Полный текст (3 770 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
الامتثال، ويذمه على العصيان، والخصم يساعدنا عليه، مع أن جميع ما ذكره في صورة النزاع آت فيه، وذلك لأن الخياطة ودخول الدار وإن أمكن انفكاك كل واحد منهما عن الآخر، لكن يستحيل أن تنفك هذه الخياطة عن هذا الدخول، فلو كانت هذه الخياطة مأمورا بها لزم أن يكون هذا الدخول كذلك ضرورة إن ما يكون من لوازم المأمور به يكون مأمورا به أيضا، وليس للخصم عنه جواب.
إلا أن يقول الملازمة التي بين الخياطة المأمور بها وبين الدخول المنهي عنه، ليس لماهيتهما ولا للازم ماهيتهما، بل لأمر عارض وهو مفارقتهما في الوقوع الحاصلة بفعل المكلف التابعة لهما ضرورة أن النسبة بين الشيئين متأخرة عنهما بالرتبة، وإذا كان كذلك فلا يلزم من وجوب الخياطة وجوب الدخول المنهي عنه، لأن ما لا ينفك عنه الواجب إنما يكون / (٩٥/أ) واجبا إذا كان بحيث لا يمكن الإتيان بالواجب إلا به سواء كان كالوصلة والطريق المتقدم عليه أو لا يكون كذلك، وأما ما لا ينفك عنه الواجب لأنه لا يتوقف الإتيان به عليه، بل لأنه اتفق حصوله معه، فلا نسلم أنه يكون واجبا، ثم الذي يدل عليه، هو أن الواجب إذا أدى مع السنن والهيئات، فإنه لا يمكن إنفكاكه عنها، ولا يمكن أن يقال: إن تلك السنن والهيئات واجبة لاستحالة إنفكاكه الواجب عنها، فكذا فيما نحن فيه من المثال، وإذا كان هذا جوابه عن النقض، فهو بعينه جوابنا عما ذكره من الدليل من غير تفاوت أصلا.
سلمنا: سلامته عن هذا النقض، لكن دليلكم إما لا يفيد المطلوب أو هو منقوض بسائر الأفعال المنهية.
стр. 562
وبيانه: أنكم إما أن تجوزوا الأمر الماهية الكلية والنهي عن بعض أفراده بخصوصية بناء على أن الأمر بالماهية الكلية لا يوجب الأمر بالشيء من جزئياتها فجاز أن ينهى عن بعض جزئياتها، أو لا تجوزوا ذلك، فإن جوزتم يلزمكم تجويز كون الصلاة في الدار المغصوبة مأمورا بها باعتبار ماهيتها ومنهيا عنها باعتبار خصوصيتها، وإلا لزم التعارض وأنه خلاف الأصل، وحينئذ لا يكون الدليل مفيدا للمطلوب، وإن لم تجوزوا ذلك لزم الأمر الثاني، وذلك لأن مطلق الفعل مأمور به ضرورة أنه جزء من الفعل المخصوص المأمور به والأمر بالكل أمر بالجزء، وحينئذ يلزم أن لا يجوز النهي عن شيء من الأفعال لكونه فردا من أفراد الفعل المأمور به.
فما هو جوابكم عن هذا فهو جوابنا عن صورة النزاع، وبهما خرج الجواب أيضا عن الوجه الثالث: فإن الدخول المنهي عنه وإن لم يكن جزء الخياطة المأمور بها يستلزم وجوبهما، وحينئذ يلزم أن يكون المنهي عنه بعينه مأموراً به.
стр. 563
تنبيهان:
الأول: القائلون: بأن الصلاة في الدار المغصوبة غير صحيحة، سواء قالوا: بوجوب القضاء أو بسقوطه، لكن عندها لا بها.
اختلفوا: في الصلاة في الثوب المغصوب، والحرير والتوضؤ بالماء المغصوب، والحج على الجمل المغصوب، وما يجري مجراه.
فمنهم: من عمم المنع في الكل.
ومنهم: من خصص المنع بما إذا كان المنهي عنه جزءا، أو لازما للماهية دون غيره.
стр. 564
ولا / (٩٥/ب) يخفى عليك أن ما ذكروه من الوجه الإجمالي آت في الكل.
الثاني: الذين قالوا: بجواز أن يكون الشيء الواحد واجبا ومحرما باعتبارين، قالوا: إنما يجوز ذلك إذا أمكن للمكلف أن يفعل المأمور به بدون المحرم، كما هو في الصلاة في الدار المغصوبة، أما إذا لم يمكن أن يفعل الواجب بدون المحرم، فإنه لا يجوز اجتماعهما فيه ولو كانا باعتبارين، إلا على قول من يجوز تكليف ما لا يطاق.
فعلى هذا: من توسط أرضا مغصوبة ثم تاب، وتوجه للخروج، فإن خروجه واجب محض، ولا تحريم فيه أصلا، ولا يمكن أن يقال: إنه من حيث إنه شبب لتفريغ ملك الغير يكون واجبا، ومن حيث إنه شغل ملك الغير بغير إذنه يكون محرما، لأنه لا يمكن الإتيان بالاعتبار الواجب، وهو تفريغ ملك الغير بدون الاعتبار المحرم وهو شغل ملك الغير.
وقال أبو هاشم: هو عاص في خروجه، وخروجه حرام بناء على أصله: وهو أن التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح لذاته، وهو نوع واحد فلا يختلف في الحسن والقبح، لكنه مناقض لأصل آخر له: وهو عدم جواز تكليف ما لا يطاق، وتحريم الخروج واللبث معا مع توجه الأمر بالكف عن المحرم تكليف ما لا يطاق.
стр. 565
المسألة الرابعة
[في أنه لا يجوز أن يكون الشيء الواحد باعتبار واحد واجبا ومكروها]
كما عرفت مما سبق أن الشيء الواحد باعتبارين مختلفين يجوز أن يكون واجبا ومحرما معا، أما باعتبار واحد فلا.
فعرف مثله أنه لا يجوز أن يكون الشيء الواحد بالاعتبار الواحد واجبا ومكروها معا، ولا واجبا ومباحا، ولا واجبا ومندوبا، إذ لا فرق في استحالة اجتماع الشيء مع ما ينافي بعض أجزائه، أو كل أجزائه، فالصلاة في
стр. 566
الحمام وأعطان الإبل وقارعة الطريق ليست مكروهة باعتبار كونها صلاة، ولا لصفة لازمة للصلاة، وإلا لكان كل صلاة كذلك، بل لأمر آخر خارجي يمكن أن تنفك الصلاة منه، وهو مثل التعرض للنجاسة، وشغل القلب بسبب خوف النفار، وكثرة طروق الطارقين، وغير ذلك من أسباب الكراهة، فلو لم يعرف للكراهة متعلق غير الماهية أو جزء منها أو لازم لها لم يمكن القول الوجوب معه.
المسألة الخامسة
[في المحرم المخير]
تحريم شيء من الأشياء: لا يقتضي تحريم الكل عندنا، بل المحرم واحد لا بعينه، ويتعين ذلك بكفه عنه إذا فعل غيره، كما في الوجوب.
وقالت المعتزلة: يقتضي تحريم الكل.
стр. 567
والنزاع هاهنا في المعنى، وإن لم يكن في الوجوب فيه، فإن عندهم يجب الكف عن الجميع هنا / (٩٦/أ) وإن لم يجب فعد الجميع في الوجوب. وعندنا لا يجب ذلك هكذا نقل بعضهم.
والقياس التسوية بين الوجوب والتحريم، لأن الوجوب كما يتبع الحسن الخاص عندهم، فكذا التحريم يتبع القبح الخاص، فإن وجب الكف عن الجميع بناء على استوائها في المعنى الذي يقتضي الإيجاب.
لنا: أنه خير بين محرمين، فلا يجب الجمع بينهما في الكف.
أما الأول: فلأنا نفرض الكلام فيما إذا صرح به، بأن يقول: حرمت عليك هذا أو هذا ولست أحرم الجميع ولا واحدا بعينه.
وأما الثاني: فبالقياس على الوجوب، فإن الخصم يساعدنا فيه، على أنه لا يجب فعل الكل، وإن كان يقول: الكل واجب على التخيير، والجامع رفع الضرر الناشئ من إيجاب الكل.
واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ولا تطع منهم آثما أو كفورا﴾ وهو يقتضي تحريم طاعة كل واحد منهما وفاقا.
стр. 568
وجوابه: منع اقتضائه تحريم طاعة كل واحد منهما، بل الآية لا تقتضي إلا تحريم طاعة واحد منهما لا بعينه، وإنما ثبت التحريم في كل واحد منهما بدليل منفصل.
سلمناه: لكن ذلك لأن "أو" بمعنى "الواو". فلم قلت: أنه إذا لم يكن بمعناه أو حيث صرح بالتخيير كان مقتضاه ما ذكرتم.
стр. 569
"الفصل الثالث"
في المباح وما يتعلق به من المسائل
стр. 570
" الفصل الثالث"
في المباح وما يتعلق به من المسائل
المسألة الأولى
في معناه
وهو في اللغة: مأخوذ من الإباحة.
وهو بمعنى: الإظهار والإعلان من قولهم: باح بالسر إذا أظهره.
ومنه يقال: باحة الدار لساحتها سميت بذلك لظهورها.
وأما قولهم: أبحت له كذا، فهو بمعنى: أذنت له فيه وأطلقته.
وأما في الشرع: فقيل: هو ما خير المرء فيه بين فعله وتركه شرعا.
وأورد عليه: بأنه غير مانع، فإن المرء مخير بن فعل كل واحد من خصال الكفارة، وبين تركه شرعا مع أنه إذا فعله لا يكون مباحا بل واجباً، وكذلك
стр. 571
الصلاة في أول وقتها.
ولو زيد في الحد "من غير بدل" اندفعا.
وقيل: هو ما استوى جانباه في عدم الثواب والعقاب.
وأورد عليه: بأنه غير مانع أيضا، فإن أفعال الله تعالى كذلك مع أنها ليست مباحة، وكذا أفعال الصبي والمجنون والبهائم.
ولو زيد في الحد. وقيل: "هو ما يستوي جانباه من أفعال المكلفين في عدم الثواب والعقاب"، اندفع الاعتراضان.
لكن يعترض عليه: بأنه / (٩٦/ب) غير جامع، فإن المباح: المنوي لوسيلة عبادة، أو معصية لا يستوي جانباه في الثواب والعقاب، أو يثاب فاعله، أو يعاقب مع أنه مباح ولذلك يقال: يثاب على فعل المباح بالنية، والأصل في الإطلاق الحقيقة.
ويندفع هذا أيضا، لو زيد في آخر الحد "نظرا إلى نفسه".
وقيل: "صوابه" ما أعلم فاعله، أو دل "عليه" أنه لا ضرر عليه في فعله، ولا في تركه، ولا نفع له في الآخرة.
стр. 572
وقودح: بأنه غير جامع، إذ يخرج عنه الفعل الذي خير الشارع فيه بن الفعل والترك، مع إعلامه فاعله، أو دلالة الدليل السمعي على استواء فعله في المصلحة والمفسدة دنيا وآخرة، فإنه مباح، وإن اشتمل فعله وتركه على الضرر.
وهو غير سديد، لأنه لابد وأن يريد بقوله: وإن اشتمل فعله وتركه على الضرر، الضرر في الآخرة، وهو المعنى من قوله "في الحد": لا ضرر عليه في فعله ولا في تركه ولا نفع له في الآخرة.
وحينئذ لا نسلم أن ما يكون كذلك يكون في فعله وتركه ضرر، وهذا لأن المفسدة لما صارت معارضة بالمصلحة، وبالعكس صار وجود كل واحد منهما كعدمه، وحينئذ لا يكون في فعله وتركه ضرر في الآخرة.
فإن استدل عليه بأن الثواب والعقاب على الفعل عندنا غير معلل بالمصالح والمفاسد، وغير مشروط بهما، فجاز أن يكون في الفعل ضرر في الآخرة، وإن لم يكن مشتملا على المفسدة، فحينئذ نمنع جواز تحقق حقيقة التخيير فيه، وإن أجازوا ورود صيغة التخيير فيه، كما في قوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾، وهذا لأنه حينئذ يكون محرما لاشتماله على ضرر الآخرة، فلا يتصور فيه حقيقة التخيير.
سلمناه: لكن لا نسلم أنه على هذا التقدير يكون مباحا، والمعترض ما زاد على مجرد الدعوى شيئا، ولم يذكر عليهما دليلا.
واعلم أن من أسماء المباح: الحلال، والطلق، وقد يوصف الفعل بالإباحة، إذا كان الإقدام عليه جائزا، وإن كان تركه محظورا، كما يقال:
стр. 573
دم المرتد مباح مع أن تركه غير جائز.
المسألة الثانية
[في المباح هل هو من الشرع أو لا]
اختلفوا: في المباح هل هو من الشرع أو لا؟
فالأكثرون: على أنه من أحكام الشرع.
وخالف فيه بعض المعتزلة: زاعما بأنه لا معنى له إلا انتفاء الحرج عن فعله وتركه، وهذا الحكم ثابت قبل الشرع، وهو مستمر بعده، فلا يكون حكما شرعيا.
قال الأكثرون: نحن لا ننازعكم على أن المباح بهذا المعنى ليس حكما
стр. 574
/ (٩٧/أ) شرعيا، لكن ليس معنى المباح عندنا ما ذكرتم، بل معناه: ما أعلم فاعله أو دل بطريق شرعي على أنه لا حرج في فعله ولا في تركه.
ومعلوم أن هذا الحكم غير ثابت قبل الشرع فلا يكون المباح حكما عقليا بهذا المعنى.
والحاصل أن النزاع في المسألة لفظي: فإنه إن عني بالمباح، ما لا حرج في فعله ولا في تركه لا غير.
أو عني الحكم الشرعي: الحكم الذي يخالف حكم العقل الذي كان ثابتا قبله، فالمباح ليس حكما شرعيا.
وإن عني بالمباح ما ذكرناه، أو عني بالحكم الشرعي ما ذكرناه، في صدر الكتاب، فالمباح حكم شرعي، لأن الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين بالتخيير أعم من أن يكون ذلك على وجه التقرير أو على وجه التغير.
المسألة الثالثة
في أن المباح هل هو من التكليف أم لا ؟
فالأكثرون: على أنه ليس من التكليف، لأن التكليف تفعيل من الكلفة: وهي المشقة، فمعناه أن يحمل الشخص على ما فيه "من" الكلفة، وليس في المباح طلب واستدعاء فلا يكون تكليفاً.
стр. 575
والأستاذ أبو إسحاق- ﵀ جعله من التكليف، باعتبار أنه طلب من المكلف اعتقاد إباحته، لا أنه طلب منه فعله.
فعلى هذا يكون الأستاذ متجوزا في إطلاق التكليف على المباح، لأنه اطلق على المضاف إليه ما كان مطلقا على المضاف، لأن المكلف به حينئذ هو اعتقاد المباح لا المباح نفسه.
والجماهير لا يخالفونه في كون المباح من التكليف بهذا الاعتبار، وهو لا يخالفهم في أنه ليس منه باعتبار الفعل والترك فالنزاع لفظي.
المسألة الرابعة
في أن المباح هل هو حسن أم لا ؟
إن عني بالحسن ما لا حرج في فعله، سواء كان بحيث يثاب على فعله أو لا يثاب، فلا شك أن كل مباح حسن.
وإن عني به ما يكون ملائما لغرض فاعله فبعض المباح حسن، وهو الذي يكون ملائما لفاعله دون الذي لا يكون كذلك.
وإن عني به ما يثاب فاعله ويستحق الثناء بفعله، فليس شيء من المباح حسناً.
стр. 576
المسألة الخامسة
في أن المباح هل هو مأمور به أم ل ا
فمن قال: أن الأمر حقيقة في رفع الحرج عن الفعل، أو في الإباحة، فلا شك أن المباح مأمور به عنده.
وأما من قال: أنه حقيقة في الوجوب، أو في الندب، أو في القدر المشترك بينهما، أو هو أمر مشترك بينهما، فالمباح عندهم ليس بمأمور به.
المسألة السادسة (٩٧/ب)
أنكر الكعبي وأتباعه المباح: وخالف فيه عصا المسلمين، إذ الأمة
стр. 577
مجمعة على أن أحكام الشرع منقسمة إلى الأحكام الخمسة المذكورة في التقسيم السابق، وكيف لا؟. والمباح أكثرها وأظهرها، إذ حكموا بالإباحة بالاستصحاب دون الأحكام الأربعة الباقية، فكل ما هو طريق إلى إثبات الأحكام الأربعة طريق إليه من غير عكس.
стр. 578
وقبل الخوض في تحرير دلالة الخصم، لابد من تلخيص محل النزاع ليقع الكلام على مجرى واحد.
واعلم أن إنكاره المباح يحتمل وجهين:-
أحدهما: وهو الذي أشعر به ظاهر ما نقل عنه، وهو أنه ليس فعل من أفعال المكلفين بمباح أصلا، سواء كان ذلك باعتبار الفعل أو غيره.
وهذا ظاهر الفساد غني عن الإفساد.
وثانيهما: وهو الذي أشعر به دليله، وهو أن كل فعل يوصف بأنه مباح باعتبار ذاته، فإنه واجب باعتبار أنه يترك به الحرام.
واستدل عليه بأنه ترك الحرام واجب، ولا يمكن تركه إلا بالتلبس بضد من أضداده، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالتلبس بضد من أضداده واجب، غير أن ذلك الضد غير متعين للوجوب قبل التلبس به، لكنه يصير متعينا لذلك بعد التلبس به، كما في الواجب المخير، ثم إذا فارق المكلف ذلك الضد، وتلبس بضد آخر، تعين ذلك للوجوب أيضا، لأن الانتهاء عن المحرم واجب دائما، فالتلبس بضد من أضداده واجب دائما، فبأي ضد تلبس به تعين ذلك الوجوب.
ولا يخفى عليك أن هذا الدليل يقتضي أن يكون الواجب واجبا باعتبارين:
أحدهما: باعتبار الذات.
وثانيهما: باعتبار الحرام.
وأن يكون كل واحد من المندوب والمكروه واجبا، بل يقتضي أن يكون
стр. 579
الحرام واجبا أيضا، إذ يترك به حراما آخر، وقد يلتزمه الرجل، ويعتذر عنه بأنه لا يعد في الحكم على الشيء الواحد بحكمين مختلفين باعتبارين، كما في الصلاة في الدار المغصوبة، وعند هذا ظهر أنه لا معنى لإنكاره المباح، بل الفعل باق على الإباحة، نظرا إلى ذاته، وإنما يصير واجبا باعتبار أمر عارض، هذا بالنسبة إلى مباح واحد، إذا فرض تلبس المكلف به دون ما عداه من المباحات فإنها باقية على الإباحة، هذا إذا فرض تلبس المكلف به، أما إذا تلبس بالواجب أو بالمندوب فعند هذا تبقى جميع المباحات على الإباحة ولم يصر شيء منه واجبا / (٩٨/أ) نظرا إلى الأمر العارض أيضا.
стр. 580
"الفصل الرابع"
في المندوب وما يتعلق به من المسائل
стр. 581
" الفصل الرابع"
في المندوب وما يتعلق به من المسائل
المسألة الأولى
في معناه لغة وشرعا
أعلم أن المندوب مشتق من الندب.
وهو في اللغة: عبارة عن الدعاء إلى أمر، يقال: ندبه إلى الآخر فانتدب، أي دعاه فأجاب.
وهو في الشرع: عبارة عما يكون فعله راجحا على تركه في نظر الشرع، ويكون تركه جائزا مطلقا.
فبالقيد الأول: خرج المحظور والمكروه والمباح.
وبالثاني: الأكل قبل ورود الشرع وما يجري مجراه مما يتعلق به لذة، أو غرض غير شرعي، فإنه وإن كان ترجح فعله على تركه، لكن لما لم يكن ذلك الترجيح مستفادا من الشرع لا جرم لا يسمى مندوبا.
стр. 582
وبالثالث: الواجب المخير والموسع، فإنه وإن ترجح فعل كل واحد من تلك الخصال على تركه، وكذا ترجح فعل الواجب الموسع في أول الوقت على فعله في آخره بالنسبة إلى مقاصد الشرع، لكن لما لم يكن ذلك الترك جائزا مطلقا، بل إما بشرط الإتيان بالبدل، أو إلى غاية معينة، لا جرم لا يسمى كل واحد من تلك الخصال مندوبا، وكذلك لا يسمى الواجب الموسع في أول الوقت مندوبا.
ثم اعلم أن هذا المعنى الشرعي إنما سمي به: لأنه دعا الشرع إلى فعله، والواجب وإن كان كذلك، لكن المندوب لما وقع في أول مرتبة من مراتب ما دعى الشرع إلى فعله اختص به، ثم اختص ما بعده من السنة والواجب على العين، والواجب على الكفاية، باسم خاص، حذرا عن الالتباس.
ومن أسمائه: النفل: أي الطاعة الزائدة على الواجبة.
والتطوع: لما أن المكلف أطاع الله فيه من غر إلزام وإيجاب.
والمرغب فيه، والمستحب، والإحسان لبعض أنواعه: وهو أن يكون نفعا موصلا إلى الغير مع القصد إلى إيقاعه، إذ لا يقال لمن يصلي ويصوم أنه محسن على الإطلاق.
وإن قيل ذلك مقيدا، إذ قال: إنه محسن لنفسه والاستعمال بشرط التقييد
стр. 583
أنه المجاز، وكذلك لا يقال: لمن لا قصد له إلى الإيقاع، وإن وجد منه الإيقاع أنه محسن، كمن رمى إلى صيد أو جرثومة فقتل ظالما أو سبعا.
وأما السنة: فقيل أيضا هي من جملة أسمائه، لأنها تذكر في مقابلة الواجب فيقال: هذا الفعل إما واجب أو سنة.
والصحيح غيره وهو أحد القولين:-
أحدهما: أن لفظ السنة غير مختصة بالمندوب، بل / (٩٨/ب) يتناول كل ما علم أو ظن ندبيته أو وجوبه بقوله أو فعله ﵇، وكذلك يقال: (الختان من السنة) ولا يراد به أنه غير واجب، وكذلك يقال: النكاح من السنة ﷺ قال ﵇: "النكاح من سنتي فمن رغب عن سنتي
стр. 584
فليس مني".
وليس المراد منه النكاح المندوب فقط، بل المراد منه، إما النكاح الواجب أو المطلق هو قدر مشترك بين الواجب والمندوب، أو العموم ليتناول جميع أفراده، لأنا وإن جوزنا تعلق مثل هذا الوعيد بالمندوب على وجه المبالة لكن تخصيصه به مع عدم ما يشعر به خلاف الأصل، كيف وتعلقه بالواجب أولى من تعلقه بالمندوب.
وثانيهما: أن لفظ السنة وإن سلم أنه غير متناول للواجب، لكن ليس مرادفا للنفل والمندوب، بل هو أخص منه وهو كلما داوم ﵇ على فعله من المندوبات، أو حرص على فعله غير مرة، لأنها مأخوذة من السنن وهو الطريقة، ولا يقال للفعل المفعول مرة أنه طريقة فاعله، وإنما يقال ذلك إذ تكرر منه.
стр. 585
المسألة الثانية
في أن المندوب هل هو مأمور به أم لا ؟
ذهب القاضي وأبو هاشم وأتباعهما إلى أنه مأمور به، وهو اختيار الشيخ الغزالي رحمهم الله تعالى-.
стр. 586
وذهب كثير من الأصوليين والفقهاء منا، من الحنفية كالكرخي، وأبي بكر الرازي: إلى أنه ليس بمأمور به.
والحق: إن هذه المسألة، فرع مسألة إن الأمر حقيقة في ماذا:؟ فمن قال: إن الأمر حقيقة في الوجوب فقط، فالمندوب يجب أن لا يكون مأمورا به عنده.
стр. 587
ومن قال: إنه حقيقة في الندب أو في القدر المشترك بينه وبين الواجب والمباح أو بينه وبين الواجب، أو هو مشترك بينهما، فالمندوب عندهم مأمور به.
والعجب أن الشيخ الغزالي رحمه الله تعالى من جملة الواقفية في مقتضى الأمر. فكيف اختار مع ذلك بأن المندوب مأمور به؟
وكان من حقه أن يكون متوقفا فيه.
стр. 588
فإن قلت: هو جازم بأن الأمر للاقتضاء والطلب، وأنه موجود في الندب، كما هو في الوجوب، ولكنه توقف في أنه لأحدهما أو هو مشترك بينهما.
قلت: فبتقدير أن يكون للاقتضاء الجازم، كيف يكون المندوب مأمور به؟
نعم: جزمه بأنه للاقتضاء والطلب، مع توقفه بأنه للوجوب أو للندب، أو مشترك بينهما، إنا يفيد خروج المباح والمهدد به عن أن يكون مأمورا به، لا أن المندوب مأمورا به.
وقد أشعر كلام بعضهم: إن بعض من قال الأمر للوجوب فقط: قال المندوب: مأمور به. وهذا لا وجه له.
المسألة الثالثة
[في حسن المندوب]
المندوب حسن: إن أريد به: ما لا / (٩٩ أ) حرج في فعله، أو ما يثاب فاعله ويستحق الثناء، وإن أريد به الواجب، وإن لم يقل به أحد فالمندوب ليس بحسن.
стр. 589
المسألة الرابعة
في أن المندوب هل هو من التكليف أم لا ؟
فمن قال: بأن المباح منه، قال: المندوب منه بطريق الأولى.
وأما الذين لم يقولوا: بأن المباح من التكلف. اختلفوا في:
فقال الجماهير والقاضي: هو منه.
وقال إمام الحرمين: إنه ليس من التكليف.
стр. 590
والصحيح ما ذهب إليه الجماهير، لأنه ليس معنى التكليف طلب ما فيه الكلفة والمشقة بطريق الجزم حتى لا يكون المندوب منه، بل معناه: طلب ما فيه الكلفة سواء كان مع المنع من النقيض، أو لا يكون مع المنع منه.
والمطلوب على وجه الندبية قد يكون أشق من الواجب، فوجب القطع بأنه من التكليف، بخلاف المباح، فإنه ليس فيه طلب أصلا، فلا يكون معنى التكليف فيه، ولأن المندوب لو لم يكن من التكليف لكان المكروه أيضا كذلك، أما لأنه لا قائل: بالفصل، وأما لأنه ليس فيه الطلب الجازم أيضا لكنه باطل، إذ فيه خروج أكثر الأحكام عن التكليف، ولأن المكلف في المندوب دائر بين كلفتين ومشقتين، لأنه إن رغب في الثواب الموعود عليه وقع في كلفة العمل به، وإن تركه لأجل ما فيه الكلفة شق عليه حرمان الثواب، وربما يكون هذا أشق عليه من كلفة العمل به فيدعوه إلى العمل به فيقع المكلف في المشقة فكان من التكليف.
لا يقال: هذا الذي ذكرتم بعينه، يقتضي أن يكون حكم الشارع بكون الفعل المعين سببا للثواب العظيم حكما تكليفا، وهو خلاف الإجماع.
لأنا نقول: لا نسلم أنه خلاف الإجماع، لأن الحكم بالسببية والشرطية والمانعية راجع إلى الأحكام الخمسة المذكورة".
стр. 591
ولهذا لم يعتبر بعضهم: تعلق الخطاب بالوضع في تعريف الحكم الشرعي، بل اقتصر على قوله: والخطاب المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير، لأن الحكم بالسببية، والشرطية، راجع إلى الأحكام الخمسة، فعلى هذا ما يكون سببا للحكم التكليفي يكون حكما تكليفا، وما لا فلا.
فإن قلت: سلمتم أن المباح ليس من التكليف إلا باعتبار الاعتقاد، والمندوب ساواه في التخيير بين الفعل والترك من غير حرج فيهما، وإنما يمتاز عنه باستحقاق الثواب بفعله، وهو ليس سبب الكلفة والمشقة، بل هو سبب اليسر والسهولة، إذ الفعل الذي له عوض أيسر على الإنسان من الذي لا / (٩٩/ب) عوض له، فإذا لم يكن المباح من التكليف، مع كونه متفقا من حيث إنه لا عوض فيه، فالمندوب مع يسره أولى أن لا يكون منه.
قلت: المندوب وإن ساوى المباح في مسمى التخيير، لكن يمتاز عنه بكون التخير فيه بصفة الترجيح، والتخيير في المباح بصفة التساوي، ومع ظهور الفارق المناسب لا يصح لقياس.
قوله: إنما يمتاز عنه باستحقاق الثواب بفعله وهو من جهة أسباب اليسر لا العسر والكلفة.
قلنا: المعتبر في كون الفعل من التكليف، أن يكون منشأ الكلفة فعله أو تركه مع كونه مطلوب الفعل أو الترك، وأما اليسر الناشئ من جزالة العوض فغير قادح فيه، وإلا لزم أن يكون الواجب الذي لا كلفة فيه مع ما فيه من
стр. 592
الثواب العظيم، كرد السلام، والتلفظ بكلمتي الشهادة، أن لا يكون من التكليف، بل يلزم أن لا يكون جميع الواجبات والمحرمات من التكليف، لما فيها من الأجر الجزيل الذي لو قيست مشاقها به لعدت كالعدم بالنسبة إليه.
المسألة الخامسة
[أقوال العلماء في متى يلزم المندوب]
المندوب لا يلزم بالشروع إلا في الحج، وخلاف الحنفية فيه مشهور.
لنا: قوله ﵇: "الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر".
стр. 593
ولأنه لو نوى صوما يجوز له الخروج عنه وجب أن يقع كذلك، لقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾، لقوله ﵇:
стр. 594
"الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى".
وللخصم: أن يمنع صحة الشروع في الصوم، بمثل هذه النية بناء على أنها ليست على وفق المنوي بل على ضده، فإن من شأن الصوم المشروع فيه أن لا يجوز الخروج عنه من غير عذر، فإذا نوى ما يضاده لم ينعقد للتهافت، ولأن اشتراط جواز الخروج يمنع من جزم النية فصار كما لو قال: "أنا
стр. 595
صائم غدا إن كان من رمضان وإلا فأنا مفطر". فإنه لا يصير به شارعا في الصوم، وإن كان ظهر أنه من رمضان، وقياسهم الصلاة والصوم على الحج لا يفيد، لقيام الفارق أن سلم أن الحكم ثمة ليس بتعبدي وإلا فالقياس عليه غير متصور فيه لفقد العلة.
стр. 596
"الفصل الخامس"
في المكروه وما يتعلق به من المسائل
стр. 597
الفصل الخامس
في المكروه وما يتعلق به من المسائل
المسألة الأولى
في معناه
وهو مأخوذ من الكراهة، والكراهية وهي في اللغة: ضد الإرادة.
وإطلاقه على المعاني الشرعية- على ما سيأتيك بيانه- إن شاء الله تعالى- أيضا بهذا الاعتبار، إذ الشارع لم يرد من المكلف تلبسه بتلك المعاني بل كره.
وأما في الشرع: فيطلق بالاشتراك على ما يقابل المندوب، وهو: الذي يكون تركه راجحا على فعله، لنهي ورد في فعله، وإن / (١٠٠/أ) كان فعله جائزا، فيكون النهي نهي تنزيه لا تحريم
стр. 598
فعلى هذا حده: على ضد ما قلنا في المندوب.
وعلى ما نهى عنه نهي تحريم، وحده على هذا: حد المحظور.
وعلى ترك ما فعله أولى، وإن لم يرد النهي في تركه.
وحده على هذا: ترك الأولى.
وإطلاق المكروه على هذا المعنى قليل، وربما يستنكر [استعماله فيه، أو يستنكر] أن يقال: لمن لم يستوعب الأوقات بالعبادات مع اشتغاله بالمباح فيها أنه متلبس بالمكروه.
стр. 599
وعلى ما في القلب من حزازة وتردد، إن كان الأغلب على الظن حله وجوازه، كما في جواز نكاح البنت المخلوقة من ماء الزنا للزاني، وكما في متروك التسمية عمدا.
وحده على هذا: بأنه الذي فيه شبهة وتردد.
وضعف، بأن حاصله يرجع إلى أن المكروه هو ما اختلف في حظره، وهو قد لا يكون مكروها، بل إما أن يكون محظورا، أو يكون واجبا، كإتمام الصلاة المفروضة التي شرع المكلف فيها في آخر الوقت، وتكلم فيها ناسيا، فإنه عند البعض واجب، وعند البعض محظور، وليس هو بمكروه عند أحد، وأيضا فإن الكراهة قد ثبتت اتفاقا، ولم يختلف في جوازه، كالصلاة في الحمام وقارعة الطريق.
стр. 600
المسألة الثانية
في أن المكروه الذي هو ضد المندوب، هل هو منهي عنه أم [لا] ؟
فمن قال: النهي للتحريم، فليس هو بمنهي عنه عنده.
ومن قال: إنه للتنزيه، أو للقدر المشترك بينه وبين التحريم، أو هو مشترك بينهما، فهو منهي عنه عنده.
المسألة الثالثة
في المكروه، هل هو من التكليف أم لا ؟
والاختلاف كما في المندوب والحجاج عليه من الجانبين كما سبق.
следующие страницы →