Полный текст (3 770 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
المسألة الثامنة
[فيما لا يتم الواجب إلا به]
ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، سواء كان سببا، أو شرطا لكن بشرطين:-
أحدهما: أن يكون الإيجاب مطلقا غير مقيد بحالة حصول المتوقف عليه، كقوله: "صل إن كنت متطهرا" فإن إيجاب الصلاة هنا لا يقتضي إيجاب الطهارة وفاقا.
وثانيهما: أن يكون ذلك المتوقف عليه مقدورا للمكلف.
وهذا الشرط يعتبره من لم يجوز تكليف ما لا يطاق دون من يجوزه.
وقال بعض / (٨٨/ب) الأصوليين: إيجاب الشيء لا يقتضي إيجاب غيره مطلقا، بل هو مقيد بحالة حصوله.
стр. 527
وفصلت الواقفية بين السبب والشرط، فقالوا: إن كان ما يتوقف عليه الواجب سببا، كان إيجابه إيجابا لسببه، لأنه لو لم يكن كذلك لما كان متقيدا بحال حصول السبب، وحينئذ يكون المسبب حاصلا فلا يجوز إيجابه لكونه تحصيلا للحاصل، كما إذا أوجب الشارع إيلام زيد مثلا، فإنه يقتضي إيجاب أحد أسبابه من الضرب أو الشتم وغيرهما، وإن لم يكن سببا له، بل شرطا لا يكون إيجابه إيجابا للشرط، لا مكان إيجابه حال حصول شرطه، كما في المقيد به فلا يلزم تعطيل الإيجاب، بخلاف ما إذا كان سببا فإنه لا يمكن تقييد بحال حصوله لما تقدم، ولا بحال عدمه لكونه تكليف ما لا يطاق فيفضي إلى تعطيل الإيجاب.
وفصل بعضهم: كإمام الحرمين، بين الشرط الشرعي وبين الشرط الوجودي، كغسل جزء من الرأس في غسل الوجه، وصوم جزء من الليلتين في الصوم، فأوجب الأول دون الثاني، وعلله بأنه قد لا يخطر بالبال، ولأنه لا يجب عليه أن ينوي ذلك.
واحتج أبو الحسن لمذهب الجمهور: بأن الإيجاب مطلقا يقتضي وجوب الفعل على كل حال، لأنه لا فرق بين قوله: أوجبت عليك الصلاة اليوم، وبين قوله: أوجبت عليك الصلاة اليوم ولك أن توقعها في أي جزء منه شئت لكن لا ينبغي أن يخرج اليوم إلا وقد أتيت بالصلاة في كون كل واحد
стр. 528
منهما غير مخصص للإيجاب في وقت معين أو في حال مخصوص، وإذا كان كذلك فلو لم يكن إيجاب الشيء على كل حال مقتضيا لإيجاب ما يتوقف عليه، بل كان تركه جائزا لكان الموجب أوجب حال عدم الشرط أو السبب، لأن حاصله يرجع إلى أن الموجب كأنه قال للمكلف: أوجبت عليك الفعل ويجوز لك أن لا تأتي شرطه، فيكون قد أوجب الفعل مع عدم الإتيان بشرطه، وهو تكليف بالمشروط حال عدم الشرط، وهو تكليف ما لا يطاق.
واعترض عليه: بأنا لا نسلم أنه تكليف بالمشروط حال عدم الشرط، بل هو تكليف بالمشروط حال عدم وجود الشرط، وبينهما فرق، [و] تكليف ما لا يطاق إن كان منهما شيء فإنما هو الأول دون الثاني.
سلمنا: أنه تكليف بالمشروط حال عدم الشرط، لكن لا نسلم أنه محال، وهذا لأنه لو كان كذلك لكان التكليف بالمشروط مشروطا بحال وجود الشرط/ (٨٩/أ) ضرورة إن ما يكون عدمه منافيا للشيء كان وجوده شرطا له، وكل ما كان التكليف به مشروطا بشيء كان ذلك الشيء غير واجب التحصيل، كما في قوله: "صل إن كنت متطهرا".
سلمنا: أن التكليف بالمشروط حال عدم الشرط تكليف ما لا يطاق، لكنه لازم على الخصم أيضا، لأن الإيجاب لما كان على كل حال، ومن جملة الأحوال حال عدم الشرط كان المحال المذكور لازما عليه أيضا.
والأولى في ذلك أن يقال: الإيجاب المطلق يقتضي الإيجاب على كل حال، فلو خصصناه بحال وجود ما يتوقف عليه الواجب "لزم
стр. 529
التخصيص وأنه خلاف الظاهر، وإذا لم يختص بذلك الحال وجب أن يقتضي وجوب ما يتوقف عليه الواجب" إجماعا، ضرورة أنه لا قائل بالفصل.
فإن قلت: تخصيص الإيجاب بحال وجوب ما يتوقف عليه الواجب، وإن كان خلاف الظاهر، لكن إيجاب ما يتوقف عليه الواجب مع أن ظاهر النص لا يقتضي وجوبه، خلاف الظاهر أيضا فلم كان مخالفة هذا الظاهر، أولى من مخالفة ظاهركم؟.
قلت: لا نسلم أن ما ذكرتم مخالف للظاهر، وهذا لأن مخالفة الظاهر عبارة عن إتيان ما ينفيه اللفظ أو نفي ما يثبته، وما ذكرتم ليس كذلك، بل هو إثبات ما لا يتعرض له اللفظ نفيا ولا إثباتا، وذلك ليس من مخالفة الظاهر في شيء.
فإن قلت: هب انه لا يلزم مخالفة الظاهر، لكن لا شك أنه يلزم منه مخالفة الأصل، إذ الأصل عدم الوجوب، فلم قلتم أن مخالفة الأصل أولى من مخالفة الظاهر؟.
قلت: الأصل يترك بالظهر وإلا لما قدمت الدلائل الظنية "على الأصل" وذلك يدل على أن مخالفة الأصل أولى من مخالفة الظاهر.
ووجه آخر في المسألة، وهو أن إيجاب الشيء في العرف يفيد إيجاب ما يتوقف عليه، بدليل أن السيد لو أمر عبده بأن يسقيه الماء، وكان الماء على
стр. 530
مسافة، فإنه يفهم منه الإيجاب على كل حال، ولهذا يستحق [العبد] لذم على ترك قطع المسافة، ولو لم يكن الأمر مقتضيا للإيجاب على كل حال بل كان مخصوصا بحال قطع المسافة، لما استحق الذم عليه، كما لو قال له: إذا كنت على الماء فاسقني فإنه لا يذم هنا على ترك قطع المسافة، فإذا أفاد ذلك في العرف أفاده في الشرع أيضا لقوله ﵇ "ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن" / (٨٩/ب). . . . . . الحديث، ولأن الأصل
стр. 531
عدم التغيير.
ومنهم من استدل عليه بأن الأمة مجمعة على إطلاق القول بوجوب تحصيل ما أوجبه الشارع، وتحصيله إنما هو بتعاطي الأمور الممكنة من الإتيان به، فإذا قيل: وجب التحصيل بما لا يكون واجبا كان متناقضاً.
стр. 532
وهو ضعف، لأنه إن أراد به أنهم لو أجمعوا على وجوب تحصيله مطلقا فهو ممنوع، وإن أراد به أنهم أجمعوا على ذلك عند حصول ما يتوقف عليه أو في الجملة فهو مسلم لكنه لا يفيده.
واحتج: من زعم أن إيجاب الشيء لا يفيد إيجاب ما يتوقف عليه بوجوه:
أحدها: أن إيجابه زيادة على النص، والزيادة على النص نسخ، فلا يجوز إثباته بما لا يثبت به النسخ فلا يجوز إثباته بدليل العقل.
وثانيها: أنه لو كان واجبا، لوجب أن يثاب على فعله ويعاقب على تركه كما قي سائر الواجبات، لكن لا ثواب على صوم جزء من الليل ولا عقاب على تركه، ولهذا لو قدر أن يصوم النهار كله من غير أن يصوم شيئا من الليل فإنه لا يعاقب عليه.
وثالثها: لو كان واجبا لكان مقدرا قياسا على سائر الواجبات أو دفعا للمشقة الناشئة من الإبهام، لكنه غير مقدر، إما بالكل بمعنى أنه يجب الإتيان به فبالإجماع، وإما بالبعض فلأنه ليس البعض أولى من البعض.
والجواب عن الأول: بمنع أن الزيادة عن النص نسخ على الإطلاق، بل إنما يكون نسخا لو كانت رافعة لشيء من مقتضيات النص، وما نحن فيه ليس
стр. 533
كذلك لما عرفت من قبل.
وعن الثاني: بمنع انتفاء اللازم، وكيف يقال: ذلك مع أنا نعلم الضرورة من قواعد الشرع أن من قصد الحج من مكان شاسعة، فإنه يثاب أكثر من الذي يحج من نفس مكة.
وأما قوله: لا يعاقب على تركه لو أمكنه الإتيان به بدونه. فهو لا يدل عليه لأنا لا ندعي وجوبه بالنسبة إلى كل واحد واحد من المكلفين، بل بالنسبة إلى العاجز
وعن الثالث: بمنع أن ليس البعض أولى من البعض، فإن أولى ما ينطلق عليه الاسم أولى من غيره لما ستعرف.
المسألة التاسعة
[في أقسام ما لا يتم الواجب إلا به]
اعلم أن ما لا يتم الواجب إلا به ينقسم إلى: ما يسبقه ويتقدم عليه بطريق الوجوب، أي: لابد وأن يقع كذلك، وإلى: ما لا يكون كذلك.
والأول نوعان:
أحدهما: أن يكون حصوله مستلزما لحصوله، وهو المسمى "بالسبب"
стр. 534
كما تقدم.
وثانيهما: ألا يكون حصوله مستلزما لحصوله، وهو/ (٩٠/أ) المسمى "بالشرط"، وهو نوعان أيضا.
أحدهما: ما يكون وجوبه لقرب مجاورة الواجب به، بحيث لا يمكن الشروع فيه إلا به، وهو كصوم جزء من الليلة المتقدمة، وهذا القسم يسمى بالشرط الوجودي.
وثانيهما: ما لا يكون كذلك، وهو منقسم إلى قسمين [أيضا:].
أحدهما: مما يمكن تحصيله من المكلف.
وثانيهما: ما لا يمكن تحصيله منه، وكل واحد منهما ينقسم إلى ما يستقل العقل بمعرفة شرطيته، وإلى ما لا يستقل، بل لا تعرف شرطيته إلا من جهة الشرع. فهذه أقسام أربعة:-
أحدها: ما يمكن تحصيله من المكلف، ويستقل العقل بمعرفة شرطيته، وهو كقطع المسافة لأداء الحج والجمعة.
стр. 535
وثانيها: ما يمكن تحصيله منه وعرف اشتراطه بالشرع، وهو كالطهارة وستر العورة لأداء الصلاة.
وثالثها: ما لا يمكن تحصيله منه، وعرف اشتراطه من جهة العقل، كالقدرة على أداء الفعل المأمور به.
ورابعها: ما لا يمكن تحصيله منه وعرفت شرطيته من جهة الشرع، وهو منقسم إلى قسمين:-
أحدهما: ما لا يمكن تحصيله من كل واحد واحد منهم، وهو كتحصيل آلة الطهارة مثل الماء والتراب، وآلة الستر مثل: الثوب وما يجري مجراه والمعنى من تحصيله إدخاله في الوجود.
وثانيهما: ما لا يمكن تحصيله من بعضهم، ويمكن من بعضهم، وهو كتحصيل عدد الجمعة، فإنه لا يمكن تحصيله من آحاد المكلفين، وإن أمكن ذلك من الإمام.
وأما الذي لا يكون كذلك فهو أيضا ضربان:-
أحدهما: ما يكون وجوبه لقرب مجاورة الواجب به، بحيث لا يمكن إتيانه بدونه وهو على نوعين:
أحدهما: ما يكون متأخرا عنه كصوم جزء من الليلة الأخيرة.
وثانيهما: ما لا يكون تأخيره واجبا، بل جاز أن يقع متقدما وجاز أن يقع متأخرا، كغسل جزء من العضد، وغسل جزء من الرأس، فإنه لا يمكن استيفاء غسل جميع المرفق، والوجه إلا بغسل جزء من العضد والرأس، لكنه قد يقع متقدما إن ابتدئ من جهته وقد يقع متأخرا إن ابتدئ من جهة
стр. 536
الأصابع.
وثانيهما: ما يكون وجوبه لاشتباه الواجب به، وهو كوجوب الصلاوات الخمس على من نسي واحدة منها، هذا كله في جانب الفعل.
وأما في جانب الترك: فهو أن يجب على المكلف ترك شيء لكن يتعذر عليه تركه إلا عند ترك غيره، فيجب عليه ترك ذلك الغير لما سبق وهو على أضرب:-
أحدها: أن ما هو واجب الترك قد اختلط بغيره اختلاطا موجبا لتغييره كاختلاط النجاسة مع الماء، فإنه يجب ترك استعماله.
стр. 537
وثانيها: أن يختلط بغيره، لكن لم يتغير ذلك الغير/ (٩٠/ب) به، فهذا هل يجب تركه أم لا؟.
فللفقهاء فيه اختلافات كثيرة عرفت في موضعها.
وثالثها: أن يشتبه ما هو واجب الترك بغيره، كاشتباه الماء الطاهر بالنجس والثوب الطاهر بالنجس.
والفقهاء اختلفوا فيه أيضا.
فجوز بعضهم استعمال أحدهما مطلقا.
ومنعه الآخرون مطلقاً.
стр. 538
وفصل بعضهم فجوزه بالتحري والاجتهاد، ومنعه بدونه. وهو الحق من مذهب الشافعي ﵀.
ورابعها: أن يختلط من يحرم على المكلف نكاحها، "كأمة" و "أخته"، بأجنبيات، فإن كن عددا يمكن حصرهن في العادة حرم عليه نكاح الكل [وإلا فلا]. ومنعه الآخرون مطلقا.
وخامسها: أن تختلط منكوحته بأجنبية وجب الكف عنهما، أما عن الأجنبية فلعلة كونها أجنبية، وأما عن المنكوحة فلعلة اشتباهها بها.
وقال قوم: الحرام هي الأجنبية دون المنكوحة، فإنها حلال.
فإن أراد به أن الأجنبية هي الحرام بالذات دون المنكوحة، فإنها حلال بالذات حرام بالعرض. فهو حق وهو عين ما قلناه.
وإن أراد به أن المنكوحة غير محرمة أصلا وأنها حلال مطلقا فهو باطل قطعا لأن رفع الحرج جزء ماهية الحلال، فكيف تعقل ماهية بدونه؟.
стр. 539
وسادسها: أن يوقع الطلاق على إحدى نسائه بعينها ثم نسيها، فهاهنا أيضا يحرم الكل تغليبا للحرمة على الحل.
أما إذا وقع على إحدى نسائه من غير تعيين بأن قال: احداكن طالق، فهاهنا يحتمل أن يقال يحل وله وطء الكل، لأن الطلاق شيء متعين فيستدعي محلا متعينا كالبيع والنكاح، فقيل التعيين ليس طلاقا، بل أمرا له صلاحية الطلاق عند اتصاله بالبيان، وإذا كان كذلك فيحل له وطؤها استصحابا للحل ويحتمل أن يقال حرمتا جميعا إلى وقت البيان تغليبا للحرمة، كما في المسألة المتقدمة وعليه أكثر الفقهاء.
فإن قلت: إن الله تعالى يعلم ما سيعينه للطلاق فتكون هي المطلقة.
والأخرى إنما حرمت عليه للاشتباه بها.
قلت: قد مر جوابه فيما سبق فلا نعيده.
стр. 540
المسألة العاشرة
[في الواجب الذي لا يتقدر بقدر معين]
الواجب الذي لا يتقدر بقدر معين، كاللبث في القيام، والطمأنينة في الركوع والسجود، ومسح الرأس عند من لا يقدر بالكل، أو بالربع إذا زاد على أقل ما ينطلق عليه الاسم، هل توصف الزيادة بالوجوب أم لا؟.
اختلفوا فيه: فالأكثرون على أن القدر الذي يذم على تركه هو الواجب والباقي ندب، لأنه داخل تحت حد الندب دون حد الواجب، إذ لا يذم على تركه ويثاب على فعله.
ومنهم من زعم: أن الكل يوصف بالوجوب/ (٩١/أ)، لأن نسبة الكل إلى الأمر الدال على وجوبه واحد، والأمر واحد مقتض للوجوب، وليس البعض أولى من البعض، فأما أن لا يوصف شيء منه بالوجوب وهو باطل وفاقا، أو يوصف الكل به وهو المطلوب.
стр. 541
وجوابه: لا نسلم أن ليس البعض أولى من البعض، فإن أقل ما ينطلق عليه الاسم أولى من غيره، لكونه يذم على تركه دون غيره وهذا فيما يوجد متعاقبا، كاللبث في القيام والطمأنينة في الركوع والسجود ظاهر، وأما ما يوجد دفعة واحدة، كالمسح إذا حصل كذلك فكذلك، فإنه وإن لم يتميز البعض عن البعض في هذه الصورة بالإشارة الحسية والتعيين، لكن يتميز لما ذكرنا من الصفة فيكون البعض متميزا عن البعض نظرا إلى الإشارة العقلية وهي كافية في ذلك.
المسألة الحادية عشرة
[في حكم الباقي بعد نسخ الوجوب]
الوجوب إذا نسخ بقى الجواز، بمعنى أنه لا حرج في فعله ولا في تركه عند قوم، وهو اختيار الإمام.
وقال قوم: لا يلزم أن ننفى ذلك، بل يرجع الأمر إلى ما كان قبل الوجوب من ندب أو إباحة أو تحريم، وهو اختيار الشيخ الغزالي ﵀.
стр. 542
ومأخذ الخلاف إن الجواز، هل هو داخل في حقيقة الواجب أم لا؟.
فمن قال: إنه داخل فيها قال بنفي الجواز إذا نسخ الوجوب، وهذا القائل يفسر الجواز برفع الحرج عن الفعل فقط ولاشك أنه داخل في ماهية الواجب.
ومن قال: إنه غير داخل فيها بل هو ينافيها، قال: لا ينفى الجواز، وهذا القائل: يفسر الجواز برفع الحرج عن الفعل والترك، ولا شك أنه غير داخل فيها بل هو ينافيها.
حجة الأولين: أن الجواز عبارة عن رفع الحرج عن الفعل، والوجوب عبارة عن رفع الحرج عن الفعل، مع إثبات الحرج في الترك، ومعلوم أن المفهوم الأول جزء من المفهوم الثاني، وإذا ثبت أنه جزؤه، فالمقتضي للوجوب مقتض له لاستحالة تحقق المركب بدون مفرداته، ورفع الماهية المركبة لا تقتضي رفع أجزائها أجمع، وإذا كان كذلك كان المقتضي للجواز قائما، وهو الدليل الدال على الوجوب والعارض الموجود وهو النسخ لا يصلح أن يكون معارضا له، وذلك لأن رفع ماهية الوجوب، إما برفع جواز الفعل، أو برفع الحرج عن الترك، أو بهما، وعلى كل التقادير يكون الحرج عن الترك مرفوعا قطعا، وأما رفع جواز الفعل فغير معلوم ولا مظنون وكان المقتضي له ثابتا فوجب القول ببقائه، فإذا انضم رفع الحرج عن الترك إلى جواز الفعل كان المجموع الحاصل منهما هو الجواز، بمعنى رفع الحرج عن الفعل والترك،/ (٩١/ب) وهذا المفهوم قدر مشترك بين المباح والمندوب، لكن لما كان أقل مراتبه أن يكون مباحا لا حراما قطعنا به دون المندوب، إذ يحتاج فيه إلى زيادة.
стр. 543
أجاب الباقون عنه: بأن دليلكم منقوض، لأنه بعينه يقتضي أنه إذا نسخ الوجوب بقى الندب، لأن رجحان الفعل على الترك جزء ماهية الوجوب، وأن نسخ الوجوب لا يتقضى نسخه، فإذا انضم رفع الحرج عن الترك إلى ذلك الجزء كان المجموع الحاصل منه هو الندب، وهو قول لم يقل به أحد.
سلمنا: سلامته عن النقض، لكنه معارض بوجهين:-
أحدهما: أن نسخ الوجوب يقتضي رفع الحرج عن الترك، لكن رفعه قد يكون بأن يصير الترك واجبا "وحينئذ يكون رفعه متضمنا لرفع جواز الفعل وقد يكون بأن يصير تركه جائزا"، وحينئذ لا يكون رافعا لجواز الفعل والاحتمالان سواءان، فلا يحكم بأحدهما لاستحالة ترجيح أحد الجائزين على الآخر من غير مرجح فيستصحب حكم ما قبل الوجوب.
وثانيهما: أن حصة كل نوع من الجنس مغاير لحصة "النوع" الآخر منه، لما ثبت في غير هذا الفن أن الفصل علة لحصة النوع من الجنس، فلو كانت حصة كل نوع هي بعينها حصة النوع الآخر لزم اجتماع العلتين المختلفين على معلول واحد وأنه باطل، وإذا كان كذلك فجواز الفعل الذي يوجد في ضمن الواجب غير الذي يوجد في ضمن المباح والندب وكل واحد منها يفنى عند فناء علته لاستحالة بقاء المعلول عند فناء العلة، فلا يبقى جواز الفعل عند ارتفاع الوجوب.
стр. 544
المسألة الثانية عشرة
[في صوم المريض والمسافر والحائض]
قد عرفت مما سبق في حد الواجب، أن عدم جواز الترك جزء ماهية الوجوب، فيما يجوز تركه، يستحيل أن يكون واجبا لاستحالة أن يبقى الكل بدون الجزء.
وخالف فيه كثير من الفقهاء، إذ زعموا أن الصوم واجب على المريض والحائض والمسافر، مع أنه يجوز لهم تركه.
ومنهم: من فصل بين ما يكون العذر من الله تعالى، وبين ما يكون من العبد، كالسفر فنفى الوجوب في الأول، دون الثاني.
стр. 545
واحتجوا على ذلك بوجوه:-
أحدها: قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، والحائض والمريض، والمسافر قد شهدوا الشهر فيجب عليهم الصوم.
وثاينها: أنه ينوي فيما يأتي بعد زوال العذر قضاء رمضان، وأنه يدل على أنه كان واجبا، لأن القضاء يعتمد على الوجوب كما سبق.
وثالثها: أن القضاء لا يزيد على الأصل ولا ينقص عنه، وذلك يدل على/ (٩٢/أ) أنه بدل عنه.
أجاب الأولون بوجهين:
أحدهما: وهو الوجه الإجمالي: أن ما ذكرتم استدلال في مقابلة الضرورة إذ من المعلوم بالضرورة أن الكل لا يبقى بدون الجزء فلا يكون مسموعاً
стр. 546
اللهم إلا أن نفسر الواجب بغير ما تقدم، فحينئذ يكون النزاع في تفسير الواجب.
وثانيهما: وهو الوجه التفصيلي: أما عن الأول: فلأن غاية ما يلزم منه على تقدير عدم الوجوب على هؤلاء، أما التخصيص أو التجوز، وهما غير ممتنعين عند قيام الدلالة عليهما.
وعن الثاني: ما سبق من [أن] القضاء لا يعتمد على الوجوب، بل يعتمد على سبب الوجوب.
وعن الثالث: أنا نساعدكم أن ما يأتي [به] هؤلاء بدل عما سبق، لكن ذلك لا يدل على الوجوب لجواز أن يكون بدلا عما وجد سبب وجوبه ولم يجب.
واعلم أن الفقهاء يمنعون أن يكون جواز الترك مطلقا ينافي جزء ماهية الوجوب، وهذا لأن عدم الشيء قد يكون لعدم المقتضي لوجوده، وقد يكون لوجود المانع من وجوده مع قيام المقتضي له.
إذا ثبت هذا:
فنقول: انتفاء عدم جواز الترك فيما نحن فيه إنما هو لوجود المانع، وهو غير مناف لعدم جواز الترك الذي هو بحسب دلالة المقتضي له الذي هو جزء ماهية الوجوب لإمكان اجتماعهما، فإن يصح أن يقال: عدم جواز الترك ثابت هنا نظرا إلى المقتضي وهو غير ثابت نظرا إلى المانع فلا يكون جواز الترك مطلقا منافيا لجزء ماهية الوجوب.
стр. 547
"الفصل الثاني"
في المحظور وما يتعلق به من المسائل
стр. 548
" الفصل الثاني"
في المحظور وما يتعلق به من المسائل
المسالة الأولى
في حقيقته لغة وشرعا
أما في اللغة: فهو الممنوع والمقطوع، يقال: حظرت عليه كذا أي: منعته منه، ومنه الحظيرة للبقعة التي تأتي إليها المواشي.
وأما حده شرعا: فهو على ضد ما قلنا: في الواجب مع زيادة قيد، وهو: ما يذم فاعله شرعا على بعض الوجوه من حيث هو فعل.
وقولنا: على بعض الوجوه. ليدخل فيه المحرم المخير، إذ يجوز عندنا أن يحرم الشارع أحد الأمرين لا بعينه، كما في الإيجاب على مما نذكره.- إن شاء الله تعالى- واحترزنا بالقيد الأخير، عن المباح الذي يستلزم فعله ترك الواجب، فإنه يذم فاعله لكن لا من حيث إنه فعل، بل من حيث إنه يستلزم ترك الواجب.
ومن أسمائه: المعصية، والمحرم، والذنب، والمزجور عنه، والمتوعد
стр. 549
عليه والمنهي عنه، عند من يجعل مطلق النهي للتحريم. ثم القول إنما يكون معصية ومحرما: باعتبار أنه نهى الله/ (٩٢/ب) عنه.
وقالت المعتزلة: إنما يكون ذاك باعتبار أن الله تعالى كرهه، وهذا بناء على أن الأمر عندهم عين الإدارة، والنهي عين الكراهية، وهو مبني على خلق الأعمال وإدارة الكائنات.
المسالة الثانية
[في الجمع بين الطاعة والمعصية في الشيء الواحد]
اعلم أن العقلاء قد اتفقوا على أن الشيء الواحد بالشخص باعتبار واحد، لا يجوز أن يكون حراما وواجبا، وطاعة ومعصية لاستحالة اجتماع النفي والإثبات في الشيء الواحد بالاعتبار الواحد، إلا من جوز التكليف بالمحال، ولو كان محالا لذاته.
وغنما الخلاف في الشيء الواحد بالنوع "كالسجود" مثلا، هل يكون حراما وواجبا معا أم لا؟. وفي الشيء الواحد بالشخص، هل يجوز أن يكون كذلك باعتبارين أم لا؟ كالصلاة في الدار المغصوبة، فإن باعتبار
стр. 550
الصلاة هل يجوز أن يتعلق الأمر بها؟ وباعتبار كونها في الدار المغصوبة، هل يجوز أن يتعلق النهي بها أم لا؟. فلنفرد كل واحد منهما بالكلام ليكون أقرب إلى التحقيق.
فنقول: أما الأول: فذهب أكثر العقلاء إلى تجويزه.
والدليل عليه وجهان:
أحدهما: أن محل الإثبات إذا كان مغايرا لمحل النفي، إما بالصفة الحقيقية كما في الأصناف، أو بالإضافية كما في المختلف بالإضافة، أو بالشخصية كما في المشخصات مع اتحاد النوعية، فإنه لا يلزم منه اجتماع النفي والإثبات، فلا يلزم من كون النوع الواحد واجبا وحراما، بمعنى أن بعض أفراده واجب، وبعض أفراده حرام، اجتماع النفي والإثبات في الشيء الواحد فلا يلزم من كون السجود واجبا لله تعالى أن لا يكون السجود للصنم حراما.
وثانيهما: وقوعه في الشرع، فإنه دليل الجواز وزيادة بيان الوقوع أن السجود نوع واحد من الأفعال، ومنه واجب وهو السجود لله تعالى، ومنه محرم وهو السجود للصنم والشمس والقمر، لذلك قال تعالى: ﴿لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله﴾ الآية، ولو استحال أن يكون بعض أفراد النوع الواحد واجبا وبعض أفراده محرما مع التغاير الحاصل بين تلك الأفراد بالإضافة، لما حسن هذا الأمر والنهي.
стр. 551
وذهب أبو هاشم ومن تابعه من أصحابه: إلى أن النوع الواحد يستحيل أن يكون منقسما إلى واجب ومحرم، وهو سديد على أصله، وهو أن النوع الواحد لا تختلف صفته في الحسن والقبح، فإذا كان بعض أفراده حسنا وجب أن يكون كله كذلك، [وإذا كان قبيحا وجب أن يكون كله كذلك]، فالسجود لله تعالى لما كان واجبا استحال أن يكون السجود للصنم من حيث / (٩٣/أ) إنه سجود محرم وإلا لزم اجتماع النفي والإثبات في شيء واحد بل المحرم قصد التعظيم للصنم.
وهو ظاهر الضعف، لأن السجود الواجب لله تعالى سجود مقيد بقصد تعظيم الرب ووجوبه، وإن كان يتضمن وجوب مطلق السجود ضرورة أن ما يتوقف عليه الواجب فهو واجب، لكن المحرم ليس مطلق السجود، بل السجود المقيد بقصد تعظيم الصنم، وتحريمه لا يستلزمه تحريم مطلق السجود حتى يلزم اجتماع النفي والإثبات في محل واحد، فلا يكون تحريم سجود الصنم منافيا لوجوب سجود الرب، ولا وجوبه منافيا لتحريمه فيصح اجتماعهما في النوع الواحد.
стр. 552
واحتج إمام الحرمين على فساد مذهبه بوجه آخر: وهو أنه يقتضي خروج الأفعال عن أن تكون قربا، وهو خلاف الإجماع. وفيه نظر.
المسألة الثالثة
في أن الواحد بالشخص، هل يجوز أن يكون واجبا ومحرما معا باعتبارين مختلفين أم لا ؟ كما سبق مثاله.
فذهب أكثر الأصوليين والفقهاء إلى تجويزه.
وذهب الجبائيان، والقاضي منا، والإمام أحمد بن حنبل، وأهل الظاهر، والزيدية إلى عدم تجويزه.
стр. 553
وقيل: هو رواية عن مالك أيضا ﵀، واتفق هؤلاء على أنه لا يسقط الفرض بها. لكن اختلفوا: في أنه هل يسقط الفرض عندها أم لا؟
فقال القاضي أبو بكر ومن تابعه: يسقط عندها لا بها.
وقال الباقون: لا يسقط الفرض بها ولا عندها، بل يجب عليه القضاء هكذا نقل بعضهم.
стр. 554
والصحيح أن القاضي إنما يقول بذلك: لو ثبت القول بصحة الإجماع على سقوط القضاء، فأما إذا لم يثبت ذلك، فلا يقول بسقوط القضاء لا بها ولا عندها.
احتج الجمهور على صحة ما ذهبوا إليه بوجوه:
أحدها: أنه لا نزاع في أنه يعتبر في استحالة اجتماع النفي والإثبات في القصة الواحدة اتحاد المحكوم عليه والمحكوم به، وهو غير متحقق فيما نحن فيه، لأن المحكوم عليه في قولنا: "الصلاة المؤداة في الدار المغصوبة واجبة وطاعة"، هو نفس الصلاة باعتبار كونها صلاة فقط، والمحكوم عليه في قولنا: "الصلاة في الدار المغصوبة محرمة ومعصية" ليس هو نفس الصلاة من حيث إنها صلاة، بل هو الصلاة باعتبار كونها مؤداة في الدار المغصوبة، فالمحكوم "عليه" في قضية الحرمة مجموع الأمرين من الفعل وصفته، والمحكوم عليه في قضية الوجوب هو نفس الفعل الذي هو الصلاة، ومعلوم أن المجموع الحاصل من الذات والصفة / (٩٢/ب) مغاير لكل واحد منهما، وإذا حصل التغاير في المحكوم عليه فلا استحالة في الحكم بالوجوب والحظر معا.
وثانيها: لا شك في أنه يحسن من السيد أن يقول لعبده: أوجبت عليك خياطة هذا الثوب، وحرمت عليك دخول هذه الدار واللبث فيها، فإن فعلت ما أوجبت عليك أثبتك، وإن فعلت ما حرمت عليك عاقبتك، وإن جمعت بينهما جمعت بين الثواب والعقاب، فإن جمع العبد بينهما يحسن للسيد أن
стр. 555
يثيبه على ما امتثل ويعاقبه على ما خالف معا، ولا يقضي عاقل بالتهافت والتناقض لا في قوله ولا فعله، فكذا ما نحن فيه حذو القذة بالقذة.
وثالثها: التمسك بالإجماع، فإن السلف أجمعوا على صحة الصلاة المؤداة في الدار المغصوبة، إذ كانوا لا يأمرون الظلمة بقضاء الصلوات المؤداة في الدار المغصوبة مع كثرة وقوعها منهم، وذلك يدل على إجماعهم على أن تلك الصلوات كانت واجبة وطاعة، إذ الواجب لا يسقط بفعل ما ليس بواجب.
ولا ولا يدفع هذا الإجماع بمخالفة الإمام أحمد بن حنبل، وبما روي عن مالك في [رواية] رحمهما الله تعالى، فإنهما محجوجان أيضا بإجماع الصحابة والتابعين.
ولهذا الإشكال [فر] القاضي عن القول بوجوب القضاء. فقال: يسقط الفرض عندها لا بها جمعا بين الإجماع، وبين ما يزعمه دليلا على عدم صحتها.
стр. 556
ورابعها: التمسك بالعمومات، نحو قوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل﴾، ونحو قوله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة﴾
стр. 557
فإنها تتناول الصلاوات المؤداة في الدور المغصوبة، لأنها تسمى صلاة فيكون مأمورا بها "من حيث إنها" صلاة، وإن كانت منهية عنها من حيث إنها مؤداة في الدار المغصوبة فظهر بما ذكرنا أن الشيء الواحد يجوز أن يكون مأمورا به ومنهيا عنه باعتبارين مختلفين.
واحتج المخالف: على فساد الصلاة في الدار المغصوبة بوجوه:
أحدها: قوله ﵇: "من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد عليه".
стр. 558
ولا شك أن الصلاة في الدار المغصوبة ليس [من] الدين فتكون ردا عليه.
وثانيها: وهو الوجه الإجمالي: وهو أن متعلق الوجوب والأمر من هذه الصلاة إما أن يكون عين متعلق الحظر، أو غيره، والأول: باطل.
أما أولا: فلأنه يقتضي أن يكون الشيء الواحد باعتبار واحد / (٩٤/أ) واجبا ومحظورا معا وهو باطل بالضرورة لا يجوز ورود التكليف به، لأنه حينئذ يكون مأمورا بالفعل والترك معا باعتبار واحد وهو تكليف ما لا يطاق، وليس هذا تفريعا عليه، إذ قال بصحة هذه الصلاة من لم يقل به كبعض الأصوليين والفقهاء.
وأما ثانيا: فلمساعدة الخصم على الشيء الواحد بالاعتبار الواحد لا يجوز أن يكون واجبا ومحظورا معا.
وإن كان الثاني، فإما أن يكون بين ذينك المتعلقين تلازم، أو لا يكون.
فإن كان الأول: كان الإتيان بمتعلق الحظر من لوازم الإتيان بمتعلق الوجوب وقد ثبت أن وجوب الشيء يستدعي وجوب ما هو من ضروراته، فيكون متعلق الحظر بعينه واجبا فيرجع هذا القسم إلى القسم الأول: وهو أن يكون الشيء الواحد بالاعتبار الواحد يكون واجبا ومحظورا معا، وقد أبطلناه.
وإن كان الثاني: كان متعلق الوجوب والحظر أمرين متغايرين لا يلازم أحدهما الآخر، فهذا التقدير لو كان هو الواقع في هذه الصلاة فنحن لا ننازعكم في صحتها، لكنه باطل، لأن جهة الغصب على الإطلاق.
стр. 559
وإن كانت متغايرة لجهة الصلاة ومنفكة عن مطلق الصلاة، لكنه يستحيل انفكاك هذه الصلاة عن جهة الغصب، إذ الصلاة في الدار المغصوبة يستحيل أن تكون منفكة عن جهة الغصب، وحينئذ يعود ما ذكرنا من المحذور، وهو أن المحذور بعينه يكون واجبا في هذه الصور الخاصة، لأنه من ضروريات الواجب.
وثالثها: وهو الوجه التفصيلي: وهو أن الصلاة ماهية مركبة من الأذكار المخصوصة، والأفعال المعلومة، نحو القيام والركوع والسجود والقعود، وكل واحد من هذه الأفعال مركب من الحركة والسكون.
والحركة: عبارة عن حصول الجوهر أو الجسم في حيز بعد أن كان في حيز آخر. وهي عبارة عن الحصول الأول في الحيز سواء كان في الحيز الأول أو في الثاني. والسكون على الضد منه.
فعلى الأول السكون: عبارة عن حصوله في حيز بعد أن كان فيه قبله.
وعلى الثاني: أنه عبارة عن الحصول الثاني سواء كان في الحيز الأول، أو في الحيز الثاني، لكن يعتبر أن يكون ثابتا بالنسبة إلى حيز واحد.
وعلى التقديرين فهما يشتركان في نفس الحصول في الحيز وهو محرم فيما نحن فيه فيكون الكون في الصلاة في الدار المغصوبة محرما، وهو جزء الحركة والسكون اللذين هما جزء أفعال الصلاة، وجزء الجزء جزء فجزء الصلاة محرم / (٩٤/ب) والصلاة الواجبة واجبة بجميع أجزائها، وإلا لزم أن يقال
стр. 560
الواجب بعض أجزاء الصلاة لا الصلاة، إذ الصلاة: اسم مجموع تلك الأجزاء مع الهيئة الاجتماعية، ولأن ما يتوقف عليه الواجب فهو واجب على ما تقدم، والكل متوقف على الجزء فيكون جزء الكل الواجب واجبا، وحينئذ يلزم أن يكون ذلك الجزء المحرم واجبا، فيكون الشيء الواحد واجبا ومحرم معا، وهو تكليف ما لا يطاق.
لا يقال: مطلق شغل الحيز جزء الصلاة لا شغل هذا الحيز المعين، ومطلق شغل الحيز ليس بحرام حتى يلزم أن يكون جزء الصلاة محرما.
لأنا نقول: مطلق شغل الحيز جزء مطلق الصلاة وشغل هذا الحيز جزء هذه الصلاة، فلو كانت هذه الصلاة واجبة وطاعة، لكان هذا الجزء المحرم واجبا وطاعة، وحينئذ يلزم المحذور المذكور.
الجواب عن الأول: أن الصلاة في الدار المغصوبة من حيث إنها في الدار المغصوبة ليست من الدين وهي من هذا الوجه مردودة.
فلم قلتم: إنها من حيث إنها صلاة ليست من الدين حتى تكون مردودة عليه، فإن تلك الجهة عندنا من الدين، فلا تكون مردودة بهذا الاعتبار؟
فإن قلت: التقييد خلاف الأصل، فيجب أن يكون مردود بجميع الاعتبارات إعمالا لا طلاق الرد.
قلت: يجب المصير إليه لما ذكرنا من الدليل.
وعن الثاني: أنه منقوض بما إذا قال السيد لعبده: خط هذا الثوب، ولا تدخل هذه الدار، فخاط الثوب ودخل الدار، فإنه يحسن من السيد أن يثيبه على
стр. 561
الامتثال، ويذمه على العصيان، والخصم يساعدنا عليه، مع أن جميع ما ذكره في صورة النزاع آت فيه، وذلك لأن الخياطة ودخول الدار وإن أمكن انفكاك كل واحد منهما عن الآخر، لكن يستحيل أن تنفك هذه الخياطة عن هذا الدخول، فلو كانت هذه الخياطة مأمورا بها لزم أن يكون هذا الدخول كذلك ضرورة إن ما يكون من لوازم المأمور به يكون مأمورا به أيضا، وليس للخصم عنه جواب.
إلا أن يقول الملازمة التي بين الخياطة المأمور بها وبين الدخول المنهي عنه، ليس لماهيتهما ولا للازم ماهيتهما، بل لأمر عارض وهو مفارقتهما في الوقوع الحاصلة بفعل المكلف التابعة لهما ضرورة أن النسبة بين الشيئين متأخرة عنهما بالرتبة، وإذا كان كذلك فلا يلزم من وجوب الخياطة وجوب الدخول المنهي عنه، لأن ما لا ينفك عنه الواجب إنما يكون / (٩٥/أ) واجبا إذا كان بحيث لا يمكن الإتيان بالواجب إلا به سواء كان كالوصلة والطريق المتقدم عليه أو لا يكون كذلك، وأما ما لا ينفك عنه الواجب لأنه لا يتوقف الإتيان به عليه، بل لأنه اتفق حصوله معه، فلا نسلم أنه يكون واجبا، ثم الذي يدل عليه، هو أن الواجب إذا أدى مع السنن والهيئات، فإنه لا يمكن إنفكاكه عنها، ولا يمكن أن يقال: إن تلك السنن والهيئات واجبة لاستحالة إنفكاكه الواجب عنها، فكذا فيما نحن فيه من المثال، وإذا كان هذا جوابه عن النقض، فهو بعينه جوابنا عما ذكره من الدليل من غير تفاوت أصلا.
سلمنا: سلامته عن هذا النقض، لكن دليلكم إما لا يفيد المطلوب أو هو منقوض بسائر الأفعال المنهية.
стр. 562
وبيانه: أنكم إما أن تجوزوا الأمر الماهية الكلية والنهي عن بعض أفراده بخصوصية بناء على أن الأمر بالماهية الكلية لا يوجب الأمر بالشيء من جزئياتها فجاز أن ينهى عن بعض جزئياتها، أو لا تجوزوا ذلك، فإن جوزتم يلزمكم تجويز كون الصلاة في الدار المغصوبة مأمورا بها باعتبار ماهيتها ومنهيا عنها باعتبار خصوصيتها، وإلا لزم التعارض وأنه خلاف الأصل، وحينئذ لا يكون الدليل مفيدا للمطلوب، وإن لم تجوزوا ذلك لزم الأمر الثاني، وذلك لأن مطلق الفعل مأمور به ضرورة أنه جزء من الفعل المخصوص المأمور به والأمر بالكل أمر بالجزء، وحينئذ يلزم أن لا يجوز النهي عن شيء من الأفعال لكونه فردا من أفراد الفعل المأمور به.
فما هو جوابكم عن هذا فهو جوابنا عن صورة النزاع، وبهما خرج الجواب أيضا عن الوجه الثالث: فإن الدخول المنهي عنه وإن لم يكن جزء الخياطة المأمور بها يستلزم وجوبهما، وحينئذ يلزم أن يكون المنهي عنه بعينه مأموراً به.
стр. 563
تنبيهان:
الأول: القائلون: بأن الصلاة في الدار المغصوبة غير صحيحة، سواء قالوا: بوجوب القضاء أو بسقوطه، لكن عندها لا بها.
اختلفوا: في الصلاة في الثوب المغصوب، والحرير والتوضؤ بالماء المغصوب، والحج على الجمل المغصوب، وما يجري مجراه.
فمنهم: من عمم المنع في الكل.
ومنهم: من خصص المنع بما إذا كان المنهي عنه جزءا، أو لازما للماهية دون غيره.
стр. 564
ولا / (٩٥/ب) يخفى عليك أن ما ذكروه من الوجه الإجمالي آت في الكل.
الثاني: الذين قالوا: بجواز أن يكون الشيء الواحد واجبا ومحرما باعتبارين، قالوا: إنما يجوز ذلك إذا أمكن للمكلف أن يفعل المأمور به بدون المحرم، كما هو في الصلاة في الدار المغصوبة، أما إذا لم يمكن أن يفعل الواجب بدون المحرم، فإنه لا يجوز اجتماعهما فيه ولو كانا باعتبارين، إلا على قول من يجوز تكليف ما لا يطاق.
فعلى هذا: من توسط أرضا مغصوبة ثم تاب، وتوجه للخروج، فإن خروجه واجب محض، ولا تحريم فيه أصلا، ولا يمكن أن يقال: إنه من حيث إنه شبب لتفريغ ملك الغير يكون واجبا، ومن حيث إنه شغل ملك الغير بغير إذنه يكون محرما، لأنه لا يمكن الإتيان بالاعتبار الواجب، وهو تفريغ ملك الغير بدون الاعتبار المحرم وهو شغل ملك الغير.
وقال أبو هاشم: هو عاص في خروجه، وخروجه حرام بناء على أصله: وهو أن التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح لذاته، وهو نوع واحد فلا يختلف في الحسن والقبح، لكنه مناقض لأصل آخر له: وهو عدم جواز تكليف ما لا يطاق، وتحريم الخروج واللبث معا مع توجه الأمر بالكف عن المحرم تكليف ما لا يطاق.
стр. 565
المسألة الرابعة
[في أنه لا يجوز أن يكون الشيء الواحد باعتبار واحد واجبا ومكروها]
كما عرفت مما سبق أن الشيء الواحد باعتبارين مختلفين يجوز أن يكون واجبا ومحرما معا، أما باعتبار واحد فلا.
فعرف مثله أنه لا يجوز أن يكون الشيء الواحد بالاعتبار الواحد واجبا ومكروها معا، ولا واجبا ومباحا، ولا واجبا ومندوبا، إذ لا فرق في استحالة اجتماع الشيء مع ما ينافي بعض أجزائه، أو كل أجزائه، فالصلاة في
следующие страницы →