Полный текст (3 770 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.
стр. 3186
فإن كان الأول: فإما أن يكون المطلوب إثبات الحكم [عامًا أو خاصًا] فإن كان الأول لم يتصور فيه إيراد القول بالموجب عليه نفيًا كان أو إثباتًا، لأنه لابد فيه من التزام موجب الدليل عامًا أو خاصًا، فإذا التزمه على العموم استحال بقاء الخلاف بعده، وإن التزمه في صورة خاصة لم يكن [ذلك] قولا بالموجب.
مثاله من القياس والحكم مثبت في قولنا في إثبات وجوب القيام في السفينة في الصلاة: إن القيام فرض يجب في الصلاة في غير السفينة فوجب في السفينة أيضا كالقراءة، فلو قال المعترض: أقول بموجبه في المصلي في السفينة إذا كانت واقفة لم يستقم؛ لأن الذي التزمه المعترض ليس هو موجب قياس المستدل؛ لأن موجبه وجوب القيام في الصلاة في السفينة مطلقًا أي على جميع الأحوال.
مثاله من النفي قولنا: مائع لا يرفع الحدث فلا يزيل الخبث كالدهن فلو قال الخصم: أقول بموجبه في المائع النجس لم يصح؛ لأن الذي التزمه ليس موجب دليله؛ لأن موجبه نفي إزالة الخبث عنه في جميع الأحوال.
وإن كان الثاني وهو أن يكون المطلوب إثبات الحكم [على جهة الخصوص فيتصور ذلك فيه سواء كان إثباتًا، أو نفيًا، أما إذا كان إثباتًا فبأن يكون المطلوب إثبات الحكم] في النوع أو في حالة مخصوصة واللازم من دليل
стр. 3187
المستدل إثباته في صورة ما من الجنس أو على الإطلاق أي في الجملة.
مثال الأول: ما قيل في وجوب الزكاة في الخيل: حيوان تجوز المسابقة عليه فتجب فيه الزكاة كالإبل، فيقول الخصم: أقول بموجبه إذ تجب فيه زكاة التجارة، والنزاع إنما هو في زكاة العين، ودليلك إنما يقتضي وجوب الزكاة في الجملة، هذا لو سلم أن زكاة التجارة يصدق فيه قولنا فتجب فيه الزكاة ولو قال المستدل أن هذا [ليس] قولًا بالموجب؛ لأن كلامنا في زكاة العين، والألف واللام التي في لفظ الزكاة المذكورة في القياس للعهد فينصرف إليه، وحينئذ لا يكون ما التزمه قولا بالموجب لم يستقم؛ لأن العبرة بدلالة الألفاظ لا بالقرائن، وشيء من ألفاظ القياس من العلة وغيرها لا يتأتي ذلك بل يصدق عليه فكان قولًا بالموجب.
فإن قلت: فأي فرق بين هذا وبين ما تقدم من المثال وقد قلتم أن ذلك ليس قولًا بالموجب؟
قلت: لأن قولنا فرض يجب في الصلاة في غير السفينة فيجب في السفينة ظاهر في وجوبه في السفينة في جميع الأحوال، فالتزامه في بعض أحوال السفينة وهو حال وقوفها لم يكن قولًا بموجبه بخلاف قولنا: فتجب فيه الزكاة فإنه ليس ظاهرًا في زكاة العين بحسب جوهر لفظه، ولا في جميع أنواع الزكاة، ولا يراد ذلك منه حتى يكون التزام وجوب بعض أنواعه حينئذ ليس قولًا بالموجب، بل هو ظاهر في وجوب ما يصدق عليه أنه زكاة، فإذا التزم بعض أنواعها كزكاة التجارة فقد التزم موجب الدليل فكان قولًا بالموجب، وكلام بعضهم يدل على أن هذا النوع من الالتزام قول بالموجب أيضًا، لكن ما ذكرناه أظهر وإن كان محتملًا لما ذكروه.
стр. 3188
مثال الثاني نحو قول الحنفية في مال الضمان والمغصوب والضال: أنه لو وجبت الزكاة فيها لوجب أداؤها، لأنه مال وجبت الزكاة فيه فيجب أداؤها [كغيره من الأموال الزكاتية، فيقول الخصم: أقول بموجبه أنه يجب أداؤها] إذا وجده والكلام فيما قبله ودليلك لا يفيده.
ونحو قولنا في الملتجئ إلى الحرم: أنه وجد سبب جواز استيفاء القصاص فكان [استيفاؤه جائزًا كما في حق غيره، فيقول الخصم: أقول بموجبه فإن] استيفاء القصاص جائزًا لا نزاع في ذلك، وإنما النزاع في جواز هتك حرمة الحرم وما ذكره لا يفيده.
وأما إذا كان نفيًا فيتصور ذلك أيضًا فيه على قياس ما سبق في الإثبات كقولنا في القهقهة: أنها غير ناقضة للوضوء خارج الصلاة، وكذا في الصلاة كغيرها/ (٢٠٩/ أ) من الأفعال نحو الأكل والكلام، فيقول الخصم: أقول بموجبه أنها لا تنقض في صلاة الجنازة.
وإن كان الثاني وهو أن يكون القول بالموجب يورد على دليل يبطل به مذهب الخصم وهو على قسمين:
стр. 3189
أحدهما: أن يكون المطلوب نفي الحكم، واللازم من دليل المستدل نفي كون شيء معين موجبًا له كقولنا في القتل بالمثقل: التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص [كالتفاوت في المتوسل إليه، فيقول الخصم: أقول بموجبه وهو أن التفاوت في الوسيلة لا يمتنع وجوب القصاص] فلم لا يمنع القصاص بشيء آخر نحو وجود مانع آخر، أو فقد شرط، أو عدم المقتضي؟ وما ذكرته لا يفيد امتناع شيء من ذلك.
وثانيهما: أن يكون المطلوب نفي علية ما هو علة الحكم عند الخصم واللازم من القياس نفي علية ملزوم علته، كقولنا في أن الإجارة لا تنفسخ بالموت: بأن الموت معني يزيل التكليف فلا تنفسخ به الإجارة كالجنون، فيقول الخصم: أقول بموجبه، لا تنفسخ بالموت، وإنما تنفسخ عنده لزوال الملك، ولهذا لو باع العين المستأجرة ورضي المستأجر بالبيع انفسخت الإجارة، والقول بالموجب غير متصور في الأصل، لأن القياس ما ذكر لإثبات الحكم فيه فلم يتصور فيه القول بالموجب.
واختلفوا في أنه هل يجب على المعترض إبداء سند القول بالموجب أم لا اختلفوا فيه:
فذهب بعضهم: إلى أنه يجب لكونه أقرب إلى ضبط الكلام وصونه عن الخبط؛ وذلك لأنا لو لم نوجب ذلك عليه لم نأمن منه أن يورد القول بالموجب وإن كان ما أبطله المستدل هو مأخذ مذهبهم عنادًا، أو قصدًا لإبطال كلام المستدل بخلاف ما إذا أوجبنا عليه ذلك فإنه لا يقدم على ذلك خوفًا من ظهور
стр. 3190
عناده ومكابرته.
وذهب الآخرون إلى أنه لا يجب عليه ذلك؛ لأنه عاقل متدين وهو أعرف بمأخذ مذهبه فيصدق فيما يقوله كما في غيره من الأخبار على أنه لا فائدة فيه؛ فإنه لو أوجب عليه ذلك فأبداه فأما أن يمكن المستدل من الاعتراض عليه، أو لا يمكن، والأول باطل، لما فيه من انتشار الكلام وقلب الموضوع، فإنه حينئذ يصير المستدل معترضًا والمعترض مستدلًا، والثاني يحصل المقصود؛ لأنه إذا علم أنه لا يعترض عليه فيما يقول فربما يقول ما لا يصح من جعل ما ليس بعلة علة.
ثم الجواب عن القول بالموجب بوجوه:
أحدها: أن يبين المعلل أن الذي التزم فيه المعترض القول بموجب دليله هو صورة النزاع، أو من جملة صورها إما بالنقل الصريح عن كتاب معتبر لهم، أو عن إمام لهم اتفق على علمه وعدالته، أو بأنه مشهور بالخلاف، أو أن مأخذه عند الخصم كذا وهو حاصل فيما دل عليه كلام المعلل.
وثانيها: أن يتبين أنه وإن لم يكن محل الخلاف لكن يلزم منه الحكم في محل الخلاف كما إذا استدل على أنه لا يجوز قتل المسلم بالذمي، فقال المعترض أقول بموجبه فإنه عندي غير جائز بل هو واجب، فيقول المستدل: يلزم من عدم الجواز عدم الوجوب قطعًا؛ إذ المراد من الجواز المنفي رفع الحرج عن الفعل لا الإباحة، ولا شك جزؤ الواجب ويلزم من انتفاء جزئه انتفاؤه قطعًا، وهذان الجوابان يختصان بما إذا كان القول بالموجب يصرف الخلاف إلى غير ما دل عليه ظاهر كلام المستدل.
وثالثها: أن يقول: إن هذا إنما يكون قولًا بالموجب إذا لم يكن كلامي يجري على ظاهره كما تقدم من المثال لكن ذلك باطل وهو على خلاف الأصل
стр. 3191
فلم تكن تلك الصورة قولًا بالموجب.
ورابعها: أن يقول: إن هذا ليس قولًا بالموجب؛ لأنه إنما يكون كذلك أن لو كان تمام موجب الدليل حاصلًا فيه، لكنه غير حاصل فيه لأنه فقد عنه المعني الفلاني وهو مدلول الدليل لفظًا أو معني لو أمكنه بيان ذلك.
стр. 3192
الفصل الخامس
في الفرق
стр. 3193
الفصل الخامس
في الفرق
وفيه مسائل:
المسألة الأولى
اعلم أن الفرق عبارة عن إبداء وصف في الأصل يصلح أن يكون على مستقلة للحكم، أو جزء علته.
واختلفوا في قبوله وقدحه في العلة:
فقبله بعضهم وقال بقدحه في العلة وهو المختار.
ومنع منه الباقون. والكلام فيه نفيًا وإثباتًا مبني على أنه يجوز تعليل الحكم لواحد بعلتين أم لا؟ فلنتكلم فيه:
المسألة الثانية
يجوز تعليل الحكم الواحد نوعًا المختلف شخصًا بعلل مختلفة وفاقًا ، وذلك نحو أن يعلل إباحة قتل شخص بردته. [والآخر بالقصاص، والآخر بالزنا بعد الإحصان.
واختلفوا في جواز تعليل الحكم الواحد في صورة واحدة بعلل مختلفة نحو
стр. 3194
إباحة قتل الشخص الواحد بردته] وقتله الموجب للقصاص: فمنهم من منع ذلك مطلقًا، قيل هو اختيار القاضي أبي بكر وإمام الحرمين.
وقد نقل عن القاضي جوازه مطلقًا، والتفصيل بين المنصوصة والمستنبطة.
والأشهر عن الإمام أنه يجوز عقلًا لكنه/ (٢١٠/ أ) لم يقع شرعًا.
ومنهم من جوز ذلك مطلقًا وهو مذهب أكثر الفقهاء.
ومنهم من فصل فجوز ذلك في المنصوصة دون المستنبطة وهو اختيار الأستاذ أبي بكر والغزالي والإمام.
ومنهم من عكس.
стр. 3195
احتج الأولون بوجوه:
أحدها: أنه لو كان الحكم الواحد معللًا بعلل مختلفة، لم يخل إما أن يستقل كل واحد منها بالتعليل، أو لا يستقل واحد منها بل به لا يتم إلا بمجموعها، أو يستقل أحدها به دون البواقي، والأقسام الثلاثة باطلة، والتعليل بالعلل المختلفة باطل.
أما الأول: فلأنه لا معني لكون الوصف علة مستقلة إلا أنه علة له دون غيره، فلو كان كل واحدة منها علة مستقلة بالتعليل بهذا التفسير، لزم أن لا يكون كل واحدة منها علة، فضلًا عن أن تكون مستقلة.
وأما الثاني: فهو أيضًا باطل؛ لأنه على نقيض ما فرض من الملزوم فكان باطلًا وبتقدير أن لا يكون باطلًا فالمقصود حاصل؛ لأنه حينئذ لا يكون ذلك الحكم معللًا إلا بعلة واحدة.
وأما الثالث: فهو أيضًا باطل؛ لأنه حينئذ يلزم ترجيح أحد الجائزين على الآخر وهو باطل، وبتقدير أن لا يكون باطلًا فالمقصود حاصل على ما عرف ذلك من قبل.
وهذا ضعيف؛ لأنا لا نسلم أنه لا معني لكون الوصف علة مستقلة للحكم إلا ما ذكرتم، بل معناه أنه لو وجد منفردًا لكان مقتضيًا له من غير حاجة إلى غيره ومعلوم أن اللفظ منطبق على هذا المفهوم وحينئذ لم يلزم ما ذكرتم من المحذور وما يقال في جوابه: بأن الكلام إنما هو مفروض في حالة الاجتماع لا في حالة الانفراد، والتقسيم في حالة الاجتماع، فعلي ما سبق ضعيف أيضًا؛ لأنه ليس معني قولنا: "لو وجد منفردًا [أنه لو وجد منفردًا] حالة
стр. 3196
الاجتماع حتى يكون فرض حالة الاجتماع منافيًا له بل معناه: أن العلة المستقلة مآلها هذه الحيثية ومعلوم أن فرض حالة الاجتماع لا ينافي هذا المفهوم، وحينئذ حاصل الكلام يرجع إلى أنه لم لا يجوز أن يكون الحكم معللًا بكل واحد من العلل المختلفة التي شأنها أنه لو وجدت واحدة منها وحدها لاستقلت بالاتحاد؟ ومعلوم أن التقسيم المذكور في الدليل لا يبطل هذا الاحتمال.
وثانيها: أنه لو كان الحكم عند اجتماع العلل معللًا بكل واحدة منها لزم أن لا يكون معللا بكل واحدة منها، واللازم باطل فالملزوم مثله.
بيان الملازمة: أن المعلول مع العلة المستقلة يصير واجب الثبوت بها غنيًا عن غيرها، والغني عن الشيء لا يكون معللًا به، فلو كان الحكم الواحد معللا بكل واحدة من العلل المستقلة لزم أن يكون غنيًا عن كل واحدة منها، وحينئذ يلزم أن لا يكون معللًا بكل واحدة منها هذا خلف.
وزيف بأن هذا إنما يلزم إذا فسرت العلة بغير المعرف، فأما إذا فسرت به فلا فإن اجتماع المعرفات المستقلة على معرف واحد جائز.
وثالثها: أن جواز تعليل الحكم الواحد بأكثر من علة واحدة يفضي إلى أحد الأمور الثلاثة:
وهو إما تحصيل الحاصل، أو اجتماع المثلين، أو نقص العلة والأمور كلها باطلة فبطل التعليل بأكثر من علة واحدة.
بيان الملازمة: أن [أي] علة من تلف العلل إذا وجدت فلابد وأن تقتضي [حصول الحكم، وإلا لحكم النقض من غير مانع وهو باطل لما تقدم. فإذا حصلت العلة الثانية فإن اقتضي] حصول ذلك الحكم بعينه، لزم تحصيل
стр. 3197
الحاصل، أو مثله لزم اجتماع المثلين، أو غيرهما أو لم يقتض شيئًا لزم النقض.
وجوابه: أنه لا ينفي حيث تحصل العلل دفعة واحدة ويكون الحكم معللًا بكل واحدة منها.
سلمناه لكن الحكم للحاصل بالعلة السابقة إنما يمتنع حصوله بالعلة اللاحقة إذا فسرت العلة "بالمؤثر"، فأما إذا فسرت "بالمعرف" فلا نسلم امتناعه.
سلمنا امتناعه مطلقًا، لكن النقض لمانع وهو غير ممتنع على ما تقدم تقريره فإن حصول الحكم أولًا مانع من حصول ثانيًا.
ورابعها: أن العلة يحب أن تكون مناسبة، ومناسبة الواحد للمختلفين تقتضي مساواته لهما، ومساواته لهما يقتضي مخالفته لنفسه؛ لأن المساوي لمختلفين مختلف، وهو محال فالملزوم مثله.
وجوابه: أنا لا نسلم أن العلة يجب أن تكون مناسبة، وقد عرفت سنده فيما تقدم.
سلمناه كلن لا تسلم امتناع مخالفة الشيء لنفسه باعتبارين مختلفين.
سلمناه لكن لم يجوز أن تشترك العلتان في جهة واحدة وتتحقق المناسبة بينهما وبين الحكم بحسب تلك الجهة.
وخامسها: لو جاز اجتماع العلل على الحكم الواحد، فإما أن تكون كل واحدة من تلك العلل تؤثر في كل الحكم، أو في بعضه، والقسمان باطلان فبطل الاجتماع.
стр. 3198
أما الأول، فلأنه حينئذ يلزم إيقاع الواقع وتحصيل الحاصل؛ لأن ذلك الحكم لما حصل بواحدة منها فلو حصل بالأخرى لزم ما تقدم.
وأما الثاني فلوجوه:
أحدها: أن الحكم الواحد لا يتبعض.
وثانيها: أن ذلك يقتضي أن يكون معلول كل واحدة منها غير معلول الآخر، فلم يحصل الاجتماع على معلول/ (٢١١/ أ) واحد [وهو خروج عن المسألة.
وثالثها: أن ذلك يقتضي أن لا يكون كل واحدة منها مستقلة] وهو خروج عن المسألة أيضًا.
وجوابه: لا يخفي مما تقدم.
وسادسها: الإجماع، وتقريره: أن الأئمة تعلقوا بالترجيح في كون العلة المرجحة هي العلة بعد ذكر دلالتهم على صحة عللهم، واكتفوا بذلك عن ذكر الدلالة على بطلان مذهب مخالفهم كما في ربا الفضل وغيره ولو كان التعليل بأكثر من العلة والحدة جائزًا لم يفد ذلك؛ إذ لا يفيد الرجيح سوى ظهور العلة، ومن جوز التعليل بأكثر من الواحدة لم يذكر أن يكون بعضها أكثر من البعض.
وجوابه: أن ذلك بإجماع من القائسين وليس فيه الحجة بل في إجماع مجموع الأمة سلمناه كلن الترجيح متضمنًا للإبطال إذ لا يجوز العمل بالمرجوح مع وجود الراجح.
стр. 3199
وهذا فيه نظر. سلمناه لكن حيث أجمعوا على أن العلة فيه واحدة.
واحتج المجوزون بوجوه:
أحدهما: أن العلل إذا اجتمعت في الشخص الواحد كالقتل والردة والزنا.
فإما أن يقال: أن الحكم لا يثبت فيه أصلًا، وهو باطل قطعًا.
أو يثبت بواحدة معينة منها، وهو أيضًا باطل؛ لأنه يلزم الترجيح من غير مرجح.
أو بواحدة لا بعينها، وهو أيضًا باطل؛ لأن ما لا تعين له لا وجود له في نفسه، وما لا وجود له لا يصلح أن يكون علة.
أو بمجموعها، وهو أيضًا باطل؛ لأنه حينئذ يكون كل واحدة منها جزء العلة وليس كلامنا فيه.
فيتعين أن يكون الحكم معللًا بكل واحدة منها.
لا يقال: العلل أن ترتبت فالحكم معلل بالسابق منها، وشيء من تلك المفاسد المذكورة غير لازم حينئذ وإلا فجواز وجودها دفعة واحدة ممنوع؛ لأنا نقول: منع جواز وجودها دفعة واحدة منع مكابرة؛ وهذا لأنا نعلم قطعًا أنه لا منافاة بين تلك الأمور، فيصح اجتماعها ووجودها دفعة واحدة.
ثم استقراء الأسباب والأحكام يحققه؛ إذ يمكن أن يصدر من الواحد في ساعة [واحدة] الزنا والردة معًا، وكذلك قد يوجد اللمس والمس معًا كما إذا مس الرجل فرج المرأة، وكذلك يمكن أن يحرم [وطء] المرأة لحيض وإحرام يوجدان منها معًا، وكذلك لحيض واعتداد، أو لإحرام واعتداد
стр. 3200
أو بكلها، والأقوى أنك إذا جمعت لبن أختك وزوجة أخيك وأوجرت به المرتضعة فإنها تحرم عليك؛ لأنك خالها وعمها فهذه الصور تدل على وقوع اجتماع الأسباب دفعة واحدة فضلًا عن جوازه.
وحينئذ نسرد ما ذكرنا من التقسيم فيه ونبطل كلها بما تقدم سوى كون الحكم معللًا بكل واحدة منها.
وأما الاستدلال بهذه الصور على المطلوب، وهو كون الحكم معللًا بعلتين من غير ما تقدم من التقسيم فضعيف؛ لأن الخصم يمنع ذلك إذ ليس فيه دلالة على ذلك بل ليس فيه دلالة إلا على أن السببين أو أكثر قد اجتمع على الحكم، فأما أن ذلك الحكم معلل بكل واحدة منها [أو بواحدة منها] فلا.
فإن قلت: هذه الدلالة إنما تتم أن لو كان الحكم الحاصل في المحل عند وجود تلك الأسباب معًا حكم واحد وهو ممنوع، بل هناك أحكام متعددة بحسب تعدد تلك العلل؛ وهذا لأن جواز القتل بسبب الردة غير جوازه بسبب القصاص، وغير جوازه بسبب الزنا بدليل: أنه إذا رجع إلى الإسلام سقط عنه قتل الردة، وبقي عليه القتل بسبب القصاص والزنا وإذا عفي عنه سقط الأول وبقي الثاني، ولو كان الحكم واحدًا لاستحال ذلك.
وأيضًا: فإن القتل بسبب القصاص حق للآدمي، يجوز أن يسقطه وله أحكام تخصه، نحو أن له بدلًا، وأنه يستوفي بما قتل وأن إسقاطه مندوب إليه، والقتل بسبب الردة ليس لسقوطه سبب الرجوع إلى الإسلام،
стр. 3201
وله أحكام تخصه، نحو: أن يقدم عليه إلا بعد الاستتابة وأنه يجب استيفاؤه، وأنه يقتل بالسيف، والقتل بسبب الزنا ليس لسقوطه طريق أصلًا، وله أحكام تخصه، نحو: أنه يدرأ بالشبهة وأنه لا يستوفي إلا بالرجم، وأنه إذا هرب لا يتبع، واختلاف هذه الأحكام يدل على اختلاف متعلقاتها.
قلت: الدليل على أن الحكم واحد هو: أن النكاح أمر واحد وحياة الشخص الواحد واحدة، ومقابل الواحد واحد، فتحريمه وإزالتها واحد، والإذن في إزالة الواحد واحد، فجواز القتل أمر واحد وإذا ثبت أن تحريم النكاح وجواز القتل كل واحد منهما واحد في نفسه فنقول عند اجتماع الأسباب عليه: لو اختلف في نفسه لزم اختلاف ماهية الشيء لحصول أمر عارضي خارج عن ماهيته فإن السبب وحصوله وحده أو مع غيره، خارج عن ماهية السبب الذي هو الحكم لكن ذلك باطل قطعًا، نعم الذي سيحصل للحكم عند اجتماع الأسباب زائدًا على الذي يحصل له عند واحد منها إنما هو تعدد الإضافة، وهو الزائل عند زوال واحد منها لا نفس الحكم كما ذكرتم، فإن ذلك ممنوع لما تقدم، والأحكام المختلفة التي ذكروها فلم لا يجوز أن يقال: بعضها/ (٢١٢/ أ) عارضة الحكم ككونه حق الله أو حق العبد، وبعضها تابعة لتجديد تلك الإضافة المتجددة وحينئذ لا يلزم اختلاف الحكم في نفسه.
ثم الذي يحققه: أنا إذا علمنا جواز القتل بسبب، ثم طرأ عليه سبب آخر له، فإنه لا يتغير الاعتقاد الأول ولم يحصل لنا العلم بتجدد أمر له سوى كونه مضافًا إليه ولا شك أنه خارج عن ماهيته، ولو كان الحكم مختلفًا لما كان كذلك.
وهذا الجواب بعينه عما ذكر من الوجهين في الدلالة على تعدد الأحكام
стр. 3202
على أنهما لا يأتيان فيما تقدم من صورة إيجار اللبن.
فإن قلت: هب أنه يمكن اجتماع الأسباب وأن الحكم واحد، لكن لم لا يجوز أن يقال: إن تلك الأسباب تشترك في أمر واحد والعلة إنما هو ذلك المشترك.
قلت: هذا باطل لأن الأمة مجمعة على أن الحيض من حيث هو حيض محرم للوطء، وكذلك العدة والإحرام فالقول بأن العلة هي القدر المشترك بينه وبين غيره مخالف لهذا الإجماع فكان باطلًا.
ولأن بعض هذه الأمور أمر حقيقي، وبعضها أمر اعتباري ولا اشتراك بينهما إلا في عموم أنه أمر ما، أو ما يجري مجراه الذي لا يمكن جعله علة الحكم وإلا لانتقض بالطم والرم.
وثانيها: أن علل الشرع أمارات ومعرفات، ويجوز اجتماع المعرفات والأمارات على شيء واحد فكذا العلل.
стр. 3203
وثالثها: أنه لو امتنع ذلك:
فأما أن يمتنع لكون اجتماع العلل دفعة واحدة ممتنعاً، وهو باطل لما تقدم.
أو لامتناع مقارنة الحكم مع العلل، بناء على أنه يجوز أن يكون شرط صحة مقارنته لعلة مع العلل عدم الأخرى وهو أيضًا باطل.
أو أولًا: فلأنه خلاف الواقع، فإن الواقع مقارنة الحكم للعلل، أي هو حاصل حيث كانت العلل حاصلة، وهذا لا شك فيه ولا ريب، وإنما النزاع في أنه معلل بواحد منها، أو بكلها، وذلك لا يقدح في أصل الحصول معها.
وأما ثانيًا: فلأن الأمة مجمعة على أن الحيض والعدة والإحرام كل واحد منها على لتحريم الوطء مطلقًا، وذلك يفيد أن كل واحد منها على سواء وجد الآخر أو لم يوجد.
وأما ثالثًا: فلأنه يقتضي أن يكون القيد العدمي شرطًا لعلية العلة وهو باطل كما عرفت آنفًا.
وإذا ثبت هذا فنقول: إذا كان كل واحد منها علة له سواء وجد الآخر أو لم يوجد وجب صحة مقارنته لكلها لصحة مقارنة الحكم لعلته أو لامتناع انفراده مع اجتماعها، وهو أيضًا باطل؛ لأن ذلك الامتناع ليس بذاتي له، وإلا لكان كل من تصور هذا الاحتمال تصور امتناعه، لاستحالة تصور الشيء بدون ما هو ذاتي له فلو كان ممتنعًا لكان امتناعه لغيره، لكن الأصل عدم ذلك الغير، فوجب أن لا يكون ممتنعًا فيكون جائزًا وهو المطلوب.
стр. 3204
واحتج من لم يجوز ذلك في المستنبطة بوجوه:
أحدها: وهو ما ذكره الإمام: "أن الإنسان إذا أعطي فقيهًا فقيرًا قريبًا، احتمل أن يكون الداعي إلى الإعطاء كونه فقيهًا فقط، أو فقيرًا فقط، أو كونه قريبًا فقط، أو مجموعها أو مجموع اثنين منها، وهذه الاحتمالات متنافية؛ لأن قولنا: الداعي إلى الإعطاء هو الفقر [لا غير] ينافي أن يكون غير الفقر داعيًا، أو جزءًا من الداعي، وإذا كانت هذه الاحتمالات متنافية فإن بقيت على حد التساوي امتنع حصول الظن بواحد منها على التعيين: فلا يجوز الحكم بكونه علة.
وإن ترجح بعضها، فذلك الترجيح يحصل بأمر وراء "المناسبة والاقتران"؛ لأن ذلك مشترك بين هذه الاحتمالات وحينئذ يكون الراجح هو العلة دون المرجوح وهو ضعيف؛ وهذا لأنا نسلم أن احتمال كونه أعطاه لفقره فقط ينافي احتمال كونه أعطاه لفقهه فقط، لكن لم قلتم: إن احتمال كونه أعطاه لفقره ينافي احتمال كونه أعطاه لفقهه أيضًا كما في المنصوصة؟ ولا نسلم أن هذا في قوة ذاك، وأين الدليل عليه؟
ثم الذي يدل على أنه ليس في قوة ذلك هو: أنه يمكن تقسيمه إليه، وإلى ما ذكرنا، ومورد التقسيم يجب أن يكون مشتركًا بين القسمين: فإن قلت: ذاك بحسب اللغة، أما بحسب العرف فلا لأن قولنا: أعطاه لفقره يفيد في العرف أنه أعطاه له لا لغيره بدليل أن من أراد تكذيبه ومناقضته فإنه يقول: أعطاه لفقهه، ولولا أنه يفيد نفي غيره وإلا لما جاز ذلك.
قلت: لا نسلم ذلك؛ وهذا لأن الأصل عدم التغيير، وأما التكذيب
стр. 3205
والمناقضة فلا نسلم أن ذلك على الإطلاق، بل حيث عرف المقصود.
سلمناه لكن لا يدل على المقصود، لاحتمال أن ذلك بطريق النقل للفظ عن وضعه الأصلي، لا لأنه لا يجوز تعليل الحكم بعلتين مختلفتين.
وثانيها: أن الصحابة والأئمة من بعدهم أجمعوا على قبول الفرق: وذلك يدل على أنه لا يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين مستنبطتين.
بيان الأول: بما روى أن عمر- ﵁ لما شاور عبد الرحمن في قضية المجهضة قال له عبد الرحمن: إنك مؤدب ولا أري عليك شيئًا، وشاور عليا أيضًا في ذلك فقال له- ﵁ إن لم يجتهد فقد غشك، وإن اجتهد أخطأ، أري عليك الغرة.
ووجه الاستدلال به: أن عبد الرحمن- ﵁ شبهه بالتأديب والتأديب لكونه مشروعًا/ (٢١٣/ أ) مستحقًا يقتضي أن لا يجب بسببه شيء وإن أفضي إلى الهلاك كالحدود، وأن عليا- ﵁ فرق بينه وبين سائر الزاجرات من الحدود بأن التعزيرات المستحقة والتأديبات المندوبة إنما تجوز بشرط سلامة العاقبة فإذا انتهي إلى الهلاك علمنا فوات شرطه، فلا جرم وجب الضمان بخلاف الحدود المقدرة فإنها تجوز مطلقًا، ولم ينكر عليه أحد منهم فكان إجماعًا على ما تقدم بيانه في الإجماع.
بيان الثاني: ظاهر، فإنه لو جاز تعليل الحكم بعلتين لم يكن الفرق قادحًا فيما ذكره الخصم من الجامع، فإنه يجوز حينئذ أن يكون الحكم في الأصل ثابتًا بكل واحد من الجامع والفارق، أو بالجامع ومجموع الجامع والفارق، ويمكن أن يجاب عنه ببعض ما سبق في حجة المانعين مطلقًا.
стр. 3206
وثالثها: أن مستند ظن علية المستنبطة إنما هو المناسبة، والاقتران وما يجري مجراه، فإذا وجد ذلك بعينه في وصف آخر لم يكن حصول ظن العلة في أحد الوصفين أولى من حصوله في الآخر، فأما أن لا يحصل أصلًا في كل واحد منهما ولا في مجموعهما وهو باطل، أو يحصل في مجموعهما وحينئذ تكون العلة مجموعهما لا كل واحد منهما، أو يحصل في كل واحد منهما، وهو أيضًا باطل؛ فإنا نجد من أنفسنا اختلال ظن علية الوصف عند الشعور بوصف آخر مناسب لذلك الحكم ولو كان مفيدًا لعلية كل واحد من الوصفين لما اختل ذلك الظن كما في المنصوصتين، فإن الشارع إذا نص على علية وصف الحكم ثم نص على علية وصف آخر فإنه لا يختل ذلك الظن.
واحتج من قال بالعكس: أن المنصوصة قطعية فأشبهت العلة العقلية واجتماعها على معلول واحد، شخصي غير جائز، فهذا بخلاف المستنبطة فإنها ظنية فيصح أن يكون كل واحد منهما علة كما أن سبب ظن العلل حاصل في كل واحد من الوصفين.
وجوابه: واضح مما تقدم.
وأيضًا فإن العلة العقلية إنما لا يجوز اجتماعها على المعلول الواحد لكونها موجبة لا لكونها قطعية، وكونها قطعية لا يقتضي كونها موجبة فلا يلزم من عدم جواز اجتماع تلك العلل العقلية عدم جواز العلل المنصوصة وإن كانت قطعية، ثم هذا لا يتأتي فيما إذا كان النص الدال على علية الوصف من باب الآحاد فإنها منصوصة أيضًا وليست بقطعية.
стр. 3207
المسألة الثالثة
القائلون بكون الفرق يقدح في العلية اختلفوا في أنه هل هو من تمامه ولوازمه نفيه عن الفرع أم لا ؟
اختلفوا فيه: فمنهم من أوجب ذلك على الفارق؛ لأن مقصود الفرق أن تفترق الصورتان وذلك بيان وجوده في إحدى الصورتين دون الأخرى.
ومنهم من لم يوجب ذلك عليه؛ لأنه إن لم يكن موجودًا في الفرع فلا معني لإيجاب ذلك عليه، وإن كان موجودًا فيه فيفتقر المعلل إلى بيان وجوده فيه ليصح الإلحاق وإلا فينقطع الجامع، وهذا فيه نظر بين.
ومنهم من فصل فقال: إن صرح في إيراد الفرق بالاقتران بين الأصل والفرع فلابد من نفيه عنه، وإن لم يصرح به بل قصد به بيان أن دليله غير تام بأن يقول: دليلك غير مستقل بالدلالة على المطلوب؛ لأن الدليل دل على أنه لابد من إدراج ذلك الوصف الذي هو الفرق في الدليل حتى يكون دليلًا، وإن كان غير موجود في الفرع فلا يثبت الحكم فيه لعدم حصول الدليل فيه، وإن كان حاصلًا فيه كان الحكم بمجموع الوصفين لا بما ذكرت من الجامع وحده فلا يجب ذلك عليه.
هذا كله فيما إذا كان المقيس عليه واحدًا.
فأما إذا كان متعددًا فمنهم من منع ذلك لإفضائه إلى النشر مع إمكان حصول المقصود بواحد منها.
стр. 3208
ومنهم من جوز ذلك؛ لأن ذلك من باب تكثير الأدلة وهو أقوى في إفادة الظن.
ثم المجوزون اختلفوا في أنه إذا فرق المعترض بين أصل واحد وبين الفرع هل يكفيه ذلك أم لا؟ بل يحتاج إلى أن يفرق بين الفرع وبين كل واحد منها:
فذهب قوم إلى أنه يكفيه ذلك، وهو الأصح، لأن إلحاق الفرع بتلك الأصول بأسرها غرض المستدل وإلا لم يعدده وهو غير حاصل، ضرورة أنه لم يكن ملحقًا بالأصل الذي فرق المعترض بينه وبين الفرع فلم يكن ملحقًا بها بأسرها، وحينئذ يحصل غرض المعترض وهو إبطال ما رام المستدل إثباته.
ومنهم من قال: لا يكفيه ذلك بل يحتاج إلى أن يفرق بين الفرع وبين كل واحد من تلك الأصول، لأن القياس على كل واحد من تلك الأصول مستقل في إفادة المطلوب، فإذا خرج بعض تلك الأقيسة بالفرق عن إفادته فقد بقي الثاني مفيدًا للمطلوب فيحصل غرض المستدل.
واعلم أنه أن كان غرض المستدل من الأقيسة المتعددة إثبات المطلوب بصفة الرجحان وغلبه الظن المخصوص فالفرق المذكور قادح في غرضه، ومحصل لغرض المعترض، وإن كان غرضه إثبات أصل المطلوب أي إثباته برجحان ما فيهما بقي قياس/ (٢١٤/ أ) واحد أو أكثر منه سليمًا عن الفرق لم يقدح ذلك في غرضه ولا يحصل به غرض المستدل.
ثم الذين لم يكتفوا بالفرق بين الفرع وأصل واحد بل أوجبوا ذكره بينه وبين جميع تلك الأصول اختلفوا في أنه هل يجب أن يكون ذلك الفرق واحدًا لئلا ينتشر الكلام وليكون موافقًا للمستدل فإنه ذكر جامعًا واحدًا في أقيسته على جميع تلك الأصول أم يجوز أن يكون متعددًا؟
فمنهم من ذهب إلى الاحتمال الأول.
стр. 3209
ومنهم من ذهب إلى الثاني وهو الأولي؛ إذ الأول يتعذر في الأكثر فيلزم سد باب القدح على المعترض.
ثم إذا ذكر المعترض الفرق بين الفرع وبين الأصول واحدًا كان أو متعددًا فهل يكفي للمستدل أن يجيب عنه بالنسبة إلى أصل واحد أو بالنسبة إلى جميع تلك الأصول؟
اختلفوا فيه: فمنهم من قال: بالاحتمال الأول مصيرًا منه بأنه لو قاس عليه فقط في أول الأمر لكان كافيًا له فكذا في الجواب.
ومنهم من قال: لا يكفيه ذلك؛ لأنه التزم صحة القياس على كل تلك الأصول فيلزمه أن يجيب بحيث تصح كل تلك الأصول. ومنه يعرف أنه لو فرق بين الفرع وبين بعض [تلك] الأصول هل يجب عليه الجواب أم لا.
стр. 3210
المسألة الرابعة
في الجواب عن الفرق وهو من وجوه:
أحدها: منع وجود ذلك الوصف الذي أبداه فارقًا في الأصل.
وثانيها: المطالبة بتأثير الوصف إن كان طريق إثبات العلة من جهة المستدل غير السبر والتقسيم، فإن كان هو فلا؛ لأنه لما ظهر وصف آخر في المحل يجب على المستدل نفي عليته حتى تثبت علية وصفه.
وثالثها: أن يبين أنه ملغي بالنسبة إلى الأحكام الشرعية، أو بالنسبة إلى ذلك الحكم الذي يحاول إثباته وإن كان مناسبًا كالذكورة في باب العتق.
ورابعها: أن يبين أن وصفه قد استقل بالحكم في صوره دون وصف المعترض، فعند ذلك يلزم عدم اعتباره؛ لأن اعتباره علة يستلزم عدم اعتبار المستقل، واعتبار غير المستقل، وهو ممتنع، واعتباره جزؤ على يقتضي عدم اعتبار ما ثبت اعتباره استقلالًا لفوات ما لم يثبت اعتباره علة ولا جزؤ علة، وهو أيضًا ممتنع فإن بين المعترض في تلك الصورة أيضًا وصفًا آخر غير ما عارض به في الأصل فلابد من إبطاله أيضًا، وإلا لم يثبت استقلال ما ذكر من الوصف لاحتمال أن يكون الحكم فيه ثابتًا بالمجموع أو بوصف المعترض.
وخامسها: أن يرجح عليته على علة المعترض بما ستعرف من تراجيح العلل، نحو أن يكون الوصف ظاهرًا حقيقيًا منضبطًا متعديًا وغيرها من التراجيح.
стр. 3211
القسم الثالث
стр. 3212
القسم الثالث
في أمور ظنت أنها تفسد العلة مع أنها ليست كذلك وفيها مسائل:
المسألة الأولى
في تقسيم العلة وهو من وجوه:
أولها: أن علة الحكم إما محله الذي يثبت فيه.
أو جزء من ماهيته وإما العام أو الخاص.
أو خارج عن ماهيته.
والخارج: إما عقلي، أو عرفي، أو شرعي، أو لغوي.
والعقلي: إما نفس المصلحة أو المفسدة وهو التعليل بالحكمة كقولنا: شرع القصاص تحصيلًا لصيانة النفوس عن الإتلاف، وحرمت الخمر دفعًا لمفاسده.
وأما أمارتها كقولنا: جهالة أحد العوضين موجب لفساد البيع فإن الفساد في الحقيقة إنما هو معلل بتعذر التسليم، والجهالة أمارة عليه.
وإما صفة حقيقية كقولنا: مطعوم فيكون ربويًا.
أو صفة إضافية كقولنا: مكيل فيكون ربويًا.
стр. 3213
أو صفة سلبية كقولنا: في طلاق المكره لم يرض به فلا يقع.
أو ما يتركب من الحقيقية والإضافية كقولنا: بيع صدر من الأهل في المحل.
أو ما يتركب من الحقيقية والسلبية كقولنا: قتل بغير حق.
أو ما يرتكب من الإضافية والسلبية كقولنا: مكيل ليس من الجنس فيجوز فيه التفاضل.
أو ما يتركب من الثلاثة كقولنا: قتل عمد عدوان.
وأما العرفي فكقولنا: هذا عيب عرفا فيثبت به الرد.
وأما الشرعي فكقولنا في المشاع: يجوز بيعه فيجوز رهنه وهبته.
وأما اللغوي فكقولنا في النبيذ: إنه مسمي بالخمر فيحرم كالمعتصر من العنب، وكقولنا في اللواط: إنه مسمي بالزنا فيجب فيه الحد كما في القبل.
ثم اعلم أن التعليل بالمحل، أو بجزئه الخاص إنما يكون في العلة القاصرة؛ لاستحالة وجود خصوصية المحل، أو جزئه الخاص في غيره، وأما بجزئه العام المشترك بينه وبين غيره فإنه لا يكون إلا في المتعدية.
التقسيم الثاني: الوصف المجعول علة إما أن لا يكون فعل المكلف أو يكون فعله.
стр. 3214
والأول إما أن يكون لازمًا: ككون البر مطعومًا.
أو لا يكون لازمًا: وهو إما أصلي حاصل بمقتضي الخلقة والطبيعة كالبكارة لولاية الإجبار، أو لا يكون كذلك، بل هو طارئ بحسب العادة: كانقلاب العصير خمرًا أو الخمر خلًا.
أما القسم الثاني وهو أن يكون الوصف المجعول علة من فعل المكلف فهو إما أن يكون فعل واحد منهم كقتله، وردته، أو لا يكون كذلك بل هو بفعل أهل العرف ككون البر مكيلًا.
التقسيم الثالث: الحكم والعلة/ (٢١٥/ أ) إما أن يكون ثبوتيتين أو عدميتين، أو تكون العلة ثبوتية والحكم عدميًا، أو بالعكس.
مثال الأول: ثبوت الربا لعلة الطعم.
مثال الثاني: عدم صحة البيع لعد الرضا.
وهذا القسمان لا نزاع فيهما هكذا ذكره الإمام.
وفيه نظر: فإن من يجعل العلية ثبوتية ينبغي أن لا يجوز ثباتها بالعدم سواء كان علة للحكم الثبوتي أو العدمي.
مثال الثالث: عدم وجوب الزكاة لثبوت الدين، وهذا القسم الذي تسميه الفقهاء تعليلًا بالمانع وهو مبني على جواز تخصيص العلة.
اختلفوا في أنه هل من شرطه وجود المقتضي أم لا؟
مثال الرابع: استقرار الملك عدم الفسخ في زمن الخيار وهذا القسم مما اختلف فيه أيضًا، المشهور عدم الجواز.
التقسيم الرابع: العلة إما أن تكون ذات أوصاف، كقولنا: قتل عمد
стр. 3215
عدوان. في جواز التعليل به خلاف يأتي، أو لا يكون كذلك، كقولنا: التفاح مطعوم فيكون ربويًا.
ثم كل واحد منهما إما أن يظن وجوده، أو يعلم، إما ضرورة أو نظرًا وأمثالتها لا تخفي على المحصل.
المسألة الثانية
اختلفوا في جواز التعليل بمحل الحكم، أو جزئه الخاص:
فمنهم من جوزه، ومنهم من منعه.
والحق: أنه مبني على جواز تعليل الحكم بالعلة القاصرة، فإن جوز ذلك جوز هنا سواء عرفت عليته بنص أو بغيره؛ إذ لا يبعد أن يقول الشارع: حرمت الربا في البر لكونه برًا، أو يعرف مناسبة محل الحكم له لاشتماله على حكمة داعية إلى إثبات ذلك الحكم فيه.
لا نظر إلي ما يقال: أنه لو جاز ذلك لكان الشيء الواحد قابلًا وفاعلًا معًا؛ لأنا لا نسلم استحالة ذلك، واستحالته مبنية على أن الواحد لا يصدر منه إلا الواحد، وهو باطل قطعًا، وما ذكر على ذلك من الدليل فليس بشيء، وقد عرفت ذلك في موضعه، ولأن ذلك يتأتي إلا في المحل البسيط، أما المركب فلا وإن لم يجوز تعليل الحكم بالقاصرة لم يجوز هذا؛ لأن محل الحكم أو جزئه الخاص يستحيل أن يوجد في غيره.
стр. 3216
المسألة الثالثة
الحق أنه لا يجوز أن تكون علة الحكم في الأصل بمعني الأمارة ؛ وذلك لأنا وإن جوزنا تعليل حكم الأصل بالعلة، فإنما يجوز بمعني الباعث، أو المؤثر بجعل الشارع إياه مؤثرًا، لا بمعني المؤثر بذاته، ولا بمعني المعرف، فإن حكم الأصل قد عرف بالنص، والاطلاع على العلة إنما هو بعده، ولو جوزنا تعليله بمعني المعرف لزم الدور، ولزم أيضًا أن لا يكون فيه فائدة أصلاً، فكان عبثًا باطلًا بخلاف الفرع، فإنه يجوز أن تكون العلة فيه بمعني الأمارة؛ إذ لا يلزم هذا المحذور فيه، ولأنه لما عرف حكمة حكم الأصل وعرفت أمارتها ووجدناها في صورة أمكن جعلها علة لكونها معرفة لوجود الحكمة فيه كما في الوصف المشتمل على الحكمة.
стр. 3217
المسألة الرابعة
يجوز التعليل بالحكمة عند قوم.
وقال قوم لا يجوز .
стр. 3218
ومنهم من فصل فقال: إن كانت الحكمة ظاهرة منضبطة بنفسها جاز التعليل بها، وإلا فلا، وهو المختار.
أما الأول فالدليل عليه من وجوه:
أحدها: أنا إذا ظننا أن الحكم في المحل الفلاني إنما ثبت لحكمة كذا، ثم ظننا حصول تلك الحكمة في محل آخر، فإنه يغلب على ظننا ثبوت ذلك الحكم في ذلك المحل الآخر، والعمل بالظن واجب لما سبق، ولا نعني بكون التعليل بالحكمة جائزًا سوي هذا.
ومعلوم أن هذا لا يتأتي إلا إذا كانت الحكمة مضبوطة يمكن معرفة مقاديرها، فإنها إذا كانت غير مضبوطة لا يمكن معرفة مقاديرها فيتعذر حصول الظن بالمقدمتين.
وثانيها: أنا أجمعنا على أن الوصف الحقيقي إنما يكون علة لاشتماله على الحكمة، وإن كانت تلك الحكمة خفية غير منضبطة، فإذن علية الوصف لعلية الحكمة، وهي علة العلة فأولي أن تكون علة الحكم، مقتضي هذا أن يجوز التعليل بالحكمة، وإن كانت خفية، ترك العمل به في الحكمة الخفية المضطربة لخفائها وعدم ضبطها، فوجب أن يجوز التعليل بالحكمة المضبوطة الظاهرة كما يجوز بالوصف الحقيقي بل أولي؛ لأن عليتها بالأصالة وعلية الوصف بالعرض.
وثالثها: أن التعليل بالحكمة جائز عرفًا؛ إذ يقال: إنما أعطي الأمير لدفع
стр. 3219
حاجة الفقير، وإنما فعل كذا لمصلحة كذا، أو لدفع مفسدة كذا فوجب أن يجوز شرعًا للحديث.
وأما الثاني فالدليل عليه من وجهين:
أحدهما: أنه لو جاز التعليل بالحكمة مطلقًا لما جاز التعليل بالوصف لكن ذلك جائز بالإجماع، فوجب أن لا يجوز التعليل بالحكمة مطلقًا، بيان الملازمة: أن العلة بمعني الداعي إلى الحكم، أو المؤثر فيه إما بجعل الشارع مؤثرًا فيه، أو بذاته على اختلاف فيه، أو بمعني المعرف، إنما هو الحكمة، لا الوصف، والعلم بذلك جلي غني عن البيان، فإنه وإن فسرت العلة بالمعرف فلا شك في أنه يعتبر فيها المناسبة وهي بالحكمة، إذ الوصف لا يكون مناسبًا ما لم يعرف اشتماله على الحكمة فالتعليل بالوصف إنما هو لكونه مشتملًا على الحكمة فعليته لعلية/ (٢١٦/ أ) الحكمة، فلو جاز التعليل بالحكمة مطلقًا لما جاز التعليل بالوصف، لأن كل ما يقدح في التعليل بالحكمة يقدح في التعليل بالوصف من غير عكس، ضرورة أن القادح في الأصل قادح في الفرع من غير عكس، فالتعليل بالوصف مع إمكان التعليل بالحكمة تكثير لإمكان الغلط من غير حاجة، وزيادة مشقة وحرج على المكلف من حيث أنه يجب عليه البحث عنه والنظر فيه، وكل ذلك ينافي مقتضي حكمة الشارع ونصوصه النافية للحرج والمشقة.
وثانيهما: أن الحكمة إذا كانت خفية مضطربة مختلفة باختلاف الصور والأشخاص، والأزمان، والأحوال، فإنه لا يمكن معرفة ما هو مناط الحكم إلا بالبحث الشديد، والنظر الدقيق، ونحن نعلم بالاستقراء من ذات الشارع رد الناس في مثل هذا إلى المظان الظاهرة الجلية دفعًا للتخبيط، وإزالة
стр. 3220
التغليظ، ونفيًا للحرج والمشقة والعسر والضرر، ألا تري أن المشقة لما لم تنضبط ويختلف الناس باختلاف الأشخاص والأحوال رد الشارع في جواز القصر والفطر بسببها إلى مظنتها في الغالب وهو السفر الطويل، وكذا وجوب الاعتداد لبراءة الرحم منوط بالوطء الذي هو مظنة شغل الرحم بالماء لا بحقيقة الشغل؛ لأن ذلك مما يعسر الاطلاع عليه وأمثاله كثيرة في الشرع.
فإن قلت: لا نزاع في أنه إذا حصل ظن أن الحكم في الأصل معلل بحكمة كذا، وحصل ظن حصول تلك الحكمة في صورة أخري حصل ظن حصول ذلك الحكم في تلك الصورة، لكن لا نسلم إمكان حصول الظنين، وما الدليل عليه؟
ثم الذي يدل على امتناع حصول ذلك هو أن حاصل التعليل بالحكمة راجع إلى التعليل بحاجة تحصيل المصلحة ودفع المفسدة، فالحكم لو كان معللًا بها، فإما أن يكون معللًا بمطلق الحاجة المحصلة، أو الدافعة، أو بالحاجة المخصوصة منها.
والأول باطل وإلا لكان حيث تحقق منه الحاجة تحقق الحكم وهو خلاف الإجماع والاستقراء.
والثاني أيضاً باطل؛ لأن الحاجة أمر باطن خفي فلا يمكن الوقوف على مقاديرها، وامتياز كل واحدة من مراتبها التي لا نهاية لها عن المرتبة الأخرى، وحينئذ يتعذر التعليل بها؛ إذ التعليل بالحاجة المخصوصة يستدعي تعقلها وتميزها عما عداها؛ ضرورة أن التصديق بالشيء مسبوق بتصوره.
ولو سلمنا إمكان حصول الظنين لكن بعسر وحرج أو بدونه، والأول مسلم لكن التكليف بطلب مثله مدفوع بالنصوص النافية للعسر والحرج فلا يجوز التعليل به والثاني ممنوع.
стр. 3221
سلمنا دلالة ما ذكرتم على المطلوب لكنه معارض بوجوه:
أحدها: لو جاز التعليل بالحكمة لوجب طلبها؛ لأن القياس مأمور به على ما عرفت ذلك من قبل، وهو لا يتم بدون وجدان العلة ووجدانها متوقف على الطلب، وما يتوقف عليه المأمور به المطلق وكان مقدورًا للمكلف فهو مأمور به، فيكون طلبها مأمورًا به فيكون طلب الحكمة مأمورًا به، لكن طلبها غير مأمور به؛ لأن الحكمة راجعة إلى الحاجة إلى تحصيل المصالح ودفع المفاسد وهي مما يخفي ويزيد وينقص فلا تكون ظاهرة ولا منضبطة، وما هذا شأنه [لا يعلم] إلا بمشقة شديدة وكلفة كلفة، وما يكون كذلك وجب أن لا يكون مأمورًا به بالنصوص النافية للحرج والمشقة.
وثانيها: أن استقراء أحكام الشرع يدل: على أن الحكم غير معلل بالحكم، بل بالأوصاف المشتملة عليها، بدليل أنا لو فرضنا حصول تلك الحكم بدون تلك الأوصاف [لم تترتب تلك الأحكام عليها، ولو فرضنا حصول تلك الأوصاف] بدون الحكم ترتبت تلك الأحكام عليها، وذلك يدل ظاهرًا على أن الحكم غير معلل بالحكمة.
وثالثها: أن مقتضي الدليل عدم جواز التمسك بالعلة المظنونة؛ لما تقدم آنفًا، ترك ذلك في الأوصاف الجلية المضبوطة لمسيس الحاجة وظهورها، فوجب أن يبقي ما عداها على الأصل.
ورابعها: أن الحكمة متأخرة الحصول عن الحكم ولا شيء من العلة بمتأخر عنه فلا شيء من الحكمة بعلة.
стр. 3222
قلت: قوله: ما الدليل على إمكان حصول الظنين.
قلنا: من الظاهر أن الحكمة إذا كانت ظاهرة مضبوطة كان الظن بحصولها كالظن بحصول الوصف إذا لم يزد الوصف عليها حينئذ بما يوجب سهولة حصول الظن أو العلم به، نعم إذا كانت الحكمة خفية مضطربة كان تحصيل الظن أو العلم بحصولها صعب عسر لا أنه غير ممكن.
وبهذا خرج الجواب عما ذكر من الدلالة على امتناع حصول الظن بها؛ لأنا نمنع أن الحكمة الظاهرة المضبوطة لا يمكن الوقوف عليها، على أن ما ذكر من الدلالة منقوض بالوصف، فإنه لا نزاع في أن المناسبة طريق كون الوصف علة الحكم، والمعني بذلك: أنا نستدل بكون الوصف مشتملًا على [المصلحة على كونه علة فلا يخلو إما أن يكون الدال على عليته اشتماله على] مطلق المصلحة وهو باطل، وإلا لكان كل وصف مشتمل على المصلحة كيف كانت علة لذلك الحكم أو على مصلحة مخصوصة/ (٢١٧/ أ) معينة، وحينئذ نقول: لا جائز أن تكون تلك المصلحة بحيث لا يمكن الاطلاع عليها وإلا امتنع الاستدلال بمناسبة الوصف على عليته للحكم لما تقدم أنه لا معني لمناسبة الوصف للحكم إلا اشتماله على المصلحة الملائمة للحكم وثبت أنه لا يجوز أن تكون تلك المصلحة مطلق المصلحة فيتعين أن تكون مصلحة مخصوصة معينة، فلو لم تكن تلك المصلحة بحيث يكون الاطلاع عليها ممكنًا لما أمكن الاستدلال بالوصف المناسب على عليته، وإذا بطل هذا القسم تعين أن تكون تلك المصلحة بحيث يكون الاطلاع عليها ممكنًا، وحينئذ ينتقض الدليل. فظهر بهذا بطلان قولهم: إن الحاجة أمر خفي لا يمكن الوقوف عليها.
وبه خرج الجواب أيضًا عن قوله: إنه وإن أمكن حصول الظنين لكن يعسر حصولهما؛ فإنا نمنع ذلك أولًا لما سبق، وننقضه ثانيًا بما تقدم وهو الجواب
стр. 3223
بعينه عن المعارضة الأولى.
وعن الثانية: نمنع أن الأحكام غير المعللة بالحكم والمصالح؛ وهذا لأن كثيرًا من الأحكام معلل بالحكم وحدها نحو: وجوب التوسط في إقامة الحد بين المهلك وغير الزاجر، ووجوب إقامة التعزير وإساقطه وقدره، وكذا الفرق بين العمل القليل والكثير في الصلاة وكذا الفرق بين الأكل اليسير والكثير ناسيًا في الصوم على رأي وأمثاله كثيرة، نعم التعليل بالأوصاف أكثر؛ لأنها أقرب إلى الضبط والاطلاع عليها أسهل.
وعن الثالثة: ما تقدم غير مرة.
وعن الرابعة: أنها متأخرة عن الحكم في الوجود الخارجي، لا في الوجود الذهني وهي علة فيه؛ لأنها علة بمعني الباعث، وإن فسرت العلة بمعنى المعرف توجه المنع إلى المقدمة الثانية مع ما تقدم
стр. 3224
تنبيه
القائلون بجواز التعليل بالحكمة إذا قيل لهم إن الحكمة مجهولة القدر في غالب الأمر وإن كانت جلية في نفسها، فإن حاجة الإنسان في مبدأ زمان الجوع، دون حاجته في أثنائه وانتهائه، وإذا كان كذلك لم يكن القدر الموجود في الأصل ظاهر الوجود في الفرع فلم يصح القياس لعدم الظن بحصول العلة في الفرع.
فمنهم من أجاب هذا: بأنا نعلل بالقدر المشترك بين الصورتين؛ لأنه حصل في الأصل قدر معين من المصلحة، وفي الفرع قدر معين، وكل مقدارين من نوع واحد لابد وأن يكون بينهما قدر معين مشترك بينهما، وذلك القدر يناسب التعليل به لكونه مصلحة مطلوبة الوجود.
فإذا نقض ذلك عليهم بأن يقال: المصلحة الفلانية مصلحة وحاجة مع إنها غير معتبرة في الحكم.
أجابوا: بأنا إنما عللنا الحكم بالقدر المشترك بين الأصل والفرع ونحن لا نسلم أن ذلك القدر المشترك بينهما حاصل في صورة النقض.
قال الأمام: وهذا ضعيف؛ وذلك لأنه يحتمل أن لا يكون بين القدر المشترك الحاصل في الأصل، والحاصل في الفرع اشتراك إلا في نفس كونه مصلحة، والتعليل بمسمى المصلحة غير ممكن، وإلا لحصل النقض المذكور وأمثاله من المصالح المنفكة عن الحكم.
وأما وجود قدر مشترك زائد على نفس كونه مصلحة فذلك غير معلوم ولا مظنون والتعليل بمثله غير جائز.
стр. 3225
واعلم أن هذا التضعيف ضعيف؛ لأن ما ذكره من الاحتمال وإن كان جائزًا لكنه غير واجب، والمنع لا يندفع بمجرد الاحتمال، بل لابد من الدلالة على أنه لا مشترك بينهما إلا نفس كونه مصلحة حتى يتحقق النقض ويمكن أن يورد الاعتراض على الجواب بحيث لا يرد عليه هذا التضعيف بأن يقال: إنه إن عنى بقوله: إنه لابد وأن يكون بين الأصل والفرع مقدار معين مشترك بينهما مقدارا وائدا على مسمى المصلحة بحيث لا ينتقض ممنوع، ولابد من الدلالة عليه.
وإن عنى به: نفس الاشتراك في مسمى المصلحة أو مقدارا زائدا على نفس مسمى المصلحة لكن ليس بحيث لا ينفك الحكم عنه لزم النقض المذكور ومعلوم أن هذا الكلام لا يرد عليه التضعيف المذكور.
المسألة الخامسة
ذهب جمع إلى جواز التعليل بالعدم ثبوتيا كان الحكم أو عدميا .
ومنع قوم منه إذا كان الحكم ثبوتيا.
احتج الأولون بوجوه:
أحدها: أنه لا معنى للعلة إلا المعرف، على ما تقدم تقريره، وهو غير
следующие страницы →