المليين، مع أنه قد يجزم بأنه لا يقع إلا على ذلك الوجه المخصوص؛ لما أن الله تعالى أجرى عادته بإيقاع كل واحد منها على وجه مخصوص، وعلى هذا أيضًا الجزم بترتيب جميع المسببات على أسبابها مع أن ذلك ليس على سبيل الوجوب، لما عرف أن ترتبها عليها إنما هو بخلق الله تعالى، فثبت أن المناسبة تفيد ظن العلية وإن لم تعلل أفعال الله تعالى وأحكامه، وإذا ثبت أن المناسبة تفيد ظن العلية لزم أن يجب العمل به للأدلة التي تقدمت في أن العمل بالظن واجب.
فإن قيل: لا نسلم أن أفعال الله تعالى وأحكامه معللة بالمصالح ولا نسلم انعقاد الإجماع على ذلك، وكيف يدعى ذلك مع أن مذهب جماهير المتكلمين من أهل السنة أنه لا يجوز تعليل أفعال الله تعالى، فإن عندهم أن كل من فعل فعلًا لغرض سواء كان ذلك الغرض يعود إليه أو إلى الغير فإنه يكون حصوله بالنسبة إليه أولى، وإذا كان كذلك فيكون ناقصًا في نفسه مستكملًا بغيره، وهو في حق الله تعالى محال.
أما الوجه الأول وهو الاستدلال بكونه حكيمًا على ذلك فضعيف؛ وهذا
стр. 3066
لأنا لا نسلم أن الحكيم هو الذي يكون فعله لمصلحة بل هو الذي يكون فعله متقنًا محكمًا، والمراد من كون فعله محكمًا: أنه واقع على الترتيب العجيب، والتأليف اللطيف لا أنه مشتمل على المصلحة، أو هو الذي لا يصدر عنه ما لا ينبغي، وصدور ما لا ينبغي في حقه تعالى محال؛ لأن ذلك إنما يكون بالتصرف في ملك الغير أو التصرف في ملك نفسه بما لا يأمره الشارع به، وهما في حق الله تعالى غير متصورين.
وأما الوجه الثاني فضعيف أيضًا؛ إذ لا يلزم من إجماع الفقهاء عليه مع مخالفة المتكلمين لهم أن يكون مجمعًا عليه وحجة عليهم وعلى غيرهم من المخالفين؛ فإن هذه المسألة من مسائل الكلام لا من تفاريع الفقه حتى يستدل بإجماعهم على غيرهم.
وأما الوجه الثاني فالاعتراض عليه هو أن نقول: إن ترجيح أحد الجائزين على الآخر من غير مرجح إن جاز بالنسبة إلى القادر المختار فقد سقط الدليل، وإن لم يجز فحينئذ إما أن يقال: أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى أو مخلوقة لهم، وعلى التقديرين لا يمكن القول بتعليل أفعال الله بالمصالح.
أما على الأول، فلأن الكفر والمعاصي كلها حينئذ تكون واقعة بخلق الله تعالى، ومع القول بذلك لا يمكن تعليل أفعاله تعالى بالمصالح.
وأما على الثاني؛ فلأن العبد المتمكن من فعل المعصية وخلقها إن لم يكن متمكنًا من تركها، كان العبد مضطرًا إلى فعلها ثم ما به الاضطرار ليس منه. وإلا لكان متمكنًا من تركها بسبب ترك فعل ما به الاضطرار، ونحن نتكلم على خلاف هذا التقدير فيكون ما به الاضطرار من فعل الله تعالى، فيكون الله تعالى قد فعل شيئًا أوجب ذلك صدور المعصية من العبد ويمتنع عقلًا انفكاك العبد منه، ومع هذا لا يمكن القول بتعليل أفعال الله تعالى بالمصالح، وإن كان متمكنًا من تركها فرجحان فاعليته على تاركيته لابد وأن يكون لمرجح؛ لأنا نتكلم على تقدير أنه لا يجوز ترجيح أحد الجائزين على الآخر من غير
стр. 3067
مرجح وذلك المرجح لا يجوز أن يكون منه وإلا كان الكلام في فاعليته لذلك المرجح كما في الأول فلا يتسلسل بل ينتهي إلى مرجح من جهة الله تعالى بحسب الفعل عنده لما عرفت ذلك آنفًا، وحينئذ يلزم من أنه تعالى خلق في العبد شيئًا أوجب فعل المعصية ولا يتمكن من تركها، ومعه لا يصح القول بتعليل أفعال الله تعالى بالمصالح، فثبت أن على أحد التقديرين الدليل ساقط وعلى التقدير الثاني لا يمكن القول بتعليل أفعاله تعالى بالمصالح.
وأما الوجه الثالث: فلا نسلم أن الفعل الخالي عن المصلحة عبث وما الدليل عليه.
سلمناه لكن لا يلزم منه أن يكون الله تعالى عابثًا؛ وهذا لأن أساسي الله توقيفية فلا يجوز/ (١٨١/ أ) تسميته بذلك وإن صدر منه هذا النوع من الفعل، ولا نسلم أن بتقدير قصد إضرارهم يكون ظالمًا؛ وهذا لأن الظلم عبارة عن التصرف في ملك الغير وهو في حقه تعالى محال.
ثم ما ذكرتم معارض بوجوه:
أحدهما: ما تقدم اعتراضًا على الوجه الثاني فإنه يمكن أن يكون في المسألة دليلًا ابتداء.
وثانيها: أن تعليل أفعاله تعالى بالأغراض يقتضى نفى كونه فاعلًا مختارًا فكان باطلًا.
بيان الأول: [أن] عند ظهور حصول الغرض إن لم يتمكن من ترك ذلك الفعل فقد لزم أن يكون مضطرًا إلى فعله، ولا شك أن الاضطرار ينافي الاختيار، وإنن كان متمكنًا من تركه أيضًا فقد أمكن الفعل مرة والترك أخرى فرجحان الفاعلية على التاركية إن توقف على غرض آخر كان الكلام فيه كما
стр. 3068
في الأول ولزم التسلسل وهو محال، وإن لم يتوقف لم تكن فاعليته متوقفة على غرض وهو المطلوب.
وثالثها: أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى؛ إذ لو كانت مخلوقة لهم لوجب أن يكونوا عالمين بتفاصيلها لكنه ليس كذلك فيلزم أن لا تكون مخلوقة لهم، وبيان الملازمة وانتفاء اللازم مستقصى في الكلام.
ورابعها: أن الإمكان مصحح للمقدورية فمقدور العبد مقدور لله تعالى، وحينئذ يجب وقوعه بقدرة الله تعالى؛ إذ لا يجوز أن يقع بقدرة الله وبقدرة العبد؛ لأنه حينئذ يلزم الاستغناء عنها حالة الافتقار إليهما وهو محال، ولا أن لا يقع بهما، لأنه يلزم أن يقع بهما ولا بقدرة العبد لأنها ضعيفة، فإضافة الوقوع إلى القوى أقوى فيتعين أن تقع بقدرة الله تعالى.
وخامسها: لو قدر العبد على بعض الممكنات لقدر على كلها لما سبق أن المصحح للمقدروية إنما هو الإمكان وهو مشترك بين الكل لكن اللازم باطل فالملزوم مثله.
وسادسها: لو كانت أفعال الله تعالى معللة بالأغراض فتلك الأغراض إن كانت قديمة، لزم من قدمها قدم الفعل والمفعول، وإن كانت حادثة فإن توقف حدوثها على حدوث غرض آخر لزم التسلسل وإلا فهو المطلوب.
وسابعها: بعض ما تقدم وما يأتي من الأدلة الدالة على صحة تكليف ما لا يطاق، فإن كل ذلك ينفي القول بتعليل أفعال الله تعالى بالمصالح.
وثامنها: أن حكم الله تعالى قديم على ما تقدم تعريفه، والغرض حادث وإلا لزم القول بقديم آخر غير ذات الله تعالى وصفاته وهو باطل باتفاق المسلمين فلم يجز تعليله به وإلا لزم جواز تعليل القديم بالحادث وهو ممتنع.
وتاسعها: أن إحداث العالم في وقت مخصوص دون ما قبله أو بعده لا
стр. 3069
يجوز أن يكون لغرض ممكن إذ لا وجود لشيء من الممكنات قبل خلق العالم؛ إذ لو كان موجودًا لكان الشيء موجودًا قبل كونه موجودًا ضرورة أنه من جملة العالم وهو محال، وإذا كان كذلك فلا وقت ولا زمان إذ ذاك حتى يمكن أن يقال: أن الإيجاد في ذلك الوقت إنما كان لأجل كون ذلك الوقت منشأ للمصلحة، ولا واجب إذ الواجب لا يجوز أن يكون غرضًا من الفعل لأن الغرض معلول العلل الثلاثة في الوجود الخارجي والواجب لا يجوز أن يكون معلولًا.
وعاشرها: أن الحكم والمصالح متأخرة عن شرع الحكم والمتأخر عن الحكم لا تكون علة الحكم.
وحادي عشرها: أن كل حكمة تعرض ومصلحة تطلب فإن الله تعالى قادر على تحصيلها من غير وساطة الأحكام، فيكون توسيطها زيادة تعب وعناء على المكلف فيكون منفيًا لقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من خرج﴾ وبأمثاله من النصوص، وعبث أيضًا وهو أيضًا ممتنع الثبوت في حقه تعالى لما تقدم.
وثاني عشرها: أن الله تعالى خلق بعض الكفار فقيرًا شقيًا بحيث يكون في الدنيا من أول العمر إلى آخره في المحنة والتعب الشديد الذي يتمني معه الموت في كل لحظة، وهو في الآخرة في العقاب الأليم وفي العذاب المقيم أبد الآبدين ودهر الداهرين، ولا شك أن الله تعالى كان عالمًا في الأزل بأن خلقه إياه وتكليفه بالإيمان لم ينفعه شيئًا بل يصير ذلك سببًا لمحنته وبلائه وأن إبقاءه على العدم الأصلي خير له، ومع هذا كيف يمكن أن يقال أنه تعالى لا يفعل إلا ما فيه مصلحة للعباد.
وثالث عشرها: أنه تعالى خلق الخلق وركب فيهم الشهوة والغضب
стр. 3070
وسائر الصفات الذميمة، نحو الحقد والحسد حتى صدر منهم بسببها أنواع الفساد والشرور فيما يتعلق بهم وبغيرهم، مع أنه تعالى قادر على أن يخلقهم بحيث لا يصدر عنهم شيء من ذلك كما إذا خلقهم ابتداء في الجنة وأغناهم عن القبائح الذميمة بالمشتهيات الحسية، وما يقال: بأنه إنما فعل ذلك؛ لأن يعطيهم العوض، ولأن يكون لطفًا لمكلف آخر فضعيف؛ لأنه لو أعطى ما هو عوض ابتداء من غير تعب ونصب لكان أشد رعاية لمصلحتهم وأكثر إحسانًا إليهم، وتعذيب الحيوان المخصوص لأجل أن يكون لطفًا لآخر لا يرضى به عاقل.
ورابع عشرها: أن أفعاله وأحكامه تعالى لو كانت معللة بالمصالح فإما أن يكون بحيث يمكن انفكاكها عنها أو لا يمكن، والقسمان باطلان/ (١٨٢/ أ) فبطل القول بالمقارنة، أما الأول؛ فلأنه لو فرض الفعل خاليًا عنها لوجب أن يكون الفعل عبثًا؛ لأن كل فعل ثبت تعليله بالمصلحة فإذا فرض خاليًا عنها فإنه يوصف بذلك كما [في] فعل العبد بخلاف ما إذا كان فعله لا للمصلحة بل بمحض الإرداة والاختيار فإنه إذ ذاك يمنع وصفه بذلك.
وأما الثاني، فلأنه يقتضي أن يكون الباري تعالى مضطرًا في فعله وأن لا يكون متفضلًا على خلقه بتحصيل مقاصدهم ومآربهم وكل ذلك خلاف النصوص وإجماع السلف، ولأن الفقهاء مساعدون على فساد هذا القسم.
وخامس عشرها: لو كانت معللة بالمصالح فإما أن يكون مع وجوب التعليل وهو باطل؛ لأنه لو ترك ذلك لتوجه إليه السؤال؛ لأن كل من ترك ما وجب عليه فإنه يتوجه عليه أن يقال: لم تركته بالاستقراء لكن ذلك باطل؛ لقوله تعالى: ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ أولا مع وجوب التعليل، وهو أيضًا باطل؛ لأنه حينئذ يمكن خلو الفعل عن المصلحة ويعود
стр. 3071
ما تقدم من المحذور هو كون الفعل عبثًا.
وسادس عشرها: أنه تعالى مكن العبيد من فعل المعاصي وتركهم يرتكبون الفواحش مع علمه تعالى بذلك وقدرته على منعهم من ذلك، وذلك ينفي تعليل أفعاله تعالى بالمصالح.
وسابع عشرها: أن متعلق التكليف في النهي [إما نفس أن لا يفعل، أو فعل الضد، وعلى التقديرين يلزم أن يكون التكليف بمتعلق النهي] تكليف ما لا يطاق.
أما على التقدير الأول فلأن نفس أن لا يفعل نفي محض، وعدم صرف والقدرة صفة مؤثرة فالجمع بينهما متناقض، ولأن هذا المفهوم مستمر من الأزل إلى وقت التكليف فتأثير القدرة فيه تأثير في تحصيل الحاصل وهو محال.
وأما على التقدير الثاني فلأن المكلف قد يكون غافلًا عن ضد المنهي عنه حال النهي فيكون التكليف به إذ ذاك تكليف بالمغفول عنه وهو تكليف ما لا يطاق.
وثامن عشرها: لو كانت أفعال الله تعالى وأحكامه معللة بالمصالح لوجب أن لا يوجد شر وفساد في العالم، لكن الثاني باطل فالمقدم مثله، بيان الملازمة هو: أنه إن لم يكن لغير الله تعالى فعل في العالم فظاهر، لأنه حينئذ جميع ما يحصل في العالم إنما هو بفعل الله وفعله إنما هو للمصلحة فوجب ترتبها عليه فيلزم أن لا يحصل شر وفساد، وإن كان لغيره تعالى فعل فلا شك أن ذلك الفعل فلا يحصل إلا بأقدار الله تعالى لذلك الغير عليه، واقداره إنما هو فعله فهو لمصلحة فوجب أن تترتب المصلحة عليه، ولا يترتب عليه شر وفساد وإلا لم يكن فعله لمحض المصلحة بل لها وللمفسدة المساوية أو
стр. 3072
الغالبة؛ ضرورة أنه ليس الغالب في العالم إنما هو المصلحة بل هو الشر والفساد، وحينئذ يلزم أن لا يكون فعله معللًا بالمصلحة ضرورة أن مجموع تلك المصلحة والمفسدة ليست مصلحة بل إما عبث أو مفسدة.
فإن قلت: اقداره تعالى إياه إنما هو للمصلحة وما يترتب عليه من المفاسد فإنما هو بسوء اختيار المكلف.
قلت: فاختيار المكلف إن كان من فعله تعالى عاد المحذور المذكور، وإن كان من فعل العبد فالكلام في اقداره عليه كما في الأول، فيلزم إما التسلسل وهو محال، أو لزوم الشر والفساد من فعله تعالى.
وتاسع عشرها: لو كانت أفعاله تعالى معللة بالمصالح لما أمات الأنبياء والخلفاء الراشدين، وأنظر إبليس وسلطه على بني آدم فيأتيهم من حيث لا يرونه، ولما ملك الملوك الجبابرة الظلمة وسلطهم على الضعفاء والصالحين، ولما أوجب تخليد أهل النار؛ إذ لا مصلحة في شيء من ذلك، أو وإن كان فيه مصلحة لكنها مرجوحة بالنسبة إلى ما فيه من المفسدة والعقوبة.
والعشرون: أن التكليف بمعرفة وجود الصانع متوجه نحو المكلف وهو إن كان حال العلم به فيلزم تحصيل الحاصل وهو محال، أو حال عدم العلم به وهو أيضًا محال؛ لأن في تلك الحالة يستحيل أن يعرف تكليفه إياه؛ لأن العلم بذلك يستدعى العلم بالمكلف فحالة الجهل به يستحيل العلم بذلك، وإذا استحال أن يعرف تكليفه إياه كان التكليف إليه متوجهًا إليه حالة الجهل به وإنه تكليف ما لا يطاق. فثبت بهذه الوجوه أن أفعال الله تعالى وأحكامه غير معللة بالمصالح، وحينئذ لا يغلب على الظن كون الأحكام مشروعة للمصالح وإن رأيناها مقترنة معها.
стр. 3073
وأما الكلام على الدليل على المقدمة الثالثة فهو أن الدليل الأول مبني على أن استحصاب الحال حجة وسيأتي الكلام فيه أيضًا.
سلمنا حجيته في الجملة لكن لا نسلم أن الموجب لذلك الظن ليس إلا تينك المقدمتين بل هما مع ما نعلمه من أمرين آخرين من الإنسان وهما كون الإنسان بطبعه يميل إلى جلب المصالح ودفع المضار وهذا المعني غير موجود في حق الله تعالى؛ فإن الله تعالى منزه عن ذلك وكونه يراعي النوع المخصص من الحاجة، وليس المطلوب دفع عموم الحاجة حيث كان دفع الحاجة مطلوبًا وإلا لاندفعت الحاجات كلها، بل دفع الحاجة الخاصة، فلا جرم عند العلم بذلك يحصل الظن/ (١٨٣/ أ) بأن الإنسان إنما فعل الفعل الفلاني لأجل كذا، وليس هذا النوع من العلم حاصلًا من جهة الله، فلا جرم لم يجب حصول ذلك الظن بل المعلوم منه تعالى خلافه؛ بدليل اختلاف أفعاله وأحكامه بالنسبة إلى الأزمان والأشخاص.
سلمنا أن ما ذكرتم يدل على صحة قولكم لكنه معارض بوجوه:
أحدهما: أن الحكم لو كان معللًا فإما أن يكون معللًا بالحكمة وهو باطل؛ لأن الحكمة غير مضبوطة فلا يجوز ربط الأحكام بها، أو بالوصف وهو أيضًا باطل.
أما أولًا: فلأن الوصف إنما يكون علة لاشتماله على الحكمة بدليل أنه لو لم يتضمنها لم يجز جعله علة، ولما بطل أن تكون الحكمة علة بطل أن يكون متضمنها لأجلها يكون علة.
وأما ثانيًا: فلأن الحكمة حينئذ تكون على علته فيعود ما تقدم من المحذور.
وثانيها: أن أفعال الله تعالى وأحكامه غير معللة بدفع حاجة العبيد؛ إذ
стр. 3074
لو كانت معللة به لاندفعت الحاجات بأسرها؛ لأن الحاجات كلها مشتركة في كونها حاجة ومتباينة بخصوصياتها، وتلك الخصوصيات يجب أن لا تكون حاجة وإلا لما حصل بها الامتياز، كما أنها مندرجة تحت الحاجة المشتركة بين الكل حينئذ، فإذا ثبت أن الأحكام شرعت لدفع الحاجة وثبت أن الحاجات كلها مشتركة في كونها حاجة لزم دفع الحاجات كلها لكنها غير مندفعة بأسرها وهو ظاهر، فبطل كونها معللة به.
وثالثها: أن تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه يقتضي توقيف المقتضي على الشرط أو تخلف الحكم عنه لمانع كلاهما على خلاف الأصل فالتعليل بدفع الحاجة على خلاف الأصل.
بيان الملازمة: أن أحكام الشرع من قبلنا كانت حسنة في تلك الشرائع؛ ولذلك كانت معمولة بها ثم صارت قبيحة في زمان شريعتنا؛ ولذلك حسن نسخها، ولا يجوز أن يكون ذلك من مقتضيات ماهية ذلك الفعل من حيث هو؛ لأن ماهية الفعل الواحد لا يقتضي حكمين مختلفين بحسب ماهيته، بل ذلك لأن اقتضاءه لذلك الحكم كان مشروطًا بشرط لم يوجد في زمننا، أو لأنه وجد في زماننا ما يمنعه من اقتضائه، وإنما كان يلزم أحد ما ذكرنا من الأمرين.
ورابعها: لو كانت الأحكام مشروعة لتحصيل المصالح لحصلت المصالح قطعًا ضرورة أن الحكيم القادر لا يسلك ما يحتمل أن لا يؤدي إلى المقصود مع قدرته على سلوك ما يؤدي إليه جزمًا لكن المصالح غير حاصلة قطعًا بدليل أن الزنا والسرقة وغير ذلك من الأحكام المشروعة لمصالحها قد تتخلف عنها، ولو كانت حاصلة على وجه القطع لما تخلفت في شيء من الصور، ولما تخلفت دل على أنها لم تشرع لها.
стр. 3075
الجواب: اعلم أن ما ذكرتم من الاعتراضات والمعارضات وإن كان قويًا أمكن الجواب عن بعضه، لكنه بأسره وارد على الدليل الأول دون الثاني واعتمادنا في إثبات هذا المطلوب إنما هو على الدليل الثاني، ولا يرد شيء منها [عليه] فلا حاجة إلى تكلف الأجوبة عن تلك الاعتراضات والمعارضات.
وأما الجواب عن المعارضة الأولى من معارضات الحكم فمن وجهين:
أحدهما: أنا لا نسلم أن الحكمة غير منضبطة بل قد تكون منضبطة وبها يجوز التعليل عند بعضهم.
سلمناه لكن لا نسلم أن الحكمة إذا لم تصلح للعلية لم يكن الوصف المشتمل عليها يصلح للعلية؛ وهذا لأن عدم صلاحيتها للعلية إنما هي لكونها غير مضبوطة، وهذا المعني زائل عندما تكون الحكمة متضمن الوصف فلا يلزم منه عدم صلاحية الوصف للعلية.
قوله في الوجه الثاني: (إن الحكمة علة لعلية الوصف فيعود المحذور المذكور).
قلنا: نعم لكن عندما تكون متضمن الوصف وحينئذ يلزم المحذور المذكور
وثانيهما: النقض بأفعالنا وفيه نظر.
وعن الثانية: النقض بأفعالنا، وأيضًا: فإن قولنا: الحكم معلل بدفع الحاجة لا نعني به ما صدق عليه أنه حاجة بل نعني به حاجة مخصوصة تختص بكل باب ونوع بل بمسألة بخلاف مطلق الحاجة فإنه مشترك بين الكل فلا يلزم اندفاع الحاجات بأسرها.
وعن الثالثة: النقص بأفعالنا، وأيضًا: فإنه مبنى على تحسين الفعل وتقبيحه وقد مضى إبطالهما.
стр. 3076
وعن الرابعة: منع أنه غير حاصل قطعًا بل هو حاصل قطعًا وذلك لأنه ليس المقصود من شرع الحكم ترتب الحكمة عليه في كل صورة من صوره بل تكثير ذلك النوع من المصلحة أو تقليل ذلك النوع من المفسدة التي يترتب عليه، وهو حاصل قطعًا.
وأيضًا: فإنه يجوز أن يكون المقصود من شرع الحكم هو كون تلك الحكمة والمصلحة بحيث تترتب على ذلك الحكم ظاهرًا ولا شك في أن هذا مصلحة وهو حاصل قطعًا.
стр. 3077
......................................................................................
стр. 3078
الفصل الثالث
стр. 3079
الفصل الثالث
في قياس الشبه .
وفيه مسائل:
المسألة الأولى
في تعريف ماهيته ، وذكروا له حدودًا:
أحدها: أنه عبارة عن إلحاق الفرع المتردد بين أصلين لمشابهته بإحداهما لمشابهة له في أكثر صفات مناط الحكم، وهو كقياس العبد على الحر في وجوب كمال قيمته بقطع الأطراف التي يوجب قطعها في الحر كمال الدية من حيث إنه يشبه الحر في كونه آدميًا مكلفًا/ (١٨٤/ أ) فاهمًا للخطاب مثابًا ومعاقبًا، وهو إن شابه غيره من الحيوان من حيث إنه مملوك يباع ويشتري، فكان مقتضاه أن يجب أرش ما نقص بالغة ما بلغ لكن مشابهته للحر أكثر، فإلحاقه به بكثرة الشبه [قياس الشبه].
ولهذا يسميه الشافعي- ﵁: "قياس غلبة الأشباه" وهو غير مانع؛ لأنه يدخل تحته ما ليس منه وهو بعض أنواع القياس المناسب، وهو ما يكون مشابهته للأصلين بمناسب، ويكون مشابهته لأحدهما في أكثر الصفات مع أن المناسب قسيم الشبه.
وأيضًا: اعتبار كثرة المشابهة مشعر بأن ذلك من باب ترجيح أحد
стр. 3080
القياسين على الآخر وهو غير داخل في ماهية القياس.
ومنهم من قال: إنه عبارة عما عرف مناط الحكم فيه قطعًا إلا أنه يحتاج إلى النظر في تحققه في آحاد الصور.
وهو كطلب المثل في جزاء الصيد؛ فإن وجوب المثل معلوم قطعًا بالنص وغيره، لكن تحققه في آحاد الحيوانات يحتاج إلى الاجتهاد.
وهو فاسد قطعًا؛ لأن هذا النوع من الاجتهاد معلوم وقوع التعبد به، واعترف به أكثر منكري القياس وهو مسمي (بتحقيق المناط) على ما تقدم ذكره في صدر القياس، وقياس الشبه ليس كذلك فكيف يكون هو؟
وأيضًا: فإن النظر في قياس الشبه في أصل العلة واستنباطها وتحققها، والنظر في تحقق المناط إنما هو في تحققها فقط؛ إذ العلة فيه معلومة بالنص أو الإجماع، فكيف يكون أحدهما الآخر.
وأيضًا النظر فيما ذكر من المثال [من] تحقيق المناط إنما هو في الأشبه؛ وذلك لأن النعم لا تماثل الصيد فيكون محمولًا على الأشبه بالمثل، بخلاف قياس الشبه فإن النظر فيه في أصل الشبه الذي هو مناط الحكم.
وقيل ما اجتمع فيه مناطان مختلفان لا على سبيل الكمال، إلا أن أحدهما أغلب من الآخر، فالحكم بالأغلب حكم لغلبة الأشباه.
وهو كعقد الخلع والكتابة فإن فيهما مشابهة المعاوضات والتعليقات فإلحاقهما بالأغلب قياس غلبة الأشباه.
стр. 3081
وهو أيضًا غير مانع؛ لأنه يشمل المناسب وغيره؛ لأن الذي فيه المناطان المختلفان لا على سبيل الكمال أعم من أن يكون ذلك المناط مناسبًا أو غير مناسب.
وأيضًا فإن إلحاقه بالغالب غير خارج عن التعليل بالمناسب.
وقال القاضي أبو بكر- ﵀: الوصف إما أن يكون مناسبًا للحكم بذاته وإما أن لا يناسبه بذاته، لكنه يكون مستلزمًا لما يناسبه بذاته وإما لا يناسبه بذاته ولا يستلزم ما يناسبه، والأول المناسب.
والثاني الشبه، والثالث الطرد.
وهو أيضًا ضعيف؛ لأنه غير مانع إذ يدخل تحته قياس الدلالة على ما ستعرفه.
وقيل: الوصف إذا لم يناسب الحكم لكن عرف تأثير جنسه القريب [في الجنس القريب] لذلك الحكم هو الشبه لأنه من حيث إنه غير مناسب يظن أنه غير معتبر، ومن حيث إنه عرف تأثير جنسه القريب في الجنس القريب للحكم مع أن غيره من الأوصاف ليس كذلك يظن أنه أولى بالاعتبار، فتردد بين أن يكون معتبرًا، وبين أن لا يكون معتبرًا، لكن اعتباره أغلب ولعله السبب في تسميته بقياس غلبة الأشباه كما نقلناه عن الشافعي- ﵁.
стр. 3082
وقيل: ما توهم المناسبة من غير إطلاع عليها بعد البحث التام ممن هو من أهل الإطلاع عليها.
وتقريره: أن الوصف المعلل به لا يخلو: إما أن تظهر فيه المناسبة، أو لا تظهر فالأول: القياس المناسب، والثاني لا يخلو: إما أن يعهد من الشارع الالتفات إليه في شيء من الأحكام، أو لم يعهد، والأول هو الشبه، والثاني الطرد، فهو من حيث [إنه لم يوقف على مناسبته بعد البحث التام ربما يجزم بعدم مناسبته] ومن حيث إنه يعهد من الشارع الالتفات إليه يوجب التوقف عن الجزم بعدم مناسبته، فهو والمناسب يشتركان في كون كل واحد منهما غير مجزوم [بعدم مناسبته وهو والطرد يشتركان في كون كل واحد غير مجزوم] بالمناسبة، فهو مرتبة بين المناسب والطرد وهو دون المناسب وفوق الطرد، وفيه شبه من كل منهما ولعله السبب في تسميته قياس الشبه أو غلبة الأشباه كما سبق.
مثاله: قول الشافعي في الاستدلال في مسألة إزالة النجاسة طهارة تراد لأجل الصلاة [فلا تجوز بغير الماء كطهارة الحدث فإن الجامع هو كون كل واحد منهما طهارة] لأجل الصلاة ومناسبتها لتعين الماء فيها غير ظاهرة بعد توغل البحث عنه لكن عهد التفات الشارع إليها في بعض الأحكام كمس المصحف، والطواف، وذلك يوهم اشتمالها على المناسبة.
واعلم أن هذا وما ذكرناه قبله أقرب ما قيل في تعريف قياس الشبه.
стр. 3083
المسألة الثانية
في إقامة الدلالة على أنه حجة إذا اقترن به الحكم .
والخلاف فيه مع القاضي أبي بكر وغيره.
لنا: أنه يفيد ظن العلية فوجب أن يكون حجة؛ وإنما قلنا: إنه يفيد ظن العلية؛ لأن الحكم إذا كان ثابتًا في محل ولم يعلم هناك وصف مناسب بل علم حصول الوصف التشبهي على أحد الوجوه الثلاثة المذكورة في تفسيره أخيرًا/ (١٨٥/ أ) مع أوصاف أخر طردية، فإما أن يقال:
إن الحكم غير معلل بمصلحة أصلًا، وهو باطل لما تقدم أو هو معلل بمصلحة وهو الحق، وحينئذ إما أن يقال: تلك المصلحة إما أن توجد في ضمن الوصف الشبهي أو في ضمن الوصف الطردي؛ إذ لا يعلم هناك وصف
стр. 3084
مناسب مستقل بعد البحث التام عنه فلم يجز إثباتها في ضمنه؛ لانعقاد الإجماع على أن إثبات الحكم الشرعي لا يجوز باحتمال وجود مدرك له بل لابد وأن يكون لمدرك معلوم، ولو جاز مثل ذلك لكن لا شك في أنه على خلاف الأصل؛ إذ الأصل [عدم] وجود وصف آخر هناك غير ما علم لكن الثاني باطل.
أما أولًا: فبالإجماع؛ لأن من لم يجوز التعليل بالشبه لم يجوز التعليل بالطرد، ومن جوزهما لم يجوز إحالة الحكم إلى الطرد مع وجود الشبه، وإحالة الحكم إلى الطرد مع وجود الشبه قول خلاف الإجماع.
وأما ثانيًا: فلأن الشبه إما مستلزم للمناسبة على ما ذكره القاضي أو موهم له على ما ذكرناه أخيرًا، أو هو عبارة عن ما عرف تأثير جنسه القريب في الجنس القريب للحكم على ما ذكرناه في التعريف الذي قبل الأخير وشيء من ذلك غير حاصل في الوصف الطردي فكان ظن كون الوصف الشبهي يتضمن تلك المصلحة أكثر، فلم يجز استناده إلى الوصف الطردي؛ إذ العمل بالظن المرجوح مع الظن الراجح غير جائز.
وأما أنه إذا أفاد ظن العلية وجب العمل به، فلما تقدم من الأدلة أن العلم بالظن واجب.
احتجوا بوجوه:
أحدها: أن الدليل يدل على عدم جواز التمسك بالعلة المظنونة على ما تقدم تقريره، ترك العلم به في العلة المناسبة لزيادة الظن فوجب أن يبقي ماعداها على الأصل.
стр. 3085
وجوابه: ما سبق غير مرة.
وثانيها: أن الوصف الذي سميتموه شبهًا إن كان مناسبًا فهو مقبول بالاتفاق، وإن كان غير مناسب فهو الطرد المردود بالاتفاق.
وجوابه: أنا لا نسلم أن غير المناسب طرد مردود بالاتفاق؛ وهذا لأن غير المناسب ينقسم عندنا إلى شبه، وطرد، فالطرد مردود بالاتفاق، فلم قلت أن الشبه مردود وهذا أول المسألة؟
وثالثها: أن المعتمد في إثبات القياس عمل الصحابة ولم يثبت عنهم أنهم تمسكوا بالشبه.
وجوابه: أنه لا يلزم من نفي مدرك مخصوص نفي المدرك مطلقًا [ولا يلزم من عدم عمل الصحابة لهذا النوع من القياس عدم غيره من المدارك] فلا يلزم من عدم عملهم به عدم جواز العمل به لجواز أن يدل عليه مدرك آخر كما ذكرناه وغيره.
следующие страницы →