← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وإذ لم يكن ممتنعًا لأحد هذه الأمور، وجب أن لا يكون ممتنعًا، لأنه لا مأخذ لامتناعه إلا هذه الأمور أو أحدها بدليل الدوران، فإنا متى تعقلناها، أو أحدها في شيء تعقلنا قبح التكليف به، ومتى تعلقنا انتفاء كل واحد منها "عنه" تعقلنا حسن التكليف به. وثالث عشرها: الأمر قبل الفعل لما تقدم الدليل السابع، والقدرة الحادثة مع الفعل، إذ لا يجوز أن يكون متقدمًا عليه، لأنها عرض وهو ظاهر والعرض لا يبقي زمانين على ما ثبت ذلك في موضعه، فلو كانت متقدمة عليه لكانت متقدمة عنده، فيكون الفعل بالقدرة المتقدمة. هذا خلف فهي إذن معه، ومتى كان كذلك كان القول بتكليف ما لا يطاق لازمًا، لأن الأمر بالفعل عند عدم القدرة أمر بالمحال. احتج المخالف: بالمنقول، والمعقول. أما المنقول: فقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾، وقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها﴾، وقوله تعالى ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ وأي حرج أعظم من تكليف ما لا يطاق.

стр. 982

وقوله ﵇: "بعثت بالسمحة السهلة الحنفية" .... الحديث. وجوابه: أن ما ذكرتم من النصوص لو دل، فإنما يدل على عدم وقوع تكليف ما لا يطاق لا على عدم جوازه، ولا يلزم من عدم الوقوع، عدم الجواز الذي هو المدعى، فإذا تلك النصوص لا تفيد مطلوبكم ولا نقيض

стр. 983

مدعى الخصم الذي هو نفي الجواز، ولا يمكن أن يقال: إنه إذا لم يثبت عدم وقوعه وجب أن يثبت عدم جوازه، إذ لا قائل: بالفصل لأن كثيرًا منهم: قال به على ما عرفت ذلك من قبل. نعم: هي معارضة للأدلة الدالة على الوقوع، لكن الترجيح معها لكونها أدلة عقلية مفيدة للقطع، وما ذكرتم لا يفيد إلا الظن والتخمين، فكانت راجحة. ولو سلمنا: أنها ليست براجحة، بل هي مساوية لها لكان تأويلها، واجب لما عرف أن عند تعارض العقلي والنقلي، يجب تأويل النقلي لئلا يلزم الترك بمقتضي الدليلين، وذلك، لأنه لو لم يؤول فإما أن يقدم أو يترك على التعارض وعلى التقديرين يلزم ما ذكرنا من المحذور. وأما المعقول: فمن وجوه: أحدها: أن الأمر / (١٧٤/أ) بالمحال سفه وعبث، فلو جاز ورود الشرع به، لجاز وروده بكل أنواع السفه والعبث، وحينئذ لم يمتنع منه إظهار المعجزة على يد الكذابين، ولا إنزال الكتب عليهم، ولا يمتنع منه الكذب، وحينئذ لا يبقي وثوق بصحة النبوة، ولا بصحة الخبر والوعيد، ولما كان هذا باطلاً كان الأمر بالمحال باطلاً. وجوابه: أنه مبني على التحسين والتقبيح وقد سبق إبطالهما، ولو سلم عدم بطلانهما، فجوابه ما سبق في التحسين والتقبيح.

стр. 984

وثانيها: لو جاز الأمر بالمحال، لجاز أمر الجمادات، وبعثة الأنبياء إليها، وإنزال الكتب عليها. وهو باطل وفاقا، فكذا ما نحن فيه. وجوابه: أن حاصل الأمر بالمحال عندنا، يرجع إلى إعلام المكلف بنزول العذاب عليه، وهو غير حاصل في حق الجماد. وثالثها: أن التكليف بالمحال، نحو تكليف الأعمى بنقط المصاحف، والمقعد بالمشي وتكليف الإنسان بالجمع بين السواد والبياض، قبيح عرفًا فكذا شرعًا لقوله ﵇: "ما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح". وجوابه: أنه ليس معناه: أن ما رآه المسلمون قبيحًا بالنسبة إليهم، فهو قبيح عند الله تعالى بالنسبة إليه تعالى، حتى يحصل مقصودكم، بل معناه: أن ما رآه المسلمون قبيحًا بالنسبة [إليهم، فهو عند الله قبيح بالنسبة إليهم، أو إن ما رأوه قبيحًا بالنسبة] إلى الله تعالى، فهو أيضًا قبيح عند الله تعالى بالنسبة إليه، وحينئذ يمتنع أن يكون المسلمون رأوا قبحه بالنسبة إليه تعالى، حتى يلزم قبحه عنده بالنسبة إليه تعالى. ذلك؟ ومعظم المسلمين على أنه لا يقبح شيء من الله تعالى، بل كل شيء بالنسبة إليه تعالى حسن. ورابعها: وهو ما عول عليه الشيخ الغزالي - رحمه الله تعالى - وهو

стр. 985

أن التكليف طلب ما فيه كلفة، والطلب يستدعي مطلوبًا متصورًا في نفس الطالب، ضرورة أن طلب ما لا تصور له في النفس محال، وذلك المطلوب يجب أن يكون مفهومًا للمكلف بالاتفاق، فلا يجوز أن يؤمر باللفظ المهمل، ولا باللفظ الذي لا يعرف المأمور معناه، ولا متمكنًا من معرفته بالمراجعة، لأن الأمر خطاب مع المأمور وهو يعتمد الفهم والتمكن منه فيما ليس له مفهوم، أو إن كان لكن لا يتمكن المأمور من معرفته ليس خطابًا معه، وإنما اشترط ذلك ليكون منه الطاعة، فإن التكليف اقتضاء الطاعة، فإذا لم يكن في الفعل طاعة، إذا الطاعة بالامتثال، وهو غير متصور في المحال لم يكن اقتضاء الطاعة متصورًا فيه، وإذا / (١٧٤/ب) لم يكن اقتضاء الطاعة متصورًا فيه استحال التكليف به لفقد معناه، كما ذكرتم في امتناع تكليف الجماد لسبب فقد معنى الأمر، وهو الإعلام. وتحرر هذا بعبارة أخرى وهي: أن المحال غير متصور، لأن كل متصور متميز، وكل متميز ثابت، والمحال غير ثابت في النفس، ولو كان له ثبوت في النفس، لما امتنع وجوده في الخارج لذاته، فلا يكون متصورًا، وإذا لم يكن متصورًا، لم يكن مأمورًا به، لأن المأمور به لابد وأن يكون متصورًا، لاستحالة طلب ما لا يكون متصورًا، والعلم بذلك ضروري. وجوابهما: أنه مبني على أن المحال غير متصور. وهو باطل: لأنا نحكم بأن الجميع بين السواد والبياض مثلاً ممتنع، فلولا أنه متصور وإلا لامتنع الحكم عليه بالامتناع ضرورة أن التصديق مسبوق بالتصور، ولأنه لو لم يكن متصورًا لم يمكن التمييز بين مفهومه وبين مفهوم أحداث القديم مثلاً، وحيث حصل التمييز دل على أنه متصور، فعلى هذا نمنع في العبارة الأولي قوله: الامتثال غير متصور في المحال.

стр. 986

وهذا لأنه لو كان كذلك، لامتنع الحكم عليه بالامتناع في قولنا: "الامتثال في المحال ممتنع"، ولما أمكننا أن نميز بين مفهومه وبين مفهوم غيره من الحالات. وفي الثانية: يمتنع قوله: "أن المحال غير ثابت في النفس" ولا نسلم أنه لو كان له ثبوت في النفس، لما كان وجوده في الخارج ممتنعًا لذاته، وما الدليل عليه. ومنهم: من أجاب عن الأول: بأن الجمع المعلوم المتصور المحكوم بنفيه عن الضدين، إنما هو الجمع المعلوم بين المتخلفات، التي ليست متضادة، ولا يلزم من تصوره منفيًا عن الضدين تصوره نافيًا لهما. ثم قال: وهو دقيق فليتأمل. وفيه نظر: أما أولاً: فلأنه يقتضي أن يكون إطلاق الجمع على الجمع بين المختلفات، وعلى الجمع بين المتضادات بالاشتراك اللفظي، وهو باطل.

стр. 987

أما أولاً: فلكونه منقسمًا إلى الجمع بين المتماثلات، والمختلفات والمتضادات، ومورد التقسيم يجب أن يكون مشتركًا بين الأقسام التي إليها تنقسم. لا يقال: ما ذكرتم منقوض بصحة تقسيم اللفظ المشترك إلى مفهوماته المختلفة، إذ يصح أن يقال: العين، إما العين الباصرة، وإما العين الجارية، وكذا ينقسم إلى غيرهما من مفهوماته، مع عدم الاشتراك بينهما. لأنا نقول: لا نسلم أن ذلك مع عدم الاشتراك بينها، بل هو باعتبار أمر مشترك بينها وهو كونه مدلول اللفظ، فكأنه يقال / (١٧٥/أ) مدلول اللفظ إما ذا، وإما ذا، إذ لا شك أنه قدر مشترك بين تلك الأقسام. وأما ثانيًا: فإنه خلاف المتبادر إلى الفهم، إذ المتبادر إليه هو كونه متواطئًا لا مشتركًا، إذ لا يعقل في مفهومه اختلاف [و] معه يستحيل تعقل الاشتراك. وأما ثانيًا: فلأنه خلاف الأصل. وأما ثالثًا: فلأن المثبت يجب أن يكون بالمعني المنفي حتى يتوارد النفي والإثبات على شيء واحد، وإلا لم يكونا متنافيين، فإذا كان المتصور في جانب النفي، وهو ذلك الجمع، وجب أن يكون المتصور، في جانب الإثبات هو بعينه، ولا شك في أنه محال فيه. وأما وجوهكم الدالة على لزوم الجبر التي يلزمها القول بتكليف ما لا يطاق، فهي معارضة بوجوه: أحدها: لو كان فعل العبد مخلوقًا لله تعالى، وليس العبد متمكنًا من

стр. 988

فعله عندما لا يخلقه الله تعالى فيه، ولا من تركه عندما يخلقه الله تعالى فيه، لزم أن لا يبقي فرق بين الأفعال الاختيارية والرعشة الضرورية، واللازم باطل فقطعًا فالملزوم مثله. وجوابه: بمنع الملازمة، وهذا لأن اللازم من ذلك إنما هو عدم تأثير القدرة الحادثة فيه، وعدم التمكن من الفعل والترك حالتي الفعل والترك، ولا يلزم من اشتراكهما فيه عدم الفرق بينهما من كل الوجوه، إذ الاشتراك في بعض الأمور لا يوجب الاشتراك في كلها. وثانيها: أنه لو كان فعل العبد مخلوقًا لله تعالى، لما وقع فرق بين القوى والضعيف، إذا الكل بخلقه ولكانت قدرة العبد متعلقة بالجواهر، كما هي متعلقة بالأكوان، إذ الكل بقدرة الله تعالى وهي متعلقة بهما واللازم باطل فالملزوم مثله. وجوابه: أيضًا منع الملازمة، وهذا لأن الكل وإن كان بخلقه تعالى "لكن الفرق حاصل بسبب كثرة ما يخلق الله تعالى" من القدرة والمقدور في القوى دون الضعيف، وهكذا نمنع الملازمة الثانية، إذ لا يلزم من كون الكل مقدور الله تعالى كون قدرة العبد متعلقة لكل ما يكون مقدورًا له تعالى، نحو أن يكون الله تعالى خصص تعلق قدرته بنوع من مقدوراته. وثالثها: لو كان فعل العبد من فعل الله تعالى، لما انقسم إلى طاعة، ومعصية، ضرورة أن فعله تعالى لا ينقسم إليهما، لكنه ينقسم فلا يكون من فعله تعالى. وجوابه: أن فعل الله عندنا: ينقسم "إلى ما يكون للعبد فيه تعلق بالكسب وإلى ما لا يكون / (١٧٥/ب) كذلك. فإن ادعيتم أن مطلق فعله تعالى لا ينقسم" إليهما سواء كان متعلق

стр. 989

قدرة العبد بالكسب أو لا يكون كذلك، فإن ما هو من مقدوراته تعالى قدرة العبد بالكسب ينقسم إليهما عندنا. وإن ادعيتم أن النوع الثاني: من أفعاله تعالى لا ينقسم إليها، فمسلم: لكن لا يلزم من انقسام هذا النوع إليهما عدم انقسام النوع الأول إليهما. ورابعها: لو كان فعل العبد يخلقه تعالى، لكان الكفر والإيمان بقضائه وإرادته "تعالى ضرورة أن الخلق لا يتم إلا بالقضاء والإرادة، ولأنه لا قائل بالفصل وحينئذ يجب الرضا بالكفر ضرورة أن الرضا بالقضاء واجب لكن الرضا بالكفر كفر بالكفر ليس بقضائه وإرادته" وحينئذ يلزم أن لا يكون بخلقه تعالى ضرورة انتفاء لازمه ويعرف منه أن يقال: لو كان فعله بخلقه تعالى لزم أن يكون مريدًا له وراضيًا به لكنه غير راضي به لقوله تعالى: ﴿ولا يرضي لعباده الكفر﴾. وجوابهما: أن الرضا في قوله تعالى: ﴿ولا يرضي لعباده الكفر﴾. وفي قولنا: الرضا بالقضاء واجب، ليس هو بمعني الإرادة، بل هو بمعني ترك الاعتراض. والرضا قد يأتي بهذا المعني يدل عليه قول ابن دريد:

стр. 990

رضيت قسرًا وعلى القسر رضا ... من كان ذا سخط على صرف القضا أثبت الرضا مع القسر، والإرادة لا تثبت مع القسر، فدل على أنه ليس بمعني الإرادة. وعلى هذا يصير معنى الآية: لا يترك الاعتراض على الكفر لعباده. وعلى هذا التقدير نمنع الملازمة، فإن من الظاهر أن خلق الشيء لا يقتضي الرضا به بالمعنى المذكور. ويصير معني قولنا: الرضا بالقضاء واجب ترك الاعتراض على الله تعالى سبب القضاء واجب. وأما الرضا في قولنا: "بالكفر كفر" فلا نسلم: أنه بهذا المعنى، بل هو بمعني الإرادة والمحمدة، يقال: هذا الشيء [مرضي] أي محمود، وإذا اختلف المعنيان لم يلزم منه المطلوب.

стр. 991

سلمنا: أنه بالمعنى المذكور، لكن لا نسلم: أنه يلزم من الرضا بالقضاء الرضا بالكفر، وهذا لأن الكفر ليس نفس القضاء، بل هو بالقضاء. وهذا كما تقول: القتل بقضاء الله، وليس نفس القضاء نفس القتل. وكما تقول: الكفر لا يكون إلا بعلم الله تعالى، ثم علمه بالكفر ليس نفس الكفر فكذا هنا، فلا يلزم من الرضا بالقضاء، الرضا بما هو بالقضاء. أو نقول: الكفر ليس نفس القضاء، بل هو المقضي ولا يلزم من الرضا / (١٧٦/أ) بالقضاء، الرضا بالمقتضي، ألا ترى أن الواحد منا قد لا يرضي ولا يريد ما قضي الله له من الأمراض والآلام، وإن كان راضيًا بقضائه وقدره تعالى. وخامسها: لو كان فعل العبد مخلوقًا لله تعالى [لكان الكفر والمعصية والطاعة كلها مخلوقًا لله تعالى] ضرورة أنها من جملة أفعاله، وحينئذ يلزم أن لا يحسن ذم العبد وعقابه، على الكفر والمعصية، ولا يحسن إثابته وشكره على الطاعة، ولكان ضرر الله على عبده أكثر من ضرر إبليس عليه اللعنة، لأن إبليس داع إلى المعصية فقط، قال الله تعالى حكاية عنه: ﴿ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي﴾. وأما فخالق للكفر فيه "بحيث" لا مندوحة له عنه، ثم معاقبة عليه، لكن اللازم باطل، إذ العقلاء مطبقون على حسن ذم المسيء وعقابه، وحسن إثابة المحسن وثنائه، وعلى كونه تعالى رحميًا رؤوفًا لعباده.

стр. 992

وجوابه: أنا لا نسلم أنه لا يحسن الذم والعقاب والإثابة على ذلك التقدير، وإنما نسلم ذلك لو لم يكن كسبًا له أيضًا، فإما بتقدير أن يكون كسبًا له فلا. وأما الثاني: فلازم عليهم أيضًا، فإن التمكين بخلق القدرة على المعصية، والداعية الملجئة إلى فعلها، وإعطاء اليسار المفضي إلى فعلها أكثر ضررًا من الدعاء إلى المعصية. فما جوابكم فهو جوابنا. وسادسها: أن فعل العبد منسوب إليه في استعمال القرآن، والحديث، وعرف أرباب اللسان. قال الله تعالى: ﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾. وقوله تعالى: ﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾. وقوله تعالى ﴿ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله﴾. وقوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ وقوله تعالى: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات﴾. وأمثالها كثيرة وغير عديدة في القرآن العظيم. وقوله ﵇: "إن أحدكم ليعمل عملاً في جوف صخرة صماء لألبسه الله تعالى لباس عمله إن كان خيرًا فخير وإن كان شرًا فشر".

стр. 993

وقوله ﵇: "إن هذه الأمة لتعمل برهة من الدهر بالكتاب وبرهة بالسنة، وبرهة بالقياس، فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا".

стр. 994

وقوله "نية المؤمن خير من عمله". وأمثالها كثير.

стр. 995

وأما استعمال عرف أرباب اللسان فأيضًا ظاهر كثير في نظمهم، ونثرهم، من الأمثال وغيرها، والأصل في الاستعمال الحقيقة. لا يقال: كما هو منسوب إليه، منسوب إلى الله / (١٧٦/ب) تعالى أيضًا، قال الله تعالى: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾. وقال تعالى: ﴿والله خلقكم وما تعلمون﴾. وقوله: ﴿خالق كل شيء﴾. وقوله تعالى: ﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل﴾. والأصل في الاستعمال الحقيقة. وعند هذا نقول: يجب حمل أحد الاستعمالين على المجاز [كيلا يلزم الاشتراك فليس حمل استعمالكم على الحقيقة، وحمل استعمالنا على المجاز] أولى من العكس. لأنا نقول: حمل استعمالنا: على الحقيقة، أولى من حمل استعمالكم عليها، لأنه أكثر فلو حملناه على التجوز، لزم تكثير المجاز وأنه تكثير مخالفة الأصل. وجوابه: أنا نقول: بمقتضي دليلكم ودليلنا، وهو أن إسناد الفعل إلى الله تعالى وإلى العبد بطريق الحقيقة.

стр. 996

وهذا على رأي من قال: من أهل السنة والجماعة أن الفعل حقيقة في الكسب، وفي الإيجاد بحسب معنى مشترك بينهما، وهو كونه مقدورًا لفاعله سواء كان بطريق الكسب، أو بطريق الإيجاد، فإن هذا المفهوم يشتمل النوعين جميعًا. وعلى هذا التقدير لا يلزم الاشتراك ولا المجاز، بل الاستعمالان بطريق الحقيقة. وقد عرفت أن التواطؤ خير من الاشتراك والمجاز. وأما من لم يقل بذلك كالشيخ أبي الحسن الأشعري - رحمه الله تعالى - ومن تابعه فإنه يقول: تلك الإسنادات مجازات عقلية، إذ المجاز في التركيب ليس إلا عقلي، ولا نسلم: أن ذلك خلاف الأصل، وإنما الذي نسلم: أن المجاز اللغوي خلاف الأصل على ما عرفت ذلك في اللغات. سلمنا: أنه خلاف الأصل، لكن قد يصار إليه وذلك عند قيام الدلالة عليه، وما ذكرنا من الأدلة العقلية دال عليه، فوجب المصير إليه.

стр. 997

واعلم أن استقصاء الكلام في مسألة خلق الأعمال، وإرادات الكائنات، بعلم الكلام أليق فلنقتصر على هذا القدر من الكلام. فرع: اختلفوا في أنه: هل يجوز أن يكون التكليف بالممكن مشروطًا بشرط مستحيل أم لا؟. أما القائلون بعدم جواز تكليف ما لا يطاق: فقد اتفقوا على عدم جوازه. وأما القائلون بجوازه: فقد اختلفوا فيه. فمنهم: من جوزه، كالتكليف بما لا يطاق، بل أولى إذا لا حرج ولا ضرر فيه، فإنه لا يستحق العقاب على تركه، إذا لم يترك المأمور به فإنه يصير مأمورًا به عند وجود شرطه وهو مستحيل الوجود. ومنهم: من لم يجوزه، لأنه لا يحصل فيه فائدة الامتثال ولا هو علم على عذاب من كلف به، إذ لا عقاب على تركه على ما سبق تقريره، والتكليف بالمحال إنما جوز، لأنه علم العذاب / (١٧٧/أ)، وهذا المعني غير متحقق في الممكن المشروط بالشرط المستحيل فلا يجوز ورود التكليف به.

стр. 998

المسألة الثانية [في حصول الشرط الشرعي] الأمر بالشيء الذي لم يحصل شرطه حال ورود الأمر به، جائز عقلاً، وواقع سمعًا عندنا، وبعض الحنفية، وعند أكثر المعتزلة وهو كتكليف الكفار بفروع الإسلام. وذهب أبو حنيفة، وأكثر أصحابه، والشيخ أو حامد الإسفراييني

стр. 999

منا، والقاضي عبد الجبار من المعتزلة ﵏ إلى امتناعه. ومنهم من فصل بين الجواز والوقوع، فقال: بجوازه دون وقوعه. ومنهم: فصل بين الأوامر والنواهي والمعاملات، فقال: إنهم مخاطبون بالنواهي والمعاملات، دون الأوامر.

стр. 1000

لنا: على الجواز العقلي وجهان: أحدهما: أنه لو كان مستحيلاً عقلاً، فإما: أن تعرف استحالته بضرورة العقل. وهو باطل. أما أولاً: فلكونه مختلفًا فيه بين الجم الغفير من العقلاء. وأما ثانيًا: فلمساعدة الخصم عليه، فإنه وإن قال: باستحالته، لكن بنظر العقل لا بضرورته. وإما بنظرة: وهو أيضًا باطل، لأنا نعلم بالضرورة أنه لا امتناع في قول السيد لعبده: أمرتك بصعود السطح بعد إيجاد السلم ونصبه، وأمرتك بهما مقدمًا عليه، وكذلك في قول الشارع للمكلف، أمرتك بالصلوات [الخمس] بعد الإتيان بالإيمان، وأمرتك به قبلها، ولو كان امتناعه معلومًا بنظر العقل لم يكن عدم امتناعه معلومًا بالضرورة. وثانيهما: أن الكافر أهل للتكليف، لأنه عاقل بالغ متمكن من فعل المأمور به. ولهذا كان مكلفًا بالإيمان إجماعًا، فيصح أن يكون مكلفًا بالفروع

стр. 1001

لحصول الأهلية، وعدم حصول الإيمان حالة الأمر غير مانع من التكليف بها، وإن كان حصوله شرطًا لصحة فعلها، لكون الإتيان به أولاً ممكن. وأما على الوقوع فوجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة﴾. ووجه الاستدلال به: أن الضمير في قوله: ﴿وما أمروا﴾ راجع إلى المذكورين في أول السورة، وهم الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، و "الواو" بمطلق الجمع ليس لها دلالة على الترتيب والتراخي، إلا أن تكون بمعني "ثم" كما أن "ثم" قد تكون بمعناها لكنه مجاز، وأنه خلاف الأصل، وحينئذ تكون الآية دالة على أن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين مأمورون بعبادة الله تعالى على وجه / (١٧٧/ب) الإخلاص، وبإقامة الصلاة وبإيتاء الزكاة وذلك يفيد المطلوب. ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه يفيد المطلوب، وهذا لأن الأمر بالتوحيد والإيمان، إما أن يكون داخلاً في هذه الأشياء بناء على أن قوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله﴾ دال عليه، إذ العبادة قد جاءت بمعني التوحيد، قال الله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ أو لا يكون

стр. 1002

داخلاً فيها. فإن كان الأول: فليس في الآية دلالة على أنهم أمروا بالتوحيد والإيمان وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة معًا حتى يفيد المطلوب، فإن "الواو" ليس للجمع بصفة المعية، بل لمطلق الجمع وهو أعم منه ومن الجمع بصفة الترتيب، والدال على القدر المشترك بين الصورتين ليس فيه دلالة على ما يميز أحديهما عن الآخر، فجاء أن يكون الأمر بها على صفة الترتيب، ولا يجوز حمله على العموم، إذ ليس فيه ما يدل عليه، وبتقدير أن يكون فيه ما يدل عليه لا يجوز حمله عليه أيضًا، لأن حكاية الحال لا تفيد العموم ولا على عموم أمر الله، فإن تقدير ذلك يفيد المطلوب أيضًا على ما لا يخفى تقريره عليك، لأن أمرهم كان واقعًا على نمط واحد فلا يجوز حمله على غيره. وإن لم يكن داخلاً فيها فهذا مع كونه باطلاً، لأنه يقتضي أن لا يكونوا مأمورين بالإيمان، إذ الآية تدل على حصر المأمور به لهم في الأشياء المذكورة، وهو باطل إجماعًا، إذ لا خلاف في أنهم مأمورون بالإيمان. و [إنما] النزاع في أن تقديمه هل هو شرط في الأمر بغيره من العبادات أم لا. فالمقصود أيضًا غير حاصل، إذ ليس في الآية دلالة إلا على أنهم أمروا بهذه الأشياء، وأمرهم بها أعم من أن يكون بشرط تقديم الإيمان أولاً بهذا الشرط، والدال على العام غير دال على الخاص، فليس فيه دلالة على أنهم أمروا بالأشياء المذكورة من غير شريطة تقدم الإيمان. ولا يقال: لو كان مشروطًا به لذكره لمسيس الحاجة إليه وإزالة اللبس، لأن ذلك إنما يجب فيما قصد فيه بيان الشرع لا في الأخبار.

стр. 1003

ويمكن أن يجاب عنه بأن الآية وإن دلت على أنهم أمروا بهذه الأشياء، من غير بيان شريطة كون البعض متقدمًا على البعض، "لكن الأصل عدم اشتراطه فيلزم من مجموعهما أنهم أمروا بهذه / (١٧٨/أ) الأشياء من غير اشتراط كون البعض متقدمًا على البعض"، وذلك هو المطلوب. وثانيها: قوله تعالى: ﴿ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين﴾ .... الآية. وهذا يدل على أنهم معاقبون على ترك الصلاة، وترك إطعام المسكين، لأنه لو لم يكونوا مأمورين بهما لم يكونوا معذبين على تركهما، إذ ما ليس بواجب لا عقاب على تركه، ولا مدخل له أيضًا في تغليظ العقاب، فإن التغليظ نوع من العقاب أيضًا فلا يحسن ذكره في مستند العقاب. وهذا وإن كان حكاية قول الكفار، لكن لما لم يكذبهم الله تعالى فيه مع عدم استقلال العقل بمعرفته دل على أنه حق وصدق بخلاف قوله تعالى: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ [وقوله] ﴿ما كنا نعمل من سوء﴾، وقوله: ﴿[يوم يبعثهم] [الله جميعًا] فيحلفون له كما يحلفون لكم﴾ فإنه لم يكذبهم فيه لما أن العقل مستقل بمعرفته كذبهم فيه، ولا يجوز

стр. 1004

حمل المصلين على المؤمنين، كما في قوله ﵇: "نهيت عن قتل المصلين"، وكما في قولهم قال: "أهل الصلاة"، والمراد المسلمون

стр. 1005

فإن بتقدير ذلك لا يحصل المقصود، لأنه مجاز لا يصار إليه إلا عند قيام الدلالة عليه، وهو مقصود إذ الأصل عدم ذلك الدليل. وكون أهل الكتاب من جملة القائلين بهذا القول: مع أنهم كانوا يصلون ويتصدقون ويؤمنون بالغيب لا يصلح دليلاً عليه، لأن الصلاة حقيقة في الأفعال المخصوصة والأركان المعلومة التي في شرعنا، وهي ما كانت حاصلة في شرعهم، فيصدق في حقهم أنهم لم يكونوا من المصلين، ولما لم يكن إيمانهم بالغيب على وجه الذي ينبغي لا جرم يصدق في حقهم أيضًا أنهم يكذبون بيوم الدين، ولئن جوزنا هذا الحمل والتأويل. فما الحيلة في دفع قوله: ﴿ولم نك نطعم المسكين﴾ ولا يجوز إحالة التعذيب إلى التكذيب بيوم الدين، وإن كان سببًا مستقلاً له، ومع أن إضافة الأثر إلى السبب المستقل أولى، لأنه لم يبق حينئذ في ذكر غيره من القيود فائدة، والتكذيب بيوم الدين، وإن كان سببًا مستقلاً لمطلق التعذيب، لكن ليس سببًا مستقلاً بتعذيب مخصوص حاصل بسبب ترك مجموع الأمور المذكورة، فلم يلزم انخرام تلك القاعدة. وحمل ﴿لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين﴾ على لم نك من المقرين بوجوب فعل الصلاة والإطعام وإن كان مجازًا ظاهرًا من حيث إن عدم الإقرار بالوجوب سبب للترك، كما أن / (١٧٨/ب) الإقرار بالوجوب سبب للفعل خلاف الظاهر لا يصار إليه إلا عند تعذر الحمل على الحقيقة، وقيام الدلالة على إرادته وحصولها غير مسلم فيما نحن فيه، وتخصيص القضية

стр. 1006

بالمرتدين، يوجب تخصيص المجرمين الذي هو عام في جميع الكفار، أو تخصيص الضمير العائد إليه بهم، من غير دليل وأنه غير جائز. وثالثها: قوله تعالى: ﴿فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى﴾. ووجه الاستدلال به: أنه ذمهم على ترك الصدقة والصلاة، ولو لم يكونا واجبين عليهم لما ذمهم على تركهما. ورابعها: قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾، وقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾. والكافر إنسان فيكون داخلاً فيه، وإلا لزم التخصيص، وأنه خلاف الأصل فيكون الكافر مأمورًا بالعبادة وبحج البيت وذلك هو المطلوب. وخامسها: قوله تعالى: ﴿وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة﴾ وترتيب الويل على عدم إيتاء الزكاة مشعر بعكسه، وإنما يكون ترك الزكاة علة استحقاق الويل إن لو كانت الزكاة واجبة عليهم.

стр. 1007

واتفاق الكل على أن المراد من الزكاة في هذه الآية كلمة التوحيد ممنوع. وسادسها: قول الله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا﴾. ووجه الاستدلال به أنه حكم بمضاعفة العذاب على من فعل مجموع الأمور المذكورة في الآية، ولا شك أن فيها بعض فروع الإيمان، فلو لم يكن ذلك البعض منهيًا عنه بالنسبة إلى الكافر كان تركه سببًا لمضاعفة العذاب. وهذا النص إنما يكون حجة على نفي التكليف عنهم بالفروع مطلقًا، فأما من أثبت ذلك في المناهي دون الأوامر فلا. وسابعها: أنا أجمعنا أن الدهري مأمور بتصديق الرسول، مع أنه لا يمكن الإتيان به إلا بعد الاعتراف بوجود الصانع لما أنه متمكن من تحصيل العلم به. وكذا المحدث مأمور بالصلاة حالة الحدث لما سبق من الإجماع، ولأنه لو لم يكن كذلك لوجب ألا يستحق الذم من ترك الطهارة والصلاة إلا على

стр. 1008

ترك الطهارة، ضرورة عدم توجه التكليف بالصلاة قبل حصولها، بل لا يستحقه على تركها أيضًا عندما يترك ما يتوقف عليه الطهارة، ضرورة أن الطهارة غير واجبة عليه إذ ذاك، لكنه باطل بالإجماع، وإنما كان كذلك، لأنه متمكن من تحصيل الطهارة أولاً، والكافر متمكن من تحصيل الإيمان أولاً - أيضًا - فعدم / (١٧٩/أ) حصوله لا يكون مانعًا من التكليف بفروعه، كما في الدهرى والمحدث من غير فرق. وثامنها: الكافر يتناوله النهي فوجب أن يتناوله الأمر. أما الأول: فلمساعدة الخصم عليه، وهذا على رأي من يفصل بين الأوامر والنواهي في التناول. وأما على رأي من يفصل فاستدل عليه بأنه يحد على الزنا وذلك يدل على أنه يتناوله النهي، فإنه لو لم يكن متناولاً له لم يثبت تحريمه في حقه، إذ التحريم والإيجاب وسائر أحكام الشرع فرع تناول الخطاب (وإذا لم يكن محرمًا بالنسبة إليه لا يحد عليه أو لا حد على فعل ما ليس بمحرم عندهم) وإن كان محرمًا عندنا كما في شرب الخمر، ومن هذا تعرف سقوط ما يقال أنه "إنما" يحد، لأنه التزم أحكامنا، لأن من جملة أحكامنا أن لا يحد على فعل ما ليس بمحرم عندهم، وإن كان محرمًا عندنا كما في شرب الخمر. وأما الثاني: فلأن النهي إنما يتناوله تحصيلاً للمصلحة الحاصلة بسبب الاحتراز عن المنهي عنه لمكان المناسبة والاقتران، فوجب أن يتناوله الأمر

стр. 1009

تحصيلاً للمصلحة الحاصلة بسبب الإقدام على المأمورية. وفرق بينهما: بأن الانتهاء عن المنهيات مع الكفر ممكن، وأما الإتيان بالمأمور به معه غير ممكن. وأجيب عنه: بأن الانتهاء عن المنهي عنه لغرض امتثال قول الشارع غير ممكن معه، وإن لم يعتبر قصد الامتثال فالانتهاء والإتيان كلاهما مع الكفر ممكنان فلا يحصل بينهما فرق من هذا الوجه. ولقائل أن يقول: هب أنهما لا يفترقان في انه يمتنع صدور قصد الامتثال فيهما من الكافر، ولا في كونهما ممكنين منه بدون قصد الامتثال فيهما، لكنهما يفترقان في اشتراطه وفاقا، فإن قصد الامتثال الذي هو عبارة عن النية يشترط في الإتيان بالمأمور به كالصلاة والزكاة، ولهذا لا يقع كل واحد منهما معتدًا بدون النية، لأنه يعاقب على فعله بدون النية كما يعاقب على تركه، ولا نعني بكونه غير معتد به سوى هذا. بخلاف الانتهاء عن المناهي كالزنا والسرقة، فإنه لا يشترط فيها قصد الامتثال، ولذلك يقع الانتهاء عنها معتدًا به بدونه والمعني من كونه معتدًا به أنه لا يستحق على ذلك عقابا، كما لا يستحقه على الانتهاء مع قصد الامتثال وإن كان يختص / (١٧٩/ب) هذا بأنه يستحق فيه الثواب دون الأول، ولو كان الانتهاء عنها غير معتد به بدون قصد الامتثال لا يستحق العقاب عليه، كما يستحقه على فعلها. وعند هذا الفرق نقول: لم يلزم من عدم جواز تكليف الكافر بما هو

стр. 1010

مشروط بشيء يمتنع صدوره منه عدم جواز تكليفه بما هو غير مشروط به، وإن كان ممتنع الصدور منه، فلا يكون ما ذكروه قادحًا في الفرق. واحتجوا بوجوه: أحدها: لو وجبت الصلاة على الكافر مثلاً، فإما أن تجب عليه بناء على أنه يجب أداؤها حال الكفر أو بعده، إذ وجوب الشيء من غير أن يجب فعله أصلاً غير معقول. والأول: باطل، لأن أداء الصلاة حال الكفر، ممتنع والتكليف بالممتنع ممتنع، أو وإن لم يكن ممتنعًا، لكنه باطل وفاقا. إذ القائل بتكليف الكافر بالفروع: لم يقل أنه تكليف بالممتنع، فالقول بأن تكليف الكافر بالفروع تكليف بالممتنع قول لم يقل به أحد، فيكون باطلاً. والثاني أيضًا: باطل لانعقاد الإجماع على أن الكافر لا يؤثر بعد الإسلام بقضاء ما فاته من الصلوات حال الكفر، وإذا بطل القول بالوجوب حال الكفر وبعده، بطل القول بأصل الوجوب لاستحالة أن يكون له وقت غيرهما. وثانيها: لو وجبت الصلاة على الكافر في حال الكفر لوجب عليه قضاؤها، أو ما يسد مسدها، إذا فات عن الوقت وزال المانع من الأداء وهو الكفر إلحاقاً للفرد بالأعم والأغلب، وقياسًا على المسلم والجامع استدراك المصلحة المتعلقة بالعبادة الفائتة لكن لا يجب قضاؤها إجماعًا، فلا تكون

стр. 1011

واجبة عليه حال الكفر. وثالثها: أن التكليف بالصلاة والزكاة وغيرهما من العبادات نوع من الإكرام والإعظام أو بواسطة يستحق المكلف القربة والمثوبة العظيمة، قال ﵇: "لن يتقرب المتقربون مثل تقربهم بأداء ما افترض عليهم" والكافر ليس أهلاً لذلك، لأنه مستحق الإهانة والإبعاد، وبإبعاد المستخف والمهان عن الخدمة جرت العادة والعرف، فإن الملك والسيد الكبير لا يرضي أن يأمر كل خسيس بخدمته لاسيما خدمة من يستحق بسببها القربة العظيمة، بل الخادم الشريف إذا غضب السيد عليه طرده عن حضرته وبعده عن خدمته، ويرى الناس ذلك في إهانته أكثر من الضرب والشتم، وإذا كان كذلك / (١٨٠/أ) لا يليق بالحكمة أن يؤهله لذلك إلا إذا تأهل له بنوع من الكرامة والمنقبة، وهو الإيمان، فقبله لا يتوجه التكليف إليه ألبتة.

стр. 1012

الجواب عن الأول والثاني من وجهين: أحدهما: أنه ليس المعني من قولنا: الكفار مخاطبون بفروع الشرائع أنه يجب عليهم فعلها في حال الكفر أو بعده، بل المعني منه أنهم يعاقبون على تركها يوم القيامة، كما يعاقبون على ترك الإيمان، ومعلوم أن ما ذكرتموه لا ينفيه، فلا يكون معارضًا لما ذكرنا من الأدلة الدالة على وقوع التكليف بهذا المعني. وثانيهما: أنا نقول مقتضى الدليل والقياس أنه يجب القضاء بعد زوال الكفر وفوات الوقت، فيكون الإيجاب في حال الكفر يعتمد على أنه يجب عليه أداؤها بعد زوال الكفر إن صادف شيئًا من الوقت، وإلا فقضاؤها، لكن الإجماع انعقد على أنه لا يجب عليه القضاء بعد الإسلام، لقوله تعالى: ﴿إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾. ولقوله ﵇: "الإسلام يجب ما قبله". ولما أن في إيجاب القضاء تنفيرًا له عن الإسلام، فكذلك لم

стр. 1013

يجب القضاء، وترك مقتضي الدليل لدليل أقوى منه غير بدع من العمل. هذا إذا قلنا: بأن القضاء يجب بالأمر الأول أو بطريق القياس على ما هو

стр. 1014

رأي الشيخ أبي زيد الديوسي ﵀. أما إذا قلنا بأن القضاء بالأمر الجديد فنمنع الملازمة في الثاني، وهذا لأن القضاء على هذا التقدير يعتمد على الأمر الجديد وهو غير وارد فيما نحن فيه، بل ورد ما يدل على الإسقاط، وهو ما تلونا من النص فلا يلزم من وجوب الصلاة على الكافر في حال الكفر وجوب قضائها بعد زوال الكفر وفوات الوقت. وعلى هذا نقول في الدليل الأول: أنه يجب عليه الصلاة بناء على أنه يجب فعلها بعد زوال الكفر إن صادف الوقت، وإلا فيجب القضاء إن ورد أمر جديد وإلا فلا.

стр. 1015

وعن الثالث: أن التكليف بالإيمان والتمكين من تحصيله أعظم أنواع الكرامات وأشرف الحرمات، فإن كان كل كرامة يستحق لكرامة أخرى فبماذا يستحق الكافر هذه الكرامة.

стр. 1016

المسألة الثالثة [هل يجب أن يكون المأمور به مقدورًا للمأمور] اعلم أن المأمور به يجب أن يكون مقدورًا للمأمور، إما بطريق الخلق، والاختراع، أو بطريق الكسب على اختلاف فيه، بين أصحابنا وبين القدرية. فعلى هذا لا يجوز أمر الغير بفعل الغير، لأنه وإن كان ممكن الوجود في نفسه / (١٨٠/ب)، لكنه غير مقدور لغير فاعله، لا بطريق الخلق ولا بطريق الكسب ولا بمتولدات الأفعال كالانجراح المتولد من الجرح، والإنكسار المتولد من الكسر، لكونه محض فعل الله تعالى، لا مدخل لكسب العبد فيه، وأفعال العباد وإن كانت مخلوقة لله تعالى عندنا، لكنها مكتسبة لهم فمتعلق الأمر في قتل الكافر مثلاً إنما هو الفعل الذي يتولد منه القتل لا نفس الفعل.

стр. 1017

وذهب بعض المعتزلة: إلى أن متولدات الأفعال يجوز أن تكون متعلقة الأمر بناء على أنها من فعله، كما أن الفعل الذي يتولد منه القتل من فعله أيضًا، لكن الفرق بينهما، أن الأول: بطريق الكسب، والثاني: بطريق المباشرة، والتكليف يجوز أن يكون متعلقًا بهما عندهم. وعلى هذا أيضًا ذهب الأكثرون منهم: إلى أن متعلق النهي هو فعل الضد لا نفس أن لا تفعل لأن النهي عن الشيء أمر بتركه، والأمر يتعلق بالمقدور لا غير تفريعًا على القول بامتناع تكليف ما لا يطاق، ونفس أن لا تفعل، عدم محض، ونفي صرف ليس بشيء ولا أثر، وما يكون كذلك لا يكون مقدورًا ولا مكتسبًا، لأن القدرة بعد تعلقها بالمقدور تستدعى أثرًا وشيئًا، والعدم الصرف ليس كذلك، فيمتنع استناده إلى القادر، ولو سلم إمكان إسناد العدم الصرف والنفي المحض إليه في الجملة، لكان العدم الأصلي يستحيل إسناده إليه قطعًا، لأنه حاصل قبل قدرة المكلف وتحصيل الحاصل محال. وهذا ظاهر إن قيل: بأن المعدوم ليس بشيء. وأما إن لم يقل بذلك فيقول: كل من قال: بأن المعدوم شيء وذات متقررة قبل اتصافه بالوجود قال أيضًا: بامتناع إسناده إلى القادر، ولذلك قال: ليس للقادر تأثير إلا في أن يجعل الذات موصوفة بالوجود، وحينئذ يلزم امتناع إسناد المعدوم إليه أيضًا، فعلى التقديرين يمتنع

стр. 1018

إسناد المعدوم إلى المؤثر. فإذا ثبت أن متعلق التكليف يجب أن يكون مقدورًا بأحد الوجهين المذكورين، وثبت أن العدم الأصلي يستحيل أن يكون مقدورًا استحال أن يكون العدم الأصلي متعلق التكليف فاستحال أن يكون متعلق النهي هو نفس أن لا يفعل. ويمكن تقرير هذا بوجه آخر من غير تفريع على امتناع تكليف ما لا يطاق. وهو أن يقال للخصم: إنا وإن اختلفنا في جواز تكليف ما لا يطاق، لكن اتفقنا على أن النهي عن المنهيات الممكنة "ليس" من / (١٨١/أ) قبيل تكليف ما لا يطاق، فلو كان متعلق النهي هو نفس "أن لا يفعل" لزم القول بأن النهي عن النهيات الممكنة من قبيل تكليف ما لا يطاق، لما تقدم من أن العدم الأصلي غير مقدور للمكلف، وهذا إنما يتم على رأي غير الشيخ، أو على رأيه لكن بطريق الإلزام، إذ ليس من الخصوم في هذه المسألة من يقول: إن التكاليف بأسرها تكليف ما لا يطاق. فإن قلت: على الوجه الأول: إنا نسلم أن ما كان من العدم السابق على قدرة المكلف غير مقدور له لما ذكرت. لكن لما قلت: إن المقارن منه للقدرة غير مقدور له أيضًا، ولا يلزم من عدم القدرة على السابق عدم القدرة على المقارن. قلت: المقارن منه للقدرة ليس أمرًا غير الأول، وإنما هو الأول بعينه، لكن غايته أنه حصلت له صفة الاستمرار التي ما كانت حاصلة له من قبل بسبب مرور الزمان عليه، وبسببه حصلت له صفة المقارنة. فهذه الصفة: إما اعتبارية، وإما حقيقية عارضة، وعلى التقديرين يجب

стр. 1019

أن لا يتغير ذلك العدم السابق عما هو عليه من استحالة كونه مقدورًا، إلى جواز كونه مقدورًا، لأن الصفة الاعتبارية والحقيقية العارضية لا يغير الشيء عما هو عليه من الاستحالة والإمكان بحسب الذات، أو بحسب لازم من لوازمه. وذهب أبو هاشم إلى أن متعلق النهي هو نفس "أن لا يفعل". وذهب الشيخ الغزالي رحمه الله تعالى: فيه إلى التفصيل فأوجب أن يكون متعلق النهي فعلاً حيث يثاب المنتهي، وهو فيما قصد امتثال النهي بفعل ضد المنهي عنه وكف النفس عن مباشرة المنهي عنه بعد التمكن منه وحصول الداعية إليه، لأن الثواب إنما يكون على ما هو من كسب العبد وسعيه لقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾. ومفهوم أن لا يفعل عدم محض ونفي صرف والعدم لاسيما الأصلي ليس من سعى الإنسان فلا يكون مثابًا عليه، بخلاف كف النفس والترك، الذي هو عبارة عن فعل ضد المنهي عنه، فإنه من كسبه وسعيه، فجاز أن يثاب عليه. ثم الفرق بين الكف والترك، أن الكف يستدعى التمكن من فعل المنهي عنه، والداعية إليه. وأما الترك فلا يستدعى ذلك، إذ قد يترك الشيء أي يفعل ضده مع الغفلة

стр. 1020

والذهول عنه، بخلاف الكف فإنه لا يكون إلا مع التصور والتوقان. وأما حيث الإثبات المنتهي على الانتهاء وهو حيث لم يقصد الامتثال "وكف" للنفس عنه فإنه يجوز أن يكون متعلق النهي هو نفس أن لا يفعل إذ لا يبعد أن يكون مقصود الشارع أن لا يصدر منه الفواحش المنهي عنها وأن لا يقصد منه فعل ضده ليثيبه عليه، فإن الفوات على ما عرف لابد وأن يكون على فعل ولا يجوز أن يثاب على لا فعل. احتج أبو هاشم: على صحة ما ادعاه بأن العقلاء يمدحون المنتهي على أنه لم يفعل المنهي عنه، وإن لم يخطر ببالهم فعل ضده، فلولا أن متعلق النهي هو نفس أن لا يفعل لما كان كذلك. وجوابه: أنا لا نسلم أنهم يمدحونه على نفس أن لا يفعل من غير أن يخطر ببالهم فعل ضده من حيث الإجمال، وهذا لأنه لما لم يمكن تصور أن لا يفعل بدون تصور فعل العبد كان تصوره مستلزمًا لتصوره لا محالة. نعم: قد لا يخطر بباله فعل ضده على التفصيل، لكن ذلك لا يقدح في الغرض.
следующие страницы →