Полный текст (3 770 стр.). Показаны 3746–3770 · переход к 3751.
стр. 3746
وأما المعقول فهو: أنه تعالى غني كريم، والعبد محتاج فقير، وإذا وقع التعارض بين هذين الجانبين كان التحامل على جانب الكريم أولى منه على جانب الفقير المحتاج.
واعلم أن هذا المذهب يرجع حاصله إلى أن الأصل في الملاذ: الإذن، وفي الآلام: الحرمة.
ولقائل أن يقول: أما هذا الأصل فقد تقدم الكلام فيه، وأما ما يخص ما ذكره في هذا المقام فهو: أن التحامل على جانب الغني الكريم إنما يكون أولى أن لو لم يكن في التحامل على المحتاج الفقير مصلحة له في معاده أو في ميزانه فأما بتقدير ذلك فلا نسلم ما ذكرتم؛ وهذا لأنه لا بدع في التزام الأثقل لمصلحة تربو على مشقة الالتزام بل ذلك أولى في نظر العقلاء فكان المصير إليه أولى.
واحتج عليه أيضًا: بأن الأخذ بالأخف أخذ بالأقل وقد ثبت وجوبه فكان الأخذ بالأخف واجبًا.
وجوابه: منع المقدمة الأولى؛ وهذا لأنه ليس من شرط الأخف أن يكون جزءًا من الأثقل حتى يكون الأخذ به أخذًا بالأقل بل قد لا يكون جزءًا منه وحينئذ لا يكون الأخذ به أخذًا بالأقل [لأن الأخذ بالأقل] إنما يجب إذا كان جزءًا من الأثقل كما تقدم في المثال المذكور، فأما إذا لم يكن كذلك فلا وحينئذ لا يكون الأخذ بالأخف أخذًا بالأقل على الإطلاق.
واحتج من قال: إن الأخذ بأثقل القولين واجب بقوله ﵇ "الحق ثقيل مري والباطل خفيف وبي" ولأن الأثقل أكثر ثوابًا فكان المصير إليه واجبًا لقوله تعالى ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ لأنه حينئذ يكون من جملة الخيرات.
стр. 3747
وهو أيضًا ضعيف؛ لأن النص على تقدير صحته يدل على أن الحق ثقيل وذلك لا يقتضي أن كل حق ثقيل.
سلمناه لكن لا يقتضي ذلك أن كل ثقيل حق وكذا الكلام في القضية الأخرى وهي قوله الباطل/ (٣٥١/ أ) خفيف.
أما قوله ثانيًا: ولأن الأثقل أكثر ثوابًا بالنسبة إلى الأخف مطلقًا ممنوع؛ وهذا لأن الأخف الواجب عندنا أكثر ثوابًا من الأثقل الغير واجب فلم قلتم أنه ليس كذلك؟
وحينئذ لا يتم لكم هذه المقدمة [إلا إذا بينتم أن الأثقل واجب فيتأتى وجوبه لكونه أثقل.
سلمنا صحة هذه المقدمة مطلقًا] لكن النص إنما يدل على وجوب الاستباق إلى الخيرات لا إلى الأخير والأثقل والأخف كلاهما يشتركان في الخيرية، فلو دلت الآية على الوجوب لدلت على وجوبهما لا على وجوب الأثقل فلم يحصل منه المطلوب. واعلم أن من جملة الطرق: طريقة الاحتياط.
قال قوم: يجب الأخذ به؛ لقوله ﵇ "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" واعلم أنها ليست طريقة بحالها بل هي إما طريقة الأخذ بأقل ما قيل، أو طريقة الأخذ بأكثر ما قيل، وتقدم الكلام فيهما فلا حاجة إلى الإعادة.
стр. 3748
النوع العشرون
الكلام في الاستدلال ، وبيان أنواعه.
وفيه مسائل:-
المسألة الأولى
في معنى الاستدلال .
وهو في اللغة: عبارة عن طلب دلالة الدليل؛ لأنه استفعال منه فهو كالاستنطاق الذي هو طلب النطق.
وأما الدليل فقد عرفته في صدر الكتاب.
وأما في اصطلاح الفقهاء فإنه يطلق تارة بمعنى ذكر الدليل سواء كان الدليل نصًا أو إجماعًا أو غيرهما، وتارة يطلق على نوع خاص من أنواع الأدلة وهذا هو المطلوب بيانه ها هنا، وهو عبارة عن دليل لا يكون نصًا ولا إجماعًا ولا قياسًا، وإنما عرفناه بسلب غيره من الأدلة عنه دون العكس، لأنه تقدم معرفة تلك الأدلة عند ذكر الاستدلال فيكون ذلك تعريفًا للأخفى بالأعرف بخلاف العكس فإنه لم يتقدم ذكر الاستدلال عند ذكر تلك الأدلة فيكون ذلك تعريفًا بالمجهول ونظائره في التعريفات كثيرة.
стр. 3749
إذا عرفت ذلك فاعرف أنه على أنواع فلنذكر ما تيسر منها في مسائل:
المسألة الثانية
فيما يتعلق بالسبب والشرط والمانع .
وطريق إيراده أن يقال: وجد السبب فوجب أن يوجد الحكم وإلا لزم تخلف المسبب عنه وهو خلاف الأصل.
لا يقال: وجود السبب وحده غير كافٍ في ذلك بل لا بد من التعرض لوجود الشرط وانتفاء المانع فإنه إذا وجد بحيث وجد معه المانع، أو انعدم معه شرط فإنه لا يجب أن يوجد الحكم معه؛ لأنا نقول: من لا يجوز تخصيص العلة فالسؤال عنده ساقط، ومن يجوز ذلك فله أن يقول: توقيف السبب على وجود الشرط أو انتفاء المانع خلاف الأصل لاستلزام ذلك توقف ذلك على وجود غيره فإن التأثير أو التعريف صفة للشيء فلو توقف ذلك على وجود الشيء الآخر الذي هو الشرط لزم ما ذكرنا وإنه خلاف الأصل، ولاستلزام ذلك التعارض وهو خلاف الأصل، وإذا كان ذلك خلاف الأصل فلا يشترط ذكره فإن عدم التوقف ثابت بالأصل، ولأن الأصل عدم التوقف ضرورة أن الأصل في الأشياء العدم، وإذا كان كذلك فلا يتعرض لذلك اكتفاء بالأصل إلى أن يبين الخصم خلافه بإجماع أو نص فحينئذ يجب التعرض لذلك هذا في جانب الوجود.
فأما في جانب العدم فيقال فيه: انتفى السبب فينتفي الحكم، أو انتفى شرط من شرائطه فينتفي الحكم وذلك بعد أن يثبت اشتراطه بطريقه، أو وجد المانع منه فينتفي الحكم عملًا بالمانع.
لا يقال: هذا ليس بدليل لأنه استدلال بعدم الدليل وهو عدم السبب فلا
стр. 3750
يكون ذلك دليلًا لأن عدم الدليل لا يكون دليلًا، لأنا نمنع ذلك لأن المعنى من الدليل ما لو جدد النظر إليه لزمه الحكم بالمطلوب إما قطعًا، أو ظاهرًا، سواء كان عدميًا أو وجوديًا، وما ذكرنا كذلك فوجب أن يكون دليلًا، ثم من المعلوم أنه ليس نصًا وقياسًا فكان استدلالًا.
لا يقال: لا نسلم أن كل ما ذكرتم ليس بقياس؛ وهذا لأن الاستدلال بوجود السبب على وجود المسبب يتوقف على كونه سببًا له وهو إنما يثبت بالمناسبة أو بترتيب الحكم على الوصف فيكون آيلًا إلى القياس؛ لأنا نقول: إن منعنا القياس في الأسباب فالأمر ظاهر، وإن لم نمنع ذلك على ما هو رأي أصحابنا فلا شك أن إثبات السببية ليس منحصرًا فيه بل يمكن إثباته بنص يدل عليه أو إجماع والثابت بالنص والإجماع لا يكون نصًا وإجماعًا.
سلمناه لكن الثابت بالقياس لا يكون قياسًا كما في النص.
стр. 3751
المسألة الثالثة
في الاستدلال بعدم ما يدل على الحكم على عدم الحكم .
وتقريره: إن الحكم الشرعي لابد له من دليل؛ لأنه لو كان ثابتًا من غير دليل فإما أن نكون مكلفين به أو لا نكون، وهذا الثاني باطل لأنه لا معنى للحكم الشرعي إلا خطاب متعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير فثبوته بدون الاقتضاء أو التخيير باطل وإذا بطل، هذا القسم تعين الثاني، وهو أيضًا باطل؛ لأن التكليف بالشيء من غير الشعور به ومن غير طريق يفضي إلى الشعور به تكليف ما لا يطاق فثبت أنه لو كان ثابتًا لكان عليه دليل، والدليل إما النص، أو الإجماع، أو القياس.
والدليل عليه وجوه:
أحدها: حديث معاذ، فإنه يدل على انحصار مدارك الأحكام في الثلاثة، زدنا فيه الإجماع لدليل منفصل فيبقى الباقي على الأصل.
وثانيها: التمسك بالأصل، وتقريره ظاهر، ترك العمل به في الأدلة الثلاثة فوجب أن يبقى فيما عدا هذه الثلاثة على الأصل.
وثالثها: أنه لو حصل شيء من الأدلة غير هذه الثلاثة لكن ذلك من الأمور العظام؛ لأن ما يجب الرجوع إليه في أحكام الشرع نفيًا وإثباتًا في الوقائع الحادثة لا شك أنه من الأمور العظام/ (٣٥٢/ أ) فلو كان ذلك حاصلًا لوجب نقله واشتهاره، ولو كان كذلك لعرفناه بعد البحث والطلب؛
стр. 3752
فلما لم نجد شيئًا آخر سوى هذه الأدلة الثلاثة علمنا أنه لم يوجد وحينئذ يلزم انحصار الأدلة في الثلاثة.
ورابعها: لو حصل نوع آخر من الأدلة فإما أن يكون من المدارك القطعية الضرورية المنقولة بالتواتر على شرائطه وهو باطل وإلا لحصل العلم به لكل أحد وارتفع الخلاف فلم يكن مختلفًا فيه، وإما أن يكون من المدارك الظنية وهو أيضًا باطل؛ لأن أدلة الكتاب والسنة تنفي جواز التمسك بالظنيات ترك العمل به في بعض الظنيات كأخبار الآحاد والقياس.
وعند هذا نقول: شيء من هذه الأدلة الثلاثة غير موجود.
أما النص فلوجوه.
أحدها: أن الأصل عدمه والأصل في كل ما كان على حاله أن يستمر على تلك الحالة فالأصل بقاء النص على العدم.
وثانيها: أنه لو وجد في المسألة نص لعرفه المجتهدون ظاهرًا، ولو عرفوه لما حكموا على خلافه ظاهرًا، فحيث حكموا بخلافه علمنا أنه لم يوجد.
وثالثها: أنا اجتهدنا في الطلب فما وجدنا. وهذا القدر عذر في حق المجتهد بالإجماع فوجب أن يكون عذرًا في حق المناظر؛ لأنه لا معنى للمناظرة إلا بيان ما لأجله قال بالحكم.
وأما الإجماع: فهو أيضًا غير حاصل.
أما أولًا: فبالإجماع.
وأما ثانيًا: فلأن المسألة خلافية ولا إجماع مع الخلاف.
وأما ثالثًا: فبالأصل.
وأما القياس: فمنفي أيضًا.
стр. 3753
أما أولًا: فلأنا لم نجد بعد البحث والطلب الشديد أصلًا يقاس عليه إلا الأصل الفلاني لكن الفارق الفلاني موجود ومعه لا يصح القياس، وعدم الوجدان بعد البحث التام والطلب الشديد عذر في حق المجتهد فكذا في حق المناظر لكونه تلوه فيكون معذورًا في عدم وجدان أصل آخر.
وأما ثانيًا: فلأن استصحاب العدم الأصلي يقتضي عدم غيره من الأصول، فثبت بهذا أن شيئًا من هذه الأدلة الثلاثة غير موجود فوجب أن لا يكون الحكم ثابتًا لما ثبت من الملازمة بين الحكم ودليله.
والسؤال عليه من وجوه.
أحدها: من جهة الاستدراك، وتقريره: أن كل مقدمة لا يمكن تمشية الدليل إلا بها، فلو كانت تلك المقدمة مستقلة بالإنتاج كان التمسك بها في أول الأمر أولى.
وقد علم أن كل ما ذكرتم من الدلالة لا يتم إلا إذا ثبت أن عدم الوجدان بعد البحث التام والفحص العام يدل على عدم الوجود، وأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، والأشياء كانت على العدم في الأزل، فوجب استمراره عليه إلى أن يدل دليل على خلافه، ومعلوم أنه لو صحت هاتان المقدمتان لكانتا مستقلتين بإنتاج المطلوب، فإنه يقال في أول المسألة: الحكم الشرعي لابد فيه من دليل، لما سبق، ولم يوجد الدليل؛ لأن عدم وجدانه بعد البحث التام والطلب الشديد يدل على عدم وجوده.
أو يقال: الحكم لابد له من دليل لما سبق ولم يوجد الدليل لأن الدلائل بأسرها كانت معدومة في الأزل والأصل بقاء ما كان على ما كان، فوجب بقاؤها على العدم ترك العمل به في الأدلة التي وجدناها فوجب فيما عداها
стр. 3754
على الأصل، ويلزم من ذلك ظن عدم الحكم والعمل بالظن واجب. فتقرير هذه الأدلة على هذا الوجه [أولى؛ لأنه أقل مقدمات، وأشد تلخيصًا من التقدير على الوجه] الأول، وهذا لا جواب عنه إلا أن يقال: التعرض لنفي وجدان كل واحد من أنواع الأدلة بعد الطلب الشديد والبحث التام بعد بيان حصرها يغلب ظن النفي بخلاف ما إذا نفي على سبيل الإجمال كما ذكر في الطريقة الثانية لأن النفي على سبيل التفصيل آكد من النفي على سبيل الإجمال قياسًا على الإثبات فإن الإثبات على سبيل التفصيل آكد من الإثبات على سبيل الإجمال بدليل عدم تطرق الاستثناء والتخصيص إلى الأول دون الثاني.
السؤال الثاني من جهة القدح في عدم دلالة الدليل المذكور، وتقريره أن نقول: إن أحد الأمرين لازم وهو إما أن لا يكون الدليل المذكور دليلًا بالكلية أو عدم انحصار الأدلة الثلاثة، وعلى التقديرين يلزم القدح في دلالة الدليل المذكور.
أما إذا كان الواقع الأمر الأول فالأمر ظاهر. فإنه إذا لم يكن ما ذكروه دليلًا لم يكن له دلالة.
أما إذا كان الواقع الأمر الثاني فكذلك لأن دلالته متوقفة على صحة مقدماته ومن جملة مقدماته انحصار الأدلة في الثلاثة المذكورة وإذا بطل ذلك فقد بطلت مقدمة من مقدماته، وحينئذ يلزم بطلان دلالة الدليل.
وإنما قلنا: إن أحد الأمرين لازم لأن ما ذكرتم من الدليل إما أن يكون دليلًا أو لا يكون، فإن كان الأول فقد بطل الحصر ضرورة أنه غير الثلاثة المذكورة وإن كان الثاني لزم أن لا يكون الدليل المذكور دليلًا أصلًا ورأسًا فثبت بهذه الدلالة أن لا يكون الدليل المذكور دليلًا على المطلوب.
стр. 3755
لا يقال: المدعي انحصار أدلة الحكم الشرعي في الثلاثة وما ذكرنا فإنه دليل على عدم الصحة مثلًا وأنه ليس حكمًا شرعيًا بدليل ثبوته قبل الشرع فلا يلزم ما ذكرتم، وأيضًا فإنه لا يلزم من كون ما ذكرنا دليلًا بطلان الحصر؛ وهذا لأن ما ذكرناه تمسك بالإجماع لأن الإجماع منعقد على أنه متى لم يوجد شيء من هذه الأشياء وجب نفي الحكم فيكون ذلك تمسكًا بالإجماع في الحقيقة؛ لأنا نقول: يلزم من عدم الصحة البطلان ضرورة انتفاء القول بالوقف فيكون الدليل المذكور دليلًا على البطلان بواسطة دلالته على عدم الصحة، فيكون دليلًا على الحكم الشرعي فيعود المحذور المذكور.
والجواب عن قوله: إنه تمسك بالإجماع في الحقيقة.
قلنا: لا نسلم وهذا لأن دليل عدم الصحة إنما هو عدم الأدلة الثلاثة المذكورة وهو ليس بإجماع بل الإجماع يدل على أن عدم الأدلة الثلاثة يدل على عدم الحكم والإجماع دليل الدليل لا نفس الدليل فلزم بطلان الحصر.
وجوابه: أن المدعى حصر أدلة الحكم المغير عن مقتضى الأصل، وما ذكرته من عدم الصحة فهو مقرر فلم يكن عدم الانحصار في صورة المقرر قادحًا في الانحصار في صورة المغير إذا عرفت هذا فالأولى أن يقال في تحرير هذه الأدلة: الأصل بقاء ما كان على ما كان/ (٣٥٣/ أ) إلا لدلالة شرعية مغيرة، ولا يتغير سوى هذه الثلاثة [ولو يوجد شيء منها فوجب بقاء ما كان على ما كان وعلى] هذا التحرير لا يرد ما ذكر من السؤال فكان أولى.
السؤال الثالث: لو كان عدم دليل الوجود دليلًا على العدم لكان عدم دليل العدم دليلًا على الوجود؛ لأن نسبة دليل الثبوت إلى الثبوت كنسبة
стр. 3756
دليل العدم إلى العدم فإن لزم من عدم دليل الثبوت عدم الثبوت لزم من عدم دليل العدم عدم العدم وإلا لزم الترجيح مع تساوي النسبتين وهو ترجيح من غير مرجح وهو ممتنع وعدم العدم وجود فيكون عدم دليل العدم دليلًا على الوجود لكن ذلك باطل لوجهين.
أحدهما: أنه لو كان عدم دليل العدم دليلًا على الوجود لبطل حصر أدلة الوجود في الثلاثة ضرورة أنه دليل الوجود حينئذ، وأنه ليس بنص وإجماع وقياس.
وثانيهما: أنه إذا كان عدم دليل العدم دليلًا على الوجود لم يلزم انتفاء الوجود إلا بيان ما ذكرتم من الأدلة الثلاثة وعدم دليل العدم وانتفاء عدم دليل العدم وجود دليل العدم فإذن لا يلزم انتفاء الوجود إلا ببيان وجود دليل العدم وإذا ذكرت وجود دليل العدم استغنيت عما ذكرت من الدلالة.
وجوابه: منع الملازمة وهذا لأن الاستدلال بعدم المثبت على العدم أولى من الاستدلال بعدم النافي على الوجود، وإذا كان كذلك لم يلزم من ثبوت الأول ثبوت الثاني.
وبيان ذلك بوجوه.
أحدها: أن الاستدلال بعدم النافي على الوجود يستلزم إثبات ما لا نهاية له وهو ممتنع، وأما الاستدلال بعدم المثبت فإنه يستلزم إعدام لا نهاية لها وأنه ممكن.
وثانيها: أنا نستدل لعدم ظهور المعجزة على يد مدعي النبوة على عدم ثبوته ولا يمكن أن يستدل بعدم دليل عدم ثبوته على ثبوته.
وثالثها: أنه يصح أن يقال لم يأذن لي في التصرف فأكون ممنوعًا، ولا يصح أن يقال: ما نهاني عن التصرف فأكون مأذونًا في التصرف.
стр. 3757
ورابعها: أن دليل كل شيء على حسب ما يليق به فدليل العدم العدم، ودليل الوجود الوجود، ولا يليق أن يجعل دليل الوجود عدم دليل العدم.
سلمنا تساوي الدلالتين لكن الأصل يعضد عدم دليل الوجود فيكون راجحًا من هذا الوجه.
هذا إن جوز الترجيح بكثرة الأدلة وأما من لم يجوز ذلك فيقول: إذا تساويا تساقطًا وحينئذ يجب الرجوع إلى مقتضى الأصل وهو بقاء ما كان على ما كان.
سلمنا أنه لا ترجيح من هذا الوجه أيضًا لكن الشيء قد لا يعتبر لإفضائه إلى مضادة القاعدة المعلومة واعتبار الاستدلال بعدم دليل العدم على الوجود مفض إلى ذلك لأن المستدل يحتاج في تقريره إلى نفي دليل العدم كما هو في جانب نفي دليل الوجود فيتمسك على ذلك بالأصل فنقول: الواقع عدم دليل العدم بالأصل لأن الأصل عدم دليل العدم فيكون الأصل دالًا على وجود الحكم بهذا الطريق مع أن القاعدة المتقررة أنه دليل عدم دليل العدم.
السؤال الرابع: أنه اقتصر في نفي النص على عدم الوجدان فهذا إن صح وجب الاكتفاء به في نفي القياس؛ لأنه بعينه آت فيه، وإن لم يصح لم يجز التعويل عليه في نفي النص، والخصم كما يعتقد قياسًا معينًا دليلًا فقد يعتقد نصًا معينًا دليلًا.
وجوابه: أنه سؤال غير متعلق بالعلوم والحقائق بل متعلق بالوضع والاصطلاح فلا يليق الخوض في أمثاله في المباحث المتعلقة بالعلوم.
سلمناه لكن إنما لم يتعرض ليقدح النص لأن ذلك يطول بسبب ذكر أحوال الرواة والطعن فيها، بخلاف الفرق فإنه يكفي فيه أبدًا المعنى المناسب فكانت
стр. 3758
الكلفة فيه أقل.
السؤال الخامس: لم قلت: إن وجود الفارق بينهما ينفي صحة القياس؟ وإنما ينفيه أن لو لم يجز تعليل الحكم الواحد بعلتين مختلفتين وهو ممنوع.
وجوابه: أن ذلك غير جائز على ما تقدم تقريره في مسألة أن الحكم الواحد لا يجوز أن يكون معللًا بعلتين مستنبطتين.
السؤال السادس: أنه مقلوب أبدًا فإنه كما نفى صحة بيع الغائب مثلًا بأن يقول المستدل: لو صح البيع لكان عليه دليلًا لكن لا دليل عليه لما تقدم فوجب أن لا يصح، فيقول الخصم: لو لم يصح البيع لحرم على المشتري أخذ المبيع من البائع، ولحرم على البائع أخذ الثمن من المشتري وكل واحد منهما حكم شرعي فلابد وأن يكون عليه دليل ولا دليل عليه لما تقدم فوجب أن لا يثبت.
وجوابه: منع أنه مقلوب أبدًا؛ وهذا لأنه إنما يلزم ذلك حيث يكون الأصل مشتركًا بين الدعوتين كما في المثال الذي ذكرتم فأما حيث لا يكون كذلك فلا ومن المعلوم أنه لا يجب أن يكون الأصل مشتركًا بين كل دعوتين على أنا نقول: إنه لا يمكنه نفي النص والإجماع والقياس بما ذكره من المثال وأمثاله فإن الإجماع منعقد على تحريم أخذ المبيع من البائع على تقدير عدم صحة البيع فلم تتم المعارضة.
стр. 3759
المسألة الرابعة
من جملة طرق الاستدلال والاستقراء .
وهو ينقسم إلى تام وناقص.
فأما التام فهو: إثبات الحكم في جزئي لثبوته في الكل وهذا هو القياس المنطقي المفيد للقطع والجزم وهو حجة من غير خلاف.
أما الناقص فهو: إثبات الحكم في كلي لثبوته في أكثر جزئياته، وهذا هو المسمى في اصطلاح المشرعين: إلحاق الفرد بالأعم والأغلب، ويختلف الظن في ذلك باختلاف كثرة الجزئيات وقلتها، فكلما كانت الجزئيات أكثر كان الظن أغلب، وهذا النوع اختلف فيه، والأظهر: أنه يفيد الظن الغالب فوجب أن يكون حجة لما تقدم من الدلالة الدالة على أن العمل بالظن واجب مثاله: قول أصحابنا في الوتر: أنه ليس بواجب؛ لأنه يؤدى على الراحلة إجماعًا، ولا شيء من الواجب يؤدى على الراحلة.
ودليله الاستقراء، وهو أنا رأينا القضاء والأداء من الظهر إلى العصر وغيرهما من الصلوات الواجبة لا تؤدى على الراحلة فحكمنا على كل واجب بأنه لا يؤدى على الراحلة فلو كان الوتر/ (٣٥٤/ أ) واجبًا لما صار أداؤها على الراحلة ولما جاز أداؤها على الراحلة إجماعًا علمنا أنه ليس بواجب.
стр. 3760
وهو غير مفيد للقطع؛ لأنه يحتمل أن يكون حكم ذلك الجزء بخلاف حكم سائر الجزئيات المستقرات، ولا يلزم ثبوت ذلك الحكم فيه، ولذلك لا يمتنع عقلًا أن يكون حكم بعض الأنواع مخالفًا للنوع الآخر وإن كانا مندرجين تحت قياس واحد.
فإن قلت: القياس التمثيلي حجة عند جميع القائلين بالقياس في الحكم الشرعي وأنه أقل مرتبة من الاستقراء لأنه حكم على جزئي لثبوته على جزئي آخر، بخلاف الاستقراء فإنه حكم على الكلي لثبوته في أكثر الجزئيات وحاصله راجع إلى الحكم على جزئي بثبوته في أكثر الجزئيات لأنه لا يصير حكمًا على الكلي ما لم يثبت في جميع جزئياته وهو بإلحاق الجزئي لم يستقر حكمه بالجزئيات التي استقرت أحكامها، وإذا كان كذلك كان الاستقراء أولى بالحجة من القياس التمثيلي.
قلت: لكن يشترط في إلحاق الجزئي بالجزئي الآخر أن يكون بالجامع الذي هو علة الحكم، ليس الأمر كذلك في الاستقراء بل هو حكم على الكلي بمجرد ثبوته في أكثر جزئياته ولا يمتنع عقلًا أن يكون بعض الأنواع مخالفًا للنوع الآخر في الحكم وإن كانا مندرجين تحت جنس واحد كما تقدم.
المسألة الخامسة
في الاستدلال على عدم الحكم وهو من وجوه:
أحدها: أن الحكم كان معدومًا في الأزل، وهذا على رأي القائلين بحدوث الحكم ظاهر.
стр. 3761
وأما على رأي القائلين بالقدم فصعب اللهم إلا أن يراد من الحكم غير ما تقدم في أول الكتاب نحو أن يقال: المراد منه تعلق الخطاب بفعل المكلف فإن التعلق حادث فيستقيم على رأي من يقول بحدوثه أو كون الشخص مقولًا له: إن لم تفعل هذا الفعل في هذه الساعة أعاقبك، ومن المعلوم بالضرورة أن هذا المعنى لم يكن متحققًا في الأزل فثبت أن الحكم كان معدومًا في الأزل، ولأن المحكوم عليه كان معدومًا في الأزل فوجب أن لا يكون الحكم ثابتًا في الأزل؛ لأن ثبوت الحكم من غير ثبوت المحكوم عليه سفه وعبث وهو غير جائز على الحكيم وذلك يقتضي ظن بقائه على العدم؛ لما بينا أن الأصل في كل شيء دوامه واستمراره والعمل بالظن واجب لما تقدم.
وثانيها: أنه لو ثبت الحكم فإما أن لا يكون لمصلحة، ولا لدفع مفسدة، وهو باطل؛ لأنه عبث وسفه وهو غير جائز على الله تعالى.
أو لمصلحة عائدة إلى الشارع وهو أيضًا باطل لتنزهه عن ذلك.
أو لمصلحة تعود إلى العبد وهو أيضًا باطل؛ لأنه لا معنى للمصلحة إلا اللذة أو ما يكون وسيلة إليها ولا معنى للمفسدة إلا الألم، أو ما يكون وسيلة إليه والله تعالى قادر على تحصيل جميع المصالح ودفع جميع المفاسد من غير واسطة شيء فيكون توسيط شرع الحكم عبثًا ترك العمل به فيما توافقنا على وقوعه فيبقى في المختلف فيه على أصله ولا يخفى أنه مبني على التحسين
стр. 3762
والتقبيح.
وثالثها: لو ثبت الحكم فلابد وأن يكون لدلالة أو أمارة وإلا لزم تكليف ما لا يطاق كما سبق وهو محال، والأول أيضًا باطل.
أما أولًا: فبالإجماع إذ الأمة مجمعة على أنه ليس في جميع المسائل الشرعية دلالة قاطعة.
وأما ثانيًا: فلأنه يكون مخالفه عاصيًا وفاسقًا وهو باطل وفاقًا.
والثاني أيضًا باطل؛ لأن اتباع الأمارة اتباع للظن وهو غير جائز لما تقدم غيره مرة ترك [العمل به] في الأحكام المتفقة فيبقى فيما عداه على الأصل، وإذا بطل أن يكون لدلالة أو لأمارة ولا لدلالة ولا لأمارة بطل أن يكون الحكم ثابتًا ضرورة أنه لا يخلو عن هذه الأقسام.
ورابعها: أن هذه الصورة [تفارق الصورة] الفلانية في وصف مناسب فوجب أن تفارقها في الحكم وإلا لزم إلغاء الفارق المناسب وأنه يقدح في أصل العلية وهو باطل باتفاق القائسين.
أو تعليل الحكمين المتماثلين بعلتين مختلفتين، وهو غير جائز؛ لأن إسناد أحد ذينك الحكمين إلى علته إن كان لذاته أو للوازم ذاته لزم أن يكون الحكم الآخر محتاجًا إلى تلك العلة بعينها فوجب أن لا يجوز تعليله بعلة أخرى مخالفة لها.
стр. 3763
وإن لم يكن لذاته ولا للوازم ذاته كان لا من مفارق فيكون الحكم في نفسه غنيًا عن تلك العلة والغنى عن الشيء لا يكون معللًا به فوجب في ذلك الحكم أن لا يكون مستندًا إليه هذا خلف.
وفيه نظر من حيث إن المعلول لذاته أو للازم ذاته محتاج إلى مطلق العلة وأما تعين العلة فما هو من جهة المعلول حتى يلزم ما ذكرتم من المحذور بل العلة لما تعينت في نفسها لأسباب توجب ذلك تعين المعلول وحينئذ لا يلزم المحذور المذكور.
وخامسها: لو ثبت الحكم في هذه الصورة لثبت في صورة البعض للمناسبة أو غيرها من الطرق الدالة [على] علية الوصف السالمة عن معارض تخلف الحكم عن ذلك الوصف لأنه حينئذ يكون الحكم ثابتًا في جميع صور البعض على رأي المستدل فله أن يمنع تخلف الحكم لكنه غير ثابت إجماعًا ولا يثبت فيما نحن فيه، ولا يخفى وجه المعارضة في ذلك بأن يقال لو ثبت بالمانع وغيره.
وجوابه: بالترجيح نحو أن الاستدلال بوجود المقتضى أولى من الاستدلال بوجود المانع على العدم لاستلزام ذلك التعارض الذي هو خلاف الأصل.
وسادسها: أن الحكم كان منتفيًا في أوقات متعددة غير متناهية ضرورة أنه كان منتفيًا في الأزل وذلك يوجب حصول ظن الانتفاء في هذه الأوقات المتناهية؛ لأن الأوقات الغير متناهية أكثر من الأوقات المتناهية، والكثرة مظنة الظن.
وسابعها: إن إثبات هذا الحكم يفضي إلى الضرر؛ لأنه إذا دعاه الداعي إلى خلافه فإن اتبعه لزم العقاب، وإن خالفه لزم ترك المراد/ (٣٥٥/ أ)
стр. 3764
وتحمل المشاق فيما يتعلق في فعله وفي مخالفة النفس والضرر منفي للحديث فوجب أن يكون الحكم منتفيًا.
فإن قلت: هذا مختص بالوجوب والتحريم دون الأحكام الباقية كالندب والصحة والفساد.
قلت: ما من حكم تكليفي إلا وفيه نوع من الضرر؛ فإن المندوب مثلًا فيه ضرر الفعل وضرر مخالفة النفس على تقدير الفعل، وعلى تقدير القول ضرر فوت الثواب المرتب عليه، وكذا كون العقد صحيحًا؛ لأنه إذا دعاه الداعي إلى مباشرة ما يخالفه كان مباشرًا للفائت فيترتب عليه العقاب هذا على تقدير الفعل، وعلى تقدير الترك يلزم ضرر ترك المراد وعلى هذا فقس.
وثامنها: إن الحكم إن ثبت بلا دليل لزم تكليف ما لا يطاق، وإن ثبت معه.
فإن كان الدليل قديمًا وكان الحكم ثابتًا معه في الأزل لزم العبث وإلا لزم الخلف.
وإن كان حادثًا والأصل عدمه لأنه كان معدومًا فالأصل استمراره وبقاؤه على ما كان عليه، ولأن كونه دليلًا يتوقف على وجود الذات وعلى وجود وصف كونه دليلًا بخلاف ما إذا لم يكن دليلًا فإنه إما أن لا يتوقف على شيء، أو يتوقف على أمر واحد وما يتوقف على أمرين فإنه مرجوح بالنسبة إلى ما يتوقف على أمر واحد، فكونه دليلًا مرجوح بالنسبة إلى عدم كونه دليلًا، والعمل بالظن واجب فيجب العمل بمقتضى عدم كونه دليلًا.
وتاسعها: أنه لو كان الحكم ثابتًا لاشتهر دليله لأنه مما تعم به البلوى وما شأنه كذلك يجب اشتهار دليله ولما لم يكن كذلك غلب على الظن عدمه.
стр. 3765
وعاشرها: أن ثبوت الحكم يقتضي مخالفة الأصل والنصوص الباقية لم تقدم والقياس، ولو ثبت لثبت في صورة النقض لما سبق لكنه غير ثابت إجماعًا فيلزم مخالفة القياس تخصيص النص الدال على ثبوت ذلك الحكم ضرورة أنه غير جار على عمومه لقول ابن عباس: ما من عام إلا وقد خص عنه البعض إلا قوله: ﴿والله بكل شيء عليم﴾ فإنه ليس نصًا خاصًا وإلا لزم أن تكون دلالته على تلك الصورة قطعية فمخالفه حينئذ مخالف للدلالة القاطعة، فإن كان ذلك مع القطع بصحة المتن لزم التفسيق والتضليل فيكون ممتنع الصدور من المجتهد، وإن كان مع ظن صحته فهو أيضًا خلاف الظاهر من حال المجتهد تصديق الراوي العدل وعدم مخالفة ما رواه من غير تأويل وإذا كان ثبوت الحكم يفضي إلى هذه المحذورات وجب أن يكون القول به باطلًا.
المسألة السادسة
في الاستدلال على ثبوت الحكم من وجوه:
أحدها: أن المجتهد الفلاني قال به فوجب أن يكون حقًا لقوله ﵇: "ظن المؤمن لا يخطئ" ترك العمل به في ظن العوام؛ لكونه
стр. 3766
غير مستند إلى دليل فيبقى معمولًا به في حق المجتهد. ولا يعارض بقول النافي؛ لأن المثبت راجح على النافي لكونه ناقلًا عن حكم العقل بخلاف النافي فإنه مقرر لحكم العقل وقد تقدم أن الأول أولى، ولأن المثبت معه زيادة علم لا محالة بخلاف النافي فإنه جاز أن يكون نفيه بناء على النفي الأصلي فكان المثبت أولى كالراوي الذي معه زيادة علم.
وثانيها: أن الحكم ثابت في شيء من الصور أو في الصورة الفلانية فوجب أن يكون ثابتًا هنا لقوله تعالى: ﴿فاعتبروا﴾.
ووجه الاستدلال: هو أنه أمر بالمجاوزة لأن معنى الاعتبار والعبور المجاوزة على ما تقدم تقريره في القياس فتكون المجاوزة مأمورًا بها، والاستدلال بثبوت الحكم في محل الوفاق على ثبوته في محل الخلاف مجاوزة فكان داخلًا تحت الأمر فكان مأمورًا به.
وثالثها: أن إثبات الحكم في صورة الخلاف كثبوته بينها وبين صورة الاتفاق فكان مأمورًا به لقوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾ فالعدل هو التسوية فتكون التسوية مأمورًا بها فكان ما ذكرناه داخلًا تحته لكونه لتسوية.
ورابعها: أن إثبات الحكم في صورة النزاع بجامع مشترك بينها وبين صورة الوفاق اتباع للرسول ﵇ فكان واجبًا.
بيان الأول: أنه ﵇ شبه القبلة بالمضمضة في حكم شرعي
стр. 3767
بجامع بينهما فيكون الإثبات وهو إثبات الحكم في صورة بجامع مشترك بينها وبين صورة أخرى للأجل أنه ﵇ فعل ذلك اتباع له لما تقدم من تفسير الاتباع في الأفعال.
بيان الثاني: قوله: (تعالى) ﴿فاتبعوه﴾.
وخامسها: [أن أبا بكر ﵁ شبه العهد بالعقد] وعمر ﵁ أمر أبا موسى بالقياس على ما تقدم تقريره، وإذا ثبت هذا وجب علينا أن نفعل مثله؛ لقوله ﵇ "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر".
وسادسها: أن الحكم في المحل الفلاني إنما ثبت لحاجة ومصلحة وهذا المعنى حاصل في صورة الخلاف فورود الشرع بالحكم هناك يكون ورودًا هنا.
وسابعها: أجمعنا على أن حكمًا ما في علم الله تعالى ثابت ولا شك أن ذلك الحكم إنما تثبت لمصلحة وهذا الحكم بتقدير الثبوت متضمن لحصول نوع مصلحة فلابد وأن يشتركا في قدر من المصلحة فتعلل بالقدر المشترك وذلك يقتضي ثبوت الحكم.
وثامنها: أن هذا الحكم بتقدير ثبوته يتضمن تحصيل مصلحة المكلف، ودفع
стр. 3768
حاجته فوجب أن يكون مشروعًا؛ لأن جهة كونه مصلحة جهة الدعاء إلى الشرعية، فلو خرجت عن الدعاء لكان ذلك لمعارض لكن الأصل عدمه.
وتاسعها: أن إثبات الحكم تحقيق لمقصود بعثة الرسل فكان أولى من النفي.
وعاشرها: أن إثبات الحكم لا يقتضي بعض العلة الفلانية/ (٣٥٦/ أ) التي ثبتت عليتها بالمناسبة أو بالإيماء أو بالسبر أو بالدوران أو غيرها من الطرق الدالة على علية الوصف بخلاف النفي فإنه يقتضي ذلك ضرورة حصوله في صورة الوفاق فكان الإثبات أولى.
واعلم أن ضعف بعض هذه الوجوه المذكورة في الإثبات والنفي بين يعرف ذلك مما تقدم من الأصول فلذلك لم نتعرض لذلك.
ثم اعلم أن ها هنا أنواعًا أخر من الاستدلالات وهي مفيدة للقطع غير مختصة بالنفي أو بالإثبات، بل هي مفيدة للنوعين لكنها غير مختصة بهذا الفن بل دخوله في هذا الفن كدخوله في غيره واحتياج هذا الفن إليه كاحتياج غيره إليه وهي فن مستقل بنفسه فلذلك لم نوردها في هذا الكتاب وإن كان أوردها بعض المتأخرين على خلاف عادة الأصوليين الأقدمين.
وإذ قد وصلنا إلى هذا الموضع فلنختم الكتاب حامدين لمفيض الخيرات ومنزل البركات، ومجيب الدعوات، وخاتم الأعمار بالأعمال الصالحات، ومبدل السيئات بالحسنات، ومصلين على أنبيائه ورسله ذوي المعجزات الباهرات والأنوار الساطعات، اللهم جنبنا عن الظلم والاعتساف، وحبب إلينا العدل والإنصاف وحقق آمالنا بالنجح والإسعاف، وجد علينا بالطول والإعفاف بمحمد وآله الطيبين الطاهرين نجز على يد أضعف الخلق
стр. 3769
والورى علي بن يحيى بن عمر بن حبيب الحنفي الجعفري صلوات الله على الصادق الأمين وعلى الصحابة وعلى التابعين بالإحسان وعلى جميع المسلمين في العشر الأخير من ذي القعدة سنة ٦٩٧ هـ بدمشق المحروسة وافق الفراغ منه وهو حامدًا ومصليًا على محمد نبيه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.
стр. 3770
"كلمة أخيرة"
وبعد:
فقد تم بحمد الله تعالى وعونه وتوفيقه الانتهاء من إعداد هذه الرسالة بقسميها الدراسي والتحقيقي بعد أن قضينا في إعدادها عدة سنوات وقد بذلنا في ذلك ما استطعنا من جهد ووقت وأرجو أن نكون قد وفقنا فيما توخيناه من خدمة هذا السفر العظيم من تراثنا الإسلامي وإخراجه على هذا النحو.
ونسأل الله تعالى أن يجعله عملًا صالحًا خالصًا لوجهه الكريم إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.