Полный текст (3 770 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
ثم إنهما في الأمر يقتضيان التخيير تارة، كقولك: "خذ هذا أو ذاك"، و "خذ إما هذا وإما هذا".
والإباحة أخرى، كقولك: "جالس الحسن أو ابن سيرين، وإذا وقعتا في الاستفهام فالفرق بينهما وبين "أم" أن السائل فيهما غير عالم بثبوت الحكم في أحدهما فهو طالب له بهما، وأما السائل "بأو" فهو عالم بثبوت الحكم في أحدهما على سبيل الإيهام، وإنما يسأل عن التعيين، وكذلك كان الجواب المطابق في الأول: "بنعم"، أو "لا"، وفي الثاني: بالتعيين هذا كله في "أم" المتصلة.
وأما: "أم" المنقطعة فهي بمعنى "بل والهمزة" وستعرفها.
وأما الفرق بينهما فهو "إن" أما [ا] لملازمة للمعطوف وللمعطوف عليه إذا عطف بهما، وتدخل الواو عليه بخلاف "أو" فإنه
стр. 387
لا يلزمها أما ولا، أو في المعطوف عليه إذا عطف بها، وإن كان يجوز دخول "أما" عليه فهما يفترقان في اللزوم ويشتركان في الجواز.
[لا، بل، لكن]
ومنها: "لا" و "بل" و "لكن".
وهذه الثلاثة / (٦٥/ب) تشترك في أن حكم أحدهما مخالف لحكم الآخر.
والفرق بين "بل ولكن" أن "بل" للإضراب عن الأول: موجبا كان الكلام أو نفيا، و "لكن" للاستدراك بعد النفي خاصة.
стр. 388
المسألة الثالثة
في الحروف الجارة
[من]
منها: "من". وهي تكون لابتداء الغاية تارة، كقولك: "سرت من الدار إلى السوق"، وتعرف في الأغلب بصلاحية ذكر الانتهاء في مقابلته.
ولتبيين الجنس، كقوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾.
وتعرف بصلاحية [إقامة اسم الموصول مقامه]، وللتبعيض كقولك: أخذت من الدراهم، وتعرف بصلاحية إقامة البعض مقامه.
وقد تكون صلة، كقولك: "ما جاءني من أحد". وتعرف، بأن حذفها لا يغير المعنى هذا في النفي.
стр. 389
وأما في الإثبات فلم يجز مجيئها صلة عند قوم وجوزه الكوفيون.
قال الإمام: والحق عندي أنها لتبيين، لوجوده في جميع موارد استعمالها، وهو منقدح، لكن حيث جاءت لمعنى، فإن كونها للتبيين أو لغيره فرع لكونها لمعنى وإلا فليس في قولك: "ما جاءني من أحد" بيان بالنسبة إلى قولك: "ما جاءني أحد" وإن كان كلامه يشعر بخلافه.
واعلم أن من زعم منهم كونها مشتركة بين المعاني المذكورة بالاشتراك اللفظي فإنما زعم ذلك لكون الأغلب في الحروف الاشتراك.
стр. 390
[إلى]
ومنها: "إلى". وهي لانتهاء الغاية، ولا يدخل ما بعدها فيما قبلها بطريق الحقيقة.
ثم منهم من ذكر ضابطا في الدخول، [وعدم] الدخول: وهو أن ما بعدها إذا لم يتميز عما قبلها بمفصل حسي كـ "المرفق" دخل، لأنه ليس بعض المقادير أولى من البعض فوجب دخول الكل.
وأما إذا تميز عنه بمفصل حسي كـ "الليل" عن "النهار" فلا يدخل.
ومنهم من لم يعتبر الضابط المذكور واعتبر في الدخول حيث دخل دليلا منفصلا يدل على الدخول.
стр. 391
و "المرفق"، إنما دخل عنده بفعله مع قوله: "لا يتقبل الله صلاة امرئ إلا به" لا لما ذكر من الضابط
وقيل: بعكسه، وحيث لم يدخل يكون بطريق التجوز.
وقيل: هي مشتركة بينهما لاستعمالها فيهما.
وقيل: هي لانتهاء الغاية، إن كان ما بعدها ليس من جنس ما قبلها، وإن كان من جنس ما قبلها فلا.
стр. 392
[حتى]
ومنها: "حتى": وهي بمعنى "إلى"، إلا أنها تدخل ما بعدها فيما قبلها، قولهم: "أكلت السمكة حتى رأسها" والرأس مأكول، ومنه "نمت البارحة حتى الصباح".
لكنها/ (٦٦/أ) تفارق "إلى" في اختصاصها بالظاهر فلا يقال: "حتاه" بخلاف "إلى" فإنها تدخل على الظاهر والمضمر تقول: "إلى زيد وإليه".
стр. 393
[في]
ومنها: "في". وهي للظرفية، إما تحقيقا، كقولهم: "العسل في النحل"، وإما تقديرا كقوله: ﴿لأصلبنكم في جذوع النخل﴾ لتمكن المصلوب على الجذع تمكن الشيء في المكان، ومنه فلان في حال كذا.
وقيل: إنها لسببية في قوله ﵇: "في النفس المؤمنة مائة من
стр. 394
الإبل، أي بسبب النفس المؤمنة
والحق أنها على يابها إذ يمكن حملها على الظرف التقديري، فلا حاجة إلى جعلها للسببية.
стр. 395
[الباء]
ومنها: "الباء", وهي للإلصاق، كقولك: "مررت بزيد" أي التصق مروري بالمكان الذي يلابسه.
وللاستعانة، كقولك: "كتبت بالقلم" و "ضربته بالسوط".
وقد يقال لها: "ياء" الآلة.
وللتعدية كقولك: "ذهب يزيد".
وبمعنى "على" كقوله تعالى: ﴿من إن تأمنه بدينار﴾ أي: على دينار.
وبمعنى "في" كقولك: "جلست بالمسجد" أي فيه.
وللثمنية كقولك: "بعت هذا بهذا".
وللمصاحبة كقولك: "اشتري الفرس بسرجه ولجامه".
وللتعليل كقولك: "قتل به" و "قطع بالسرقة" ومنه قوله تعالى ﴿ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله﴾.
وزائدة في النفي، والاستفهام، كقولك: "ما زيد بقائم" وهل زيد
стр. 396
بقائم"؟.
وقيل: هي للتبعيض في فعل متعد بنفسه كقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ ونسب ذلك إلى الشافعي ﵁.
وقيل: هي مجملة بين مسح بعض الرأس وبين مسح كله وهو مذهب الحنفية.
وقالوا: نحن ما أجوبنا مسح بعض الرأس بناء على أن الآية تفيد وجوب بعض الرأس، ثم أن ذلك البعض لم يكن مبين المقدار، فبينه النبي ﵇ بفعله، بل لأن الآية كانت مجملة بين الكل والبعض، فبينها النبي عليه
стр. 397
السلام بفعله.
والفرق بين هاتين الطرقتين، وهو أن مطلق التبعيض مستفاد من الآية على الطريقة الأولى، وتعيينه مستفاد من فعله ﵇.
وعلى الطريقة الثانية التبعيض وتعيينه كلاهما مستفادان من فعله ﵇.
واستدل الشافعي ﵁: بأنا ندرك التفرقة بالضرورة بين قول القائل: "مسحت يدي بالمنديل" وبين "مسحت المنديل"، في أن الأول يفيد التبعيض والثاني الشمول.
ولقائل أن يقول: لا نسلم أنا ندرك التفرقة بينهما بما ذكرتم، بل الذي ندركه هو أن الأول: لا يفيد الشمول الذي هو/ (٦٦/ب) التبعيض، بل لا دلالة له إلا على إلصاق اليد بالمنديل بطريق المسح، وهو أعم من أن يكون بكل المنديل أو ببعضه. والثاني: يفيده.
ثم الذي يؤكده أنه يصح أن يقال "مسحت يدي بالمنديل كله، أو ببعضه".
قول كان قولنا: "مسحت يدي بالمنديل" يفيد التبعيض، لكان الأول: نقضا والثاني: تأكيدا، ومعلوم أنه ليس كذلك.
стр. 398
فإن قلت: القول بأن الفعل المتعدى، إذا دخلت "الباء" على متعلقه لم يفد التبعيض ولا تعميم، ولا هو مجمل بينهما، بل يفيد القدر المشترك بينهما، قول لم يقل به أحد، وهذا لأن الحنفية قالوا: بإجماله، والمالكية قالوا: بتعميمه، كما قبل الدخول، والشافعية بتبعيضه، ولم يقل أحد منهم أنه يفيد القدر المشترك بين الكل والبعض، فكان باطلا، لأن "الباء" إن كان للتبعيض كان الفعل مفيدا له بعد دخولها، وإن لم تكن للتبعيض بل لا تفيد إلا الإلصاق كان الفعل بعد دخلوها، كهو قبل دخولها إلا في الإلصاق وقبل الدخول كان يفيد التعميم فكذا بعده.
قلت: الجواب عن الأول: إنا لا نسلم أنه قول لم يقل به أحد بل هو قول الشافعي ﵁، وأختاره أبو الحسين البصري، لكن لما كان اللازم من هذا القول الاكتفاء بأدنى ما ينطلق عليه الاسم على مالا يخفى تقريره، ظن أنه إنما قال بذلك لكون "الباء" تفيد التبعيض.
وأما عن الثاني: فإنا نسلم أن الفعل قبل دخول "الباء" يفيد التعميم، وكذا بعده، نظرا إلى الموضع الأصلي، وهذا لأن الرأس حقيقة في مجموع العضو المخصوص لا في بعضه، و "الباء" لا تفيد إلا الإلصاق، فكان مقتضاه بعد
стр. 399
دخولها عليه إلصاق جميع الرأس بما يمسح به، كما هو مذهب مالك ﵁، واختاره بعض الأصوليين أيضا.
لكن عرف استعمال أهل اللسان الطارئ على الوضع غيره عن مقتضاه، إذ لا يتبادر التعميم إلى الفهم منه الآن، كما يتبادر ذلك من قولك: "مسحت المنديل".
ولهذا فإن السيد لو أمر عبده، وقال له: امسح يدك بالمنديل، أو بالحائط فمسح يده ببعض المنديل، أو ببعض الحائط، فإنه لا يستحق التوبيخ واللوم على ذلك، كما يستحقه إذا قال: امسح المنديل أو الحائط فمسح بعض المنديل أو بعض الحائط.
وبالجملة فقول الشافعي ﵁: بجواز المسح بأقل ما ينطلق عليه الاسم لا يدل على أن "الباء" للتبعيض لجواز أن يكون ذلك/ (٦٧/أ) بالطريقة التي سبقت الإشارة إليها، وحمل كلامه على هذا أولى، لأن كون "الباء" للتبعيض مما لم يعرفه أحد من أهل اللغة.
لا يقال: دليلكم منقوض فإنه يقتضى أن لا يجب استيعاب مسح جميع الوجه بالصعيد، لأن قوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم﴾ لا يدل على الاستيعاب حينئذ، والأصل براءة الذمة عن أقل ما ينطلق عليه الاسم، فوجب. الاكتفاء به، لكنه واجب بالإجماع فيكون منقوضاً.
стр. 400
لأنا نقول: ترك مقتضى الدليل في بعض الصور لدليل أقوى منه لا يقدح فيه، وهذا وإن كان يلزم منه التعارض وهو خلاف الأصل، لكنه قد يصار إليه عند قيام الدلالة عليه.
ولقائل أن يقول: أنا نسلم أن قولنا: "مسحت يدي بالمنديل" لا يفيد التعميم في عرف الاستعمال، لكنه لقيام قرينه هي مقصودة "في" قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ وهي أن المقصود من الكلام مسح اليد بالمنديل فقط، إذ ليس الغرض متعلقا بكون المسح بكله أو ببعضه، وإذا حصل ذلك سواء كان ذلك بكل المنديل أو ببعضه فقد حصل تمام المقصود من الكلام، بخلاف قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ فإن من المعلوم أن الرأس ليس آلة المسح بل هو الممسوح و "الباء" التي كان يجب دخولها على الآلة، لما حذف ذكرها دخلت على الممسوح تنبيها على المحذوف، وتقدير الكلام والله أعلم، و "امسحوا بأيديكم رؤوسكم".
وعلى هذا التقدير يقول: لا يلزم من عدم إفادة القول بالتعميم فيما إذا دخلت "الباء" على الآلة مع كونها غير مقصودة بالمسح عدم إفادته التعميم فيما إذا دخلت على الممسوح مع كونه مقصودا منه.
стр. 401
[اللام]
ومنها: "اللام". وهي تارة تكون للاختصاص كقولهم: "الجل للفرس". وللملك كقولهم: "الدار لزيد".
وللتعليل [كقولهم]: "زرتك لإكرامك الزائر",
وبمعنى "عن" على الندور كقوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا للذين آمنوا
стр. 402
لو كان خيرا ما سبقونا إليه﴾، أي: عن أحوالهم.
ولا يخفى عليك ما فيه.
وتكون زائدة، كقوله تعالى: ﴿ردف لكم﴾.
стр. 403
[على]
ومنها: "على". وهي للاستعلاء تقول: "جلست على السطح". وللوجوب كقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ ...
стр. 404
[عن]
ومنها: "عن". وهي للمجاوزة كقولك: "رمي عن القوس".
[كاف التشبيه]
ومنها: "كاف التشبيه". وهي تارة تكون للتشبيه بحسب الصورة كقوله تعالى: ﴿يوم نطوى الماء كطي السجل للكتب﴾.
وتارة للتشبيه بحسب المعنى، كقوله تعالى: ﴿كأنهم حمر مستنفرة﴾، وقوله تعالى: ﴿أولئك كالأنعام بل هم أضل﴾.
وقد تأتى زائدة كقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ وقد عرفت ما فيها.
стр. 405
[مذ ومنذ]
ومنها: "مذ ومنذ". وهما/ (٦٧/ب) إذا كان حرفين فلابتداء الغاية في الزمان الماضي كمن في المكان، نقول: "ما رأيته مذ يوم الجمعة"، و "منذ يوم الجمعة" أي: ابتداء عدم الرؤية كان من يوم الجمعة.
المسألة الرابعة
في الحروف النافية
[لا]
منها: "لا". وهي لنفي الفعل المستقبل، تقول: "لا تفعل" في نفي قول من يقول: "هو يفعل" بمعنى الاستقبال، وقد ينفى بها الماضي [أيضا] كقوله تعالى ﴿فلا صدق ولا صلى﴾ ,
стр. 406
ولنفي اسم الجنس كقولك: "لا رجل في الدار".
وللنهي نحو: "لا تفعل".
وللدعاء نحو: "لا رعاك الله".
وتكون مزيدة لتأكيد النفي، نحو قوله تعالى: ﴿ما منعك أن لا تسجد﴾ في الاستفهام، وفي غيره مثل قوله تعالى: ﴿لئلا يعلم﴾.
стр. 407
[ما]
ومنها: "ما". وهي لنفي الحال، تقول: "ما يفعل في الرد على من يقول: "هو يفعل "بمعنى الحال.
وينفى بها الاسم أيضا نحو: "ما زيد منطلقا".
والماضي المعرب من الحال نحو قولك: "ما فعل"، في نفي قول من يقول: لقد فعل.
[لم، لما]
ومنها: "لم" و "لما": وهما لقلب معنى المضارع إلى الماضي، تقول: "لم يفعل"، و "لما يفعل بالأمس"، لكن "لما" آكد في النفي من "لم"، لأنها هي أضيفت إليهما ما النافية لتأكيد النفي.
стр. 408
[لن]
ومنها: [لن]. وهي لتأكيد نفي المستقبل، كقولك: "لن أبرح اليوم مكاني"، وهو آكد من قولك: "لا أبرح اليوم مكاني".
وقيل: إن "لن" لنفي ما قرب من الحال ولا يمتد النفي فيها في المشهور.
ولذلك قيل: في جواب سؤال الرؤية في الدنيا: ﴿لن تراني﴾ لكونها منفية في الدنيا فقط.
وقيل: في الإدراك ﴿لا تدركه الأبصار﴾، لكون الإدراك منفيا في الدنيا والآخرة، إذ هو عبارة عن الإحاطة بالمدرك من جميع جوانبه، وهي غير متصورة في حقه تعالى.
стр. 409
[إن]
ومنها: "إن". وهي كـ "ما" في نفي الحال، وفي دخولها على الجملتين الاسمية والفعلية، قال الله تعالى: ﴿إن الحكم إلا لله﴾، وقال تعالى: ﴿إن يتبعون إلا الظن﴾.
المسألة الخامسة
[إنما]
كلمة إنما: للحصر. والدليل عليه النقل، والاستعمال، والمعنى.
стр. 410
أما النقل: فقد حكى الشيخ أبو علي الفارسي عن النحاة "أنها للحصر".
وأما الاستعمال فقوله تعالى: ﴿إنما الله إله واحد﴾.
وقال الفرزدق:
стр. 411
أنا الرائد الحامي الذمار وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي وقال الأعشى:
стр. 412
ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنا العزة للكاثر
ولو لم يجعل كلمة "إنما" للحصر، لما حصل مقصود الشاعر في الأول: من المدح التام لنفسه ولأمثاله، لأن مالا اختصاص له لا يمدح به. ولا في الثاني: من نفي العزة عن نفسه.
стр. 413
وأما المعنى فلأن كلمة "أن" للإثبات و "ما" للنفي، والأصل عدم التغيير عند التركيب.
فأما أن يقال: إنهما عند التركيب يقتضيان إثبات غير المذكور ونفي/ (٦٨/أ) المذكور أو عكسه، والأول باطل وفاقا.
وهذا لأن منهم: من يقول: إنها للحصر.
ومنهم: من لم يقل به بل قال: إنه لم يفد سوى إثبات الحكم في المذكور، ولا تعرض له لغير المذكور قول: لم يقل به أحد، وإذا بطل هذا تعين الثاني وهو المطلوب.
ولقائل أن يقول: هذا إنما يستقيم لو كانت "ما" الداخلة على "أن" هي "ما" النافية، وهو ممنوع، بل هي "ما" الكافة، ولم لا يجوز أن تكون مغايرة "لما" النافية؟. ثم الذي يدل على أنها مغايرة لها تقسيمهم إياها إلى الكافة، والنافية، وغيرهما من أنواعها، فلو كانت الكافة هي النافية، لزم أن يكون الشيء قسيما لنفسه، وهو محال.
فإن قلت: لو كانت مفيدة للحصر مرادفة "لما" و "إلا" إذ هما يفيدانه- أيضا- ولو كان كذلك لوجب قيام كل واحد منهما مقام الآخر لما تقدم، من وجوب قيام كل واحد من المترادفين مقام الآخر، لكنه ليس كذلك، إذ يصح أن يقال: ما أحد إلا ويقول ذاك.
ولو قلت: مكانه "إنما أحد ويقول ذاك لم يصح" ولو صح لم يوجد ذلك المعنى.
стр. 414
وكذلك يصح أن يقال: إنما هذا درهم لا دينار.
ولو قلت: [ما] إلا هذا درهم لا دينار لم يصح.
قلت: لا نسلم لو كانت مفيدة للحصر لكانت مرادفة "لما" و "إلا".
قوله: "لأنهما يفيدان إنه أيضا".
قلنا: مسلم لكن لاشتراك اللفظين في الدلالة على أمر واحد، لا يوجب ترادفها على أن المثال الثاني إنما لا يصح لكون الحرف فيه دخل على الحرف، لا لأنه لا يقوم مقامه ألا ترى أنك لو قلت: "ما هذا إلا درهم لا دينار" صح.
احتج المخالف: بأنه لم يفد الحصر في قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ لأن الإجماع منعقد على أن من لم يكن كذلك يكن مؤمنا أيضا. ولا في قوله تعالى: ﴿إنما كان قول
стр. 415
المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله﴾ الآية. إذ ليس قولهم منحصرا في ذلك، ولا في قوله تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ الآية، لأن الله تعالى حرم ماعدا المذكور في الآية "حرم" أشياء أخر، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل، فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك بين صور الاستعمال كلها، وهو ثبوت الحكم في المذكور فقط مع قطع النظر عن دلالته على الحكم عما عداه نفيا وإثباتا.
الجواب عنه: "هو" أنا نمنع أن واحدة منها لا تفيد الحصر، وسنده لا يخفى على الفطن اللبيب.
لكن الاستدلال لا يعارض النقل الصريح.
ولئن سلم ذلك: فالترجيح معنا، لأنا لو جعلناها للحصر أمكن استعماله في ثبوت الحكم في المذكور فقط على وجه التجوز لكونه لازما له، ولو جعلناها حقيقة فيما ذكرتم لم يمكن استعماله في الحصر على وجه التجوز لكونه غير لازم له، ولئن أمكن لكان الأول أولى لما تقدم.
стр. 416
الفصل السادس عشر
في التعارض الحاصل بين أحوال اللفظ
стр. 417
الفصل السادس عشر
في التعارض الحاصل بين أحوال اللفظ
وأعلم أن الخلل في فهم مراد المتكلم، إنما يقع/ (٦٨/ب) بناء على خمس احتمالات: وهي: الاشتراك، والنقل، والإضمار، والمجاز، والتخصيص.
والدليل عليه: أنه إذا انتفى احتمال الاشتراك، والنقل، كان اللفظ حقيقة في معنى واحد، وإذا انتفى احتمال الإضمار، كان المراد مدلول اللفظ، وإذا انتفى احتمال المجاز، كان المراد منه مدلوله الحقيقي، وإذا انتفى احتمال التخصيص، كان المراد منه جميع ما وضع له بطريق الحقيقة، وحينئذ لم يبق خلل في الفهم ألبتة.
فإن قلت: ترك احتمال الاقتضاء، ومنه ينشأ الخلل في فهم مراد المتكلم أيضا، فإن قوله ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، لما علم أن واحد منها غير مرفوع، لوقوعه من
стр. 418
الأمة، فلابد، وان يكون مراده ﵇ شيئا آخر لئلا يلزم كذبه، وهو غير معلوم من ظاهر الكلام، فقد نشأ الخلل في فهم مراد
стр. 419
المتكلم من غير الاحتمالات الخمسة.
قلت: أما من قال من الأصوليين، كالشيخ أبي زيد الدبوسي ومن.
стр. 420
تابعه: أن الاقتضاء ليس مغايرا للإضمار، لأن كل واحد منهما عبارة عن إسقاط شيء من الكلام، لا يتم الكلام بدونه، نظرا إلى العقل أو الشرع أو إليهما، لا نظرا إلى اللفظ، إذ اللفظ صحيح فيهما، فهذا السؤال ساقط عنه.
وأما من زعم أنه مغاير للإضمار فالسؤال متوجه إليه. لكن الجواب عنه يستدعى تقديم بيان وجه التغاير فيهما وقد ذكروا فيه وجوها:
أحدها: ما أشعر به كلام الإمام، أن الاقتضاء إثبات شرط يتوقف عليه وجود المذكور، ولا يتوقف عليه صحة اللفظ، كقول القائل: اصعد السطح فإنه يقتضى نصب السلم، وهو أمر يتوقف عليه وجود الصعود، ولا يتوقف عليه صحة اللفظ، بخلاف الإضمار، فإنه إثبات أمر يتوقف عليه صحة اللفظ.
وهو ضعيف، إذ إضمار الأهل، في قوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ ليس مما يتوقف عليه صحة اللفظ أيضا، ألا ترى أن العقل لو لم يدل على امتناع صدور الجواب من القرية نظرا إلى العادة، لما احتجنا إلى هذا الإضمار، ولهذا قالت الظاهرية المنكرون للمجاز في القرآن: لا حاجة إلى هذا الإضمار، لأن الله تعالى قادر على إنطاق القرية بالجواب، والزمن زمن
стр. 421
خرق العادة، لأنه زمن النبوة، ولو كان ذلك مما يتوقف عليه صحة اللفظ لما كان كذلك.
فإن قلت: لما لا يجوز أن يكون السؤال في اللغة موضوعا بإزاء استدعاء الجواب من القادر؟ فعلى هذا يكون إضمار الأهل, وما يجرى مجراه في كونه قادرا على الجواب، مما يتوقف عليه/ (٦٩/أ) صحة اللفظ.
قلت: هذا باطل.
أما أولا: فلأن الإمام، والدليل يساعدان على أن أمثلة الأفعال لا دلالة لها على خصوصية المؤثر، ولو كان السؤال موضوعا لما ذكرتم، لكان للأفعال المشتقة منه دلالة عليه أيضا.
ولئن سلم ذلك فغاية ما يلزم من هذا أن إضمار الأهل، وما يجرى مجراه من مقتضيات اللفظ، نظرا إلى الوضع الحقيقي وليس اللفظ إذا استعمل في غير ما وضع له لا يكون صحيحا، فإن المجاز صحيح من الكلام.
أما ثانيا: فلأن قوله تعالى ﴿واسأل القرية﴾ يكون مجازا بسبب النقل حينئذ لا بسبب النقصان.
وثانيها: ما أشعر به كلام بعضهم: وهو أن في صورة الإضمار يتغير إسناد اللفظ عند التصريح بالمضمر، وفي صورة الاقتضاء ليس كذلك بل يبقى الإسناد على حاله ألا ترى أن السؤال في قوله تعالى ﴿واسأل القرية﴾ مسند إلى القرية في الدلالة الذكر وعند التصريح بالأهل يتغير ذلك الإسناد، ويصير السؤال مسندا إلى الأهل، بخلاف قولك: "اصعد السطح"
стр. 422
فإن عند التصريح بنصب السلم، الذي هو مقتضاه، لا يتغير الإسناد، بل هو مسند إليه، كما هو عند عدمه.
وهو أيضا ضعيف، لأنه منقوض بقوله ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" الحديث، لأن الرفع في الذكر مسند إلى الخطأ فإذا أضمر الإثم أو الحكم يتغير ذلك الإسناد. وقد اتفق الأصوليون على أنه من باب الاقتضاء.
وثالثها: هو ما ذكره بعض الحنفية أن المضمر كالمذكور لفظا، ولهذا له عموم، ألا ترى أن الرجل لو قال لامرأته: طلقي نفسك ونوى ثلاثا صحة نيته إذ المصدر مضمر فيه فكأنه قال: طلقي نفسك طلاقا، وأما المقتضى فليس هو كالمذكور لفظا، ولهذا ليس عموم ألا ترى أن الرجل لو قال: "إن أكلت فأنت طالق" ونوى مأكولا معينا لم تصح نيته، لأن تقدير المأكول على وجه الاقتضاء والمقتضى لا عموم له، وكذلك قوله ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" الحديث، فإن ظاهره يقتضى رفع الخطأ عنهم، وهو غير مرفوع لوقوعه منهم، فلابد من تقدير شيء آخر، من الإثم أو الأحكام الدنياوية، أو الأخراوية، صونا للكلام عن الكذب، لكن لا يقدر الكلم، لأن ذلك على وجه الاقتضاء، والمقتضى لا عموم له. وهو أيضا غير سديد.
أما أولا: فلأنا، لا نسلم أن المصدر مضمر في تلك المسألة، وهذا لأن الإضمار على خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلا لضرورة، ولا ضرورة إلى
стр. 423
/ (٦٩/ب) إضمار المصدر فيها، إذ الكلام تام بدونه، كما هو في قوله: "أنت طالق". ولهذا لو نوى الثلاث فيه، لم يصح عنده.
ولئن سلمنا: كون المصدر مضمرا فيه، لكن لا نسلم أن صحة نية الثلاث في تلك المسألة، إنما كانت بناء عليه، وهذا لأنه يصح بنيته أيضا عندنا في قوله: "أنت طالق" مع عدم إضمار المصدر فيه.
سلمنا ذلك: لكن لا نسلم أن ذلك يدل على أن للمضمر عموما، وهذا لأن النية كما تؤثر في تخصيص العام، فكذا تؤثر في تقييد المطلق، وإذا كان كذلك، فجاز أن يكون صحة نية الثلاث، إنما كانت بناء على أنه من باب تقييد المطلق، لا أنه من باب تخصيص العام، بل هذا أولى، لأن المصدر لو كان مذكورا بصراحته لم يكن له عموم، على ما عرف أن المصدر لا عموم له، فكيف يكون للمضمر منه عموم؟.
سلمنا ذلك: لكنه مثال واحد، فلا تثبت به القاعدة الكلية.
سلمنا ذلك: لكنه منقوض بقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ فإن مضمره وهو الأهل، ليس له عموم، ولهذا لم يكن السؤال واجبا عن جميع أهل القرية لورود الأمر به عن الشارع، لا يعلم أن المقصود حاصل بسؤال واحد منهم؟
سلمنا: سلامته "عن" النقض، لكن لا نسلم أن المقتضى لا عموم له حينئذ، وهذا لأنا إنما لا نقول بعموم المقتضى، لأن ما يثبت بالضرورة، فإنه يتقدر بقدرها، والضرورة تندفع بتقدير أي واحد منه، فلا يجوز إضمار الكل وهذا المعنى بعينه موجود في الإضمار، فإذا جاز معه إضمار الكل،
стр. 424
فلا نسلم أنه لا يجوز حينئذ مثله في صورة الاقتضاء، وهذا لأن العلة حينئذ تكون منقوضة فلا عبرة بها.
سلمنا ذلك: لكنه فرق إجمالي تتوقف معرفته على معرفة وجه المحذوف، أعنى كونه محذوفا "على وجه الإضمار"، أو على وجه الاقتضاء. فمعرفة وجه المحذوف دور.
وإذا عرف ما في هذه الفروق من الضعف.
فلنذكر ما هو الصحيح من الفرق، فنقول: إن بينهما فرقا من حيث المعنى، ومن حيث اللفظ.
أما من حيث المعنى: فهو أن المقتضى أعم من المضمر، وذلك لأن المقتضى قد يكون مشعورا به للمتكلم، وقد لا يكون كذلك، وأما المضمر فلا يكون إلا مشعورا به له، وهذا لأن المضمر اسم المفعول من أضمره المتكلم، إذ من المعلوم أن الكلام لا يضمر فيستحيل أن لا يكون مشعورا به له.
وأما المقتضى فهو اسم المفعول من اقتضاء الكلام، ولا غرو في أن يكون الكلام مقتضيا لشيء ولا يكون مشعورا به للمتكلم، فعلى هذا كل مضمر مقتض من غير عكس.
وأما من حيث/ (٧٠/أ) اللفظ فمن وجهين:
احدهما: أن الإضمار إنما يستعمل حيث بمعرفته كل واحد من أهل اللسان من غير رؤية وفكر، كما في قوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾، وهذا لان الإضمار عبارة عن إسقاط شيء من الكلام يدل عليه الباقي، وإن كانت تلك الدلالة بواسطة العقل لا من حيث صحة اللفظ،
стр. 425
كما سبق، لكنه في بادئ النظر حتى لو لم يكن في الكلام الباقي بعد الإسقاط ما يدل عليه لم يصح الإضمار، ولهذا لا يصح أن يقول: "واسأل زيدا" يريد غلامه، أو أباه، بطريق الإضمار، بخلاف الاقتضاء، فإنه قد يحتاج فيه إلى إمعان النظر والاستعانة فيه بعلوم أخر، غير معرفة اللغة، ولهذا لا يعرف كل واحد من أهل اللسان إن في قوله ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" اقتضاء، ما لم يعرف عصمته ﵇ عن الكذب سهوا وعما، وذلك يحتاج فيه إلى نظر وفكر.
وثانيهما: أن في صورة الإضمار يتغير إسناد اللفظ لا محالة عند تصريح المضمر، وصورة الاقتضاء قد تكون ذلك، كما سبق في الحديث، وقد لا تكون كذلك، كما في "اصعد السطح"، فإن عند تصريح نصب السلم لا يتغير إسناد الصعود، وكذلك في "اعتق عبدك عني بألف"، فإنه يقتضى إثبات الملك له أولا، وعند التصريح به لا يتغير إسناد العتق إليه، بل هو على حاله.
وإذا اتضح ما ذكرنا من وجه المغايرة.
فنقول: قد حصل لك منه أن المقتضى، إنما يمتاز عن المضمر بأمر عارض معنوي، ولفظي وهو أنه يجوز أن يكون مغفولا عنه، وأن لا يكون مغيرا للإسناد لا بالذات والماهية، فإنهما متحدان في أن مقصود الكلام لا يتم بدونهما، والخلل في فهم مراد المتكلم، إنما ينشأ من هذا الوجه، لا من الوجه العارضي، وإذا كان كذلك، كان الخلل الناشئ من احتمال الاقتضاء [مثل الخلل الناشئ من احتمال الإضمار، وكان ذكره مغنياً عن ذكره،
следующие страницы →