Полный текст (3 770 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.
стр. 3361
من الإمام الشافعي ﵁ قولان على هذا الوجه أعنى من غير ترجيح منه لأحدهما إلا في سبعة عشر مسالة على ما ينقل ذلك عن الشيخ أبى حامد الإسفراييني - رحمة الله تعالى.
وهذا أيضًا يدل على كمال علمه ودينه.
أما الأول: فلأن كل من كان أغوص نظرًا، وأدق فكرًا، وأكثر إحاطة بالأصول والفروع، وأتم وقوفا على شرائط الأدلة كانت الإشكالات عنده أكثر.
فأما الإصرار على الوجه الواحد طول العمر وعدم التردد بين محتملات المسالة في المسائل الظنية، والمباحثات الغير يقينية فذلك لا يكون إلا من جمود الطبع، وقلة الفطنة، وكلال القريحة، وعدم الاحاطة بشرائط الأدلة والاستدلال، وعدم الوقوف على الأسئلة القادحة، والاعتراضات المنقدحة.
وأما الثاني فمن وجهين:
أحدهما: أنه لما لم يظهر له في المسألة وجه الرجحان بين محتمليهما لم يستنكف من/ (٢٥٤/ أ) الاعتراف بعدم العلم، ولم يشتغل بالترويج والمداهنة، بل صرح بعجزه عما هو عاجز فيه، ومعلوم أن مثل هذا لا يصدر إلا عن الدين المتين، ولهذا عد المسلمون وأئمة الدين من فضائل عمر- رضي
стр. 3362
الله عنه- ومناقبه ما روى عنه من اعترافه بعدم العلم في كثير من المسائل. وثانيهما: أنه لم يقل ابتداء، إني لا أعرف هذه المسائل حتى لا يحمل ذلك على تقصيره في طلب أدلته ومرجحاته بل بين حكمها لكن تردد بين احتمالين فيها لكونه وجد المسألة واقعة بين الأصلين، دائرة بين الدلالتين القويتين، فبين وجه وقوعها بينهما، وكيفية مشابهتها لهما، وترددها بين تينك الدلالتين القويتين، ثم لما لم يظهر له الرجحان تركها على تلك الحالة ليكون ذلك باعثا له على الفكر بعد ذلك وحثا لغيره من المجتهدين على طلب الترجيح، ولا يخفى أن هذا هو اللائق بالدين المتن، والعقل الرزين.
فظهر من هذا أن ترديد القولين أو الأقوال في المسألة ليس عيبًا ولا تقصيرًا في الاجتهاد كما اعتقده بعض المتعصبين بل هو من الفضائل العلية والمناقب السنية كما تقدم تقريره.
القاطعين لزم حصول مدلوليهما وهو جمع بين المتنافيين وهو ممتنع.
стр. 3363
واختلفوا في تعادل الأمارتين:- فمنعه الإمام أحمد، والكرخي، وجمع من فقهائنا.
وجوزه الباقون من الفقهاء، والمتكلمين.
وهؤلاء اختلفوا في حكيمه عند وقوعه على ثلاثة مذاهب:-
أحدها: أن حكمه له التخيير، وهو اختبار القاض أبى بكر، وأبى على، وأبى هاشم.
وثانيها: أن حكمه التساقط، ويجب الرجوع في ذلك إلى غيرهما، وهو البراعة الاصلية، وهو مذهب أكثر الفقهاء منهم.
стр. 3364
القسم الثاني
في التراجيح
وفيه فصول:
стр. 3365
الفصل الأول
في مقدمات التراجيح
وفيه مسائل:
стр. 3366
المسالة الأولى: في حد الترجيح
قال الإمام: هو عبارة عن تقوية أحد الطريقين على الآخر ليعلم الأقوى فيعمل به ويطرح الآخر.
قال. وإنما قلنا: "طريقين، لأنه لا يصح الترجيح بين الأمرين إلا بعد تكامل كونهما طريقين، لأنه لو انفرد كل واحد منهما، فإنه لا يصح ترجيح الطريق على ما ليس بطريق".
وهذا فيه نظر من وجهين:
أحدهما: أنه جعل الترجيح عبارة عن التقوية التي هي مستندة إلى الشارع أو المجتهد حقيقة، أو إلى ما به الترجيح مجازًا، وهو وإن كان موافقًا
стр. 3367
وملائمًا لمعنى الترجيح من جهة اللغة، لكنه غير ملائم له بحسب الاصطلاح، فإنه في الاصطلاح: عبارة عن نفس ما به الترجيح، فلا يجوز أن يجعل عبارة عن التقوية.
وثانيهما: أنه قال: [ليعلم الأقوى، وهو ليس بشرط، بل المشترط أحد الأمرين، وهو إما العلم أو الظن، فكان من حقه أن يقول]، ليعلم الأقوى أو يظن، فإن ظن القوة كاف فيه كما في أصل الدلالة.
وقال بعضهم: هو عبارة عن اقتران أحد الصالحين للدلالة على المطلوب مع تعارضهما بما يوجب العمل به وإهمال الآخر.
وهذا وإن كان ما يرد عليه الإشكالان المتقدمان، لكن يرد عليه، وهو: أنه لا يعرف كون ذلك المقترن موجبا للعمل إلا إذا عرف مرجحًا، فإن بتقدير أن لا يكون مرجحا لا يجوز العمل به، فلو عرف الترجيح به لزم الدور. وأيضًا جعل عبارة عن الاقتران، وهو ليس كذلك.
وقيل: هو عبارة عن زيادة وضوح يرجع إلى مآخذ أحد الدليلين بما لا يستقل دليلاً.
وهذا أيضًا فيه نظر؛ لأن زيادة الوضوح ليس نفس الترجيح بل هو مستفاد من دلالته، فلا يجوز أن يجعل عبارة عنه.
стр. 3368
وأيضًا يخرج عنه الترجيح بكثرة الأدلة على رأينا.
والأولى في ذلك أن يقال: هو عبارة عمها يحصل به تقوية أحد الطريقين المتعارضين على الآخر فيظن أو يعلم الأقوى فيعمل به.
وهذا يتناول الترجيح بالأدلة المستقلة وغيرها.
وإنما جعلناه عبارة عما يحصل به التقوية [لا نفس التقوية]، لئلا يرد الأشكال المذكور.
وإنما قلنا: طريقين لأنه، لا يصح الترجيح بين الأمرين إلا بعد تكامل كونهما طريقين، فإنه لو أنفرد كل واحد منهما فإنه لا يصح ترجيح للطريق على ما ليس بطريق.
وإنما قلنا: المتعارضين، لأن الترجيح إنما يتطرق إلى الدليل عند التعارض لا عند عدمه.
وقولنا: فيظن أو يعلم بيان لأثر التقوية فإنه إذا لم يحصل شيء منهما لم تحصل التقوية.
وإنما قلنا: أحدهما ليندفع الإشكال المذكور.
المسألة الثانية
ذهب الأكثرون إلى وجوب العمل بالراجح سواء كان الترجيح معلومًا أو مظنونًا .
стр. 3369
وقال بعضهم كالقاضي أبى بكر- رحمه الله تعالى- لا يجوز العمل بالترجيح المظنون.
قال القاضي: أنا أقبل الترجيح المقطوع به وألازمه وأتابعه، فأما المظنون فأرده وأخالفه، لأن الأصل المقرر أن لا يجوز إتباع شيء من الظنون، لأنه عرضة الأغاليط والخطأ إلا أنا نعتبر الظنون المستقلة بأنفسها لانعقاد إجماع الصحابة- رضى الله عنهم- عليها، إذ لنا في الأولين أسوة حسنة، وهم اعتبروا الظنون المستقلة، فما وراء الإجماع بقى على الأصل، والترجيح عمل يظن لا يستقل بنفسه دليلاً، وانعقاد الإجماع على ما يستقل ليس انعقادًا على ما لا يستقل، فإذا لم يكن مجمعًا عليه لا يجوز اعتباره واتباعه.
وأيضًا: فإن كل مجتهد مصيب على ما سيأتي تقديره فلا يتحقق الترجيح فيه بخلاف المقطوع به فإن الحق فيه واحد/ (٢٥٥/ أ) فما كان أقرب إلى المقصود كان أحق بتحقيق الترجيح فيه.
وجوابه: أن الإجماع منعقد عل! وجوب العمل بالظن [الذى لا يستقل كما انعقد على وجوب العمل بالظن] المستقل كما سيأتي تقريره.
стр. 3370
احتج الجماهير بوجوه:
أحدها: إجماع الصحابة- رضى الله عنهم- عليه فإنهم قدموا خبر عائشة في التقاء الختانين وعلى خبر أبى هريرة في قوله: (الماء من الماء).
وقدموا خبر من روت من أزواجه: "أنه كان يصبح جنبًا" على ما رواه أبو هريرة " أن من أصبح جنبًا فلا صوم له".
وقوى أبو بكر- رضى الله عنه- خبر المغيرة في ميراث الجدة بموافقة محمد بن مسلمة. وقوى عمو- رضى الله عنه- خبر أبي موسى في الاستئذان، بموافقة أبى سعيد الخدري.
وقوى على -رضى الله عنه- خبر أبى بكر حيث لم يحلفه ويحلف غيره. وهذه الصور الثلاثة وإن كان ليس فيها تعارض لكن المقصود أنهم عملوا بالظن الذى لا يستقل كما عملوا بالظن المستقل.
وأما ما احتج به في هذا المقام: بانهم ما كانوا يعدلون إلى الآراء والأقيسة إلا بعد البحث عن النصوص واليأس منها.
وكذلك الاحتجاج بحديث معاذ- ﵁.
ووجه الاستدلال به أنه- رضى الله عنه- قدم بعض الأدلة على البعض، وقرره النبي ﵇ على ذلك، وذلك يدل على وجوب العمل بالراجح، فليس بحجة على صورة النزاع، لأنه لا نزاع في ترتيب الأدلة فإن الكتاب مقدم على السنة. وهى مقدمة على القياس كما نطق به صريح الحديث، وهذا القسم هو المسمى بالترجيح المقطوع به، ولا نزل فيه كما تقدم
стр. 3371
ذكره، وإنما النزاع في الترجيح المظنون، وهو الترجيح بالأوصاف والأحوال، وبكثرة الأدلة على رأى، وما ذكر من الاحتجاج المقدم ذكره فليس منه في شيء ألبتة.
وثانيها: أن الدليلين إذا تعارضا لم يرجح أحدهما على الآخر فالعقلاء يوجبون العمل بالراجح، ولا يجوزون العدول عنه حتى لو عدل عنه أحد سفهوا رأيه، واستقبحوا تصرفه، فوجب أن يكون في الشرع كذلك لقوله ﵇: " ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن!، ولأن الأصل تطابق الشرع والعرف فإن التغيير خلاف الأصل.
وثالثها: لو لم يعمل بالراجح فقط، فإما أن يعمل بالمرجوح فقط، وهو باطل، لأنه يلزم منه ترجيح المرجوح على الراجح وهو ممتنع في بدائه العقول، أو يعمل بهما وهو أيضًا باطل [لأنه يلزم الجمع بين الضدين، أو لا يعمل بواحد منها وهو أيضا باطل] لأنه يلزم منه تعطيل الدليلين وهو على خلاف الأصل.
واحتج الخصم بأمرين:-
أحدهما: التمسك بعمومات القياس نحو قوله تعالى: ﴿فاعتبروا﴾. وقول محاذ (أجتهد رأى)، وقوله ﵇ "اقض بالظاهر".
ووجه التمسك بها ظاهر.
стр. 3372
وجوابه: أنه استدلال وقياس في مقابلة الإجماع والدلائل الجلية فلا يقبل.
سلمناه لكن خرج عن زيادة الظن الذى حصل من القياس الجلي، ومن القياس الذى نص على عليته، وزيادة الظنون التي حصلت من كون اللفظ حقيقة وظاهرًا في معنى، فكذا ما نحن فيه بجامع زيادة الظن.
وثانيهما: أن الترجيح لو اعتبر في الأمارات لاعتبر في البينات في الأقضية والحكومات، بجامع ترجيح الأظهر على الظاهر، لكن اللازم باطل بالاتفاق فالملزوم مثله.
وجوابه: بعض ما سبق، ويخصه منع بطلان اللازم، وهذا لأن الترجيح في البينات معتبر أيضًا عند بعض القائلين بالترجيح المظنون كمالك- رضى الله عنه، والشافعي- رضى الله عنه. على قول له. سلمناه لكن لا يلزم من عدم اعتبار الأظهرية في البينات عدم اعتباره في الأمارات، لأن اعتباره في البينات يفضي إلى بقاء النزل لا إلى غاية وأمد، فإنه إذا أتام أحدهما شاهدين فربما يقيم الأخر ثلاثة شهود، ثم يرجع الأول يقيم شاهدين آخرين حتى يصير شهوده أربع وهلم جرا، فلم يحصل فصل الخصومة، والحاكم إنما نصب لفصل الخصومة، فلما كان اعتباره في البينات مناقضا ومنافيا لما لأجله نصب الحكام وشرع الشهود لا جرم لم يعتبر بخلاف الأمارات، فإنه لا يلزم منه هذا المحذور فلا جرم اعتبر عملاً بالمقتضى، وهو زيادة الظن وزوال المانع.
стр. 3373
المسألة الثالثة
لا يتطرق الترجيح إلى الأدلة القطعية لوجوه*:
أحدهما: أن لا الترجيح على ما ذكرناه إنما يتطرق إلى الدليل بعد التعارض، ولا تعارض بين القاطعين ولا ترجيح.
ولقائل أن يقول: التعارض بين القاطعين حاصل في الأذهان فإنه قد يتعارض عند الإنسان دليلان قاطعان/ (٢٥٦/ أ) بحيث يعجز عن القدح في أحدهما، وأن كلان يعلم أن أحدهما في نفس الأمر باطل قطعًا، وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يتطرق الترجيح إليها بناء على هذا التعارض كما في الإمارات، فإنه ليس من شرط تطرق الترجيح إلى الأمارات أن تكون متعادلة في نفس الأمر بل لا يتصور جريان الترجيح في المتعادلين في نفس الأمر وإلا لم تكن متعادلة؟
وثانيها: أن الترجيح عبارة عق التقوية، والعلم اليقيني لا يقبل التقوية، لأنه إن كلان بحيث يحتمل النقيض ولو على احتمال بعيد جدًا كان ظنًا لا علمًا لأن كان بحيث لا يحتمله البتة لم يقبل التقوية.
وثالثها: أن شرط الدليل القطعي أن يكون مركبا من مقدمات ضرورية، أو لازمة عنها لزومًا ضروريًا، إما بواسطة واحدة، أو بوسائط، شأن كل واحد منها ذلك، وعلى التقديرين يلزم أن لا يقبل احتمال النقيض فلا يقبل التقوية.
стр. 3374
بيانه: أن هذا لا يتأتى إلا عند اجتماع علوم أربعة:
أحدها: العلم الضروري بحقية المقدمات إما ابتداء، أو استنادًا.
وثانيها: العلم الضروري بصحة تركيبها.
وثالثها: العلم الضروري بلزوم النتيجة عنها.
رابعها: العلم الضروري بأن اللازم عن الضروري بطريق ضروري ضروري.
ولا شك أن هذه العلوم الأربعة لا تحصل في دليلي النقيضين معًا، وإلا لحصل النقيضان، فلا يقبلا التقوية الترجيح.
ولقائل أن يقول: هب أن حصول هذه العلوم الاربعة في دليلي النقيضين محال، لكن قد يحصل في الذهن اعتقاد حصول هذه العلوم الاربعة في دليلي النقيضين وذلك حيث يعجز الإنسان في القدح في مقدمات الدليل، وفى صحة تركيبها وفى لزوم النتيجة [عنها مع علمه]، بأن اللازم عن الضروري بطريق ضروري ضروري فلم لا يجوز بطريق الترجيح إلى الدليل بناء على هذا الاعتقاد.
стр. 3375
المسألة الرابعة
المشهور أن العقليات لا يتطرق الترجيح إليها .
وهذا على الإطلاق غير صحيح، فإن من العقليات ما هو ظني، وما هو تقليدي كاعتقادات العوام فإن اكتفى منهم بذلك تطرق إليها الترجيح كما في تقليد الفتوى وإلا فلا، وكذا القول فيما هو ظنى.
نعم القطعيات منها لا تقبل الترجيح [لكنه ليس مخصوصا به بل القطعيات الشرعيات أيضا لا تقبل الترجيح]، كما سبق.
المسالة الخامسة
ذهب الشافعي ومالك- ﵄ إلى أنه يجوز الترجيح بكثرة الأدلة، خلافًا للحنفية .
ومن جملة صور المسألة ترجيح الخبر بكثرة الرواة.
стр. 3376
لنا وجوه:
أحدها: أن الظن الحاصل يقول الأكثر أقوى، والأقوى يتعين العمل به، فيكون العمل الأكثر متعينًا ولا نعنى بقولنا: يرجح الخبر بكثرة الرواة سوى هذا.
بيان الأول بوجوه:
أحدها: ما روى عنه ﵇ أنه لم يعمل بخبر ذي اليدين حتى أخبره بذلك غيره، وما ذاك إلا لأنه غلب على ظنه ﵇ صدق المجموع.
وثانيها: إجماع الصحابة على ذلك:
رد أبو بكر- رضى الله عنه- خبر المغيرة في توريث الجدة حتى شهد له محمد بن مسلمة فحينئذ قبله.
ورد عمر- رضى الله عنه- خبر أبى موسى في الاستئذان حتى شهد له أبو سعيد الخدري، ولولا إن لكثرة الرواة أثرًا في قوة الظن، وإلا لما كان كذلك ثم أنه لم ينكر عليهما أحد فكان إجماعًا.
وفى هذا الاستدلال نظر من جهة أنه غير وارد على محل النزاع، فإن محل النزل هو: أن يفيد قول الواحد ظنا معتبرًا في وجوب العمل به، ثم يرجح عليه الخبر الأخر لكثرة رواته، وما ذكرتم من الصورتين فلا نسلم
стр. 3377
أنه أفاد قول الواحد ظنا معتبرًا في وجوب العمل، وهذا لأنه لو أفاد لما جاز لهم توقيف الأمر على شهادة الآخر، بل إنما توقف النبي- ﵇ وأبو بكر وعمر، لأن قول الواحد ما أفاد لهم الظن المعتبر في وجوب العمل به لأجل التهمة فلما شهد الأخر بذلك زالت التهمة، وبهذا أجيب عنه عن احتجاج من احتج بهذا على إجماع الصحابة على رد خبر الواحد، وحينئذ يكون الاستدلال به غير وارد على محل النزاع.
وثالثها: أن الرواة إذا كثروا جدًا حصل بقولهم العلم، فالعدد الذى هو أقرب إلى تلك الكثرة كثر افادة للظن وإلا لما حصل اليقين بالانتهاء إلى تلك الكثرة، ضرورة عدم حصول ما بعد تلك المرتبة من الظن وإن لكل عدد من إعداد تلك الكثرة [قدر من الظن إلى أن ينتهى إلى العلم بتلك الكثرة].
ورابعها: أن قول الواحد يفيد قدرًا من الظن، فإذا انضم إليه الأخر فإن حصلت زيادة بسببه فقد حصل الغرض، وإن لم يحصل لزم أن يكون الشيء/ (٢٥٧/ أ) مع غيره كهو لا مع غيره، ولزم أيضا اجتماع المؤثرين المستقلين على الاثر الواحد، ولزم أيضا جواز أن لا يحصل بانضمام الثالث والرابع زيادة على ذلك، وحينئذ يلزم عدم إفادة عدد التواتر لليقين واللوازم ممتعة فالملزوم مثله.
وخامسها: أن احتراز العدد عن تعمد الكذب أكثر من احتراز الواحد منه، وكذا بعده عن الغلط والسهو والنسيان كثر من بعد الواحد عنهما، وحينئذ يلزم أن يكون الظن الحاصل بقوله أقوى من الظن الحاصل بقول الواحد.
وسادسها: أن احتراز العاقل عن كذب يعرف اطلاع غيره عليه أكثر من احترازه عن كذب لا يشعر به غيره.
وسابعها: إذا تعارض دليلان فلابد وأن يكونا متساويين في القوة في ذهن
стр. 3378
من عنده التعارض وإلا لما كانا متعارضين فإذا وجد دليل آخر يساوى أحدهما في القوة موافق له فمجموعهما لابد وأن يكون زائدًا على ذلك الآخر في القوة، لأن مجموعهما أعظم من كل واحد منهما، وكل واحد منهما مساوي لذلك الآخر، والأعظم من المساوي أعظم.
فثبت بهذه الوجوه أن الظن الحاصل بقوله أكثر أقوى.
وإنما قلنا: إنه يتعين العمل بالأقوى، لأنا أجمعنا على وجوب العمل بالأقوى الذى حصل من الأدلة المختلفة المراتب كالكتاب، والسنة، والقياس، وعلى وجوب العمل بالأقوى الذى حصل من الدليل الذى ترجيحه بالقوة، وبحسب وصف يعود إليه، وإنما كان ذلك واجبا لزيادة القوة والظن في أحد الجانبين، وهذا المعنى حاصل في الترجيح بكثرة الأدلة فيتعين وجوب العمل به.
وما يقال: من الفرق بين الترجيح بكثرة الأدلة وبين الترجيح بالقوة والوصف الذى يعود إليه وهو أن الزيادة حصلت مع المزيد عليه في محل واحد بخلاف الترجيح بكثرة الأدلة فإنه ما حصلت الزيادة مع المزيد عليه في محل واحد فضعيف جدًا، لأنه غير مناسب ولا مؤثر فإنا نعلم بالضرورة أنه لا أثر لذلك والفرق يجب أن يكون كذلك.
وثانيها: أن مخالفة الدليل خلاف الأصل، فكان تكثيرها أكثر مخالفة للأصل فإذا وجد دليلان في أحد الجانبين، وفى الجانب الأخر دليل واحد كانت مخالفة الدليلين أكثر مخالفة للأصل من مخالفة الدليل الواحد فكان أكثر محذورًا منه، فلو لم يحصل الترجيح بكثرة الدليل لجاز ترك الدليلين وحينئذ يلزم وقوع ذلك القدر الزائد من المحذور من غير صبب ولا معارض وأنه ممتنع.
стр. 3379
وثالثها: إذا حصل التعارض بين دليل ودليلين فالعقلاء يوجبون الأخذ بموجب الدليلين حتى أن من عدل عنهما وأخذ بموجب الدليل الواحد سفهوا رأيه واستقبحوا تصرفه، ألا ترى أن الإنسان إذا قصد السفر إلى جانب فاخبره عدلان بان الطريق مخوف، وأخبره عدل بانه آمن فإنه إذا سلكه وأصابه مخافة سفه العقلاء رأيه وذموه ولم يعذروه، بخلاف ما إذا كان الأمر على العكس، فإنه إذا سلكه ولحقه مكروه لم يسفه رأيه وأعذره كل واحد، وإذا كان كذلك في العرف وجب أن يكون في الشرع كذلك لما سبق من الحديث والوجه المعقول.
واحتج الخصم بأمور:
أحدها: الخبر، وهو قوله ﵇: "نحن نحكم الظاهر" فالحديث - بإيمائه- يلغى زيادة الظهور من حيث أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بعليته، ترك العمل به في الترجيح بقوة الدليل، لأن هناك الزيادة مع المزيد عليه حاصلان في محل واحد، والقوى حال اجتماعها تكون أقوى منها حال تفرقها، بخلاف الترجيح بكثرة الدليل فإن هناك الزيادة في محل والمزيد عليه في محل آخر فلا يحصل كمال القوة لعدم الاجتماع في محل واحد. وجوابه: أنه إنما ترك العمل به في الترجيح بالقوة لما فيه من غلبة الظن وزيادته على ما يقابله فوجب أن يكون الأمر كذلك في الترجيح بكثرة الأدلة.
قوله: الترجيح بالقوة يحصل الزيادة مع المزيد عليه في [محل واحد فيحصل بسبب الاجتماع قوة.
قلنا. نحن نعلم أنه وإن كان] محل الزيادة مغايرًا لمحل الأصل لكن المجموع يؤثر في تقوية الظن الذى هو المطلوب من قوة الدليل كما أن الزيادة
стр. 3380
مع المزيد عليه في محل واحد مؤثر/ (٢٥٨/ أ) في تقوية الظن المطلوب منه، فإنه إذا أخبونا عدل عن واقعة حصل لنا ظن، [فإذا أخبرنا عدل آخر صار ذلك الظن أقوى]، مما كان، ولا تزال القوة تزداد بزيادة المخبرين حتى تنتهى إلى العلم كما في صورة الترجيح بالقوة فلا فرق بينهما من حيث أنهما يفيدان الظن القوى الذى هو المطلوب من قوة الدليل، والفرق بينهما من غير هذا الوجه لا يضر لأنه فرق في غير محل الجمع.
وثانيها: القياس، وهو أنا أجمعنا على أنه لا يحصل الترجيح بالكثرة في الشهادات والفتوى فكذا هاهنا، والجامع دفع الضرر الناشئ من اعتبار الأظهرية على الظهور.
وجوابه: منع الحكم فيها، أما في الشهادة فقد عرفت الخلاف فيهما، وأما في الفتوى، فلأن كثيرًا منهم جوز ترجيح الفتوى بالكثرة أيضًا.
ولو سلم الحكم فيهما فالفرق بينه وبن الشهادة ما تقدم، والفرق بينه وبن الفتوى أنه يعسر على العامي الترجيح فحط عنه بابه، وأن كان منه ما هو سهل، ولهذا يجوز للعامي أن يقلد المفضول ويعمل بقوله، وليس للمجتهد أن يعمل بالدليل المرجوح، والافتراق في الحكم دليل على الافتراق في الحكمة.
وثالثها. أنا أجمعنا على أن خبو الواحد مقدم على الأقيسة الكثيرة، وذلك يدل على أن الترجيح لا يحصل بكثرة الأدلة.
وجوابه: منع الحكم إن كانت أصول تلك الأقيسة متعددة، وإن كان أصل تلك الأقيسة شيئا واحدًا فالخبر مقدم عليها، لكن في الحقيقة يلزم تقدمه على
стр. 3381
القياس الواحد، لأن تلك الأقيسة حينئذ لا تختلف، إذ لا يجوز تعليل الحكما لواحد بعتلتين مختلفتين.
المسألة السادسة
إذا تعارض دليلان فإن لم يمكن العمل بكل واحد منهما بوجه دون وجه صير إلى الترجيح .
وإن أمكن العمل بكل واحد منهما من وجه دون وجه صير إليه، لأنه أولى من العمل بأحدهما دون الثاني، إذ فيه إعمال الدليلين والإعمال أولى من الإهمال، ولأنا إذا عملنا بكل واحد منها بوجه دون وجه فقد تركنا في كل واحد منهما الدلالة التبعية، لأن دلالة اللفظ على بعض مفهومه تابعة لدلالته على كل مفهومه.
وإذا عملنا بأحدهما وتركنا الأخر بالكلية فقد تركنا الدلالة الأصلية لأن دلالة اللفظ على كل مفهومه دلالة أصلية؛ ومعلوم أن ترك الدلالة التبعية وإن كانت متعددة أولى من ترك الدلالة الأصلية، فظهر أن العمل بكل [واحد]، منهما بوجه دون وجه أولى من العمل بأحدهما وترك الآخر بالكلية.
стр. 3382
ثم نقول: العمل بكل واحد منهما بوجه دون وجه يكون على ثلاثة أنول. أحدهما: الاشتراك والتوزيع- إن كان ذلك الشيء قبل التعارض يقبل ذلك كما في تعارض البينتين على قول القسمة، وكما في اثنين تداعيًا دارًا بيدهما فإنه يقسم بينهما نصفين، لأن يد كل واحد منهما دليل ظاهر على ملكه لها، فإذا تعارضا وأمكن التوزيع والاشتراك قسم بينهما نصفين.
وثانيها: أن يقتضى كل واحد منهما أحكاما فيعمل بكل واحد منهما في بعض الأحكام كما في قياس الجناية على الرقيق على الجناية على الحيوانات وسائر الأموال بجامع كونه مالا من حيث إنه يباع ويشرى، وتتعلق به الأغراض المالية، وكقياس الجناية عليه على الجناية على الحر بجامع كونه آدميًا حرًا مكلفا، وبالمشابهة في الصورة، فمقتضى قياس الأول أن يكون الواجب في إتلاف نفسه قيمته بالغة ما بلغت كما في الأموال الغير المثلية، وفى الجناية على أطرافه أرش ما نقص بالغة ما بلغت، ومقتضى القياس الثاني أن يكون الواجب في إتلاف نفسه الدية وإن زادت على قيمته كما في الحر لكن ينقض منه شيء يسير نحو عشرة دراهم لكوته أنقض حالا منه حتى لا يلزم المساواة كما يقول أبو حنيفة- رضى الله عنه- وفى الجناية على أطرافه ما هو الواجب على أطراف الحر وإن زادت على مجموع قيمته فاعمل الشافعي- رضى الله عنه- القياس الأول في الجناية على النفس دون الأطراف فقال: يجب في إتلافه قيمته بالغة ما بلغت لان زادت على دية الحر، وأعمل القياس الثاني في/ (٢٥٩/ أ) الجناية على الأطراف دون النفس فقال: جراح العبد في قيمته كجراح الحر في ديته، وإلا كان الواجب في الأطراف على مقتضى القياس الأول أرش ما نقص سواء زاد على دية الحر أو نقص عنها، فاعمل كل واحد
стр. 3383
من القياسين في حكم دون الذين يقتضيهما، فهذا ما حضرني من مثال هذا النوع.
وثالثها: العامان إذا تعارضا: يعمل بكل واحد منهما في بعض الصور دون البعض كقوله- ﵇: "ألا أنبئكم بخير الشهداء قيل: نعم يا رسول الله، قال: أن يشهد الرجل قبل أن يستشهد، وقوله ﵇ في حديث آخر: [ثم]، يفشوا الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد
стр. 3384
فيعمل بالأول في حقوق الله تعالى، وبالثاني في حقوق العباد.
ومثاله من العموم البدلية قوله تعالى: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس﴾ والمراد منه الأخ والأخت من الأم.
وقوله تعالى: ﴿إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد﴾ والمراد الأخ والأخت من الأب والأم.
المسألة السابعة
إذا تعارض نصان فإما أن يكونا عامين، أو خاصين.
أو أحدهما عامًا والآخر خاصًا .
أو كل واحد منهما عام من وجه وخاص من وجه آخر، فهذه أربعة أنواع:
النوع الأول
وهو أن يكونا عامين.
فإما أن يكونا معلومين.
أو مظنونين.
أو أحدهما معلومًا والآخر مظنونًا، فهذه أصناف ثلاثة.
الأول: أن يكون معلومين:
فإما أن يكون التاريخ معلومًا.
стр. 3385
أو لا يكون معلومًا.
فإن كان الأول، فأما أن يكون أحدهما متقدما والآخر متأخرًا أو كانا متقارنين.
فإن كان الأول: فإما أن يكون حكم المتقدم قابلاً للنسخ.
أو لم يكن.
فإن كان الأول كان المتأخر ناسخا للمتقدم سواء كانا آيتين، أو خبرين، أو أحدهما آية والآخر خبرًا عند من يجوز النسخ عند اختلاف الجنس، فأما من لا يجوز ذلك فيمتنع عنده النسخ في هذا القسم الأخير.
وإن كان الثاني وهو أن يكون حكم المتقدم غير قابل للنسخ فيتساقطان، ويجب الرجوع إلى غيرهما.
وإن كانا متقارنين، وكان الحكم قابلا للنسخ فحكمه التخيير إن أمكن فإنه إذا تعذر الجمع، والترجيح إذ المعلوم لا يقبل الترجيح لا بحسب الإسناد ولا بحسب الحكم نحو أن يكون الحكم حظرًا، أو مثبتًا أو شرعيًا، لأنه يقتضى طرح المعلوم بالكلية تعين القول به هذا كله إذا كان التاريخ معلومًا.
فأما إذا لم يكن معلومًا فإن كان الحكم قابلا للنسخ فها هنا يجب الرجوع إلى غيرهما، لأنه يجوز في كل واحد منهما أن يكون هو المتأخر فيكون ناسخًا لحكم الآخر، وأن يكون هو المتقدم فيكون منسوخًا بالآخر فلم يجز تقديم أحدهما على الآخر فيجب الرجوع إلى غيرهما.
وإن لم يكن الحكم قابلاً للنسخ كان الحكم فيه كما إذا علم تقدم أحدهما على الآخر وهو الحكم في المتقارنين أن أمكن.
الصنف الثاني: وهو أن يكونا مظنونين.
стр. 3386
فإن علم تقدم أحدهما على الآخر وكان الحكم قابلاً للنسخ نسخ المتأخر المتقدم.
وإن لم لكن الحكم قابلاً للنسخ وجب الرجوع إلى الترجيح.
وإن لم يعلم ذلك سواء علمت المقارنة أو لم تعلم المقارنة أيضًا وجب الرجوع إلى الترجيح فيعمل بالأقوى.
وإن تساويا كان حكمه ما تقدم في تعادل الأمارتين.
هذا كله إذا كان الحكم قابلاً للنسخ، فأما إذا لم يكن قابلاً للنسخ تعين الترجيح بكل حال.
الصنف الثالث: أن يكون أحدهما معلوما، والأخر مظنونًا.
فإما أن يعلم تقدم أحدهما على الاخر، أو لم يعلم.
فإن علم وكان المظنون متقدما كان المعلوم المتأخر ناسخا للمتقدم.
وإن كان المعلوم متقدمًا لم ينسخه المظنون المتأخر لاستحالة نبخ المعلوم بالمظنون فيعمل بالمعلوم تقديما للمعلوم على المظنون.
وإن لم يعلم تقدم أحدهما على الأخر وجب العمل بالمعلوم سواء علمت المقارنة أو لم تعلم وسنده ظاهر.
стр. 3387
النوع الثاني
أن يكونا خاصين:
فإما أن يكونا معلومي، أو مظنونين أو أحدهما معلوما والأخر مظنونًا والحكم في هذه الأصناف الثلاثة ما تقدم في الأصناف الثلاثة من/ (٢٦٠/ أ) النوع الأول.
النوع الثالث
أن يكون أحدهما عامًا، والآخر خاصًا نحو قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ مع قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾ فإما أن يكونا معلومين، أو مظنونين أو أحدهما معلومًا والآخر مظنونًا فهذه أيضًا أصناف ثلاثة:
أحدها: أن يكونا معلومين فأما أن يعلم تقدم أحدهما على الأخر أو لم يعلم فإن كان الأول فإن علم تقدم العام وتأخر الخاص فإن ورد قبل حضور وقت العمل بالعام كان الخاص المتأخر مخصصًا للعام المتقدم.
وإن ورد بعد حضور وقته كان ناسخا لحكم العام في ذلك الفرد الذى تناوله الخاص، إذ لا يجوز تأخير بيان التخصيص [إلى بعد حضور وقت العمل بالعام وفاقا، وأما من لا يجوز تأخير بيان التخصيص]، عن وقت الخطاب
стр. 3388
فعنده في الصورتين يكون الخاص ناسخًا لحكم العام في ذلك الفرد، وعلى هذا جرى كلام الإمام في المحصول، لأنه حكم على الإطلاق من غير ما ذكرنا من التفصيل أن الخاص يكون ناسخًا لحكم العام.
وإن علم تقدم الخاص وتأخر العام عنه فعندنا يبني العام على الخاص، وعند الحنفية ينسخه.
وإن كان. الثاني وأن لا يعلم تقدم أحدهما على الأخر، فإما أن يعلم تقارنهما أو لا يعلم ذلك، فإن كان الأول خص العام بالخاص وفاقًا أما عندنا فظاهر، وأما عندهم فلانتفاء شرط النسخ وهو التأخر.
وإن كان الثاني فعندنا يبنى العام على الخاص وعندهم يتوقف فيه ولا يخفى تعليله وقد سبق ذكره أيضًا.
وثانيها: أن يكونا مظنونين فالحكم فيه كما إذا كانا معلومين من غير تفاوت البتة.
وثالثها: أن يكون أحدهما معلومًا، والأخر مظنونًا.
قال الإمام: فهاهنا قد اتفقوا على تقديم المعلوم على المظنون، إلا إذا كان المعلوم عامًا، والمظنون خاصًا ووردا معًا، وذلك مثل تخصيص الكتاب والخبر المتواتر بخبر الواحد والقياس، وقد ذكرنا أقوال الناس فيها في باب العموم. وهو غير مرضى من حيث إنه أشعر كلامه أن ما ذكره من الحكم
стр. 3389
مختص بما إذا كان ورودهما معا لكنه ليس كذلك وبيانه من وجهن:
أحدهما: لو تأخر الخاص المظنون عن العام المعلوم وكان قيل حضور وقت العمل بالعام المعلوم كان أيضًا مخصصًا وكان اختلاف الناس فيه كما في المتقارنين، نعم يستقيم ذلك على مذهب المعتزلة على ما تقدم ذكره. وثانيهما: لو تقدم الخاص المظنون على العام المعلوم فإنه يبنى العام عليه عندنا، وهو تقديم الخاص المظنون على العام المعلوم مع إنهما لم يردا معًا وعند هذا عرفت أن الحكم في هذا الصنف تقديم المعلوم على المظنون إلا في هذه الصور الثلاثة: الصورة التي ذكرها الإمام رحمه الله تعالى والصورتين اللتين ذكرناهما.
وعند الحنفية تستثنى الصورتان الصورة التي ذكرها الإمام والتي ذكرناها أولاً دون الثالثة، لأن العام المتأخر عنده ينسخ الخاص المتقدم فهو تقديم للعام.
النوع الرابع
أن يكون كل واحد منهما عاما من وجه خاصا من وجه كقوله تعالى:
﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ مع قوله تعالى: ﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾ فإن الآية الأولى خاصة في الأختين عامة في الجمع في ملك النكاح وفى ملك اليمن، والثانية عامة في الأختين وغيرهما خاصة في ملك اليمن.
وكقوله ﵇: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها".
стр. 3390
نهيه ﵇ عن الصلاة في الأوقات المكروهة، فإن الحديث خاص في صلاة القضاء، عام في الأوقات، والثاني عام في الصلاة، خاص في الأوقات.
فأما أن يكونا معلومين أو مظنونين، أو يكون أحدهما معلوما والآخر مظنونًا، فهذه أصناف ثلاثة:
أحدها: أن يكونا معلومين فإن علم تقدم أحدهما على الآخر كان المتأخر ناسخًا للمتقدم عند من يقول: إن العام المتأخر ينسخ الخاص المتقدم بل
стр. 3391
ها هنا أولى، لأنه لم يتلخص خصوص الأول.
وأما عند من لا يقول به فاللائق بمذهبه أن لا يقول بالنسخ في هذا الصنف كما في الأول من جهة الخصوص وفى الثاني من جهة العموم، ولا بالتخصيص، لأنه/ (٢٦١/ أ) لم يتمحض خصوص المتأخر حتى يخرج من المتقدم ما دخل تحت المتأخر، بل اللائق بمذهبه أن يذهب إلى الترجيح وإن لم يعلم ذلك سواء علم التفاوت أو لم يعلم ذلك أيضًا فاللائق بالمذهبين أن يصار إلى الترجيح لكن لا بقوة الإسناد لأنهما معلومان بل يكون أحدهما حظرًا والأخر إباحة، أو يكون أحدهما مثبتًا والأخر منفيًا، أو شرعيًا والآخر عقليًا، لأن الحكم بذلك طريقة الاجتهاد وليس في ترجيح أحدهما على الأخر إطراح الآخر بخلاف ما إذا كانا معلومين وكانا عامين أو خاصين فإنه لا يجوز الترجيح بذلك على ما تقدم ذكره لأن فيه اطراح الأخر بالكلية وحيث لا يوجد المرجح فالحكم ما سبق في التعادل.
وثانيها: أن يكونا مظنونين فإما أن يعلم تقدم أحدهما على الأخر أو لم يعلم سواء، علم التفاوت أو جهل ذلك أيضًا، والحكم في كل هذه الأقسام مثل ما تقدم إلا في الترجيح بقوة الإسناد فإنه جار ها هنا لكونهما مظنونين فإن لم يحصل الترجيح فالحكم ما سبق.
وثالثها: أن يكون أحدهما معلوما والآخر مظنونًا فإن علم تقدم المعلوم على المظنون عمل بالمعلوم لكونه معلومًا، وإن علم تأخره عنه عمل به أيضًا لكن لكونه ناسخًا وهذا على رأى من رأى نسخ الخاص بالعام، وأما على رأينا فالعمل بالمعلوم لكونه معلوما فإن النسخ متعذر على رأينا كما في الأول من جهة الخصوص وفى الثاني من جهة العموم، وإن لم يعلم ذلك سواء علم التفاوت أو جهل ذلك أيضًا فالحكم بالمعلوم لكونه معلومًا، وحيث قدم المعلوم على المظنون لكونه معلومًا لا لكونه ناسخًا فإن ترجح المظنون عليه بما يتضمنه الحكم من إثبات حكم شرعي أو غير فقد يحصل التعارض وحيث حصل
стр. 3392
التعارض فالحكم ما قدمنا.
وفى هذا نظر من حيث إن الترجيح بكون الحكم حظرًا، أو نفيًا، أو شرعيًا من باب ترجيح المظنون وترجيح المعلوم على المظنون من باب ترجيح المقطوع كما في ترتيب الأدلة فكيف يعارضه؟
стр. 3393
الفصل الثاني
في تراجيح الأخبار
стр. 3394
الفصل الثاني
في تراجيح الأخبار
وفيه مسائل:
المسألة الأولى
في ترجيح الخبر بكيفية السند وهو بأنواع:
النوع الأول
الترجيح بكثرة الرواة، وعلو الإسناد، وورع الراوي وهو من وجوه:
أولهما: الترجيح بكثرة الرواة، وقد تقدم بيانه.
وثانيها: بعلو الإسناد، فإنه متى قلت الوسائط كان احتمال الكذب والخطأ والغلط والسهو والنسيان أقل، فيكون ظن صدقه أكثر فيكون أرجح، لأنه لا نعنى بكون الدليل أرجح إلا أن إفادته للظن أكثر فهو من هذا الوجه وإن كان أرجح، لكنه مرجوح من وجه آخر وهو عزة وجوده، فإن كان بحيث لا يعز وجود مثله فيكون راجحًا من غير معارضة عزة الوجود.
وثالثها: بكون راوي أحد الخبرين عدلاً، والآخر مستورًا، وهذا على رأي من يقبل رواية المستور دون من لا يقبلها.
стр. 3395
ورابعاً: بكون راوي أحد الخبرين ظهرت عدالته بالاختبار، والأخر بالتزكية فإنه ليس الخبر كالعيان.
وخامسها: بكون عدالة راوي أحد الخبرين عرفت باختبار الصحبة الطويلة، والآخر بالصحبة القصيرة.
وسادسها: بكون عدالته ظهرت بتزكية جمع عظيم، والآخر بجمع قليل.
وسابعها: بكونه مشهورًا بالعدالة والثقة دون الأخر.
فإن عرفت عدالة راوي أحد الخبرين بالشهرة، والأخر بالاختبار فهو في محل النظر من حيث إن الظن الحاصل من الاختبار قد يكون أقوى من الاشتهار.
وثامنها: بكون عدالة راوي أحد الخبرين ظهرت بتزكية من كان أكثر بحثًا عن أحوال الناس، أو بتزكية الرجل الأعلم الأورع، وعدالة راوي الخبر الأخر ظهرت بتزكية من ليس كذلك.
وتاسعها: بكون عدالته عرفت بالتزكية مع ذكر أسباب العدالة دون الأخر.
وعاشرها: بكون راوية غير مبتدع، وهذا فيه نظر، لأن بدعته إذا كان بذهابه إلى أن الكذب كفر أو كبيرة كان ظن صدقه أكثر.
وحادي عشرها: تزكية الراوي بالعمل بما رواه راجحه على تزكيته بالرواية عنه أن جعلت الرواية عنه تزكية له، ومن هذا يعرف أنه إذا عمل أحد الروايين بما روى والأخر خالف ما روى كان ما روى الأول راجحًا (٢٦٢/ أ)
стр. 3396
على ما روى الثاني.
وثاني عشرها: تزكية العدل ذي المنصب العلى راجحه على تزكية من ليس كذلك لأن منصبه يمنعه من الكذب كما يمنعه دينه.
تنبيهان
أحدهما: أعلم أن واحدًا مما ذكرناه من التراجيح لو حصل في مرتبة من مراتب الرواية أعنى الابتداء والواسطة والدوام كان ذلك الخبر راجحًا على ما لم يحصل فيه ذلك المرجح".
وثانيهما: أنه قد يقع التعارض بين هذه المرجحات كما بين كثرة الرواة مثلاً وبين قوة عدالة الراوي وشهوتها، فرب عدل أقوى في النفس من عدلين فينبغي أن يعتمد المجتهد في ذلك على ما يغلب على ظنه، وكذلك إذا ظهرت عدالة راوي بتزكية جمع قليل لكن بخبرة باطنه، وعدالة الأخر بتزكية جمع كثير لكن لا في مثل تلك الخبرة الباطنة، فإن الأول ربما يغلب على ظن صدقه فليحكم المجتهد فيه وأمثاله ظنه.
النوع الثاني
الترجيح الحاصل بعلم الراوي وهو من وجوه:
أحدها: أن يكون أحد الراوين عالماً، سواء كان عالما بالفقه أو بالأصول، والآخر ليس بعالم، فرواية العالم راجحة سواء كانت الرواية باللفظ
стр. 3397
أو بالمعنى خلافاً لقوم في الأول.
لنا: أن العالم يميز بين ما يجوز وبين ما لا يجوز، فإذا سمع كلامًا لا يجوز إجراؤه على ظاهره بحث عنه وسأل عن مقدمته، وسبب نزوله، فحينئذ يطلع على الأمر الذى يزول به الإشكال، بخلاف من هو جاهل فإنه لا ينتبه لمحل الإشكال، ولا يبحث عنه، ولا يسأل عن مقدمته ولا عن سبب نزوله فينقل القدر الذى سمعه فربما كان ذلك القدر وحده سبب للضلال.
وثانيها: الأعلم إذا روى كانت روايته راجحة على رواية العالم، كما في الأورع بالنسبة إلى الورع.
وسببه: زيادة الثقة بخبوه وغلبة الظن بنفي خطئه وغلطه.
وثالثها: رواية العالم بالعربية أولى من رواية من هو جاهل بها، لافي العالم بها [يتمكن من التحفظ]، عن مواقع الزلل والخطأ، دون غير العالم بها فكان الوثوق بروايته أكثر.
ويحتمل أن يقال: هي مرجوحة، لأن الواقف على اللسان يعتمد على معرفته، ولا يبالغ في الحفظ اعتمادًا على خاطره، بخلاف الجاهل باللسان فإنه يكون خائفا من الذهول عنه والخطأ فيه فيبالغ في الحفظ.
فعلى الأول رواية الأعلم بها راجحة على رواية العالم بها كما مضى في الفقه.
وعلى الثاني روايته مرجوحة بالنسبة إلى رواية العالم بها على قياس رواية الجاهل بها.
стр. 3398
ورابعها: أن يكون أحد الراويين صاحب الواقعة فيما يرويه، فيكون خبره راجحًا على خبره من ليس كذلك.
وبهذا رجحت الصحابة- رضى الله عنهم- خبر عائشة- رضى الله عنها- في التقاء الختانين على خبر أبى هريرة: (الماء من الماء).
ورجح الشافعي- رضى الله عنه- خبر أبى رافع، على خبر
стр. 3399
ابن عباس في تزويج ميمونة أنه ﵇ نكحها وهو محرم، لأن أبا رافع كان السفير في ذلك فكان أعرف بالقصة.
وخامسها: أن يكون أحد الراويين أقرب إلى النبي- ﵇ حالة سماعه الخبر الذى يرويه من الآخر فروايته راجحة على رواية الأخر مطلقًا، وهو كرواية ابن عمر إفراد النبي- ﵇ بالحج، وكرواية الآخر القران، إذ روى أنه، رضى الله عنه- كان تحت ناقته- ﵇ وأنه سمع احرامه بالإفراد.
وسادسها: أحد الراويين مخالطته للمحدثين أكثر، فروايته راجحة على
стр. 3400
رواية من ليس كذلك وكميته ظاهرة.
وسابعها: أن يكون أحد الراوين حالة روايته عالما بروايته عن شيخه غير معتمد في ذلك على نسخة سماعه، والآخر معتمد على نسخة سماعه فرواية الأول أولى.
وثامنها: أن يكون طويق أحد الراويين أقوى، وذلك بأن يروى ما يقل فيه اللبس كما إذا روى أنه شاهد زيدًا ببغداد وقت الظهر، والآخر روى أنه شاهده وقت السحو بالبصرة، فرواية الأول أولى لقلة الاشتباه واللبس فيه بخلاف رواية الثاني.
تنبيه
اعلم أنه قد يقع التعارض بين التراجيح الحاصلة من هذا النوع، وبين التراجيح الحاصلة من النوع الأول/ (٢٦٣/ أ) فلا يجب القطع برجحان النوع الأول على الثاني بناء على أن الورع في هذا الباب أكثر اعتبارًا من العلم، بدليل أن فاقده لا تقبل روايته، وفاقد العلم إذا كان ورعا تقبل روايته، لأن الظنون قد تختلف إذ ذاك فينبغي أن يعتمد المجتهد في ذلك غلبة ظنه لا غير.
النوع الثالث
الترجيح الحاصل بسبب الحفظ والذكاء والضبط، والمعنى منه شدة تحفظه لما حفظ وهو من وجوه:-
أحدهما: رواية الحافظ [راجحة على رواية من ليس بحافظ.
следующие страницы →