← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

سبق أن الإسناد إلى القرينة خلاف الأصل. وجوابه: أن التعجيل مستفاد من قرينة عرفية، بدليل أنه لو أمره بما لا يعلم ولا يظن حاجته إليه على الفور لا بما يعلم أو يظن عدم حاجته إليه على الفور حتى بحال عدم حسن الذم فيه إلى / (١٥١/أ) القرينة، فإنه لا يحسن ذمه على التأخير، ولو ادعى حسن ذمه على التأخير في مطلق الأمر، بدليل أن السيد يعلل ذمه بأني أمرته بكذا فأخر، فإنا لا نسلم حسن ذلك. ولو سلمناه: فمعارض بحسن اعتذار العبد، فإنه يحسن منه أن يقول: إنك أمرتني بالفعل، وما أمرتني به على الفور، ولا علمت ولا ظننت حاجتك إليه على الفور، حتى كان يجب على فعله على الفور، ثم تلك القرينة هي ما تعلم أن الظاهر من حال الإنسان أن لا يطلب الماء إلا عند احتياجه إليه. وثالثها: أنه يجب على المأمور اعتقاد وجوب الفعل المأمور به على الفور بالإجماع، وهو إما موجبه أو من لوازم موجبه وعلى التقديرين يجب فعل المأمور به على الفور، أما على الأول فبالقياس عليه والجامع بينهما تحصيل المصلحة الناشئة من المسارعة، وأما على الثاني فبالطريق الأولي لكونه مقتضاه وهو من لوازم مقتضاه. وجوابه: منع كونه من موجباته أو من لوازم موجباته، وهذا لأن وجوب

стр. 877

الاعتقاد على الفور "غير" مستفاد من اللفظ بل من العقل، فإن من ركب الله فيه العقل فنظر علم أن امتثال أوامر الله تعالى واجب وإن لم يحصل شيء من أوامره. سلمناه: لكنه قياس في اللغة وهو ممنوع. سلمناه: لكنه منقوض بما لو صرح بجواز التأخير، كما لو قال: افعل في أي وقت شئت وبجميع الواجبات الموسعة نحو النذور والكفارات، وبالخبر الصادر من الشارع فإنه يجب اعتقاد صدقه على الفور [ولا] يجب حصول الفعل المخبر عنه على الفور. ورابعها: طريقة الاحتياط. وتقريرها: أنا أجمعنا على أن المبادر خارج عن عهدة التكليف، واختلفنا في المؤخر في أنه هل هو خارج أم لا؟ فالاحتياط يقتضي إيقاع الفعل عقيب الأمر ليحصل الخروج عن عهدة التكليف بيقين. أجاب الإمام "عنه" بأنه منقوض بما لو قال: افعل في أي وقت شئت

стр. 878

وهو غير سديد، لأن طريقة الاحتياط ليست آتية فيه، إذ لا خلاف في المؤخر فيه، ولا خوف على تأخيره عن أول الوقت لصريح الإذن فيه. وأجاب بعضهم: بأن الاحتياط في إتباع المكلف ظنه، فإن ظن الفور يجب [عليه] إتباعه، وإن ظن التراخي، وجب عليه إتباعه، وإلا فبتقدير ظن التراخي لو أوقعه على الفور على خلاف ظنه، كان ذلك حرامًا لا احتياطًا، فلم يكن التعجيل احتياطًا مطلقًا. وهو أيضًا ضعيف. أما أولاً: فلاقتضائه أن لا يكون طريقة الاحتياط / (١٥١/ب) جارية باستقلالها في شيء من الصور، وهو خلاف الإجماع. وأما ثانيًا: فلأنه لا يتأتي فيما لم يحصل الظن فيه بأحدهما والخصم قد ينصبها دليلاً فيه. ولو أجيب عنه: بأن الاحتياط والحرام ليس من أمارات الوضع. كان ذلك حقًا لكن من المعلوم أن الخصم ليس يجعله دليلاً على أنه يفيد الفور بحسب الوضع، بل يجعله دليلاً شرعيًا على إفادته الفور. والأولى: أن يجاب عنها بالمعارضة بالضرر الناشئ من الإيجاب على

стр. 879

الفور، فإن الأدلة النافية للضرر والحرج نافية له. وخامسها: القياس على النهي، فإنه يقتضي الانتهاء على الفور بالاتفاق فكذا الأمر، والجامع ما سبق. وجوابه: بمنع القياس في اللغة. ولئن سلم: فبالفرق، وهو ما تقدم ونزيد هنا بأنه يفيد ذلك، لأنه يفيد التكرار، بخلاف الأمر فإنه لا يفيد التكرار على ما عرفت ذلك. وسادسها: أن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده، ثم النهي عنها يوجب الانتهاء عنها على الفور، وذلك لا يمكن إلا بالإقدام على المأمور به على الفور، وقد عرفت جوابه غير مرة فلا نعيده. وسابعها: التمسك بقوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾، وقوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾. ووجه الاستدلال بهما أنه لا شك في أن المأمور به من الخيرات والاستباق والمسارعة إليه إنما هو بالتعجيل، فيكون تعجيل المأمور به واجبًا،

стр. 880

إذ الأمر للوجوب، وهو المطلوب. وجوابه: بعض ما تقدم في الواجب الموسع. وثامنها: لو جاز التأخير لجاز إما إلى بدل أو لا إلى بدل، والقسمان باطلان، فالقول بجواز التأخير باطل. وتمام تقريره وجوابه، ما قد تقدم أيضًا في مسألة إثبات الواجب الموسع. وتاسعها: لو جاز التأخير لجاز إما إلى غاية معينة، أو لا إلى غاية معينة، بل يجوز له التأخير أبدًا، والقسمان باطلان، فالقول بجواز التأخير باطل. وإنما قلنا: إنه لا يجوز التأخير إلى غاية معينة، لأن تلك الغاية إما أن تكون معلومة للمكلف أو لا تكون معلومة له. فإن كانت معلومة له، فإما أن يكون ذلك بتنصيص الشارع عليه بأن ينص على جواز التأخير إلى خمسة أيام مثلاً أو لضرب من النظر والقياس. والأول باطل، لأنه خلاف المفروض، إذ المفروض في اقتضاء مطلق الأمر.

стр. 881

وإن كان الثاني: فتلك الغاية هي الوقت الذي يعلم المكلف أو يظن أنه لو لم يشتغل بالمأمور به فيه لفاته، بدليل أن كل من قال: يجوز التأخير إلى غاية معلومة / (١٥٢/أ) بضرب من النظر والقياس، قال: إن تلك الغاية هي هذه، فالقول: بإثبات غاية أخرى معلومة للمكلف خلاف الإجماع، وأنه باطل فتتعين هي، لكن القول بأنها غاية يجوز التأخير إليها باطل أيضًا، لأن ذلك العلم أو الظن إن لم يكن لدليل أو لأمارة لم يكن معتبرًا. وإن كان الدلالة نحو المرض المهلك إذا احتفت به من العلامات ما يقطع الإنسان أنه لا يعيش به إلى وقت يمكنه أداؤه فيه، أو لأمارة نحو المرض الذي لا يكون كذلك، بل يغلب على الظن الهلاك أو علو السن فهو أيضًا باطل، لأن كثيرًا من الناس يموت فجأة، فلم يكن ذلك غاية بالنسبة إلى كل المكلفين، فلا يكون معولاً عليه في جواز التأخير لإفضائه إلى ترك الواجب في جميع العمر. وإن كانت الغاية مجهولة فهو أيضًا باطل، لأنه حينئذ يصير المكلف مكلفًا بأن لا يؤخر الفعل عن تلك الغاية المعينة مع أنه لا يعرفها، وهو تكليف ما لا يطاق. وإنما قلنا: إنه لا يجوز التأخير لا إلى غاية معينة، بل يجوز ذلك أبدا لأن ذلك المأمور به على هذا التقدير يكون ندبًا لا واجبًا، لأن تجويز الترك أبدًا ينافي ماهية الواجب. وجوابه: النقض بما لو صرح بجواز التأخير نحو: "قوله" افعل في أي وقت شئت، وبجميع الواجبات الموسعة نحو النذور والكفارات مع أن

стр. 882

جميع ما ذكروه من الأقسام آت فيه. وعاشرها: أن الأمر استدعاء فعل بقول يقتضي التعجيل كالإيجاب في البيع فإنه يقتضي تعجيل ما استدعاه من القبول. وجوابه: أنه قياس في اللغة وهو ممنوع. سلمناه: لكن الجامع وصف طردي وهو غير معتبر. سلمناه: لكن الفرق قائم فإن الأمر: استدعاء فعل بقول، والإيجاب في البيع: استدعاء قول بقول والفورية تشترط فيه لكي يعد جوابًا فإنه لو تأخر القبول لم يعد جوابًا، بخلاف الفعل فإنه لو تأخر عن وقت الاستدعاء لا يقدح ذلك في الامتثال. ولئن سلم: أنه لا فرق لكنه منقوض بما لو قال: افعل في أي وقت شئت. وأما القائلون بالتراخي:

стр. 883

فقد احتجوا: بأنه يجوز التراخي عن أول الوقت، إذ قد ظهر ضعف أدلة القائلين بالفور، فلا يكون واجبًا فيه، ولا يجوز التأخير عن آخره وذلك يدل على أنه واجب فيه. وجوابه: أنه خلاف الإجماع على ما تقدم فلا يكون مسموعًا. سلمنا: أنه ليس "خلاف" لكن جواز التأخير عن أول الوقت لا يدل على / (١٥٢/أ) أنه ليس "بواجب فيه مطلقًا، بل يدل على أنه ليس بواجب فيه على التضييق، وهو أخص من الأول: فنفيه لا يستلزم نفيه. سلمنا: لكنه قد يفضي لترك الواجب في جميع العمر، فيكون باطلاً. سلمنا: أنه ليس بمفض إليه، لكنه منقوض بقوله: افعل في أي وقت شئت. وأما الواقفية القائلون بالاشتراك: فقد احتجوا: بالاستعمال، وحسن الاستفهام، وتمام تقريرهما قد مضى في مسألة أن الأمر هل هو للتكرار أم لا؟. وقد عرفت جوابهما أيضًا ثمة. وأما الغلاة من الفريق الثاني من الواقفية فقد احتجوا بوجهين: أحدهما: أن العلم بكونه للفور، أو للتراخي، أو للقدر المشترك بينهما، إما بالعقل، أو بالنقل، إلى آخره، كما ذكر في مسألة أن الأمر للوجوب.

стр. 884

وجواب ذلك: الجواب: أيضًا. إلا أن المركب من العقل والنقل هنا غير ما ذكر ثمة، ولا يخفى عليك تقريره بعد أن تمسكت بالبراءة الأصلية، فإن المقدمة العقلية فيه هي، فلا نطول الكتاب بالإعادة. وثانيهما: أنه يحتمل أن يراد به فعل المأمور به على الفور، ويحتمل أن يراد به فعله على التراخي، وليس فيه ما يدل على أحدهما فصار كالمجمل بالنسبة إلى محتملاته، فيجب التوقف إلى أن يدل دليل على أحدهما. وجوابه: أنه إجمال في مدلوله وهو إيقاع المأمور به والاحتمالات المترددة في اللوازم غير مضرة كما في المكان وأحوال الفاعل. وأما المقتصدة منهم: فقد تمسكوا بأن المبادر ممتثل بالإجماع، إذ الأمة قبل ظهور المخالف كانوا قاطعين بذلك ولا قاطع في المتأخر فيجب التوقف، إذ المسألة علمية. وجوابه: جواب الشبهة الأولى للغلاة.

стр. 885

فرع: القائلون بأن مطلق الأمر للفور: اختلفوا في أن الفعل المأمور به إذا فات عن أول وقت إمكان العمل به، هل يجب فعله فيما بعده بالخطاب الأول، أم يحتاج فيه إلى دليل آخر؟. فذهب بعضهم: كأبي بكر الرازي ﵀ إلى أنه يجب بالخطاب الأول، وليس هو نقضًا، لأن قول القائل: افعل معناه عنده افعل في أول زمان الإمكان، فإن لم يفعل فيه ففي الزمان الثاني، فإن لم يفعل فيه ففي الزمان الثالث، هكذا أبدًا ولو فرض أن الأمر كان هكذا كان الفعل واجبًا في الزمان الأول من أزمنة الإمكان، وفي الزمان الثاني والثالث من غير أن يكون قضاء فكذا هنا. ويشعر إيراد بعضهم / (١٥٣/أ): بأنه يكون قضاء عندهم، كما في المعين وقته بالتنصيص لكن الأظهر ما ذكرناه. وذهب الباقون: إلى أنه لا يجب بالخطاب الأول. بل لا بد من دليل

стр. 886

آخر يوجب قضاءه، كما في المعين وقته بالصراحة، وهؤلاء زعموا أن افعل معناه: افعل المأمور به في أول زمان إمكان من غير "بيان حال الزمان الثاني والثالث ولو صرح بهذا لم يجب الفعل في الزمان الثاني والثالث من غير" دليل آخر على ما سيأتي تقريره فكذا هاهنا. احتج الأولون: على صحة قولهم: بأن الأمر اقتضى وجوب المأمور به على الفور ووجوبه على الفور اقتضى وجوب كون المأمور فاعلاً له على الفور، فإذا فات وصف الفورية، وجب أن ينفي وجوب كونه فاعلاً لأصل الفعل لقوله ﵇: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". واحتج النافون على صحة قولهم: بأن الدليل إنما دل على كون الأمر للفور فقط، ومعناه: وجوب الفعل في أول زمان إمكانه وكون الفعل يجب في الزمان الثاني والثالث بتقدير فواته عن أول زمان الإمكان فغير داخل في مفهوم الفورية، ولا هو مستلزم "له"، والأصل عدم دلالة دليل آخر عليه، فلا يلزم من كون الفعل مأمورًا به على الفور بكونه مأمورًا به في الزمان الثاني والثالث بتقدير الفوات عن الأول والثاني "المؤقته ..... بالأمر الجديد أم لا فذهب المحققون من الحنفية إلى أنه".

стр. 887

المسألة الثالثة عشرة في أن القضاء في العبادة المؤقتة بالتنصيص الفائتة عن وقتها هل هو بالأمر الأول أو بالأمر الجديد ؟ فذهب المحققون منا ومن الحنفية والمعتزلة إلى أنه بالأمر الجديد.

стр. 888

وذهب كثير من فقهاء الفريقين والحنابلة إلى أنه بالأمر الأول. ونقل عن صاحب التقويم أنه يجب بالقياس على العبادات الفائتة عن وقتها الواجبة قضاؤها في الشرع، فإنه الأكثر بجامع استدراك المصلحة الفائتة.

стр. 889

احتج الأولون بوجوه: أحدها: أن القضاء لو كان بالأمر الأول: بحيث لم يجب القضاء، كما في الجمعة لزم الترك بالدليل، وإن كان ذلك لدليل آخر لكنه خلاف الأصل، فوجب أن يقال: إن إيجاب العبادة في وقت لا إشعار له بوجوب القضاء ولا تقدمه كيلا يلزم الترك بالدليل. لا يقال: لو لم يجب القضاء بالأمر [الأول]: فحيث وجب كما في الصلوات والصيام لزم أيضًا خلاف الدليل إذ الأصل / (١٥٣/ب) عدم دليل آخر، وهو دليل شرعي. سلمنا: أنه لا يلزم خلافه، لكنه يلزم خلاف الظاهر، فإن ظاهر الخطاب الأول: حينئذ لا يوجب القضاء، فيكون إيجابه حينئذ خلاف الظاهر. لأنا نقول: الجواب عن الأول: إن المحذور فيما ذكرتم أكثر، لأنه يلزم منه الترك بالدليل اللفظي المعتبر، وأما على ما ذكرنا يلزم منه الترك بالدليل العقلي المقرر، فكان التزام ما ذكرنا أولى. سلمنا: أنه ليس بأكثر محذورًا منه، لكنه وجد كقوله ﵇: "من منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾. فسواء قلنا: القضاء بالأمر الأول أو بالأمر الجديد كان ما ذكرتم من المحذور لازمًا، وهو ترك مقتضى الأصل.

стр. 890

أما لو قلنا: القضاء بالأمر الأول: لزم مع هذا المحذور ما ألزمناكم من المحذور وكان ما كرنا أولى. وعن الثاني: إنا لا نسلم أنه يلزم منه خلاف الظاهر، [وهذا فإنا نسلم أن ظاهر الخطاب الأول لا يوجب القضاء حينئذ، لكن لا نسلم أن إيجابه حينئذ يكون خلاف الظاهر]، لأن إيجاب ما لا يوجبه الظاهر خلاف الظاهر، ليس خلاف الظاهر وإلا لزم أن يكون إيجاب الفور غيره لدليل منفصل عند ورود الأمر بالصلاة خلاف الظاهر، لأن ظاهره لا يوجب الصوم بل خلاف الظاهر إنما يلزم أن لو أوجب ظاهر الخطاب الأول اللاقضاء فيكون إيجابه خلاف الظاهر، لكن فرق بين إيجاب اللاقضاء وبين لا إيجاب القضاء ومخالفة الظاهر إنما يلزم من الأول دون الثاني. وثانيها: لو دل الأمر على وجوب القضاء بعد الفوات، فإما أن يدل عليه بطريق المطابقة. وهو باطل، لأن قول القائل: "صم يوم الجمعة" ليس موضوعًا بإزاء صوم "يوم" آخر بعدها كالسبب مثلاً بتقدير فواته عنها. أو بطريق التضمن. وهو أيضًا باطل، لأن "من" المعلوم أن المفهوم الثاني ليس جزءًا من المفهوم الأول، أو بطريق الالتزام كما يقال إن قوله: "صم يوم الجمعة" دل على "وجوب" كونه صائمًا يوم الجمعة، ووجوب كونه صائمًا يوم

стр. 891

الجمعة، دل على وجوب كونه صائمًا مطلقًا ضرورة أنه جزء مفهومه، ثم فوات خصوصية يوم الجمعة لا يعارض تلك الدلالة لإمكان تعلقه معه، فوجب بقاء كونه مأمورًا بأن يكون صائمًا مطلقًا، ثم لما لم يمكن كونه صائمًا مطلقًا بعد فواته عن يوم الجمعة إلى أن يكون صائمًا في يوم آخر بعدها لا جرم دل ذلك الخطاب على وجوب الصوم في يوم آخر بعدها بطريق الالتزام. وهو أيضًا باطل. أما أولاً: فلأنا / (١٥٤/أ) لا نسلم أن فوات الخصوصية لا تعارض تلك الدلالة، وما ذكره من الدلالة عليه فإنما يدل على أنه ليس بمعارض قاطع له ولا يدل على أنه ليس بمعارض له أصلاً، فجاز أن يعارضه بطريق الظهور، أو بطريق التساوي، والأصل عدم الوجوب، فعليكم إفساده لأنكم المستدلون، ثم الذي يدل على أن فوات خصوصية الزمان يعارض تلك الدلالة أن تخصيص العبادة بزمان معين، إن كان لمعني فيه لا يوجد في غيره من الزمان وجب أن لا يكون القضاء مشروعًا بتقدير فواتها عنه، لأن القضاء شرع لاستدراك مصلحة الفائت، وهو غير حاصل حينئذ، وإن لم يكن كذلك سواء كان ذلك بأن يكون التخصيص لا لمعني فيه أو بمعني فيه، لكن يوجد مثله في غيره وعلى التقديرين وجب أن يتخير بينه وبين غيره وأن لا يكون للتخصيص فائدة. سلمنا: أنه لا يعارض تلك الدلالة. لكن دليلكم منقوض بالعبادات المختصة بالمكان كأفعال الحج، وبالشروط كاستقبال جهة معينة، والشخص كتخصيص صرف الزكاة بالمساكين. وكتخصيص الضرب والقتل بشخص معين، وببعض العبادات المختصة بالزمان كالجمعة والوقوف بعرفة في يوم عرفة والأضحية، ورمي الجمار.

стр. 892

وثالثها: لو كان وجوب القضاء بالأمر الأول، لكانت فائدة الأوامر الواردة بقضاء بعض العبادات، كقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾، ونحو قوله ﵇: " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" فائدة تأكيدية، ولو لم يكن بالأمر الأول لكانت فائدتها فائدة تأسيسية، ولا شك أن الحمل على الفائدة التأسيسية أولى لكثرة فائدتها. ورابعها: القياس على الأوامر المختصة بالمكان والأشخاص وببعضها المختص بالزمان الذي لا قضاء فيه، والجامع بينهما، إما دفع الضرر الناشئ من وجوب القضاء، وإما لأن القضاء في غيرها غير محصل لمصلحة الفائت إذ التخصيص بتلك المعينات يدل على عدم حصول فائدتها من غيرها. وخامسها: أن تخصيص الفعل بوقت معين مانع من إيقاعه قبله، فكذا بعده بجامع وصف التخصيص، مقتضى هذا أن لا يشرع القضاء أصلا ترك العمل به فيما إذا ورد فيه الأمر الجديد بالقضاء فوجب أن يبقي معمولاً به في غيره. وسادسها: القياس على النهي، فإنه إذا كان مؤقتًا بوقت ولم يحصل / (١٥٤/ب) مقتضاه فيه، فإنه لا يجب قضاءه بعد فوات ذلك الوقت، فكذا في الأمر والجامع ما تقدم. وسابعها: أن أفعال الله تعالى وأحكامه إن كانت معللة بالمصالح لم يلزم من وجوب عبادة في وقت وجوبها في وقت آخر، لجواز أن يكون ذلك لمصلحة لا توجد في غيره، وإن لم تكن معللة بالمصالح بل هي مبنية

стр. 893

على محض الإرادة لم يلزم أيضًا من وجوبها في وقت وجوبها في وقت آخر، لجواز أن يكون مراده فيها دون غيره. واحتجوا بوجوه: أحدها: قوله ﵇: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" ومن فاته الفعل المأمور به في وقت معين فهو مستطيع له في غيره فوجب أن يجب عليه. وجوابه: أن النص إنما يفيد وجوب الإتيان به في غيره إن لو ثبت كونه مأمورًا [به] فيه فإثبات كونه مأمورًا به فيه به دور. وثانيها: أن العبادة حق الله تعالى على المكلفين، والوقت لها كالأجل للدين في حقوق العباد، وانقضاء الأجل لا يوجب سقوط الدين، فكذا فوات الوقت لا يوجب سقوطها ضرورة كونه مثلها له. وجوابه: منع كون الأجل مثلاً للوقت المفروض للعبادة، وهذا لأنه قد ثبت بالدليل أن الدين بمطلق وصفه مطلوب الحصول وليس للأجل الذي هو عبارة عن وقت مهلة تأخير المطالبة بالدين الواجب مدخل في مطلق نيته،

стр. 894

وإنما شرع ذلك ليسر الأداء لا ظرفًا له، ولهذا لا يجب أداؤه قبل انقضاء الأجل بخلاف وقت الصلاة مثلاً فإنه ظرف لها، ولهذا يجب أداؤها قبل انقضائه، فجاز أن يكون للوقت مدخل في مطلوبية العبادة، ويتأيد هذا الجواز بما أن بعض العبادات لا تقضي بعد فوات وقته، وليس شيء من الدين يسقط بانقضاء أجله، فلا يكون مثلاً له، فلا يلزم من عدم سقوط الدين بانقضاء الأجل عدم سقوط القضاء بفوات الوقت. وثالثها: لو لم يجب القضاء بالأمر الأول، بل بالأمر الجديد لكان ذلك أداء لا قضاء كالأمر الأول. وجوابه: أنا نقول بموجبه لو لم يكن ورود الأمر الثاني بمثل العبادة الفائتة "لاستدراك المصلحة الفائتة أما إذا كان وروده لذلك فلا، إذ لا معنى للقضاء إلا ما شرع من العبادة لاستدراك مصلحة [العبادة] الفائتة". ورابعها: أن الغالب في / (١٥٥/أ) العبادات الفائتة القضاء ولابد لذلك

стр. 895

من دليل. [و] الأصل عدم ما سوى الأمر الأول فيضاف إليه. وجوابه: منع كون القضاء غالبا في العبادات الفائتة، ولا يخفى عليك سنده مما سبق. سلمنا: ذلك لكن ما ذكرتم من الأصل متروك قطعًا لوجود الأوامر الدالة على القضاء في الصلاة والصوم وغيرهما من العبادات التي شرع فيها القضاء. سلمنا: أنه غير متروك لكنه معارض بما أن الأصل عدم دلالة الأمر الأول عليه. سلمنا: سلامته عن المعارض، لكن إنما يضاف إليه لو كان له دلالة عليه، لكن بينا أنه لا دلالة له عليه. سلمنا: ذلك لكن لأن التزام ترك الأصل أولى من التزام ترك الدليل الشرعي، ولا يخفى عليك لزومه على تقدير إضافة القضاء إلى الأمر الأول. وخامسها: الوقت من ضرورات الفعل المأمور به، إذ لا يمكن فعله إلا في وقت وليس هو مقتضي الأمر بل مقتضاه طلب الفعل فاختلاله لا يؤثر في سقوط مقتضي الأمر. وجوابه: أنا نسلم أن مطلق الوقت من ضرورات الفعل، وليس هو من مقتضي الأمر، لكن اختلاله غير متصور حتى يمكن أن يقال إن اختلاله لا

стр. 896

يؤثر في سقوط القضاء، وأما الوقت المعين فلا نسلم أنه من ضروراته، بل هو من مقتضي الأمر الذي عينه. وسادسها: أن تعيين الوقت فيما لا يمكن فعله إلا فيه كتعين الآلة فيما لا يمكن فعله إلا بها، وكما أن فوات الآلة المعينة لا توجب سقوط المأمور به، فكذا [فوات الوقت المعين، والجامع بعض ما تقدم]. مثاله: لو قال الشارع تصدق باليمني فشلت أو قطعت، فإنه لا يسقط عنه التصدق، بل يلزمه ذلك باليسرى. وجوابه: منع حكم الأصل فيما لم يعقل فيه التخصيص معنى أو عقل، لكن بمعني لا يوجد في غيرها، وإنما نسلم ذلك فيما إذا عقلنا أن المقصود من ذلك إيصال النفع إلى الغير لا غير، ولو فرض مثله في الوقت بأن يعقل أن المقصود بالإيجاب الفعل بمطلقه لا غير وتعيين الوقت لزيادة "ثواب الوقت المعين والجامع بعض ما تقدم كان الحكم فيه أيضًا" ثواب أو غيرها [كان الحكم فيه أيضًا] كذلك.

стр. 897

المسألة الرابعة عشرة [في الإتيان بالمأمور به هل يقتضي الإجزاء أو لا ؟] الإتيان بالمأمور به يقتضي الإجزاء عند الأشاعرة والفقهاء وكثير من المعتزلة. ونقل عن أبي هاشم وابنه، والقاضي عبد الجبار أنه لا يقتضيه. وقبل الخوض في الحجاج، لابد من تلخيص محل النزاع، فإن كلام ناقلين الخلاف / (١٥٥/ب) فيها مختلف في محله. فنقول: قد عرفت فيما سلف أن الإجزاء: عبارة عن سقوط القضاء بالفعل عند الفقهاء. وعند المتكلمين: "عبارة عن سقوط التعبد به". فقولنا: الإتيان بالمأمور به، هل يقتضي الإجزاء أم لا. هو بالمعني الأول، أو بالمعني الثاني: ظاهر كلام إمام الحرمين،

стр. 898

والإمام، وبعض المصنفين، يدل على الثاني. وصريح كلام الشيخ الغزالي والقاضي عبد الجبار في عمدته، وبعض المتأخرين من أصحابنا: يدل على الأول. وهؤلاء صرحوا: بأنه لا خلاف في كونه مقتضيًا للإجزاء بالمعني الثاني، لكن ترجمة الخلاف على ما صدرناه، كما هو نقل بعضهم: على هذا لا يستقيم، لأن الإجزاء عند المتكلمين: ليس عبارة عن سقوط القضاء بالفعل فلا يلزم من كون الفعل مجزئًا سقوط القضاء بل ينبغي أن يترجم الخلاف على هذا كما نقله الغزالي ﵀ في المستصفى، وهو أن الأمر يقتضي وقوع الإجزاء بالمأمور به عند الفقهاء. وقال المتكلمون: لا يقتضي، فلا معني لتخصيص الخلاف، على هذا بعض المتكلمين كأبي هاشم والقاضي. فإن كل من قال: الإجزاء: ليس عبارة عن سقوط القضاء، على التفسير المتقدم، يلزمه أن يقول: لا يلزم من كون الفعل مجزئًا سقوط القضاء. ولعل الأقرب أن الخلاف إنما هو في سقوط القضاء لا في سقوط التعبد به،

стр. 899

وكونه امتثالاً وطاعة، لأن ذلك كالمتناقض فيبعد وقوع الخلاف فيه، ولأن أدلتهم تشعر بذلك أيضًا. وإذا تلخص محل النزاع فلنشرع في الحجاج. فنقول احتج الفقهاء: بأن المأمور أن فعل المأمور به على الوجه الذي أمر به من غير نقض ولا خلل، وجب أن يسقط القضاء، لأن إيجاب القضاء لاستدراك ما فات من مصلحة العبادة المؤقتة الفائتة عن وقتها وهو فيما فعل في وقته بجميع شرائطه محال. أما أولاً: فلاستحالة الفوات. وأما ثانيًا: فلاستحالة الاستدراك، لأن تحصيل الحاصل محال. نعم لا نزاع على هذا التقدير في أنه لا يمتنع ورود الأمر بمثل تلك العبادة في وقت آخر، لكن لا يسمى ذلك قضاء لما أنه ليس فيه استدراك مصلحة الفائتة، وإن لم يفعل على الوجه المذكور فلا نزاع أيضًا في أنه غير مسقط للقضاء. فإن قلت: ماذا تريد بقولك: إن المأمور أن فعل المأمور به على الوجه / (١٥٦/أ) الذي أمر به وجب أن يسقط القضاء؟. إن أردت به أن فعله كذلك باعتبار كونه مأمورًا به في نفس الأمر وفي

стр. 900

ظنه موجب لسقوط القضاء، فهذا مسلم لكن لا يفيد أن فعل المأمور به على الوجه الذي أمر به مطلقًا موجب لسقوط القضاء، لجواز أن يكون السقوط لخصوصية تلك الصورة. وإن أردت به أن فعله لذلك مطلقًا سواء كان مأمورًا به بذينك الاعتبارين أو بإحداهما أي واحد كان موجب لسقوط القضاء، فهو ممنوع وهذا فإن من ظن أنه متطهر، فإنه مأمور بالصلاة في وقتها من غير طهارة أخرى والصلاة مأمور بها باعتبار ظنه مع أن إثباتها ليس موجبًا لسقوط القضاء بالإجماع، وكذلك من صلى إلى جهة غير جهة اجتهاده، ثم ظهر أنها هي جهة القبلة فإنها ليست موجبة لسقوط القضاء على رأي، مع أنه أتى بالصلاة المأمور بها باعتبار الواقع. سلمنا: صحة ما ذكرتم، لكنه معارض بوجوه: أحدها: أن بعض العبادات مأمور به، مع أن إتيانه غير موجب لسقوط القضاء، وهو كإتمام الحج الفاسد وإتمام صوم رمضان الذي أفطر فيه عمدًا من غير عذر. وثانيها: أن النهي لا يدل على الفساد لمجرده، فكذا الأمر لا يدل على الإجزاء لمجرده. وثالثها: أن الأمر لا يدل إلا على طلب المأمور، ولا إشعار له بامتناع التكليف بمثل فعله بعد فعله فوجب أن لا يكون مقتضيًا له.

стр. 901

ورابعها: وهو العمدة لهم، أن من ظن أنه متطهر وهو غير متطهر، فإما أن يقال: إنه غير مأمور بالصلاة في تلك الحالة أو هو مأمور بها، والأول باطل وفاقا، ولأنه يأثم بتأخيرها عن وقتها حيث لم يقدر على التجديد لعذر الحبس أو غيره، ولو لم يكن مأمورًا بالصلاة بتلك الحالة لم يكن كذلك فيتعين الثاني. فعلى هذا لا يخلو، إما أن يقال: إنه مأمور بالصلاة بطهارة حقيقة ظاهرة في نفس الأمر، أو بطهارة ظنية سواء كانت مطابقة للواقع أو لم تكن. والأول باطل، لأنه يلزم حينئذ أن يكون عاصيًا بتلك الصلاة وآثمًا بها، ضرورة أنه غير متطهر بطهارة حقيقة حاصلة في نفس الأمر وبالإجماع ليس كذلك، فيتعين الثاني. وعند هذا نقول: إنه أتى بالصلاة على الوجه الذي أمر به مع أنها غير مسقطة للقضاء إجماعًا. الجواب عن الأول: أنا نقول: الإتيان بالمأمور به مطلقًا، سواء كان ذلك باعتبار / (١٥٦/ب) الظن أو باعتبار الواقع أو بهما موجب لسقوط القضاء بالنسبة إلى ذلك الأمر، والدليل عليه ما تقدم. وأما قوله: في سند المنع أولاً: إن من ظن أنه متطهر، فإنه مأمور بالصلاة مع أن إتيانها غير موجب لسقوط القضاء إجماعًا. قلنا: لا نسلم تحقق الإجماع على ذلك، وهذا لأن القضاء يسقط على قول لنا هكذا ذكره بعض المتأخرين من أصحابنا. وفيه نظر.

стр. 902

سلمنا: أنه لا يسقط القضاء، بل يجب لكن لا نسلم أن ذلك عما أمر به من الصلاة المطلوب طهارتها مطلقًا، أعني به كونها مطابقة للواقع أولاً بل هو عندنا قضاء عما أمر به أولاً من الصلاة على الطهارة اليقينية أو الطهارة المظنونة التي لم تظهر مخالفتها للواقع ومنه يعرف الجواب عما ذكره ثانيًا لو سلم الحكم فيه. سلمنا: أن ما ذكرنا لا يفيد أن الإتيان بالمأمور من حيث إنه مأمور به موجب لسقوط القضاء، لكنه يفيد أن الإتيان بالمأمور به حقيقة وظنًا، موجب لسقوط القضاء على ما سلمتم ذلك، ويلزم من هذا أن الإتيان بالمأمور به بأي اعتبار كان موجب لسقوط القضاء بذلك الاعتبار، ضرورة أنه لا قائل بالفصل، وهو الجواب بعينه عن الثاني والخامس. وعن الثالث: أنه غير وارد لأنا لا نقول بأن الأمر يدل على الإجزاء بمعني سقوط القضاء، بل امتثاله يدل عليه ما تقدم تقريره والفرق بين الأمرين ظاهر. سلمنا: وروده لكن حكم الأصل ممنوع. ولئن سلم: لكنه قياس في اللغة، وهو ممنوع. ولئن سلم: لكن الفرق قائم، وهو أنه لا تناقض في قول الرجل لغيره "لا تفعل" هذا الفعل ولو فعلته لجعلته سببًا للحكم الفلاني بخلاف قوله "افعل" الفعل بجميع شرائطه وأركانه ولو فعلته أوجبت عليك قضاء مثله لاستدراك ما فات من مصلحته، فإن فيه تناقضا ظاهرًا.

стр. 903

وعن الرابع: أنا لا نقول: بامتناع التكليف بمثل فعله حتى يكون ما ذكرتم ورادًا علينا، بل نقول: إن المأمور إذا فعل المأمور به على نحو ما أمر به امتنع وجوب القضاء بعده والأمر مشعر به بواسطة الامتثال على الوجه الذي سبق تقريره. وإنما أوردنا هذه المسألة في هذا الفصل مع أن ظاهرها يقتضي إيرادها في فصل المأمور به، لأنها من مقتضى الأمر حقيقة إذ يقال: الأمر يقتضي الإجزاء / (١٥٧/أ) بالمأمور به. المسألة الخامسة عشرة [الأمر بالشيء نهي عن ضده] اعلم أنه لا نزاع في أن الأمر بالشيء نهي عن تركه بطريق التضمن، نهي تحريم إن كان الأمر للوجوب، أو نهي تنزيه وكراهة، إن كان للندب. لكن اختلفوا في أنه هو نهي عن ضده [الوجودي أم لا؟. فذهب بعض المتكلمين منا والقاضي أبو بكر فيما يروى عنه أولاً: إلى أن الأمر بالشيء عين النهي عن ضده]، لا بمعني أن صيغة تحرك مثلاً عين صيغة لا تسكن فإن ذلك معلوم الفساد بالضرورة، بل بمعني أن المعني المعبر عنه بتحرك عين المعني المعبر عنه "بلا تسكن". وقالوا: إن كونه أمرًا ونهيًا بالنسبة إلى الفعل وضده الوجودي ككون "الحركة" قربًا وبعدًا بالنسبة إلى الجهتين، وفساده قريب من فساد الأول،

стр. 904

لأن الطلب النفساني المتعلق بإيجاد الفعل الذي هو بمعتبر صيغة الأمر غير الطلب النفساني المتعلق بتركه الذي هو بمعتبر صيغة النهي قطعًا. وذهب كثير منا والقاضي فيما يروى عنه آخرًا، وبعض المعتزلة نحو الكعبي وأبي الحسين والقاضي عبد الجبار: إلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده بطريق الاستلزام. فعلى هذا وعلى ما سبق إن كان ذلك؛ الضد واحدًا كالسكون للحركة، يكون منهيًا عنه بعينه [وإلا] فجميع تلك الأضداد يكون منهيًا عنها.

стр. 905

وذهب الباقون منا كإمام الحرمين والغزالي، ومن المعتزلة: إلى أنه ليس عينه ولا يستلزمه. ومنهم من فصل بين أمر الإيجاب، وبين أمر الندب، فقال: أمر الإيجاب يستلزم النهي عن ضده. وأما أمر الندب لا يستلزم النهي عن ضده لا نهي تحريم ولا تنزيه، لأن أضداد المندوب من الأفعال المباحة ليس بمنهي عنها لا نهي تحريم ولا تنزيه. ثم هذا النزاع غير متصور في كلام الله تعالى، على رأي من يرى أنه واحد، وهو مع ذلك أمر ونهي وخبر واستخبار، بل في كلام المخلوقين وفي كلامه تعالى على رأي من يرى تعدده. واحتج الأولون: بأن الأمر بالشيء لو لم يكن عين النهي عن ضده، لكان إما أن يكون ضدًا للنهي عن ضده، أو خلافًا للنهي عن ضده، أو مثلاً للنهي عن ضده، ضرورة انحصار التغاير في هذه الأقسام الثلاثة، لا جائز أن يكون ضدًا له وإلا لما اجتمع معه لكنه قد يجتمع معه بأن يصرح بنهيه معه،

стр. 906

ولا جائز أن يكون خلافًا له، وإلا لجاز وجود أحدهما بدون الآخر كالعلم مع القدرة، ولجاز وجود أحدهما مع ضد الآخر كالعلم مع العجز، والقدرة مع الجهل، وفي ذلك تجويز الأمر بالشيء / (١٥٧/ب) وضده وهو محال، ولا جائز أن يكون مثلاً له لتضاد المتماثلات على ما عرف ذلك في الكلام، وإذا بطلت هذه الأقسام بطل القول بالتغاير فهو إذن عينه. وجوابه: أن من جوز الأمر بالمحال منع الأقسام الثلاثة، وأما من لم يجوز ذلك فإنما يمنع القسم الثاني فقط، وهذا لأن جواز انفكاك أحد المخالفين عن الآخر ليس بلازم، بل قد يمتنع ذلك، كما في المتضايفين وكل متلازمين من الجانبين ومنه يعرف امتناع اجتمع [أحدهما] ضد الآخر. احتج الفريق الثاني: بأنه ثبت أن الأمر بالشيء أمر بما هو من ضروراته إذا كان مقدورًا للمكلف، وترك ضد المأمور به من ضرورة فعله، ضرورة

стр. 907

أنه لا يتصور فعله بدون تركه، وهو من مقدوراته فيكون تركه مأمورًا به ولا نعني بكونه منهيًا عنه سوى هذا. نعم لو جوزنا التكليف بالمحال لم يكن الأمر بالشيء نهيًا عن ضده، بل يجوز أن يكون مأمورًا به معه. واعلم أن النافين عند هذا تفرقوا فريقين وتحزبوا حزبين. فمنهم كبعض المعتزلة: لم يعترفوا بأن الأمر بالشيء أمر بما لا يتم الشيء إلا به، والكلام معهم في إثبات هذا الأصل نفيًا وإثباتًا قد تقدم. ومنهم: من سلم هذا الأصل كإمام الحرمين والغزالي رحمهما الله. لكن منهم: من منع عموم هذه القاعدة، وقال: إن الأمر بالشيء أمر بما لا يتم إلا به، لكن بالنسبة إلى ما يكون وسيلة وطريقًا إلى فعل الواجب لئلا يعتقد المأمور أنه غير مأمور بالفعل حال عدم ما يتوقف عليه الفعل لاعتقاده أن الفعل ممتنع الوقوع عنده فيقتضي إلى أن لا يفعل الواجب أصلاً، فأما ما ليس كذلك بل يتبع وجوده وجود المأمور به كصوم أول جزء من الليل، فلا نسلم ذلك فيه، وترك ضد المأمور به كذلك، لأنه لا يقصد به فعل المأمور به وهو يحصل بفعله من غير قصد ولا شعور.

стр. 908

والكلام مع هؤلاء في تعميم القاعدة وتخصيصها. ومنهم من قال: إنا لا نقول: إن الأمر بالشيء أمر بما لا يتم الشيء إلا به، ولا إن إيجاب الشيء إيجاب لما لا يتم إلا به، بدليل أنه لا يجب على الصائم نية إمساك جزء من الليل، ولا على غاسل الوجه نية غسل جزء من الرأس، لو قيل له: "صم النهار" و "اغسل الوجه" ولكن نقول: "إن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، مقتضى هذا أن يكون ترك الضد واجبًا، ونحن نقول به: لكن لا بذلك الأمر بل بدليل آخر إحدى مقدمتيه ذلك الأمر عينه عين نهيه ولا عينه مستلزمة. وهو ضعيف، لأن من يقول: إنه نهي عن ضده بطريق الاستلزام لا يقول: إنه وحده يستلزم نهيه، بل لابد وأن يقول: إنه إنما يستلزم ذلك بواسطة مقدمة عقلية، وهي إما ما سق قبيل هذا، وإما استحالة تكليف ما لا يطاق، وإما لزوم تقييد المطلق أو تخصيص العام الذي هو خلاف الأصل ولا يعنون بكون الضد منهيًا عنه إلا أنه واجب الترك، فيكون الفرق حاصلاً بينهما. واحتج النافون بوجوه: أحدها: أن الآمر بالشيء قد يكون غافلاً عن ضده الوجودي، والغافل عن الشيء لا يكون ناهيًا عنه. وجوابه: أنا نمنع جواز كون الآمر بالشيء ذاهلاً عن طلب ترك ما يمنع من فعل المأمور به من حيث الجملة، وإن كان يجوز أن يكون ذاهلاً عن

стр. 909

تفصيله، ونحن لا نجعل الأمر بالشيء نهيًا عن أضداده على سبيل التفصيل حتى يكون ما ذكرتموه واردًا علينا، بل نجعله نهيًا [عنها] من حيث الجملة. سلمنا: ذلك [لكن] لما جاز أن يكون الأمر بالشيء أمرًا بما يتوقف عليه وجوده مع كونه مغفولاً عنه، فلم لا يجوز أن يكون الأمر بالشيء نهيًا عن ضده وإن كان مغفولاً عنه؟ سلمنا: سلامته عن هذا النقض، لكن لما لا يجوز أن يقال: إنه نهي عنه بشرط الشعور به. ولا يلتفت إلى قول من يقول: إنه إذا شرط في ثبوته أمرًا زائدًا على الأمر، لم يكن عينه ولا يتضمنه ولا يلازمه لظهور فساده. وثانيها: أن الأمر بالشيء إن كان نهيًا عن ضده، فالنهي عن الشيء إن كان أيضًا أمرًا بضده لزم نفي المباح، على ما ذهب إليه الكعبي، وهو منكر من القول وزور، وإن لم يكن أمرًا به فهو تحكم محض لم يجد العارف إليه سبيلاً. وجوابه: أنه لا يقتضي نفي المباح باعتبار ذاته، بل غايته أنه يقتضي أن

стр. 910

ما عداه من المباحات وغيرها واجب على البدل، باعتبار أنه لا يمكن أن يترك المحرم إلا به ولا امتناع في كون الشيء مباحًا وواجبًا باعتبار، بل الامتناع في كون الشيء واجبًا ومحرمًا باعتبارين مختلفين كالواجبات المتضادة، فإن كل واحد منها عندنا واجب باعتبار ذاته، ومحرم باعتبار كونه مانعًا من فعل واجب آخر، وهذا كما قلتم: في الصلاة في الدار المغصوبة، فإنها باعتبار كونها صلاة مأمور بها، وباعتبار كونها تتضمن شغل حيز الغير منهي عنها. وثالثها: أن الشيء إذا كان له أضداد كثيرة فالأمر به لو كان نهيًا عن ضده، فإما أن يكون نهيًا عن ضد واحد بعينه وهو ظاهر الفساد أو لا بعينه. وهو أيضًا باطل. أما أولاً: فلأن دليل كون الضد منهيًا عنه هو أن ما يتوقف عليه الواجب" فهو واجب"، وفعل المأمور به يتوقف على ترك كل واحد منهما لا على ترك واحد منها، بدليل أنه يمتنع حصوله إلا بترك الجميع. وأما ثانيًا فلأن معنى قولنا: كون الشيء الواحد من بين الأشياء منهيًا عنه لا بعينه، هو أنه يحرم الجمع بينها فلو ترك واحدًا منها وفعل الباقي لا يكون فاعلاً للمحرم، وكذلك لو ترك كل واحد منها فإنه يكون ممتثلاً للنهي أيضًا، وإنما يكون مرتكبًا للمنهي عنه إذا فعل كل واحد منها. فعلى هذا لو ترك ضدًا واحدًا وفعل الضد الآخر ولم يفعل المأمور به

стр. 911

وجب أن يقال: إنه منتهي عن المنهي عنه، وفي ذلك حصول التابع من حيث إنه تابع من غير متبوع. وإما أن يكون نهيًا عن كل واحد من أضداده وهو أيضًا باطل، لأنه يلزم ما تقدم من المحذور إذا فعل ضدًا واحدًا وترك البواقي، وأيضًا يلزم أن يقال: إنه ممتثل بعد ذلك الأضداد وهو محال. وجوابه: أنه نهي عن كل واحد من الأضداد، وما ذكرتم من المحذورين فغير لازم. أما أولاً: فلأن المنهي عنه التابع للأمر بالشيء هو جميع الأضداد وتركه غير حاصل عند ترك البعض، فلا يلزم حصول التابع من غير حصول المتبوع، وإنما يكون ذلك لو حصل ترك الجميع من غير حصول المأمور به، لكنه غير ممكن لما ثبت في الكلام من استحالة خلو القادر عن فعل الشيء وضده. وبه خرج الجواب عن الثاني، لأنه إنما يكون ممتثلاً للنهي لو ترك جميع أضداده إذ هي للمنهي عنها والتعدد فيه غير مقصود. فأما إذا ترك البعض وفعل البعض لم يحصل الانتهاء من المنهي عنه، وليس كل واحد منها منهيًا عنه على سبيل الاستقلال حتى يكون تاركًا البعض ممتثلاً للنهي بعدد ما ترك من الأضداد، بل المنهي عنه هو جميع تلك الأضداد، وترك جميعها غير متصور بدون ترك البعض، فلذلك صار كل واحد من تلك الأضداد منهيًا عنه بطريق التتبع فلا يكون ممتثلاً للنهي ما لم يترك الجميع فضلاً عن أن يقال: إنه ممتثل بعدد ما ترك من الأضداد.

стр. 912

وعند هذا ظهر أن الحق هو أن الأمر بالشيء نهي عن ضده بطريق الاستلزام، لا أنه وحده يستلزم ذلك بل مع مقدمة أخرى كما تقدم تقريره لو قيل باستحالة تكليف ما لا يطاق. المسألة السادسة عشرة في أن الأمر بالأمر بالشيء، هل هو / (١٥٩/أ) أمر بذلك الشيء أم لا ؟ الحق: لا. لوجهين. أحدهما: أنه لو كان أمرًا به لزم التخلف في قوله ﵇: "مروهم

стр. 913

بالصلاة وهم أبناء سبع"، فإن الصبي غير مأمور بالصلاة. أما أولاً: فلفقد شرط التكليف، وهو التمكين من فهم خطاب الشارع. وأما ثانيًا: فلأنه لو كان كذلك لوجب أن يستحق الذم على تركها، كما أن الولي يستحق ذلك بترك الأمر. فإن قلت: الملازمة ممنوعة، وهذا لأنه يجوز أن يكون مأمورًا بها على وجه الندبية. وإن كان الولي مأمورًا بالأمر على وجه الوجوب، ولا يلزم من نفي كونه مأمورًا على وجه الوجوب، نفي كونه مأمورًا مطلقًا. قلت: من يقول الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء، فإنما يقول: إنه أمر الشيء على الوجه الذي هو أمر بالأمر، إذ الفرع لا يخالف الأصل، وإنما يتحقق على وجه تحققه، فلما كان الأمر بالشيء على وجه الوجوب، وجب أن يكون أمرًا بالشيء على ذلك الوجه، لئلا يلزم قول ثالث مخالف للإجماع. وثانيهما: أنه لا امتناع في قول السيد لأحد العبدين أمرتك بأن تأمر الآخر بكذا، وقوله للآخر: أمرتك بأن تعصيه عندما يأمرك بكذا، فلو كان الأمر بالأمر بالشيء أمرًا بذلك الشيء لعد ذلك مناقضًا، كما لو قال له: "أمرتك بكذا"، و "أمرتك بان تعصيني فيه". نعم لو ضم إلى ذلك الأمر قوله للمأمور بالشيء: كلما أمرك به فلان فقد أمرتك به، كان الأمر بالأمر بالشيء أمرًا بذلك الشيء، لكنه ما جاء من

стр. 914

الأمر بالأمر بالشيء فقط، بل منه ومن قوله كلما أمرك به فلان فقد أمرتك به. ومن هذا تعرف أن أمر الله تعالى لنبيه صلي الله عليه وسلم بأخذ المال من الأمة لا يكون أمرًا للأمة بالإعطاء له ﵇. مثاله: قوله تعالى ﴿خذ من أموالهم صدقة تظهرهم وتزكيهم بها﴾، فإن ذلك لا يكون أمرًا للأمة بإعطاء الصدقة إليه ﵇، لأنه لا مساغ في أن يقول السيد لأحد العبدين: "خذ من الآخر كذا"، ويقول للآخر جوزت لك: أن لا تمكنه منه، ولو كان الأمر بالأخذ أمرًا بالإعطاء لعد ذلك مناقضًا كما لو قال: أوجبت عليك الإعطاء، و "جوزت لك أن لا تعطي. فإن قلت: فقد ناقضت، إذ من مذهبك أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ومعلوم أن الأخذ لا يتم إلا بالإعطاء فيكون مقتضاه أن يكون الإعطاء واجبًا، فالقول بعدم وجوبه مع إيجاب الأخذ مناقضة. قلت: إن كل المراد من الأخذ: "الطلب" فاندفاع التناقض ظاهر، إذ من المعلوم أن الطلب لا يتوقف على الإعطاء. وإن / (١٥٩/ب) كان المراد منه: "التسلم" فهو وإن كان متوقفًا على التسلم لكن لا يتوقف على التسليم الواجب، إذ يجوز أن يوجد ولو بالتسليم المحرم فيكون انتفاؤه منافيًا للتسليم لانتفاء علة وجوده. سلمنا: ذلك لكن ليس كلما يتوقف عليه الواجب فهو واجب مطلقًا، بل ذلك بشرط أن يكون مقدورًا للمكلف، وفعل الغير غير مقدور له،

стр. 915

فلا يكون التسليم واجبًا بمقتضي الأمر بالأخذ، بل لو وجب ذلك فإنما يجب لتعظيم الرسول فإنه مطاع في أوامره ونواهيه، فإنه لو أمر بالتسليم وإن لم يوجب الله تعالى عليه الأخذ كان التسليم واجبًا، إذ لو جوزنا المخالفة كان ذلك غضًا من منصبه، وتحقيرًا له ﵇ وهو مخل بمقصود البعثة المسألة السابعة عشر [هل الأمر بالماهية يقتضي الأمر بالجزئيات ؟] إذا أمر الشارع بفعل من الأفعال من غير قيد من قيود جزئياته، لم يكن ذلك أمرًا بجميع جزئياته ولا ببعض جزئياته على التعيين، لأن الجزئيات الداخلة تحت مطلق الفعل المأمور به متشاركة في ماهية ذلك الفعل ومتمايزة بخصوصياتها، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز وغير مستلزم له على التعيين، فالأمر الدال على طلب تلك الماهية الكلية غير دال على شيء من تلك الجزئيات المخصوصة عينًا، لا بطريق المطابقة ولا بطريق الاستلزام بل لا دلالة له إلا على تلك الماهية المشتركة بين تلك الجزئيات.
следующие страницы →