← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

يقدح في عليته فهو أن العلة إذا وجدت بتمامها بحيث لا يفتقد شيء مما يتوقف عليه صدور الحكم عنها، ولم يوجب الحكم في بعض الصور وأوجبته في البعض الآخر لزم ترجيح أحد المتساويين على الآخر وهو محال، وأيضًا المناسبة مع الاقتران وإن دل على أن الوصف علة الحكم ظاهرًا لكن التخلف بدون ظهور ما يصلح أن يكون مستندًا للعدم أيضًا يدل على عدم العلية ظاهرًا بالاستقراء، وحينئذ يتعارض الظاهران ووجب الرجوع إلى ما كان عليه الوصف في نفسه من قبل وهو عدم العلية. احتجوا بوجهين: أحدهما: أن العلل الشرعية أمارات على الأحكام، فوجودها في بعض الصور دون حكمها وإن كان من غير مانع لا يقدح في كونها أمارات على الأحكام؛ إذ ليس من شرط الأمارة أن يصحبها الحكم ولا يتخلف عنها أصلًا، وإلا لكان دليلًا قاطعًا لا أمارة ولهذا تخلف المطر في بعض الأوقات عن الغيم الرطب في الشتاء لا يقدح في كونه أمارة على نزول المطر ونحوه من النظائر كثير. وجوابه: أنا لا نسلم أن تخلف الحكم عن الأمارة في بعض الصور لا يقدح في كونها أمارة. قوله: لو صحبها الحكم في كل الصور لم تكن أمارة بل قاطعًا. قلنا: لا نسلم؛ وهذا لأن القاطع هو الذي لا يجوز أن ينفك الحكم عنه [ولو لمانع لا أنه الذي لا ينفك الحكم عنه]؛ فإن الدليل الظني قد لا ينفك الحكم عنه وإن كان يجوز أن ينفك عنه لمانع، وما ذكره من المثال فأنا لا نسلم أنه لا يقدح ذلك في غلبة الظن في كونه أمارة على نزول المطر، وإنما

стр. 3152

يقدح ذلك فيه وفي سائر الأمارات إذا غلب على ظنه حصول ما يلازم انتفاء الحكم في صورة التخلف فأما إذا لم يحصل ذلك فلا نسلم أنه لا يقدح ذلك فيه. ثم الذي يؤيد ما ذكرنا من الاحتمال هو أن الدليل الذي دل على كون الأمارة أمارة للحكم الفلاني أما أن اعتبر في كونها أمارة صورًا مخصوصة وصفة مخصوصة، وهيئة مخصوصة، أو لم يعتبر ذلك بل دل على أنها أمارة في سائر الصور كيف ما حصلت فإن كان الأول لم يكن تخلف الحكم في غير تلك الصور، وفي غير تلك الصفة والهيئة تخلف الحكم عن الأمارة بل عن بعضها؛ وفي غير تلك الصفة والهيئة تخلف الحكم عن الأمارة بل عن بعضها؛ لأن تلك الخصوصيات معتبرة في ماهية تلك الأمارة حينئذ وإن كان الثاني امتنع التخلف وإلا لزم الترك بمقتضي دليل الأمارة وهو باطل. وثانيهما: أن العلة المستنبطة أمارة فجاز تخصيصها كالمنصوصة. وجوابه: منع حكم الأصل من غير مانع واستثناء وأن/ (٢٠١/ أ) قاس عليهما فالفرق واضح.

стр. 3153

المسألة الثانية القائلون بأن تخلف الحكم عن الوصف لمانع أو لغير مانع لا يقدح في عليته اتفقوا على أن تخلفه كذلك عن حكمة الوصف لا يقدح في عليته. فأما القائلون بأن تخلفه عن الوصف يقدح في عليته اختلفوا في أن تخلفه عن حكمه المقصودة هل يقدح في عليته أم لا ؟ فذهب بعضهم إلى أنه يقدح محتجًا بأن الحكمة هي المقصودة من شرع الحكم دون الوصف المشتمل عليها فإذا كان تخلف الحكم [عن الوصف قادحًا في عليته مع أنه ليس بمقصود بالذات فلأن يكون تخلف الحكم] عن المقصود بالذات منه قادحًا في عليته بالطريق الأولى. فإن قلت: لو تحقق التخلف عن الحكمة المقصودة في ضمن الوصف لزم ما ذكرتم، فأما إذا لم يتحقق ذلك وهو الغالب فإن الغالب أن الحكمة غير منضبطة فيحتمل أن يكون التخلف عن حكمه هي أنقص مقدارًا من مقدار الحكمة المقصودة من الوصف، فحينئذ لا يكون التخلف حاصلًا عن الحكمة المقصودة في ضمن الوصف فلا يلزم ما ذكرتم. قلت: مقدار الحكمة المتخلف عنها عن كان مثل مقدار الحكمة المقصودة من الوصف أو زائدًا عليه لزم ما ذكرنا، وإلا لم يلزم كما ذكرتم لكن وقوع احتمال من احتمالين أغلب من وقوع احتمال بعينه فيغلب على الظن توجه النقض وبطلان عليته، والعمل بغلبة الظن واجب على ما تقدم تقريره فيلزم ابطال عليته. ولقائل أن يقول: هذا إنما يلزم أن لو كانت الحكمة التي تخلف الحكم عنها من نوع الحكمة المقصودة من الوصف، فأما إذا لم يكن كذلك كما في المسألة

стр. 3154

المشهورة التي تذكر مثالًا لهذه المسألة وهي: أن الحنفي إذا قاس العاصي بسفره في إثبات الرخصة له على العاصي في سفره بجامع المشقة التي في السفر وبين مناسبتها للترخص، فنوقض بالحمال وأرباب الصنائع الشاقة في الحضر لم يلزم ذلك؛ لأن المشقتين نوعان مختلفان، ومع اختلاف النوع لا يمكن اعتبار المقدار، نعم لو تحقق مشقة السفر في صورة من الصور مع عدم الترخص توجه البحث المذكور. وذهب الأكثرون إلى أن ذلك لا يقدح محتجين بأن علية الوصف قد تحققت وفاقًا وبشهادة المناسبة والاقتران، وتخلفه عن مقدار الحكمة المقصودة من الوصف مشكوك فيه؛ إذ يحتمل أن تكون الحكمة التي تخلف الحكم عنها نوعًا آخر كما تقدم، أو وأن كانا نوعًا واحدًا لكن يحتمل أن يكون مقدار الحكمة التي تخلف الحكم عنها أقل من مقدار التي جعل لأجلها الوصف علة، فيصير احتمالي الخصم معارضين بهذين الاحتمالين فحينئذ يقع الشك في تخلفه عن ذلك المقدار، وإذا كان كذلك وجب اعتقاد بقائه علة ابقاء لما كان على ما كان. وأيضًا: لو كان تخلف الحكم عن الحكمة يقدح في علية الوصف لكان تخلف الحكم عن الوصف يقدح في علية الحكمة لو جوزنا التعليل بها لتساويهما في ذلك لكن اللازم باطل لجواز أن يكون الوصف مظنة الحكمة غير واجب الاشتمال عليها فيمكن عراه عنها، فقد لا يلزمه الحكم، ومعلوم أن خلوه عن الحكم بهذا المعني لا يقدح في علية الحكمة فإنها علة بالذات على التحقيق فأينما تحققت تحقق معها فلا يتصور خلوها عن الحكم. وفيهما نظر لا يخفي على المتأمل، والحق في ذلك أن يقال: إن الحكمتين

стр. 3155

أعني ما تخلف الحكم عنها، وما اشتمل عليه الوصف إن كانتا من نوع واحد ولم يظهر نقصان مقدار التخلف عنها عن مقدار التي في ضمن الوصف قدح [في عليته] وإلا فلا.

стр. 3156

المسألة الثالثة القائلون بتخصيص العلة اختلفوا في أنه هل يجب على المستدل ابتداء التعرض لنفي المانع، أم لا ؟ فذهب الأكثرون منهم إلى أنه لا يجب ذلك وهو الحق؛ لأن المستدل مطالب بذكر الدليل فقط، وليس ذلك إلا الوصف أو حكمته. وأما نفي المانع فليس له مدخل في الإيجاب والتأثير، فلم يكن منه في شيء بل هو من قبيل نفي المعارض فلم يجب ذكره كما في نفي سائر المعارض، ولأنا لو أوجبنا ذكره في ابتداء الاستدلال فأما أن يجب نفي المانع المتفق عليه وهو باطل. أما أولًا: فلأنه لا فائدة فيه، إذ من المعلوم أنه منفي عن الصورة التي وقع النزاع فيها؛ إذ يستحيل وقوع النزاع مع تحقق المانع المتفق عليه. وأما ثانيًا: فلأنه لا يحصل به الغرض أذ لا يلزم من نفيه ثبوت الحكم، لاحتمال أن يكون له مانع آخر، أو يجب نفي جميع الموانع وهو أيضًا باطل، أما أولًا فبالاتفاق. وأما ثالثًا: فلأن ايجابه ضرر وعسر؛ إذ لا يجوز له ذلك إلا بعد أن يحصل له غلبة الظن بذلك بعد الاستقراء والتفتيش التام، ولا يكفي في ذلك التمسك بالأصل من غير فحس كما في حق المجتهد، ولما بطل القسمان بطل القول بوجوب التعرض للنفي. ومنهم من أوجب ذلك محتجًا بأن المستدل مطالب بما يكون معرفًا للحكم، والمعرف للحكم ليس ذلك الوصف فقط بل هو مع عدم المانع وإذا كان كذلك وجب ذكرهما معًا، مقتضي هذا الدليل وجوب الغرض لنفي كل الموانع في الابتداء إلا أن إيجاب ذلك لما يفضي إلى العسر والمشقة كما ذكرتم لم يكن القول به لمعارضة الأدلة النافية للعسر والحرج إياه فأما ذكر المانع المتفق عليه لا يفضي إلى ذلك فوجب ذكره. وجوابه: النقض بنفي مخصص العام ونفي غيره من المعارض.

стр. 3157

المسألة الرابعة القائلون بعدم تخصيص العلة اختلفوا في النقض إذا كان واردًا على سبيل الاستثناء . فمنهم من قال: أنه لا يقدح في العلة وإن كانت العلة مظنونة وإنما يعلم وروده على سبيل الاستثناء إذا كان واردًا على جميع المذاهب وحينئذ يصير كالوارد على العلة المعلومة. ومنهم من قال: أنه يقدح فيها [ثم] في وجوبه الاحتراز عنه في اللفظ خلاف، والأظهر الوجوب ليكون الكلام مضبوطًا غير منتشر فإنه إذا ذكره مطلقًا أورد عليه تلك الصورة نقضًا فيحتاج إلى الجواب عنه، فأما إذا ذكره في أول الأمر سقط عنه هذه الكلفة. ومنهم من لم يوجب ذكره كما في المانع، ولأنه خارج عن نفس العلة وإلا لم يتصور فيه خلاف إذ لا خلاف في أنه يجب ذكر جميع أجزاء العلة فلم يجب ذكره كغيره من الأمور الأجنبية مما يتوقف عليه الحكم وما لا يتوقف عليه، ثم النقض الوارد على سبيل الاستثناء ليس يجب أن يكون معقول المعني حتى تكون المسألة السابقة تغني عن ذكر هذه المسألة.

стр. 3158

المسألة الخامسة في الكسر وهو نقض يرد على بعض أوصاف العلة . وهو كقولنا في مسألة اشتراط النية في الوضوء: طهارة عن حدث فوجب أن يشترط فيه النية كالتيمم. فيقوله الخصم: هذا منقوض بإزالة النجاسة فإنها طهارة عن نجاسة ولا يشترط فيها النية ولا أثر لقيد كونه حدثًا. وكقولنا في صلاة الخوف: صلاة يجب قضاؤها فيجب أداؤها قياسًا على صلاة الأمن. فيقول: هذا منقوض بصوم الحائض فإنه عبادة يجب قضاؤها ولا يجب أداؤها، ولا أثر لخصوصية كون العبادة صلاة. وهو مردود غير مقبول عند جماهير المحققين إلا إذا بين الخصم الغاء القيد الذي وقع به الاحتراز عن النقض، وأنه لا تأثير له في الحكم لا باعتبار انفراده، ولا باعتبار ضمه إلى الوصف الآخر فإنه حينئذ يكون مقبولًا؛ لأن الخصم إن بقي مستمرًا على التعليل بالمجموع كان ذلك قدحًا في تمام العلة بعد التأثير وإن علل بالجزء وحده كان ذلك قدحًا في تمام العلة بالنقض. لا يقال: إنه وإن لم يكن للجزء تأثير في الحكم المعلل بالمجموع الحاصل من ذلك الوصف وغيره لكن لم لا يجوز أن يدخل في التعليل لكن يحترز به عن النقض، ولا يلزم من عدم مناسبته وتأثيره في الحكم أن لا يدخل في التعليل،

стр. 3159

لأنا نقول: إدخاله في التعليل لفائدة الاحتراز به متوقف على كونه جزء العلة، فإن بتقدير أن لا يكون جزء العلة لم يندفع به النقض الوارد على العلة؛ إذ العلة وأجزاؤها حينئذ ما عداه وهو أجنبي بالنسبة إلى ماهية العلة وأجزائها والنقض لا يندفع بأمر أجنبي فإذا ثبت أنه ليس جزء العلة لم يمكن الاحتراز به عن النقض لاستحالة وجود التوقف بدون المتوقف عليه، وهذا التقرير أولى من تقرير إلزام الدور وهو كما يقال: إمكان الاحتراز به يتوقف على كونه جزءًا، وكونه جزءًا يتوقف على إمكان الاحتراز به فيلزم الدور لأن ذلك لو سلم للزم منه الدور وهو غير ممتنع. المسألة السادسة في كيفية دفع النقض . وليس له طريق إلا أحد الأمرين: أحدهما: المنع من حصول تمام العلة في صورة النقض. وثانيهما: المنع من عدم الحكم فيها. أما القسم الأول ففيه أبحاث: أحدهما: أن المستدل إذا منع حصول وجود العلة في صورة النقض فهل يمكن المعترض من إقامة الدلالة عليه أم لا؟ اختلفوا فيه: الأكثرون أنه لا يمكن؛ لأنه انتقال من مسألة قبل تمامها إلى أخرى إذ وجود العلة في صورة النقض مسألة أخرى غير التي أقام المستدل عليها الدليل والعلم بذلك ضروري، ولأن فيه قلب القاعدة، فإن المعترض يصير مستدلًا،

стр. 3160

والمستدل يصير معترضًا، فلو قال المعترض: ما ذكرت من الدلالة على وجود العلة في الفرع فهو بعينه دالة على وجود العلة في صورة النقض، فهذا لو صح كان ذلك نقضًا لدليل وجود العلة في الفرع لا على كون ذلك الوصف علة للحكم فيكون انتقالًا من السؤال الأول إلى غيره فيعد منقطعًا. نعم لو قال ذلك ابتداء، أو قال: يلزمك أحد بالأمرين إما نقض العلة أو نقض الدليل الدال على وجودها في الفرع كان مسموعًا متجهًا يحتاج المستدل إلى الجواب عنه. ومنهم من قال: يمكن من ذلك مطلقًا؛ لأنه لو لم يمكن منه فربما يفضي ذلك إلى عدم حصول فائدة المناظرة بل إلى المكابرة والعناد، فإن المستدل قد يستمر على المنع من وجود العلة في صورة النقض مع ظهور وجودها فيها، فلا سبيل إلى الدفع إلا بإقامة الدلالة عليه، ولأن فيه/ (٢٠٣/ أ) تحقيق النقض فهو إذن من متمماته فله ذلك توسعة للطريق إلى ما رام من إبطال كلام خصمه. ومنهم من قال: أن تعين ذلك طريقًا للمعترض في قدح كلام المستدل مكن منه، وإن كان هناك طريق آخر أولى منه في القدح في كلامه لم يمكن منه. ومنهم من قال: إن كانت العلة حكمًا شرعيًا لم يمكن منه وإلا مكن لانتشار

стр. 3161

الكلام في الحكم الشرعي جدًا بخلاف غيره فإن الأمر فيه قريب. ثانيهما: ثم اعلم أن المنع من وجود العلة في صورة النقض لا يكون جزافًا ومكابرة بل يكون بناء على وجود قيد مناسب أو مؤثر في العلة وهو غير حاصل في صورة النقض، وذلك القيد لا يخلو إما أن يكون جليًا أو خفيًا: فإن كان جليًا كقولنا في الحلي: مال معد لاستعمال مباح فوجب أن لا تجب الزكاة فيه كثياب البذلة وعبيد الخدمة، فإن نقض بالحلي المحذور فاندفاع النقض به ظاهر، لأنه غير معد لاستعمال مباح. وكقولنا: طهارة عن حدث، فيشترط فيها النية كالتيمم، فنقض بالطهارة عن النجاسة، فاندفاع النقض به أيضًا ظاهر فإن الحدث ليس هو النجاسة. وإن كان خفيًا فإما أن يكون معناه واحدًا، أو متعددًا، إما بطريق التواطؤ، أو بطريق الاشتراك، فهذه أقسام ثلاثة.

стр. 3162

أولها: أن يكون معناه واحدًا كقولنا في السلم الحال: عقد معاوضة فلا يكون الأجل من شرطه كالبيع، فلو نقض بالكتابة، فدفعه بأن يقال: أنها ليست عقد معاوضة؛ إذ هي بيع مال الإنسان بمال نفسه وهو غير جائز، بل هي عقد إرفاق، ولهذا لا يختل مقصودها لفساد العوض. وكقولنا في قصر الصلاة: رخصة شرعت للتخفيف فلا يجب الأخذ به كالإفطار في الصوم، فينقض بأكل الميتة حال الاضطرار. ودفعه أن يقال: لا نسلم أنه حيث يجب شرع للتخفيف، بل للضرورة وقيام البينة. وثانيها: أن يكون معناه متعددا بطريق التواطؤ كقولنا في الصوم: عبادة متكررة، فتفتقر إلى تعيين النية كالصلاة. فينقض بالحج، فإنه يتكرر على الأشخاص. ودفعه بأن المراد من التكرار التكرار بحسب الأزمان والأشخاص، أو بحسب الأزمان، وما ذكرتم من النقض ليس كذلك بل هو متكرر بحسب الأشخاص فقط. وكقولنا في مسألة أنه يحج عن الميت المستطيع وإن لم يوص: أنه حق لازم عليه فوجب أن يقض عنه سواء أوصى أولم يوص كالدين، فنقض بالصلاة والصوم. ودفعه بعد تسليم الحكم وعدم الفرق الإجمالي بأن يقال: الحق اللازم مقدم على الحق المالي وعلى غيره بالتواطؤ، والأول هو المراد في هذا المقام دون الثاني الذي هو المراد من النقض.

стр. 3163

وثالثها: كقولنا: جمع الطلاق في القرؤ الواحد فلا يكون مبتدعًا كما لو طلقها- ثلاثًا- في قرء واحد، مع الرجعة بين التطليقتين. فنقض بما لو طلقها ثلاثًا في الحيض، فإنه جمع الطلاق في القرء الواحد مع أنه يكون مبتدعًا وفاقًا. ودفعه بأن يقال: المراد من القرؤ ها هنا الطهر. وما يقال: من أنه يدفع أيضًا بتفسير اللفظ، كما يقال في المتولد بين الظبي والغنم: حيوان متولد بين ما لا زكاة فيه بحال، [وبين ما لا يجب فيه، فوجب أن لا تجب فيه الزكاة قياسًا على ما إذا كانت الأمهات ظبيًا، فنقض بالمتولد بين السائمة والمعلوفة من البقر والغنم، فدفع بأنه لا يصدق المعلوفة أنه لا تجب فيه الزكاة بحال] فإنها إذا أسمت تجب فيها الزكاة ويكون اللفظ لا يتناوله بحسب العرف أو بحسب الشرع وكل ذلك داخل فيما تقدم يعرف ذلك بالتأمل. وثالثها: في أنه هل يجوز دفع النقض بالقيد الطردي أم لا؟ اعلم أن الذين جوزوا التعليل به فقد اتفقوا على جواز ذلك، وأما الذين منعوا منه فقد اختلفوا فيه: والأكثرون منهم منعوا منه وهو الحق؛ لأنه إذا لم يكن لذلك القيد مدخل في المناسبة لم يصلح أن يجعل جزء العلة، [لأن جزء العلة يجب أن يكون له مدخل في المناسبة فإذا لم يجز أن يجعل جزء العلة] لم يجز دفع النقض به لما عرفت من قبل، ولأنه لو جاز دفعه بالقيد الطردي لجاز دفعه

стр. 3164

بنعيق الغراب، وصرير الباب، والوقت والزمان واللازم باطل فالملزوم مثله، وهذا إنما يتجه ويرد على التفسير الثاني الطردي. ومنهم من جوزه محتجًا: بأن الشيء وحده ربما لا يكون مؤثرًا في الشيء ولكن مع شيء آخر قد يكون مؤثرًا فيه، وحينئذ يجوز أن يدفع به النقض. وجوابه: أنه يجوز ذلك لو أنه حصل بشرائطه، وقد ذكرنا أن شرطه مفقود فوجب أن لا يصح. وأما القسم الثاني، وهو دفع النقض بمنع عدم الحكم ففيه أبحاث أيضًا: البحث الأول: [المستدل] إذا منع عدم الحكم في صورة النقض ففي تمكين المعترض من إقامة الدلالة عليه ما سبق من المذاهب الثلاثة: الأول في منع وجود العلة في صورة النقض. الثاني عدم الحكم إن كان متفقًا عليه بين المستدل وخصمه توجه النقض لا محالة، وكذا إن كان مذهبًا للمستدل فقط لأنه إذا لم يف بمقتضي علته/ (٢٠٤/ أ) في الاطراد فلأن لا يجب على غيره كان أولى. وإن كان مذهبًا لخصمه فقط ما نقول: هذا الوصف مما لا يطرد على أصلي فإنه ثابت في الصورة العلانية، والحكم غير ثابت فيها عندي فلا يلزمني الانقياد إليه، ثم يتوجه النقض على المستدل؛ لأن خلاف الخصم في تلك المسألة كخلافه في المسألة المتنازع فيها وهو محجوج بذلك الدليل في المسألتين معًا. الثالث: المنع من عدم الحكم قد يكون ظاهرًا بأن يكون الحكم ثابتًا فيها جزمًا على رأي المستدل إن كان مجتهدًا، أو على رأي إمامه إن كان مقلدًا

стр. 3165

ناصرًا لمذهبه، أو على أحد قوليه غير المرجوع عنه، أو على أحد قولي أصحابه المستخرجين على قواعد مذهبه أولا يعرف له فيها نص لا بإثبات الحكم ولا بنفيه كان له أن يمنع عدم الحكم فيها إذ ظاهر ما ذكر من القياس وعلته يقتضي أن يكون حجة فله أن يتمسك به لما لم يعلم له نقضًا، وليس له أن يلتزم فيها الحكم [بمقتضي العلة لأنه ليس له أن يثبت المذهب لصاحبه بالقياس. وقيل: إذا اقتضي علته ثبوت الحكم] فيما لا يعرف لإمامه فيه نصًا لم يتمسك به بل ينبغي أن يتوقف فيه لئلا يكون متمسكًا بالعلة المنقوضة. وقيل: له أن يلتزم الحكم بمقتضي علته في تلك الصورة لأن ظاهر علته يقتضي ثبوت الحكم فيها. وقد يكون خفيًا وهو على وجوه: أحدها: كقولنا في السلم الحال: عقد معاوضة، فلا يكون الأجل من شرطه كالبيع. فإذا نقض بالإجارة قلنا: ليس الأجل بشرط في الإجارة بل هو تقدير للمعقود عليه. وثانيها: كقولنا في الإجارة: عقد معاوضة، فلا ينفسخ بالموت كالبيع. فلو نقض بالنكاح. قلنا: لا نسلم أن النكاح يبطل بالموت وينفسخ؛ وهذا لأنه لو كان فسخًا لكان إذا حصل قبل الدخول كان مشطرًا للصداق أو مسقطًا له بالكلية، وليس كذلك بل يتقرر به المهر كما في الوطء فليس هو بفسخ بل هو نهايته وغايته، وذهاب الشيء لانتهائه إلى غايته لا يكون فسخًا وبطلانًا.

стр. 3166

وثالثها: كقولنا فيما إذا قال الرجل أنت طالق ونوى ثلاثًا صح؛ لأنه نوى ما يحتمله اللفظ فوجب أن تعتبر نيته كما إذا قال: أنت طالق طلاقًا، فإذا نقض بما إذا نوى بقوله: أنت طالق طلاقًا عن وثاق فإنه لا تعتبر نيته. قلنا: لا نسلم بل تعتبر نيته فيما بينه وبين الله تعالى. الرابع: المقصود من تعليل الحكم إما إثباته ونفيه معًا، أو أحدهما. فإن كان الأول وجب أن يكون الحكم مطردًا ومنعكسًا مع علته كالحد مع المحدود فمتى ثبت عند عدمه أو عدم عند ثبوته كان النقض متوجهًا عليه، وإن كان الثاني فالحكم إما أن يكون مجملًا، أو مفصلًا، وكل واحد منهما إما في طرف الثبوت، أو في طرف الانتفاء فهذه أقسام أربعة: الأول: إثبات الحكم مجملًا ومعناه: أنه يدعي ثبوت الحكم ولو في صورة واحدة، فهذا لا ينتقض بالنفي مفصلًا- وهو النفي عن صورة معينة؛ لأن ثبوت الحكم مجملًا يكفي فيه ثبوته في صورة واحدة والثبوت في صورة واحدة لا يناقضه النفي في صورة معينة أخرى بل يناقضه نفي الحكم مجملًا. مثاله: قولنا في وجوب الزكاة في مال الصبي: إنه حر مسلم مالك النصاب فتجب الزكاة في ماله كالبالغ، فإذا نقض بالحلي، وثياب البذلة، وعبيد الخدمة لم يتجه لما عرفت. الثاني: نفي الحكم مجملًا- ومعناه: أنه لا يثبت الحكم في صورة ألبتة وكان قياس ما سبق [في الإثبات أن يكون معناه نفي الحكم عن صورة واحدة وذلك لا يقتضي نفي الحكم] عن كل الصور كما لا يقتضي هذا المفهوم

стр. 3167

في الإثبات في كل الصور ولكن لعلمهم إنما اصطلحوا عليه؛ لأنه يفهم من قولنا: نفي الشيء مجملًا ما يفهم من قولنا: نفاه مطلقًا وهو يفهم منه عموم النفي بخلاف قولنا: أثبته مطلقًا فإنه يفهم منه في الأكثر إثباته في الجملة وبالجملة هو الاصطلاح ليس فيه كبير أمر ويناقض نفي الحكم مجملًا إثباته مفصلًا، لأن نقيض السالبة الكلية الموجبة الجزئية. مثاله: قول القائل فيما إذا قطع مملوك طرف مملوك آخر: إنهما مملوكان فلا يجري القصاص بينهما كالصغيرين. فنقض بجريان القصاص [في النفس. الثالث: إثبات الحكم مفصلًا ومعناه إثبات الحكم] في صورة معينة ويناقضه نفي الحكم مجملًا لا نفي الحكم مفصلًا، لأن الجزئيتين لا تتناقضان. مثاله: قول الحنفي في جريان القصاص بين المسلم والكافر الذمي في حالة العمد: أنهما محقونا الدم فوجب أن يجري بينهما القصاص كالمسلمين وينقضه بالأب والابن فإنه لا يجري بينهما قصاص بحال، ولا يناقضه إذا بين عدم جريان القصاص بينهما حالة الخطأ لما عرفت. الرابع: نفي الحكم مفصلًا لا يناقضه إثباته مجملًا ولا إثباته مفصلًا لما تقدم من أن الجزئيتين لا يتناقضان؛ فإن نفي الحكم مفصلًا معناه نفي الحكم في صورة معينة [وإثبات الحكم مفصلًا معناه ثبوته في صورة معينة] فهما جزئيتان فلا يتناقضان [لكن] يناقضه الإثبات العام فإن نقيض السالبة الجزئية الموجبة الكلية.

стр. 3168

وينبغي أن يعد هذا القسم مع الأقسام المذكورة فإن المدعي قد يكون إثبات الحكم على وجه التعميم وحينئذ يناقضه نفي/ (٢٠٥/ أ) الحكم مفصلًا ومثاله لا يخفي مما سبق. البحث الخامس: الحكم إذا كان ثابتًا تقديرًا لا تحقيقيًا، فإنه يكون دافعًا للنقض على الرأي الأظهر فإن المقدر كالمحقق في ثبوت ما يترتب من الأحكام على المحقق فإذا كان كذلك وجب أن يكون دافعًا للنقض كما إذا كان متحققًا. مثاله: قولنا ملك الأم علة لرق الولد، فإذا نقض ذلك بولد المغرور بحرية الجارية إذ ينعقد الولد حرًا. قيل: لا نسلم أنه لم يثبت الرق فيه ألبتة بل حصل ثم اندفع بدليل أنه يجب غرم قيمة الولد، لولا أن الرق في حكم الحاصل المندفع وإلا لما وجبت قيمة الولد.

стр. 3169

الفصل الثاني في عدم التأثير والعكس

стр. 3170

الفصل الثاني في عدم التأثير والعكس وفيه مسائل: المسألة الأولى في معناهما: قال الإمام: "عدم التأثير عبارة عما إذا كان الحكم يبقي بدون ما فرض على له. وأما العكس "فهو عبارة عن حصول مثل ذلك الحكم في صورة أخرى، لعلة تخالف العلة الأولى. وهما غير مرضيان؛ لأن قوله: يبقي الحكم بدون ما فرض علة له إن عني به: أنه كذلك في المحل الذي ادعي أنه علة فيه وهو ظاهر المراد من قوله فذلك غير لازم؛ لأن عدم التأثير قد يكون بأن يبين أن الحكم يثبت في غير ذلك المحل بدون ما جعل علة له. وإن عني به أنه كذلك في غير ذلك المحل فقط فهو ظاهر الفساد؛ لأنه إذا بين أن الحكم يبقي في ذلك المحل بعينه بدون ما جعل علة له كان ذلك عدم التأثير بالطريق الأولي. وإن عني به المفهوم العام الشامل لهذين المفهومين المندرجين تحته فهو أيضًا باطل؛ لأن العكس أيضًا كذلك؛ إذ ليس من شرط العكس أن يحصل مثل ذلك الحكم في صورة أخرى بل لو حصل في تلك الصورة بعينها لعلة أخرى

стр. 3171

كان ذلك عكسًا أيضًا وهو أبلغ في بيان العكس، وحينئذ لم يتميز أحدهما عن الآخر. فالأولى أن يقال: أن عدم التأثير عبارة عن جعل ما يستغني الحكم عنه علة أو جزء علة ويلزمه أن يبقي الحكم بعد عدمه. وأما العكس فهو عبارة عن انتفاء الحكم لانتفاء ما جعل علة الحكم أو لانتفاء العلة. وإنما قلنا ذلك ولم نقل لانتفاء علته [لأنه] يقتضي أو يشعر بانتفاء جميع علته. ولا نزاع في أن العكس بهذا المعني معتبر فعلي هذا عدم الحكم لازم في عدم التأثير إن لم يكن هناك علة أخرى غير ما جعل علة للحكم وجد أو انتفي؛ إذ لا يجوز أن يثبت الحكم بلا علة، ولا بالمذكور لعدم صلاحيته للعلية لعدم المناسبة [و] التأثير والشبه وغيرها من أمارات العلية وهو غير لازم في العكس فإنه لو قدر عدم على أخرى فإن الحكم قد يثبت بالمذكور لكونه علة له في نفسه. المسألة الثانية في أن عدم التأثير يقدح في العلية ، والدليل عليه: أن الحكم لما كان حاصلًا قبل ذلك الوصف ضرورة أنه قديم، والوصف حادث، ويبقي بعده أيضًا علمنا أنه مستغنٍ عن ذلك الوصف، والمستغني عن الشيء لا يكون

стр. 3172

معللًا به. فإن قلت: ذلك إنما يلزم في العلة بمعني "المؤثر" أو الداعي أما بمعني "المعرف" فلا؛ وهذا لأن الباري تعالى كان موجودًا قبل العالم، ويبقي كذلك بعد فنائه مع أنه معرف لوجوده تعالى. قلت: إن ذلك وإن كان جائزًا في مطلق المعرف لكنه غير جائز في الأحكام الشرعية وإلا لزم التكليف لما لا يطاق؛ لأن الحكم بعد ذهاب الوصف لا دليل عليه، والتكليف بما لا دليل عليه تكليف لما لا يطاق ولأن الوصف إذا لم يكن مؤثرًا ولا مناسبًا ولا شبه فيه ولا غيره من أمارات العلية كان وصفًا طرديا بالتفسير الثاني، وقد ثبت أنه لا يجوز التعليل به، فلا يجوز بالوصف الذي شأنه ما ذكرناه، فيكون عدم التأثير قادحًا في العلية. المسألة الثالثة في أن العكس غير واجب في العلة عقلية كانت أو شرعية عند المعتزلة وبعض أصحابنا كالإمام، وقال قوم أنه واجب مطلقًا. ومنهم من فصل بين العقلية والشرعية فأوجب في الأول دون الثاني وهو قول أكثر أصحابنا. ومنهم من قال يجب ذلك في المستنبطة دون المنصوصة. وقال الشيخ الغزالي- ﵀:" الوجه في المسألة وهو أن يقال: الحكم إن لم يكن له إلا علة واحدة فالعكس لازم لا لأن انتفاء العلة يوجب

стр. 3173

انتفاء الحكم [بل] لأن الحكم لابد له من علة، فإذا اتحدت العلة وانتفت فلو نفي الحكم لكان ثابتًا من غير علة، وإن كان له علل فلا يلزم من انتفاء بعضها انتفاء الحكم، بل إنما يلزم انتفاء الحكم عند انتفاء جميعها وينبغي أن لا يكون في هذا خلاف ونزاع لأحد". وعند هذا يظهر أن هذه المسألة فرع مسألة: أنه هل يجوز تعليل الحكم الواحد يعلل مختلفة أم لا؟ وسيأتي الكلام في ذلك نفيًا وإثباتًا فلا حاجة إلى أن تفرد هذه المسألة بالكلام وحدها. وأما ما استدل به الإمام على جواز ذلك في العلل العقلية، وهو: أن المختلفين يشتركان في كون كل واحد منهما مخالفًا للآخر، وتلك المخالفة من لوازم ماهيتهما، ولوازم الماهية معلولات [الماهية] على ما عرف ذلك في الكلام، وحينئذ يلزم أن يكون قد اجتمع على ذلك الاختلاف/ (٢٠٦/ أ) الذي هو أمر واحد علتان مختلفان وهما الماهيتان المختلفتان. فضعيف. أما أولًا: فلأنا لا نسلم أن ذلك الاختلاف أمر واحد؛ وهذا لأن مخالفة هذا لصاحبه غير مخالفة صاحبه لهذا والمعلل بكل واحد منها خصوصية مخالفته لا مطلق المخالفة، ولا نسلم أن إطلاق المخالفة عليهما بالتواطؤ، بل هو بالاشتراك اللفظي. سلمناه لكن لا نسلم أن لوازم الماهية معلولاتها وما ذكر من الأدلة عليه فقد عرف ضعفه في محله.

стр. 3174

فإن قلت: العلل الشرعية أدلة على الأحكام ولا شك أنه لا يلزم من انتفاء الدليل على الشيء انتفاؤه في نفسه، وحينئذ لا يلزم من انتفاء العلة انتفاء حكمها وإن كانت واحدة. قلت: سبق الجواب عنه من قبل. فإن قلت: غاية ما ذكرتم ثمة أنه حينئذ ينفي الحكم بلا دليل وأنه يستلزم التكليف بما لا يطاق. فنقول: التكليف بما لا يطاق إنما يلزم أن لو كان الحكم إذ ذاك مكلف به وهو ممنوع فجاز أن يكون الحكم ثابتًا إذ ذاك فلا يكون مكلفًا به. قلت: المعني من انتفاء الحكم عند انتفاء العلة إذا كانت واحدة انتفاء العلم أو الظن وانتفاؤه في نفسه على وجه يصح أن يكون مكلفًا به لا انتفاؤه في نفسه مطلقًا.

стр. 3175

الفصل الثالث في القلب

стр. 3176

الفصل الثالث في القلب وفيه مسائل: المسألة الأولى في حقيقته . قيل: هو عبارة عن بيان أن ما ذكره المستدل يدل عليه. وينبغي أن يزاد عليه في تلك المسألة بعينها. وعلى ذلك الوجه حتى يستقيم، وإلا لم يكن مانعًا إذ يدخل تحته ما يدل عليه في غير المسألة التي هو استدل به عليها أو في تلك المسألة بعينها لكن على غير ذلك الوجه. مثل أن يستدل المستدل بنص بطريق الحقيقة، والمعترض يستدل به عليه في تلك المسألة بطريق التجوز فإن ذلك لا يسمي قلبًا وفاقًا. وقال الإمام: "هو عبارة عن أن يعلق على العلة المذكورة في قياس نقيض الحكم المذكور فيه، ويرد إلى ذلك الأصل بعينه. وإنما شرطنا اتحاد الأصل، لأنه لو رد إلى أصل آخر لكان حكم ذلك الأصل الآخر إما أن يكون حاصلًا في الأصل الأول، أو لا يكون. فإن كان الأول: كان رده إليه أولى؛ لأن المستدل لا يمكنه منع وجود تلك العلة فيه، ويمكنه منع وجودها في أصل آخر.

стр. 3177

وإن كان الثاني: كان أصل القياس الأول نقضًا على تلك العلة؛ لأن ذلك الوصف حاصل فيه مع عدم ذلك الحكم. وهذا غير جامع لأنه مخرج منه ما يكون من القلب في غير القياس، ومعلوم أن القلب غير مختص بالقياس، فإن أراد تعريف نوع خاص منه وهو الذي يكون في القياس صح. إذا عرفت هذا فاعلم أن الذي يبحث فيه في هذا المقام فإنما يبحث فيما يتعلق بالقلب المختص بالقياس دون غيره. المسألة الثانية اعلم أن من الناس من أنكر إمكان القلب على الوجه الذي تقدم تعريفه محتجًا بوجهين: أحدهما: أن الحكمين أعني ما يثبته المستدل وما يثبته القالب إن لم يتنافيا فلا قلب؛ إذ لا امتناع في أن تكون العلة الواحدة مقتضية لحكمين غير متنافين فلا تفسد به العلة، وهذا يعرفك فائدة قوله في التعريف: نقيض الحكم المذكور وإن تنافيا استحال اجتماعهما في صورة واحدة فلم يمكن الرد إلى ذلك الأصل بعينه، فلا يكون قلبًا؛ إذ لابد فيه من الرد إلى ذلك الأصل بعينه. وجوابه: أن الحكمين غير متنافيين لذاتهما فلا جرم يصح اجتماعهما في الأصل، لكن دل دليل منفصل على امتناع اجتماعهما في الفرع إذا أثبت القالب الحكم الآخر في الفرع بالرد إلى الأصل ومشهادة اعتباره امتنع ثبوت الحكم الأول فيه؛ لما عرفت أن الحكمين في الفرع لا يجتمعان لدلالة منفصلة، وهذا الكلام كما هو جواب عن شبهة منكر القلب فهو ابتداء دليل على إمكان القلب. وثانيهما: أن العلة المستنبطة يجب أن تكون مناسبة للحكم، والشيء

стр. 3178

الواحد لا يناسب المختلفين فضلًا عن أن يناسب المتنافيين. وجوابه: أنا نمنع وجوب مناسبتها؛ وهذا لأنه يجوز أن تعرف علية الوصف بغير المناسبة. سلمناه لكن يجوز أن تكون المناسبة إقناعية ولما قلب القالب ظهر إقناعية الأولى. ثم اعلم أن القلب معارضة خاصة، فعلى هذا للمستدل أن يتكلم عليه بكل ما للمعترض أن يتكلم على دليل المستدل من منع الحكم في الأصل، والقدح في علته بالنقض، وعدم التأثير، وسائر القوادح، حتى القلب فله أن يقلب قلبه إذا لم يكن قلب القلب مناقضًا لحكمه الذي ادعاه أولًا، وإذا قلب قلبه فسد قلبه وسلم للمستدل أصل القياس الذي ذكره أولًا. مثاله: قولنا في بيع الفضولي: تصرف للغير من غير إذنه فوجب أن يصح كالشراء. فيقلبه القالب بأن يقول: تصرف للغير من غير إذنه فينبغي أن لا يلغو تصرفه كالشراء فإنه لا يلغو بل يصح في حق المباشر، وإذا لم يلغو وجب أن يصح في حق المالك، ضرورة أنه لا قائل بالفصل. فيقلبه المستدل بأن يقول: تصرف للغير من غير إذنه فوجب أن لا يصح بالنسبة إلى ذلك الغير، [كالشراء فإنه لا يصح بالنسبة إلى من اشتري له] [مطلقًا ضرورة أنه لا قائل بالفصل].

стр. 3179

وفي هذا المثال نظر من حيث إن المدعي في القياس الأول إن كان عدم الصحة مطلقًا فيمنع الخصم ثبوت هذا الحكم في الأصل، وإن كان في حق ذلك الغير فيرجع قلب القلب إلى عين الأول/ (٢٠٧/ أ) ومن الناس من أنكر أن يكون القلب معارضة، بل هو إفساد العلة، فعلي هذا ليس للمستدل أن يتكلم على قلبه بكل ما للقالب أن يتكلم على دليل المستدل لما تقدم في النقض، ثم امتياز القلب عن مطلق المعارضة إنما هو بأمرين لا غير: أحدهما: أنه لا يمكن فيه الزيادة في العلة، وفي سائر المعارضات يمكن. وثانيهما: أنه لا يمكن منع وجود العلة في الفرع والأصل؛ لأن أصل القالب وفرعه هما أصل المستدل وفرعه ويمكن ذلك في سائر المعارضات. المسألة الثالثة في أقسام القلب: اعلم أن كل واحد من الحكمين المذكورين في قياس المستدل وقلب المعترض إما أن يكونا مفصلين، أو مجملين، أو أحدهما مفصلًا والآخر مجملًا. والمفصلان لا يخلو إما أن يكون كل واحد منهما يدل على فساد مذهب الخصم صريحًا أو ضمنًا، أو يكون أحدهما يدل صريحًا والآخر ضمنًا أي بواسطة فهذه أقسام خمسة. أولها: وهو ما يكون الحكمان مفصلين وكل واحد منهما يدل على فساد مذهب الخصم وهذا ينقسم إلى قسمين:

стр. 3180

لأنه إما أن يدل مع ذلك على صحة مذهب نفسه صريحًا أو لا. مثال الذي لا يدل على صحة مذهب نفسه صريحًا قولنا في مسح الرأس: عضو من أعضاء الوضوء، فلا يتقدر بالربع كغيره من الأعضاء. فيقول الخصم [في قلبه: عضو من أعضاء الوضوء فلا يكتفي فيه بأقل ما ينطلق عليه الاسم] كغيره من الأعضاء فإن كل واحد من هذين الحكمين يدل صريحًا على إبطال مذهب الخصم، ولا يدل على صحة مذهب نفسه، فإن عدم التقدير بالربع لا يدل صريحًا على الاكتفاء بأقل ما ينطلق عليه الاسم، وكذلك عدم الاكتفاء بأقل ما ينطلق عليه الاسم لا يدل صريحًا على التقدير بالربع، نعم يدل عليه بواسطة اتفاق الإمامين على أحد الحكمين ونفي ما عداهما. مثال الذي على الأمرين معًا بطريق الصراحة، قولنا في إزالة النجاسة: طهارة تراد لأجل الصلاة، فلا تجوز بغير الماء كطهارة الحدث، فيقول الخصم: طهارة لا تراد لأجل الصلاة فتجوز بغير الماء كطهارة الحدث فإنه يجوز بالتيمم، فإن كل واحد من هذين الحكمين يدل على الأمرين جميعًا. وثانيها: وهو ما يكون كل واحد منهما يدل على بطلان مذهب الخصم بواسطة كقول الحنيفة في صحة بيع الغائب: عقد معاوضة مع عدم رؤية

стр. 3181

المعقود عليه فوجب أن يتمكن المشتري من الفسخ إذا وجد به برصًا أو جنونًا كما في النكاح، فنقول فوجب أن لا يثبت فيه خيار الرؤية كالنكاح، فإنه يلزم من التمكن من الفسخ انعقاد البيع قطعًا، ويلزم من عدم ثبوت الخيار عدم انعقاده؛ ضرورة أنه لا قائل بالانعقاد مع عدم خيار الرؤية. وثالثها: وهو ما يكون أحدهما يدل صريحًا والآخر بواسطة، وهو كقولهم في هذه المسألة: عقد معاوضة فينعقد مع عدم رؤية المعقود عليه كالنكاح فنقول كما قلنا في المثال الأول. ورابعها: وهو ما يكون الحكمان مجملين وذلك لا يصح، لاستحالة اجتماع الشيئين المتنافيين. مثاله: قولهم في الاعتكاف: لبث في مكان مخصوص، فاحتاج إلى معني يصير به قربة كالوقوف، فنقول: فلم يحتج إلى معني يصير به قربة كالوقوف فإن الحكمين لا يوجدان في الأصل صريحًا إذ الوقوف يحتاج إلى معني يصير به قربة. وخامسها: وهو ما يكون أحدهما مجملًا والآخر مفصلًا وذلك يصح كما في المثال المتقدم، فإنهم إذا قالوا فيه ما تقدم وقرروه: بأنه يلزم من ذلك كون الصوم شرطًا لصحة الاعتكاف؛ لأن كل من قال باشتراط معني في كون الاعتكاف يقع عبادة قال أنه هو الصوم، فالقوم باشتراط معني غير ذلك فيه خلاف الإجماع فنقول نحن: لبث في مكان مخصص فوجب أن يشترط الصوم في كونه عباده كالوقوف.

стр. 3182

ثم اعلم أن منهم (من) لم يقبل القلب المفصل الذي يدل بواسطة في معارضة الذي يدل مفصلًا من غير واسطة، وكذا القلب المجمل في معارضة الذي يدل مفصلًا لاحتياج كل واحد منهما إلى مقدمة لا يحتاج إليه دليل المعلل وهو حق إن قيل القلب: معارضة كما أن الدليل الذي تكون مقدماته أكثر مرجوحًا بالنسبة إلى الذي لا يكون كذلك، هذا أن كان عدم قبوله لكونه مرجوحًا، فإن الدليل المرجوح لا يكون مقبولًا مع وجود الراجح وإن كان ذلك لكونه ليس بدليل إذ ذاك فلا وهو ظاهر. واعلم أن من القلب ما يسمي "قلب التسوية" وهو إنما يقع في القسم الخامس لأن من ضرورة التسوية الإجمال؛ ولهذا لم يقبله من لم يقبل القلب المجمل، وبعض من قبله لم يقبله أيضًا؛ لأن مقصود القالب من التسوية مناقض لما في الأصل فإنه يقصد التسوية بينهما في [عدم الصحة والثابت في الأصل التسوية بينهما] في الصحة وبه قدح أيضًا في تسميته التسوية، وهو ضعيف فإن القياس على الأصل إنما هو من حيث عدم الاختلاف، وهو ثابت فيه لكن عدم اختلاف الأصل في ثبوت الصحة فيهما وفي الفرع في عدم ثبوت الصحة فيهما وهو [ثابت فيه لكونه عدم اختلاف الأصل] غير مناف لاشتراك في أصل الاستواء. مثاله: قول الحنيفة في طلاق المكره: مكلف مالك للطلاق، فيقع طلاقه كالمختار. فنقول: مكلف مالك للطلاق فينبغي أن يستوي إيقاعه وإقراره كالمختار.

стр. 3183

ويلزم من هذا أن لا يقع طلاقه؛ لأن إقراره غير معتبر وفاقًا، فوجب أن/ (٢٠٨/ أ) لا يعتبر طلاقه، وإلا لم تحصل التسوية بينهما، فيكون هذا إنما يدل على الحكم المدعي بواسطة اتفاق الإمامين على أن إقراره غير معتبر كما في القلب المجمل على ما عرفت ذلك من قبل. ثم لا يخفي عليك أن أعلى مراتب القلب ما يدل على بطلان مذهب الخصم وإثبات مذهب نفسه صريحًا [ثم ما يدل على بطلان مذهب خصمه صريحًا، ثم ما يدل على إثبات مذهبه صريحًا] ثم ما يدل عليهما، أو على أحدهما ضمنًا.

стр. 3184

الفصل الرابع في القول بالموجب

стр. 3185

الفصل الرابع في القول بالموجب قال الإمام: وهو عبارة عن: تسليم ما جعله المستدل موجب العلة مع استبقاء الخلاف. وهو غير جامع؛ إذ لا يتناول غير القياس، والأولى أن تبدل العلة بالدليل حتى يتناوله. وهو قادح في الدليل؛ لأنه إذا كان تسليم موجب ما ذكره من الدليل لا يرفع الخلاف علمنا أن ما ذكره ليس بدليل الحكم الذي رام إثباته أو نفيه. ثم اعلم أن القول بالموجب إما أن يورد على دليل يثبت به المستدل مذهبه، أو يبطل به مذهب الخصم.

стр. 3186

فإن كان الأول: فإما أن يكون المطلوب إثبات الحكم [عامًا أو خاصًا] فإن كان الأول لم يتصور فيه إيراد القول بالموجب عليه نفيًا كان أو إثباتًا، لأنه لابد فيه من التزام موجب الدليل عامًا أو خاصًا، فإذا التزمه على العموم استحال بقاء الخلاف بعده، وإن التزمه في صورة خاصة لم يكن [ذلك] قولا بالموجب. مثاله من القياس والحكم مثبت في قولنا في إثبات وجوب القيام في السفينة في الصلاة: إن القيام فرض يجب في الصلاة في غير السفينة فوجب في السفينة أيضا كالقراءة، فلو قال المعترض: أقول بموجبه في المصلي في السفينة إذا كانت واقفة لم يستقم؛ لأن الذي التزمه المعترض ليس هو موجب قياس المستدل؛ لأن موجبه وجوب القيام في الصلاة في السفينة مطلقًا أي على جميع الأحوال. مثاله من النفي قولنا: مائع لا يرفع الحدث فلا يزيل الخبث كالدهن فلو قال الخصم: أقول بموجبه في المائع النجس لم يصح؛ لأن الذي التزمه ليس موجب دليله؛ لأن موجبه نفي إزالة الخبث عنه في جميع الأحوال. وإن كان الثاني وهو أن يكون المطلوب إثبات الحكم [على جهة الخصوص فيتصور ذلك فيه سواء كان إثباتًا، أو نفيًا، أما إذا كان إثباتًا فبأن يكون المطلوب إثبات الحكم] في النوع أو في حالة مخصوصة واللازم من دليل

стр. 3187

المستدل إثباته في صورة ما من الجنس أو على الإطلاق أي في الجملة. مثال الأول: ما قيل في وجوب الزكاة في الخيل: حيوان تجوز المسابقة عليه فتجب فيه الزكاة كالإبل، فيقول الخصم: أقول بموجبه إذ تجب فيه زكاة التجارة، والنزاع إنما هو في زكاة العين، ودليلك إنما يقتضي وجوب الزكاة في الجملة، هذا لو سلم أن زكاة التجارة يصدق فيه قولنا فتجب فيه الزكاة ولو قال المستدل أن هذا [ليس] قولًا بالموجب؛ لأن كلامنا في زكاة العين، والألف واللام التي في لفظ الزكاة المذكورة في القياس للعهد فينصرف إليه، وحينئذ لا يكون ما التزمه قولا بالموجب لم يستقم؛ لأن العبرة بدلالة الألفاظ لا بالقرائن، وشيء من ألفاظ القياس من العلة وغيرها لا يتأتي ذلك بل يصدق عليه فكان قولًا بالموجب. فإن قلت: فأي فرق بين هذا وبين ما تقدم من المثال وقد قلتم أن ذلك ليس قولًا بالموجب؟ قلت: لأن قولنا فرض يجب في الصلاة في غير السفينة فيجب في السفينة ظاهر في وجوبه في السفينة في جميع الأحوال، فالتزامه في بعض أحوال السفينة وهو حال وقوفها لم يكن قولًا بموجبه بخلاف قولنا: فتجب فيه الزكاة فإنه ليس ظاهرًا في زكاة العين بحسب جوهر لفظه، ولا في جميع أنواع الزكاة، ولا يراد ذلك منه حتى يكون التزام وجوب بعض أنواعه حينئذ ليس قولًا بالموجب، بل هو ظاهر في وجوب ما يصدق عليه أنه زكاة، فإذا التزم بعض أنواعها كزكاة التجارة فقد التزم موجب الدليل فكان قولًا بالموجب، وكلام بعضهم يدل على أن هذا النوع من الالتزام قول بالموجب أيضًا، لكن ما ذكرناه أظهر وإن كان محتملًا لما ذكروه.

стр. 3188

مثال الثاني نحو قول الحنفية في مال الضمان والمغصوب والضال: أنه لو وجبت الزكاة فيها لوجب أداؤها، لأنه مال وجبت الزكاة فيه فيجب أداؤها [كغيره من الأموال الزكاتية، فيقول الخصم: أقول بموجبه أنه يجب أداؤها] إذا وجده والكلام فيما قبله ودليلك لا يفيده. ونحو قولنا في الملتجئ إلى الحرم: أنه وجد سبب جواز استيفاء القصاص فكان [استيفاؤه جائزًا كما في حق غيره، فيقول الخصم: أقول بموجبه فإن] استيفاء القصاص جائزًا لا نزاع في ذلك، وإنما النزاع في جواز هتك حرمة الحرم وما ذكره لا يفيده. وأما إذا كان نفيًا فيتصور ذلك أيضًا فيه على قياس ما سبق في الإثبات كقولنا في القهقهة: أنها غير ناقضة للوضوء خارج الصلاة، وكذا في الصلاة كغيرها/ (٢٠٩/ أ) من الأفعال نحو الأكل والكلام، فيقول الخصم: أقول بموجبه أنها لا تنقض في صلاة الجنازة. وإن كان الثاني وهو أن يكون القول بالموجب يورد على دليل يبطل به مذهب الخصم وهو على قسمين:

стр. 3189

أحدهما: أن يكون المطلوب نفي الحكم، واللازم من دليل المستدل نفي كون شيء معين موجبًا له كقولنا في القتل بالمثقل: التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص [كالتفاوت في المتوسل إليه، فيقول الخصم: أقول بموجبه وهو أن التفاوت في الوسيلة لا يمتنع وجوب القصاص] فلم لا يمنع القصاص بشيء آخر نحو وجود مانع آخر، أو فقد شرط، أو عدم المقتضي؟ وما ذكرته لا يفيد امتناع شيء من ذلك. وثانيهما: أن يكون المطلوب نفي علية ما هو علة الحكم عند الخصم واللازم من القياس نفي علية ملزوم علته، كقولنا في أن الإجارة لا تنفسخ بالموت: بأن الموت معني يزيل التكليف فلا تنفسخ به الإجارة كالجنون، فيقول الخصم: أقول بموجبه، لا تنفسخ بالموت، وإنما تنفسخ عنده لزوال الملك، ولهذا لو باع العين المستأجرة ورضي المستأجر بالبيع انفسخت الإجارة، والقول بالموجب غير متصور في الأصل، لأن القياس ما ذكر لإثبات الحكم فيه فلم يتصور فيه القول بالموجب. واختلفوا في أنه هل يجب على المعترض إبداء سند القول بالموجب أم لا اختلفوا فيه: فذهب بعضهم: إلى أنه يجب لكونه أقرب إلى ضبط الكلام وصونه عن الخبط؛ وذلك لأنا لو لم نوجب ذلك عليه لم نأمن منه أن يورد القول بالموجب وإن كان ما أبطله المستدل هو مأخذ مذهبهم عنادًا، أو قصدًا لإبطال كلام المستدل بخلاف ما إذا أوجبنا عليه ذلك فإنه لا يقدم على ذلك خوفًا من ظهور

стр. 3190

عناده ومكابرته. وذهب الآخرون إلى أنه لا يجب عليه ذلك؛ لأنه عاقل متدين وهو أعرف بمأخذ مذهبه فيصدق فيما يقوله كما في غيره من الأخبار على أنه لا فائدة فيه؛ فإنه لو أوجب عليه ذلك فأبداه فأما أن يمكن المستدل من الاعتراض عليه، أو لا يمكن، والأول باطل، لما فيه من انتشار الكلام وقلب الموضوع، فإنه حينئذ يصير المستدل معترضًا والمعترض مستدلًا، والثاني يحصل المقصود؛ لأنه إذا علم أنه لا يعترض عليه فيما يقول فربما يقول ما لا يصح من جعل ما ليس بعلة علة. ثم الجواب عن القول بالموجب بوجوه: أحدها: أن يبين المعلل أن الذي التزم فيه المعترض القول بموجب دليله هو صورة النزاع، أو من جملة صورها إما بالنقل الصريح عن كتاب معتبر لهم، أو عن إمام لهم اتفق على علمه وعدالته، أو بأنه مشهور بالخلاف، أو أن مأخذه عند الخصم كذا وهو حاصل فيما دل عليه كلام المعلل. وثانيها: أن يتبين أنه وإن لم يكن محل الخلاف لكن يلزم منه الحكم في محل الخلاف كما إذا استدل على أنه لا يجوز قتل المسلم بالذمي، فقال المعترض أقول بموجبه فإنه عندي غير جائز بل هو واجب، فيقول المستدل: يلزم من عدم الجواز عدم الوجوب قطعًا؛ إذ المراد من الجواز المنفي رفع الحرج عن الفعل لا الإباحة، ولا شك جزؤ الواجب ويلزم من انتفاء جزئه انتفاؤه قطعًا، وهذان الجوابان يختصان بما إذا كان القول بالموجب يصرف الخلاف إلى غير ما دل عليه ظاهر كلام المستدل. وثالثها: أن يقول: إن هذا إنما يكون قولًا بالموجب إذا لم يكن كلامي يجري على ظاهره كما تقدم من المثال لكن ذلك باطل وهو على خلاف الأصل
следующие страницы →