← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

مفسديًا، فأما بحسب جنسها القريب فقد يوجد ما يشهد لها وقد لا يوجد وإذا كان كذلك وجب أن يكون حجة بالنص، والإجماع، والمعقول: أما النص فقوله: ﴿فاعتبروا﴾. ووجه الاستدلال به من وجهين: أحدهما: أنه أمر بالمجاوزة، والاستدلال بكونه مصلحة على كونه مشروعًا مجاوزة فوجب اندراجه تحت الآية. وثانيهما: أنا إذا عدينا الحكم من الأصل إلى الفرع بمجرد اشتراكهما في أصل المصلحة الجنسية القريبة أو البعيدة فقد حصل بمعنى الاعتبار والمجاوزة فيه فوجب أن يكون مندرجًا تحته. وأما الإجماع، فهو: أن من تتبع أحوال مباحثات الصحابة- علم قطعًا أنهم ما كانوا يراعون إلا تحصيل المصالح، ودفع المفاسد؟ [لعلمهم بأن مقصود الشرائع: إنما هو رعاية المصالح، ودفع المفاسد، وأن هذه الشرائط التي يعتبرها فقهاء الأمصار في أعصارهم في تجويز الأقيسة، وشرائط الأصل والفرع والعلة] ما كانوا يلتفتون إليها ولا يراعونها، وإذا كان كذلك وجب رعاية المصالح كيف ما كانت لإجماعهم على ذلك من غير اعتبار شهادة الجنس القريب أو النوع. وأما المعقول: فهو أنا إذا علمنا أن المصلحة الخالصة، أو الغالبة معتبرة قطعًا في نص الشارع، ثم غلب على ظننا أن هذا الحكم مشتمل على المصلحة

стр. 3712

الغالبة، تولد من هاتين المقدمتين ظن أن هذه المصلحة معتبرة شرعًا فيحصل ظن أن هذا الحكم مشروع بالنظر إلى مقاصد الشارع والعمل بالظن [واجب؛ للإجماع؛ ولما تقدم آنفًا، ولا نعني بكون المصالح المرسلة حجة سوى هذا. ولا يجاب عنه: بأنه لو كان عموم كونه وصفًا مصلحيًا يوجب الاعتبار لكون الوصاف المصلحية [معتبرة في نظر الشارع لكان عموم كونه وصفًا مصلحيًا يوجب الإلغاء أيضًا لكون الأوصاف المصلحية] ملغاة أيضًا فيلزم أن يكون الوصف الواحد [معتبرًا أو ملغي وهو محال؛ لأنا نمنع أن الأوصاف المصلحية الخالصة أو الغالية]. وجواب هذا المنع يعرف بالتأمل فيستقيم الجواب المذكور. المسألة السادسة في الاستحسان . قال به الحنفية.

стр. 3713

والحنابلة. وأنكره الباقون. روي عن الشافعي- ﵁ أنه قال: "من استحسن فقد شرع" واعلم أنه لا بد وأن يعلم أولًا ما هو المراد من الاستحسان حتى يمكن الاحتجاج عليه ترتيبًا أو تقريرًا فنقول: إن عني به الحكم بما يستحسنه المجتهد بعقله وهواه، وهو المتبادر إلى الفهم عند سماع لفظ الاستحسان، ولهذا فهم المخالفون منه هذا المعنى فهو باطل. أما أولًا: فبإجماع الأمة على عدم جواز الحكم في الشرع بمجرد التشهي واستحسان العقل قبل ظهور المخالف إن فسر المخالف الاستحسان به وإلا فالإجماع حاصل على ذلك إلى هذا الزمان. وأما ثانيًا: فلأن التعبد بالاستحسان بهذا المعنى لو كان واقعًا فأما أن يعلم ذلك بطريق التواتر، إذ لا مجال للعقل في الأمور النقلية لكن ذلك باطل؛ أما الأول: فلأن المنقول بطريق الآحاد لا يفيد إلا الظن- ولا يكتفى به في مثل هذا الأصل، وأيضًا: فلأن متون مدارك الأحكام قطعية كالإجماع والقياس وخبر الواحد فكان يجب أن يكون متنه مقطوعًا به وذلك لا يحصل بنقل الآحاد. وأما الثاني: فلأنه لو كان ورود التعبد به منقولًا بالتواتر لعرفه/ (٣٤٤/ أ) كل أحد، ولارتفع الخلاف فيه، وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم.

стр. 3714

وأما ثالثًا: فلأن شرعية ذلك- يخل بمقصود التكاليف وهو تحصيل المصالح، أو دفع المفاسد؛ فإن ما يكون بمجرد التشهي لا يجب أن يكون كذلك. وإن عنى به غيره فلا بد من ذكره لينظر فيه. وقد ذكر فيه وجوه: أحدهما: أنه عبارة عن دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على التعبير عنه لعدم مساعدة العبارة. والكلام عليه أن يقال: إن أدلة الشرع كلها مما يمكن التعبير عنها، إما بلفظ مفرد يخصه، أو بمركب، وكيف لا وكل واحد منهما مما تمس الحاجة إلى التعبير عنه، فالظاهر أنه وضع له لفظ وإن كان بطريق النقل لما عرفت في اللغات. سلمنا أنه ليس له لفظ يعبر عنه بطريق الحقيقة لكن يمكن التعبير عنه على سبيل التجوز؛ إذ لا بد له من نسبة- ومناسبة خاصة مشتركة بينه وبين غيره مما له لفظ يدل عليه فحينئذ يمكن التعبير عنه. سلمناه لكن إن قطع بكونه دليلًا جاز التمسك به وفاقًا وإن لم يمكنه التعبير عنه وإن لم يقطع بذلك بل تردد فيه بخيال أو وهم لم يجز التمسك به وفاقًا فلم يتحقق استحسان مختلف فيه. وأيضًا هذا الدليل المنقدح في نفس المجتهد إنما يمتاز عن غيره من الأدلة لكونه لا يمكن التعبير عنه، وذلك ليس أمرًا آيلًا إلى ما يقدح في كونه دليلًا فكان التمسك به جائزًا وفاقًا، فعلى هذا يكون النزاع آيلًا إلى التسمية ولا حاصل له.

стр. 3715

وثانيها: أنه عبارة عن العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه. وهذا لا خلاف فيه فلا يجوز تفسير الاستحسان المختلف فيه به. ثم إنه غير جامع فإنهم نصوا على أن الرجل إذا قال: مالي صدقة، أنه يلزمه التصدق بكل ماله من جهة القياس، لكن الاستحسان يقتضي تخصيصه بمال الزكاة لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ والمراد من الأموال المضافة إليهم أموال الزكاة، فهذا استحسان عندهم مع أنه ليس عدولًا عن قياس إلى قياس أقوى منه بل هو عدول عن موجب القياس إلى موجب النص. ونحوه استحسانهم عدم وجوب القضاء على من أكل أو شرب ناسيًا، فإن القياس يقتضي وجوب القضاء وحصول الإفطار، لكن ترك العمل به واستحسنوا عدم وجوب القضاء وعدم حصول الإفطار للحديث. وثالثهما: أنه عبارة عن تخصيص قياس بدليل هو أقوى منه وحاصله راجع إلى تخصيص العلة وقد عرف ما فيه من الخلاف. وأيضًا في قوله: بدليل هو أقوى منه نظرًا؛ وذلك لأن تخصيص العلة يثبت بتوقيف اقتضاء العلة للحكم على حصول شرط أو عدم مانع مع أن دليلها لا يجب أن يكون

стр. 3716

أقوى من القياس بل جاز أن يكون أضعف منه. ورابعها: وهو ما ذكره الكرخي: الاستحسان هو: أن يعدل عن أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه بوجه أقوى يقتضي العدول عن الأول. وهذا أيضًا لا خلاف فيه ولا يجوز أن يفسر به. سلمناه لكنه غير مانع؛ لأنه يقتضي أن يكون العدول من العموم إلى التخصيص، ومن المنسوخ إلى الناسخ استحسانًا وليس كذلك وفاقًا أما عندنا؛ فلأنا نقول به أصلًا، وأما عندهم فلأنهم لا يعدون الحكم بالمخصص والناسخ استحسانًا. وخامسها: وهو أنه عبارة عن العدول عن حكم الدليل إلى العادة المطردة لمصلحة الناس. كدخول الحمام، وشرب الماء من السقاء من غير تقدير [الماء] واللبث وتقدير الأجرة، وهو أيضًا باطل؛ لأن العادة لا تكون حجة مرجوحًا إليها إلا إذا علم تقرير الرسول ﵇ عليها، [أو تقرير أهل الإجماع عليها] وحينئذ يكون الرجوع إليها كالرجوع إلى السنة والإجماع، ولا خلاف فيه

стр. 3717

وإن لم يعلم ذلك لم يجز الرجوع إليها فلم يتحقق استحسان مختلف فيه. وأيضًا نصوا على حكم الاستحسان حيث لا عادة كما تقدم وسيأتي أيضًا وذلك يدل على أنه غير جامع. وسادسها: وهو ما ذكره أبو الحسين: أنه ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ بوجه أقوى وهو في حكم الطارئ على الأول. قال: ولا يلزم عليه العدول عن العموم إلى القياس المخصص؛ لأن العموم لفظ شامل، ولا يلزم أن يكون أقوى القياسين استحسانًا؛ لأن الأقوى ليس في حكم الطارئ على الأضعف، فإن فرض أنه طارئ فهو استحسان. وقيل: إن قوله في حكم الطارئ احتراز عن الاستحسان الذي ترك بالقياس. لا يقال: نص محمد بن الحسن في غير موضع من كتبه: تركنا الاستحسان للقياس، كما لو قرأ آية السجدة من آخر السورة، فالقياس يقتضي أن يجتزئ بالركوع والاستحسان أن لا يجتزئ به، بل يسجد لها، ثم إنه قال بالقياس. فهذا الاستحسان إن كان أقوى من القياس، فكيف تركه وإن لم يكن أقوى منه فقد بطل حدكم؛ لأنا نقول: الاستحسان وإن كان أقوى من القياس لكن قد ينضم إلى القياس شيء آخر يصير مجموعهما أقوى من الاستحسان، وما ذكرتم من الصورة فهو كذلك؛ لأن الله تعالى أقام الركوع مقام السجود

стр. 3718

في قوله تعالى: ﴿فخر راكعًا وأناب﴾ فهذا مع القياس أقوم من الاستحسان فكذلك ترك الاستحسان بالقياس. وقيل: إن قوله: في حكم الطارئ احتراز عن الاستحسان الذي يترك بالقياس الذي ليس في حكم الطارئ [فإنه ليس استحسانًا من حيث أن القياس الذي ترك به الاستحسان ليس في حكم الطارئ] بل هو الأصل وذكر هذا القائل مثاله ما ذكرنا من/ (٣٤٥/ أ) الصورة بعينها، فعلى هذا لا يرد ما ذكرنا من السؤال؛ لأنه حينئذ ليس باستحسان في الحقيقة وإن سميناه استحسانًا. واعلم أن فيه نظرًا من حيث أنه قسم الاستحسان إلى قسمين حقيقي لفظي فجعل ما يترك بالقياس الأصلي من الاستحسان استحسانًا لفظيًا، وما يترك منه بالقياس الطارئ جعله استحسانًا حقيقيًا، وهذا يقتضي أن يكون القياس الطارئ أقوى من الاستحسان وهو خلاف المشهور، فإن المشهور عند القائلين به أن الاستحسان أقوى مدركًا من القياس مطلقًا، وحيث يترك بالقياس فإنما يترك لانضمام دليل آخر إليه كما تقدم. واعلم أنه كما خرج من قوله غير شامل شمول الألفاظ العدول عن العموم إلى القياس المخصص، فكذا يخرج منه العدول من المنسوخ إلى الناسخ وإن كان المنسوخ حكمًا ثابتًا بالفعل؛ لأن الفعل وحده لا يدل كما عرفت بل بواسطة القول، فيكون المتروك آيلًا إلى ما يكون شموله شمول الألفاظ ولولا خروجه عنه وإلا لا ينقض الحد.

стр. 3719

واعترض عليه الإمام بأنه يقتضي أن تكون الشريعة بأسرها استحسانًا؛ وذلك لأن مقتضى العقل هو البراءة الأصلية، وإنما ذلك لدليل أقوى منه، وهو إما نص أو إجماع أو غيرهما. وهذا الأقوى في حكم الطارئ على الأول فيلزم أن يكون الكل استحسانًا. ولا قائل به فينبغي أن يزاد في الحد قيد آخر فيقال: "ترك وجه من وجوه الاجتهاد مغاير للبراءة الأصلية، والعمومات اللفظية لوجه أقوى منه، وهو في حكم الطارئ على الأول". واعلم أنه يمكن أن يجاب عنه بأن قوله: ترك وجه من وجوه الاجتهاد ينبئ عن أن ذلك الوجه مغاير للبراءة الأصلية فإن البراءة الأصلية ليست وجهًا من وجوه الاجتهاد لأنها معلومة أو مظنونة من غير اجتهاد، فلا حاجة إلى ما ذكره من القيد بطريق الصراحة. واعلم أنه يقتضي أن يكون العدول من حكم القياس إلى النص الطارئ عليه استحسانًا، وما أظن الخصم يقول به، ثم لا نزاع في هذا أيضًا؛ فإن حاصله يرجع إلى نفس الاستحسان بالرجوع عن حكم دليل خاص إلى مقابلته بدليل آخر أقوى منه وهو طارئ عليه من نص أو إجماع أو غيرهما، ولا نزاع في صحة الاستدلال بمثله فلم يتحقق استحسان مختلف فيه في المعنى. وأما النزاع في التسمية فغير لائق بذوي التحقيق، ولئن سلم ذلك لكن لا ينبغي فيه نزاع؛ إذ قد ورد لفظ الاستحسان في الكتاب والسنة وفي ألفاظ المجتهدين: قال الله تعالى: ﴿ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله﴾ وقوله: ﴿الذين يستمعون [القول فيتبعون] أحسنه﴾، وقوله: ﴿وأمر قومك

стр. 3720

يأخذوا بأحسنها﴾ و ﴿اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم﴾. وأما السنة فقوله ﵇: "ما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن". وأما في ألفاظ المجتهدين فنحو ما روي عن الشافعي ﵁ أنه قال في المتعة: "أستحسن أن تكون ثلاثين درهمًا". وفي باب الشفعة: "أستحسن أن يثبت للشفيع الشفعة إلى ثلاثة أيام" وقال في المكاتب: "أستحسن أن يترك عليه شيء". ونقل عن الأئمة استحسان دخول الحمام من غير تقدير عوض للماء المستعمل، ولا تقدير مدة اللبث وأجرته، واستحسان شرب الماء من أيدي السقائين [من غير تقدير الماء] وثمنه. وعند هذا حمل الإمام النزاع فيما إذا كان القياس قائمًا في صورة الاستحسان وفي غيرها من الصور ثم ترك العمل به في صورة الاستحسان وبقي معمولًا به في غير تلك الصورة فهذا هو القول بتخصيص العلة وهو عند الشافعي وجمهور المحققين باطل، وقد تقدم بطلانه في القياس فيكون القول بالاستحسان باطلًا. وهو غير سديد.

стр. 3721

أما أولًا: فلأنه لم يحصل به تعريف الاستحسان؛ لأنا لا نعرف الاستحسان الذي ترك القياس به في صورة الاستحسان فتكون الجهالة باقية بعد. وأما ثانيًا: فلأن القول بتخصيص العلة جائز قال به جمهور الفقهاء والمتكلمين إذا كان لفقد شرط، أو لوجود مانع، وبدونه لم يقل أحد من ذوي التحصيل فلم يمكن تنزيل الاستحسان المختلف فيه عليه. وقال بعض المتأخرين: إنما النزاع في إطلاقهم الاستحسان على العدول عن حكم الدليل إلى العادة، وهو أيضًا باطل لما سبق من أن تلك العادة إن كانت عادة مجموع الأمة أو هي كانت مطردة في زمان الرسول فلا نزاع فيه، وإن لم يعلم ذلك إلا يجوز العدول عن حكم الدليل إليها فلم يتحقق أيضًا صورة النزاع.

стр. 3722

ثم القائلون بالاستحسان قد احتجوا عليه بوجوه فتذكر تلك الوجوه والجواب عنها جريًا على العادة وإن لم تتلخص بعد صورة النزاع ولم يتحقق، وإن كان ذلك بعيدًا عن التحقيق. الأول: التمسك بقوله تعالى: ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾. ووجه الاستدلال به: هو أنه ذكر ذلك في معرض الثناء والمدح لمن اتبع أحسن القول فلا يكون مباحًا؛ إذ لا مدح ولا ذم فيه فيكون اتباعه مأمورًا به، والاستحسان اتباع الأحسن فيكون مأمورًا به، وهو إما بطريق الندبية، أو بطريق الوجوب والأول باطل. أما أولًا: فلأن كل ما جاز اتباعه من مدارك الأحكام فإنه يجب اتباعه عند عدم غيره. وأما ثانيًا: فبالإجماع وتقريره غير خاف. وجوابه: أنه ليس المراد منه المدح على اتباع كل ما يستحسنه السامع كيف ما كان، بل المراد منه: إما اتباع ما هو الأحسن في نفس الأمر، وما هو الأحسن عند السامع بناءً على طريق شرعي، فعلى هذا لا يكون الاستحسان مأمورًا به حتى يثبت كونه مأمورًا به دور.

стр. 3723

أو نقول: لا نسلم أن اتباع الأحسن مأمور به مطلقًا بل إذا كان على أحد (٣٤٦/ أ) الوجهين فلم قلتم: إن الاستحسان اتباع الأحسن بأحد الوجهين المذكورين حتى يكون مأمورًا به، لا بد لهذا من دليل. سلمنا عدم لزوم الدور لكن المراد منه اتباع أحسن ما أنزل إلينا؛ إذ هو المتبادر من الآية، فلم قلتم أن الاستحسان مما أنزل إلينا فضلًا عن أن يكون من أحسنه. وثانيها: قوله تعالى: ﴿واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم﴾. ووجه الاستدلال به: أنه أمر باتباع الأحسن فلولا أنه حجة لما أمر باتباعه. وجوابه ظاهر مما سبق. والاحتجاج بقوله تعالى: ﴿وأمر قومك يأخذوا بأحسنها﴾. والجواب عنه كما سبق فيما قبله. ويخصه أنه شرع لمن قبلنا فلم قلتم أنه شرع لنا. وثالثها: قوله ﵇: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن" ولولا أنه حجة لما كان عند الله حسنًا. وجوابه: أن الجمع المحلى بالألف واللام للعموم فيكون المراد منه جميع المسلمين، فلم قلتم: إن الأخذ بالاستحسان مما رآه جميع المسلمين حسنًا حتى يمكنكم الاحتجاج عليه بالحديث؟ سلمناه لكنه خبر واحد فلا يثبت به أصل من الأصول. سلمناه لكن إن كان المراد منه ما رآه المسلمون حسنًا بناءً على دليل وحجة

стр. 3724

لزم الدور المذكور، وإن لم يكن بناءً على ذلك بل بمجرد الاستحسان والميلان فهو باطل؛ لأن الصحابة أجمعت على استحسان منع الحكم من غير دليل وحجة، لأنهم مع كثرة وقائعهم تمسكوا بالظواهر والأشباه وما نقل عن أحد منهم الرجوع إلى الاستحسان، ولو كان مدركًا من المدارك ما كان كذلك، ولهذا لما سأل الرسول ﵇ معاذًا عن مدارك الأحكام ما ذكره. فإن قلت: فقد ذكر اجتهد رأيي وهو يتناول الاستحسان. قلت: المراد منه القياس وفاقًا، وهو غيره عندهم فلا يكون متناولًا له. وبالجملة نحن نعلم علمًا يقينيًا أنه لو قال واحد في زمان الصحابة ﵃ حكمت أو أفتيت بكذا لأني استحسنته لشددوا عليه الإنكار ونسبوه إلى الجهل وغيره وقالوا: من أنت حتى يكون استحسانك شرعًا ويكون لنا شارعًا. ورابعها: إجماع الأمة، فإنهم أجمعوا على استحسان دخول الحمام من غير تقدير أجرة وعوض الماء، ومن غير تقدير مدة اللبث فيه، ومن غير تقدير الماء وكذا استحسنوا شرب الماء من غير تقدير الماء وعوضه، فلولا أنه حجة لزم اتفاقهم على الباطل إذ الحكم من غير دليل باطل. وجوابه: أنه لا نزاع أنهم استحسنوا ما ذكرتم، لكن لا نسلم أن ذلك هو الدليل على صحته بل كان استحسانهم لذلك على دليل وهو: إما جريان ذلك في عصر الرسول ﷺ مع علمه به وتقريره لهم عليه، أو غير ذلك مما لا يخفى على المتأمل تقريره.

стр. 3725

المسألة السابعة اختلفوا في أنه هل يجوز أن يقول الله تعالى لنبي أو لعام: احكم بما شئت، فإنك لا تحكم إلا بالصواب: - فذهب جمهور المعتزلة إلى امتناعه. وذهب الباقون منا ومنهم إلى تجويزه. وتوقف الشافعي ﵁ في امتناعه وجوازه. ومنهم من فصل كأبي علي الجبائي فقال: بجواز ذلك في حق النبي، دون غيره. ثم القائلون بالجواز اختلفوا في وقوعه: فقال بعضهم بوقوعه كابن عمران.

стр. 3726

من المعتزلة. ومنهم من لم يقل به وهو اختيار الباقين منهم. واحتج القائلون بامتناعه بوجهين: أحدهما أن الله تعالى شرع الأحكام لمصالح العباد على ما تقدم تقريره في باب القياس، فلو فوض ذلك إلى اختيار العبد لم يأمن من اختياره المفسدة؛ لأن اختيار العبد متردد بين أن يكون مصلحة وبين أن يكون مفسدة وذلك مخل بمقصود الشرائع. وجوابه: منع المقدمة الأولى، وقد تقدم ما في ذلك نفيًا وإثباتًا. سلمناه لكنه لما قال له: لا تحكم إلا بالصواب أمنًا من اختيار المفسدة. وثانيهما: أنه لو جاز هذا التكليف، فلا يخلو إما أن يجوز بناء على أن الفعل قبل اختياره ما كان مصلحة، وإنما صار كذلك باختيار المكلف، والقسمان باطلان فبطل القول بذلك. وإنما قلنا: إنه لا يخلو عن الأمرين؛ لأن الأحكام مشروعة لمصالح العباد على ما تقدم تقريره فيستحيل أن يشرع حيث لا مصلحة قبل الفعل وعنده. وإنما قلنا: إن القسمين باطلان؛ أما الأول فلوجوه: أحدها: أنه إن جاز له الحكم على هذا الوجه في حادثة أو حادثتين، دون الحوادث الكثيرة لزم صرف الإجماع ضرورة أنه لا قائل بالفصل. وإن جاز له ذلك في الحوادث الكثيرة فهو أيضًا باطل؛ لأنه يمتنع حصول الإصابة بالاتفاق في الأشياء الكثيرة؛ ولهذا لا يجوز أن يقال للأمي: اكتب

стр. 3727

مصحفًا، فإنك لا تكتب إلا ما طبق ترتيب القرآن، وللجاهل: أخبر فإنك لا تخبر إلا بالصدق، ولأنه لو جاز الإصابة في الأشياء الكثيرة على سبيل الاتفاق لبطل دلالة الأحكام والاتفاق في العلم على علم فاعله؛ لاحتمال أن يقال: إن ذلك على سبيل الاتفاق، وكذلك تبطل دلالة الأخبار عن الغيب على النبوة. وثانيها: أن الحكم بالشيء مشروط بالعلم أو الظن بحسنه لئلا يقدم المكلف على فعل المفسدة فلو جاز الحكم بالشيء قبل العلم أو الظن بحسنه لزم وجود المشروط بدون الشرط وهو محال. فإن قلت لا نسلم أنه حكم بالشيء قبل العلم أو الظن بحسنه وهذا لأنه علم حسنه بقوله: إنك لا تحكم إلا بالحق وهو يتضمن كونه حسنًا؛ فإن الحكم بما ليس بحسن على تقدير رعاية المصالح ليس بحق. قلت: ذلك إنما نعرفه بعد الحكم فأما قبل الحكم فلا يكون المحذور لازمًا. وثالثها: لو جاز ما نحن فيه لجاز أن يقال له: صدق بالنبوة من شئت فإنك لا تصدق الأنبياء، وكذب بالنبوة من شئت فإنك لا تكذب الأنبياء ولجاز في مسائل الأصول من غير تعلم واعتماد على دليل ألبتة، ولجاز أن يفوض إليه تبليغ أحكام الله ووعده ووعيده من غير وحي ينزل عليه نحو أن يقال له: بلغ عنا من الأحكام واخبر بالثواب أو العقاب ما شئت فإنك لا تبلغ ولا تخبر إلا بالحق لكن كل ذلك باطل بالإجماع فكذا ما نحن فيه. ورابعها: أنه/ (٣٤٧/ أ) لو جاز ذلك في حق النبي أو العالم لجاز في حق العامي، والجامع: الأمن من الوقوع في الخطأ والباطل لكنه غير جائز بالإجماع فكذا ما نحن فيه.

стр. 3728

وأما بطلان القسم الثاني فلوجهين: أحدهما: أن على هذا التقدير لا يكون ذلك تكليفًا؛ لأن حاصله راجع إلى قوله: إن اخترته فافعل، وإلا فلا، ومعلوم أن ذلك ليس تكليفًا. وثانيهما: أن المكلف لا ينفك من الفعل والترك، ولا يجوز تكليف المرء بما لا يمكنه الانفكاك عنه؛ بخلاف التخيير في الكفارات الثلاث، فإنه يمكنه الانفكاك عنه اجمع. وجوابه: أنه أيضًا مبني على وجوب رعاية المصالح في أحكام الشرع وهو ممتنع عندنا. سلمناه لكن لا نسلم امتناع القسم الأول. قوله: أولًا: لو جاز الحكم على هذا الوجه فإما أن يجوز في حكم -أو حكمين، أو في الأحكام الكثيرة. قلنا: لم لا يجوز على الوجه الأول وما ذكرتم من لزوم خرق الإجماع فممنوع. سلمناه لكن لم لا يجوز في الحكام الكثيرة. قوله: الاتفاقي لا يكون أكثريًا. قلنا: لا نسلم وهذا لأن جوازه مرة ومرتين يفيد جوازه مرارًا؛ لأن حكم الشيء حكم مثله، والأمثلة المذكورة إن لم يكن بينها وبين ما نحن فيه فرق [منعنا الحكم فيها وإن كان بينهما فرق] امتنع القياس لأن مع قيام الفرق يمتنع القياس على أن القياس لا يفيد اليقين.

стр. 3729

سلمنا أن الاتفاقي بجميع جهاته لا يكون أكثريًا، لكن ما نحن فيه ليس كذلك بل هو اتفاقي من حيث المصلحة ومعلوم السبب من حيث أنه لا يأتي إلا بالمصلحة فلم قلت إن مثله من الاتفاقي لا يكون أكثريًا؟ ثم جواز كونه أكثريًا حينئذ بيِّن، وبهذا خرج الجواب عن قوله إنه يبطل دلالة أحكام الفعل على العلم؛ لأن ذلك اتفاقي بجميع جهاته، ولأنا لا نجوز ذلك ولو مرة واحدة على سبيل الاتفاق. وعن الوجه الثاني: أنا لا نسلم أن ما نحن فيه حكم الشيء قبل العلم أو الظن بحسنه؛ وهذا لأن معنى ما نحن فيه أنك إن اخترت الفعل فاحكم على الأمة بالفعل، وإن اخترت الترك فاحكم عليهم بالترك، وذلك ليس حكمًا بالشيء قبل العلم أو الظن بحسنه بل بعده؛ لأنه بالفعل علم أو ظن حسنه ثم حكم به على الأمة فلم يلزم منه ما ذكرتم من المحذور. وأجيب أيضًا: بالنقض بما إذا أفتى أحد المفتيين المتساويين بالحظر، والآخر بالإباحة فإن المستفتي مخير في العمل بأيهما شاء مع أن ذلك قبل العلم أو الظن بحسنه أو قبحه. وفيه نظر؛ لأن فعل العامي غير مشروط بالعلم أو الظن يحسن الفعل بل ما أفتى به المفتي؛ بخلاف المجتهد فإنه لا يجوز له أن يفعله ويحكم ما لم يغلب على ظنه اشتمال الفعل على المصلحة فلم يحصل. سلمنا أنه حكم قبل العلم أو الظن بحسن الفعل لكن ما هو المقصود من اشتراط ذلك وهو أن يأمن المكلف من فعل القبيح حاصل فيما نحن فيه بالطريق الولى؛ لأنه حين يفعل الفعل بناء على غلبة ظنه بحسنه أو علمه بحسنه جاز أن لا يكون علمه وظنه مطابقًا فيقع في فعل المفسدة بخلاف ما إذا قال له الشارع: احكم فإنك لا تحكم إلا بالحق فإن احتمال ذلك غير متصور

стр. 3730

فيه، وإذا كان كذلك كان جواز الفعل فيه اولى من جواز الفعل فيما إذا ظن حسنه أو علم. وعن الثالث: منع امتناع اللوازم المذكورة. فإن قال بعض القائلين بجواز ما نحن فيه وبامتناع تلك اللوازم لم يلزم أن يقول غيره بذلك. سلمناه لكن الفرق بينهما قائم؛ وذلك لأن الفروع مما يكتفى فيها بالظن ويسوغ فيها الاجتهاد بناء على الأمارات فجاز أن يفوض إلى رأي المجتهد، وجعل اختياره علامة على كونه مصلحة وصوابًا بخلاف ما ذكرتم من المسائل فإن المطلوب فيها القطع بناء على الأدلة القاطعة فلم يلزم من جواز ذلك القول في مسائل الفروه جوازه في مسائل الأصول، ويخص مسألة تبليغ الحكام والوعد والوعيد بان ذلك يورث وهمًا وريبة في الوحي والنبوة؛ لاحتمال أن يقال: إن الأنبياء إنما يخبرون ويبلغون من الأحكام ما يبلغون من غير وحي ينزل عليهم، وأعلام يعلمون، بل من تلقاء أنفسهم وإن كان ذلك بعد ذلك القول معهم ولا شك في أن ذلك يوجب النفرة. وعن الرابع: يمتنع امتناع اللازم، والكلام في الإجماع ما سبق. سلمنا لكن الفرق قائم، وهو أن ذلك غير لائق بحال العامي من حيث أنه مقلد تابع فلا يجوز أن يكون مقلدًا متبوعًا. سلمنا فساد هذا القسم فلم لا يجوز القسم الثاني. قوله أولًا: إنه ليس بتكليف. قلنا: لا نسلم، وهذا لأنه تكليف محقق على ما تقدم من تفسير هذا التكليف.

стр. 3731

قوله ثانيًا: إنه تكليف ما لا ينفك المكلف عنه. قلنا: لا نسلم وسنده ما تقدم من تفسير هذا التكليف، ثم هو منقوض إذا أفتى مفتيان متساويان في اعتقاد المستفتي أحدهما بالحظر، والآخر بالإباحة فإن جميع ما ذكرتم آت فيه كل ما هو جوابكم ثمة فهو جوابنا ها هنا. واحتج القائلون بإمكانه بوجوه: أحدها: أنه لو كان ممتنعًا فإما أن يكون امتناعه لذاته وهو باطل؛ لأنا نعلم قطعًا أنه لا يلزم من فرض وقوعه محال نظرًا إلى ذاته، أو لأمر من خارج وهو أيضًا باطل لأن الأصل عدمه فمن ادعى فعليه بيانه. وأجيب: بأنه تمسك بالأصل وهو لا يفيد إلا الظن والمسألة علمية. سلمناه لكن لم لا يجوز أن يمتنع لأمر خارجي وهو كونه متضمنًا للنفرة إن كان ذلك في حق النبي، أو لكونه مخلًا بمقصود الاجتهاد إن كان ذلك في حق المجتهد. سلمناه لكنه يقتضي أن يكون ممكنًا عقليًا ولا يلزم منه أن لا يكون ممتنعًا عاديًا فلم قلتم أنه ليس كذلك؟ فإن ادعاء امتناعه أعم من ادعاء امتناعه عقلًا، ولا يلزم من نفي الخاص نفي العام. وثانيها: أن الواجب من خصال الكفارة ليس إلا الواحد بالدلائل التي تقدم ذكرها في مسألة الواجب المخير ثم إنه تعالى فوضها إلى المكلف لما علم أنه لا يختار إلا ذلك الواجب، وإذا جاز ذلك جاز ما نحن فيه لأنه مثله أو أولى منه بالجواز. وجوابه: أنه مبني على أن الواجب في/ (٣٤٨/ أ) خصال الكفارة واحد

стр. 3732

معين عند الله تعالى غير معين عندنا وهو باطل لما تقدم من تقرير دلائله. سلمناه لكن لا يلزم من جواز ذلك جواز ما نحن فيه وإلا لزم جواز ذلك في حق العامي ضرورة جواز التخيير في خصال الكفارة له لكن ذلك باطل لمساعدة الخصم عليه. وثالثها: إذا أفتى للمستفتي مفتيان متساويان في اعتقاد المستفتي أحدهما بالحظر والآخر بالإباحة فإنه يجوز ذلك ويُخيَّر المستفتي في الأخذ بقول أيهما شاء وفاقًا، وإذا جاز ذلك جاز ما نحن فيه إذ لا فرق بين أن يقال: اعمل بقول أيهما شئت فإنك لا تعمل إلا الصواب. وبين أن يقال: اعمل ما شئت فإنك لا تفعل إلا الصواب. وجوابه: أنا لا نسلم أنه لا فرق بينهما؛ هذا لأن كل واحد من ذينك القولين مبني على الدليل بطريق الاجتهاد فيحتمل الترجيح، قلما امتنع ذلك لتساوي المجتهدين صير إلى التخيير كما في حق المجتهد بالنسبة إلى الدليلين، وأما ما نحن فيه فلس كذلك بل هو قول بمجرد الميل والاختيار فلا يلزم من جواز الأول جواز الثاني. سلمناه لكنه يقتضي جواز ذلك في حق العامي وهو باطل وفاقًا. سلمنا سلامته عن النقض لكنه قياس لا يفيد اليقين والمسألة علمية. ورابعها: أن المعتمد في صحة التكليف أن يكون المكلف متمكنًا من الخروج عن عهدة التكليف، وما نحن فيه كذلك لأنه إذا قال الله تعالى له: احكم بما

стр. 3733

شئت فإنك لا تحكم إلا بالصواب، أو افعل ما شئت فإنك لا تفعل إلا الحق علم أن كل ما يختاره صواب فكان آمنًا من فعل القبيح، فكان متمكنًا من الخروج عن عهدة التكليف فوجب القطع بجوازه. وجوابه: بعض ما سبق، ويخصه أن المعتبر في صحة التكليف أن يأمن المكلف من فعل القبيح قبل الفعل لعلمه أو ظنه بكون المكلف به غير مشتمل على القبح بناء على دليل أو أمارة وما نحن فيه ليس كذلك فلم يلزم الجواز. وخامسها: إذا جاز الحكم بالأمارة الظنية مع جواز الخطأ فيها عن الصواب جاز الحكم بما يختاره المكلف من غير دليل وإن جاز عدوله عن جهة الصواب وجوابه بعض ما سبق ويخصه أنه لا يلزم من جواز العمل بالأمارة مع كونها مفيدة للظن جواز العمل بالاختيار من غير ظن مفيد للحكم وفيه نظر. واحتج من قال بعدم وقوعه بوجهين: أحدهما: أنه لو كان الرسول ﵇ مأمورًا بأن يحكم على وفق إرادته من غير دليل لما كان منهيًا عن اتباع الهوى؛ لأنه لا معنى له إلا الحكم بكل ما يميل قلبه إليه من غير دليل، لكنه كان منهيًا عن ذلك لقوله تعالى ﴿ولا تتبع الهوى﴾. لا يقال: لما قيل له ذلك القول كان ذلك نصًا من الله تعالى على حقية كل ما يميل إليه قلبه فلا يكون ذلك اتباعًا للهوى؛ لأنا نقول: فعلى هذا التقدير اتباع الهوى في حقه غير متصور، فلا يجوز أن ينهى عنه؛ لأن النهي عن غير

стр. 3734

المتصور قبيح. وجوابه: أنه لو دل على عدم الوقوع فإنما يدل في حق الرسول دون غيره، فالدعوى عامة، والدليل خاص وهو غير جائز. سلمناه لكن لا نسلم أن النهي عن غير المقصود غير جائز. سلمناه لكن لعل ذلك قبل أن يقال له: احكم فإنك لا تحكم إلا بالحق فلا يكون حينئذ بينهما منافاة. وثانيهما: أنه لو قيل له ﵇ احكم فإنك لا تحكم إلا بالحق لما قيل له: لم فعلت كذا لكن قيل له ذلك قال الله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ وعدم اللازم يدل على عدم الملزوم. جوابه بعض ما تقدم في الوجه الأول، ويخصه أنه ليس عتابًا على ترك الحق بل هو عندنا عتاب على ترك الأحق فلم قلتم أنه ليس كذلك؟ واحتج من قال بوقوعه بوجوه: أحدها: قوله تعالى ﴿كل الطعام كان حلًا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه﴾ أضاف التحريم إليه فدل على أنه مفوض إليه وهذا إنما يدل على الوقوع في حق نبينا ﷺ . وجوابه: أنه يحتمل أن يكون ذلك التحريم بالنذر، أو الاجتهاد، وحينئذ تحسن الإضافة إليه فلم يدل على صورة النزاع، وإثبات التحريم بالنذر ربما كان جائزًا في شرعهم، ويحتمل أيضًا أن يكون باليمين؛ فإن اليمين تحرم

стр. 3735

عند بعض المجتهدين من أمتنا فربما كان ذلك ثابتًا في شرعهم. وثانيها: ما روي عنه ﵇ أنه لما قال في مكة: لا يختلي خلاها ولا يعضد شجرها، فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فقال: إلا الإذخر، فهذا الحكم ما كان بالوحي؛ لأنه لم يظهر علامة نزول الوحي فيكون بناء على أنه فوض إليه وإلا لما صح. لا يقال: هذا الحديث متروك الظاهر لأن ظاهره يقتضي جواز الاستثناء المنفصل وهو غير جائز على ما تقدم تقريره. وحينئذ يصار إلى تأويله وليس البعض أولى من البعض فيكون محتملًا فلا يصح الاستدلال به؛ لأنا نقول: ليس استدلالنا من جهة حقيقة اللفظ ومجازه حتى يتجه ما ذكرتم بل من جهة أنه شرع الحكم من تلقاء نفسه من غير وحي نزل عليه في تلك اللحظة في خصوص تلك القضية على أنا نمنع أنه متروك الظاهر؛ وهذا لأن السكوت اليسير لا يقطع اتصال الكلام بعضه ببعض فلعل سكوته ﵇ تلك اللحظة اللطيفة التي تكلم بها العباس يسير فلما قال العباس ذلك وصله بما قبله. وثالثها: نادى مناديه ﵇ يوم فتح مكة "أن اقتلوا مقيس بن صبابة، وابن أبي سرح وإن وجدتموهما متعلقين بأستار الكعبة" ثم عفا عن ابن أبي سرح بشفاعة عثمان، ولو كان الله تعالى أمر بقتله ما قبل شفاعة عثمان وغيره إلا بوحي آخر، ولم يوجد ذلك لما أن له علامة كانوا يعرفونها وما ظهر في ذلك الوقت شيء من ذلك. ورابعها: أنه نادى مناديه"لا هجرة بعد الفتح" حتى استفاض ذلك وبينما

стр. 3736

المسلمون كذلك إذ أقبل مجاشع بن مسعود بالعباس بن عبد المطلب شفيعًا ليجعله مهاجرًا بعد الفتح فقال/ (٣٤٩/ أ) "اشفع عمي ولا هجرة بعد الفتح". وخامسها: أنه لما قتل النضر بن الحارث جاءته بنت النضر بن الحارث فأنشدته: أمحمد وأنت ضنؤ نجيبة ... من قومها والفحل فحل معرق ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق فقال ﵇: "أما أني لو كنت سمعت شعرها ما قتلته" ولو كان قتله بأمر الله لقتله ولو سمع شعرها ألف مرة. فدل ذلك على أنه كان مفوضًا إليه حتى كان يمكنه القتل أو العفو على حسب ما كان يختار. وسادسها: قوله ﵇ "عفوت عن الخيل والرقيق" وذلك يدل

стр. 3737

على أنه من جهته بطريق التفويض وهو المطلوب. وسابعها: "روي أنه ﵇ قال: يا أيها الناس كتب عليكم الحج فقال، الأقرع بن حابس: أكل عام يا رسول الله "يقول ذلك والرسول ساكت فلما أعاد قال: والذي نفسي بيده لو قلتها لوجبت، ولو وجبت ما قمتم بها دعوني ما ودعتكم. وثامنها: أن ابن عباس قال: -أخر رسول الله ﷺ العشاء- ذات ليلة فخرج ورأسه يقطر فقال: لولا أن أشق على أمتي لجعلت وقت هذه الصلاة هذا الحين.

стр. 3738

ونحوه قوله ﵇: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" ولو كانت هذه الأحكام ثابتة بالوحي لما جاز تركه، ولو كان غير موحى إليه لما جاز له أن يقول لشرعت فلم يبق إلا أن يقال إنه مفوض إليه بحسب اختياره. وتاسعها: قال جابر: لما قيل لرسول الله ﷺ إن ماعزًا رجم فقال: "هلا تركتموه حتى أنظر في أمره" فلو لم يكن حكم الرجم مفوضًا إليه لما

стр. 3739

قال ذلك. وعاشرها: ما روي أنه ﵇ قال "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها وعن لحوم الأضاحي ألا فانتفعوا بها" وذلك يدل على أن الحل والحرمة مفوضة إليه في ذلك. وحادي عشرها: روي عن النبي ﵇ أنه قال: "إن عشت إن شاء الله تعالى أن أنهى أمتي أن يسموا نافعًا وأفلح وبركة" وهذا الكلام يدل على أن له ذلك بطريق التفويض وإلا فبدونه وبدون الوحي الصريح باطل وفاقًا.

стр. 3740

وثاني عشرها: قوله ﵇: "لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى رأيت فارس والروم تفعل ذلك فلا يضر أولادها شيئًا" فحكم بمجرد رأيه. وجواب الكل: أنا لا نسلم أن ذلك بطريق التفويض؛ وهذا لأنه يجوز أن يكون بطريق الوحي. قوله: له علامات يعرفونها. قلنا: ذلك في الغالب ولزومها في كل مرة ممنوع. سلمناه لكن لم لا يجوز أن يقال: إنه ورد الوحي بها قبل تلك الوقائع مشروطًا مثل أن يقال: لو استثنى أحد شيئًا فاستثن له ذلك، أو لو قلت في سؤال وجوب الحج كل عام لوجب كل عام وكذا نظائره. سلمناه أنه ليس بطريق نزول الوحي فلم لا يجوز أن يكون بطريق الإلهام؟ وهو إن كان وحيًا لكنه ليس من الوحي الذي تظهر له العلامات، وإذا كان كذلك لم يكن فقد العلامات قدحًا فيه، ثم الذي يؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾. سلمناه ولكن لم لا يجوز أن يكون بالاجتهاد؟ وعلى هذا التقدير لا يلزم صحة مذهب الخصم. وإذا ظهر ضعف مأخذ الفرق الجازمين وجب التوقف على ما هو مختار الشافعي ﵁.

стр. 3741

المسألة الثامنة ذهب الشافعي ﵁ وأصحابه إلى أنه يجوز الاعتماد في إثبات الأحكام على الأخذ بأقل ما قيل فيه خلافًا لبعضهم . مثاله: اختلاف الناس في دية اليهودي: فمنهم من قال كالحنفية: إن دية اليهودي كدية المسلم، ومنهم من قال: كالمالكية: إن ديته نصف دية المسلم. ومنهم من قال: ديته ثلث دية المسلم وأخذ الشافعي ﵁ بذلك؛ لأنه أقل ما قيل واعلم أن هذه القاعدة مبنية على قاعدتين: أحدهما: الإجماع. وثانيهما: البراءة الأصلية. فإن الأمة لما أجمعت على ذلك الأقل كالثلث في مسألتنا فإن من قال بوجوب كل دية المسلم فقد قال بوجوب ثلث ديته قطعًا، وكذا من قال نصف ديته فقد قال بوجوب ثلث ديته، من قال بوجوب ثلث ديته فقد قال به، فالكل مطبقون على وجوب الثلث فقد حصل الإجماع بوجوب على ذلك.

стр. 3742

وأما البراءة الأصلية فإنها تدل على عدم الوجوب في الكل، ترك العمل بها في الثلث لحصول الإجماع عليه فيبقى الباقي على أصله وحينئذ يجب المصير إليه وهذا إنما يتم إذا لم يكن في الأمة من يقول بعدم وجوب شيء منها، فإن بتقدير ذلك لا يكون القول بوجوب الثلث قول كل الأمة، وأن لا يكون هناك دليل سمعي من نص أو قياس دال على الأكثر، فإن بتقدير ذلك لا يصح أن يتمسك بالبراءة الأصلية على نفي الزائد لأنها ليست بحجة مع الناقل السمعي. وكلام الإمام يشعر باشتراط عدم ورود الدليل السمعي بالأقل وعلل بأنه لو ورد فيه شيء كان الرجوع إلى أقل ما قيل لأجله لا لأجل الرجوع إلى أقل ما قيل. وهذا فيه نظر لأن هذا الاحتمال قائم في كل الإجماع مع أنه لا ينفي حجيته فكذا ما نحن فيه، ثم الذي يؤكد أن دية اليهودي مثال للمسألة مع أنه ورد في الدليل السمعي على ما اعتقده أصحابنا. لا يقال: خالفتم هذا الأصل في العدد الذي تنعقد به الجمعة فإنكم شرطتم في ذلك الأربعين وهو ليس أقل ما قيل فيه بل أقل ما قيل فيه غيره.

стр. 3743

وكذا خالفتم/ (٣٥٠/ أ) هذا الأصل في عدد الغسل من ولوغ الكلب فإن أقل ما قيل فيه ثلاثة وأنتم لا تقولون؛ لأنا نقول: لا نسلم مخالفة هذا الأصل؛ وهذا لأن شرطه عدم ورود الدليل السمعي على الأكثر على ما تقدم ذكره في المثالين المذكورين ولم يوجد هذا الشرط في اعتقادنا؛ لأنا نعتقد وجود الدليل السمعي على الأكثر، فلم يمكن التمسك بالبراءة الأصلية فلم يمكن الرجوع فيهما إلى الأخذ بأقل ما قيل بخلاف دية اليهودي فإنا لا نعتقد وجود دليل على وجوب الأكثر وإن كنا نعتقد وجود دليل سمعي على الأقل غير الإجماع. فإن قلتم: ما ذكرتم وإن دل على أن الأخذ بأقل ما قيل أولى لكن عندنا ما يدل على أن الأخذ بأكثر ما قيل أولى لأنه أحوط، وتقريره: أنه قد ثبت في الذمة حق واختلفت الأمة في الكمية، فقال بعضهم: كل الدية. وقال بعضهم نصف الدية وقال بعضهم: ثلث الدية. فإذا كان الكل محتملًا وفرضنا أنه ليس على واحد منها دليل سمعي تعارضت تلك الاحتمالات فتساقطت فلا تحصل براءة الذمة باليقين إلا عند أداء كل دية المسلم فوجب القول به ليحصل الخروج عن عهدة التكليف بيقين.

стр. 3744

قلت: لما كان الأصل براءة الذمة يمتنع الحكم بكونها مشغولة إلا بدليل سمعي، فإذ لم يوجد دليل سمعي سوى الإجماع، وهو لا يثبت إلا أقل ما قيل لم يثبت شغل الذمة إلا بذلك الأقل. فيحصل اليقين بالخروج عن العهدة بأداء الأقل. لا يقال: هب أنه لم يوجد جليل سمعي سوى الإجماع، لكنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول فلعله ثبت في الذمة حق أزيد من أقل ما قيل، وحينئذ لا يحصل الخروج عن العهدة بيقين إلا بأداء الأكثر. سلمنا أنه لا بد من وجود الدليل لكن لا نسلم أنه لم يوجد؛ وهذا لأنه يحتمل أن يكون حاصلًا لكن ربما أخطأ المجتهد فاعتقد عدم دلالة الدليل فحينئذ يكون شغل الذمة بالأكثر حاصلًا في نفس الأمر فلا يحصل الخروج عن العهدة إلا بأدائه؛ لأنا نقول: الجواب عن الأول: الحق أنه وإن كان لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول لكن ذلك في الأمور الحقيقية لا في الأمور الشرعية التكليفية فإن تجويز ذلك فيه يستلزم تكليف ما لا يطاق. بيانه فيما نحن فيه: أنه لما لم يوجد دليل سمعي سوى الإجماع، والإجماع لم يدل إلا على أقل ما قيل كان الزائد على ذلك القدر لو ثبت لثبت من غير دليل والتكليف بالمدلول من غير دليل تكليف بما لا يطاق. وعن الثاني: أنا إن قلنا: إن كل مجتهد مصيب فقد سقط ذلك وإن لم نقل به فالجواب: أن ذلك خلاف الأصل. سلمناه لكن يصير حكم الله تعالى في حقه إذ ذاك ذلك الذي غلب على ظنه وإن كان خلاف الواقع وحينئذ لا يكون مكلفًا إلا بما غلب على ظنه فيخرج عن العهدة بأدائه وإلا لزم تكليف ما لا يطاق وهو ممتنع.

стр. 3745

المسألة التاسعة ذهب بعضهم إلى أن الأخذ بأخف القولين واجب على المكلف . وذهب بعضهم إلى أن الأخذ بأثقل القولين واجب. ومنهم من لم يوجب الأخذ بشيء من ذلك. واحتج الأولون بالمنقول والمعقول. أما المنقول فكقوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر﴾ وقوله ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾. وقوله ﵇: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام". وقوله "بعثت بالحنيفية السهلة السمحة" وكل ذلك ينافي شرع الشاق الثقيل. ولقائلٍ أن يقول: هذه النصوص تدل على أن الدين وما شرع فيه من الأحكام ليس فيه حرج ولا عسر ولا ضرر؛ لأن كل ذلك تعليل للواقع وتحريض على الأخذ به وهذا لا يقتضي أن ما لا حرج فيه ولا عسر ولا ضرر مشروع؛ لأن الموجبة الكلية لا تنعكس كنفسها.

стр. 3746

وأما المعقول فهو: أنه تعالى غني كريم، والعبد محتاج فقير، وإذا وقع التعارض بين هذين الجانبين كان التحامل على جانب الكريم أولى منه على جانب الفقير المحتاج. واعلم أن هذا المذهب يرجع حاصله إلى أن الأصل في الملاذ: الإذن، وفي الآلام: الحرمة. ولقائل أن يقول: أما هذا الأصل فقد تقدم الكلام فيه، وأما ما يخص ما ذكره في هذا المقام فهو: أن التحامل على جانب الغني الكريم إنما يكون أولى أن لو لم يكن في التحامل على المحتاج الفقير مصلحة له في معاده أو في ميزانه فأما بتقدير ذلك فلا نسلم ما ذكرتم؛ وهذا لأنه لا بدع في التزام الأثقل لمصلحة تربو على مشقة الالتزام بل ذلك أولى في نظر العقلاء فكان المصير إليه أولى. واحتج عليه أيضًا: بأن الأخذ بالأخف أخذ بالأقل وقد ثبت وجوبه فكان الأخذ بالأخف واجبًا. وجوابه: منع المقدمة الأولى؛ وهذا لأنه ليس من شرط الأخف أن يكون جزءًا من الأثقل حتى يكون الأخذ به أخذًا بالأقل بل قد لا يكون جزءًا منه وحينئذ لا يكون الأخذ به أخذًا بالأقل [لأن الأخذ بالأقل] إنما يجب إذا كان جزءًا من الأثقل كما تقدم في المثال المذكور، فأما إذا لم يكن كذلك فلا وحينئذ لا يكون الأخذ بالأخف أخذًا بالأقل على الإطلاق. واحتج من قال: إن الأخذ بأثقل القولين واجب بقوله ﵇ "الحق ثقيل مري والباطل خفيف وبي" ولأن الأثقل أكثر ثوابًا فكان المصير إليه واجبًا لقوله تعالى ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ لأنه حينئذ يكون من جملة الخيرات.

стр. 3747

وهو أيضًا ضعيف؛ لأن النص على تقدير صحته يدل على أن الحق ثقيل وذلك لا يقتضي أن كل حق ثقيل. سلمناه لكن لا يقتضي ذلك أن كل ثقيل حق وكذا الكلام في القضية الأخرى وهي قوله الباطل/ (٣٥١/ أ) خفيف. أما قوله ثانيًا: ولأن الأثقل أكثر ثوابًا بالنسبة إلى الأخف مطلقًا ممنوع؛ وهذا لأن الأخف الواجب عندنا أكثر ثوابًا من الأثقل الغير واجب فلم قلتم أنه ليس كذلك؟ وحينئذ لا يتم لكم هذه المقدمة [إلا إذا بينتم أن الأثقل واجب فيتأتى وجوبه لكونه أثقل. سلمنا صحة هذه المقدمة مطلقًا] لكن النص إنما يدل على وجوب الاستباق إلى الخيرات لا إلى الأخير والأثقل والأخف كلاهما يشتركان في الخيرية، فلو دلت الآية على الوجوب لدلت على وجوبهما لا على وجوب الأثقل فلم يحصل منه المطلوب. واعلم أن من جملة الطرق: طريقة الاحتياط. قال قوم: يجب الأخذ به؛ لقوله ﵇ "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" واعلم أنها ليست طريقة بحالها بل هي إما طريقة الأخذ بأقل ما قيل، أو طريقة الأخذ بأكثر ما قيل، وتقدم الكلام فيهما فلا حاجة إلى الإعادة.

стр. 3748

النوع العشرون الكلام في الاستدلال ، وبيان أنواعه. وفيه مسائل:- المسألة الأولى في معنى الاستدلال . وهو في اللغة: عبارة عن طلب دلالة الدليل؛ لأنه استفعال منه فهو كالاستنطاق الذي هو طلب النطق. وأما الدليل فقد عرفته في صدر الكتاب. وأما في اصطلاح الفقهاء فإنه يطلق تارة بمعنى ذكر الدليل سواء كان الدليل نصًا أو إجماعًا أو غيرهما، وتارة يطلق على نوع خاص من أنواع الأدلة وهذا هو المطلوب بيانه ها هنا، وهو عبارة عن دليل لا يكون نصًا ولا إجماعًا ولا قياسًا، وإنما عرفناه بسلب غيره من الأدلة عنه دون العكس، لأنه تقدم معرفة تلك الأدلة عند ذكر الاستدلال فيكون ذلك تعريفًا للأخفى بالأعرف بخلاف العكس فإنه لم يتقدم ذكر الاستدلال عند ذكر تلك الأدلة فيكون ذلك تعريفًا بالمجهول ونظائره في التعريفات كثيرة.

стр. 3749

إذا عرفت ذلك فاعرف أنه على أنواع فلنذكر ما تيسر منها في مسائل: المسألة الثانية فيما يتعلق بالسبب والشرط والمانع . وطريق إيراده أن يقال: وجد السبب فوجب أن يوجد الحكم وإلا لزم تخلف المسبب عنه وهو خلاف الأصل. لا يقال: وجود السبب وحده غير كافٍ في ذلك بل لا بد من التعرض لوجود الشرط وانتفاء المانع فإنه إذا وجد بحيث وجد معه المانع، أو انعدم معه شرط فإنه لا يجب أن يوجد الحكم معه؛ لأنا نقول: من لا يجوز تخصيص العلة فالسؤال عنده ساقط، ومن يجوز ذلك فله أن يقول: توقيف السبب على وجود الشرط أو انتفاء المانع خلاف الأصل لاستلزام ذلك توقف ذلك على وجود غيره فإن التأثير أو التعريف صفة للشيء فلو توقف ذلك على وجود الشيء الآخر الذي هو الشرط لزم ما ذكرنا وإنه خلاف الأصل، ولاستلزام ذلك التعارض وهو خلاف الأصل، وإذا كان ذلك خلاف الأصل فلا يشترط ذكره فإن عدم التوقف ثابت بالأصل، ولأن الأصل عدم التوقف ضرورة أن الأصل في الأشياء العدم، وإذا كان كذلك فلا يتعرض لذلك اكتفاء بالأصل إلى أن يبين الخصم خلافه بإجماع أو نص فحينئذ يجب التعرض لذلك هذا في جانب الوجود. فأما في جانب العدم فيقال فيه: انتفى السبب فينتفي الحكم، أو انتفى شرط من شرائطه فينتفي الحكم وذلك بعد أن يثبت اشتراطه بطريقه، أو وجد المانع منه فينتفي الحكم عملًا بالمانع. لا يقال: هذا ليس بدليل لأنه استدلال بعدم الدليل وهو عدم السبب فلا

стр. 3750

يكون ذلك دليلًا لأن عدم الدليل لا يكون دليلًا، لأنا نمنع ذلك لأن المعنى من الدليل ما لو جدد النظر إليه لزمه الحكم بالمطلوب إما قطعًا، أو ظاهرًا، سواء كان عدميًا أو وجوديًا، وما ذكرنا كذلك فوجب أن يكون دليلًا، ثم من المعلوم أنه ليس نصًا وقياسًا فكان استدلالًا. لا يقال: لا نسلم أن كل ما ذكرتم ليس بقياس؛ وهذا لأن الاستدلال بوجود السبب على وجود المسبب يتوقف على كونه سببًا له وهو إنما يثبت بالمناسبة أو بترتيب الحكم على الوصف فيكون آيلًا إلى القياس؛ لأنا نقول: إن منعنا القياس في الأسباب فالأمر ظاهر، وإن لم نمنع ذلك على ما هو رأي أصحابنا فلا شك أن إثبات السببية ليس منحصرًا فيه بل يمكن إثباته بنص يدل عليه أو إجماع والثابت بالنص والإجماع لا يكون نصًا وإجماعًا. سلمناه لكن الثابت بالقياس لا يكون قياسًا كما في النص.
следующие страницы →