← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

خرق العادة، لأنه زمن النبوة، ولو كان ذلك مما يتوقف عليه صحة اللفظ لما كان كذلك. فإن قلت: لما لا يجوز أن يكون السؤال في اللغة موضوعا بإزاء استدعاء الجواب من القادر؟ فعلى هذا يكون إضمار الأهل, وما يجرى مجراه في كونه قادرا على الجواب، مما يتوقف عليه/ (٦٩/أ) صحة اللفظ. قلت: هذا باطل. أما أولا: فلأن الإمام، والدليل يساعدان على أن أمثلة الأفعال لا دلالة لها على خصوصية المؤثر، ولو كان السؤال موضوعا لما ذكرتم، لكان للأفعال المشتقة منه دلالة عليه أيضا. ولئن سلم ذلك فغاية ما يلزم من هذا أن إضمار الأهل، وما يجرى مجراه من مقتضيات اللفظ، نظرا إلى الوضع الحقيقي وليس اللفظ إذا استعمل في غير ما وضع له لا يكون صحيحا، فإن المجاز صحيح من الكلام. أما ثانيا: فلأن قوله تعالى ﴿واسأل القرية﴾ يكون مجازا بسبب النقل حينئذ لا بسبب النقصان. وثانيها: ما أشعر به كلام بعضهم: وهو أن في صورة الإضمار يتغير إسناد اللفظ عند التصريح بالمضمر، وفي صورة الاقتضاء ليس كذلك بل يبقى الإسناد على حاله ألا ترى أن السؤال في قوله تعالى ﴿واسأل القرية﴾ مسند إلى القرية في الدلالة الذكر وعند التصريح بالأهل يتغير ذلك الإسناد، ويصير السؤال مسندا إلى الأهل، بخلاف قولك: "اصعد السطح"

стр. 422

فإن عند التصريح بنصب السلم، الذي هو مقتضاه، لا يتغير الإسناد، بل هو مسند إليه، كما هو عند عدمه. وهو أيضا ضعيف، لأنه منقوض بقوله ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" الحديث، لأن الرفع في الذكر مسند إلى الخطأ فإذا أضمر الإثم أو الحكم يتغير ذلك الإسناد. وقد اتفق الأصوليون على أنه من باب الاقتضاء. وثالثها: هو ما ذكره بعض الحنفية أن المضمر كالمذكور لفظا، ولهذا له عموم، ألا ترى أن الرجل لو قال لامرأته: طلقي نفسك ونوى ثلاثا صحة نيته إذ المصدر مضمر فيه فكأنه قال: طلقي نفسك طلاقا، وأما المقتضى فليس هو كالمذكور لفظا، ولهذا ليس عموم ألا ترى أن الرجل لو قال: "إن أكلت فأنت طالق" ونوى مأكولا معينا لم تصح نيته، لأن تقدير المأكول على وجه الاقتضاء والمقتضى لا عموم له، وكذلك قوله ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" الحديث، فإن ظاهره يقتضى رفع الخطأ عنهم، وهو غير مرفوع لوقوعه منهم، فلابد من تقدير شيء آخر، من الإثم أو الأحكام الدنياوية، أو الأخراوية، صونا للكلام عن الكذب، لكن لا يقدر الكلم، لأن ذلك على وجه الاقتضاء، والمقتضى لا عموم له. وهو أيضا غير سديد. أما أولا: فلأنا، لا نسلم أن المصدر مضمر في تلك المسألة، وهذا لأن الإضمار على خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلا لضرورة، ولا ضرورة إلى

стр. 423

/ (٦٩/ب) إضمار المصدر فيها، إذ الكلام تام بدونه، كما هو في قوله: "أنت طالق". ولهذا لو نوى الثلاث فيه، لم يصح عنده. ولئن سلمنا: كون المصدر مضمرا فيه، لكن لا نسلم أن صحة نية الثلاث في تلك المسألة، إنما كانت بناء عليه، وهذا لأنه يصح بنيته أيضا عندنا في قوله: "أنت طالق" مع عدم إضمار المصدر فيه. سلمنا ذلك: لكن لا نسلم أن ذلك يدل على أن للمضمر عموما، وهذا لأن النية كما تؤثر في تخصيص العام، فكذا تؤثر في تقييد المطلق، وإذا كان كذلك، فجاز أن يكون صحة نية الثلاث، إنما كانت بناء على أنه من باب تقييد المطلق، لا أنه من باب تخصيص العام، بل هذا أولى، لأن المصدر لو كان مذكورا بصراحته لم يكن له عموم، على ما عرف أن المصدر لا عموم له، فكيف يكون للمضمر منه عموم؟. سلمنا ذلك: لكنه مثال واحد، فلا تثبت به القاعدة الكلية. سلمنا ذلك: لكنه منقوض بقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ فإن مضمره وهو الأهل، ليس له عموم، ولهذا لم يكن السؤال واجبا عن جميع أهل القرية لورود الأمر به عن الشارع، لا يعلم أن المقصود حاصل بسؤال واحد منهم؟ سلمنا: سلامته "عن" النقض، لكن لا نسلم أن المقتضى لا عموم له حينئذ، وهذا لأنا إنما لا نقول بعموم المقتضى، لأن ما يثبت بالضرورة، فإنه يتقدر بقدرها، والضرورة تندفع بتقدير أي واحد منه، فلا يجوز إضمار الكل وهذا المعنى بعينه موجود في الإضمار، فإذا جاز معه إضمار الكل،

стр. 424

فلا نسلم أنه لا يجوز حينئذ مثله في صورة الاقتضاء، وهذا لأن العلة حينئذ تكون منقوضة فلا عبرة بها. سلمنا ذلك: لكنه فرق إجمالي تتوقف معرفته على معرفة وجه المحذوف، أعنى كونه محذوفا "على وجه الإضمار"، أو على وجه الاقتضاء. فمعرفة وجه المحذوف دور. وإذا عرف ما في هذه الفروق من الضعف. فلنذكر ما هو الصحيح من الفرق، فنقول: إن بينهما فرقا من حيث المعنى، ومن حيث اللفظ. أما من حيث المعنى: فهو أن المقتضى أعم من المضمر، وذلك لأن المقتضى قد يكون مشعورا به للمتكلم، وقد لا يكون كذلك، وأما المضمر فلا يكون إلا مشعورا به له، وهذا لأن المضمر اسم المفعول من أضمره المتكلم، إذ من المعلوم أن الكلام لا يضمر فيستحيل أن لا يكون مشعورا به له. وأما المقتضى فهو اسم المفعول من اقتضاء الكلام، ولا غرو في أن يكون الكلام مقتضيا لشيء ولا يكون مشعورا به للمتكلم، فعلى هذا كل مضمر مقتض من غير عكس. وأما من حيث/ (٧٠/أ) اللفظ فمن وجهين: احدهما: أن الإضمار إنما يستعمل حيث بمعرفته كل واحد من أهل اللسان من غير رؤية وفكر، كما في قوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾، وهذا لان الإضمار عبارة عن إسقاط شيء من الكلام يدل عليه الباقي، وإن كانت تلك الدلالة بواسطة العقل لا من حيث صحة اللفظ،

стр. 425

كما سبق، لكنه في بادئ النظر حتى لو لم يكن في الكلام الباقي بعد الإسقاط ما يدل عليه لم يصح الإضمار، ولهذا لا يصح أن يقول: "واسأل زيدا" يريد غلامه، أو أباه، بطريق الإضمار، بخلاف الاقتضاء، فإنه قد يحتاج فيه إلى إمعان النظر والاستعانة فيه بعلوم أخر، غير معرفة اللغة، ولهذا لا يعرف كل واحد من أهل اللسان إن في قوله ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" اقتضاء، ما لم يعرف عصمته ﵇ عن الكذب سهوا وعما، وذلك يحتاج فيه إلى نظر وفكر. وثانيهما: أن في صورة الإضمار يتغير إسناد اللفظ لا محالة عند تصريح المضمر، وصورة الاقتضاء قد تكون ذلك، كما سبق في الحديث، وقد لا تكون كذلك، كما في "اصعد السطح"، فإن عند تصريح نصب السلم لا يتغير إسناد الصعود، وكذلك في "اعتق عبدك عني بألف"، فإنه يقتضى إثبات الملك له أولا، وعند التصريح به لا يتغير إسناد العتق إليه، بل هو على حاله. وإذا اتضح ما ذكرنا من وجه المغايرة. فنقول: قد حصل لك منه أن المقتضى، إنما يمتاز عن المضمر بأمر عارض معنوي، ولفظي وهو أنه يجوز أن يكون مغفولا عنه، وأن لا يكون مغيرا للإسناد لا بالذات والماهية، فإنهما متحدان في أن مقصود الكلام لا يتم بدونهما، والخلل في فهم مراد المتكلم، إنما ينشأ من هذا الوجه، لا من الوجه العارضي، وإذا كان كذلك، كان الخلل الناشئ من احتمال الاقتضاء [مثل الخلل الناشئ من احتمال الإضمار، وكان ذكره مغنياً عن ذكره،

стр. 426

فلا حاجة إلى ذكر احتمال الاقتضاء] على الانفراد. فهذا ما حضرني أن أقول في وجه المغايرة، والجواب عن السؤال الذكور والله الموفق لأسد منه. ثم اعلم: أن التعارض بين هذه الاحتمالات الخمسة، يقع من عشرة أوجه، وهذا لأن التعارض لا يحصل إلا بين الشيئين، إذ الشيء لا يعارض نفسه، وكل واحد من هذه الاحتمالات الخمسة إنما تعارض الأربعة الأخر منها، فتضرب الخمسة في الأربعة بتحصل عشرون وجها من التعارض، لكن العشرة مكررة فيجب حذفها عن درجة الاعتبار، فتبقى عشرة. ونقرره بعبارة أخرى، وهي أنه قد يقع التعارض بين الاشتراك وبين الأربعة الباقية/ (٧٠/ب) وبين النقل والثلاثة الباقية فتكون سبعة وبين الإضمار والوجهين الباقيين فتكون تسعة، وبين المجاز والتخصيص فيكون المجموع عشرة. المسألة الأولى [في التعارض بين الاشتراك والنقل] إذا وقع التعارض بين الاشتراك وبين النقل، فالنقل أولى. لأنه لا يخل بالفهم، إذ الحقيقة مفردة أبدا، أما قبل النقل فبالنسبة إلى المنقول إليه، بخلاف الاشتراك، فإنه يخل بالفهم لتردده بين مفهوماته، إذ

стр. 427

لا يجوز حمله "على" جميعها، إذ الكلام على هذا التقدير فكان الأول أولى، ولأن المنقول حديث العهد بالوضع، والمشترك قديم العهد بالوضع، وما تقادم عهده كان تطرق الغفلة والنسيان إليه أكثر مما ليس كذلك، فكان اختلال الفهم في المشترك أكتر، فيكون الأول أولى، ولأن المشترك من حيث أنه مألوف ومعهود مسؤوم عنه ولذلك، قيل: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبالك يسأم والسآمة من موجبات الإعراض والهجران، فكان تطريق النسيان إليه أكثر، فكان اختلال الفهم منه أكثر.

стр. 428

لا يقال: الاشتراك أولى لوجهين: أحدهما: أنه إن وحد معه القرينة، عرف المخاطب ما هو المراد به، وإن لم يوجد توقف في العمل به، وعلى التقديرين لا يخطئ في العمل، وأما في النقل فربما لا يعرفه المخاطب، فيحمله على المنقول عنه فيقع في الغلط. وثانيهما: أن المخاطب قد يظن المنقول مشتركا لاستعماله في المعنيين، فتحصل مفاسد الاشتراك مع مفاسد النقل والجهل به. لأنا نقول: النقل إذا وجد يجب اشتهاره، وحينئذ يزول ما ذكرتم من المفاسد. فإن قلت: هب أنه كذلك، لكن الاشتهار لا يحصل دفعة واحدة بل يحصل متدرجا، والمفاسد قائمة في حالة تدرجه، بخلاف الاشتراك، فإن المفاسد المذكورة غير حاصلة فيه في حالة من الأحوال فكان أولى. سلمنا ذلك: لكنه معارض بوجوه أخر: أحدها: أن المشترك أكثر فائدة من المنقول، لأنه "يمكن استعماله في معنيين آخرين بطريق التجوز لمشابهتهما المدلولية الحقيقتين بخلاف المنقول فإنه" لا يستفاد منه إلا مجاز واحد، إما بالنسبة إلى المنقول عنه، وأما

стр. 429

بالنسبة إلى المنقول إليه فكان المشترك أولى. وثانيها: أن الاشتراك لا يقتضى النسخ، بخلاف النقل فإنه يقتضيه، وستعرف- إن شاء الله تعالى- أن الاشتراك أولى من النسخ، فوجب أن (٧١/أ) يكون أولى مما يستلزمه. وثالثها: الاشتراك لا يتوقف إلا على وضع اللفظ لمعنيين، وأما النقل فيتوقف على الوضع الأول، وعلى نسخه وعلى وضع جديد واستعماله فيه، واتفاق أرباب اللسان عليه، والموقوف على أقل المقدمات يكون أولى من الموقوف على اكثرها. ورابعها: أن الاشتراك ما أنكره أحد من المحققين، بخلاف النقل فإنه قد أنكره بعضهم. وخامسها: أن المشترك أكثر وجودا منه، يدل عليه الاستقراء، فكان أولى، لأن كثرة وجوده، يدل على قلة مفسدته، ولأن إلحاق الفرد بالأعم والأغلب أولى من إلحاقه بالأخص الأقل، فكان ألحاقه بالمشترك أولى. الجواب: لما تعارضت الدلائل كان الترجيح معنا، لأن مفاسد النقل وإن كانت أكثر من مفاسد الاشتراك على ما بينتم، لكنها خارجية غير مخلة بمقاصد الوضع، وهو تعريف ما في الضمير، أو وإن أخلت به، لكنها في زمن يسير

стр. 430

وهو زمن التدرج، بخلاف الاشتراك، فإن مفاسده أبدا مخلة بالمقصود الأصلي من الوضع، والتعريف الإجمالي وإن كان مقصودا أيضا، لكنه نادر فالمقصود في الأكثر إنما هو التعريف التفصيلي فكان النقل أولى. المسألة الثانية [في التعارض بين الاشتراك والإضمار] إذا وقع التعارض بين الاشتراك والإضمار، فالإضمار أولى والدليل عليه: إن إخلال الفهم الحاصل بسبب الإضمار، يختص ببعض الصور، وهو حيث لا يمكن إجراء الكلام على ظاهره، وأما الإخلال الحاصل بسبب الاشتراك، فإنه عام في جميع موارد استعمال اللفظ، حيث لا قرينة تعين أحد مدلوليه، فكان الإضمار أولى، ولأن الإضمار من باب الإيجاز والاختصار، وهو من محاسن الكلام، ولذلك قال ﵇: "أوتيت جوامع الكل واختصر لي الكلام اختصارا" والمشترك ليس كذلك.

стр. 431

لا يقال: الإضمار يحتاج إلى قرائن ثلاث. قرينة تدل على أصله. وقرينة تدل على موضوعه، فإن الإضمار قد يحسن تارة في أول الكلام، وتارة في آخره، فإن استهجن تقديم الإضمار في بعض الصور وتأخيره في

стр. 432

بعضها فالمنفصل ألا ترى أنه يحسن إضمار المقدار في قوله ﵇ "في كل خمس من الإبل شاه" في أوله وآخره. إذا قلنا بالإضمار فيه، ويصير تقدير الكلام على الأول في كل مقدار خمس من الإبل شاه، وعلى الثاني في كل خمس من الإبل مقدار شاه، وكذلك "الأهل" في قوله تعالى/ (٧١/ب): ﴿واسأل القرية﴾ ويصير تقدير الكلام على الأول: واسأل أهل القرية، وعلى الثاني: واسأل القرية أهلها، على أن يكون الأهل بدل القرية، بدل الاشتمال. وقرينه تدل على عين المضمر، فإنه يجوز أن يضمر في الآية مثلا الأهل، والساكن، والمالك وغيرها مما له صلاحية أن يضمر، ولا يتعين لذلك، والمشترك لا يحتاج إلا إلى قرينة واحدة، فكان الإضمار مرجوحا، إما لأنه أكثر إخلالا بالفهم منه حينئذ، وإما لتوقفه على أكثر المقدمات.

стр. 433

ولا يجاب عنه: بمنع إحتياج الإضمار إلى ثلاث قرائن، وهذا لأنه لا يحتاج إلى قرينة تعيين موضع الإضمار، لأنه إن حسن كل واحد من التقديم والتأخير، بحيث لا يختلف به الغرض فلا حاجة إلى التعيين، بل للسامع أن يضمر في أي موضع شيئا إذ لا يختلف به الغرض، كما إذا أمر بإعتاق رقبة، فإنه لا يحتاج إلى تعيين الرقبة، بل يخرج عن عهدة التكليف بإعتاق أي رقبة شاء، وإن لم يحسن بالتفسير المذكور تعين الآخر ولا يحتاج إلى القرينة أيضا. وكذلك الكلام في قرينة تعيين المضمر، فإنه إن حسن إضمار كل واحد من تلك الأشياء، فلا حاجة إلى التعيين، بل الأمر فيه موكولا إلى المخاطب، وإن لم يحسن البعض، فإن كان الباقي وحده واحدا تعين، وإن كان أكثر كان الكلام فيه كالكلام في الأول. لأنه يقال: الأمر وإن كان كما ذكرتم، لكن عدم صلاحية أول الكلام أو آخره لذلك، وعدم صلاحية إضمار البعض دون البعض لابد وأن يكون لدليل منفصل، إذ الإضمار من حيث إنه إضمار لا يدل عليه، وحينئذ يتوقف صحة الإضمار على وجه التخيير بين التقديم والتأخير وبين المضمرات، أو على وجه التعيين في موضع مخصوص ومضمر مخصوص على معرفة وجود ذلك الدليل وعدمه، ضرورة أن العلم بالمشروط متوقف على العلم بالشرط، وحينئذ يعود الاحتياج المذكور في صور التعيين وفي صور التخيير، وإن كان لا يحتاج إلى وجود تينيك القرينتين، لكن يحتاج إلى معرفة عدمهما، وإنما يعرف ذلك بعد الطلب الشديد والبحث البليغ، وهو أمر شاق قل ما يوجد لا يتوقف عليه وعلى مثله المشترك، فكان أولى، ولو اكتفى في ذلك بالأصل مع أن

стр. 434

فيه كلاما، فالمقصود أيضا حاصل، لأن التمسك بالأصل دليل زائد على ما يتوقف/ (٧٢/أ) عليه المشترك، فكان الإضمار يحتاج إلى ما لا يحتاج إليه المشترك، فكان أولى. لأنا نقول: هب أن الأمر كما ذكرتم، لكنه في بعض صور استعمال اللفظ وهو حيث استعمل اللفظ على وجه الإضمار، وأما على تقدير كون اللفظ مشتركا فإنه وإن احتاج إلى قرينة واحدة لكنه في جميع صور استعمال اللفظ فيقع بعضها في مقابلة التي في صور الإضمار، ويبقى الباقي سليما عن المعارض. المسألة الثالثة [في التعارض بين الاشتراك والمجاز] إذا وقع التعارض بين الاشتراك والمجاز، فالمجاز أولى. ويدل عليه وجوه. أحدها: أن إخلال الفهم في صورة المجاز أقل، لأنه إن وجد مع اللفظ قرينة معينة للمجاز حمل عليه. وإن لم يوجد، فإن كان ذلك بانتفاء التعيين دون الأصل فهاهنا، وإن كان الخلل حاصلا في الفهم عندنا يفرض المجاز أكثر من الواحد، وإن البعض ليس أولى من البعض وأنه لا يجوز حمله عليهما، إما معا أو على البدلية لكنه مشترك بينه وبين المشترك، وإن كان ذلك بانتفاء أصل القرينة، حمل اللفظ على معناه الحقيقي، وحينئذ لا يعرى إفادة المراد، بخلاف المشترك، فإنه

стр. 435

لا يفيد المراد عند عراية القرينة فكان المجاز أقل إخلالا بالفهم. وثانيها: أن اللفظ بتقدير أن يكون مجازا، كان احتمال تردده بين المعاني أقل من أن يكون مشتركا، لأنه يمكن أن يكون له بالنسبة إلى كل حقيقة من تينيك الحقيقتين مجازا آخر، فكان اختلال الفهم فيه أكثر فكان المجاز أولى. وثالثها: أن المجاز أكثر من المشترك للاستقراء، والكثرة أمارة الرجحان في محل الشك على ما تقدم تقريره. ورابعها: إن في صورة المجاز، إذا خرجت الحقيقة عن الإرادة، فإن كان المجاز واحدا حمل اللفظ عليه، وإن كان أكثر من ذلك ولم يكن مع اللفظ قرينة معينة لأحدهما، فإنه يمكن حمل اللفظ على واحد من تلك المجازات بكثرة المشابهة والمناسبة الصورية والمعنوية، وأما في صورة الاشتراك إذا خرجت حقيقة واحدة عن الإرادة، وكانت البواقي أكثر من الواحدة، فإنه لا يمكن حمل اللفظ على شيء من تلك الحقائق الباقية بهذه الطريقة، فكان احتمال إعمال اللفظ في الأول أكثر فكان أولى. وخامسها: أن فهم الحقيقة تعين على فهم المجاز- إذا لم يعلم عيناً-

стр. 436

لما بينهما من المناسبة، فإذا لم تكن الحقيقة مرادة ولم يكن مع اللفظ قرينة، أمكن إصابة المجاز بسبب فهم الحقيقة، وأما فهم/ (٧٢/ب) إحدى الحقيقتين، فإنه لا يعين على فهم الأخرى، فلا يمكن إصابة إحداهما عند عدم إرادة الأخرى إلا بالقرينة. فإن قلت: الاشتراك [أولى] لوجوه. أحدها: أنه أكثر فائدة، لأنه يصح أن يجعل عن كل حقيقة من حقيقتي المشترك مجاز، ويصح منه الاشتقاق، لكونه حقيقة، بخلاف المجاز، فإنه لا يصح منه ذلك. وثانيها: أنه مطرد في جميع مسمياته على البدل، بخلاف المجاز فإنه غير لازم الاطراد، كما سبق، والمطرد أولى من غيره لقلة اضطرابه. وثالثها: أن سامع المشترك إن علم القرينة عمل به، وإلا توقف في العلم والعمل، وهذا وإن كان يلزم منه أن لا يحصل له العلم بالمراد وأن لا يحصل المراد، لكن لا يلزم منه العلم بكون غير المراد مرادا، ولا حصول ما هو غير المراد. وأما سامع المجاز إن لم يعلم القرينة حمل اللفظ على الحقيقة، وحينئذ يلزم المحذوران المنفيان عن الأول، فكان الاشتراك أولى القلة المحذور.

стр. 437

ورابعها: أن الاشتراك يحصل بوضع واحد، إن كان واضعه واحد، أو بوضعين، إن كان وضعه قبيلتين. وأما المجاز فإنه يتوقف على أن يكون اللفظ موضوعا أولا بمعنى، وعلى الوضع المجازي عند من يعتبر الوضع فيه، وعلى العلاقة المعتبرة في التجوز، وعلى تعدد العمل بالحقيقة. والمتوقف على أقل المقدمات أولى من الموقوف على أكثرها. وخامسها: أن العدول عن إحدى الحقيقتين إلى الأخرى يحصل بأدنى قرينة لتساوي الحقيقتين. وأما العدول عن الحقيقة إلى المجاز، فلا يحصل إلا بقرينة قوية تعادل أصالة الحقيقة لم يترجح عليها، فكان تمكن الخلل في الفهم في صورة المجاز أكثر فكان الاشتراك أولى. وسادسها: أن المخاطب في صورة الاشتراك، يبحث عن القرينة بحثا شديدا لتعذر العمل عليه بدونها، بخلاف صورة المجاز لإمكان العمل به بدونها، فكان احتمال الخطأ في الاشتراك أبعد فكان أولى. وسابعها: أن فهم المعنى المجازي، يتوقف على فهم المعنى الحقيقي، لأنه لا يمكن فهمه بدون العلاقة، وفهمها يستدعى فهم الحقيقة، وفهم أحد مفهومي المشترك لا يتوقف على فهم الآخر، وغير المتوقف أولى من المتوقف لاستغنائه، فكان المشترك أولى وفيه نظر لا يخفى عليك. وثامنها: أن إفادة المشترك لأحد مفهوميه من غير تعيين حقيقة على ما تقدم

стр. 438

بيانه، والحقيقة راجحة على المجاز على ما تقدم تقريره/ (٧٣/أ) أيضا، فكان الاشتراك راجحا على المجاز. وتاسعها: أن الاشتراك لا يقتضى النسخ، بخلاف المجاز فإنه يقتضيه، لأنه يقتضى إزالة اللفظ ونقله عن الوضع الأول، ولا معنى للنسخ إلا ذلك، ولا شك أن ما يقتضى النسخ مرجوحا بالنسبة إلى مالا يقتضيه. وعاشرها: أن حمل اللفظ على أحد مفهوميه لا يقتضى التعارض. وأما حمله على المعنى المجازي يقتضى التعارض بين القرينة المعينة له وبين الدليل الدال على أصالة الحقيقة فكان مرجوحا. قلت: تعارض ما ذكرتم من الوجوه، بما تقدم من فوائد المجاز من التعظيم والتحقير، والمبالغة في التعبير عن المقصود، وبكونه سببا للذة وبكونه أوجز وأوفق لأصناف البديع، من السجع، والمجانسة، والمطابقة، والمقابلة، ولإقامة الوزن، والقوافي، وغيرها من الفوائد، وحينئذ يبقى ما ذكرناه سليما عن المعارض. المسألة الرابعة [في التعارض بين الاشتراك والتخصيص] إذا وقع التعارض بين الاشتراك والتخصيص، فالتخصيص أولى. والدليل عليه: أن التخصيص خير من المجاز- على ما سيأتي بيانه إن

стр. 439

شاء الله تعالى- والمجاز خير من الاشتراك- على ما تقدم تقريره- والخير من الخير خير، فكان التخصيص خير من الاشتراك. المسألة الخامسة [في التعارض بين النقل والإضمار] إذا وقع تعارض بين النقل والإضمار، فالإضمار أولى. والدليل عليه وجوه: أحدها: إن الإضمار من باب الفصاحة والبلاغة- على ما تقدم تقريره- والنقل ليس كذلك فكان أولى. وثانيها: أن النقل يستدعى اتفاق أرباب اللسان على تغيير الوضع، وذلك متعذر أو متعسر. والإضمار ليس كذلك فكان أولى. وثالثها: النقل يقتضى النسخ، والإضمار ليس كذلك. ورابعها: أن النقل أقل من الإضمار للاستقراء، بل أنكره بعض المحققين، والإضمار ليس كذلك فكان أولى.

стр. 440

وخامسها: أن في صورة النقل قد يحمل اللفظ على المنقول عنه، وهو حيث يكون المخاطب غير عارف به، هذا لأنه وان اعتبر فيه الاشتهار، لكن ليس من شرطه أن يعرفه كل واحد واحد من أهل اللسان حتى لو شذ واحد أو اثنان من معرفته كان ذلك قادحا فيه، بل من شرطه أن يعرفه المعظم، وحينئذ يصير منشأ للجهل، وأن لا يحصل المراد ويحصل غيره، والإضمار ليس كذلك فكان أولى. المسألة السادسة [في التعارض بين النقل والمجاز] إذا وقع التعارض بين النقل والمجاز، فالمجاز أولى. والدليل عليه: أنا بينا أن الإضمار خير من النقل، وسنبين- إن/ (٧٣/ب) شاء الله تعالى- أن المجاز خير من الإضمار، فكان خيرا من النقل. المسألة السابعة [في التعارض بين النقل والتخصيص] إذا وقع التعارض بين النقل والتخصيص، فالتخصيص أولى.

стр. 441

لأن التخصيص خير من المجاز- لما سيأتي- والمجاز خير من النقل- لما تقدم- فكان التخصيص خيرا من النقل. المسألة الثامنة [في التعارض بين الإضمار والمجاز] إذا وقع التعارض بين الإضمار والمجاز، فالمجاز أولى. وقيل: بعكسه. وقيل: هما سيان.

стр. 442

والدليل على أنه أولى: هو أنه أكثر للاستقراء، والكثرة تدل على قلة المفسدة. ولأن إلحاق الفرد بالأعم والأغلب، أولى من إلحاقه بالنادر. واحتج من قال: أن الإضمار أولى، بأن القرينة التي تلغى الحقيقة وتعين المجاز، قد تكون منفصلة عن اللفظ، وحينئذ أمكن أن لا تصل إلى السامع فيقع في الجهل باعتقاد ما ليس بمراد مرادا وفي كلفة العمل بما لا يجديه نفعا، بل قد يكون سببا للمضرة وهو العمل بمقتضى الحقيقة. وأما قرينة الإضمار فمتصلة باللفظ، إذ هو عبارة عن إسقاط شيء من الكلام يدل عليه الباقي فيمتنع أن لا يصل إليه، وحينئذ يأمن من الغلط فيه فكان أولى. واحتج من يزعم أنهما متساويان: بأن الإضمار كما يحتاج إلى ثلاث قرائن، فكذا المجاز يحتاج إلى العلاقة المصصحة له، ويحتاج إلى قرينة تلغى الحقيقة، وقرينة تعين المجاز. وكما أن فهم الحقيقة يعين على فهم المجاز، فكذا فهمه يعين [على] فهم الإضمار فيستويان.

стр. 443

وجوابهما: المعارضة بفوائد المجاز، ويخص الثاني بمنع كون الإضمار يحتاج إلى ثلاث قرائن على الإطلاق. المسألة التاسعة [في التعارض بين الإضمار والتخصيص] إذا وقع التعارض بين الإضمار والتخصيص فالتخصيص أولى. والدليل عليه أنا قد بينا أن المجاز خير من الإضمار- وسنبين إن شاء الله تعالى- أن التخصيص خير من المجاز، فيكون التخصيص خير من الإضمار. وهذا إذا قلنا: بأن المجاز خير من الإضمار. أما إذا قلنا: بأنهما متساويان فكذلك، لأن الخير من مساوي الشيء خير من الشيء. وأما على القول الآخر فيحتاج فيه إلى دليل آخر لتعذر جريان الأول فيه وستعرفه من بعض ما يأتى. المسألة العاشرة [في التعارض بين المجاز والتخصيص] إذا وقع التعارض بين المجاز والتخصيص، فالتخصيص أولى.

стр. 444

والدليل عليه وجوه: أحدها: أن في صورة التخصيص إذا لم يعرف المخاطب القرينة يجرى اللفظ/ (٧٤/أ) على عمومه، فيحصل المراد وغيره. وفي صورة المجاز إذا لم يقف على القرينة يحمله على الحقيقة، فلا يحصل المراد ويحصل غيره، ولا شك أن محذور الأول أقل، فكان أولى. وثانيها: أن دلالة العام بعد التخصيص على بقية الأفراد، يحتمل أن يكون حقيقة، إذ المسألة اجتهادية. ودلالة المجاز على معناه المجازي لا يحتمل ذلك، لكونه خلاف الإجماع، والحقيقة راجحة على المجازية، والمحتمل الراجح راجح فيكون التخصيص راجحا. وثالثها: أن العام انعقد دليلا على جميع الأفراد، فإذا خرج البعض عن الإرادة بدليل يخصه، بقى في الباقي دليلا فلا يحتاج في حمله عليه إلى تأمل واستدلال وقرينة معينة خالية أو غيرها.

стр. 445

وأما في صورة المجاز إذا خرجت الحقيقة عن الإرادة، يحتاج في صرف اللفظ إلى المجاز، إلى تأمل واستدلال وقرينة معينة لنوعه وفرده، وربما يقع التعارض بين ذلك النوع وبين نوع آخر، وبين ذلك الفرد وفرد آخر، من ذلك النوع، أو من غيره، فيتوقف فيه فيتعطل المقصود، وهذه الكلفة والمفسدة غير حاصلة في التخصيص فكان أولى. ورابعها: أنا وإن قلنا: أن العام المخصوص مجاز، لكن العمل به عمل بالحقيقة من وجه، وبالمجاز من وجه، والمجاز ترك لحقيقة اللفظ بالكلية فكان التخصيص أولى. وخامسها: التخصيص فيما يتصور فيه أكثر من المجاز فيما يتصور فيه التجوز، إذ ما من عام إلا وقد خص عنه البعض، إلا قوله تعالى: ﴿والله بكل شيء عليم﴾ ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ وليس كل لفظ يتصور فيه التجوز فهو مجاز، والكثرة تدل على قلة المفسدة فيه. فإن قلت: هذه القاعدة التي ذكرتموها مرارا، وهي أن الكثرة تدل على رجحان المصلحة، أو على قلة المفسدة، منقوضة بما ذكرتم أن المجاز أكثر من الحقيقة، لأنه حينئذ يلزم أن يكون المجاز راجحا في المصلحة على الحقيقة، أو أقل مفسدة منها، وعلى التقديرين يلزم ألا يكون المجاز خلاف الأصل، لكن قد ذكرتم أنه خلاف الأصل، وهو تناقض. قلت: الذي ذكرنا أن المجاز أكثر من الحقيقة ليس هو المجاز اللغوي فقط بل

стр. 446

مجموع المجازين، أعني اللغوي والعقلي وقد قدحنا بذلك ثمة، وما ذكرنا من المجاز خلاف الأصل ليس المراد منه هو المجموع بل المجاز اللغوي فقط ولا يلزم من هذا أن يكون المجموع خلاف الأصل، وكيف يمكن أن يقال/ (٧٤/ب) ذلك إذا فسر خلاف الأصل بخلاف الغالب فلا يلزمه النقض ولا التناقض.

стр. 447

خاتمة الفصل بفروع أحدها: إذا وقع التعارض بين الاشتراك والنسخ فالاشتراك أولى. مثاله من جانبنا أن نقول: النهي في قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ يجب حمله على كراهة التنزيه بطريق الحقيقة، ويدل عليه بدليل، أو وإن لم يدل عليه لكنه يعتقد ذلك، والخصم يكفيه الإلزام لا على التحريم، وإن كان حقيقة فيه أيضا لئلا يلزم نسخ ما ورد من الأحاديث الدالة على أن متروك التسمية يباح أكله مثل قوله ﵇: "ذبيحة المسلم تؤكل سمي أو لم يسم" إن كان القرآن متأخرا، أو نسخه إن كان متقدما، إذ لا سبيل إلى التخصيص، لأنه ليس أحدهما أخص من الآخر حتى

стр. 448

............................................................................

стр. 449

يصار إليه. فإنه لا فرق في ذلك بين المسلم وغيره ممكن تحل ذبيحته من أهل الكتاب بالإجماع، ولا يمكن تنزيل الحديث على حالة النسيان ليكون القرآن منه منزلا على حالة العمد، إذ التسمية في حالة النسيان غير ممكن فيتعين نسخ أحد النصبين. فيقول الخصم: ما ذكرت من الدليل، وإن دل على أنه يجب حمل النهي على كراهية التنزيه، لكن عندنا ما يدل على أنه لا يجوز حمله عليها، وذلك لانا أجمعنا على أن النهي حقيقة في التحريم، فلو كان حقيقة فيها أيضا لزم الاشتراك وأنه خلاف الأصل فلا يجوز حمله عليها.

стр. 450

فنقول: إذا آل الأمر "إلى" التزام أحد المحذورين، فالتزام الاشتراك أولى. وإن شئت له مثالا آخر من جانبهم فقل: لا يجوز أن يكون المراد من "القرء" في قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ "الطهر" لأنه يستلزم نسخ احد النصين وهو إما الآية المذكورة، أو قوله ﵇: "طلاق الأمة ثنتان وعدتها حيضتان"، لأنه لا فرق بين الحرة وبين الأمة في أن العدة بالطهر وبالحيض فيهما بالإجماع، وإذا لم يكن الطهر مرادا، لم يجز حمله عليه فيتعين حمله على الحيض بالإجماع.

стр. 451

فيقول الخصم: ما ذكرتم من الدليل وإن دل على أنه لا يجوز حمله على الطهر، لكن عندنا ما يدل على انه لا يجوز حمله على الحيض، وهو أن القرء

стр. 452

حقيقة في الطهر ويتمسك في ذلك، إما بمساعدة الخصم عليه، أو بالدلائل التي تدل عليه، مثل الاستعمال أو الاشتقاق وغيرهما، مما يمكن أن يستدل به على أنه حقيقة فيه، فلو كان القرء محمولا على الحيض بطريق/ (٧٥/أ) الحقيقة لزم الاشتراك، وأنه خلاف الأصل. فيقول المستدل: الاشتراك خير من النسخ، فالتزامه أولى. ثم الذي يدل عليه وجوه:- أحدها: أن في صورة النسخ يصير الخطاب، كالباطل في كونه غير معمولا به. وأما في صورة الاشتراك فغنه يكون معمولا به "إذا فهم معناه فكان أولى. وثانيها: أن المكلف إذا سمع الخطاب المنسوخ، ولم يسمع الناس يجب عليه اعتقاد حقيته والعمل بمقتضاه، والأول: جهل. والثاني: مشقة وضرر. وأما في صورة الاشتراك" إذا سمع المكلف الخطاب، ولم يسمع القرينة لا يجب عليه شيء من ذلك، فكان أولى. وثالثها: الاشتراك أكثر من النسخ، للاستقراء، فكان أولى لما تقدم. ورابعها: النسخ يفتقر إلى الخطابين، أو ما يقوم مقامها، وإلى تخلل زمان بينهما، بل إلى مضى مدة الامتثال على رأي.

стр. 453

والاشتراك لا يفتقر إلا إلى الوضع الواحد فكان أولى. وخامسها: الاشتراك قد يحصل بالذات وبالعرض، كما في وضع القبليتين. والنسخ لا يحصل إلا بالذات، فكان الأول: أقصى حصولا، فكان أولى. وإذا ثبت أن الاشتراك أولى من النسخ كان الاحتمالات الباقية أولى منه بالطريق الأولى وثانيها: إذا وقع التعارض بين الاشتراك اللفظي، والاشتراك المعنوي، فالاشتراك المعنوي أولى. ويدل عليه وجوه:- أحدها: أن الإبهام الذي يتطرق إلى الاشتراك المعنوي بسبب اختلاف الأفراد، يتطرق إلى الاشتراك اللفظي مع زيادة الإبهام الناشئ من اختلاف حقائق مسمياته، فكان الاشتراك المعنوي أولى. وثانيها: أن في صورة الاشتراك المعنوي لا يتعطل النص بحال ألبتة، لأنه إن وجد اللفظ معرفا مجموعا كان أو مفردا، حمل على المعهود، أو على جميع الأفراد، أو على الماهية، وإن وجد منكرا بلا قرينة تعين فردا من أفراده تخير المكلف في العمل به بأي فرد شاء من أفراده بخلاف الاشتراك اللفظي، فإن الخطاب عند عدم القرينة يتعطل لعدم إمكان العمل به فكان الأول أولى.

стр. 454

وثالثها: أن الاشتراك المعنوي أكثر، فكان أولى. ورابعها: أن الحاجة إلى المتواطئ ماسة "لمسيس الحاجة إلى التعبير عن الماهيات الكلية والمعاني العامة بخلاف المشترك، فإن الحاجة إليه غير ماسة"، لأن الإبهام المقصود منه حصل بالترديد- كما تقدم ذكره- فكان أولى. وخامسها: إن الاشتراك قد اختلف/ (٧٥/ب) في وجوده، [و] المتواطئ لم ينكره أحد فكان أولى. ومن هذا تعلم أن اللفظ إذا تناول الشيء بجهة المتواطئ، وبجهة الاشتراك، كان اعتقاد أنه يتناوله بجهة التواطئ أولى. لأن اعتقاد الراجح أرجح من اعتقاد المرجوح، وكما أن المتواطئ راجح على المشترك، فكذا هو راجح على الاحتمالات الأخر، ويعرف ذلك مما سبق فلا يفرد بالذكر. وثالثها: إذا وقع التعارض بين أن يكون اللفظ مشتركا بين علمين، أو بين علم ومعنى، [أو بين معنيين كان جعله مشتركا بين علمين، أو بين علم ومعنى أولى]. أما إذا وقع التعارض بين الأولين كان جعله مشتركا بين علمين أولى، وهذا لأن اختلال الفهم في صورة العلمين أقل فكان أولى.

стр. 455

ورابعها: إذا وقع التعارض بين المشترك والمشكك فالمشكك أولى. أما أولا: فلأن المشكك يشبه المتواطئ من وجه، والمتواطئ راجح على المشترك على تقدم، والمشابه للراجح راجح. وأما ثانيا: فلأن اختلال الفهم فيه أقل، فكان أولى. وخامسها: إذا وقع التعارض بين المتواطئ وبين المشكك المتواطئ أولى- ويعرف ذلك مما سبق فلا يفرد بذكر- وهذا آخر الكلام في اللغات.

стр. 456

"النوع الثاني" الكلام في تقسيم الأحكام الشرعية وما يتعلق بها من المسائل

стр. 457

النوع الثاني الكلام في تقسيم الأحكام الشرعية وما يتعلق بها من المسائل وهو من وجوه: التقسيم الأول: قد عرفت مما سبق في تعريف الحكم اشرعي، أن حاصله يرجع إلى الخطاب. فنقول: خطاب الشارع إن اقتضى طلب الفعل من المكلف مع المنع من تركه فهو "الوجوب" وإن كان بدونه فهو "الندب" وإن اقتضى طلب الترك منه مع المنع من فعله فهو "الحرمة" وإن كان بدونه فهو "الكراهة"، وإن لم يقتض احد الطلبين بل خير المكلف في الفعل والترك فهو "الإباحة". فهذه أحكام خمسة.

стр. 458

ولنعقد أن يسمى في كل واحد منها وما يتعلق من المسائل فصلا.

стр. 459

"الفصل الأول" في الوجوب

стр. 460

" الفصل الأول" في الوجوب وفيه مسائل: المسألة الأولى في حد الواجب قد عرفت من التقسيم السابق ماهية الوجوب وحقيقته، لأنك عرفت منه كمال المشترك بينه وبين غيره من الأحكام وهو الجنس، وكمال المميز وهو الفصل، والماهية لا تتركب إلا عنهما، وعند ذلك يسهل عليك تحديد الواجب، لكن مع ذلك نذكر ما قيل فيه من الحدود ليعرف الصحيح منها والفاسد، ووجه الفساد في الفاسد. فالأول: هو ما قيل: الواجب ما يعاقب تاركه. واعترض عليه بوجهين: أحدهما: بأنه غير مانع، لأنه يتناول "المندوب" و "المباح"، إذ يعاقب تاركه/ (٧٦/أ) إذا فعل ما يوجبه، فحينئذ يدخل فيه ما ليس
следующие страницы →