← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

عادة فيصير كالطبعي بممر الأيام ولهذا قيل: العادة طبيعة خامسة فيصير كالأمهات فيكون أفضى إلى سد باب الفجور. الاعتراض الحادي عشر الاعتراض بكون الوصف المعلل به الحكم باطنا خفيا، كما لو علل صحة البيع في المعاطاة بالرضا، أو كما لو علل الحكم بالقصد كما في ضمان الوديعة بمجرد نية القطع والخيانة. وطريق ايراده أن يقال: إن الشارع جعل الأوصاف التي تعلل بها الأحكام معرفات لها فوجب أن تكون جلية ظاهرة، وإلا لما حصل الغرض وهو تعريف الأحكام بها، وذلك يغلب على الظن عدم سلوك الشارع هذا المسلك فلم يجز التعليل به. وأيضًا خفى فلو كان الوصف أيضا خفيا لزم تعريف الخفي بالخفي وهو ممتنع. وجوابه: أنه إن ضبط الرضا أو القصد بما يدل عليه من الصيغ الظاهرة، والأفعال والقرائن الظاهرة لم يلزم ما ذكرتم من المحذور. وقريب من هذا: الاعتراض بعدم انضباط الوصف المعلل به، كالتعليل

стр. 3327

بالحكم، والمصالح كالتعليل بالزجر والرح والحرج والمشقة، وقد تقدم الكلام فيه وفى الاعتراض بالنقض، والكسر، والعكس والفرق، والقلب، والقول بالموجب على سبيل الاستقصاء في باب القياس، فلا حاجة إلى الإعادة. الاعتراض الثاني عشر سؤال المعارضة. وهو إما في الأصل أو في الفرع. أما في الأصل فقد تقدم الكلام فيه سؤالا وجوابا، إذ هي عبارة عن الفَرْق وجوابه. ويندرج تحته سؤال التعدية وجوابه، وهو: أن يعين المعترض في الأصل معنى ويعارض به، ثم يقول للمستدل: ما عللت به، وإن تعدى إلى الفرع المختلف فيه، فكذا ما عللت به يتعدى إلى فرع آخر مختلف وليس أحدهما أولى من الآخر. مثاله: قول بعض أصحابنا في إجبار البكر البالغة: بكر فجاز إجبارها كالبكر الصغيرة. فيعارضه الخصم بالصغر ويقول: الحكم في الأصل ثابت بالصغر عندي لا بالبكارة وهى وإن تعدت إلى البكر البالغ فالصغر أيضًا متعد إلى الثيب

стр. 3328

الصغيرة، وكل واحدة من الصورتين مختلف فيه فليس أحدهما [أولى]، من الآخر. ومن الناس من قال: إن سؤال الفرق عبارة عن المعارضة في الأصل أو الفرع. ومنهم من قال: إنه عبارة عنهما معًا حتى لو اقتصر على أحدهما لا يكون فرقًا وهما ضعيفان، لأن المعارضة في الفرع إن كان لمعنى موجود فيه يقتضى نقيض حكم الأصل كان ذلك تعليلاً بالمانع، وليس ذلك من الفرق في شيء؛ لأن ما علل به حكم الأصل حاصل في الفرع لكن وجد معنى آخر مانع من ثبوت ذلك الحكم فيه، وإن كان لدليل من خارج فكذلك؛ لأن ذلك لا يقتضى القدح في أشتراك الأصل والفرع في المعنى الذى لأجله ثبت الحكم في الفرع فلا يجوز أن يجعل عبارة عنهما. وأما/ (٢٤٥/ أ) المعارضة في الفرع فهي: أن يعارض حكم الفرع بما يقتضى نقيضه إما بنص، أو ظاهر، أو بقياس، أو بوجود مانع، أو بفوات شرط ثبوت الحكم فيه بطريق القياس، نحو أن لا يكون مجمعًا عليه فيحتاج إلى تقريره هذه الدلائل، وبيان وجه دلالتها على نحو ما كان يحتاج إليه المستدل. واختلفوا أيضًا في قبوله فرده بعضهم لا سيما المتأخرون من الجدليين محتجين: بأن دلالة المستدل على ما ادعاه قد تمت، وهو ظاهر إلا في صورة ما إذا كانت المعارضة بفوات الشرط فإنا نتبين عدم تمام دلالته أو ذاك، وإذا تمت دلالته فقد وفي بما التزم في الاستدلال فهو بعد ذلك مخير إن شاء سمع المعارضة، وإن شاء لم يسمع كاستدلال مستأنف.

стр. 3329

وأيضًا فإن حق المعترض أن يكون هادما لا بانيا، والمعارضة في حكم الفرع بناء لا هدم، بخلاف المعارضة في الأصل فإن حاصلها يرجع إلى منع المقدمة، وهو كون الحكم معللاً بما ذكر من الوصف وهو مقدمة من مقدمات قياس المستدل، فلا يلزم من قبول المعارضة في الأصل قبول المعارضة في الفرع. وقبله الباقون وهم الأكثرون؛ لأنه وإن لم يكن هدما لكن يلزم منه هدم ما بناه المستدل بمعارضة دليله بدليله، ولا حجر عليه في سلوك طرق الهدم لاسيما إذا تعين المعارضة له بان كانت مقدمات دليل المستدل صحية فحينئذ لو لم تقبل المعارضة في الفرع لبطلت فائدة المناظرة واختلت فائدة البحث والمحاورة. وجوابه: دفعه بالقدح فيه بكل ما يقدح به في الدليل وبالمعارضة، فإن لم يكن فبالترجيح على الأصح. ومنهم من أنكر قبول الترجيح، لأن ما ذكره المعترض وإن ثبت أنه مرجوح بالنسبة إلى ما ذكره المستدل، لكن لا يخرج بذلك عن أن يكون اعتراضا على الدليل فيحتاج إلى الجواب. وهو ضعيف جدًا؛ لأن الاعتراض المرجوح لا يجب الجواب عنه اكتفاء بظهور وجه الدلالة وهل يجب على المستدل أن يذكر في دليله ما يومئ إلى الترجيح؟

стр. 3330

منهم من يوجب ذلك محتجا بأن المناظرة تلو الاجتهاد، والاجتهاد يتوقف عليه، فوجب أن يكون الأمر في المناظرة كذلك فيكون الترجيح جوابه يتم به الاجتهاد فيكون جزؤ الدليل، فلو لم يذكره المستدل لم يكن ذكر تمام الدليل بل بعضه. واعلم أن هذا يتجه إذا كان الدليل المعارض لحكم الفرع معلومًا للمجتهد، أو كان ظاهرًا جليًا، فأما إذا كان خفيا غير معلومًا له فلا؛ لأنه لا يجب عليه الترجيح بالنسبة إلى ما لا يعلمه في الاجتهاد فضلاً عن أن يكون [في المناظرة، فالحاصل أن المناظر تلو المجتهد فما يجب عليه في إثبات الحكم يجب، على المناظر في المناظرة]. ومنهم من لم يوجب ذلك لما في تكليف ذكره من الحرج والمشقة. ومنهم من فصل فقال: إن كان الترجيح بأمور خارجية نحو تكثير الأدلة، أو كون الحكم حظرًا، أو إباحة، أو غير ذلك، فلا يجب، صان لم يكن كذلك بل لأمور عائدة إلى ذات العلة بأن يكون ما به الترجيح صفات لذات العلة فيجب ذكره ذاكرًا لتمام الدليل بخلاف النوع الأول فإنه أمر خارج عن الدليل لا يتوقف عليه الدليل، لا في ذاته ولا في صفاته بل يتوقف عليه إعماله لا غير.

стр. 3331

الاعتراض الثالث عشر اختلاف ضابط الأصل والفرع مع اتحاد حكمتهما. مثاله: قولنا في شهود القصاص بالزور: تسببوا إلى القتل عمدًا عدوانا، فلزمهم القصاص زجرًا لهم عن التسبب كالمكره فيعترض عليه بان الحكمة في الأصل إنما هو الإكراه، وضابط الحكمة في الفرع وإنما هو الشهادة، وهما وإن اشتركا في مقصود الزجر لكن لا يمكن تعديه الحكم به وحده، لاحتمال أن ما وجد من التسبب في ضابط الأصل راجح على ما وجد منه في ضابط الفرع ولا بما يتضمنه من الضابط؛ لأنه لا اشتراك فيه ويمتنع الإلحاق دونه. وجوابه: إما بان يبين أن التعليل إنما هو بعموم ما اشتراك فيه الضابطان من التسبب إلى القتل المضبوط عرفًا، أو بأن يبين أن إفضاء ضابط الفرع إليه مثل إفضاء ضابط الأصل إليه، أو راجح عليه، وحينئذ يلزم أن يكون: أولى بثبوت الحكم. مثاله في مسألتنا: أن نقول: إن الإغراء على القتل بالشهادة الموجبة لاستحقاقه أفضى لاستحقاقه أفضى إليه من الإكراه عليه، لما في الأول من الميل الطبيعي إلى التشفي والانتقام، مع كونه جائزًا مسلطًا عليه عرفًا، وعقلاً، وشرعا دون الثاني، وبالجملة يبين تساوى الإفضائين أو غلبة إفضاء الفرع إليه مما يساعد عليه في كل مسألة.

стр. 3332

الاعتراض الرابع عشر اختلاف جنس المصلحة مع اتحاد الضابط في الأصل والفرع. مثاله: قولنا في مسألة اللواط: أولج فرجًا في فرج مشتهىً طبعًا محرمًا شرعًا، فيجب عليه الحد كما في الزاني، فيعترض عليه: بأن الضابط وإن كان متحدًا لكن الحكمة مختلفة فإن الحكمة في اللواط إنما هو صيانة النفس عن رذيلة اللياطة، وهي مخالفة لحكمة الأصل، وهو دفع محذور اختلاط المياه واشتباه الأنساب المفضي إلى ضياع الصبي وهلاكه وهو مؤد إلى انقطاع نسل جنس الإنسان، فإذن لا يلزم من اعتبار ضابط الأصل لما لزمه/ (٢٤٦/ أ) من الحكمة المخصوصة اعتباره في الفرع للزوم حكمة أخرى إياه؛ لجواز أن لا تقوم الحكمة الثانية مقام الحكمة الأولى في نظر الشارع. وجوابه: أن يبين أن حكمة الفرع مثل حكمة الأصل أو أكثر محذورًا منها كما في مسألتنا، فإن الزنا وإن كان يؤدى إلى ضياع المولود المؤدى الى انقطاع النسل، لكن اللواط يؤدى إلى عدم الولادة بالكلية، وهو أفضى إلى انقطاع النسل من الضياع المؤدى إليه، فيلزم أن يكون أولى بوجوب الحد منه، فإن لم يكن أولى فلا أقل من اشتراكهما في وجوب الحد الزاجر عنهما، أو أن يبين مناسبة القدر المشترك بين الحكمتين للحكم فيكون الحكم معللاً به، فإن فرق بين الأصل والفرع بالقدر الذى يمتاز الأصل عن الفرع، فجوابه: حذفه عن درجة الاعتبار بطرقه التي سبقت الإشارة إليها.

стр. 3333

الاعتراض الخامس عشر اختلاف حكم الأصل والفرع. وتقريره أن يقال: حكم الفرع مخالف لحكم الأصل فلا يصح معه القياس، فإن من شرط القياس اتحاد الحكم؛ لأنه عبارة عن تحصيل مثل حكم الأصل في الفرع، ومعلوم أن ذلك لا يتحقق بدون الاتحاد. وجوابه: ببيان اتحاد الحكمين نوعا أو جنسا، كقياس صحة البيع على صحة النكاح فيما لم يره المشترى وكقياس وجوب تعيين نية الصوم على وجوب تعيين نية الصلاة في النوع الأول. فإن الاختلاف إنما هو راجع إلى محل الحكم، وهو غير مضر للقياس بل [هو]، شرطه فإن الفرع ما لم يكن مخالفًا للأصل لم يصح القياس، وكقياس قطع الأيدي باليد الواحدة على قتل الجماعة بالنفس الواحدة في النوع الثاني؛ فإن الحكم متحدان بالجنس دون النوع، فإن القطع نوع، والقتل نوع آخر، ويشملها الجراح، فإن لم يمكن بيان الاتحاد نوعًا أو جنسًا كما إذا كان أحد الحكمين إثباتًا والآخر نفيًا، أو كان أحدهما إيجابا والآخر تحريما، فحينئذ يكون السؤال لازمًا. ثم هذه الأسئلة كلها واردة على قياس جامعه معنى مناسب فأما الذى لا يكون كذلك كقياس الشبه، أو قياس الدلالة، أو غيرهما مما سبق من أنواع الأقيسة فلا بل يرد عليها بعضها، ولا يخفى على المحصل الفطن تمييز ما يرد

стр. 3334

منها على كل واحد من أنول الأقيسة وما لا يرد، فلذلك أعرضنا عن ذكر ذلك. فإن قلت: هل يجوز أن تورد هذه الأسئلة كلها معا أم يجب الترتيب فيها، وبتقدير أن يجب الترتيب فيها، فما الذى يجب أن يقدم منها وما الذي يجب أن يؤخر؟ قلت: الأسئلة لا تخلو إما أن تكون من نوع واحد كالنقوض، والمعارضات بان يورد السائل نقوضًا كثيرة على علة المستدل، أو تعارض علته بمعاني عديدة في الأصل [ثم] كل واحد منها يصلح أن يكون علة، أو جزؤ علة، أو من نوعن كالمطالبة مع المعارضة، أو النقض معهما، فإن كان الأول فقد اتفقوا على جواز الجمع فيه؛ إذ لا يلزم منه تناقض ولا نزول من سؤال إلى سؤال آخر، وإذا كان الثاني فإن كان غير مترتبة كالنقض مع عدم التأثير فإن كل واحد منها يقدح في أن الوصف المذكور علة ولا ترتيب بينهما؛ إذ يجوز أن يقال: ما ذكرت من الوصف ليس بعلة لأنه منقوض أو لكونه غير مؤثر فقد ذهب الأكثرون إلي جواز الجمع بينهما كما سبق، ومنع منه الأقلون للانتشار، ويلزمهم ذلك في النوع الأول. وإن كانت [مترتبة كالمعارضة مع منع وجود الوصف في الأصل أو كالمنع مع المطالبة فإن المعارضة والمطالبة إنما تكون، بعد تسليم وجود الوصف في الأصل، أو كالاستفسار مع المنع فإن المنع بعد فهم المعنى فقد ذهب الأكثرون

стр. 3335

إلى عدم جواز الجمع بينهما؛ لأن الاعتراض بالسؤال المتأخر منها مشعر بتسليم متعلق السؤال الأول إذ لو بقى السائل مصرًا على السؤال الأول لم يتوجه السؤال الذى بعده بالرتبة فحينئذ لا يستحق إلا جواب السؤال الأخير. وذهب الباقون إلى جوازه أيضا. وهو اختيار الأستاذ أبى إسحاق وهو الحق وعليه العمل في الكتب والمصنفات لأن السؤال الثاني والثالث وإن أشعر بتسليم متعلق السؤال الأول لكن تقديرًا لا تحقيقًا، كما هو الدأب في إيراد الاعتراضات في المصنفات فهو إن صرح بذلك بان قال بعد منع وجود الوصف في الأصل: ولئن سلمنا ذلك، لكن لا نسلم مناسبته للحكم، ولئن سلمنا المناسبة لكن هنا مناسب آخر، فلم قلتم: إن ما ذكرتم هو العلة فلا شك أن ذلك على تقدير التسليم فلا يضره الانتقال من السؤال إلى ما بعده، وإن لم يصرح بذلك نزل عليه لاحتماله لاسيما وقد جرت العادة بذلك. وأما الذى يجب أن يقدم على الكل سؤال الاستفسار؛ لأنه إذا لم يعرف مدلول اللفظ استحال منه المنع، أو المعارضة، والأسئلة كلها ترجع إليهما، ثم بعده سؤال فساد الاعتبار. لأنه نظر في فساد الدليل من حيث الجملة، وما بعده أخص منه [وهو]، نظر في فساده من حيث التفصيل، والأول مقدم على الثاني لسهولة إقضائه إلى الغرض، ولكنه يبطل أصل الدليل بالكلية بخلاف غيره ثم بعده فساد الوضع، لأنه/ (٢٤٧/ ١) أخص منه

стр. 3336

والنظر في العام مقدم على الخاص، ثم بعده سؤال المنوع، ولا يخفى عليك ترتيب بعضها على البعض. ثم بعده النقض وعدم التأثير والعكس على رأى من جعل عدمه قادحا في العلية، ولا ترتيب بين هذه الثلاثة؛ لأن كل واحد منها يقدح في العلة، والكسر مؤخر عن النقض، ولا يخفى عليك تعليله، ثم بعده المعارضة في الأصل هكذا قيل، وعلل بوجهن. أحدهما: أن النقض معارض لدليل العلية، والمعارضة في الأصل معارضة لنفس العلة فكان متأخراً عن المعارض لدليل العلية. وفيه نظر، وهذا لأن النقض وإن كان معارضا للدليل الذى يدل على علية الوصف من حيث أنه يبقى علية الوصف الذى دل ذلك الدليل على عليته، لكن المعارضة في الأصل أيضا كذلك فإنها تبقى علية ذلك الوصف فتكون معارضة للدليل الدال على عليته ففي كل واحد منها منافاة العلية ومعارضة الدليل الدال على علية الوصف فلم يظهر الفرق بينهما من هذه الجهة. وثانيهما: أن النقض لأبطال العلة، والمعارضة في الأصل لإبطال استقلالها. وفيه أيضا نظر؛ لأن النقض والمعارضة في الأصل كل واحد منهما يدل على عدم علية الوصف على سبيل الاستقلال؛ فإن من الظاهر أنه ليس في النقض ما يدل على أن الوصف المذكور لا يصلح أن يكون جزؤ العلة وحينئذ تكون الدلالة على عدم علية الوصف على سبيل الاستقلال أعم من أن تكون بطريق الإبطال، أي: يبطل بالكلية بحيث لا يكون له مدخل في العلية، أو بطريق عدم الاستقلال، أي ويكون له مدخل في العلية والدال على العام لا يدل على الخاص لا بطريق المطابقة ولا بطريق الالتزام.

стр. 3337

وعلى هذا التقدير لا يظهر الفرق بينهما من هذا الوجه. ثم هذا التعليل يقتضى تقديم المعارضة في الأصل على النقض؛ لأن الإبطال أخص من عدم الاستقلال، والنظر في العام مقدم على الخاص، اللهم إلا أن يريد بعدم الاستقلال أن يكون له مدخل في العلية فحينئذ تحصل المباينة بينهما لكن ينبغي أن يقدم أيضا ككون النقض أخص بالنظر إلى إبطال العلية وإن لم يكن أخص منه بالنظر إلى المفهوم، وإذا بطل هذا فالحق أحد القولين وهو إما أنه لا ترتيب بينهما؛ لأن كل واحد منها قادح في علية الوصف على سبيل الاستقلال كما سبق، أو أن المعارضة في الأصل مقدم على النقض؛ لأنها نظر إلى إبطال العلية في المحل. الأصلي، والنقض نظر إلى إبطالها بالنسبة إلى غير محلها الأصلي، ومعلوم أن الأول أقدم، فهذا ما خطر بالبال في الحال والله أعلم بالصواب. ثم المعارضة فد تكون في الأصل، وقد تكون في الفرع، ولا شك أن الأول أقدم. وأما القلب، والقول بالموجب فيؤخر كل واحد منهما عن الذى تقدم ذكره من الأسئلة؟ لأن كل واحد منهما يورد بعد تسليم كل ما يتوقف عليه إفادة الدليل للحكم بخلاف ما تقدم، والقلب مقدم على القول بالموجب وهو ظاهر. ثم لا يخفى عليك مما تقدم ترتيب بقية الأسئلة بالنسبة إلى ما ذكرنا من الأسئلة وبالنسبة إلى البعض منها إلى البعض، ولكن هذا آخر كلامنا في الأسئلة فإنه وإن لم يكن من هذا الفن لكن أوردنا البعض منها لئلا يخلو الكتاب عن هذه الفائدة، وأما الاستقصاء فيه فأليق بفن الجدل فإنه منه.

стр. 3338

النوع السادس عشر الكلام في التعادل والتراجيح وهو مرتب على قسمين:- القسم الأول في التعادل وفيه مسائل. المسألة الأولى أطبق الكل على أن تعادل القاطعين المتنافيين عقليين كانا أو نقليين غير جائزة لأن مدلول الدليل القطعي يجب أن يكون حاصلاً، فلو جوزنا تعادل القاطعين لزم حصول مدلوليهما وهو جمع بين المتنافيين وهو ممتنع.

стр. 3339

واختلفوا في تعادل الأمارتين:- فمنعه الإمام أحمد، والكرخى، وجمع من فقهائنا. وجوزه الباقون من الفقهاء والمتكلمين. وهؤلاء اختلفوا في حكمه عند وقوعه على ثلاثة مذاهب: أحدهما: إن حكمه، التخيير، وهو اختيار القاضي أبى بكر، وأبى على، وأبي هاشم.

стр. 3340

وثانيها أن حكمه التساقط، ويجب الرجوع في ذلك إلى غيرهما. وهو البراءة الأصلية، هو مذهب كثر الفقهاء منهم وثالثها: وهو القول بالتفصيل: وهو أن هذا التعارض والتعادل إن وقع بالنسبة إلى الواجبات فحكمه التخيير، فإن التخيير بين الواجبات في الشرع غير ممتنع كما في وجوب الحقاق، وبنات لبون، وكما في خصال الكفارة. وإن وقع بالنسبة إلى حكمين متنافيين كالإباحة والتحريم فحكمه التساقط فقط والرجوع إلى البراءة الأصلية، هذا هو النقل المشهور. وكلام الشيخ الغزالي ﵀ يدل على أن من قال: المصيب واحد والباقون مخطئون لم يجوزوا تعادل الأمارتين، وأما الذين قالوا: كل مجتهد مصيب فهؤلاء اختلفوا فيه؛ لأنه قال: (إذا تعارض دليلان عند المجتهد، وعجز عن الترجيح ولم يجد دليلاً من موضع آخر وتخير فالذين ذهبوا إلى أن المصيب واحد يقولون: هذا لعجز المجتهد وإلا فليس في/ (٢٤٨/ أ) أدلة الشرع تعارض من غير ترجيح فلزم التوقف، أو الاخذ بالاحتياط، أو تقليد مجتهد آخر عثر على الترجيح [وأما المصوبة فاختلفوا فيه).

стр. 3341

فقوله. فليس في أدلة الشرع تعارض من غير ترجيح]، يدل بصراحته على ما قلناه واختار الإمام أن تعادل الأمارتين في حكمين متنافيين والفعل واحد ككون الفعل الواحد واجبا وحراما جائز في الجملة، غير واقع شرعا. هذا صريح كلامه ودليله يدل أيضا على عدم جواز وقوعه شرعا، فإن ما ذكره من الدلائل لا يختص بامتناع الوقوع. والأغلب على الظن أن مراده من [قوله. غير واقع شرعا أنه غير جائز الوقوع شرعا وأن تعادلهما في] فعلين متنافيين والحكم واحد جائز كوجوب التوجه إلى جهتين قد غلب على الظن أنهما جهتا القبلة. واحتج المانعون منه مطلقا بوجوه: أحدهما: لو جار تعادل الأمارتين على حكمين متنافيين شرعا فليفرض واقعا إذ الجائز لا يلزم من فرض وقوعه محال، فعند وقوع هذا التعارض إما أن يعمل بهما وهو محال، لأنه يقتضى الجمع بين المتنافيين، أو لا يعمل بواحد منهما وهو أيضا باطل. أما أولاً: فلأنه- يلزم الترك بالدليليين. وأما ثانيًا: فلأنه يلزم أن يكون وضعهما عبثا لكون العمل بهما غير ممكن، أو يعمل بأحدهما على التعيين وهو أيضا باطل، لكونه تحكمًا محضا، وقولاً في الدين بالتشهى، وترجيحًا لأحد الجائزين على الآخر من غير مرجح، أو يعمل بأحدهما لا على التعيين بل على التخيير وهو أيضاً باطل.

стр. 3342

أما أولاً: فلأن التخيير بين المباح وغيره يقتضى ترجيح أمارة الإباحة بعينها؛ لأنه لما جاز له الفعل والترك مع أنه لا معنى للإباحة إلا ذلك لزم أن يكون ذلك الفعل مباحا له فيكون ذلك ترجيحا لإحدى الأمارتين بعينها وقد تقدم إفساده. وأما ثانيا: فلأنه يلزم أن يكون المكلف مخيرًا في المسالة الاجتهادية وهو باطل بالإجماع. وأما ثالثًا: فلأنه يلزم أن يكون الأمر بالنسبة إلى الحاكم والمفتي كذلك وحينئذ يلزم عدم فصل الخصومة ودوام المنازعة، ولزم تخييرًا لعامي في الأحكام الشرعية وكل ذلك ممتنع. واعترض عليه: بأنه لم لا يجوز أن يعمل بإحدى الأمارتين على التعين، لكون العمل بهما أحوط، أو لكون العمل بها أخذًا بالأقل؟ وحينئذ لا يلزم ما ذكرتم من أنه تحكم، أو ترجيح من غير مرجح. سلمنا فساد هذا القسم، فلم لا يجوز أن يعمل بإحداهما لا على التعيين قوله أولا: ذلك ترجيح لأمارة الإباحة بعينه. قلنا: ممنوع؛ وهذا لأن التخيير بين الفعل والترك مطلقا هو الاباحة، وأما التخيير بينهما بناء على الدليلين الذين يدل أحدهما على الحظر والأخر على الإباحة فلا؛ إذ يجوز من الشارع أن يقول للمكلف: أنت مخير في الأخذ بأمارة الإباحة، أو بأمارة الحظر، إلا أنك متى أخذت بأمارة الإباحة فقد أبحت لك الفعل. وإن أخذت بأمارة الحظر فقد حرمت عليك الفعل ويصرح له بأن الفعل على

стр. 3343

أحد التقديرين مباح وعلى الآخر حرام، ولو كان ذلك إباحة للفعل لما جاز ذلك كما لو صرح له بالإباحة ثم صرح له بالحرمة ويؤكده، أنه يجب عليه اعتقاد الإباحة على تقدير الأخذ بأمارتها، ويجب اعتقاد الحرمة على تقدير الأخذ بأمارتها، ولو كان ذلك ترجيحا لأمارة الإباحة لما اختلف وجوب الاعتقاد. ومثاله في الشرع: أن المسافر مخير بين أن يصلى أربعا فرضا وبين أن يترك ركعتين فلو صلى أربعا وقع الكل فرضا، ولو صلى ركعتين وقعتا أيضا فريضتين، ولا يقال: [إنه]، لما خير بين فعل الركعتين وبن تركهما كانتا مباحتين. وكذلك من استحق أربعة دراهم على غيره، فقال: تصدقت عليك بدرهمين إن قبلتَ، وإن لم تقبل، وأبيت قبلت الكل عن الدين الواجب [فإذا أتى بالأربع وأخذه المستحق كان كله واقعا عن الدين الواجب]، مع أنه كان يجوز للمديون أن يأتي به وأن لا يأتي به. فالحاصل أن كون الشيء يجوز فعله وتركه بناء على [أمرين]، يثبت أحدهما فعله، والآخر تركه كالمقتضى والنافي لا يقتضى أن يكون ذلك الفعل مباحًا وإن فعله بناء على - المقتضى له أو تركه بناء [على النافي فكذا ما نحن فيه، فإن المكلف إذا ترك الجمع بين الأختين بناءً على] قوله

стр. 3344

تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ لا يقال: إنه ترك أمرأ مباحًا مع أنه كان يجوز أن يجمع بناء على قوله تعالى: ﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾ ولذلك قال عثمان - رضى الله عنه: (أحلتهما آية، وحرمتهما آية). سلمنا ذلك لكن هذه الدلالة إنما تتم عند تعارض أمارة الحظر والاباحة أما عند تعارض الحظر والوجوب لم يلزم ذلك: إذ لم يمكن أن يقال: إن التخيير بينهما ترجيح لأمارة الإباحة بعينها فلم يكن دليلكم متناولاً لكل الصور. قوله ثانيا: يلزم تخيير المكلف في المسائل الاجتهادية. قلنا: نعم وانعقاد الإجماع على بطلانه مطلقا ممنوع بل على بطلانه عند الترجيح لا يمنع منه فإذا حصل الإذن في الفعل فقد ارتفع، وأما عند تعارض الأدلة وتساويهما فلا. قوله ثالثا: أنه يلزم أن يكون الأمر بالنسبة إلى الحاكم والمفتي كذلك قلنا: لا نسلم وستعرف تفصيل/ (١/ ٢٤٩) الأمر فيه. سلمنا فساد القول بالتخيير، فلم لا يجوز أن يقال بتساقطهما والرجوع إلى

стр. 3345

البراءة الأصلية؟ قوله: لأن وضعهما حينئذ عبث. قلنا: هذا مبنى على قاعدة التحسين والتقبيح وقد ثبت بطلانها. سلمناه لكن لم لا يجوز أن يقال: إن لله تعالى فيه حكمة خفية لا يطلع عليها، ثم هو منقوض بالتعادل الذهني وهو جائز بالاتفاق، ثم أن ما ذكرتم من الدليل يشكل بما إذا أفتى مفتيان: أحدهما بالحل، والآخر بالحرمة، ولم يظهر رجحان أحدهما على الآخر في ظن المستفتي، فإن قولهما بالنسبة إلى العامي كالأمارتين. وأجيب عنه: أما عن الاول فهو أنه غير وارد على صورة النزاع، فإن النزاع إنما هو حيث تكون الامارتان متعادلتين وذلك ينفى أن تكون إحداهما راجحة على الأخرى سواء كان ذلك الرجحان لأمر يرجع إلى ما في نفسها أو غير ها. وأما عن الثاني، فهو أن المحظور هو الذى يمنع من فعله، والمباح هو الذى لا يمنع منه، فإذا حصل الإذن في الفعل فقد ارتفع الحجر عن فعله فلا يبقى حظر ألبتة ولا معنى للإباحة إلا ذلك. وهو ضعيف لانا نمنع ذلك، وهذا لأنه ما ارتفع الحجر عن فعله مطلقا بل أن أخذ بأمارة الإباحة، فأما إذا أخذ بأمارة الحظر فلا، والمباح هو الذى جاز فعله وتركه مطلقا من غير شريطة، وهذا لا يجوز فعله إلا إذا قصد الأخذ بأمارة الإباحة فلم يلزم أن يكون ذلك ترجيحا لأمارة الإباحة بعينها.

стр. 3346

ثم قال المجيب: وأما ما يقال في سند المنع لم لا يجوز أن يقال من أنه محظور بشرط أن يأخذ بأمارة الحظر، ومباح بشرط أن يأخذ بأمارة الإباحة فهو باطل بوجهين: أحدهما: أن الأمارتين لا يخلو أما يقتضيا حرمة الفعل وإباحته باعتبارين مختلفين، أو باعتبار واحد: والأول باطل، لأنه غير مسألتنا التي نحن فيها، لأن ما نحن فيه هو أن تقوم الأمارتان على إباحة شيء واحد وحظره، وعلى التقدير الذى قالوه قامت أمارة الإباحة على شيء، وأمارة الحظر على شيء، لأنهم لما قالوا عند الأخذ بأمارة الحرمة يحرم الفعل، وعند الأخذ بأمارة الإباحة يباح الفعل، فمعناه: أن أمارة الحرمة قائمة على حرمة هذا الفعل حال الأخذ بأمارة الحرمة، وأمارة الإباحة قائمة على إباحة هذا الفعل حال الأخذ بأمارة الإباحة فالأمارتان إنما قامتا على شيئين غير متلازمين، لا على شيء واحد، وليس كلامنا فيه، بل كلامنا في قيام الأمارتين على حكمين متنافيين على شيء واحد، وإذا بطل هذا القسم تعين القسم الثاني، وإذا رفعنا الحجر عن ماهية ذلك الفعل كان ذلك إباحة، فيكون [ذلك]، ترجيحا لأحدى الأمارتين بعينها، وإن لم نرفع الحجر عنه كان ذلك حظرًا، فيكون ترجيحا لأمارة الحرمة بعينها. وثانيهما: أنه أن عنى بالأخذ بإحدى الأمارتين: اعتقاد رجحانها فهذا باطل. أما أولاً: فلأنها إذا لم تكن راجحة كان اعتقاد رجحانها جهلا. وأما ثانيًا: فلأنا نفرض الكلام فيما إذا حصل ظن أو علم بأنه رجحان ففي

стр. 3347

هذه الصورة نمنع حصول اعتقاد الرجحان. وإن عنى به العزم على الإتيان بمقتضاها، فذلك العزم إن كان عزما جازما بحيث يتصل به الفعل لا محالة، كان الفعل حينئذ واجب الوقوع فيمتنع ورود الإباحة والحظر فيه؛ لأنه يكون ذلك إذنًا في ايقاع ما يجب وقوعه أو منعا عن إيقاع ما يجب وقوعه. وإن لم يكن عزما جازما فحينئذ يجوز له الرجوع، لأنه إذا عزم عزما غير جازم على الترك مثلاً - فإذا أراد الرجوع عن هذا العزم، وقصد الإقدام على الفعل جاز له ذلك، فعلم أن ما ذكروه فاسد. وهذان الجوابان ضعيفان، أما الأول: فلأنه لا يلزم من قولنا: أنه يحرم عليه الفعل عند الأخذ بأمارة الحرمة، ويباح له عند الأخذ بأمارة الإباحة أن تكون الأمارتان قائمتين على حرمة الفعل وإباحته بما ذكرتم من الاعتبارين المختلفين، وهذا لأن الأخذ بإحدى الأمارتين إنما يكون بعد تمام دلالتها على الحظر أو الإباحة، فلو كانت دلالتها على الحظر أو الإباحة معتبرة بالأخذ بها لزم الدور. ولا نسلم أن معنى قولنا: إنه يحرم الفعل إذا أخذ بأمارة الحرمة ويباح إذا أخذ بأمارة الإباحة ما ذكرتم وسنده ما سبق معناه: أنه إن قصد المكلف العمل بأمارة الحرمة حرم عليه الفعل، لأن دلالتها على الحرمة حال أخذ أمارة الحرمة، وكذا القول في جانب الإباحة وهو ظاهر غنى عن تطويل البيان. وأما الثاني فهو أيضا ضعيف؛ وهذا لأنا نختار مما ذكرتم من المعنين المعنى الثالث. قوله: إن كان ذلك العزم جازما فيمتنع ورود التكليف فيه ممنوع؛ وهذا

стр. 3348

لأن تكليف ما لا يطاق جائز باتفاق بيننا وبينك [سلمنا امتناعه لكن المأمور إنما يصير مأمورًا عندنا]، وعندك حال المباشرة لا قبله مع أن الفعل إذ ذاك واجب الو قوع. سلمنا سلامته عن النقض لكن الجزم على الفعل الناشئ من قصد الامتثال لا ينافى التكليف به وإلا لزم بطلان التكاليف بأسرها، بل الذى ينافيه ورود التكليف عليه إذ ذاك، وما نحن فيه ليس كذلك فإن الجزم على الفعل إنما يحصل بعد قصد الامتثال بمقتضى إحدى الأمارتين وهو لا ينافى التكليف. سلمنا فساد هذا/ (١/ ٢٥٠) القسم أيضا فلم لا يجوز أن يكون المراد منه العزم الغير الجازم. قوله: فحينئذ يجوز له الرجوع عنه، فيلزم أن يكون ذلك الذى عزم عليه من الفعل أو الترك حراما أو مباحا، وأن أتى بغيره بقصد امتثال إحدى الأمارتين وهو باطل. قلنا: لم لا يجوز أن يكون المراد من الأخذ بإحدى الأمارتين العزم الذى ذكرتم بشرط أن يتصل به الفعل أو الترك بقصد الامتثال، فإذا لم يوجد هذا الشرط لم يوجد الأخذ بإحدى الأمارتين الذى عنده يحرم الفعل أو يباح فلا يلزم حينئذ ما ذكرتم من المحذور. وأجيب عن الثالث أيضا بوجهين: أحدهما: أنه إذا ثبت ذلك عند تعارض أمارتي الحظر والإباحة وجب أن يثبت في غيره أيضا ضرورة أنه لا قائل بالفصل. وثانيهما: أن الإباحة منافية للوجوب والحظر، فعند تعادل أمارتي الوجوب

стр. 3349

والحظر لو حصلت الإباحة لكان ذلك قولا بتساقطهما، وإثبات الحكم لم يدل عليه دليلاً أصلاً. وهذا ضعيف، لأنه بناء على ما سبق وقد عرفت ضعفه وأجيب عن قوله: لم لا يجوز أن يكون في التساقط حكمة خفية: بأن المقصود من وضع الأمارة أن يتوصل به إلى المدلول، فإذا كان هو في ذاته بحيث يمنع التوصل به إلى الحكم كان خاليا عن المقصود الأصلي منه، ولا معنى للعبث إلا ذلك. وهذا بخلاف التعارض الذهني، فإنه لما كان بحيث يمكن التوصل إلى رجحان إحدى الأمارتين لم يكن واضعهما عابثا بل غايته أنا لقصورنا وتقصيرنا ما انتفعنا به. وبه خرج الجواب أيضا عن الأخير، ويخصه أن ذلك للضرورة فإنه لا طريق للعامي سواه إذ ذاك لجهله بطريق التراجيح، وإذا عرفت ضعف بعض هذه الأجوبة عرفت توجه الاعتراض على الدليل فيكون الدليل مقدوحًا. وثانيها: أن لله تعالى في كل واقعة حكما واحدًا على ما سيأتي تقريره، والخصم مساعد عليه أيضا، فلو تعادلت الأمارتان الدالتان على النفي والإثبات لزم من ذلك التضليل والحيرة في إصابة الحق وهو ممتنع على الشارع الحكيم، فإن الحكيم إذا كان له طريقان في تحصيل الغرض سلك أفضاهما إلى حصول الغرض، ولا شك أن نصب الأمارة الراجحة أفضى إلى إصابة الحق. وجوابه: أنا وأن سلمنا أن الحكم في الواقعة واحد، لكن لا نسلم أنه يلزم منه امتناع تعادل الأمارتين. قوله: يلزم منه التضليل والحيرة في إصابة الحق.

стр. 3350

قلنا: لا نسلم؛ وهذا لأنه إنما يلزم ذلك أن لو كان مكلفا بإصابة ما هو الحكم عند الله تعالى وليس كذلك، بل بما غلب على ظنه فإن لم يغلب على ظنه شيء كما في صورة التعادل كان الواجب عليه التخيير، أو التساقط هو حكم الله تعالى. [وثالثها: أن إحدى الأمارتين تدل على الوجوب بعينه والأخرى تدل على الحظر بعينه وهذا في الحكمين المتنافيين، أو تدل إحدى الأمارتين على وجوب شيء بعينه والأخرى تدل على وجوب شيء آخر بعينه، وهذا في الفعلين المتنافيين والحكم واحد والقول بالتخيير سواء كان بالنسبة إلى الحكمين أو بالنسبة إلى الفعلين مخالف لمقتضى الأمارتين معا فكان باطلاً، وكذا القول بتساقطهما، لأنه يلزم منه الترك بالدليلين. وجوابه: أن أمارة وجوب الفعل يقتضى وجوبه فقط، أما المنع من الإخلال به على كل حال فموقوف على عدم الدلالة على قيام غيره مقامه، وعلى هذا التقدير لم يكن التخيير مخالفا لمقتضى الأمارتين وكذا القول في الحكمي المتنافيين فإن أمارة الوجوب دلت على الوجوب بعينه، وأما المنع من الإخلال به على كل حال والرجوع إلى غيره فموقوف على عدم الدلالة على حكم آخر يعادل الأمارتين. واحتج المجوزون له مطلقا بوجوه: أحدهما: أنه لو امتنع تعادل الأمارتين فأما أن يمتنع لذاته وهو باطل؛ لأنه لا يلزم من فرض وقوعه محال لذاته عقلاً، أو لدليل خارجي عقليًا كان، أو نقليا وهو أيضا باطل؛ إذ الأصل عدمه فمن أدعى فعليه بيانه. وثانيها: أنا أجمعنا على جواز التعادل الذهني، فوجب أن يجوز أيضًا

стр. 3351

التعادل الخارجي أيضًا. وأجيب عن الأول: بأنه إثبات للجواز بعدم ما يدل على الفساد، وأن ليس أولى من إثبات الفساد بعدم ما يدل على الجواز. وعن الثاني: بأنه قياس خال عن الجامع سلمناه لكن الفرق ظاهر وهو ما تقدم. وثالثها: أن ثبوت الحكم في الفعلين المتنافيين، أو ثبوت الحكمين المتنافيين في الفعل الواحد يقتضى إيجاب الضدين، وذلك يقتضى إيجاب كل واحد منهما على سبيل البدلية، ولا معنى للتخيير إلا ذلك. وجوابه: أنه لا نزاع في جواز ذلك، وإنما النزاع في أنه هل يجوز أن تتعادل الأمارتان على الحكمين المتنافيين أو على الفعلين المتنافيين والحكم واحد، وما ذكرتم لا يفيده. وإذا ظهر ضعف مأخذ الجانبين وجب التوقف وإن كان الأقرب إنما هو القول بالجواز. وأما الإمام ﵀ فقال: "أما تعادل الأمارتين في حكمين متنافيين والفعل واحد فهو جائز في الجملة، لكنه غير واقع في الشرع. أما أنه جائز في الجملة، فلأنه/ (٢٥١/ أ) يجوز أن يخبرنا رجلان بالنفي والإثبات، وتستوى عدالتهما وصدق لهجتهما بحيث لا يكون لأحدهما مزية على الأخر. وأما أنه في الشرع غير واقع فقد احتج عليه بما تقدم من الوجه الأول في

стр. 3352

حجة المانعين منه مطلقًا. ومن الظاهر أن ذلك لا يختص بعدم الوقوع بل يدل على عدم الجواز الشرعي أيضًا، نعم لا يدل على عدم جوازه عقلاً، وأما تعادلهما في فعلين متنافيين والحكم واحد فهو جائز ومقتضاه التخيير. والدليل على جوازه وقوعه في صور: إحداها: قوله ﵇ في زكاة الابل: (في كل أربعين بنت لبون، وفى كل خمسين حقة)، فمن ملك مائتين فقد ملك أربع خمسينات، وخمس أربعينات، فإن أخرج الحقاقَ فقد أدى الواجب إذ عمل بقوله ﵇: (في كل خمسين حقة). وأن أخرج بنات اللبون فقد عمل بالحديث الأخر وليس أحدهما أولى من الآخر فيتخير بينهما. وثانيها: من دخل الكعبة فله أن يستقبل أي جانب شاء منها، لأنه كيف فعل فقد يستقبل شيئا من الكعبة. وثالثها: أن الولي إذا لم يجد من اللبن إلا ما يسد رمق أحد رضيعيه، ولو قسم عليهما أو منعهما لماتا، ولو أطعم أحدهما مات الآخر، فها هنا هو مخير بين أن يطعم هذا فيهلك الأخر، أو بالعكس ولا سبيل إلا التخيير.

стр. 3353

ولقائل أن يقول: لا نزاع في وقوع مثل هذا التخيير في الشرع، وإنما النزاع في أنه هل يجوز أن تتعادل الأمارتان في فعلين متنافيين والحكم واحد بحسب النوع، وبحسب متعلقه، كما إذا دلت أمارة على أن هذه الجهة جهة القبلة أو تدل أمارة أخرى أن الجهة الأخرى هي جهة القبلة، وتتعادل الأمارتان، وما ذكرتم الصور ليس مما فيه النزاع في شيء، أما الأول: فلأن الحكم إن كان واحدًا فيها بحسب النوع لكن ليس واحدًا بحسب متعلقه، فإن وجوب الحقة غير وجوب بنت اللبون. وأما الثاني والثالث فهما من أقسام الواجب المخير لا مما نحن فيه، فإن التخيير فيما نحن فيه هو أن ينشا من تعادل الأمارتين اللتين تدل كل واحدة منهما على واحد بعينه، ومعلوم أن ما ذكرتم من الصورتين ليس كذلك، فإنه ليس أمارة على وجوب استقبال جانب من الكعبة بعينه، وأمارة أخرى تدل على استقبال الجانب الآخر، وكذلك ليس أمارة تدل على وجوب إرضاع صبى بعينه، وأمارة أخرى تدل على وجوب إرضاع الصبى الآخر فليسا هما من صور النزاع. المسألة الثانية القائلون بجواز هذا التعادل [قالوا: إن وقع هذا التعادل]، للإنسان في عمل نفسه كان حكمه فيه التخيير، أو التساقط والرجوع إلى غيرهما . ومنهم من نقل فيه الوقف أيضًا كما في التعادل الذهني وهو بعيد جدًا، إذ الوقف فيه لا إلى غاية؛ إذ لا يرجى فيه ظهور الرجحان وإلا لم تكن مسألتنا

стр. 3354

بخلاف التعادل الذهني فإنه يوقف فيه إلى أن يظهر المرجح. وإن وقع للمفتي كان حكمه أن يخير المستفتي في العمل بأيهما شاء، هذا ما ذكره الإمام. ومنهم من نقل أنه يجب عليه أن يجزم بمقتضى أحدهما دفعا للتخيير عن المستفتي. وهذا فيه نظر؛ لأنه ليس في التخيير بين الأخذ بأي الحكمين شاء تخير. والأظهر أن المفتي فيه بالخيار بين أن يجزم له الفتيا، وبين أن يخيره إذ ليس في كل واحد منهما مخالفة دليل ولا فساد فيسوغ له الأمران ولأن الحاكم يجب عليه الجزم على ما ذكره والعامل لنفسه مخير على ما تقدم والمفتي داثر بينهما فينبغي أن يسوغ له الامران نظرًا إلى الجانبين، وإن وقع للحاكم وجب عليه التعين لا غير، لأن الحاكم نصب لقطع الخصومات فلو خير الخصمين لم تنقطع خصومتهما، لأن كل واحد منهما يختار الذى هو أوفق له، وليس كذلك حال المفتي. فإن قلت: فهل للحاكم أن يقضى في الحكومة بحكم إحدى الأمارتين، بعد أن كان قضى فيها من قبل بالأمارة الأخرى؟ قلت: لا يمتنع ذلك عقلاً، كما إذا استوى عنده جهتا القبلة، فإن له أن يصلى مرة إلى جهة، ومرة إلى جهة أخرى. وكما إذا تغير اجتهاده فإنه إذا قضى بحكم في قضية ثم تغير اجتهاده فيها إذا وقعت مرة أخرى فإنه يجب عليه أن يحكم بما أدى إليه اجتهاده ثانية لكن منع منه دليل شرعي، وهو ما روى أنه ﵇ قال لأبي بكرة:

стр. 3355

"لا تقض في شيء واحد بحكمين مختلفين". فأما ما روى عن عمر- رضى الله عنه- أنه قضى في مسألة الحمارية بحكمين، وقال: (ذلك على ما قضينا وهذا على ما نقضى) فيجوز أن يكون ذلك من باب تغير الاجتهاد بأن ظن في المرة الأولى قوة إحدى الأمارتين وفى المرة الثانية ظن قوة الأمارة الأخرى. المسألة الثالثة المجتهد إذا نقل عنه قولان كالوجوب والتحريم مثلاً ، فإن كانا في مسألتين مختلفتين كالوجوب في العبادات، والتحريم في المعاملات، أو كانا في مسالة واحدة لكن بالنسبة إلى حكمين مختلفين لا منافاة بينهما كالتحريم، ووجوب الحد كما في الزنا والسرقة/ (٢٥٢/ أ) والقذف، أو كانا في فعلين متضادين على سبيل البدلية كوجوب غسل الرجلين ووجوب مسحهما، أو غير متضادين كوجوب الوضوء وتحريم استعمال الماء المغصوب فكل ذلك جائز بالاتفاق وهو ظاهر لا غبار عديه، وإنما النزاع في أنه هل يجوز أن يصدر عنه قولان في حكمين متنافيين على سبيل البدلية في شيء واحد، في وقت واحد من غير أن

стр. 3356

يرجح أحدهما على الأخر أم لا؟ فمن جوز تعادل الأمارتين جوز ذلك، ومن لم يجوز ذلك لم يجوز هذا. فإن قلت: التعادل الذهني جائز وفاقا فهلا - جوز - ذلك بناء عليه. قلت. حكمه إذ ذاك التوقف، أو التساقط والرجوع إلى غيرهما، وأما التخيير فبعيد لعلمه بأن أحدهما راجح قطعا ويجب العمل به دون المرجوح، فإنه لا يجوز العمل به، وإن جوز التخيير حينئذ فهو قول واحد وهو التخيير وليس هو قولن متنافيين فلم يجز تخريجه على التعادل الذهني، والتخيير بينهما حينئذ بعيد وإن نقله بعضهم. إذا عرفت هذا فنقول: المجتهد إذا نقل له قولان في مسالة واحدة بالنسبة إلى حكمين متنافيين، فأما أن يكون القولان منصوصين، أو لا يكونا منصوصين. فإن كان الأول إما أن يكونا في موضعين بأن ينص في كتاب بتحريم الشيء، وفى كتاب آخر بتحليله أو في موضع واحد. فإن كلان الأول فإما أن يعلم التاريخ بينهما أو لا يعلم. فإن علم كان الثاني رجوعا عن الأول ظاهرًا. وإنما قلنا ظاهرًا؛ لأنه يحتمل أن يكون القول هو الأول هو الراجح عنده، وإنما أبدى الثاني على وجه الاحتمال، أي: أنه محتمل في الجملة في المسالة وإن كان مرجوحا عنده بالنسبة إلى القول الأول. وإن لم يعلم التاريخ حكى عنه القولان، ولا يحكم عليه بالرجوع إلى أحدهما بعينه، وإن علم أن أحدهما مرجوع عنه لا بعينه ظاهرًا، ولا يخفى

стр. 3357

عليك أنه لا يجوز العمل بأحدهما إذ ذاك قبل التبين. وإن كانا في موضع واحد بان يقول. في المسألة قولان، فإن ذكر عقيب ذلك ما يشعر بتقوية أحدهما نحو أن يقول: هذا أشبه، أو هذا أمثل، أو هذا أوفق، أو ما يجرى مجراها، أو يفرع على أحدهما دون الآخر فهو قوله؛ لأن قول المجتهد ليس إلا ما يترجح عنده. وإن لم يذكر شيئا من ذلك فإن ذكر القولين في معرض الحكاية لأقوال الغير فلا يكون القولان قولين له بل ذكرهما على سبيل الحكاية ليرجح أحدهما الناظر في المسالة، وإن لم يذكرهما في معرض الحكاية فيكون القولان له ظاهرًا. فمن لم يجوز تعادل الأمارتين لم يجوز هذا، ومن جوز ذلك جوز هذا لاحتمال صدور القولين عن الأمارتين المتساويتين، ثم من الظاهر أنه ليس مضمونهما معا حقي عنده،، فإن اعتقاد التحريم والوجوب مثلاً معا محال بل ذلك على سبيل البدلية فليس له في المسالة قولان بل قول واحد. ومنهم من زعم أن له قولين وحكمهما التخيير، وهو ضعيف؛ لأنا لو سلمنا القول به مع أن ميه كلاما فهو قول واحد لا قولين متنافيين، فإن من خير بين خصال الكفارة لا يقال: إن له في الكفارة أقوالا، بل الحق أن ذلك يدل على تردده في المسالة وتوقفه في حكمها وليس للمتردد والشاك في المسالة قول فضلاً عن أن يكون له فيها قولان، ولا يجوز أن ينسب إليه القولان على سبيل الحقيقة؛ لأن قول الإنسان على سبيل الحقيقة هو ما يقول به، وقد ظهر أنه لا يجوز أن يقول بهما ولا بأحدهما عبثا بل على سبيل البدلية، والذى يقال في مثل هذا: إن لفلان قولين في المسالة فهو على سبيل التجوز

стр. 3358

من حيث إنه يقول بهذين الاحتمالين في المسألة على سبيل البدلية لوجدان دليلهما المتساويين دون سائر الاحتمالات. وإن لم يكونا منصوصين فإما أن يكون أحدهما منصوصًا والأخر منقولاً من نظيره المنصوص عليه وهو كالب ما يقع من هذا الجنس، أو كلاهما منقولين من مسألتين منصوصتين هما نظير في المنقول إليها في وجه معتبر. فإن كان الأول فإن كان بين المسألتين فرق يجوز أن يذهب إليه ذاهب لم يلزم أن يكون قوله في تلك المسالة قولاً في هذه المسالة؛ لاحتمال أنه ذهب إلى ذلك الفرق فلم يجز نسبة ذلك القول إليه في هذه المسألة، وكذلك القول فيما إذا كان القولان منقولين من مسألتين منصوصتين. وإن لم يكن بينهما فرق أصلاً فالظاهر أن قوله في إحدى المسألتين قوله في الأخرى، وإنما قلنا الظاهر؛ لأنه جاز أن نص عليها عند الذهول من نظيره تلك المسألة فلم يمكن أن يقال إن ذلك القول قوله؛ لأن قول الإنسان في الشيء يستدعي أن يكون الشيء معقولاً له، نعم هو لازم قوله لكن لازم القول قد لا يكون قول الإنسان بمعنى أنه يقول به ويرتضيه، وحينئذ إما أن يكون التاريخ معلومًا أو لم يكن والحكم على كل واحد/ (٢٥٣/ أ) من التقديرين ما سبق في القولين المنصوصين. فأما الأقوال المحكية عن الشافعي- رضى الله عنه- في المسألة الواحدة فهو يحتمل وجوها: أحدها: وهو الأكثر أنه قد نص على حكم في كتبه القديمة، وفى كتبه الجديدة نص على حكم آخر، والناس نقلوهما من غير تعرض لبيان القديم والجديد للاطلاع على مأخذيهما لا للإفتاء، فإن الجديد ناسخ للقديم فلا يحل الإفتاء به، اللهم إلا إذا نص على رجحانه على الجديد.

стр. 3359

ولا يخفى على من له أدنى فطانة أن هذا يدل على علو شانه في العلم والورع. أما الأول: فلأن ذلك يدل على أنه كان في طول عمره مشتغلاً بالطلب والبحث والنظر في أدلة الأحكام، وإلا لما عثر على الأكثر على أدلة أقوى من الأدلة الأولى. ولا يحال ذلك إلى اختلاف الاجتهاد مع اتحاد الدليل حتى يقال: إن ذلك يدل على ضعف نظره أولاً؛ لأن صلاحية الدليل الواحد للدلالة على الحكمين المتنافيين في شيء واحد في غاية الندور ولا يجوز إحالة الأكثر إليه، ولو سلم ذلك فذلك أيضا يدل على علو شأنه في العلم إذ يدل على أنه كان [مشتغلاً بالعلم طول عمره، من حيث إنه كان باحثًا عن الأدلة، وعن وجوه دلالتها طول عمره حتى كان يظهر له وجه بعد وجه. وأما الثاني: فلأنه يدل على أنه كان، متبعًا للحق دائرًا معه حيث دار؛ لأنه متى لاح له حقية شيء، بوجه معتبر أقوى من الوجه الأول اتبعه وأظهره، وأنه ما كان يتعصب لنصرة قوله، وترويج مذهبه، بل كان منتهى أمله وطلبه اتباع الحق وإرشاد الخلق إليه. وثانيها: أن يكون قد ذكر القولين في موضع واحد، وفص على الترجيح، كقوله في بعض ما ذكر فيه قولن: أن هذا أصح، أو أولى، أو أشبه، أو أقيس، أو بهذا أقول. أو نته عليه كما إذا فرع على أحد القولين دون الآخر فإن ذلك يدل على أن الذى فرع عليه أقوى عنده، أو كما إذا ذكر أحد القولين أولاً أو ما يشبه ذلك، ثم أن الناقل نقل القولين فقط فلم يذكر ما ذكره من الترجيح، إما لعدم اطلاعه عليه لكونه مذكورًا في آخر كلامه وهو لم ينته إليه، أو وإن كان

стр. 3360

قد انتهى إليه لكن لم يتنبه له للملالة أو غيرها، أو وإن تنبه له لكنه لم يذكره اختصارًا للمصنف ولعل هذا هو السبب الأكثر في هذا الباب. وثالثها: أنه وإن ذكر في المسألة الواحدة قولن في وقت واحد، لكن لم يقل: قولان لي، بل قال: فيها قولان، فلعل القولين لغيره وإنما ذكرهما في كتابه على سبيل الحكاية كما تقدم ذكره ليطلع فيه عليهما وعلى مأخذهما، وإيضاح القول في كل واحد منهما وعليهما. وأيضًا فإنه قد يلوح للإنسان ما ينوى أحد ذينك القولين لكن لا يمكنه القول به لظنه أنه قول حادث، خارق للإجماع، فإذا نقل القولين عرف أن المصير إليه ليس خرقا للإجماع، ثم أن الناقل ذكر القولين ونسبهما إليه- رضى الله عنه- لظنه كذلك فهذا لا يكون عيبا على الإمام الشافعي- رضى الله عنه- بل على الناقل حيث جزم بالنسبة إليه مع احتمال أن لا يكون كذلك. وأيضًا: فإنه يحتمل أن يكون المراد من القولين: الاحتمالين وإنما سماهما قوفي وذكرهما دون ما عماهما من الاحتمالات، لانهما بحيث يمكن القول بهما دون ما عداهما من الاحتمالات فإنه قد يكون ظاهر البطلان. فأما الاحتمالان المذكوران فإنهما قويان، بحيث يمكن نصرة كل واحد منهما بوجوه جلية ظاهرة، ولا يقدر على تمييز الحق منهما عن الباطل إلا البالغ في التحقيق بالنظر الدقيق فلا جرم أفردهما بالذكر، دون سائر الاحتمالات الممكنة في المسالة. فالحاصل أن تسميتها قولين مجاز باعتبار الصلاحية والصيرورة أي أنهما صالحان لان يكونا قولن وأنهما يمكن أن يصيرا قولين وهو أحد أسباب المجاز القوية. ورابعها: أن ينص على القولين من غير أن يرجح أحدهما على الأخر بناء على تساوى أمارتيهما إما في ذهنه أو في الخارج إن جوز ذلك ولم يوجد

стр. 3361

من الإمام الشافعي ﵁ قولان على هذا الوجه أعنى من غير ترجيح منه لأحدهما إلا في سبعة عشر مسالة على ما ينقل ذلك عن الشيخ أبى حامد الإسفراييني - رحمة الله تعالى. وهذا أيضًا يدل على كمال علمه ودينه. أما الأول: فلأن كل من كان أغوص نظرًا، وأدق فكرًا، وأكثر إحاطة بالأصول والفروع، وأتم وقوفا على شرائط الأدلة كانت الإشكالات عنده أكثر. فأما الإصرار على الوجه الواحد طول العمر وعدم التردد بين محتملات المسالة في المسائل الظنية، والمباحثات الغير يقينية فذلك لا يكون إلا من جمود الطبع، وقلة الفطنة، وكلال القريحة، وعدم الاحاطة بشرائط الأدلة والاستدلال، وعدم الوقوف على الأسئلة القادحة، والاعتراضات المنقدحة. وأما الثاني فمن وجهين: أحدهما: أنه لما لم يظهر له في المسألة وجه الرجحان بين محتمليهما لم يستنكف من/ (٢٥٤/ أ) الاعتراف بعدم العلم، ولم يشتغل بالترويج والمداهنة، بل صرح بعجزه عما هو عاجز فيه، ومعلوم أن مثل هذا لا يصدر إلا عن الدين المتين، ولهذا عد المسلمون وأئمة الدين من فضائل عمر- رضي

стр. 3362

الله عنه- ومناقبه ما روى عنه من اعترافه بعدم العلم في كثير من المسائل. وثانيهما: أنه لم يقل ابتداء، إني لا أعرف هذه المسائل حتى لا يحمل ذلك على تقصيره في طلب أدلته ومرجحاته بل بين حكمها لكن تردد بين احتمالين فيها لكونه وجد المسألة واقعة بين الأصلين، دائرة بين الدلالتين القويتين، فبين وجه وقوعها بينهما، وكيفية مشابهتها لهما، وترددها بين تينك الدلالتين القويتين، ثم لما لم يظهر له الرجحان تركها على تلك الحالة ليكون ذلك باعثا له على الفكر بعد ذلك وحثا لغيره من المجتهدين على طلب الترجيح، ولا يخفى أن هذا هو اللائق بالدين المتن، والعقل الرزين. فظهر من هذا أن ترديد القولين أو الأقوال في المسألة ليس عيبًا ولا تقصيرًا في الاجتهاد كما اعتقده بعض المتعصبين بل هو من الفضائل العلية والمناقب السنية كما تقدم تقريره. القاطعين لزم حصول مدلوليهما وهو جمع بين المتنافيين وهو ممتنع.

стр. 3363

واختلفوا في تعادل الأمارتين:- فمنعه الإمام أحمد، والكرخي، وجمع من فقهائنا. وجوزه الباقون من الفقهاء، والمتكلمين. وهؤلاء اختلفوا في حكيمه عند وقوعه على ثلاثة مذاهب:- أحدها: أن حكمه له التخيير، وهو اختبار القاض أبى بكر، وأبى على، وأبى هاشم. وثانيها: أن حكمه التساقط، ويجب الرجوع في ذلك إلى غيرهما، وهو البراعة الاصلية، وهو مذهب أكثر الفقهاء منهم.

стр. 3364

القسم الثاني في التراجيح وفيه فصول:

стр. 3365

الفصل الأول في مقدمات التراجيح وفيه مسائل:
следующие страницы →