← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

سلمنا دلالة ما ذكرتم على المطلوب لكنه معارض بوجوه: أحدها: لو جاز التعليل بالحكمة لوجب طلبها؛ لأن القياس مأمور به على ما عرفت ذلك من قبل، وهو لا يتم بدون وجدان العلة ووجدانها متوقف على الطلب، وما يتوقف عليه المأمور به المطلق وكان مقدورًا للمكلف فهو مأمور به، فيكون طلبها مأمورًا به فيكون طلب الحكمة مأمورًا به، لكن طلبها غير مأمور به؛ لأن الحكمة راجعة إلى الحاجة إلى تحصيل المصالح ودفع المفاسد وهي مما يخفي ويزيد وينقص فلا تكون ظاهرة ولا منضبطة، وما هذا شأنه [لا يعلم] إلا بمشقة شديدة وكلفة كلفة، وما يكون كذلك وجب أن لا يكون مأمورًا به بالنصوص النافية للحرج والمشقة. وثانيها: أن استقراء أحكام الشرع يدل: على أن الحكم غير معلل بالحكم، بل بالأوصاف المشتملة عليها، بدليل أنا لو فرضنا حصول تلك الحكم بدون تلك الأوصاف [لم تترتب تلك الأحكام عليها، ولو فرضنا حصول تلك الأوصاف] بدون الحكم ترتبت تلك الأحكام عليها، وذلك يدل ظاهرًا على أن الحكم غير معلل بالحكمة. وثالثها: أن مقتضي الدليل عدم جواز التمسك بالعلة المظنونة؛ لما تقدم آنفًا، ترك ذلك في الأوصاف الجلية المضبوطة لمسيس الحاجة وظهورها، فوجب أن يبقي ما عداها على الأصل. ورابعها: أن الحكمة متأخرة الحصول عن الحكم ولا شيء من العلة بمتأخر عنه فلا شيء من الحكمة بعلة.

стр. 3222

قلت: قوله: ما الدليل على إمكان حصول الظنين. قلنا: من الظاهر أن الحكمة إذا كانت ظاهرة مضبوطة كان الظن بحصولها كالظن بحصول الوصف إذا لم يزد الوصف عليها حينئذ بما يوجب سهولة حصول الظن أو العلم به، نعم إذا كانت الحكمة خفية مضطربة كان تحصيل الظن أو العلم بحصولها صعب عسر لا أنه غير ممكن. وبهذا خرج الجواب عما ذكر من الدلالة على امتناع حصول الظن بها؛ لأنا نمنع أن الحكمة الظاهرة المضبوطة لا يمكن الوقوف عليها، على أن ما ذكر من الدلالة منقوض بالوصف، فإنه لا نزاع في أن المناسبة طريق كون الوصف علة الحكم، والمعني بذلك: أنا نستدل بكون الوصف مشتملًا على [المصلحة على كونه علة فلا يخلو إما أن يكون الدال على عليته اشتماله على] مطلق المصلحة وهو باطل، وإلا لكان كل وصف مشتمل على المصلحة كيف كانت علة لذلك الحكم أو على مصلحة مخصوصة/ (٢١٧/ أ) معينة، وحينئذ نقول: لا جائز أن تكون تلك المصلحة بحيث لا يمكن الاطلاع عليها وإلا امتنع الاستدلال بمناسبة الوصف على عليته للحكم لما تقدم أنه لا معني لمناسبة الوصف للحكم إلا اشتماله على المصلحة الملائمة للحكم وثبت أنه لا يجوز أن تكون تلك المصلحة مطلق المصلحة فيتعين أن تكون مصلحة مخصوصة معينة، فلو لم تكن تلك المصلحة بحيث يكون الاطلاع عليها ممكنًا لما أمكن الاستدلال بالوصف المناسب على عليته، وإذا بطل هذا القسم تعين أن تكون تلك المصلحة بحيث يكون الاطلاع عليها ممكنًا، وحينئذ ينتقض الدليل. فظهر بهذا بطلان قولهم: إن الحاجة أمر خفي لا يمكن الوقوف عليها. وبه خرج الجواب أيضًا عن قوله: إنه وإن أمكن حصول الظنين لكن يعسر حصولهما؛ فإنا نمنع ذلك أولًا لما سبق، وننقضه ثانيًا بما تقدم وهو الجواب

стр. 3223

بعينه عن المعارضة الأولى. وعن الثانية: نمنع أن الأحكام غير المعللة بالحكم والمصالح؛ وهذا لأن كثيرًا من الأحكام معلل بالحكم وحدها نحو: وجوب التوسط في إقامة الحد بين المهلك وغير الزاجر، ووجوب إقامة التعزير وإساقطه وقدره، وكذا الفرق بين العمل القليل والكثير في الصلاة وكذا الفرق بين الأكل اليسير والكثير ناسيًا في الصوم على رأي وأمثاله كثيرة، نعم التعليل بالأوصاف أكثر؛ لأنها أقرب إلى الضبط والاطلاع عليها أسهل. وعن الثالثة: ما تقدم غير مرة. وعن الرابعة: أنها متأخرة عن الحكم في الوجود الخارجي، لا في الوجود الذهني وهي علة فيه؛ لأنها علة بمعني الباعث، وإن فسرت العلة بمعنى المعرف توجه المنع إلى المقدمة الثانية مع ما تقدم

стр. 3224

تنبيه القائلون بجواز التعليل بالحكمة إذا قيل لهم إن الحكمة مجهولة القدر في غالب الأمر وإن كانت جلية في نفسها، فإن حاجة الإنسان في مبدأ زمان الجوع، دون حاجته في أثنائه وانتهائه، وإذا كان كذلك لم يكن القدر الموجود في الأصل ظاهر الوجود في الفرع فلم يصح القياس لعدم الظن بحصول العلة في الفرع. فمنهم من أجاب هذا: بأنا نعلل بالقدر المشترك بين الصورتين؛ لأنه حصل في الأصل قدر معين من المصلحة، وفي الفرع قدر معين، وكل مقدارين من نوع واحد لابد وأن يكون بينهما قدر معين مشترك بينهما، وذلك القدر يناسب التعليل به لكونه مصلحة مطلوبة الوجود. فإذا نقض ذلك عليهم بأن يقال: المصلحة الفلانية مصلحة وحاجة مع إنها غير معتبرة في الحكم. أجابوا: بأنا إنما عللنا الحكم بالقدر المشترك بين الأصل والفرع ونحن لا نسلم أن ذلك القدر المشترك بينهما حاصل في صورة النقض. قال الأمام: وهذا ضعيف؛ وذلك لأنه يحتمل أن لا يكون بين القدر المشترك الحاصل في الأصل، والحاصل في الفرع اشتراك إلا في نفس كونه مصلحة، والتعليل بمسمى المصلحة غير ممكن، وإلا لحصل النقض المذكور وأمثاله من المصالح المنفكة عن الحكم. وأما وجود قدر مشترك زائد على نفس كونه مصلحة فذلك غير معلوم ولا مظنون والتعليل بمثله غير جائز.

стр. 3225

واعلم أن هذا التضعيف ضعيف؛ لأن ما ذكره من الاحتمال وإن كان جائزًا لكنه غير واجب، والمنع لا يندفع بمجرد الاحتمال، بل لابد من الدلالة على أنه لا مشترك بينهما إلا نفس كونه مصلحة حتى يتحقق النقض ويمكن أن يورد الاعتراض على الجواب بحيث لا يرد عليه هذا التضعيف بأن يقال: إنه إن عنى بقوله: إنه لابد وأن يكون بين الأصل والفرع مقدار معين مشترك بينهما مقدارا وائدا على مسمى المصلحة بحيث لا ينتقض ممنوع، ولابد من الدلالة عليه. وإن عنى به: نفس الاشتراك في مسمى المصلحة أو مقدارا زائدا على نفس مسمى المصلحة لكن ليس بحيث لا ينفك الحكم عنه لزم النقض المذكور ومعلوم أن هذا الكلام لا يرد عليه التضعيف المذكور. المسألة الخامسة ذهب جمع إلى جواز التعليل بالعدم ثبوتيا كان الحكم أو عدميا . ومنع قوم منه إذا كان الحكم ثبوتيا. احتج الأولون بوجوه: أحدها: أنه لا معنى للعلة إلا المعرف، على ما تقدم تقريره، وهو غير

стр. 3226

مناف للعدم، فإن العدم قد يعرف وجود الحكم الثبوتى؛ فإن عدم امتثال العبد لأوامر سيده يعرفنا سخطه عليه، والحكم العدمى فإن عدم العلة يعرفنا عدم المعلوم وكذا عدم اللازم، وعدم الشرط يعرفنا عدم الملزوم وعدم المشروط، وإذا كان كذلك وجب أن يصح قيام العلية بالعدم كما بالموجود. وثانيها: أنه قد يحصل دوران الحكم مع بعض العدمات، والدوران يفيد ظن العلية على ما تقدم تقريره، والعمل بالظن واجب، فيكون العمل بهذا القياس واجبا. وثالثها: لو لم يجز أن يكون العدم علة، فأما لأن العلية ثبوتية ويستحيل قيام الصفة الثبوتية بما ليس بثابت، وهو باطل. أما أولا: فلأن العلية ليست ثبوتية؛ وإلا فإن كانت واجبة لذاتها لم تفتقر إلى معروضها وموصوفها، أو كانت ممكنة/ (٢١٨/أ) لذاتها فتفتقر إلى مؤثر يؤثر فيها، والكلام في علية تلك العلة كالكلام في الأول ولزم التسلسل. وأما ثانيا: فلأنها لو كانت وجودية فإن كانت قديمة، لزم امتناع قيامها بالمحدثات، ولزم أيضا قدم المعلول، وإن كانت محدثة لزم أن يكون لها موجدا، والكلام في عليته كالكلام في الأول ولزم التسلسل. وأما ثالثا: فلأن العلية من الأمور النسبية والإضافية، وقد ثبت أنه لا وجود لها في الأعيان. وأما رابعا: فلأن المخالف والعرف يساعدان على أنه يجوز أن يكون العدم علة العدم؛ إذ يجوز أن يقال: لم يعص أمره فلم يسخط عليه، ولم يره فلم

стр. 3227

يسلم عليه، ولو كانت العلبة ثبوتية لاستحال قيامها بالعدم سواء كانت علة للعدم أو الثبوت، أو لأن العلية تقتضي التأثير والإيجاب وذلك في العدم لا يعقل فهو أيضا باطل لما سبق آنفا أنه لا معنى للعلة إلا لكونها معرفة للحكم، وقد عرفت أن ذلك جائز على العدم أو لمعنى آخر، وهو أيضا باطل؛ لأن الأصل عدمه، ولأن كل من قال بعدم جوازه فإنما قال به بناء على الاحتمالين المذكورين فالقول بفساده بناء على احتمال آخر قول مخالف للإجماع فكان باطلا، وإذا بطلت هذه الأقسام بطل القول بعدم جوازه فوجب القول بصحته. واحتج المانعون منه بوجوه: أحدها: أن العلية ثبوتية، ضرورة أنها نقيض "اللا علية" المحمولة على العدم، والمحمول على العدم عدمي، وإلا لزم كون العدم موصوفا بالثبوت وهو يفضى إلى القول بالسفسطة. ومقتضى النفي ثبوت، فوجب أن تكون العلية ثبوتية، وإذا كان كذلك استحال اتصاف العدم بها. وجوابه: أن الاستدلال بصورة النفي على الوجود يتوقف على العلم بأن ذلك المفهوم قبل دخول حرف النفي وجوديا، فإن بتقدير أن لا يعلم ذلك بل يجوز أن يكون عدميا، كان مفهومه حينئد بعد دخول حرف النفي وجوديا، ضرورة أن عدم العدم ثبوت وإذا كان كذلك كان العلم بكون ذلك المفهوم وجوديا قبل العلم بوجه دلالة صورة النفي على الوجود، فلو استدللنا بصورة النفي على الوجود لزم أن يكون العلم به حاصلا قبل العلم بالوجود؛ ضرورة أن العلم بالدليل وبدلالته قبل العلم بالمدلوم فيلزم الدور وهو ممتنع.

стр. 3228

سلمنا صحة دلالته لكنه منقوض بالامتناع، والامتناع مع أنه ليس بوجودي قطعا. سلمنا المقدمتين، لكنه منقوض بالعدم إذا كان علة العدم، فإن جميع ما ذكروا آت فيه مع أنه يجوز أن يكون العدم علة العدم وفاقا. وثانيها: أنه يصح أن يقال: أي شيء وجد حتى حدث هذا الأمر؟ ولو لم يكن الحدوث متوقفا على وجود شيء لما صح هذا الكلام، كما لو قال: "أي رجل مات حتى مرض هذا" حيث لم يكن مرض المشار إليه متوقفا على موت رجل. وجوابه: أنا لا نسلم أن صحته واستقامته بناء على خصوصية الوجود بل لعموم الحدوث، ألا ترى أنه لو قال: أي شيء حدث حتى حدث هذا الأمر، استقام الكلام أيضا، وحدوث الأمر يعم الوجود والعدم؛ ولهذا يصح أن يقال: أي شيء عدم مما كان حتى وجدها الأمر. وثالثها: أن العلة لابد وأن تتميز عما ليس بعلة بأي معنى كان وإلا لما صح الحكم عليها بكونها علة، والتمييز: عبارة عن كون واحد من المتميزين مخصوصا في نفسه بحيث لا توجد خصوصيته في الآخر وإلا لما كان متميزا، لكن ذلك غير معقول في العدم لأنه نفى صرف وعدم محض. وأيضا لو جاز وقوع التمييز فيه لجاز أن يكون ما نراه من المحسوسات المتميزة بعضها عن البعض إعداما صرفا؛ إذ لا طريق إلى العلم بوجودها إلا ذلك، ويلزم أيضا إنسداد باب إثبات الصانع تعالى؛ لأنه حينئذ يجوز أن يقال: المؤثر في العالم عدم صرف ونفي محض؛ لأنه حينئذ يجوز أن يتميز عن غيره بصفات مخصوصة كما هو على تقدير الوجود.

стр. 3229

وجوابه: أنا لا نسلم أن ذلك غير معقول في الإعلام، وهذا لما سبق أن التمييز في الإعدام واقع؛ فإن عدم اللازم يتميز عن عدم الملزوم بكون ذلك يستلزم عدم الملزوم، وعدم الملزوم لا يستلزم ذلك، وكذا عدم أحد الضدين عن المحل يصحح حلول الضد الآخر فيه. ولا نسلم أنه يلزم تجويز كون هذه المحسوسات إعداما؛ وهذا لأنا لا نقطع بوجودها بمجرد تميزها، بل تميزها بصفات محسوسة نحو الأكون، والألوان، ولا نسلم أنه يلزم انسداد باب إثبات الصانع؛ وهذا فإن مجرد التميز غير كاف في ذلك بل لا يصلح ذلك طريقا إلى العلم بالوجود، لما سبق، بل طريقه في حقه تعالى مشاهدة آثاره من مخلوقاته ومصنوعاته. ورابعها: أن العدم لو كان علة لكان له نسبة مخصوصة، وإلا لم يكن باقتضاء حكم دون حكم، في وقت دون وقت أولى من العكس وحينئذ يلزم أن يكون العدم محل النسبة المخصوصة وهى وجودية؛ لأنها نقيض للانتساب الذى هو عدمي فيكون محل الصفة الوجودية فتكون موجودة فيلزم أن يكون العدم موجودا وهو محال. وجوابه: ما سبق/ (٢١٩/أ) ولو سلم دلالة ما ذكره على ذلك لكنه معارض بما يدل على أن النسب والإضافات لا وجود لها في الأعيان. وخامسها: أن المجتهد يجب عليه سبر الأوصاف التى تصلح للعلية وفاقا، ولا يجب عليه سبر الأوصاف العدمية؛ لكونها غير متناهية فلا شيء من الأوصاف التي تصلح للعلية بعدمية.

стр. 3230

وجوابه: منع المقدمة الثانية؛ وهذا فأنا لا نسلم أنه لا يجب عليه سبر ما يتخيل المناسبة فيه، أو الدوران، أو ما يقرب من العلية. وسلمناه لكن ذلك لتعذره؛ لأن العدمات لما كانت غير متناهية تعذر سبرها. وسادسها: العدم ليس من سعي الإنسان فلا يترتب عليه حكم لقوله تعالى﴾ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ﴿، لا يقال: هذا ينتقض بجميع المناهي، فإنا مكلفون فيها بالامتناع، ونثاب عليه، ويترتب عليه أحكام؛ لأنا نقول: قد ثبت أن ذلك تكليف بفعل الضد، لا بنفس أن لا تفعل الذى هو عدم محض بل ذلك يترتب عليه. وأجيب عنه: بأنه لو كان كذلك لكان الممتنع عن الفعل فاعلا للفعل وهو محال. وهو ضعيف؛ أما أولا: فلأنه مناقض لما اختاره هذا المجيب من أن متعلق التكليف في النهي إنما هو فعل الضد لا نفس أن لا تفعل، وأيضا لا محال في أن يكون الإنسان ممتنعا عن فعل ويكون فاعلا لفعل آخر، بل جوابه: أنه ليس من شرط ما يترتب عليه الحكم من العلل أن يكون من سعي الإنسان فإن كثيرا من العلل ليس من فعل الإنسان وسعيه، سلمناه لكن العدم الطارئ قد يكون من سعيه.

стр. 3231

وسابعها: أن العلة في الأصل لابد وأن تكون بمعنى الباعث على ما تقدم تقريره، والباعث ما يكون محصلا للمصلحة أو تكميلها، أو دافعا للمفسدة أو تقليلها، فإذا كان الحكم ثابتا بخطاب التكليف لمثل هذا الغرض، فلابد وأن يكون ضابط ذلك الغرض مقدورا للمكلف إيجادا وإعداما، وإلا لما كان شرع ذلك الحكم مفيدا للغرض؛ لعدم إفضائه إلى الغرض المطلوب والعدم المحض لا انتساب له إلى الحكم. ومقصوده، فلا يكون مفضيا إلى المقصود من شرع الحكم فيمتنع التعليل به. وجوابه: أنه إن عنى بالعدم المحض، العدم الأصلي الذي لا يخصص ولا تمييز فيه بوجه من الوجوه فمسلم أنه لا انتساب له إلى شيء لكن لا يلزم من نفي علته علية مطلق العدم الذي وقع النزاع فيه. وإن عنى به أنه الذي يصدق عليه أنه لا شيء ولا ذات متقررة ولا ثابتة فممنوع أنه لا انتساب له إلى الحكم أو إلى غيره؛ وهذا لأن الأعدام المضافة ليست أشياء ولا ذوات متقررة مع أن لها انتسابا وإضافة. سلمنا كل ما ذكرتم لكنه إنما ينفي تعليل حكم الأصل به دون تعليل حكم الفرع؛ فإنه لا يجب أن تكون العلة فيه بمعنى الباعث بل يجوز أن تكون بمعنى الأمارة. تنبيه التعليل بالوصف الإضافي جائز إن قيل بوجود الإضافات وإلا فينبني على جواز التعليل بالعدم، فإن جوز ذلك جاز هذا وإلا فلا، وأما أدلة كونها وجودية أو عدمية فقد عرفت في علم آخر.

стр. 3232

المسألة السادسة اختلفوا في جواز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي: فذهب الأكثرون إلى تجويزه، ومنع منه الأقلون. احتج الأولون: بأن الحكم قد يدور مع الحكم الآخر وجودا وعدما، وقد ثبت أن الدوران يفيد ظن العلية. ولأن العلة بمعنى المعرف، ولا بعد في أن يجعل حكم معرفا لحكم آخر، بأن يقول الشارع: مهما رأيتم أني أثبت الحكم الفلاني في الصورة الفلانية فاعلموا أني أثبت الحكم الفلاني فيها أيضا. واحتج المانعون بوجوه: أحدها: أن العلة إن فسرت "بالمؤثر" أو "بالداعي" فمن الظاهر أن الحكم لا يجوز أن يكون علة بهما، وإن فسرت بمعنى"المعرف" فكذلك لما سبق من أن حكم الأصل لا يجوز أن يكون معللا بمعنى الأمارة. وجوابه: أنا لا نسلم امتناع تعليل الحكم به إن فسرت العلة بالداعي؛ وهذا لأن أحد الحكمين قد يكون داعيا إلى الآخر ومناسبا له من غير عكس فيجوز أن يكون علة له بمعنى الداعي المناسب.

стр. 3233

سلمنا امتناع هذا القسم لكن لم لا يجوز إن يكون بمعنى "المعرف" لكن في الفرع لا في الأصل وما ذكرتم على امنتاع هذا القسم دليلا. وثانيها: أن الحكم الذى جعل علة إن كان متقدما على الحكم الذى جعل معلولا له لم يصلح أن يكون علة له، وإلا لزم تخلف المعلول عن العلة وهو غير جائز، ولو سلم جوازه لكن لا نشك في أنه خلاف الأصل فلا يجوز إثبات العلة بهذه الصفة إلا عند قيام الدليل عليه. وإن كان متأخرا عنه لم يصلح للعلية أيضا؛ لأن المتأخر لا يكون علة للمتقدم. وإن كان مقارنا له فيحتمل أن يكون الحكم الذى جعل علة معلولا، والحكم الذى جعل معلولا علة، ويحتمل أن يكون على العكس؛ لأنه ليس لأحدهما مزية على الآخر حتى يتعين به أن يكون علة في نفسه، فعلى التقديرات الثلاثة، الأول لا يكون علة ولا يصلح للعلية، وعلى (٢٢٠/أ) التقدير الرابع صلح لذلك، ولا يخفى أن وقوع احتمال واحد بعينه أندر من وقوع احتمال من احتمالات ثلاثة، ولأنه يحتمل أن لا يكون حكم الأصل معللا، وبتقدير أن يكون معللا لكن بالصفة أو بالحكمة لا بالحكم وبتقدير أن يكون بالحكم، لكن لا بذلك الحكم بل بحكم آخر فيه، وبتقدير أن لا يكون معللا بحكم آخر فيه لكن يجوز أن يكون هو علة لما جعل علة له، فعلى هذه التقديرات الخمسة لا يكون ذلك الحكم علة، وعلى السادس يكون علة، ولا شك أن وقوع احتمال من احتمالات خمسة أغلب على الظن من وقوع احتمال واحد بعينه. وجوابه: أنا لا نسلم] أن المتأخر لا يكون علة للمتقدم بمعنى "المعرف"؛

стр. 3234

وهذا المعرف يجوز أن يكون متأخرا عن المعرف كالمحدثات بالنسبة إلى القديم. سلمنا امتناع هذا القسم لكن لا نسلم [امنتاع قسم المقارنة. قوله: ليس جعل أحدهما علة والآخر معلولا أولى من العكس. قلنا: لا نسلم؛ وهذا لأن أحد الحكمين قد يكون مناسبا للآخر من غير عكس فيكون جعله علة له أولى، ومنه يعرف بطلان قوله: لا مزية لأحدهما على الآخر حتى يتعين للعلية. وثالثها: أن شرط العلة التقدم على المعلوم وهو مجهول فيما نحن فيه، فإذا شرط العلية غير معلوم فلا يجوز إثباته علة إذ ذاك. وجوابه: منع المقدمة الأولى وسنده قد سبق. ورابعها: إذا أثبت الشارع حكمين في صورة واحدة معا، فليس لأحدهما مزية على الآخر لا في الوجود ولا الافتقار ولا في المعلومية فليس جعل أحدهما علة للآخر أولى من العكس، فإما أن لا يكون واحد منهما علة للآخر وهو المطلوب، أو يجعل] كل [واحد منهما علة الآخر وهو دور ممتنع. وجوابه: بعض ما تقدم، فإنا لا نسلم امتناع الدور فيه؛ وهذا لأن العلة هي "المعرف" ولا امتناع في كون كل واحد من الشيئين معرفاً للآخر.

стр. 3235

فرع القائلون بجواز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي اختلفوا في جواز تعليل الحكم الحقيقي بالحكم الشرعي. فمنهم من جوز ذلك وهو الحق؛ لأن المراد من العلة المعرف ولا يبعد أن يكون الحكم الشرعي يعرف الحكم الحقيقي، فأما إذا فسرت العلة بالموجب أو الداعي فإنه لا يجوز؛ وهذا ظاهر بين جدا. ومنهم من منع فإن كان ذلك بناء على أن العلة عنده مفسرة بغير المعرف فهو حق لكن لا نزاع فيه على هذا التقدير، وإن كان ذلك مطلقا سواء فسرت العلة بالمعرف أو بغيره فهو باطل لما سبق. مثاله: أن يعلك إثبات الحياة فى الشعر بأنه يحرم بالطلاق ويحل بالنكاح فيكون حيا كاليد. المسالة السابعة التعليل بالأوصاف العرفية حيث يتأتى كما في الكفارة وغيرها، وهي كالشرف والخسة، والكمال والنقصان، جائز إذا كان مطردا مضبوطا مميزا عن غيره ليعلم حصول ذلك العرف في زمان الرسول صلي الله عليه وسلم أو حصول الإجماع عليه؛ فإن بتقدير أن لا يطرد في كل الأوقات، أو في كل الأقطار لم يعلم ذلك فلا يجوز التعليل به وإنما اشترط الضبط المذكور لكي أمكن تعقله على وجه يتميز بهويته. عن غيره، وأمكن تعدية الحكم بسببه.

стр. 3236

المسألة الثامنة التعليل بالوصف المركب جائز عند المعظم، وقال بعضهم لا يجوز . لنا أن ما يدل على علية الوصف من الدوران والسبر والتقسيم والمناسبة مع الاقتران لا يختص بمفرد بل دلالته عليه وعلى المركب على حد سواء، وإذا كان كذلك فلا يمتنع أن يدل شيء من ذلك على أن الوصف المركب علة الحكم فكان علة عملا بالدليل كما في المفرد. احتج من منع ذلك بوجوه: أحدهما: أن جواز ذلك يفضي إلى نقض العلة العقلية فكان باطلا. بيان الأول: أن الماهية المركبة لو كانت علة لزم أن يكون عدم كل واحد من أجزائها علة مستقلة لعدم تلك العلية ضرورة انعدامها عند انعدام كل واحد منها؛ لأن العلية صفة من صفات تلك الماهية فيكون وجودها متوقفا على حصول الماهية المتوقفة على أجزائها التى عند عدم كل واحد منها تنعدم الماهية ضرورة انعدام المتوقف بانعدام المتوقف عليه.

стр. 3237

بيان الثاني: أنه إذا انعدام جزء فقد انعدمت تلك العلية، فإذا عدم جزء آخر يستحيل انعدامها لاستحالة انعدام المعدوم، فقد حصل نقض العلة لما تقدم أن عدم كل واحد من أجزاء الماهية علة] لعدم عليتها. بيان الثالث: أن كون عدم كل واحد من أجزاء الماهية علة [لانعدام علية تلك الماهية أمر حقيقي سواء كان عليه الشيء عقلية أو شرعية. بيان الرابع: ظاهر على ما عرفت أن التخلف عن العلل العقلية محال في التحسين والتقبيح. فإن قلت: هذا الدليل يقتضي أن لا توجد ماهية] مركبة [لما ذكرتم من التقرير بعينه؛ فإن عدم كل واحد من أجزائه علة لعدم تلك الماهية المركبة فإذا انعدم جزء انعدمت تلك الماهية فإذا انعدم جزء آخر لم يحصل انعدام تلك الماهية لأن تحصيل الحاصل محال فيلزم نقض العلة العقلية. قلت: أجيب بالفرق، وهو أن الماهية: عبارة عن نفس تلك الأجزاء مجموعة فلم يكن عدم شيء من تلك الأجزاء علة لعدم شيء آخر. أما علية الوصف المركب فهي زائدة على ذات الماهية المركبة، وعدمها معلل بعدم كل واحد من أجزاء الماهية فظهر الفرق. وهذا فيه نظر من حيث إن تقرير الدلالة/ (٢٢١/أ) يدل على أن عدم الماهية أمر يترتب على عدم كل واحد من أجزائها، فكيف يكون مع ذلك

стр. 3238

عدم كل واحد من أجزائها عين عدمها؟ وجوابه: أنا لا نسلم أن عدم كل واحد من تلك الأجزاء علة لعدم تلك العلية؛ وهذا لأنه لو كان كذلك لكان العدم علة وهو ممنوع، ولأنه لا يلزم من عدم العلية إذ ذاك أن يكون ذلك العدم علة لجواز أن يكون ذلك لعدم تحقق الشرط وعدم الشرط ليس بعلة. سلمنا أن العدم يصلح أن تكون علة في الجملة، لكن لا نسلم أن عدم كل واحد من أجزاء الماهية علة لعدم عليتها؛ وهذا لأن وجود تلك الأجزاء] شرط لتحقق تلك العلية بها، فانتفاء كل واحد منها انتفاء [شرط تحقق العلة فانتفاؤها لانتفاء شرطها لا للعلة. سلمنا ذلك لكن دليلكم إنما يستقيم أن لو كانت العلية زائدة على الماهية وهو ممنوع؛ وهذا لأنها لو كانت زائدة لكانت معلولة للماهية فكانت علية الماهية لها بعلية أخرى؛ ضرورة أن المعلوم لا يصدر إلا عن علة وهي بالعلية وحينئذ يلزم التسلسل. سلمناه لكنه يقتضي أن لا تكون للماهية المركبة صفة من الصفات وهو باطل قطعا. وثانيها: أن كل واحد من تلك الأوصاف عند انفرادها ليس بعلة، فعند الاجتماع إن لم يحدث لها صفة زائدة على حالة الانفراد لم تكن علة حالة الاجتماع لما لم تكن علة حالة الانفراد، وإن حدثت فتلك الصفة إما العلية، أو ما يقتضيها، فإن كان فالمقتضي لها إما

стр. 3239

كل واحد من أجزائها وهو باطل؛ لأنه حينئذ يلزم أن يكون كل واحد من تلك الأجزاء علة مستقلة، أو مجموعها وهو أيضا باطل؛ لأن كون المجموع مقتضيا للعلية مع آحادها غير مقتض لها إن لم يكن لأمر آخر زائد على حالة الانفراد لم يكن مقتضيا لها كما كان حالة الانفراد، وإن كان لأمر كان الكلام فيه كالكلام في الأول ولزم التسلسل. وإن كان الثاني والثالث فالكلام فيهما على نهج ما سبق في العلية ويخص الثالث أنها حينئذ تكون أجنبية عن العلية فلم يكن حصول العلية عندها أولى من حصولها عند حصول سائر الحوادث. وجوابه: النقض بالهيئة الاجتماعية، والتفصيل هو أنها حدثت لحدوث الانضمام الحاصل من الفاعل المختار وحينئذ لا يلزم التسلسل. وثالثها: أن العلة صفة زائدة على ذات العلة بدليل أنه يمكن تعقل الذات مع الجهل بكونها علة، والمعلوم مغاير لما هو غير معلوم، ولأن العلية معنى من المعاني، والذات جوهر أو جسم فلم يكن عينه وحينئذ لو اتصفت الماهية المركبة بها فإما أن يقال: قامت بكل واحدة من تلك الصفات علية على حدة وهو باطل، أما أولا: فلأنه جينئذ يلزم أن تكون كل واحدة من تلك الصفات علة مستقلة بنفسها وهو خلاف المفروض. وأما ثانيا: فلأنه يلزم قيام الصفة الواحدة بمحال كثيرة. أو قامت بمجموعها علية واحدة لمعنى أنه قام ببعضها جزؤ وببعضها الآخر جزء آخر، وهو أيضا باطل؛] لأنه يقتضي أن يكون للعلية ثلث وربع ونصف، أو قامت بواحدة منها وهو أيضا باطل [لأنه حينئذ يلزم أن

стр. 3240

تكون تلك الصفة بعينها هي العلة دون ما عداها من الصفات ولما بطلت هذه الأقسام بطلت قيام العلية بالماهية المركبة. وجوابه:] أنه [إنما يلزم أن لو كانت العلية صفة ثبوتية، وهو باطل وإلا لزم التسلسل كما سبق، ولأنها لو كانت ثبوتية لزم قيام العرض بالعرض لما أن المعاني تنصرف بالعلية، ولأنها إضافية ولا وجود لها في الأعيان، ولأن معنى العلة المعرف فكأن الشارع قال: مهما وجدت هذه الصفات مجموعة فاعلموا أن الحكم الفلاني حاصل في ذلك المحل ومعلوم أن هذا لا يقتضي قيام الصفة الحقيقية بها حتى يتأتى التقسيم المذكور، ولأن معنى العلة الباعث، وهو أيضا لا يقتضي أن تكون الصفات متصفة بصفة حقيقية. سلمناه لكنه منقوض بما وضعت الألفاظ المركبة من الخبرية، والاستخبارية والأمرية، والوعدية، والوعيدية. ورابعها: أن الماهية المركبة لو كانت علة لزم اجتماع العلل على معلوم واحد واللازم باطل فالملزوم مثله. بيان الملازمة: هو أن عدم كل واحدة من تلك الصفات علة لانعدام العلية على ما تقدم تقريره من قبل فإذا فرض انعدام تلك الصفات بأسرها دفعة واحدة لزم اجتماع العلل على معلوم واحد. بيان امنتاع اللازم: ما تقدم غيره مرة. وجوابه لا يخفى مما سبق ها هنا وفيما تقدم. وخامسها: أن كل واحد من تلك الأوصاف إن كان مناسبا للحكم كان كل واحد منها علة للأقتران والمناسبة وهو على خلاف الأصل وأيضاً: فإنه

стр. 3241

يلزم منه اجتماع العلل الكثيرة على معلوم واحد وإن لم يكن شيء منها مناسبا لم يكن المجموع الحاصل منها] مناسبا [لأن ضم ما لا يناسب إلى غير المناسب لا يوجب المناسبة فلم يكن المجموع مناسبا فلم يصلح للعلية. وإن كان البعض منها مناسبا] دون البعض الآخر [كان المناسب وحده علة ولم يكن لغيره مدخل في العلية فلم يكن المجموع المركب علة بل البعض منه. وجوابه: أنا لا نسلم إذا لم يكن كل واحد منها مناسبا لم يكن المجموع المركب منه مناسبا؛ وهذا لأنه يجوز أن يثبت للمركب ما ليس لمفرداته. سلمنا أن ما ليس بمناسب بوجه ما لا يتألف منه مناسب لكن/ (٢٢٢/أ) لم لا يجوز أن يكون كل واحد منها مناسبا بوجه ما، وإن كان غير تام المناسبة، وأنه يتألف منها تام المناسبة فيكون علة. وأعلم أنه لا سبيل إلى إنكار جواز كون الماهية المركبة علة فإن استقراء الشرع يدل على وجوب وقوعه، فإن كون القصاص واجبا في القتل العمد العدوان دون الخطأ لا يمكن أن يستنبط منه علة بسيطة نحو القتل وحده، أو العمدية وحدها، أو العدوانية وحدها، وكذلك كون الربا جاريا في المطعوم بجنسه، أو في المكيل، أو الموزون بجنسه لا يمكن أن يجعل أحد الوصفين علة مستقلة لذلك بل مجموع الوصفين أو أحدهما بشرط الآخر، وفي الجملة أن أكثر أحكام الشرع غير ثابت على إطلاقها بل بقيود معتبرة فيها واستنباط العلة البسيطة من مثل هذه الأحكام غير ممكن فيلزم المصير إما إلى كون تلك الأحكام تعبدية وهو على خلاف الأصل، أو تجويز استخراج العلة المركبة وهو المطلوب.

стр. 3242

المسألة التاسعة أطبق الكل على أن العلة المنصوصة أو المجمع عليها يجوز أن تكون قاصرة، وأختلفوا في المستنبطة: فذهب أصحابنا، والحنابلة، وأكثر المتكلمين نحو القاضي منا،

стр. 3243

والقاضي عبد الجبار، وأبي الحسين البصري إلى أنها يجوز أن تكون قاصرة أيضا، وذهبت الحنفية وأبو عبد الله البصري والكرخي إلى امتناعها. احتج الأولون بوجوه: أحدها: أن صحة تعدية العلة إلى الفرع فرع صحتها في نفسها فلو توقفت صحتها في نفسها] على صحة تعديتها إلى الفرع لزم الدور وهو ممتنع وإذا لم تتوقف صحتها في نفسها [على صحة التعدية في نفسها فتصح نفسها وإن لم تصح تعديتها إلى الفرع وهو المطلوب. فإن قلت: لا يلزم من عدم توقف صحتها نفسها على صحة تعديتها إلى الفرع صحتها في نفسها وإن لم تصح التعدية بها؛ لجواز أن تكون صحتها في نفسها متوقفة على وجودها في الفرع، وهو غير موقوف على صحتها في نفسها فلا يلزم الدور، ولا يظن أن صحة تعديتها إلى الفرع هو عين وجودها فيه؛ لأن المعني من صحة التعدية إلى الفرع ثبوت الحكم بها في الفرع، أو صلاحية الثبوت بها، ومعلوم أن هذا يتوقف على صحة كونها علة في

стр. 3244

نفسها، فلو كانت صحة كونها علة يتوقف على هذا لزم الدور. وأما وجودها في المحل الذي جعل فرعا فلا يتوقف على صحة كونها علة في نفس الأمر فلا دور، ولو أراد بصحة تعديتها إلى الفرع وجودها فيه منعنا لزوم الدور لما سبق. سلمنا لزوم الدور لكن دور معية أو غيره، والأول مسلم لكن لا نسلم امتناعه بل هو صحيح ثابت كما في المتلازمين والمضافين والثاني ممنوع وما الدليل عليه؟ قلت: أجيب عن الأول: بأن الحاصل في محل آخر لا يكون هو بعينه لاستحالة حلول الشيء الواحد في محلين بل يكون مثله، وإذا كان كذلك فنقول: كل ما يحصل من الصفات عند حلول مثله في محل آخر يكون ممكن الحصول عند عدم حلول مثله في محل آخر لأن حكم الشيء حكم مثله، وإذا أمكن حصول تلك الأمور حينئذ فبتقدير تحققها وجب أن تكون علة لأن تلك العلية ما حصلت إلا بسبب تلك الأمور. واعترض عليه بمنع عليتها باعتبار تلك الصفات فقط بل بها وبوجود مثلها في غير الأصل، فإن لم يعتبر هذا بناء أنه لا مدخل له في تحقق المناسبة أو لشيء آخر فهو أول المسألة. ويمكن أن يجاب عنه: بأن العلية لا يجوز أن تكون بمجموع تلك الصفات وبحصول مثلها في غير الأصل، بل يجب أن تكون بمجموع تلك الصفات

стр. 3245

ضرورة أن الحصول في الشيء أمر عدمي على ما تقرر ذلك في موضعه، والأمور الثبوتية لا يجوز أن تكون بالأمور العدمية على ما تقدم تقريره، ولأن العلة القاصرة لا يجوز أن تكون بمعنى المعرف؛ لأن حكم الأصل معلوم بالنص لا بها ولا فرع له حتى يعرف حكمه، بل إما أن يكون بمعنى الباعث، أو بمعنى الموجب بجعل الشارع إياه موجبا؛ إذ الإيجاب الذاتي باطل ببطلان التحسين والتقبيح، وعلى المعنيين لا يجوز أن يكون لحصول مثلها في محل آخر تأثير في العلية، أما بمعنى الباعث فظاهر؛ لأن الباعث للشارع على الحكم إنما هو جهة المصلحة أو المفسدة: إما باعتبار نفسهما على رأي من يجوز التعليل بنفس الحكم، أو باعتبار المشتمل عليهما على رأي من لم يجوز ذلك، ومعلوم أن حصول مثلها في محل آخر لا تأثير له في تحصيل جهة المصلحة أو دفع المفسدة فلم تكن العلية بالمجموع المركب منها ومن غيرها، وأما بالمعنى الثاني فلأن ذلك راجع إلى الأول أيضا؛ لأن الباعث للشارع على جعله علة إنما هو جهة المصلحة أو المفسدة، ومعلوم أن حصول مثلها في محل آخر لا مدخل له في تحصيل مثلها في محل آخر. وعن الثاني أنه ليس بدور معية، والدليل عليه هو: أن صحة تعديتها إلى الفرع فرع صحتها في نفسها بدليل صحة دخول كلمة ثم عليه؛ إذ يصح أن يقال: صحت العلة في نفسها ثم عديت، أو عديت بعد أن صحت ولو كانا معا لما صح بهذا القول؛ إذ لا يجوز إدخال كلمة ثم ما بين المضافين والمتلازمين، فلا يجوز أن يقال: حصلت الأبوة ثم البنوة، ولا يقال أيضا: حصل العلو ثم السفل وبالعكس.

стр. 3246

وثانيها: أنا أجمعنا على أن العلة المنصوصة والمجمع عليها بجوز أن تكون قاصرة، فكذا المستنبطة إذ لا فرق بينهما سوى/ (٢٢٣/أ) أنه نص عليها أو أجمع عليها، وذلك لا يوجب تفرقة في صحة ثبوت العلية وعدمها بل المستنبطة أولى؛ لأن التنصيص على العلة ربما يوهم الأمر بالقياس مع تعذره في القاصرة، والمستنبطة ليس فيها هذا المحذور فكانت أولى بالجواز. وثالثها: أن طرق العقلية الدالة على العلية من المناسبة والسبر والتقسيم والدوران وجودا وعدما قد يدل على علية الوصف القاصرة، فوجب أن يكون علة كغيره لحصول غلبة الظن فيهما على حد سواء. ورابعها: أنها لو امتنعت فإما أن تمتنع لذاتها وهو باطل قطعا، أو لامتناع مدركها وهو أيضا باطل لما سبق، أو لعدم فائدتها لو سلم أن ذلك يقتضي الامتناع وهو أيضا باطل؛ لأن فيه فوائد. أحدها: معرفة الباعث على الحكم الشرعي وكونه مطابقا لوجه الحكمة والمصلحة، وهذه فائدة معتبرة؛ لأن النفوس إلى قبول الأحكام المطابقة للحكم والمصالح أميل، فيكون أفضى إلى حصول مقصود الشارع من شرعية ذلك الحكم ضرورة أنه حينئذ يكون أفضى إلى الحصول. وثانيها: أنه يفيد عدم الحكم؛ لأنه يفيد المنع من القياس عليه، فإنه إذا علم أن الحكم في الأصل معلل بعلة قاصرة امتنع القياس عليه. فإن قلت: هذه الفائدة حاصلة بأن لا يجد الحكم معللا بمتعدية وهو أعم من أن يكون معللا بقاصرة، أو لا يكون معللا أصلا، أو وإن كان معللا بها لكنا لا نجد بعد البحث الشديد، فلم تكن تلك الفائدة فائدتها فلم تكن فائدته. قلت: بتقدير أن يوجد في الأصل وصف مناسب للحكم متعد فإنه تمتنع

стр. 3247

تعدية الحكم به إلا بشرط الترجيح، ولو لم يكن الحكم معللا بالقاصرة لزم تعدية الحكم بالمتعدية من غير شريطة فكان المنع من القياس في هذه الصورة إنما جاء من التعليل بالقاصرة لا غير. فإن قلت: هذا إنما يلزم أن لو جاز التعليل بالقاصرة مع وجود المتعدية وهو ممنوع فإنه وإن جوز التعليل بالقاصرة لكن عندما لا يمكن التعليل بالمتعدية فأما مع وجود المتعدية فلا نسلم ذلك. قلت: لو كان التعليل بالقاصرة مشروطا بعدم المتعدية لما تصور وقوع التعارض بينهما، لكن القائلون بتجويز التعليل بالقاصرة أطبقوا على جواز وقوع التعارض بينهما لكن رجح قوم منهم المتعدية، والباقون سووا بينهما ولو كان التعليل بالقاصرة مشروطا بعدم المتعدية لما تصور وقوع التعارض وجريان الترجيح بينهما. وثالثها: أنه لا فائدة أكثر من العلم بالشيء فأنا إذا علمنا الحكم ثم اطلعنا على علته صرنا عالمين أو ظانين لما كنا عنه غافلين، وذلك كمال النفوس ومحبوب القلوب، أو لشيء آخر ولابد من بيانه لينظر هل هو مقتض للبطلان أم لا؟ وأيضا الأصل عدم اقتضائه لذلك وعدم وجوده وإذا انتفي مدارك البطلان وجب أن يقال: أنه يصح التعليل به. احتجوا بوجوه: أحدها: أن الدليل ينفى القول بالعلة المظنونة، ترك العمل به في المتعدية لكثرة فوائدها فوجب أن يبقى ما عداها على الأصل. وجوابه: أنه لما وجب العمل بالمظنون قطعا كان العمل به عملا بالمقطوع

стр. 3248

لا بالمظنون وأيضا يجب حمل تلك الأدلة على ما المطلوب فيه القطع لا الظن جمعا بينه وبين الأدلة الدالة على جواز العمل بالمظنون ولئلا يلزم التخصيص فإن العمل الظن جائز في كثير من الصور وفاقا. وثانيها: أنه لا فائدة فيها، وما لا فائدة فيه كان نصبه عبثا، وهو على الحكيم محال. بيان الأول: أن فائدة العلة إنما هو معرفة الحكم، والقاصرة ليس فيها ذلك؛ لأن معرفة حكم الأصل إنما هو بالنص لا بالعلة وليس يوجد في غيره حتى يعرف منها حكمه فثبت أنه لا فائدة فيه. بيان الثاني: طاهر. وجوابه: أنا لا نسلم أنه لا فائدة فيها، وقد عرفت أن فيها فوائد. سلمنا أنه لا فائدة فيها، لكن لم قلتم أن مالا فائدة فيه يكون عبثا باطلا؟ فإنه لا يمتنع عقلا أنه تكون باعثة على الحكم في نفس الأمر، أو مؤثرة فيه وإن لم ينتفع الطالب لها، ويكون الطالب لها طالبا لما لا ينتفع به. فإن قلت: فائدة الخاصة للعلة إنما هو إثبات الحكم فإذا لم يحصل ذلك وجب القول بالبطلان كالبيع والنكاح فإنه إذا لم يحصل منهما حل البضع وجواز التصرفات في المبيع وجب القول ببطلانهما. قلت: إن عنيتم ببطلانها أنه لا يثبت لها حكم في غير محل النص فهذا مسلم وإن عنى بذلك أنها ليست مؤثرة أو باعثة للشارع على الحكم في نفس الأمر فهذا باطل، وما ذكرتم لا يدل على بطلانها بهذين المعنيين، ونحن لا نعني بكونها صحيحة سوى أحد هذين المعنيين، ولهذا المعنى قلنا: إن حكم الأصل معلل بعلة لا بمعنى المعرف، فإن العلة لم تعرفنا في الأصل حكماً.

стр. 3249

سلمنا أن ما لا فائدة فيه يكون عبثا لا يجوز إثباته لكن متى قبل أن يعلم كونه كذلك أو بعد أن يعلم كونه كذلك؟ والأول/ (٢٢٤/أ) ممنوع والثاني مسلم، وها هنا المجتهد الطالب للعلة لا يعلم ذلك إلا بعد أن يعثر عليه، وحينئذ لا يمكنه منع نفسه عن معرفتها لكونه خارجا عن وسعه. وسلمناه لكنه منقوض بالمنصوصة والمجمع عليها. وثالثها: أن العلة الشرعية أمارة فلابد وأن تكون كاشفة عن شيء، والقاصرة لا تكشف عن شيء من الأحكام فلا تكون أمارة فلا تكون علة. وجوابه] لا يخفى [مما سبق.

стр. 3250

المسألة العاشرة اتفقوا على التعليل بمجرد الاسم غير جائز ، وهو كتعليل وجوب الحد في الزنا بكون العرب سمته بالزنا حتى يتعدى هذا الحكم إلى كل ما يسمى بالزنا، فلو ثبت أن اللواط يسمى بالزنا ثبت هذا الحكم فيه لاندراجه تحت الآية؛ فإن هذا النوع من الاستدلال صحيح، بل لأن علة وجوب الحد حاصلة فيه. ونحو تعليل تحريم الخمر بكون العرب منه خمرا. ثم الدليل عليه هو: أنا نعلم بالضرورة أنه لا أثر لمجرد التسمية في إثبات الحكم، ونفيه فلا يكون علة. وإن عنى به التعليل بمسمى الاسم نحو كونه مخامرا للعقل فذلك صحيح، لأنه تعليل بالوصف لا بالاسم.

стр. 3251

المسألة الحادية عشرة ذهب أصحابنا إلى أن الحكم أن الحكم في مورد النص ثابت بالعلة، وهذا ليس على إطلاقه فإن الحكم في بعض موارد النص غير ثابت بالعلة؛ لأن الحكم قد يكون تعبديا لا يعقل به معنى فيستحيل أن يقال أنه هناك ثابت بالعلة لا يقال: جاز أن يكون ثابتا بالعلة وإن لم يعقل له ثمة معنى فلا منافاة بينهما؛ لأنا نقول معنى قولنا: لا يعقل له علة عام يشمل ما إذا كان هناك علة ونحن لا نعقلها، وما إذا لم يكن هناك علة أصلا، وهذا القسم الثاني جائز على رأى فقهائنا، فإنهم وإن قالوا بجواز تعليل أفعال الله تعالى لكن لا يوجبون تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه في جميع الموارد بالحكم والمصالح، بل يجوز لله تعالى أن يشرع من الأحكام ما لا علة له أصلا، وإذا كان كذلك فيستحيل أن يقال معه أن الحكم في جميع موارد النص يكون ثابتا بالعلة] بل المراد منه أنه ثابت بالعلة [حيث يجعل أصلا للقياس، فإنه ما لم يعقل فيه معنى يصلح أن يكون علة وما لم يدل عليه دليل لا يمكن جعله أصلا للقياس. وذهبت الحنفية إلى أن ثابت بالنص دون العلة، محتجين عليه بوجوه: أحدها: أن الحكم معلوم، والعلة مظنونة، ضرورة أنها مستنبطة بطريق لا يفيد إلا الظن، والمظنون لا يكون طريقا إلى المعلوم.

стр. 3252

وثانيها: أنه لو كان الحكم ثابتا فيه بالعلة لكانت العلة أصلا له كما في الفرع، لكنه ليس كذلك بل هي فرع له كما تقدم في أول الباب فلا يكون ثابتا بالعلة، وبعبارة أخرى إن العلة في الأصل فرع الحكم كما سبق فتكون مفتقرة إليه ضرورة افتقار الفرع إلى الأصل، فلو كان الحكم ثابتا بها في الأصل لكان مفتقرا إليها ضرورة افتقار الحكم إلى العلة وحينئذ يلزم الدور وهو ممتنع. وثالثها: أن الحكم المنصوص عليه قد يكون بحيث يكفر جاحده والحكم الثابت بالعلة المستنبطة لا يكفر جاحده فلا يكون الحكم المنصوص عليه ثابتا بالعلة. واعلم أن الجواب عن هذه الأدلة يظهر عن تلخيص الخلاف في المسالة. واعلم أن الخلاف في هذه المسألة آيل إلى الخلاف اللفظي؛ لأنه إن عنى بالعلة: المؤثر] يجعل الشارع إياه مؤثرا، والداعي إلى الحكم والباعث عليه فلا شك أن [كونه منصوصا عليه لا ينافى أن يكون معللا بهذا المعنى، والأدلة المذكورة لا تدل على فساد التعليل بهذا المعنى يظهر ذلك بأدنى تأمل وبهذا المعنى قال أصحابنا: أن الحكم المنصوص عليه ثابتا بالعلة، ولا ظن أن الخصم ينكره. وأن عنى بالعلة "المعرف" فلا شك أن كونه منصوصا عليه ينافي التعليل بالعلة بهذا المعنى، والخصم إنما ينكر كونه معللا بالعلة بهذا المعنى، وأصحابنا لا ينكرون ذلك، والأدلة المذكورة تدل على فساد هذا الاحتمال فقط، وعلى هذا التقدير لا يبقى في المسالة خلاف معنوي.

стр. 3253

المسألة الثانية عشرة ذهب الأكثرون إلى إنه لا يجوز التعليل بالصفات المقدرة، خلافا للأقلين من المتأخرين . مثاله: قول من يقول: جواز التصرفات نحو البيع والهبة والوقف والإعتاق معلل بالملك، ولا وجود له في نظر العقل، والحس فيقدر له وجود في نظر الشرع لئلا يلزم أن يكون الحكم معللا بما لا وجود له حقيقة ولا تقديرا، فيكون عدما محضا، ونفيا صرفا، وهو ممتنع. فنقول: الملك معنى مقدر شرعي في المحل، أثره جواز التصرفات المذكورة وغيرها. ومنه أيضا قول القائل: الملك الحاصل عقيب البيع والشراء حادث، ضروره أنه ما كان حاصلا من قبل فلابد له من سبب وهو قوله: بعت واشتريت ولا وجود لهما حقيقة لأنهما مركبان من الحروف المتوالية، التى من شأنها أن يبقى كل واحد منها عند وجود الآخر، فإذا ليس لهما وجود حقيقي، فيجب أن يقدر لهما وجود تقديري في نظر الشارع، فإنه لما حكم بحصول الملك الحادث عند تمام التلفظ بهما مع/ (٢٢٥/أ) أنه ليس لهما وجود حقيقى فلابد أن يكون ذلك بناء على الوجود التقديري؛ لئلا يلزم وجود السبب عند عدم المسبب حقيقة وتقديرا وهو ممتنع، وهذا في جانب المؤثر. فأما في جانب الأثر فنحو الدين، فإنه أثر سبب من الأسباب نحو

стр. 3254

الاستدانة، أو الإتلاف الذي يوجب الغرم والضمان، وأثر التملك بعوض في الذمة، وليس هو السبب شرع] ابتداء [الأمر وهو ظاهر، فيقدرون الذين موجدا في ذمة المديون، لكون الدائن متمكنا من طلبه، وطلب ما ليس له وجود لا عقلا، ولا حسا، ولا شرعا محال. وزيف الإمام هذا بأن قال: أن الوجوب إما أن يكون مفردا بمجرد تعلق خطاب الشرع على ما هو مذهبنا. أو يكون الفعل في نفسه بحيث يكون للإخلال به مدخل في استحقاق الذم على ما هو مذهب المعتزلة. فإن كان الأول: لم يكن لتعلق الخطاب حاجة إلى معنى محدث يكون علة؛ لأن ذلك التعلق قديم أزلي، فكيف يكون معللا بالمحدث. وإن كان الثاني: فالمؤثر في الحكم جهات المصلحة والمفسدة فلا حاجة فيه إلى بقاء الحروف. وأيضا فالمقدر يجب أن يكون على وفق الواقع، والحروف لو وجدت مجتمعة لخرجت عن أن تكون كلاما، فلو قدر الشرع بقاء الحروف التي حصل منها قوله: "بعت واشتريت" لم يحصل عند اجتماعها هذا الكلام. وقال أيضا: أما تقدير المال في الذمة فهو ساقط جدا، لأنه لا معنى لكون الدين في الذمة إلا أن الشارع مكن الدائن من مطالبة المديون بذلك القدر من المال إما حالا، أو استقبالا، فهذا القدر معقول شرعا وعرفا، فلا حاجة له إلى تقدير وجود المال في الذمة.

стр. 3255

وفيه نظر، أما الأول: فلأن الحكم عندنا ليس مجرد تعلق الخطاب، وإلا لزم أن يكون حادثا، فإن التعليق حادث، وقد اعترف الإمام به. وأيضا: فإنه فسر الحكم في أوله كتابه بالخطاب المتعلق بأفعال المكلفين فإنه غير مجرد التعلق. فكيف يكون الشيء الواحد عبارة عن نفس الغيرين. سلمنا صحة تفسير الحكم بمجرد التعلق، لكن لا نسلم أنه لا حاجة له حينئذ إلى معنى محدث؛ وهذا لأنه حينئذ يكون حادثا فيكون مفتقرا إلى سبب حادث، ثم هو منقوض بالأحكام المعللة بالأسباب والعلل الحادثة، فإن ما ذكره ينفي الجواز لا الحاجة فقط. فإن قال: معنى التعليل في تلك الصور التعريف. قيل بمثله فيما نحن فيه، فعند هذا يرد عليه أن يقال: الأمر الاعتباري لا يكون أشد محذورا من العدم، فإذا جاز التعليل بالعدم بمعنى المعرف جاز التعليل بالأمر الاعتباري بذلك المعنى أيضا؛ لأنه مثله أو أولى منه بذلك. وأما الثاني: فهو ضعيف أيضا؛ لأنه يقتضي أن لا يجوز التعليل بالوصف؛ لأنه يمكن أن يقال: المؤثر في الحكم جهات المصلحة [و] المفسدة، فلا حاجه فيه إلى الوصف وهو خلاف الإجماع؛ لأن التعليل بالوصف جائز اجماعا، سواء جاز التعليل بالحكمة أو لم يجز. وأما الثالث: فهو أيضا من نسق ما تقدم؛ إذ ليس معنى قولنا: أن التقرير يجب أن يكون على وفق الواقع أن المقدر يعطي حكم الواقع أن لو كان موجودا حتى يلزم ما ذكرتم، بل معناه: أنه يعطي حكم سبب موجود. سلمنا ذلك لكن ذلك فى غير ما قدر فيه فإنه لو أعطى فى ذلك أيضاً حكم

стр. 3256

والواقع لم يبق للتقدير معنى وفائدة، وأما قوله: لا معنى للدين إلا أن الشرع مكنه من المطالبة بذلك القدر من المال إما حالا أو مالا فغير جيد؛ لأن ما ذكره أثر الدين لا نفسه، وأثر الشيء غير الشيء، فلا يكون الدين عبارة عنه، نعم لا حاجة إلى تقدير وجوده في الذمة لأن المطالبة الثابتة حالة عدمه لا يقتضي ذلك. المسألة الثالثة عشرة في تقسيم العلة باعتبارات أخر غير ما تقدم وهو من وجوه: أحدها: العلة لا يخلو إما أن يكون لها حكم واحد، أو لا يكون لها حكم واحد بل يكون حكمها متعددا، وحينئذ اما أن تكون متماثلة أو مختلفة، أو متضادة. فهذه أقسام أربعة: أحدها: أن يكون حكمها واحدا، وهو كالقتل الخطأ إذا اعتبرته بالنسبة إلى ذات واحد فإن حكمه إيجاب الدية فقط. وثانيها: أن يكون حكمها متعددا لكنها متماثلة وهذا إما أن يكون في ذات واحدة، أو في ذاتين. والأول: محال؛ لاستحالة اجتماع المثلين. والثاني: جائز وهو كالقتل الخطأ إذا اعتبرته بالنسبة إلى ذاتين فإنه يوجب لكل واحد منهما ما لا على القاتل. وثالثها: وهو أن يكون لها أحكام مختلفة، غير متضادة، وهذا جائز سواء كان بالنسبة إلى ذات واحدة كالحيض يوجب تحريم الصوم والصلاة والإحرام بالحج والوطء، أو بالنسبة إلى ذاتين وهو ظاهر.

стр. 3257

ورابعها: أن يكون لها أحكام متضادة، وهذا لا يتصور، وهذا لا يتصور إلا أن يكون في محلين مختلفين، أو وإن كان في محل واحد] لكن بشرطين مختلفين لا يمكن اجتماعهما وإلا لزم اجتماع الضدين، أو الترجيح من غير مرجح، أو أن لا تكون العلة علة، وكل ذلك محال. بيانه: أنه لو لم يكن اقتضاؤها للحكمين المتضادين في محلين مختلفين لكان في محل واحد [أو فى محلين متماثلين، والاختلاف بالتعين والتشخص لا مدخل له في اختلاف الحكم فيرجع ذلك إلى/ (٢٢٦/أ) اتحاد المحل، ثم بعد هذا لو لم يكن اقتضاؤها لهما بشرطين لا يمكن اجتماعهما لكان إما أن يكون بشرط واحد أو بشرطين يمكن اجتماعهما وحينئذ إن اقتضاهما فقد لزم الأمر الأول، أو يقتضي واحدا منها بعينه فقد لزم الأمر الثاني، أولا يقتضي واحدا منها فقد لزم الأمر الثالث. مثال ما إذا كان في محلين مختلفين: ذبح المحرم فإنه في الصيد يحرم أكله وفى غيره يحلل. مثال ما إذا كان بشرطين مختلفين لا يمكن اجتماعهما: ذبح المسلم الصيد بشرط كونه حلالا يوجب حل أكله وبشرط كونه محرما يوجب تحريم أكله. وثانيها: أن العلة قد يكون اقتضاؤها لمعلولها موقوفا على شرط مثل الزنا فإنه لا يوجب الرجم إلا بشرط الاحصان وقد لا يكون كذلك وهو كالزنا بالنسبة إلى وجود الجلد. وثالثها: العلة قد تثبت الحكم ابتداء فقط كنية التجارة في وجوب زكاتها فإنها إذا قارنت ابتداء حصول الملك الحاصل بعوض أثبته، وإن قاربت بعده لم تؤثر وقد تثبته ابتداء ودواما كنية الفيئة فإنها تثبت عدم الوجوب ابتداء ودواما، وقد تكون العلة قوية على الدفع دون الرفع كالعدة، وقد تكون قوية عليهما

стр. 3258

كالرضاع في إبطال النكاح. تنبيه: شرط العلة اختصاصها بمن له الحكم، وإلا لم يكن اقتضاء حصول الحكم لشيء أولى من اقتضائه، وحينئذ إما أن لا يقتضي له ولا لغيره وهو باطل؛ لأنه يقتضي له ولا لغيره وهو باطل؛ لأنه يقتضي [أن لا تكون العلة علة، أو يقتضي له ولغيره وهو أيضا باطل، لأنه يقتضي [أن تكون العلة علة عامة مثبتة لذلك الحكم في كل المحال، وهو محال، ولما كان عدم الاختصاص يستلزم هذه الأقسام الباطلة كان باطلا. المسألة الرابعة عشرة اعلم أن الاستدلال قد يكون بذات العلة على الحكم، وقد يكون بعلية الحكم للحكم عليه . أما الاستدلال بذات العلة على الحكم فصحيح، وهو كما يقال: قتل عمد عدوان، فيجب القصاص به. وأما الاستدلال بعلية العلة للحكم على الحكم ففاسد؛ لأن علية العلة للحكم يتوقف على اقتضاء العلة للحكم، وكونه مترتبا عليها لولا المانع، بحيث يجب أن يكون فلو استفيد اقتضاؤها بها وترتبه عليها من العلية لزم الدور. واحتج الإمام على هذا المقام بأن العلية أمر إضافي يتوقف ثبوتها على ثبوت

стр. 3259

المضافين، فيتوقف على ثبوت الحكم فإثبات الحكم بها دور. فاعترض عليه. بأن صدق قول القائل: القتل سبب لوجوب القصاص لا يتوقف لا على وجود القتل، ولا على وجود القصاص وحينئذ لا يلزم الدور. سلمناه لكن العلة لما فسرت بالمعرف انقطع الدور، ومراده منه انقطع الدور الممتنع وإلا فلزوم الدور على تقدير تفسير العلة بالمعرف أيضا ظاهر، وإنما الدور في المعرفات غير ممتنع وهما متجهان، لأن النسبة لا تقتضي تحقق المنتسبين في الخارج، بل في الذهن كما عرفت ذلك غير مرة، وهما غير واردين على ما حررنا من الدلالة وهو ظاهر. ] فإن [قلت: يرد على ما ذكرتم أن يقال: إنا لا نسلم أن علية العلة تتوقف على اقتضاء العلة للحكم وكونه بحيث يجب أن يكون مترتبا عليها لولا المانع؛ وهذا لأنه لا معنى للعلية إلا هذا وحينئذ لا يتصور أن يقال: إنه متوقف عليه؛ لأن توقف الشيء على الشيء يقتضي ثبوت المغايرة بينهما فحيث لا مغايرة لا يعقل ذلك. ] قلت [الدليل على أنه غيره: أن اقتضاء الشيء للحكم وكونه مترتبا عليه لولا المعارض أعم من أن يكون ذلك بطريق العلية أو غيرها، نعم إذا أضيف الاقتضاء إلى العلة تخصص، لكن ذلك لا يقتضي أن يكون عينه؛ فإن هذا التخصيص خارج عن ماهية الاقتضاء وداخل في ماهية العلية فهما متغايران، ولئن سلم أنه عينه لكن نقول: أن يكون الحكم مترتبا على العلة وكونها مقتضية له إما أن يكون عين العلة أو غيرها، فإن كان الأول لزم

стр. 3260

الاستدلال بالشيء على نفسه وهو ممتنع، وإن كان غيرها لزم الدور على ما سبق، فعلى التقديرين الاستدلال بالعلية على ثبوت الحكم وترتبه على العلة ممتنع وهو المقصود، والاستدلال بعلية العلة له صورتان: إحدهما: أن يقال: سببه وجوب القصاص حاصل فيجب القصاص. وثانيها: أن يقال: قتل عمد عدوان سبب لوجوب القصاص حاصل فيجب القصاص ففي الأول يجعل نفس السببية علة ودليلا، وفي الثانية جزء العلة جزؤ الدليل وكلاهما باطلان كما سبق. المسألة الخامسة عشرة اعلم أن تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي يسمى تعليلا بالمانع . واختلفوا في أنه هل يشترط في صحة هذا التعليل بيان وجود المقتضي أم لا؟ فذهب جمع إلى اشتراطه. وأباه الآخرون. ولا يخفى عليك أن هذا الخلاف إنما يتأتى إذا جوزنا تخصيص العلة فأما إذا لم نجوز ذلك فلا يتصور هذا الخلاف؛ لأن التعليل بالمانع حينئذ لا يتصور
следующие страницы →