← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

والواقع لم يبق للتقدير معنى وفائدة، وأما قوله: لا معنى للدين إلا أن الشرع مكنه من المطالبة بذلك القدر من المال إما حالا أو مالا فغير جيد؛ لأن ما ذكره أثر الدين لا نفسه، وأثر الشيء غير الشيء، فلا يكون الدين عبارة عنه، نعم لا حاجة إلى تقدير وجوده في الذمة لأن المطالبة الثابتة حالة عدمه لا يقتضي ذلك. المسألة الثالثة عشرة في تقسيم العلة باعتبارات أخر غير ما تقدم وهو من وجوه: أحدها: العلة لا يخلو إما أن يكون لها حكم واحد، أو لا يكون لها حكم واحد بل يكون حكمها متعددا، وحينئذ اما أن تكون متماثلة أو مختلفة، أو متضادة. فهذه أقسام أربعة: أحدها: أن يكون حكمها واحدا، وهو كالقتل الخطأ إذا اعتبرته بالنسبة إلى ذات واحد فإن حكمه إيجاب الدية فقط. وثانيها: أن يكون حكمها متعددا لكنها متماثلة وهذا إما أن يكون في ذات واحدة، أو في ذاتين. والأول: محال؛ لاستحالة اجتماع المثلين. والثاني: جائز وهو كالقتل الخطأ إذا اعتبرته بالنسبة إلى ذاتين فإنه يوجب لكل واحد منهما ما لا على القاتل. وثالثها: وهو أن يكون لها أحكام مختلفة، غير متضادة، وهذا جائز سواء كان بالنسبة إلى ذات واحدة كالحيض يوجب تحريم الصوم والصلاة والإحرام بالحج والوطء، أو بالنسبة إلى ذاتين وهو ظاهر.

стр. 3257

ورابعها: أن يكون لها أحكام متضادة، وهذا لا يتصور، وهذا لا يتصور إلا أن يكون في محلين مختلفين، أو وإن كان في محل واحد] لكن بشرطين مختلفين لا يمكن اجتماعهما وإلا لزم اجتماع الضدين، أو الترجيح من غير مرجح، أو أن لا تكون العلة علة، وكل ذلك محال. بيانه: أنه لو لم يكن اقتضاؤها للحكمين المتضادين في محلين مختلفين لكان في محل واحد [أو فى محلين متماثلين، والاختلاف بالتعين والتشخص لا مدخل له في اختلاف الحكم فيرجع ذلك إلى/ (٢٢٦/أ) اتحاد المحل، ثم بعد هذا لو لم يكن اقتضاؤها لهما بشرطين لا يمكن اجتماعهما لكان إما أن يكون بشرط واحد أو بشرطين يمكن اجتماعهما وحينئذ إن اقتضاهما فقد لزم الأمر الأول، أو يقتضي واحدا منها بعينه فقد لزم الأمر الثاني، أولا يقتضي واحدا منها فقد لزم الأمر الثالث. مثال ما إذا كان في محلين مختلفين: ذبح المحرم فإنه في الصيد يحرم أكله وفى غيره يحلل. مثال ما إذا كان بشرطين مختلفين لا يمكن اجتماعهما: ذبح المسلم الصيد بشرط كونه حلالا يوجب حل أكله وبشرط كونه محرما يوجب تحريم أكله. وثانيها: أن العلة قد يكون اقتضاؤها لمعلولها موقوفا على شرط مثل الزنا فإنه لا يوجب الرجم إلا بشرط الاحصان وقد لا يكون كذلك وهو كالزنا بالنسبة إلى وجود الجلد. وثالثها: العلة قد تثبت الحكم ابتداء فقط كنية التجارة في وجوب زكاتها فإنها إذا قارنت ابتداء حصول الملك الحاصل بعوض أثبته، وإن قاربت بعده لم تؤثر وقد تثبته ابتداء ودواما كنية الفيئة فإنها تثبت عدم الوجوب ابتداء ودواما، وقد تكون العلة قوية على الدفع دون الرفع كالعدة، وقد تكون قوية عليهما

стр. 3258

كالرضاع في إبطال النكاح. تنبيه: شرط العلة اختصاصها بمن له الحكم، وإلا لم يكن اقتضاء حصول الحكم لشيء أولى من اقتضائه، وحينئذ إما أن لا يقتضي له ولا لغيره وهو باطل؛ لأنه يقتضي له ولا لغيره وهو باطل؛ لأنه يقتضي [أن لا تكون العلة علة، أو يقتضي له ولغيره وهو أيضا باطل، لأنه يقتضي [أن تكون العلة علة عامة مثبتة لذلك الحكم في كل المحال، وهو محال، ولما كان عدم الاختصاص يستلزم هذه الأقسام الباطلة كان باطلا. المسألة الرابعة عشرة اعلم أن الاستدلال قد يكون بذات العلة على الحكم، وقد يكون بعلية الحكم للحكم عليه . أما الاستدلال بذات العلة على الحكم فصحيح، وهو كما يقال: قتل عمد عدوان، فيجب القصاص به. وأما الاستدلال بعلية العلة للحكم على الحكم ففاسد؛ لأن علية العلة للحكم يتوقف على اقتضاء العلة للحكم، وكونه مترتبا عليها لولا المانع، بحيث يجب أن يكون فلو استفيد اقتضاؤها بها وترتبه عليها من العلية لزم الدور. واحتج الإمام على هذا المقام بأن العلية أمر إضافي يتوقف ثبوتها على ثبوت

стр. 3259

المضافين، فيتوقف على ثبوت الحكم فإثبات الحكم بها دور. فاعترض عليه. بأن صدق قول القائل: القتل سبب لوجوب القصاص لا يتوقف لا على وجود القتل، ولا على وجود القصاص وحينئذ لا يلزم الدور. سلمناه لكن العلة لما فسرت بالمعرف انقطع الدور، ومراده منه انقطع الدور الممتنع وإلا فلزوم الدور على تقدير تفسير العلة بالمعرف أيضا ظاهر، وإنما الدور في المعرفات غير ممتنع وهما متجهان، لأن النسبة لا تقتضي تحقق المنتسبين في الخارج، بل في الذهن كما عرفت ذلك غير مرة، وهما غير واردين على ما حررنا من الدلالة وهو ظاهر. ] فإن [قلت: يرد على ما ذكرتم أن يقال: إنا لا نسلم أن علية العلة تتوقف على اقتضاء العلة للحكم وكونه بحيث يجب أن يكون مترتبا عليها لولا المانع؛ وهذا لأنه لا معنى للعلية إلا هذا وحينئذ لا يتصور أن يقال: إنه متوقف عليه؛ لأن توقف الشيء على الشيء يقتضي ثبوت المغايرة بينهما فحيث لا مغايرة لا يعقل ذلك. ] قلت [الدليل على أنه غيره: أن اقتضاء الشيء للحكم وكونه مترتبا عليه لولا المعارض أعم من أن يكون ذلك بطريق العلية أو غيرها، نعم إذا أضيف الاقتضاء إلى العلة تخصص، لكن ذلك لا يقتضي أن يكون عينه؛ فإن هذا التخصيص خارج عن ماهية الاقتضاء وداخل في ماهية العلية فهما متغايران، ولئن سلم أنه عينه لكن نقول: أن يكون الحكم مترتبا على العلة وكونها مقتضية له إما أن يكون عين العلة أو غيرها، فإن كان الأول لزم

стр. 3260

الاستدلال بالشيء على نفسه وهو ممتنع، وإن كان غيرها لزم الدور على ما سبق، فعلى التقديرين الاستدلال بالعلية على ثبوت الحكم وترتبه على العلة ممتنع وهو المقصود، والاستدلال بعلية العلة له صورتان: إحدهما: أن يقال: سببه وجوب القصاص حاصل فيجب القصاص. وثانيها: أن يقال: قتل عمد عدوان سبب لوجوب القصاص حاصل فيجب القصاص ففي الأول يجعل نفس السببية علة ودليلا، وفي الثانية جزء العلة جزؤ الدليل وكلاهما باطلان كما سبق. المسألة الخامسة عشرة اعلم أن تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي يسمى تعليلا بالمانع . واختلفوا في أنه هل يشترط في صحة هذا التعليل بيان وجود المقتضي أم لا؟ فذهب جمع إلى اشتراطه. وأباه الآخرون. ولا يخفى عليك أن هذا الخلاف إنما يتأتى إذا جوزنا تخصيص العلة فأما إذا لم نجوز ذلك فلا يتصور هذا الخلاف؛ لأن التعليل بالمانع حينئذ لا يتصور

стр. 3261

فضلا عن أن يكون مشروطا ببيان وجود المقتضى أم لا، وكذا الخلاف فيما إذا علل عدم الحكم بفوات شرط. احتج الأولون بوجوه: أحدها: أن الأحكام مشروعة لمصالح الخلق على ما تقدم تقريره، فما لا مصلحة فيه لا فائدة في شرعه، وما لا فائدة في/ (٢٢٧/أ) شرعه يكون انتفاؤه لانتفاء فائدته، سواء وجد هناك ما يقتضي عدمه أو لم يوجد. وفرق بين عدم الحكم لعدم المقتضى، وبين عدم الحكم لمقتضى العدم، فإن الأول نفى للمقتضي، والثاني إثبات له، وهو غير مستلزم له وإذا كان كذلك كان عدم الحكم لعدم المقتضي لا لوجود المانع فما لم يوجد المقتضي للإثبات كان نفي الحكم للمانع أو للشرط ممتنعا. وجوابه: أنا نسلم أن عدمه لعدم المقتضي، لكن لا نسلم أن ذلك يقتضي أن لا يكون عدمه لوجود المانع، وما الدليل عليه؟ فإن قلت: الدليل عليه وهو أنه يلزم منه إثبات الثابت وتحصيل الحاصل وهو ممتنع. قلت: لا نسلم لزوم هذا الذي يدل على تعليله بالمانع أنه لو لم يكن معللا به أيضا لزم الترك بالمناسبة والاقتران، وأنه خلاف الأصل، ولأن علل الشرع أدلة ومعرفات فلا يمتنع اجتماعها على مدلول واحد] ومعرف واحد [فلا يلزم من تعليله بعدم المقتضي امتناع تعليله بوجود المانع.

стр. 3262

وثانيها: أنه لو علل عدم الحكم بالمانع فإما أن تعليل به العدم الأصلي وهو باطل. أما أولا: فلأن العدم الأصلي واجب أزلي والواجب لا يعلل. وأما ثانيا: فلأنه كان حاصلا قبل المانع، والشرع الحاصل قبل يمتنع تعليله بالحاصل بعد، أو العدم المتجدد وفيه تسليم المقصود؛ لأن تجدد عدم الحكم لا يحصل إلا بأحد أمرين. أحدهما: أن يكون عدم الحكم بعد وجوده. وثانيهما: أن يكون الحكم بفرضية الدخول فمنعه المانع من الدخول، وعلى التقديرين لا يتحقق ذلك إلا عند قيام المقتضي. وجوابه: منع امتناع تعليل المتقدم بالمتأخر بمعنى المعرف ومنع كون الواجب لا يعلل بذلك المعنى. سلمنا امتناع هذا القسم، فلم لا يجوز أن يكون الملل المتجدد. قوله: ذلك لا يتحقق إلا عند قيام المقتضي. قلنا: لا نسلم؛ وهذا لأنا لا نعني بالعدم المتجدد إلا أنه حصل لنا العلم بعدم الحكم من قبل الشرع، ومعلوم أن هذا لا يقتضي تحقق المقتضي. وثالثها: أن عدم الحكم معلل بعدم المقتضي وفاقا، فلو علل بالمانع إذ ذاك أيضا فإما نفس ذلك العدم، أو مثله وهما باطلان، لما فيه من تحصيل الحاصل واجتماع المثلين أو غيرهما، وفيه تسليم المقصود، أو خلاف الغرض لا غيرهما، إما العدم المتجدد، أو ثبوت الحكم. وجوابه ما سبق في الأول.

стр. 3263

ورابعها: أن إسناد انتفاء الحكم إلى انتفاء المقتضي أظهر عند العقل من إسناد انتفائه إلى وجود المانع. أما أولا: فلأنه أعم وأغلب. وأما ثانيا: فلأنه لا يتوقف ذلك إلا على عدم المقتضي، وأما إسناد انتفائه إلى وجود المانع فيتوقف على وجود المانع ومناسبته واقتران العدم معه، ثم الوجود يتوقف على مقدمات لا يتوقف عليها العدم والمتوقف على أقل المقدمات أظهر عند العقل من المتوقف على أكثرها فثبت أن إسناد انتفاء الحكم إلى عدم المقتضي أظهر عند العقل من إسناد انتفائه إلى وجود المانع، وحينئذ إن كان ظن عدم المقتضي أقوى من ظن وجود المانع أو مثله لم يجز التعليل بالمانع؛ لأنه حينئذ يكون ظن عدم المقتضي أرجح من ظن وجود المانع، أما في الصورة الأولى فظاهر، وأما في الثانية فلأنهما لما استويا فى الظن واختص عدم المقتضي بمزية، وهي أن ظن إسناد عدم الحكم إليه أظهر من ظن إسناد إلى وجود المانع كان ظن تعليل العدم بعدم المقتضى أظهر من ظن تعليله بوجود المانع، وإذا كان كذلك لم يجز التعليل بوجود المانع؛ لأن مع وجود العلة الراجحة لم يجز التعليل بالعلة المرجوحة، وإن كان ظن عدم المقتضي مرجوحا بالنسبة إلى ظن وجود المانع جاز التعليل بالمانع، بل وجب لكن ذلك يتضمن رجحان ظن وجود المقتضي؛ لأن ظن عدمه لما كان مرجوحا وجب أن يكون ظن وجوده راجحا، ضرورة أنه لا خروج عن النقيضين فيكون التعليل بالمانع يتوقف على بيان رجحان وجود المقتضي وهو المطلوب. وجوابه: أن مجرد العلم أو الظن بوجود المانع يقتضي ظن عدم الحكم، بدون الالتفات إلى الأقسام الثلاثة التى ذكرتموها. وخامسها: أن التعليل بالمانع يتوقف على بيان وجود المقتضي في العرف فوجب أن يكون في الشرع كذلك.

стр. 3264

بيان الأول: أن من قال في طير القفص: إنما لا يطير، لأن القفص يمنعه، فهذا التعليل موقوف على العلم أو الظن يكون الطير حيا قادرا على الطيران، فإن بتقدير أن يكون ميتا، أو كان مقصوص الجناح امتنع هذا التعليل ونظائره كثيرة. بيان الثاني بالحديث المشهور. وجوابه: منع توقف التعليل عليه في العرف؛ وهذا لأن العرف في ذلك مختلف، فتارة يتوقف عليه كما في المثال الذي ذكرتم، وتارة لا يتوقف عليه كما إذا علمنا أو ظننا وجود سبع في طريق شخص، فإن/ (٢٢٨/أ) هذا القدر كاف في حصول الظن في أن ذلك الشخص لا يحضر، وأإن لم يخطر ببالنا سلامة أعضائه، وأن له داعية الحضور، ويمكن أن يجعل هذا مع الحديث المشهور الذى تمسك به الخصم دليلا في المسألة ابتداء. واحتج الآخرون بوجوه: أحدهما: أن بين المقتضي والمانع عنادا وتضادا، والشيء لا يتقوى بضده ومعانده بل يضعف فإذا جاز التعليل بالمانع حال ضعفه وهو حال وجود المقتضي، فلأن يجوز حال قوته وهو حال عدم المقتضي بالطريق الأولى. ولقائل أن يقول: لا يلزم من جواز تعليل عدم الحكم بالمانع حال وجود المقتضي الذي هو شرط التعليل به] جواز تعليله به حال عدم المقتضي الذي هو مناف لتعليله به [وأما كونه قويا إذ ذاك ضعيف حال وجوده فممنوع أولاً؛

стр. 3265

وهذا لأن وجود المقتضي لما كان شرط تأثيره في عدم الحكم استحال أن يقال إنه يضعف إذ ذاك؛ لأن الشيء لا يضعف حال وجود شرط تأثيره. سلمناه لكن لا يلزم منه أيضا عدم الجواز؛ لأن المأخذ في هذا ليس هو القوة والضعف حتى يلزم ما ذكرتم بل غيرهما كما عرفت مما تقدم فلا يلزم ما ذكروه. وثانيها: أن توقيف اقتضاء المقتضي على شرط خلاف الأصل لا سيما إذا كان ذلك الشرط يستلزم خلاف أصل آخر، ولا شك أن المانع مقتضي لعدم الحكم فتوقيف اقتضائه بعدم الحكم على وجود المقتضي الذي يستلزم التعارض الذي هو خلاف الأصل بينه وبين نفسه خلاف الأصل وهذه الحجة لا بأس بها. وثالثها: أن الوصف الوجودي إذا كان مناسبا للحكم العدمي أو كان دائرا معه وجودا وعدما حصل لنا ظن عليته له والعمل بالظن واجب، فيكون العمل بعليته واجبا ولا نعني بكونه علة سوى هذا. وجوابه: منع حصول الظن بذلك مطلقا، بل إذا لم يكن شرط، أو أن كان له شرط لكن إذا وجد شرائط تأثيره فلم قلتم أن ذلك حاصل هاهنا، ثم أنه لا يمكنكم إلا إذا بينتم أن وجود المقتضي ليس بشرط له فالاستدلال به على عدم اشتراط وجود المقتضي دور.

стр. 3266

فرع ثم أن شرطنا بيان وجود المقتضي في التعليل بالمانع فلا يجب على المستدل في الفرع موجودا فيه لم يكن الحكم ثابتا فيه وهو المطلوب. وإن كان موجودا فيه كان ذلك لمصلحة كذا، أو دفع حاجة كذا، وهذا المعنى حاصل في الأصل، والعدم ثابت فيه بالإجماع، فيكون عدم الحكم فيه معللا بالمانع وأنه حاصل في الفرع فيلزم عدم الحكم في صورة الفرع. تنبيه شرط بعضهم أن يكون الاتفاق حاصلا على وجود الوصف الذي جعل علة الحكم في الأصل. وهو ضعيف؛ لأنه لما أمكن لإثباته بالدليل حصل الغرض ولأنه ليس شرط حصول الاتفاق على هذه المقدمة من مقدمات القياس أولى من اشتراطه في غيرها] بل ربما يكون غيرها [أولى بذلك لمدار القياس عليه. والحق أن وجود ذلك قد يكون معلوما بالضرورة، وقد يكون بالنظر، وقد يكون مظنونا بالأمارة الموجبة لها.

стр. 3267

خاتمة لهذا القسم بمسائل في أحكام العلة لم يتقدم ذكرها فيما قدمنا من الأقسام. المسألة الأولى ذهب الجماهير إلى أن العلة الواحدة الشرعية يجوز أن تكون علة لحكمين مختلفين شرعيين معا، خلافا لبعضهم. والدليل على جوازه هو: أن العلة إن فسرت بالمعرف فجوازه ظاهر؛ لأن الشيء الواحد يجوز أن يكون معرفا لمختلفين. وإن فسرت بالباعث فلا يمتنع أيضا؛ لأن الوصف الواحد قد يكون باعثا على حكمين مختلفين لمناسبته لهما بأمر مشترك بينهما، وإلا فمناسبة الواحد لمختلفين لخصوصهما ممتنع، وهو كمناسبة الزنا لتحريمه، ووجوب الحد عليه ومناسبة القتل العمد العدوان لوجوب القصاص، وحرمان الميراث ووجوب الكفارة على رأينا. وإن فسرت بالموجب وكانت العلة مركبة لم يمتنع ذلك أيضا؛ لجواز أن يكون الموجب المركب مصدرا لأثرين مختلفين كما في العلل العقلية المركبة، وإن كانت بسيطة فكذلك؛ لأنه لا يمتنع أن تكون العلة البسيطة موجبة لأثرين مختلفين؛ إذ القول بأن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد باطل قطعا على أن القول بكون العلة الشرعية موجبة باطل. وأيضا: الوقوع دليل الجواز وزيادة قد وقع ذلك في الشرع كما تقدم. وأيضا: فإن مجرد عقد النكاح علة لإباحة الوطء، وعلة لجريان التوارث بينهما] بشرط الموت، وموجب للصداق وموجب لحرمتها على أصول

стр. 3268

الزوج [وفروعه ولحرمة أمها عليه، ولا شك في أن هذه الأحكام مختلفة بالنوع وله نظائر كثيرة. واحتج المخالف: بأنها لو كانت علة لحكمين مختلفين لكانت مناسبة لهما لكن ذلك باطل؛ لأن المعنى من مناسبة الوصف للحكم أن ترتبه عليه كاف في حصول مقصوده، فلو كان الوصف الواحد مناسبا لحكمين فمن حيث إنه مناسب لأحدهما يجب أن يكفي ترتبه عليه في حصول المقصود، ومن حيث إنه مناسب لهما وجب أن لا يكفي ذلك بل لابد في ذلك من ترتيبهما عليه فوجب أن يكفي أحدهما في ذلك، وأن لا يكفي أحدهما، هذا خلف فما/ (٢٢٩/أ) أفضى إليه يجب أن يكون كذلك. وأيضا: لو ناسبهما بجهة واحدة فهو ممتنع؛ لأن الشيء الواحد لا يناسب المختلفين لخصوصهما، أو بجهتين مختلفتين فحينئذ يلزم أن تكون العلة مختلفة، لأن كل واحدة من تينك الجهتين المختلفتين هي العلة بالحقيقة إلا أنها قامتا بذات واحدة. وجواب الأول: أنا لا نسلم أن المعنى من كون الوصف مناسبا للحكم ما ذكرتم مطلقا، بل ذاك إذا كان ما ترتب عليه كل المناسب، فإما إذا كان بعض المناسب فلا، وحينئذ لا يلزم ما ذكرتم من المحذور. وعن الثاني: ما تقدم وهو أنه لا يلزم من عدم مناسبة الجهة الواحدة المختلفتين بحصوصهما عدم مناسبتها لهما مطلقا، لجواز أن تكون مناسبة لهما باعتبار أمر مشترك بينهما، واستلزم الوصف له يقتضي استلزام ذينك المختلفين لكونهما لا ينفكان عنه.

стр. 3269

المسألة الثانية الوصف الذي جعل علة الحكم بمعنى الباعث لا شتمالها على الحكمة يجب أن لا يمكن بمثابة يلزم منه إثبات الحكم، أو نفيه مع القطع بانتفاء الحكمة أو تحققها في صورة. مثاله: ضبط الحنفية لما يجب به القصاص وعدمه بالجرح وعدمه أو نفيه. فنقول: لا شك في أن القصاص إنما وجب لصيانة النفس المعصومة عن الفوات، فلو ضبط وجوبه وعدم وجوبه بمجرد الجرح للزم وجوب القصاص في حق من جرح ولم يقتل، أو قتل بما يقتل قطعا أو غالبا ولم يخرج ممتنع لكونه يخالف] مقتضى الحكمة التي في صيانة النفس. فإن قلت: الأول غير لازم لأنا لا نضبطه [بمجرد الجرح، بل بجرح يؤدي إلى القتل، أو يحصل عقيبه فوات النفس، وذلك غير حاصل في الصورة التى فوضتموها. قلت: نحن إنما نورد ذلك على من أطلق القول في ذلك على ما هو المشهور من أصحابكم، فأما من قيده بما ذكرتم، فيرد عليه ما إذا جرح من غير قصد إلى الفعل، أو وأن قصد الجرح لكنه لا يقتل فلا يحصل فوات النفس عقيبه على الندرو، كما إذا غرز إبرة في العقب ومات عقبه من غير أن يعقبه ألم ولا ورم، فها هنا حصل فوات النفس عقيب الجرح مع عدم وجوب القصاص، ولو التزم الخصم وجوب القصاص في هذه الصورة فبعيد جداً.

стр. 3270

فإن قلت: هذا لازم عليكم أيضا، فإن من مذهبكم أن الاستبراء واجب وإن كانت الجارية الميبعة بكرا، أو صغيرة، أو آيسة، ففى هذه الصورة قد أثبتم الحكم لتحقق ضابط الحكمة وهو تجدد الملك مع القطع بانتفاء الحكمة وهى الاحتراز عن اختلاط المائين فما هو جوابكم هنا فهو جوابنا فيما أوردتم علينا. قلت: بمنع الحكم فيها أولا على رأي لبعض أصحابنا، ولو سلم فإنما كان كذلك لإطلاق الحديث الوارد في هذا الباب من غير فصل بين البكر والموطؤة وبين الآيسة وغيرها، فلو خلينا والمناسبة ما كان لنا أن نجعل الضابط بحيث يلزم منه ثبوت الحكم مع القطع بانتفاء الحكمة عنه، لكن الشرع لما رتب الحكم على الضابط المشتمل على الحكمة على الإطلاق من غير فصل بين أفرادها وجب علينا أن نجريه على إطلاقه؛ لأنه إن لم تجوز أن يستنبط من الحكم الملول عليه بالنص علة على وجه يرفعه بالكلية أو يخصصه فظاهر، وإن جوزنا الثاني دون الأول فكذلك؛ لأنه قد تأكد إطلاقه بإيمانه حيث قال مرتبا على حصول الملك: (ألا لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض) فإن ذلك يدل على علية حصول الملك بوجوب الاستبراء من

стр. 3271

المناسبة لقوة الإيماء، كما أن الإيماء قد يترك لقوة المناسبة، فإذا اجتمع الإيماء مع الإطلاق فلأن تترك المناسبة بالطريق الأولى. وأيضا: إذا ظهر تأثير الوصف الحكم في الأصل، فإنا نعدي به الحكم إلى الفرع، وإن لم تظهر لنا مناسبته ونرجحه على الوصف الذى ظهرت لنا مناسبته ولا يكون مؤثرا، وإذا كنا نترك المناسبة لأجل التأثير في الفرع الذى ما يتناوله النص فلأن نتركها في الصورة التى يتناولها النص مع التأثير كان أولى. فإن قلت: لا نسلم أنه لا يجوز به الضبط؛ وهذا لأنه وإن كان بمثابة يلزم منه ثبوت الحكم في صورة بدون حكمة ذلك الضابط في الأصل، لكن يجوز أن يكون ضابطا لحكمة أخرى في تلك الصورة التي ليست فيها حكمة الأصل فحينئذ لا يلزم أن يكون ثبوت الحكم في تلك الصورة خاليا عن الحكمة فلا يلزم منه مخالفة مقتضى الحكمة. قلت: كلامنا فيما إذا كان يلزم منه ثبوت الحكم مع القطع بانتفاء مسمى الحكمة، فالألف واللام في الحكمة في قولنا: يجب أن يكون بمثابة يلزم منه إثبات الحكم أو نفيه مع القطع بانتفاء الحكمة أو تحقيقها إنما هو لتعريف الماهية لا للعهد، وحينئذ يلزم سقوط هذا الاعتراض بالكلية. سلمنا أنهما للعهد لكن نقول: هذا الاحتمال باطل؛ لأن كون ذلك الضابط يختص في كل صورة بحكمة مخالفة لحكمة الصورة الأخرى أما أن يكون لذاته أو لازم لذاته أو لغيرهما والأول باطل؛ لأنه حينئذ يلزم اشتراك

стр. 3272

تلك الصور في تلك الحكم ضرورة اشتراكها في موجبها وهو/ (٢٣٠/أ) خلف مخالف للفرض والثاني أيضا باطل؛ لأن ذلك الغير إما أن يكون مختصا بكل واحدة من تلك الصور، أو لا يكون كذلك، فإن كان الأول فحينئذ يكون الضابط لكل واحد من تلك الحكم مجموع الأمرين مما به الاشتراك ومما به الاختصاص، فيكون ضابط الحكمة مختلفا وليس كلامنا فيه بل فيما إذا كان الضابط واحدا والحكم مختلفه فيكون خلفا. وإن كان الثاني فإما أن يكون مشتركا بينها بأسرها وحينئذ يلزم الاشتراك في الحكم أيضا لما سبق، أو لا يكون كذلك بل كان أجنبيا عنها بأسرها وحينئذ تكون نسبته لكل واحد من تلك الصور على السوية فليس اختصاص ذلك الضابط مع ذلك الأمر بحكمة في صورة أولى من اختصاصه معه بتلك الحكمة في صورة أخرى وإلا لزم الترجيح من غير مرجح، وحينئذ إما أن يختص بتلك الحكمة في كل الصور أو لا يختص بها في شيء منها وكل واحد منهما باطل فما أفضى إليه يكون أيضاً كذلك.

стр. 3273

المسألة الثالثة قيل الوصف الذي جعل ضابطا لحكمته يجب أن يكون جامعا للحكمة بحيث لا توجد الحكمة في صورة بدونه قطعا؛ لأنه لو وجدنا في صورة بدونه فإما أن يثبت الحكم المرتب على الضابط المشتمل عليها في تلك الصورة، أو لا يثبت فإن كان الأول لزم أن تكون الحكمة هي العلة دون الضابط، وأنه يكون مستغني عنه؛ لأن الحكم إذا كان بحيث يوجد بوجود الحكمة وينتفي بانتفائها كانت الحكمة هي العلة ويكون الضابط مستغني عنه فيمتنع نصبه ضابطا، وإن كان الثاني لزم إلغاء عين الحكمة التي لأجلها يثبت الحكم وهي ممتنع لما فيه من عدم اعتبار] المقصود [الأصلي واعتبار الفرع الذي هو غير مقصود. واعلم أن كلام في هذه المسألة ينبغي أن يبني على الكلام في مسألتين وهما: أن التعليل بعلتين مختلفتين هل هو جائز أم لا؟ وأن التعليل بالحكمة المجردة عن الضابط هل هو جائز أم لا؟ فمن جوز ذلك لزمه تجويز ما نحن فيه ولا يتأتى عليه الدليل المذكور، ومن لم يجوز ذلك لزمه امتناع ما نحن فيه لتأتى الدليل المذكور عليه. مثاله: ضبط الحنفية العمدية باستعمال الجارح، فإنه يلزم منه إهمال العمدية مع تيقن وجودها وذلك فيما أصاب رأس الإنسان بصخرة عظيمة] أ [وألقاء في بحر مغرق أو نار محرقة لا خلاص منها.

стр. 3274

المسألة الرابعة المشهور أنه لا يجوز تعليل الحكم بعلة متأخرة عنه في الوجود . وقيل بجوازه. وهو الحق إن أريد بالعلة المعرف؛ لأنه لا يمتنع تأخر المعرف عن المعرف. وإن أريد بالعلة الباعث أو الموجب سواء كان بجعل الشارع أو بذاته فلا. لكن قد تقدم أنه لا يجوز تعليل حكم الأصل بالأمارة فحينئذ يلزم أن لا يجوز تعليل حكم الأصل بالعلة المتأخرة عنه في الوجود لكن لا لكونها متأخرة، بل لكونها لا يجوز أن تكون معرفة فأما في غيره فيجوز. فإن قلت: إنما جوزتم ذلك في الفرع؛ لأنه يجوز أن تكون العلة فيه بمعنى المعرف، لكن فائدة العلة إنما هو التعريف وذلك غير حاصل فيما نحن فيه، فإن الحكم معلوم فيه قبل علته فيمتنع لامتناع فائدته. قلت: ينتقض ذلك بجواز اجتماع المعرفات على المعرف الواحد، وبجواز اجتماع الأدلة على المدلول الواحد، فكل ما هو جوابكم ثمة فهو جوابنا

стр. 3275

ها هنا، وعند هذا تعرف أنه لا يمتنع أيضًا تعليل حكم الأصل بالعلة بمعنى الأمارة؛ لأن غاية ما يلزم فيه إنما هو اجتماع المعرفين على حكم الأصل النص والعلة وذلك مما لا امتناع فيه. فإن قلت: هب أنه لا يمتنع من هذا الوجه، لكنه يمتنع من وجه أخر، وهو أن الحكم إن كان ثابتًا قبل العلة المتأخرة عنه لا لعلة لزم ثبوت الحكم في غير الأصل لا لعلة وهو ممتنع؛ لامتناع ثبوت الحكم من غير تحقق مدرك من مداركه وإن كان ثابتًا بعلة أخرى كانت معه فحينئذ يلزم تعليل الحكم الواحد بعلتين وأنتم بينتم امتناعه وبتقدير جوازه فإنما تجوز ذلك إذا وجدتا معًا فأما إذا ترتبتا فلا يعقل ذلك فيه؛ لأن الحكم معلل فيه بالأولى دون الثانية. قلت: وإن لم يجز تعليل الحكم الواحد بعلتين جاز ما نحن فيه ولا يلزم منه ثبوت الحكم من غير تحقق مدرك من مداركه؛ فإن المدرك في الفرع غير منحصر في العلة حتى يلزم من انتفائها انتفاء الحكم أو ثبوته من غير مدرك؛ وهذا فإنه يجوز أن يكون الحكم معلومًا بالبقاء على العدم الأصلي ثم يعلل ذلك بأمر وجودي مناسب له، ومعلوم أن البقاء على العدم الأصلي ليس بعلة وهو مدرك من مدارك الأحكام، ولا يظن أن المعلل بالأمر الوجودي غير المعلل بالبقاء على العدم الأصلي؛ لأن المعلل بالأول إنما [هو] عدم متجدد وهو عدم ما كان بفرضية الدخول في الوجود وهو غير العدم الأصلي؛ لأنا بينا أن التعليل بالمانع لا يتوقف على وجود المقتضى. مثاله تعليل إثبات الولاية للأب على الصغير الذي عرض له الجنون بالجنون فإن الولاية ثابتة للأب قبل عروض الجنون فهل يجوز أن تعلل بالجنون أم لا؟ فعلى ما تقدم والله أعلم.

стр. 3276

المسألة الخامسة: (٢٣١/ أ) العلة المستنبطة من الحكم يجب أن لا ترجع إليه بالإبطال، ومعلوم أن ذلك لا يكون إلا في الأصل ، فإن العلة إنما تستنبط من حكم الأصل لا غير. والدليل عليه: أن العلة فرع لهذا الحكم والفرع لا يرجع إلى أصله بالإبطال، وإلا لزم أن يرجع إلى نفسه بالإبطال؛ لأن إبطال الأصل إبطال فرع، إبطال الشيء نفسه محال. هذا صحيح أن عنى بذلك إبطاله بالكلية، فأما إذا لزم منه تخصيص الحكم ببعض الأفراد دون البعض فينبغي أن يجوز؛ لأنه كتخصيص العلة بحكم نص آخر وهو جائز، فكذا هذا، وإن كان بينهما فرق لطيف لا ينتهي إلى درجة أن لا يجوز القول بذلك معه. مثاله: تعليل الحنفية وجوب الزكاة في نصابها بدفع حاجة الفقير مطلقًا، فإن ذلك يرفع وجوب الشاة بعينها الذي دل عليه صريح النص وهو الحكم الذي استنبط العلة منه. فإن قلت: نحن لم نستنبط العلة المذكورة من ذلك النص وأمثاله بل من النصوص المطلقة نحو قوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ وقوله ﵇: "هاتوا بربع عشور أموالكم" وعلى هذا التقدير لا يكون في العلة

стр. 3277

ما يرجع إلى أصله بالإبطال فإن الحكم الذي استنبطت العلة منه إنما هو مطلق الوجوب لا وجوب شيء مخصوص. قلت: استنباط مطلق دفع حاجة الفقير منه ممكن أما دفع حاجته بقدر مخصوص من المال منه فعير ممكن، والتمسك إنما وقع الثاني دون الأول، فلم يمكن استنباطه إلا عن النصوص الموجبة لمقدار معين نحو قوله ﵇: "في كل أربعين شاةٍ شاة".

стр. 3278

المسألة السادسة شرط قوم أن العلة المستنبطة يجب أن لا يكون مخصصة لعموم القرآن والسنة المتواترة، وهو بناء على أنه لا يجوز تخصيصها بالقياس، وقد بينا صحته، وفساده يعرف من ذلك، وأن لا تكون معارضة لعلة أخرى [تقضي نقيض حكمها، وهذا إن عنى به أن لا تكون معارضة لعلة أخرى] كيف كانت فهذا مما لا وجه له؛ لأن بتقدير أن تكون راجحة على ما يعارضها من العلة لا مانع من استنباطها وجعلها علة، ولا يظن أن كون تخصيص العلة غير جائز من هذا؛ لأن تلك مسألة وما نحن فيه مسألة؛ لأن ما نحن فيه ليس من شرطه أن تكون العلة معمولة بها في صورة. وإن عنى به أن لا تكون معارضة لعلة أخرى راجحة عليها فهذا وإن كان شرائط صحة لعلة المعمول بها لكن ليس من شرائط صحة العلة في ذاتها، فإن العلة المرجوحة والدليل المرجوح لا يخرجان بسبب المرجوحية عن أن يكون علة أو دليلاً وإلا لما تصور التعارض إلا بين الدليلين المتساويين. وأن لا تكون متضمنة لإثبات زيادة على النص وهذا أن عنوا به أن لا تكون [متضمنة لإثبات] زيادة منافية لمقتضى النص فهذا صحيح، وإن عنوا به أن لا تكون متضمنة لإثبات زيادة على النص كيف كانت الزيادة فهذا باطل، لأنا بينا أن الزيادة على النص كيف كانت الزيادة فهذا باطل؛ لأنا بينا أن

стр. 3279

الزيادة على النص ليس بنسخ وأن تكون مستنبطة من أصل مقطوع بحكمه وهو باطل؛ لأنه يجوز القياس على الذي ثبت حكمه بدليل ظني بخبر الواحد، والبراءة الأصلية، والعموم، والمفهوم، وغيرها. وأن تكون موجودة في الفرع قطعًا، أي يعلم ذلك على وجه القطع وهو أيضًا باطل؛ لأنه من جملة مقدمات القياس فجاز أن يكون ظنيًا كغيره من المقدمات، وأن لا تكون مخالفة لمذهب الصحابي، وهو أيضًا باطل؛ لأنه ليس بحجة [وبتقدير كونه حجة] لكن لا نسلم أنه يكون راجحًا على القياس، وبتقدير أن يكون حجة لكن يجوز أن يكون مستنده في ذلك علة مستنبطة من أصل آخر أيضًا فلم يكن مشروطًا بعدم مخالفة فرع مثله.

стр. 3280

الباب الخامس في الركن الرابع وهو الفرع

стр. 3281

الباب الخامس في الركن الرابع وهو الفرع وهو الذي يراد ثبوت الحكم فيه وله شروط: الشرط الأول: أن تكون العلة الموجودة فيه يجب أن تكون مثل علة حكم الأصل من غير تفاوت -ألبتة -لا في الماهية ولا في القدر، أي في النقصان فأما في الزيادة فقد لا تضر بل تكون أولى بالحكم، كما في قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف بجامع الإهانة والإخلال بالتعظيم. وقولنا: "من غير تفاوت في الماهية" جار مجرى التوكيد والتوضيح؛ لأن قولنا: مثل علة حكم الأصل ينبئ عن هذا؛ لأن المثل لا يكن إلا إذا كان غير متفاوت في الماهية، ويندرج تحت ما ذكرنا أيضًا ما إذا قيس نوع على نوع آخر كقياس وجوب القصاص في القطع على وجوب القصاص في القتل بجامع ما يشتركان من الجناية المشتركة بينهما؛ لأن التعدية حينئذ تكون بعلة مثل علة حكم الأصل فإن ما يوجد في الفرع من الجناية المشتركة بينه وبين الأصل يكون مثل الموجودة منها في الأصل. ويندرج أيضًا تحت قياس العكس لأن تعدية الحكم فيه من الأصل إلى الفرع على تقدير نقيض المدعى فيه إنما هو بعلة مثل علة الأصل. الثاني: أن يكون/ (٢٣٢/ أ) حكم الفرع مثل حكم الأصل، إما نوعًا كقياس وجوب القصاص في النفس في صورة القتل بالمثقل على وجوب

стр. 3282

القصاص في صورة القتل بالمحدد، أو جنسًا كقياس إثبات ولاية النكاح على الثيب الصغيرة بالقياس على إثبات الولاية في مالها، فإن المماثلة إنما هو في جنس الولاية لا في نوعها، واعتبار هذا القيد على ما ذكرنا في حد القياس ظاهر؛ فإنا ذكرنا فيه أنه إثبات مثل حكم معلوم آخر وهذا لا يتحقق إلا إذا كان حكم الفرع مثل حكم الأصل. ومنهم من استدل على اشتراطه بأن قال: الأحكام غير مشروعة لذواتها بل لما يترتب عليها من المصالح ومقاصد العباد سواء ظهر المقصود أو لم يظهر. فإذا كان حكم الفرع مماثلاً لحكم الأصل علمنا أن ما يحصل به من المقصود مثل ما يحصل من حكم الأصل ضرورة اتحاد الوسيلة فيجب إثباته. وأما إذا كان حكم الفرع مخالفًا لحكم الأصل مع أنها لوسيلة إلى تحصيل المقصود، فإفضاؤه إلى الحكمة المطلوبة يجب أن يكون مخالفًا لإفضاء حكم الأصل إليها إذ المخالفة بينهما في الإفضاء أما أن يكون لزيادة في إفضاء حكم الأصل إليها، أو في إفضاء حكم الفرع. فإن كان الأول فلا يلزم من شرع الحكم في الأصل رعاية لأصل المقصود وزيادة الإفضاء إليه، شرع الحكم في الفرع تحصيلاً لأصل المقصود [دون زيادة الإفضاء إليه؛ لأن زيادة الإفضاء إلى المقصود] مقصودة في نظر العقلاء وأهل العرف. وإن كان الثاني فهو ممتنع؛ لأنا أجمعنا على امتناع ثبوت مثل حكم الفرع في الأصل، وعند ذلك فتنصيص الشارع على حكم الأصل دون حكم الفرع يدل على أن حكم الأصل أفضى إلى المقصود من حكم الفرع، وإلا فلو كان

стр. 3283

الفرع أفضى إلى المقصود من حكم الأصل لكان أولى بالتنصيص عليه. وفي هذه الدلالة نظر؛ ذلك لأنا نسلم أنه إذا كان حكم الفرع مماثلاً لحكم الأصل علمنا أن ما يحصل به من المقصود مثل ما يحصل من حكم الأصل لكن لماذا يلزم منه إثبات مثل الحكم؟ فإن قلت: لأن ذلك المقصود مقصود للشارع وهذا الحكم وسيلة إليه فيجب إثباته ليحصل مقصود الشارع. قلت: نسلم أن ذلك المقصود مقصود للشارع في الجملة لكن قد حصل ذلك حيث حصل في الأصل، فلم قلت أنه مقصود له على وجه التكرر حتى يلزم منه إثبات ما هو وسيلة إليه في غير الأصل، فالحاصل أن ما ذكره راجع إلى الاستدلال بحصول مقاصد [الدلائل على تقدير ثبوت] الوسائل على ثبوتها وهو فاسد؛ لأنه يمكن أن يقال: دفع حاجة الفقير مقصود للشارع من وجوب الزكاة في المال، فبتقدير أن تجب الزكاة في المال ثابتًا يحصل هذا المقصود فوجب أن يجب. وأيضًا: قوله: مع أنه الوسيلة إلى تحصيل المقصود فإفضاؤه إلى الحكمة المطلوبة يجب أن يكون مخالفًا لإفضاء حكم الأصل إليها. إن عنى به أنه يكون وسيلة إلى تحصيل مثل مقصود الأصل فهو غير لازم؛ لأن بتقدير أن يكون حكم الفرع مخالفًا لحكم الأصل لا يجب أن يكون وسيلة إلى مثل ذات المقصود. وإن عنى به: أنه يكون وسيلة إلى تحصيل مقصود من مقاصده، أما مثله، أو مخالفًا لما أن الحكم لا يشرع لا لمقصود فهذا مسلم، لكن التقسيم المرت

стр. 3284

على هذا القسم غير منحصر؛ لأنه حينئذ يجوز أن يكون إفضاؤه إلى الحكمة المطلوبة منه [مخالفًا في النوع لإفضاء حكم الأصل إلى الحكمة المطلوبة منه] في الأصل وحينئذ لا تنحصر الأقسام المحتملة على هذا التقدير فيما ذكره من الأمرين؛ لأن بتقدير أن يكون الحكم مخالفًا له في النوع والإفضاء إلى المصلحة أيضًا مخالفًا له في النوع لا يجب أن يكون ذلك إما لزيادة في إفضاء حكم الأصل إليها، أو في إفضاء حكم الفرع إليها؛ لأن ذلك إنما يجب بعد الإيجاد في النوع، أما مع المخالفة في النوعية فلا. فإن قلت: صريح قولكم هنا يدل على أن كون حكم الفرع مماثلاً لحكم الأصل شرط، وظاهر ما ذكرتم في حد القياس يقتضى أنه ركن فإنكم ذكرتم فيه أنه إثبات مثل حكم معلوم لمعلوم آخر، وإنما يذكر في الحد الأركان دون الشرط، ولأنه لا يتصور القياس بدون هذا القيد، فإنه لو أثبت في الفرع حكم من غير اعتبار ثبوته بمحل آخر لم يكن ذلك من القياس في شيء، وإن أثبت باعتبار ثبوته في محل آخر لزمت المماثلة وإن أثبت فيه حكم باعتبار ثبوت حكم آخر في محل آخر فإن لم يكن ذلك لعلة جامعة بينهما لزم التحكم؛ إذ ليس ثبوت ذلك الحكم فيه أولى من ثبوت حكم آخر فيه باعتبار ثبوته في محل ما وأن كان لجامع؛ إذ الجامع الواحد يجوز أن يكون مثبتًا لحكمين مختلفين على ما تقدم تقريره، فحينئذ ما عرف عليه ذلك الجامع لذينك الحكمين من ذلك المحل قطعًا؛ إذ ليس الحكم الذي أثبت في الفرع مقارن له في ذلك المحل بل بمحل آخر؛ إذ مجرد المناسبة لا يفيد ظن العلية ما لم يقارنها الحكم وهو المعنى من اعتبارها وحينئذ يصير ذلك المحل أصل القياس في الحقيقة وحصلت المماثلة ولو أثبتت عليه وصف في/ (٢٣٣/ أ) صورة بالمناسبة مع الاقتران أو بالدوران أو بغيرهما ثم أثبت الحكم في صورة النزاع بما ثبت كون ذلك الوصف على من غير إلحاق إلى تلك الصورة بل بقاعدة كلية

стр. 3285

بأن يقال: هذا الوصف علة لما ثبت، وكل ما ثبتت العلة فيه يجب ثبوت الحكم فيه: فيجب ثبوت الحكم في هذه الصورة لثبوت العلة فيه، فنحن نمنع أن يكون ذلك قياسًا لما سيأتي، هذا إذا عرفت عليه الجامع بالاستنباط، أما إذا عرفت بالتنصيص فإن كان ذلك في صورة مخصوصة بأن قال: علة هذا الحكم هذا الوصف لزمت المماثلة أيضًا، وإن لم يكن كذلك بل نص على العلية مطلقًا بأن: قال علة الحكم الفلاني الوصف الفلاني فنحن لا نسلم أن إثبات ذلك الحكم في موارد ذلك الوصف قياس؛ وهذا لأن ما نحن فيه وهو قياس الفقهاء قياس تمثيلي، وهذا الذي ذكرتموه من الصورة ليس منه في شيء؛ لأنه ليس فيه إلحاق صورة بصورة بل هو إثبات للحكم في صورة جزئية بقاعدة كلية، وهو قياس المقدمتين والنتيجة فحينئذ كون حكم الفرع مثلا لحكم الأصل ركن في القياس لا شرط. قلت: لا منافاة بين ما ذكرتم وبين ما ذكرنا؛ فإن ما ذكرنا هو أنه شرط الفرع، وما ذكرناه من التحديد وما ذكرتم من الدلالة يقتضى أن يكون ركنًا في القياس، ولا امتناع في أن يكون الشيء ركنًا لمجموع ويكون شرطًا لبعض أجزائه كقراءة الفاتحة فإنها ركن في الصلاة، وشرط لصحة القيام، وكذلك التشهد بالنسبة إلى القعود بل أركان الصلاة كلها بهذه المثابة فإن بعضها شرط لصحة بعضها بمعنى أن صحة بعضها لا يوجد بدون صحة البعض الآخر. الشرط الثالث: أن يكون خاليًا عن معارض راجح يقتضى نقيض ما اقتضته علة القياس، وهذا على رأى من يجوز تخصيص العلة، فأما من لم يجوز ذلك فلا يتصور اعتباره على رأيه، وهذا في الحقيقة ليس شرطًا للفرع الذي يقاس بل للفرع الذي يثبت فيه الحكم بمقتضى القياس. الرابع: أن لا يكون حكم الفرع منصوصًا عليه، وهذا ظاهر إذا كان ذلك

стр. 3286

الحكم المنصوص عليه على خلاف القياس وإلا لزم تقديم القياس على النص وهو ممتنع، فأما إذا كان على موافقته، فإما أن يكون النص الدال على ثبوت حكم الفرع بعينه الذي دل على حكم الأصل أو غيره. فإن كان الأول فالقياس ينبغي أن يكون باطلاً أيضًا؛ لأنه ليس جعل تلك الصورة أصلاً والأخرى فرعًا أولى من العكس؛ لأن نسبة دلالة النص على حكمها على السواء؛ لأن التمسك به مستدرك؛ لأنه لا يفيد فائدة زائدة أصلاً، ولأنه جار مجرى إثبات حكم الأصل بالعلة المستنبطة فيكون إثباتًا للأصل بالفرع، فإن العلة في محل النص فرع والحكم أصل على ما تقدم بيانه. وأما إذا كان غيره فالقياس جائز فيه عند الأكثرين؛ لأن ترادف الأدلة على المدلول الواحد جائز لإفادة زيادة الظن بخلاف ما إذا كان النص الدال على حكم الأصل والفرع واحد فإن القياس في هذه الصورة لا يفيد زيادة الظن أصلاً؛ لأن العلة المستنبطة من الحكم الذي هو ثابت في الأصل والفرع بمقتضى نص واحد على حد سواء فرعه فلا يفوته؛ لأن الفرع لا يؤكد أصله، بخلاف ما إذا كان النص الدال على حكميهما متغايرين فإن العلة المستنبطة من حكم الأصل ما هي فرع الحكم الثابت في الفرع لنصه. ومنع بعضهم من قياس المنصوص عليه مطلقًا محتجين بقصة معاذ ﵁ -فإنها تدل على مشروعيته عند فقدان النص، وتدل على عدم مشروعيته عند وجدان النص؛ لأن الحكم في حديث معاذ ﵁ -معلق بكلمة إن، وقد ثبت أن المعلق بكلمة إن عدم عند عدمه، فدل على أن الحكم بالقياس عند وجدان النص غير جائز، وبأن الدليل ينفي العمل

стр. 3287

بالقياس لما سبق غيره مرة، ترك العمل به في صورة فقدان النص للضرورة فيبقى ما عداه على الأصل، وبالقياس على ما إذا كان حكم الفرع المنصوص عليه مخالفًا أو موافقًا لكنه ثابت بنص واحد. وجوابه الأول: بمنع أن مفهومه الشرط حجة، وهذا لا يستقيم على رأينا. سلمناه لكن المراد منه وجوب الحكم بقرينة توليته القضاء، وبقرينة قوله: (فإن لم تجد في كتاب الله، قال: فبسنة رسوله) فإن الحكم بالسنة جائز مطلقًا سواء وجد في الكتاب ما يدل عليه أو لم يوجد، وبالإجماع، وحينئذ لا يبقى فيه دلالة على المطلوب؛ لأن النزاع إنما هو في الجواز لا في الوجوب، ونحن نقول: إن وجوب الحكم بالقياس مشروط بعدم وجدان النص، فأما عند وجوده لا يجب الحكم بالقياس عندنا وإنما هو جائز فليس فيه دلالة على المطلوب. سلمنا إطلاقه لكنه يدل عليه بطرق المفهوم وهو ضعيف بالنسبة إلى دلالة المنطوق، ودلالة المعقول، فوجب ترجح دلالة عموم قوله تعالى: ﴿فاعتبروا﴾ ودلالة ما ذكرنا من المعقول هنا، والذي ذكر على أن القياس حجة/ (٢٣٤/ أ) عليه. وعن الثاني: ما سبق غير مرة. وعن الثالث: بالفرق أما بينه وبينما إذا كان الحكم مخالفًا فظاهر وأما بينه وبين الصورة الثانية فما تقدم من الإشارة إليه والكلام في شرطية هذا ما تقدم فيما قبله. الخامس: أن لا يكون الحكم في الفرع ثابتًا [قبل الأصل؛ لأنه لو كان

стр. 3288

كذلك للزم أن يكون الحكم في الفرع ثابتًا] بلا دليل؛ ضرورة أن دليله إنما هو القياس على ذلك الأصل فقط؛ إذ الكلام مفروض في فرع شأنه هذا وهو ممتنع، أما إذا كان على حكم الفرع دليل آخر وذكر ذلك على سبيل الإلزام على الخصم فلا يمتنع ذلك. وشرط بعضهم كأبى هاشم واتباعه أن الحكم في الفرع يجب أن يكون معلومًا بالنص في الجملة لا تفصيلاً والمطلوب [بالقياس تفصيله فلولا العلم بورود ميراث الجد] وإلا لما جاز استعمال القياس في توريثه مع الإخوة، وهو باطل. أما أولاً: فلأن أدلة القياس تنفيه. وأما ثانيًا: فلأن الصحابة قاسوا "أنت على حرام" على الطلاق واليمين، والظهار، ولم يوجد في ذلك نص يدل على الحكم لا جملة ولا تفصيلاً. خاتمة لهذا النوع في بيان أنواع الأقيسة وأصنافها وإن تقدم ذكر بعضها. وبيانها بتقسيمات: القسمة الأولى: القياس إما أن يكون بذكر الجامع، أو بإلغاء الفارق، فإن كان الأول فذلك الجامع إن كان هو العلة فهو المسمى بقياس العلة سمى بذلك لكون المذكور في الجمع بين الأصل والفرع نفس العلة.

стр. 3289

مثاله. قولنا في القتل بالمثقل: قتل عمد عدوان فيجب في القصاص كما في صورة الجارح، وإن كان الجامع وصفًا لازمًا من لوازم العلة، أو أثرًا من آثارها، أو حكمًا من أحكامها فهو المسمى بقياس الدلالة، سمى بذلك لكون المذكور في الجمع بينهما دليل العلة لا نفسها. مثال الأول: قياس تحريم النبيذ [على] تحريم الخمر بجامع الرائحة الفائحة الملازمة للشدة المطربة، وهي ليست نفس العلة بل هي لازمة من لوازمها. مثال الثاني: كقولنا في القتل بالمثقل: قتل أثم به صاحبه من حيث كونه قتلاً، فوجب فيه القصاص كما في الجارح فكونه أثم به ليس هو نفس العلة بل هو أثر من آثارها. مثال الثالث: كقولنا في مسألة قطع الأيدي باليد الواحدة: إنه قطع موجب لوجب الدية عليهم [فيكون موجبًا لوجوب القصاص] عليهم كما لو قتل جماعة واحدًا فوجب الدية على المباشر ليس نفس العلة الموجبة للقصاص بل هو حكم من أحكام العلة الموجبة للقصاص بدليل أطرادها وانعكاسها، كما في القتل العمد العدوان والقتل الخطأ، وشبه العمد فإلحاق صورة القطع بالقتل في وجوب القصاص بجامع ما يشتركان فيه من وجوب الدية على القاتل يكون من باب قياس الدلالة. ومن هذا الباب الاستدلال على الشيء بآثاره وخواصه وإن لم يعقل هناك علة كقولنا في الوتر: صلاة تؤدى على الراحلة من غير أذان ولا إقامة فلا يكون فرضًا كسائر النوافل.

стр. 3290

وإن كان الثاني فهو المسمى بالقياس في معنى الأصل [كإلحاق البول في الكوز وصبه في الماء الدائم بالبول فيه في النهى] عنه وقد سبق أنه يسمى بتنقيح المناط أيضًا. القسمة الثانية: القياس ينقسم إلى مؤثر، وملائم. أما المؤثر فإنه يطلق باعتبارين. أحدها: ما أثر عين الوصف في عين الحكم، أو في جنسه، أو جنس الوصف في عين الحكم. وثانيهما: ما كانت العلة فيه منصوصة بالتصريح، أو الإيماء أو مجمعًا، ولا يخفى عليك أن بين التفسيرين عمومًا وخصوصًا من وجه دون وجه. وأما الملائم، فهو: ما أثر جنس الوصف في جنس الحكم. ومنهم من قال: الملائم أقسام ثلاثة، هذا [وما أثر عين الوصف في جنس الحكم، أو جنس الوصف في عين الحكم والمؤثر قسم واحد وهو] ما أثر عين الوصف في عين الحكم وقد سبق بعض هذا.

стр. 3291

القسمة الثالثة: القياس ينقسم إلى: ما يكون ثبوت الحكم في الفرع مساويًا لثبوته في الأصل ويسمى بالقياس في معنى الأصل وقد سبق مثاله. وإلى ما لا يكون كذلك، وهو ينقسم إلى قسمين؛ لأنه إما أن يكون ثبوت الحكم في الفرع أولى من الأصل، أو لا يكون كذلك بل يكون أدنى، والأول يسمى بالقياس بالطريق الأولى سواء كان قطعيًا أو ظنيًا على ما سبق مثالهما. والثاني يسمى بالقياس مطلقًا من غير تقييد. ولذلك اختلف في كون القسمين السابقين قياسًا أم لا، بخلاف هذا القسم فإنه أطبق الكل على كونه قياسًا. مثاله: كقياس تحريم النبيذ على تحريم الخمر، وكقياس سائر المطعومات على الأشياء الستة. وقد ينقسم القياس إلى جلى. وإلى خفي. فالجلى القسمان الأولان وما كانت العلة فيه منصوصه. والخفى القسم الثالث وقد تقدم للجلى والخفى تفاسير أخرى في باب التخصيص بعضها مضاف للمذكور هنا، وبعضه مخالف له. القسمة الرابعة: القياس إما أن تكون العلة فيه منصوصة، أو مستنبطة فالأول يسمى بالقياس المنصوص [عليه. والثاني لا يخلو إما أن يكون طريق استنباطها المناسبة] والإخالة أو السير

стр. 3292

والتقسيم، [أو الشبه، أو/ (٢٣٥/ أ) الطرد والعكس أو الطرد فقط. فالأول يسمى قياس المناسبة وقياس الإخالة. والثاني يسمى قياس السبر والتقسيم] والثالث يسمى بقياس الشبه. والرابع قياس الدوران والاطراد والانعكاس. والخامس يسمى بالقياس الطردي. القسمة الخامسة: القياس ينقسم إلى قياس التلازم، وإلى غيره. فالأول هو الذي صرح فيه بصيغة الشرطية، كقولنا: لو وجبت الزكاة في حلى البالغة لوجبت في حلى الصبية؛ لأن وجوب الزكاة في حلى البالغة إنما كان لدفع حاجة الفقير، أو لصيانة المال للمناسبة والاقتران، وهذا المعنى بعينه حاصل في صورة النقض فيلزم من الوجوب في صورة النزاع الوجوب فيها، لكن اللازم منتف فيلزم انتفاء الملزوم. وقال الإمام: "يمكن أن يعبر قياس التلازم بعبارة أخرى أشد تلخيصًا من الذي تقدم، وهي أن يقال: ثبوت الحكم في الفرع يفضى إلى محذور، فوجب أن لا يثبت دفعًا للمحذور؛ وإنما قلنا ذلك؛ لأنه لو ثبت الحكم في الفرع فأما أن يكون الحكم [معللاً] بالمشترك بينه وبين النقض أو لا يكون معللاً به بل بغيره؛ إذ لا يجوز أن لا يكون معللاً أصلاً وإلا لما صح القياس؛ إذ القياس فرع تعليل الحكم. فإن كان الأول لزم النقض، إذ المشترك موجود في صورة النقض والحكم غير حاصل فيه.

стр. 3293

وإن كان الثاني لزم النقض أيضًا؛ فإن المناسبة مع الاقتران دليل العلية فحصولهما بدون العلية يوجب النقض. وفي كون هذا أشد تلخيصًا من الأول نظر. والثاني هو الذي لم يصرح فيه بصيغته وأقسامه قد عرف مما تقدم. القسمة السادسة: القياس ينقسم إلى ما يكون الحكم في الأصل المقيس عليه ثابتًا بعلتين مختلفتين كعدم وجوب الزكاة في حلى الصبية حين يقاس عليه حلى البالغة، فيقال: حلى معد لاستعمال أمر مباح، فلا يجب فيه الزكاة كحلى الصبية، أو لا يكون كذلك كما لو قيس الحلى المتنازع فيه على ثياب البذلة والمهنة وعبيد الخدمة. والأول يسمى بالقياس المركب لثبوت الحكم فيه بعلتين مختلفتين، فالحكم وإن كان ثابتًا في نفس الأمر بواحدة منهما عند كل واحد من المجتهدين لكن الاتفاق عليه ما حصل إلا بمجموعهما، فلعله سمى مركبًا بهذا الاعتبار وهو يكون في النفي تارة كما سبق وهو الأكثر، وفي الإثبات أخرى كقولنا في ولاية الإجبار على البكر البالغة: بكر فوجب أن يثبت عليها ولاية الإجبار كما في البكر الصغيرة. واختلفت في حجيته فالأكثرون على أنه ليس بحجة؛ لأنه لا يجدي نفعًا؛ إذ الخصم يسلم أن الحكم في الأصل ثابت لكن يمنع أن يكون ثابتًا بالموجود في الفرع بل بالمختص بالأصل، فحينئذ يحتاج المستدل إلى أن يثبت عليته بالمناسبة والاقتران أو بغيرهما من الطرق، وهو انتقال مسألة إلى أخرى وهو أيضًا بعينه موجود في علة الخصم فإن بين ذلك في صورة أخرى لا يتأتى للخصم فيها مثله فليقس عليه لئلا يطول الكلام من غير فائدة.

стр. 3294

ولأن المعتمد في القياس إنما هو عمل الصحابة ولم ينتقل عنهم التمسك بالقياس المركب فلم يجز التمسك به. وذهب الأقلون إلى أنه حجة يجوز التمسك به، وعليه المتأخرون من الخلافين. واحتجوا عليه بأدلة القياس المطلقة والعامة فإنها لم تفرق بين قياس وقياس فوجب اندراج الكل تحتها، ولا يخفى ضعف هذا التمسك والثاني يسمى بالقياس على الإطلاق وبالأقيسة البسيطة مقابلة له بالمركب ولن هذا آخر كلامنا في القياس. النوع الخامس عشر في الاعتراضات [وأجوبتها] وهي تنقسم إلى صحيحة، وفاسدة. أما الصحيحة فهي وجوه عديدة: الأول: الاستفسار، وهو: طلب شرح مدلول اللفظ. وضابط ما يصح عنه الاستفسار هو: ما لا يفهم معناه إما لإجماله أو لغرابته، ولهذا قيل: إن كل ما فيه الاستبهام صح عنه الاستفهام.

стр. 3295

وهذا لأن الاستفهام طلب القيم، وهو عند حصوله أو سبب حصوله باطل؛ أما الأول فظاهر، وأما الثاني: فلأن وجود سببه يدل ظاهرًا على وجوده وطلبه إذ ذاك طلب الحاصل، وهو ممتنع، وبتقدير أن لا يكون الفهم حاصلاً فإنه يكون من تقصيره، أو لعدم قابليته، وإلا لم يكن ذلك البيان كافيًا وعلى التقديرين ليس له الاستفهام إذ لا يزيل ذلك بيانه الثاني وإلا فبيانه الأول أزال ذلك لكونه مثله في كونه بيانًا له. وهذا السؤال متجه، وإن كان بعض المتأخرين من الجدليين أنكره؛ لأن التصديق فرع التصور، فلو لم يكن معنى اللفظ معلومًا عنده لم يمكنه منع دلالة الدليل على المتنازع فيه، ولا نسلمهما؛ لأن المنع أو التسليم عن عماية باطل، ومن هذا نعرف أن هذا السؤال [مقدم] بالرتبة على غيره من/ (٢٣٦/ أ) الأسئلة فلا جرم استحق التقديم وضعًا. وصيغته: "ما" وما يجرى مجراه في السؤال عن التصور عن مدلول اللفظ نحو قولك: إيش تعنى من هذا اللفظ؟، أو هل المراد منه هذا وذاك؟ فإن قلت: ينبغي أن لا يقبل هذا السؤال؛ لأن اللفظ لا يخلو إما أن لا يكون فيه الإجمال، أو يكون، وعلى التقديرين يجب أن لا يقبل أما إن كان الواقع هو الأول؛ فلأن السؤال حينئذ يكون باطلاً لما سبق، ولأن طلب التفسير مع أن اللفظ مفسر نوع من العناد فكان باطلاً.
следующие страницы →