← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

التقديرين مما يكشف عن الشيء يكون اسما وحينئذ لا تكون الآية دالة على أن اللغات توقيفية. لا يقال: ما المراد من قولك: يجوز أن يكون المراد من الأسماء الصفات والعلامات. أي: أنها من جملة المراد أو أنها المراد فقط، وهذا الاحتمال وإن كان خلاف ما أشعر به كلامكم، وهو التمسك بشهادة الاشتقاق، لكن لا يمتنع إرادته منه، فإن أردتم به الأول فمسلم، وإن كان على خلاف العرف لكن لا ينافى المقصود بل يحصله، لأن الآية حينئذ تكون دالة على أن كل ما يكشف عن الشيء معلم من جهته تعالى لكونها عامة، ومن جملة الألفاظ الدالة على معاينها، فتكون الآية دالة على أنها معلمة من جهته تعالى. وإن أردتم به الثاني. فنقول: إنه غير جائز لكونه على خلاف العرف والاشتقاق والعموم. قلنا: أردنا به الثاني وتمسكنا بالاشتقاق لبيان صحة كونها مرادة من الأسماء على وجه تخصيص العام ببعض مسمياته. قوله: إنه غير جائز لكونه على خلاف الأصل. قلنا: التمسك بمثله لا يفيد إلا الظن، وقد ذكرنا أن المسألة علمية فلا يجوز التمسك به عليها. سلمنا: أن المراد من الأسماء الألفاظ المخصوصة لكن لا نسلم دلالة الآية على التوقيف، وهذا لأنه يجوز أن تكون تلك الألفاظ موضوعة خلق خلقه الله تعالى قبل آدم من الملائكة والجن ثم أنه تعالى علمها لآدم

стр. 72

سلمنا. دلالة الآية عليه لكن بالنسبة إلى كل اللغات أو بعضها / (١٢/ب). والأول: ممنوع وهذا لأنا لا نسلم أن الجمع المحلى بالألف واللام يفيد العموم، ولئن سلمنا إفادته لذلك في الجملة، لكن لا نسلم أنه يفيده هاهنا، وهذا لأنا نعلم بالضرورة حدوث بعض اللغات بعده ﵇، بل في كل زمان كالألفاظ العرفية وأسامي الحروف والصناعات والآلات الحادثة فيستحيل أن تكون تلك الألفاظ مرادة من الآية فلم يكن العموم مرادا منها. والثاني: مسلم لكن لا يحصل مطلوبكم. سلمنا ذلك لكن لا يلزم منه توقيف هذه اللغات التي نتكلم بها بالنسبة إلينا لجواز أن يقال: إنه ﵇ نسى هذه اللغات، أو لم يوقف عليها غيره ثم اصطلح عليها من بعده. سلمنا ذلك لكن لم قلت: إن الأفعال والحروف كذلك. قوله: أو لأنه لا قائل بالفصل. قلنا: لا نسلم أن الإجماع دليل قاطع حتى يجوز التمسك به في هذه المسألة. سلمنا: أن الإجماع المطلق دليل قاطع، لكن لا نسلم أن هذا الإجماع وأمثاله كالسكوتي دليل قاطع، بل إما أن لا يكون حجة أو وإن كان حجة لكنه حجة ظنية. قوله: ثانيا عليه التعليم للحاجة.

стр. 73

قلنا: مسمى الحاجة، أو الحاجة المخصوصة والأول ممنوع، والثاني مسلم، ولا يلزم منه كون الأفعال والحروف معلمة أيضا لعدم تلك الحاجة المخصوصة فيها. واعلم أنه وإن أمكن الجواب عن بعض هذه الأسئلة لكن بأجوبة ظنية وقد عرفت أن المسألة عليمة فلا يجوز أن يعول عليها فلذلك تركنا ذكرها. ثانيها: قوله تعالى: ﴿ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم﴾ الآية. ووجه: التمسك بها هو أنه ليس المراد من اللسان الجارحة المخصوصة، لأنه ليس فيه كبير اختلاف، وبتقدير تحققه فإنه ليس بظاهر بخلاف غيره من الأعضاء كالوجه فإنه مع ظهوره واختصاصه بكثرة إبداع الصنع اختص بمزيد الجمال وهو داع للنظر إليه والتفكر فيه فكان ذكره أولى وأفضى إلى المقصود، فلم يكن في ذكره اللسان فائدة، بل المراد منه اختلاف اللغات، إما بطريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أو بطريق إطلاق اسم العلة على المعلول أو اسم المحل على الحال واختلافها إنما يكون آية على وجوده تعالى أن لو كانت اللغات توقيفية. وأجيب عنه: هب أنا نسلم أنه ليس المراد من اللسان الجارحة المخصوصة،

стр. 74

لكن على الحمل على ما ذكرنا من المجاز أولى من الحمل على مجاز آخر، هو الاقتدار على اختراع اللغات أو على تلفظها فلم يتعين ما ذكرتم. ولقائل: / (١٣/أ) أن يقول: مجاز المستدل أولى. أما إذا قلنا: إنه من باب إطلاق اسم العلة على المعلول أو إطلاق اسم المحل على الحال فظاهر، لأن مجازكم من قبيل الإضمار على ما يبين ومجازه على هذا التقدير ليس كذلك، وإذا وقع التعارض بين المجاز والإضمار فالمجاز أولى. لأنه أكثر والكثرة تدل على قلة المفسدة. وأما إن قلنا: إنه بطريق الإضمار فكذلك لقلة الإضمار على هذا التقدير بخلاف مجازكم فإنه يلزم منه كثرة الإضمار أو المجاز والإضمار معا. بيانه أنا لو حملنا على مجازكم يصير تقدير الآية، واختلاف اقتدار ألسنتكم باللغات، واختلاف اقتداركم باللغات على أنه أطلق اللسان وأورد الاقتدار، كما في إطلاق اليد وإرادة القدرة.

стр. 75

فعلى الأول: يلزم كثرة الإضمار، وعلى الثاني: يلزمه المجاز والإضمار معا وعلى ما ذكرنا لا يلزمه إلا الإضمار الذي هو أقل من إضماركم، لأنه يصير تقدير الآية على ما ذكرنا، واختلاف لغات ألسنتكم وكان أولى. "والأولى أن يجاب بمنع أن اختلاف اللغات إنما يكون آية لو كانت اللغات توقيفية". وهذا لأن واضعها، وإن كان هو العبد فهي مخلوقة لله تعالى على ما عرف عن مذهبنا أن أفعال العباد ونتائجها بخلق الله تعالى. وثالثها: قوله تعالى: ﴿إن هي إلا أسماء سميتموها أنت وآباؤكم﴾ الآية. ذمهم على تسميتهم بعض الأشياء من غير توقيف لقوله تعالى: ﴿ما أنزل الله بها من سلطان﴾ يدل عليه، فلو كان غيرها من الأسماء اصطلاحيا

стр. 76

أيضا: لم يكن لتقييد الذم بتلك الأسماء فائدة. وجوابه: أنا لا نسلم أنه ذمهم على مجرد التسمية، بل الذم للتسمية المخصوصة وهي تسمية الأصنام آلهة، مع اعتقاد الإلهية فيها لا مجرد التسمية. سلمنا: أن المجموع ليس علة فلم لا يجوز أن تكون العلة هي التسمية المخصوصة لا مطلق التسمية حتى يلزم ما ذكرتم، وهو أنه لم يكن لتقييد الذم بتلك الأسماء فائدة. سلمنا: أن الذم بمجرد التسمية وأنه يدل على أن ما عداها من الأسماء توقيفا لكن لا يدل على مطلوبكم، وهو أن اللغات بأسرها توقيفية، لأن من جملتها تلك الأسماء وهي ليست توقيفية، بل لو دل فإنما يدل على [أن] البعض منه كذلك كما هو مذهب قوم.

стр. 77

ورابعها: التمسك بالعمومات الدالة على أن علم المخلوقات كله بتعلم الله تعالى كقوله تعالى حكاية عن الملائكة: ﴿قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿علم الإنسان ما لم يعلم﴾، واللغات من جملتها. وجوابه: يعرف مما تقدم. وخامسها: / (١٣/ب) وهو الوجه المعقول: أنها لو كانت اصطلاحية لافتقر الواضع في تعريف ذلك الغير إلى طريق، لأن مجرد وضع اللفظ لمعنى غير كاف في كونه مصطلحا عليه ما لم يساعده عليه غيره، وذلك الطريق إن كان اصطلاحيا أيضا كان الكلام فيه كالكلام في الأول ولا يتسلسل

стр. 78

لبطلانه، بل ينتهي إلى التوقيف وهو المطلوب. وجوابه: النقض بتعلم الولد لغة والديه من غير توقيف على التوقيف. سلمنا: سلامته عن النقض لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك الطريق هو الإشارة إلى المسمى مع ذكر اللفظ وتكرره، وليس تعريف دلالة هذه الطريقة على كون ذلك اللفظ موضوعا لذلك المعنى يحتاج إلى طريقة أخرى، فإن من رأي غيره مع مسيس حاجته إلى تعريف لغته أنه يشير إلى شيء وتكرر لفظا علم بالضرورة أنه قصد تعريف كون ذلك اللفظ موضوعا لذلك الشيء. سلمنا: أنه لابد وأن ينتهي إلى توقيف لغة ما. فلم قلت: إن تلك اللغة هي هذه؟ هذا من جملة ما اعترض به بعض أصحابنا على الدلالة المذكورة. وهو يشعر بأن النزاع إنما هو في هذه اللغات، وفيه نظر، لأن الكلام في مبادئ اللغات لا في اللغة المخصوصة. سلمنا: أن تلك اللغة هي هذه لكن ما ذكرتم من الدلالة لا يقتضي أن جميعها توقيفيا، الذي هو مطلوبكم بل بعضها، إذ يمكن تعريف ما هو بالاصطلاح بذلك البعض كما هو مذهب الأستاذ.

стр. 79

وأما القائلون بالاصطلاح فقد احتجوا بوجهين:- أحدهما: قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾. دلت الآية على تقديم اللغات على البعثة المتوقف عليها التوقيف، فلو كانت اللغات توقيفية لزم تقدمها على البعثة وتأخيرها عليها معا وهو محال. وثانيهما: لو كانت اللغات توقيفية فطريق وصولها إلى الخلق، إما الإيحاء أو خلق العلم الضروري فيهم بأنه تعالى وضع تلك الألفاظ لتلك المعاني أو غيرها، والأول باطل لما تقدم، والثاني أيضا كذلك، لأن خلق ذلك العلم، إما أن يكون في جميع الخلق المكلفين وغير المكلفين، أو في المكلفين فقط، أو في غيرهم فقط، والقسمان الأولان باطلان لاقتضائهما كون العلم بالله ضروريا، لأنه لما خلق فيهم علما ضروريا بأن واضع الألفاظ لمعانيها هو الله تعالى كان العلم بالله تعالى ضروريا قطعا لكنه باطل، لأنه يلزم منه أن يبطل التكليف بمعرفة الله تعالى. والثالث: باطل أيضا.

стр. 80

أما أولا فلأنه يجب أن لا يحصل العلم بتلك اللغات لغيرهم، لأنه لا يحصل العلم بها إلا بالتعلم منهم وهو غير حاصل منهم إذ / (١٤/أ) الثقة لا تحصل بقولهم وفعلهم. وأما ثانيا: فلأن من البعيد أن يصير غير العاقل عالما بهذه اللغات العجيبة والتركيبات البديعة وبمعانيها الغريبة. والثالث أيضا: باطل وهو أن ذلك الطريق غيرهما، لأن الكلام فيه كالكلام في الأول ولا يتسلسل لبطلانه، بل ينتهي إلى الاصطلاح وهو المطلوب. والجواب: عن الأول أنا لا نسلم توقف التوقيف على البعثة، لأنه يجوز أن يخلق الله فيهم علما ضروريا بأن واضعا وضع تلك الألفاظ لتلك المعاني لا أنه تعالى وضع. وبه خرج الجواب أيضا عن الثاني، لأنه لا يلزم حينئذ أن تكون معرفة الله ضرورية. ثم نقول: ما ذكرتم معارض بما أن اللغات لو كانت اصطلاحية لما حصل القطع بشيء من مدلولات الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة لاحتمال أن يقال أنها كانت في العصر الأول تدل على معاني غير ما نعرفه الآن، ثم أن الناس اصطلحوا بعد ذلك العصر على دلالتها على هذه المعاني التي نعرفها الآن.

стр. 81

واعلم: أنه يمكنك أن تعرف مما سبق دليل المذهبين الباقيين وجوابه فلا حاجة إلى ذكره.

стр. 82

"الفصل الثالث" في العلة الغائية لوضع الألفاظ للمعاني وسبب اختيارها على غيرها من الطرق

стр. 83

الفصل الثالث في العلة الغائية لوضع الألفاظ للمعاني وسبب اختيارها على غيرها من الطرق اعلم: أن الواحد منا لما خلق بحيث لا يستقل بتحصيل جميع ما لابد له منها احتاج إلى غيره ليعاونه على ذلك وهو إنما يعاونه أن لو عرف حاجته فيحتاج كل واحد من الناس إلى أن يعرف صاحبه ما في ضميره ليمكن التعاون ولابد في ذلك من طريق، وذلك الطريق وإن كان يمكن أن يكون غير الألفاظ، مثل الإيماءات المخصوصة والإشارات المعينة والحروف والرقوم المكتوبة، مثل أن يجعل صورة "الألف" مثلا دليلا على طلب الماء، و "الباء" على طلب الطعام، لكن اختيرت الألفاظ عليها لوجوه: أحدها: أنه يمكن أن يعرف بها كل ما في الضمير موجودا كان أو معدوما محسوسا كان أو معقولا بخلاف غيرها من الطرق، فإنه لا يمكن أن يعرف بها ما غاب عن الحس. وثانيها: أن العبارة توجد حين يراد وجودها وتنعدم حين يستغنى عنها وهو بعد وجودها فلا يطلع عليها من لا يراد اطلاعه عليها بخلاف كتابة الحروف والرقوم وبعض أنواع الإشارات فإنه يحتاج في إزالتها بعد وجودها إلى تعاطي فعل آخر ولا يخفى أن ذلك أشق.

стр. 84

وثالثها: أن الإنسان لابد له من التنفس في حياته، فصرفه ذلك التنفس / (١٤/ب) الضروري إلى ما ينتفع به انتفاعا كليا أولى من اختراع طريق آخر مستغن عنه. ورابعها: أن المعاني التي يحتاج الإنسان إلى التعبير عنها كثيرة جدا، فلو وضعوا لكل واحد منها علامة خاصة من الرقوم والحروف لزم الاشتراك في أكثرها أو يعسر ضبطها، لأن حفظها غير ممكن. وخامسها: أنه يمكن أن يعلم بالعبارة من لا يكون حاضرا، كما يمكن أن يعرف بها ما لا يكون محسوسا ولا موجودا، وهذا بخلاف الإيماء والإشارة، فإنه لا يمكن أن يعلم بهما من لا يكون حاضرا، كما لا يمكن أن يعرف بهما ما لا يكون محسوسا ولا موجودا، وأما الحروف والرقوم فإنه وإن أمكن إعلام الغائبين بها لكن بطريق الكتابة فقط، وأما الألفاظ فإنه يمكن الإعلام بها بالرسالة والكتابة معا، والمفضي إلى المقصود بطريقين أولى من المفضي إليه بطريق واحد. تنبيه: اعلم: أنه ليس الغرض من وضع الألفاظ المفردة أن تعاد فيها معانيها المفردة

стр. 85

لأن إفادتها لها متوقفة على العلم بها ضرورة أن العلم بالنسبة يستدعي العلم بالمنتسبين، فلو استفيد العلم بها منها لزم الدور، بل الغرض منه التمكن من إفادة المعاني المركبة بتركيبها والدور غير لازم هنا، إذ يكفي في تلك الإفادة العلم بوضع تلك الألفاظ المفردة وانتساب بعضها إلى بعض بالنسب المخصوصة والحركات المخصوصة.

стр. 86

"الفصل الرابع" في الطريق الذي به يعرف كون اللفظ موضوعاً للمعنى

стр. 87

الفصل الرابع في الطريق الذي به يعرف كون اللفظ موضوعا للمعنى فنقول: الطريق إليه: إما النقل، أو المركب منه ومن العقل، إذ لا سبيل للعقل وحده إليه. وأما النقل: فهو إما آحاد، أو تواتر. والآحاد لا يفيد إلا الظن. وأما التواتر فهو يفيد العلم، إما الضروري، أو النظري على اختلاف فيه. وأما المركب منهما: فهو يفيد الظن مهما كان شيء من مقدماته ظنيا، والقطع إذا لم يكن شيء من مقدماته ظنيا بل كله قطعيا. مثال المركب: إنا إذا عرفنا أنهم جوزوا الاستثناء عن صيغ الجموع المعروفة بالألف واللام. وعرفنا أيضا أن الاستثناء من الكلام ما لولاه لدخل فيه.

стр. 88

كلاهما بالنقل، فيعلم بالعقل هاتين المقدمتين أن صيغة الجمع للعموم. وقد قدح في كل واحد من هذه الطرق الثلاثة، أما في التواتر: فبسبب كثرة الاختلاف الواقع في أكثر الألفاظ دورانا على الألسن كلفظة الله، فإنه اختلف فيه في أنه هل هو عربي؟ أو غير عربي، وبتقدير كونه عربيا، وهل هو موضوع/ (١٥/أ) أو مشتق؟ وبتقدير كونه موضوعا هل هو اسم علم أو اسم جنس؟ وبتقدير كونه مشتقا، اختلفوا مما اشتق منه اختلافا كثيرا، ولو كانت اللغات متواترة لما كان ذلك، وأما الآحاد فهي لا تفيد إلا الظن إن سلمت عن

стр. 89

الجرح والقدح وهي غير "مسلم في رواه" اللغة لما عرف من قدح بعضهم بعضا، وبتقدير سلامته عن ذلك وجب أن لا يقطع لشيء من مدلولات الكتاب والسنة وهو خلاف الإجماع. وأما الثالث: فهو نادر جدا فلا يعول عليه في معرفة الوضع في عامة اللغات. ولئن سلمنا: أنه غير نادر فهو إنما يفيد اليقين أن لو عرف أن واضع تينك المقدمتين هو الله تعالى لعدم جواز التناقض عليه، وأما بتقدير أن يكون الواضع هو العبد لا يأمن التناقض عليه، فجاز أن يضع إحدى المقدمتين بحيث تناقض الأخرى فلا تفيد المطلوب فضلا عن أن يكون ذلك يقينا لكن قد ذكرنا أن ذلك غير معلوم. وجوابه: أن دلالة المتداول من اللغات كالسماء والأرض والماء والطعام على مدلولاتها قاطعة معلومة بالتواتر وقد حكم فيه، لو سلم سلامته عن القدح يجرى مجرى قدح السوفسطائية في المحسوسات فكما أن ذلك لا يستحق

стр. 90

الجواب وكذا ما ذكرتموه. وأما غير المتداول منها فهو مظنون الدلالة ولا يثبت له من الأحكام إلا ما هو مظنون ويثبت وجوب العمل به، إما بالإجماع الذي يثبت حجيته بالنصوص المتواترة الواردة بالألفاظ المتداولة المقطوعة الدلالة أو بالنصوص الدالة على وجوب العمل بالمظنون الواردة باللألفاظ المتداولة كقوله ﵇: "نحن نحكم بالظاهر"، "وأقضى بالظاهر"

стр. 91

"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" وما يجرى مجراها ولعل أكثر ألفاظ

стр. 92

القرآن والسنة فيما يحتاج إليه أصول الدين وفروعه المعلوم من قبيل القسم الأول فلا جرم قامت بها الحجة في المسائل المقطوعة.

стр. 93

"الفصل الخامس" في بيان أنه لا يجب أن يكون لكن معنى لفظ والمعاني التي تدل عليها الألفاظ

стр. 94

" الفصل الخامس" في بيان أنه لا يجب أن يكون لكل معنى لفظ والمعاني التي تدل عليها الألفاظ وفيه مسائل: المسألة الأولى [لا يجب أن يكون لكل معنى لفظ] في أنه لا يجب أن يكون لكل معنى لفظ، بل يمتنع ذلك، والدليل عليه أن المعاني غير المتناهية، لأن من جملتها الأعداد وهي غير متناهية فتكون المعاني غير متناهية، فلو كان لكل معنى لفظ فلا يخلو، إما أن يكون ذلك على سبيل الانفراد أو الاشتراك. والأول باطل. أما أولا: فلأنه يقتضى/ (١٥/ب) وجود ألفاظ لا نهاية لها، وهو محال، لأنها مركبة من حروف متناهية، والمركب من المتناهي متناهي فوجود الألفاظ الغير المتناهية محال. وأما ثانيا: فلأن وضع الألفاظ للمعان الغير المتناهية على سبيل التفصيل يستدعى تعقل تلك المعاني على سبيل التفصيل وهو محال منا، وهذا ظاهر إن اللغات اصطلاحية. وأما إن قيل إنها توقيفية فكذلك. لأن العلم بما لا نهاية له على سبيل التفصيل، وإن كان حاصلا لله تعالى لكن وضع الألفاظ لتلك المعاني إنما هو لحاجة العباد إليها على ما عرفته، فإذا لم يمكنهم تعقل ما لا نهاية له، لم يمكنهم أن يعرفوا كون "تلك" الألفاظ موضوعة

стр. 95

لتلك المعاني، فيكون الوضع خاليا عن الغرض والفائدة، فيكون عيبا، وهو على الحكيم محال. والثاني باطل أيضا لأنه لابد وأن يوجد في تلك الألفاظ ما يدل على المعاني الغير متناهية وإلا لم يكن لكل معنى لفظ ضرورة أن ضم المتناهي إلى المتناهي بمرات متناهية متناهي ولا شك أن هاهنا كذلك، وإنما قيدنا "بمرات" متناهية، احترازا عن مرات غير متناهية، فإنه وإن كان كل واحد من تلك المرات متناهيا فإنه لا يجب أن لا يكون متناهيا كما في العدد لكن ذلك محال لما تقدم، وهو أن تعقل ما لا نهاية له على سبيل التفصيل منا محال، وفي هذه الدلالة نظر يعرف في فصل الاشتراك، وإذا بطل أن يكون لكل معنى لفظ. فاعلم: أن المعاني منها ما تمس الحاجة إلى التعبير عنه، ومنها مالا يكون كذلك والأول: يجب أن يكون له لفظ، لأن الداعي إلى الوضع موجود وهو مسيس الحاجة والموانع مرتفعة ظاهرا، ومتى كان كذلك وجب الفعل فوجب أن يكون له لفظ، وأما الذي لا يكون كذلك جاز أن يكون له لفظ وألا يكون.

стр. 96

المسألة الثانية في المعنى الذي يدل عليه اللفظ قبل اللفظ . إنما يدل على ما فيه الأذهان من المعاني دون ما في الخارج، واستدل عليه في المفرد: بأنه تختلف دلالته عند اختلاف المعنى في الذهن، وإن لم يختلف في الخارج من غير عكس، مثل ما إذا رأينا شبحا من بعيد واعتقدناه مثلا حيوانا مخصوص فإنا نطلق عليه اسم ذلك الحيوان، فإذا تغير ذلك الاعتقاد باعتقاد آخر فإنا نطلق عليه بحسب ذلك الاعتقاد اسما آخر، فلولا أن اللفظ [يدل] على ما في/ (١٦/أ) الأذهان وإلا لما كان كذلك.

стр. 97

لا يقال: ما ذكرتم لا يدل على "أن اللفظ لا يدل على" ما في الخارج لاحتمال أن يقال: "إنه" يدل على ما في الخارج لكن شرط موافقة الصورة الذهنية له، والشيء ينتفي عن انتفاء شرطه ولما لم تكن الصورة الذهنية موافقة لما في الخارج فيما ذكرتم من الصور لا جرم لا يدل عليه, لأنا نقول: لو كان اللفظ دالا على المعنى الخارجي لكان هو، إما ركن الدلالة عليه أو شرطا لها وعلى التقديرين يجب تغير الدلالة عند تغير المعنى في الخارج وعدم تغيره في الذهن ولما لم يكن كذلك علمنا أنه لا دلالة عليه. وأما في المركب فقد استدل عليه: بأن قولنا: "قام زيد" لا يدل على قيام زيد في الخارج، وإلا لم يكن الخبر محتملا الكذب، بل يدل على حكم القائل به وإخباره عنه من غير أن يشترط فيه الاعتقاد والظن بثبوت النسبة إذ قد يحكم بالنسبة من غير اعتقاد، وإنما يستدل به على وجود المخبر عنه في الخارج على وجه القطع إذا عرف براءة القاتل عن الكذب عمدا ونسيانا وخطأ قطعا، أو على وجه الظن إذا عرف براءته عنه ظنا لا لأن اللفظ يدل عليه، وهو ضعيف، لأنا نمنع الملازمة مطلقا، وهذا لأن بتقدير أن تكون دلالته ظنية لا يلزم أن لا يحتمل الكذب، بلى لو كانت دلالته قاطعة يلزم ما ذكرتم. ثم نقول: ما ذكرتم يقتضى أن خبر من أخبر عن شيء وهو غير ظان به ولا قاطع وهو غير مطابق لا في الخارج أن لا يكون كذبا، لأن الكذب هو

стр. 98

الخبر الذي لا يكون مطابقا للمخبر عنه، [والمخبر عنه] على ما ذكرتم هو المعنى الذهني وهو مطابق له فلا يكون كذبا، وهو خلاف الإجماع. وأيضا: على هذا الخبر إنما يكون كذبا، إذا كان القائل به غير متصور لثبوت النسبة بأن كان نائما أو سابقا لسانه إليه، وإن كان مطابقا لما في الخارج وهو خلاف الإجماع أيضا: لأن الجاحظ وإن خالف الجمهور في صدق هذا الخبر لكن وافقهم في أنه ليس بكذب.

стр. 99

المسألة الثالثة في أن اللفظ المتداول المشهور بين الخواص والعوام، إنما يدل على المعنى المشهور فيما بينهما . ولا يجوز أن يكون موضوعا في اللغة لما لا يعرفه إلا الخواص كلفظ الحركة، لما يقوله: مثبتوا الحال. وهو أنه معنى يوجب كون الذات متحركا، فإن هذا المعنى بتقدير تحققه لا يعرفه إلا الخواص بالبرهان الدقيق دون أهل اللغة من أرباب اللسان. والدليل عليه أن من شرط وضع اللفظ للمعنى أن يكون ذلك المعنى معلوما للواضع فإذا لم يعرف أهل/ (١٦/ب) اللغة ذلك المعنى استحال أن يقال: إنهم وضعوا ذلك اللفظ لذلك المعنى وهذه الدلالة غير آتية إذ قلنا: اللغات توقيفية، لأنه يقال: لا يخفى عليه خافية، فيحتاج إلى دليل آخر يدل على المطلوب على هذا التقدير فنقول: الدليل عليه وجهان:- أحدهما: أن الحاجة إلى المعنى المشهور أكثر، وظن كون اللفظ موضوعاً له

стр. 100

أغلب وليست المسألة عملية محضة حتى لا يجوز الاستدلال عليها بما يفيد الظن، بل هي آيلة إلى العمل، فيجوز الاستدلال عليها بالظنيات لما يأتى. وثانيهما: أن لو كان الأصل موضوعا لذلك المعنى الخفي، فأما أن يكون معه موضوعا لذلك المعنى المشهور أيضا: أو لا يكون، وكل واحد منهما باطل فالوضع لذلك المعنى الخفي باطل. أما الأول: فلأنه يلزم منه الاشتراك وهو خلاف الأصل. وأما الثاني: فلأنه يلزم منه النقل إن أمارة الحقيقة- وهو التبادر إلى الفهم في المعنى المشهور- ظاهرة.

стр. 101

"الفصل السادس" في تقسيم دلالة الألفاظ المفردة بحسب المطابقة

стр. 102

الفصل السادس في تقسيم دلالة الألفاظ المفردة بحسب المطابقة فهو من وجوه: الأول: اعلم أن دلالة اللفظ على تمام مسماه هي المطابقة كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق، وعلى جزئه هي التضمن، كدلالته على الحيوان وحده، وعلى الناطق وحده، وعلى لازمه الخارج عن مسماه هي الالتزام، كدلالته على الكاتب أو الضاحك والنعه في الكل من حيث هو كذلك، احترازا عن اللفظ المشترك بين الجزء والكل واللازم والملزوم. أما الأول: فهو كالإمكان العام والخاص، والعام جزء من الخاص فإذا أطلق وأريد به الخاص فقد دل على العام بطريق التضمن هو تمام مسماه أيضا: فيصدق عليه أنه دل على تمام مسماه، فلو لم يقيد الدلالة بالقيد المذكور لزم أن تكون دلالة التضمن دلالة المطابقة وهو خلف. وأما الثاني: فمثل فعيل المشترك بين الفاعل والمفعول، كالرحيم فإنه قد يكون بمعنى المرحوم كما يكون بمعنى الراحم نص عليه الجوهري، وهو دال على

стр. 103

أحدهما بطريق المطابقة دل على الآخر بطريق الالتزام لكونه لازما له، وهو أيضا: تمام مسماه فيصدق عليه أنه دل على تمام مسماه، فلو لم يقل: من حيث هو كذلك لزم أن تكون دلالة الالتزام دلالة المطابقة، فلم يكن التعريف مانعا. تنبيهات: الأول: منهم من لم يقيد دلالة المطابقة بالقيد المذكور وقيد الباقين، لا لأنه لا حاجة إليه في المطابقة، فإن الحاجة إليه بينة لما ذكرنا وكيف يتوهم ذلك؟ فإنه كما/ (١٧/أ) يحتاج إليه لدفع النقض في التضمن والالتزام عند حمل اللفظ المشترك بين الكل والجزء واللازم والملزوم على الجزء واللازم، فكذلك يحتاج إليه في المطابقة "لدفعه عند حمله على الكل والملزوم بل لعله ظن أن دلالة التضمن والالتزام لا يمكن معرفتهما إلا بعد معرفة المطابقة" لكونهما تابعين لها، فلو جعل القيد المذكور جزء من معرفة المطابقة للاحتراز عنهما لزم أن يكونا معلومين قبل المطابقة، فيلزم أن يكون

стр. 104

الشيء معلوما قبل كونه معلوما وهو محال. ولا يخفى عليك ما فيه. الثاني: دلالة المطابقة قد تنفك عن التضمن، وذلك حيث يكون مدلول اللفظ بسيطا لا جزء له. وهي ينفك عن دلالة الالتزام، أم لا؟ فالأكثرون علي أنها لا تنفك، لأن كل ماهية لابد وأن يكون له لازم لعله أنه ليس غيره. ومنهم من جوزوا الانفكاك زاعما أن شرط دلالة الالتزام أن يكون اللازم بحيث يكون تصوره لازما لتصور الملزوم. وهو ممنوع فيما ذكر من اللازم، وهذا لأنه يمكننا أن نعقل الماهية مع الذهول عن الاعتبار المذكور.

стр. 105

وأما المطابقة ولازمها [فلا وجه] لهما لاستحالة وجود التابع من حيث إنه تابع بدون المتبوع. الثالث: قيل: الدلالة الحقيقية والوضعية واللفظية هي المطابقة والباقيتان عقليتان ومجازيتان. وهذا ظاهر لا إشكال فيه وإنما وصفنا بكونهما عقليتين، إما لأن العقل يستقل باستعمال اللفظ فيهما من غير افتقار إلى استعمال أهل اللسان اللفظ فيهما، وهذا يستقيم على رأى من لم يعتبر الوضع في المجاز، وإما لأن المتميز بين مدلوليهما وهما الجزء واللازم هو العقل. وقال: بعضهم دلالة التضمن لفظية أيضا: دون الالتزام، وهو ضعيف، لأنه إن جعل دلالة التضمن لفظية لأجل أن فهم الجزء فيهما إنما هو بواسطة اللفظ فدلالة الالتزام أيضا: كذلك لأن فهم اللازم إنما هو بواسطة اللفظ الدال على الملزوم. وإن كان لأجل أن اللفظ موضوع له بالوضع المختص بالحقيقة فهو باطل، أو بالوضع المشترك بين الحقيقة والمجاز فاللازم أيضا: كذلك أن اعتبر الوضع في المجاز وإلا فليس فيهما الوضع، وإن كان لأجل أن الجزء داخل في المسمى واللازم خارج عنه فهو تحكم محض واصطلاح من غير مناسبة على أنه يلزم منه أن تكون الدلالة اللفظية مطلقة عليها بالاشتراك اللفظي، وأنه خلاف الأصل. الرابع: دلالة اللفظ على المعنى بواسطة الوضع منحصره فيما ذكرنا من الوجوه/ (١٧/ب) الثلاثة. والدليل عليه أن المعنى من دلالة اللفظ على المعنى أن يفهم المعنى عند سماعه، أما وحدة كما في المطابقة، وأما مع القرينة

стр. 106

كما في التضمن والالتزام، فلو فهم منه معنى عند سماعه ليس هو موضوعه ولا جزء موضوعه ولا لازمه لزم ترجيح أحد الجائزين على الآخر من غير مرجح، لأن نسبة ذلك اللفظ إلى ذلك المعنى، كنسبته إلى سائر المعاني ففهمه دون سائر المعاني ترجيح من غير مرجح. واحترزنا بقولنا: بواسطة الوضع، عن دلالته بواسطة العقل، كدلالته على حياة اللافظ. وقدرته على التكلم عن دلالته بالطبع، كدلالة: أح على الوجع، وأف على الضجر، وعن دلالته بالعرف، كنباح الكلب بالليل على دخول الطارق، فإن هذه الدلالات خارجة عن تلك الدلالة الثالثة. الخامس: المعتبر في دلالته الالتزام اللزوم الذهني ظاهرا، دون الخارجي، فلأنه لولاه لما فهم المعنى لما تقدم، وإنما قلنا: ظاهرا لأن القطعي غير معتبر وإلا لم يجز إطلاق اسم اليد على القدرة ونحوه، فإن اليد لا تستلزم القدرة قطعا، لأن اليد قد تكون شلاء بل ظاهراً، وكإطلاق

стр. 107

اسم "أحد" المتقابلين على الآخر، فإن فهم أحدهما لا يستلزم فهم الآخر قطعا بل ظاهرا [على] الحال، واسم الجزء على الكل إذ المحل غير مستلزم للحال قطعا ولا الجزء للكل، وأما الثاني فلحصول الفهم بدونه كما في الضدين المتقابلين تقابل العدم والملكة، إذ يقال للأعمى بصير وهو عدم البصر عما من شأنه أن يبصر. واستدل الإمام على عدم اعتبار اللزوم الخارجي بوجه آخر، وهو أن الجوهر والعرض يتلازما في الخارج مع أنه لا يستعمل لفظ أحدهما في الآخر. وهو ضعيف، لأنه لا يلزم من وجود ما يعتبر في وجود الشيء وجوده لجواز أن يكون شرطا أو لازما أعم. والعجب منه، أنه صرح عقيب هذا الاستدلال، أن اللزوم الذهني شرط لا موجب، فبتقدير أن يكون الملزوم

стр. 108

الخارجي معتبرا كان كذلك، فكيف استدل بوجوده مع عدم الاستعمال على عدم الاعتبار؟. ولنرجع إلى التقسيم. فنقول: الدال بالمطابقة، إن قصد لكل جزء منه دلالة على كل جزء من المعنى حين هو جزؤه فهو المركب كعبد الله إذا أريد منه النعت، وإن لم يقصد لكل جزء من المعنى حين جرؤه فهو المفرد، وأما [ما] يقصد بأحد جزئي اللفظ دلالة على أحد جزئي المعنى حين هو جزؤه "فهو المفرد/ (١٨/أ) وأما ما يقصد بأحد جزئي اللفظ دلالة على أحد جزئي المعنى وحين هو جزؤه" دون الجزء الآخر، فهو غير واقع، سواء كان له دلالة في غيره، أو لم يكن له دلالة على شيء أصلا، إذ التركيب لا يصار إليه إلا لفائدة، وضم المهمل إلى المستعمل غير مفيد، والذي له دلالة في غير ذلك المعنى مهمل أيضا بالنسبة إلى ذلك التركيب. لا يقال: كلمات المضارع على رأي الحكماء كذلك، لأن كل واحد من حروف المضارع يدل على جزء من معنى الجملة، فإن الهمزة تدل على الفاعل المتكلم، والنون تدل عليه مع غيره، وكذا البواقي وما بعده لا يدل على شيء أصلا، إما لأن دلالته على الشيء فرع كونه لفظا وهو ليس بلفظ، إذ لا يمكن التلفظ به لسكون أول جزئه، وأما لأنه ليس من أنواع الكلمة إذا ليس حرفا من حروف المعاني وهو ظاهر، ولا فعلا لأنه ليس ماضيا ولا مضارعا ولا أمرا لانتفاء علامة كل واحد منها عنه ولا اسما.

стр. 109

أما أولا: فلانتفاء علامته أيضا. وأما ثانيا: فلأنه لا يتركب كلام من الاسم والحرف إلا في النداء للاستقراء. وكلمات المضارع كلام عندهم، فلا يكون مركبا من حرف واسم، وإذا لم يكن من أنواع الكلمة، لم يكن دالا على شيء لانحصار الألفاظ الدالة بواسطة الوضع في تلك الأنواع الثلاثة، فظهر أن كلمات المضارع على رأي الحكماء مركبة من جزء يدل على جزء معنى الجملة ومن جزأ ليس له دلالة أصلا. لأنا نقول: إن عنيت بقولك: إن ما بعد حرف المضارع لا يدل على شيء أصلا، أنه كذلك سواء كان حالة التركيب أو حالة التحليل، فهو ممنوع ولا يمكن دعواه لأنه معلوم الفساد بالضرورة، إذ نعلم بالضرورة أنه يدل على معنى المصدر حالة التركيب. وإن عنيت به أنه لا يدل على شيء أصلا حالة التحليل، فهذا مسلم ولا يضرنا لأنا نعنى من سلب الدلالة عن الجزء وعموم السلب أي لا يدل على شيء أصلا، سواء كان حالة التركيب أو حالة التحليل ولا يخفى أن ما ذكرتموه غير مناف له. اعلم أنه يدخل تحت المفرد على مذكرنا، أقسام خمسة:- أحدها: ما ليس له جزء كـ ق، وع. إذا جعل علما. وثانيها: ما له جزء لكن ليس لشيء من أجزائه دلالة لا في معنى. اللفظ ولا في غيره كفرس وجمار. وثالثها: ما لأحد جزئيه دلالة لكن في غير معنى اللفظ، وليس للجزء

стр. 110

الآخر دلالة أصلا لا فيه ولا في غيره، كالإنسان، فإن: لـ "إن" معنى في غيره، وليس لـ "إن" معنى، لا في مدلول اللفظ ولا في غيره. رابعها: ما [لجز] ئية دلالة لكن لا في معنى اللفظ [لكن لا يقصد بهما الدلالة عليهما] بل في غيره/ (١٨/ب) كعبد الله إذا جعل علما. خامسها: ما لجزئيه دلالة على جزء المعنى المدلول عليه باللفظ، لكن لا يقصد بهما الدلالة عليهما كالحيوان الناطق إذا جعل علما لإنسان. ثم لا فرق بين المركب والمؤلف. والقول: عن بعضهم كالمسح، وفرق بعضهم بين المركب والمؤلف، ففسر المؤلف بما فسرنا المركب وخص المركب بم يكون لأحد جزئيه أو لكليهما دلالة لكن على غير جزء المعنى المدلول عليه باللفظ، وبينهما على هذا التفسير مباينة، ولو فسر المؤلف بما لجزئه دلالة، أما على جزء المعنى أو على غيره، والمركب بما تقدم كان بينهما نسبة العموم والخصوص. التقسيم الثاني: اللفظ أن منع نفس تصور معناه عن وقوع الشركة فهو الجزئي، ولا حاجة
следующие страницы →