Полный текст (3 770 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
وجب أن يقال: إنه منتهي عن المنهي عنه، وفي ذلك حصول التابع من حيث إنه تابع من غير متبوع.
وإما أن يكون نهيًا عن كل واحد من أضداده وهو أيضًا باطل، لأنه يلزم ما تقدم من المحذور إذا فعل ضدًا واحدًا وترك البواقي، وأيضًا يلزم أن يقال: إنه ممتثل بعد ذلك الأضداد وهو محال.
وجوابه: أنه نهي عن كل واحد من الأضداد، وما ذكرتم من المحذورين فغير لازم.
أما أولاً: فلأن المنهي عنه التابع للأمر بالشيء هو جميع الأضداد وتركه غير حاصل عند ترك البعض، فلا يلزم حصول التابع من غير حصول المتبوع، وإنما يكون ذلك لو حصل ترك الجميع من غير حصول المأمور به، لكنه غير ممكن لما ثبت في الكلام من استحالة خلو القادر عن فعل الشيء وضده.
وبه خرج الجواب عن الثاني، لأنه إنما يكون ممتثلاً للنهي لو ترك جميع أضداده إذ هي للمنهي عنها والتعدد فيه غير مقصود.
فأما إذا ترك البعض وفعل البعض لم يحصل الانتهاء من المنهي عنه، وليس كل واحد منها منهيًا عنه على سبيل الاستقلال حتى يكون تاركًا البعض ممتثلاً للنهي بعدد ما ترك من الأضداد، بل المنهي عنه هو جميع تلك الأضداد، وترك جميعها غير متصور بدون ترك البعض، فلذلك صار كل واحد من تلك الأضداد منهيًا عنه بطريق التتبع فلا يكون ممتثلاً للنهي ما لم يترك الجميع فضلاً عن أن يقال: إنه ممتثل بعدد ما ترك من الأضداد.
стр. 912
وعند هذا ظهر أن الحق هو أن الأمر بالشيء نهي عن ضده بطريق الاستلزام، لا أنه وحده يستلزم ذلك بل مع مقدمة أخرى كما تقدم تقريره لو قيل باستحالة تكليف ما لا يطاق.
المسألة السادسة عشرة
في أن الأمر بالأمر بالشيء، هل هو / (١٥٩/أ) أمر بذلك الشيء أم لا ؟
الحق: لا. لوجهين.
أحدهما: أنه لو كان أمرًا به لزم التخلف في قوله ﵇: "مروهم
стр. 913
بالصلاة وهم أبناء سبع"، فإن الصبي غير مأمور بالصلاة.
أما أولاً: فلفقد شرط التكليف، وهو التمكين من فهم خطاب الشارع.
وأما ثانيًا: فلأنه لو كان كذلك لوجب أن يستحق الذم على تركها، كما أن الولي يستحق ذلك بترك الأمر.
فإن قلت: الملازمة ممنوعة، وهذا لأنه يجوز أن يكون مأمورًا بها على وجه الندبية.
وإن كان الولي مأمورًا بالأمر على وجه الوجوب، ولا يلزم من نفي كونه مأمورًا على وجه الوجوب، نفي كونه مأمورًا مطلقًا.
قلت: من يقول الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء، فإنما يقول: إنه أمر الشيء على الوجه الذي هو أمر بالأمر، إذ الفرع لا يخالف الأصل، وإنما يتحقق على وجه تحققه، فلما كان الأمر بالشيء على وجه الوجوب، وجب أن يكون أمرًا بالشيء على ذلك الوجه، لئلا يلزم قول ثالث مخالف للإجماع.
وثانيهما: أنه لا امتناع في قول السيد لأحد العبدين أمرتك بأن تأمر الآخر بكذا، وقوله للآخر: أمرتك بأن تعصيه عندما يأمرك بكذا، فلو كان الأمر بالأمر بالشيء أمرًا بذلك الشيء لعد ذلك مناقضًا، كما لو قال له: "أمرتك بكذا"، و "أمرتك بان تعصيني فيه".
نعم لو ضم إلى ذلك الأمر قوله للمأمور بالشيء: كلما أمرك به فلان فقد أمرتك به، كان الأمر بالأمر بالشيء أمرًا بذلك الشيء، لكنه ما جاء من
стр. 914
الأمر بالأمر بالشيء فقط، بل منه ومن قوله كلما أمرك به فلان فقد أمرتك به.
ومن هذا تعرف أن أمر الله تعالى لنبيه صلي الله عليه وسلم بأخذ المال من الأمة لا يكون أمرًا للأمة بالإعطاء له ﵇.
مثاله: قوله تعالى ﴿خذ من أموالهم صدقة تظهرهم وتزكيهم بها﴾، فإن ذلك لا يكون أمرًا للأمة بإعطاء الصدقة إليه ﵇، لأنه لا مساغ في أن يقول السيد لأحد العبدين: "خذ من الآخر كذا"، ويقول للآخر جوزت لك: أن لا تمكنه منه، ولو كان الأمر بالأخذ أمرًا بالإعطاء لعد ذلك مناقضًا كما لو قال: أوجبت عليك الإعطاء، و "جوزت لك أن لا تعطي.
فإن قلت: فقد ناقضت، إذ من مذهبك أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ومعلوم أن الأخذ لا يتم إلا بالإعطاء فيكون مقتضاه أن يكون الإعطاء واجبًا، فالقول بعدم وجوبه مع إيجاب الأخذ مناقضة.
قلت: إن كل المراد من الأخذ: "الطلب" فاندفاع التناقض ظاهر، إذ من المعلوم أن الطلب لا يتوقف على الإعطاء.
وإن / (١٥٩/ب) كان المراد منه: "التسلم" فهو وإن كان متوقفًا على التسلم لكن لا يتوقف على التسليم الواجب، إذ يجوز أن يوجد ولو بالتسليم المحرم فيكون انتفاؤه منافيًا للتسليم لانتفاء علة وجوده.
سلمنا: ذلك لكن ليس كلما يتوقف عليه الواجب فهو واجب مطلقًا، بل ذلك بشرط أن يكون مقدورًا للمكلف، وفعل الغير غير مقدور له،
стр. 915
فلا يكون التسليم واجبًا بمقتضي الأمر بالأخذ، بل لو وجب ذلك فإنما يجب لتعظيم الرسول فإنه مطاع في أوامره ونواهيه، فإنه لو أمر بالتسليم وإن لم يوجب الله تعالى عليه الأخذ كان التسليم واجبًا، إذ لو جوزنا المخالفة كان ذلك غضًا من منصبه، وتحقيرًا له ﵇ وهو مخل بمقصود البعثة
المسألة السابعة عشر
[هل الأمر بالماهية يقتضي الأمر بالجزئيات ؟]
إذا أمر الشارع بفعل من الأفعال من غير قيد من قيود جزئياته، لم يكن ذلك أمرًا بجميع جزئياته ولا ببعض جزئياته على التعيين، لأن الجزئيات الداخلة تحت مطلق الفعل المأمور به متشاركة في ماهية ذلك الفعل ومتمايزة بخصوصياتها، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز وغير مستلزم له على التعيين، فالأمر الدال على طلب تلك الماهية الكلية غير دال على شيء من تلك الجزئيات المخصوصة عينًا، لا بطريق المطابقة ولا بطريق الاستلزام بل لا دلالة له إلا على تلك الماهية المشتركة بين تلك الجزئيات.
стр. 916
فعلى هذا الأمر بالجنس لا يكون أمرًا بشيء من أنواعه ألبتة.
نعم: لو دلت القرينة الحالية أو المقالية على تعيين بعض تلك الجزئيات حمل اللفظ عليه، وتعين فعله على المكلف ولا يخير في فعل تلك الجزئيات أيها أراد فعل، لأنه لابد من تكوين الماهية وهي لا تحصل في الخارج إلا في ضمن جزئي، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ففعل جزئي واجب وليس البعض أولى من البعض وإيجاب فعل الكل لو أمكن إيجاب من غير دليل فلم يبق إلا التخيير.
مثال الأول: قول الموكل لوكيله: يعني مطلقًا من غير قيد فإنه يملك البيع بثمن المثل ولا يتخير بينه وبين البيع بالغبن الفاحش، ولأن القرينة العرفية دلت على الرضا به دون البيع [بالغبن] الفاحش.
ومثال الثاني: إذا قال الشارع: أعتق رقبة فإنه يتخير في إعتاق الرقاب السليمة، إذ لا قرينة تعين بعض الرقاب.
المسألة الثامنة عشرة
[في أن الآمر هل يدخل تحت الأمر أم لا ؟]
هذا الباب يشتمل على مسائل لابد من تفصيلها / (١٦٠/أ) حتى تتلخص صورة النزاع.
فأولها: أنه لا نزاع في جواز أن يقول الإنسان لنفسه "افعل" مع أنه يريد ذلك الفعل من نفسه.
وثانيها: أن من المعلوم أن ذلك لا يسمى أمرًا على رأي من شرط فيه
стр. 917
العلو والاستعلاء.
وأما على رأي من لم يشترط ذلك، فيحتمل أن يقال: إنه لا يسميه أمرًا أيضًا، لأن العلو والاستعلاء وإن لم يكن معتبرًا عنده، لكن المغايرة بين الأمر والأمور معتبرة عنده، وهي مفقودة هاهنا، فوجب أن لا يسمي أمرًا، أما إن لم نعتبر هذا فيجب أن نسميه أمرًا لتحقق حده وحقيقته، لكنه بعيد.
وثالثها: أنه هل يحسن ذلك أم لا؟.
والحق لا، لأن فائدة الأمر إعلام الغير بأن الآمر طالب للفعل ولا فائدة في إعلام الرجل نفسه.
ورابعها: أن يأمر الإنسان عبده بأمر خاص به بحيث لا يتناوله، فمن المعلوم أن الآمر غير داخل تحت الأمر سواء كان ذلك أمر نفسه كقوله: أأمركم بكذا، أو ينقل أمر غيره بعبارته كقوله: إن فلانًا يأمركم بكذا، أو بعبارته كقوله: إن الله يأمركم أيتها الأمة بكذا، إذ في العرف لا يتناول الأمة
стр. 918
النهي
وخامسها: أن يأمر بأمر الغير بلفظ يتناوله، فالظاهر أنه لا نزاع في هذه الصورة في أنه يدخل تحت الأمر، سواء كان ذلك الأمر كلام الغير كما إذا تلي النبي ﵇ على الأمة: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ أو نقل أمره بكلام نفسه كقوله: إن الله تعالى يأمركم بكذا.
وسادسها: أن يأمر بأمر نفسه بلفظ يتناوله كقوله: أيها الناس، أو أيها المؤمنون افعلوا كذا فالأقرب أن هذا هو محل النزاع.
فالأكثرون على أنه يدخل، نظرًا لعموم اللفظ، فإن كونه أمرًا لا يصلح معارضًا له.
ولهذا دخل ﵇ في كثير من أوامره نحو قوله ﵇: "إلا من لم يأكل فليصمه ومن أكل فليمسك بقية نهاره".
стр. 919
وقوله: "من قرن الحج إلى العمرة فليطف بهما طوافًا واحدًا" عند من
стр. 920
يقوله به.
وقوله: "من استجمر فليوتر".
وقوله: "من أفطر في نهار رمضان فعليه ما على المظاهر".
стр. 921
فإن قلت: قد اعترفت فيما تقدم أنه يشترط في الأمر العلو أو الاستعلاء، أو المغايرة، فلو كان مأمورًا بأمر نفسه لزم وجود المشروط بدون الشرط وهو محال.
стр. 922
قلت: لا نسلم لزوم ما ذكرتم من المحال، وهذا لأن المأمور بلفظه العام ﵇، هو مجموع تلك الأفراد باعتبار كل واحد منها، ومن المعلوم أنه مغاير للأمر / (١٦٠/ب)، وحينئذ يتحقق الاستعلاء والعلو أيضًا، ولو اعتبر ذلك بالنسبة لكل واحد من المأمورين وألزم ذلك فذلك غير مسلم، وهذا لأنه يجوز "أن يثبت للمسمى حكمًا ضمنًا ولا يثبت ذلك بطريق الاستقلال ونظائره كثيرة لا تخفى على العاقل وأيضًا فإنه يجوز" أن يدخل تحت خطابه الخبري كقوله تعالى: ﴿والله بكل شيء عليم﴾، وكقوله ﵇: "لن ينجو أحد بعمله"، ولهذا قيل له ﵇: (ولا أنت يا رسول الله) وقرينة كونه مخاطبًا لا يخصصه فكذا هاهنا.
ومنهم من قال: لا يدخل الآمر تحت أمره:
стр. 923
واحتج عليه: بأن شرط الأمر مفقود في حقه، وهو أحد ما ذكرنا من الأمور الثلاثة، فوجب أن لا يجوز أن يكون أمرًا لنفسه، كما لا يجوز أن يكون آمرًا لنفسه بأمر خاص.
وجوابه: منع فقد الشرط وقد عرفت سنده والشيء قد يثبت ضمنًا ولا يثبت استقلالاً.
стр. 924
المسألة التاسعة عشرة
[في الأمر الوارد عقيب الأمر]
الأمر الوارد عقيب الأمر، إن كان مدلوله مخالفًا لمدلول الأمر الأول، اقتضى لا محالة شيء آخر، سواء كان بحرف العطف أو لا يكون بحرف العطف، وسواء كان معرفًا أو منكرًا، إلا أنه لا يمكن حمله على تأكيد مدلول الأمر الأول، فلو لم يحمل على مدلوله أيضًا لزم التعليل وأنه باطل، ثم إن كانا بحيث يمكن الجمع بينهما كقوله: "صل، صم" فالخيرة للمكلف في فعلهما إن شاء فعلهما مجتمعين، وإن شاء فعلهما مفترقين، اللهم إلا أن يدل دليل من خارج على تعين أحدهما فيتعين، وإن لم يكونا كذلك تعين فعلهما مفترقين سواء كان المانع منه عقلاً كما لو قال: صل ركعتين في بيتك، وصل ركعتين في المسجد، أو سمعا كقوله: "صل" و "قاتل".
وإن كان مدلوله مماثلاً بمدلول الأمر الأول:
стр. 925
فإما أن تصح الزيادة فيه أو لا تصح فإن صحت ولم يكن معطوفًا على الأول ولا معرفًا باللام ولمتن العادة مانعة من الزيادة غير ما حمل عليه الأول: عند الأكثيرين، وإليه ذهب القاضي عبد الجبار بن أحمد.
مثاله: "صل ركعتين "صل ركعتين" ". فعلى هذا يلزمه أربع ركعات
стр. 926
لكن بتسليمة، أو بتسليمتين، أو هو مخير بينهما، فذلك غير مستفاد منهما، لأن من الظاهر أنه ليس المعني من قولهم: إنه تصح الزيادة فيه، أن تكون الزيادة مع المزيد عليه، بل المعني به أنه قابل للتكرار.
وبهذا قسم بعضهم: وهو أعم من أن يكون مع المزيد عليه أو مستقلاً بنفسها، فلا يكون قولهم: إنه تصح الزيادة فيه مناقضًا لما ذكرناه / (١٦١/أ) بل من دليل آخر نحو القياس على النوافل في كونه مخيرًا بينهما إن كان الأمران للنفل.
وحكي عن بعض أصحابنا نحو أبي بكر الصيرفي: أنه ذهب إلى أن الأمر الثاني تأكيد للأمر الأول.
وذهب أبو الحسين البصري منهم إلى الوقف بين كونه تأكيدًا للأول وبين كونه مستقلاً بإفادة ركعتين أخريين.
والمختار ما هذب إليه الأكثرون.
стр. 927
والدليل عليه وجهان:
أحدهما: أن الأمر الثاني في اقتضاء الفعل على جهة الوجوب أو الندب أو غيرهما من الاحتمال كالأمر الأول، فلو صرفنا الأمر الثاني إلى الأمر الأول لزم حصول ما يقتضي الفعل ووجوبه أو ندبيته من غير حصول اقتضاء الفعل ووجوبه أو ندبيته، لأن اقتضاء الفعل الأول ووجوبه مثلاً حاصل بالأمر الأول، وتحصيل الحاصل محال.
وثانيهما: أنا بينا في باب اللغات أن اللفظ إذا دار بين أن يفيد فائدة تأكيدية وبين أن يفيد فائدة تأسيسية كان حمله على الفائدة التأسيسية أولى.
واحتجوا: بأن الأصل براءة الذمة، وإنما شغلنا الذمة بمدلول [الأمر] الأول لضرورة أعماله، لأنه لا يمكن حمله على التأكيد، وأما الأمر الثاني فمحتمل للتأكيد فلو شغلنا الذمة بمدلوله لزم إيجاب الشيء مع الشك ولزم أيضًا تكثير مخالفة البراءة الأصلية.
وجوابه: أنا نسلم أنه محتمل للتأكيد، لكن احتمالاً مرجوحًا فلا يلزم إيجاب الشيء مع الشك بل مع الظاهر المقتضي له، وبه خرج الجواب عن الثاني إذ ليس من شرط ما به يخالف البراءة الأصلية أن يكون قاطعًا بل يجوز أن يكون ظاهرًا، وأيضًا فإنه معارض بطريق الاحتياط فإنها تقتضي الحمل على غير ما حمل عليه الأول، لأن تقدير حمله عليه لم يلزم إلا فوات فائدة التأكيد، وهو غير موجب للعقاب والذم، وأما بتقدير حمله على التأكيد يلزم فوات الفعل الواجب، وهو موجب للعقاب أو الذم.
стр. 928
أما إذا كان معطوفًا على الأول، فإن لم يكن معرفًا فلا خلاف في أنه يفيد غير ما يفيده الأول، لأن الشيء لا يعطف على نفسه، مثاله: "صل ركعتين وصل ركعتين".
أما إن كان معرفًا نحو قوله: "صل ركعتين وصل الصلاة".
فمنهم: من حمل على غير ما حمل عليه الأول، لأجل العطف، وهو الأولى، لأن لام التعريف وإن اقتضى حمله على الأول ظاهرًا لكونه، معهودًا سابقًا عليه ولم يوجد هناك معهود آخر يمكن حمله عليه، لكن يمكن صرفها عنه مع الأعمال بأن يكون لتعريف الماهية / (١٦١/ب) أو لتحسين اللفظ، فإن اللفظ مع الألف واللام قد يكون أحسن في التلفظ منه بدونهما، وأما "واو" العطف لو لم يحمل على العطف المقتضي للمغايرة لزم إهمالها بالكلية.
ولأنا لو سلمنا: مساواتهما في الدلالة على المغايرة والاتحاد، فذلك يوجب تعارضهما وتساقطهما، وهو يقتضي الرجوع إلى ما كان يقتضيه الأمر الثاني قبل دخولهما عليه، وقد ذكرنا أنه يقتضي غير ما اقتضاه الأمر الأول، فوجب حمله عليه.
стр. 929
ومنهم: من توقف فيه كأبي الحسين البصري بناء على تساوي دلالتهما على الاتحاد والمغايرة وعلى ما سبق من أصله.
وأما أصل الصيرفي فيقتضي حمله على عين ما اقتضاه الأمر الأول.
لو قيل: بتساوي دلالتهما وإلا فيجب إثبات مقتضي الراجح.
وأما إذا كان معرفًا فإن كان بغير حرف العطف نحو قوله: "صل ركعتين صل الصلاة" فلا خلاف في أن الثاني تأكيد للأول، وإن كان بحرف عطف فهو ما سبق.
وأما إن كانت العادة مانعة من الزيادة، فإن لم يكن بحرف العطف نحو قول السيد لعبده: "اسقني ماًء، اسقني ماًء" فلا خلاف أيضًا في كون الثاني تأكيدًا للأول، ومن هذا تعرف أن الثاني فيما نحن فيه إذا كان معرفًا بدون العطف كان تأكيدًا للأول بطريق الأولى.
مثاله: قوله: "اسقني ماًء، اسقني ماًء".
وإن كان معطوفًا بحرف العطف:
стр. 930
فإما أن لا يكون معرفًا باللام، أو يكون معرفًا به.
فإن كان الأول: نحو قوله: "اسقني ماًء واسقني ماًء" فهاهنا يقع التعارض بين حرف العطف المقتضي للتغاير، وبين العادة المانعة منه.
فإن قيل: تساوي دلالتهما جاء مما سبق من المذاهب، وإلا فيجب إثبات مقتضي الراجح.
وإن كان الثاني: فمن قال: بتساوي دلالة حرف العطف ولام التعريف على المغايرة والاتحاد كأبي الحسين البصري، لزم الحمل على الأول إعمالاً للعادة المانعة من الزيادة، ومن لم يقل به بل يرجح دلالة حرف العطف على المغايرة على دلالة لام التعريف على الاتحاد، فيحتمل أن يتوقف في الحمل إلى وجود مرجح يرجح الحمل على أحدهما، ويحتمل أن يحمله على الأول ترجيحًا لمجموع الدلالتين العادة، ولام التعريف، على دلالة حرف العطف، أما احتمال أن يحمله على غير ما دل عليه الأول، إما لأن دلالة حرف العطف متساوية للدلالتين المذكورتين وحينئذ يجب الرجوع إلى ما قبل تلك الأدلة، أو لأن دلالته راجحة عليهما فذلك [الأمر]. بعيد.
وأما إذا كان مدلول الأمر الثاني، مماثلاً / (١٦٢/أ) لمدلول الأول، ولم تصح الزيادة فيه إما لدلالة عقلية: كقتل زيد، وصوم يوم معين، وإما لدلالة
стр. 931
شرعية: كعتق عبد معين، فإنه لا امتناع من جهة العقل في أن يقف تمام حرية العبد على عدد مخصوص، ويعتق بكل واحد من ذلك العدد جزء معين منه كالطلاق، فإن بينونته الكبرى متوقف على الثلاث منه، والأمر الثاني تأكيد للأمر الأول، إذا كان عامين أو خاصين سواء كان الثاني بحرف العطف أو لا بحرف العطف.
مثال: العامين بغير حرف العطف "اقتل كل إنسان اقتل كل إنسان"
ومثالهما: بحرف العطف هما بزيادة "الواو".
مثال: الخاصين بغير حرف العطف: "اقتل زيدًا اقتل زيدًا".
ومثالهما: بحرف العطف هما بزيادة "الواو"، وإنما كان الثاني تأكيدًا مع وجود حرف العطف المقتضي للمغايرة، لأنه لا يمكن حمله على غيره فلو لم يحمل عليه أيضًا لزم التعطيل، وهو أكثر محذورًا من الحمل على التأكيد.
ولقائل أن يقول: إن ما ذكرتم من التعطيل، إنما يسلم في العامين وفي الخاصين أيضًا إن لم يكن هناك "زيدًا" آخر يصلح أن يكون قتله مأمورًا به، أما إذا كان فلا نسلم ذلك لاحتمال أن يقال: أنه يجوز أن يكون محمولاً على قتل "زيد" آخر، وإن كان القتل لا تصح الزيادة فيه في "زيد" المدلول عليه في الأمر الأول، لكن ليس المعني من صحة الزيادة في المأمور به ذلك فقط على ما عرفت ذلك من قبل، وعند هذا لا يبقي فرق بين قولنا: "اقتل زيدًا اقتل زيدًا" وبين قولنا: "اعتق عبدًا اعتق عبدًا"، فإن هذا أيضًا إنما يقتضي التكرار إذا كان هناك عبدًا آخر يصلح أن يكون عتقه مأمورًا به، أما إذا لم يكن فإن الثاني أيضًا محمول على الأول تأكيدًا لما ذكرتم من التعليل.
فإن قلت: لو حمل الأمر الثاني على "زيد" آخر لزم حمل المشترك على
стр. 932
أحد مفهوميه من غير قرينة لأن كلامنا فيما إذا كان الأمر الثاني مجردًا عن القرينة الدالة على كون المراد منه عين مدلول الأول أو غيره وأنه غير جائز، بخلاف ما إذا حمل على مدلول الأول تأكيدًا، فإن هذا المحذور غير لازم، لأن الأمر [الأول] إنما كان محمولاً على ذلك المعين المسمى به لقيام قرينة معينة وإلا لم يجز حمله عليه عندما يكون شخص آخر مسمى به موجودًا لئلا يلزم المحذور المذكور، وحينئذ يكون حمله عليه بتلك القرينة بخلاف، قولنا: "اعتق عبدًا اعتق عبدًا" فإنه لا يحتاج في العمل بمقتضاه إلى قرينة، بل يجوز له أن يعتق أي عبد أراد مما لا يدل عليه دليل خارجي على عدم أجزائه.
قلت: لا نسلم أنه يلزم ما ذكرتم من المحذور، لاحتمال أن يقال: إن التكرار لاسيما مع "واو" العاطفة / (١٦٢/ب) قرينة دالة على إرادة غير الأول من الأمر الثاني، ثم أنه قد يتعين، لأنه لو لم يوجد فرد آخر مسمي به سوى ذلك الفرد.
أما إذا كان أحدهما عامًا والآخر خاصًا:
فإما أن يكون العام مقدمًا على الخاص، أو بالعكس، وعلى التقديرين إما أن يكون الثاني معطوفًا على الأول، ألا لا يكون، فهذه أقسام أربعة.
أحدها: أن يكون العام مقدم، والخاص معطوفًا عليه، نحو قوله: "صم كل يوم وصم يوم الجمعة".
واختلفوا فيه:
فذهب بعضهم: إلى أن يوم الجمعة، غير داخل تحت قوله: "صم كل يوم" ليصح العطف، وحينئذ يفيد غير ما أفاده الأول.
وذهب آخرون إلى الوقف: محتجين: بأنه ليس ترك مقتضى العموم
стр. 933
لأجل صحة العطف أولى من العكس، فيجب التوقف إلى ظهور المرجح ويمكن أن يجاب عنه: بأن الأول أولى، لأن تخصيص العام أهون من ترك مقتضي العطف، لأنه أكثر وكثرته يدل على قلة مفسدته.
وثانيها: أن يكون العام مقدمًا، والخاص مذكورًا بعده، بلا عطف ومثالهما ما سبق، ولكن بلا حرف العطف، فهاهنا يكون الثاني تأكيدًا لبعض مدلول العام المتقدم، إذ لا معارض للعام في كونه مجرى على عمومه.
وثالثها: أن يكون الخاص مقدمًا، والعام معطوفًا عليه نحو قوله: "صم يوم الجمعة وصم كل يوم" والخلاف كما في الأول.
ورابعها: أن يكون الخاص مقدمًا والعام مذكورًا بعده بلا حرف العطف
مثالهما: ما سبق، ولكن بدون حرف العطف، فهاهنا العام يحمل على عمومه ومفيد غير ما أفاده الأول قطعًا ومؤكد لمدلول الأول ضمنًا.
стр. 934
" الفصل الثاني"
في الآمر
стр. 935
الفصل الثاني
[في الآمر]
وفيه مسائل:
المسألة الأولي
[في الآمر]
الآمر: من صدر منه الأمر لا غير.
وهذا على رأي من لم يقل بكلام النفس.
وأما على رأي أصحابنا الآمر: من قام به معني الأمر أو صدر منه الأمر.
وهذا على رأي الأكثر منهم القائلين بأن الكلام اسم مشترك بين المعني القائم بالنفس وبين العبارة.
وأما من يقول: "بأنه حقيقة بالمعني القائم بالنفس لا غير" فالآمر عنده: من قام به مدلول الأمر الذي هو عبارة عن الصيغة المخصوصة.
стр. 936
ثم العلو أو الاستعلاء معتبر فيه على رأي من يعتبره في الأمر ومن لم يعتبره فلا.
ولا يعتبر فيه أن يكون حكيمًا، بل السفيه قد يكون آمرًا، بدليل أن السلطان، أو المتغلب السفيه إذا أمر وإن كان يظلم الرعية ويقتل النفس بغير حق يقال: إنه آمر بما لا ينبغي، ومخالفة يوصف بأنه خالف الأمر، فلولا أنه آمر لما كان هذا الإطلاق حقًا بطريق الحقيقة، لكنه حق إذ الأصل في الكلام / (١٦٣/أ) الحقيقة.
المسألة الثانية
[في الآمر الذي تجب طاعته]
الآمر الذي تجب طاعته ليس إلا الله تعالى، لأن النافذ إنما هو أمر المالك على المملوك ولا مالك سواه سبحانه فلا أمر وجب امتثاله إلا أمره تعالى، فأما النبي والسلطان والسيد والأب ونحوهم، فإنما يجب امتثال أوامرهم، لأنه تعالى أمر بامتثال أوامرهم، نحو قوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم﴾.
فوجب امتثال أوامرهم بإيجاب الله تعالى لا بإيجابهم ولولا إيجاب الله تعالى امتثال أوامرهم لم يجب امتثال أوامرهم، كما لا يجب امتثال أوامر غيرهم من المخلوفين القادرين على العقاب وتوعده على الترك فإذا لا يثبت وجوب الامتثال في أمر أحد إلا في أمر الله تعالى، أو في أمر من أوجب الله تعالى امتثال أمره.
стр. 937
فإن قلت: إنا وإن لم نشترط في تحقق ماهية الوجوب تحقق العقاب على الترك، لكن لا نزاع بأنه لو تحقق ذلك على ترك الشيء لكان ذلك الشيء واجبًا لا محالة، لأنه لا يضاف تحقق العقاب إلى ترك ما ليس بواجب.
فعلى هذا أوامر المتعلين ولو كان بالظلم واجب الامتثال، إذا قرنها بالتوعد بالعقاب، وهو قادر عليه.
قلت: نعم يكون كذلك، والذي يدل عليه أن العربي الغير الفارق بقبح المأمور به أو حسنه، إذا سمع من متغلب الأمر بالشيء مقرونًا بالتوعد وهو قادر على تحصيل مضمونه فإنه يسميه أمر او يعلل عقاب مخالف ذلك الأمر بمخالفته، فلولا أنه أمر لما كان كذلك، لكن عادة أهل العلم جارية بتخصيص اسم الأمر بما يكون تركه سببًا للضرر الذي يحذر منه في الآخرة ولا قدرة عليه إلا الله تعالى.
المسألة الثالثة
وجوب فعل المأمور به على المأمور لا يتوقف على كون الآمر حكيمًا وعلى كون أمره مشتملاً على النفع خلافًا للمعتزلة وهي من تفاريع قاعدة التحسين والتقبيح وقد تكلمنا فيها عليها ولها ما فيه مقنع وبلاغ فلا نفرد هذه المسألة بالكلام، فإن إفسادها يغني عن إفساد هذه المسألة.
стр. 938
"الفصل الثالث"
في المأمور به
стр. 939
الفصل الثالث
في المأمور به
وفيه مسائل:
المسألة الأولى
[في التكليف بالمحال]
يجوز ورود التكليف بالمحال، عند الشيخ أبي الحسن الأشعري، وأكثر أصحابه، سواء كان ذلك محالاً لنفسه: إما مطلقًا أي لا يختلف استحالته بالنسبة إلى قادر دون قادر، كالجمع بين النفي والإثبات، والجمع بين الضدين، أو لا يكون كذلك وهو على قسمين: لأنه إما أن يكون واقعًا بالقدرة التي هو غير مستحيل بالنسبة إليها، وهو كخلق الأجسام وبعض الأعراض كالطعوم / (١٦٣/ب) والروائح فإنه مستحيل بالنسبة إلى القدرة الحادثة دون القدرة القديمة، وهو واقع بها.
وهذا على رأي [من يثبت القدرة الحادثة.
وأما على رأي] من ينفيها فلا يتصور اختلاف الاستحالة بالنسبة إلى
стр. 940
قدرة دون قدرة، أو غير واقع بها أيضًا كجبل من ذهب، وبحر من زئبق.
أو لغيره: وهو: إما لفقد شرطه سواء علم اشتراطه [له] حسا: كالمشي من مقطوع الرجل، والكتابة من مقطوع اليد، أو عقلاً، كالقيام في حالة عدم الداعي إليه أو لوجود مانع، إما حسي كالقيام من المقيد بقيد
стр. 941
مانع [منه]. أو عقلي كالأمر بتحصيل ما علم الله تعالى أنه لا يحصل منه، والأمر بالفعل حال التلبس بضده.
ثم اختلف الناقلون في نقل وقوعه عنه.
"فمنهم: من نقل عنه أنه واقع، كما هو جائز الوقوع".
ومنه من نقل عنه أنه لم يقع.
قال إمام الحرمين ﵀: هذا غلط، بل التكاليف بأسرها عنده لغير الممكن. لوجهين:
أحدهما: أن فعل العبد لا يقع عنده إلا بقدرة الله تعالى، ثم قال: ولا معني للتمويه بالكسب".
ولا يخفى أن التكليف بفعل الغير تكليف ما لا يطاق.
وثانيهما: أن الاستطاعة عنده مع الفعل والتكليف به متوجه قبله.
ولا يخفى أن التكليف بالفعل حال عدم القدرة تكليف ما لا يطاق.
стр. 942
ثم اعترض على هذا الوجه وقال: "الأمر بالشيء بهي عن ضده وهو متلبس به حال الخطاب".
أجاب عنه: بأنا لا نسلم أن الأمر بالشيء نهي عن ضده.
ولئن سلم: ذلك لكن القدرة لم تقارن الفعل وإن قارن الضد.
وهما ضعيفان:
أما الأول: فلأن الكلام إنما هو على رأي الشيخ لا على رأيه وهو يرى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده.
وأما الثاني: فلأن فيه تسليم أن بعض التكاليف تكليف بالمحال لا كله، وهو مقصود السائل ونقيض مقصوده.
بل الجواب عنه بوجهين [آخرين]:
أحدهما: أن ما هو متلبس به عند ورود الخطاب ليس ضدًا له، وهذا لأن ضده الوجودي المنهي عنه هو الذي يستلزم التلبس به تركه في الزمان الذي أمر بإيقاع الفعل فيه، وهو في زمان ورود الخطاب لم يتلبس به، لأن زمان الفعل هو الزمان الثاني إن كان الأمر للفور.
وثانيهما: أنا وإن سلمنا: أن ذلك ضده المنهي عنه، لكنه حاصل عند ورودا لخطاب، والأمر بترك الحاصل محال لله اللهم إلا أن يقال: إنه مأمور بترك ما هو متلبس به في المستقبل، وذلك إنما يكون بإقدامه على المأمور به
стр. 943
وحينئذ يعود المحذور المذكور.
واعلم أن الوجه / (١٦٤/أ) الثاني: غير لازم على الشيخ، وهذا لن الاستطاعة وإن كانت مع الفعل عنده، لكن الأمر بالفعل ليس قبله عنده، على ما أشعر به نقل الإمام.
وستعرف ذلك في مسألة أن المأمور متى يصير مأمورًا حال الفعل أم قبله.
فإن صح هذا من مذهبه كان التكليف بما لا يطاق غير لازم عليه من هذا الوجه، فإن ذكر الإمام ذلك بناء على أنه الحق في نفس الأمر نظر إلى دلالة الدليل عليه، فمن الظاهر أن ذلك لا يصلح أن يخرج عليه مذهبه.
والمشهور من جمهور المعتزلة: أنهم ذهبوا إلى امتناع التكليف بالمحال مطلقًا، وإليه ذهب بعض أصحابنا، كالشيخ أبي حامد وإمام الحرمين، والغزالي -رحمه الله تعالى-.
стр. 944
غير أن بعضهم: نقل أن الفرق كلها أجمعوا على جواز التكليف بما علم الله تعالى أنه لا يكون من الممكنات عقلاً، وعلى وقوعه شرعًا كالتكليف بالإيمان لمن علم الله أنه لا يؤمن كأبي جهل، إلا بعض الثنوية فإنه ذهب إلى امتناعه أيضًا.
فإن صح هذا النقل يجب أن يفصل بين ما يكون محالاً بسبب تعلق العلم بعدم وقوعه وبين ما لا يكون كذلك فينسب إليهم امتناع التكليف بالقسم الثاني دون امتناعه مطلقًا، إذ لا يشك أن الممكن يستحيل وقوعه بسبب تعلق العلم الأول بعدم وقوعه، لأن وقوعه يستلزم انقلابه جهلاً وهو محال فالمستلزم له أيضًا كذلك، لأن مستلزم المحال محال.
ومنهم: من فصل بين ما يكون محالاً لذاته، وبين ما لا يكون كذلك، فأجاز التكليف بالقسم الثاني، دون القسم الأول، وإليه ذهب بعض معتزلة بغداد إذ قالوا: يجوز أن يكلف الله تعالى العبد بالفعل في وقت علم الله تعالى أنه يكون ممنوعًا عنه.
стр. 945
والبكرية إذ قالوا: الختم والطبع على الأفئدة مانعان من الإيمان، مع ورود التكليف به عامة.
وذهب الأستاذ أبو إسحاق ﵀: إلى أنه لا يجوز أن يرد التكليف بالمحال، فإن ورد لا نسميه تكليفًا بل يكون علامة نصبها الله تعالى على عذاب من كلفه بذلك.
ونسب هذا أيضًا إلى إمام الحرمين أيضًا.
ومنهم من قال: يجوز التكليف بما لا يطاق مطلقًا لكنه لم يقع للاستقراء.
стр. 946
واعلم أن المسألة مبنية على إثبات الأفعال الاختيارية للعبد، واستحالتها له، فمن أحالها كان القول بوقوع تكليف ما لا يطاق لازمًا عليه.
ومن أثبتها، فإن أثبتها بناء على أنه موجد لها وإن كان قائلاً بالتحسين والتقبيح العقلي كان القول باستحالة / (١٦٤/ب) تكليف ما لا يطاق لازمًا عليه.
وإن أثبتها بناء على أنها مكتسبة له لا أنها مخلوقة له، وإن كان عند البحث عن الكسب لا يحصل على مفهوم محصل منه على ما عرف ذلك في الكلام، لكنه يبينه لما يجد من نفسه تفرقة ضرورية بين الحركة الاختيارية والرعشة الضرورية، وإن تلك التفرقة لا يجوز أن ترجع إلى الخلق وعدمه لما ثبت أن القدرة الحادثة لا تأثير لها في الإيجاد والاختراع ألبتة، فما رواه هو المسمي بالكسب وليس إذا يعلم الشيء على التفصيل وجب نفيه أو وجب أنه لا يثبت.
أما الأول: فلأن الشيء إذا لم يعلم أصلاً لا يجب نفيه. فكيف إذا علم من وجه؟
[وأما الثاني: فلأن شرط وجوب إثبات الشيء، وإن كان هو العلم به ولو ببعض الاعتبارات لكن ليس من] شرطه العلم بذلك الشيء على
стр. 947
التفصيل وإلا لوجب أن لا يجب إثبات العلة عند العلم بالمعلول، وكذلك بالعكس وما يجري مجراهما، نحو العلم بالملزوم وأحد المضافين، فإن كان قائلاً بالتحسين والتقبيح مع ذلك لزمه القول أيضًا باستحالة تكليف ما لا يطاق، وإلا فجاز أن يقول: باستحالته كما ذهب إليه بعض فقهائنا، وجاز أن يقول: بإمكانه كما ذهب إليه جمهور أهل السنة، إما مع الوقوع أو عدمه، كما اختلف نقل ذلك عن الشيخ أبي الحسين - رحمه الله تعالى -.
هذا هو المأخذ والكلام الكلي في المسألة فلنشرع الآن في الحجاج جريًا على المألوف.
فنقول: احتج القائلون بإمكانه بوجوه: بعضها تدل على إمكانه مطلقًا، وبعضها تدل على إمكانه ووقوعه لكن فيما يكون محالاً لغيره:
فأولها: وهو الوجه السمعي قوله تعالى: ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا [به]﴾.
ووجه الاستدلال به: أنهم سألوا من الله تعالى دفع ما لا طاقة لهم به، والله تعالى قررهم على ذلك، وحكي عنهم في سياق المدح والثناء عليهم والحق على الدعاء به، فلو كان التكليف بما لا يطاق محالاً لما سألوه، ولما قررهم الله تعالى على ذلك ولا ندب غيرهم إليه لكون ذلك مندفعًا بنفسه فكان طلبه تحصيلاً للحاصل.
فإن قلت: دلالة الآية على المطلوب ممنوعة، وهذا لأن التحميل ليس حقيقة في التكليف حتى يكون معنى قوله تعالى: ﴿ولا تحملنا﴾ لا تكلفنا،
стр. 948
بل هو حقيقة في وضع الحمل على الشيء، فيكون معناه: لا تضع علينا من الحمل ما لا نطيق حمله، فيكون المراد منه سؤال دفع العذاب والأمراض والمحن التي لا يطيق الإنسان تحملها.
سلمنا: أنه حقيقة فيه لكن إنما يكون محمولاً عليه أن لو كان التكليف / (١٦٥/أ) بما لا يطاق ممكنًا في نفسه [فإن بتقدير أن يكون ممتنعًا في نفسه لا يمكن حمله عليه لما ذكرتم، فحينئذ يتوقف حمله عليه على كونه ممكنًا في نفسه] فلو أثبت كونه ممكنًا يكون محمولاً عليه لزم الدور وأنه ممتنع.
سلمنا: إمكان الحمل عليه، لكن يجب صرفه عنه والحمل على دفع ما يشق ويثقل من التكاليف، وإن كان مما يطاق، وهذا وإن كان مجازًا على ما لا يخفى تقريره، لكنه مجاز مشهور كثير الاستعمال على ما شهد به الاستقراء، فيجب حمله عليه توفيقًا بينه وبين ما يذكر من الأدلة الدالة على استحالة تكليف ما لا يطاق.
سلمنا: أنه محمول على حقيقته، لكن ما ذكرتم من الدليل على أن طلب ترك الممتنع ممتنع منقوض بقوله تعالى: ﴿رب احكم بالحق﴾ فإن جواز الحكم بالباطل غير ثابت في حقه تعالى وفاقا.
أما عندكم: فلأنه غير متصور في حقه تعالى لكونه متصرفًا في ملكه، فكل ما حكم به فهو حق.
وأما عندنا: فإما لعدم القدرة، أو لعدم الداعي على اختلاف لنا فيه.
وكقوله تعالى حكاية عن دعاء إبراهيم ﵇: ﴿ولا تخزني يوم يبعثون﴾ "و" خزي الأنبياء غير جائز وفاقا
стр. 949
وكقوله تعالى: ﴿ولا تكونن من المشركين﴾ مع أن جواز الشرك غير ثابت في حق النبي ﵇.
سلمنا: سلامته عن النقض، لكنه دليل ظني فلا يجوز التمسك به في المسألة العلمية.
الجواب عن الأول: أن التحميل في عرف الشرع مخصوص بالتكليف، بدليل أنه المتبادر إلى الفهم عند إطلاقه فيه ويعضده استعمال القرآن، قال الله تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض﴾ [إلى] ﴿وحملها الإنسان﴾.
والمراد بالأمانة: التكليف، أو ما يتضمنه وفاقا.
стр. 950
وقال تعالى ﴿أطيعوا الله﴾ إلى قوله ﴿فإن تولوا فإنما عليه [ما] حمل وعليكم ما حملتم﴾ زى عليه ما كلف به وعليكم ما كلفتم به.
سلمنا: أنه غير مخصوص به، وأن معناه ما ذكرتم: لكن لا يلزم منه أن يكون المراد منه العذاب والأمراض والمحن فقط بل غاية ما يلزم منه أنه يكون حينئذ عامًا في كل تحميل لا يطاق فيتناولها، والتكاليف بأسرها إذ لا يشك أن وضعها على المكلف تحميل عليه، فيجب إجراؤه على العموم لأن التخصيص من غير دليل غير جائز.
وعن الثاني: أنا لا نثبت إمكانه بكون اللفظ محمولاً عليه، بل نثبت إمكانه وكونه محمولاً عليه بدلالته عليه، بأن نقول: اللفظ دل على طلب دفع تكليف ما لا يطاق، فلو لم يكن التكليف بما لا يطاق ممكنًا ولم يكن محمولاً عليه لزم الترك بدلالته من غير دلالة "دليل" على ترك دلالته وأنه غير جائز، ومعلوم / (١٦٥/ب) أن دلالته عليه لا تتوقف على إمكانه حتى يلزم الدور.
وعن الثالث: من وجهين:
أحدهما: أنه لو كان محمولاً على طلب دفع ما يشق ويثقل من التكاليف لزم التكرار، فإن قوله: ﴿ولا تحمل علينا أصرًا كما حملته على الذين من قبلنا ﴿.
следующие страницы →