Полный текст (3 770 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
المسألة الثالثة
[هل يجب أن يكون المأمور به مقدورًا للمأمور]
اعلم أن المأمور به يجب أن يكون مقدورًا للمأمور، إما بطريق الخلق، والاختراع، أو بطريق الكسب على اختلاف فيه، بين أصحابنا وبين القدرية.
فعلى هذا لا يجوز أمر الغير بفعل الغير، لأنه وإن كان ممكن الوجود في نفسه / (١٨٠/ب)، لكنه غير مقدور لغير فاعله، لا بطريق الخلق ولا بطريق الكسب ولا بمتولدات الأفعال كالانجراح المتولد من الجرح، والإنكسار المتولد من الكسر، لكونه محض فعل الله تعالى، لا مدخل لكسب العبد فيه، وأفعال العباد وإن كانت مخلوقة لله تعالى عندنا، لكنها مكتسبة لهم فمتعلق الأمر في قتل الكافر مثلاً إنما هو الفعل الذي يتولد منه القتل لا نفس الفعل.
стр. 1017
وذهب بعض المعتزلة: إلى أن متولدات الأفعال يجوز أن تكون متعلقة الأمر بناء على أنها من فعله، كما أن الفعل الذي يتولد منه القتل من فعله أيضًا، لكن الفرق بينهما، أن الأول: بطريق الكسب، والثاني: بطريق المباشرة، والتكليف يجوز أن يكون متعلقًا بهما عندهم.
وعلى هذا أيضًا ذهب الأكثرون منهم: إلى أن متعلق النهي هو فعل الضد لا نفس أن لا تفعل لأن النهي عن الشيء أمر بتركه، والأمر يتعلق بالمقدور لا غير تفريعًا على القول بامتناع تكليف ما لا يطاق، ونفس أن لا تفعل، عدم محض، ونفي صرف ليس بشيء ولا أثر، وما يكون كذلك لا يكون مقدورًا ولا مكتسبًا، لأن القدرة بعد تعلقها بالمقدور تستدعى أثرًا وشيئًا، والعدم الصرف ليس كذلك، فيمتنع استناده إلى القادر، ولو سلم إمكان إسناد العدم الصرف والنفي المحض إليه في الجملة، لكان العدم الأصلي يستحيل إسناده إليه قطعًا، لأنه حاصل قبل قدرة المكلف وتحصيل الحاصل محال.
وهذا ظاهر إن قيل: بأن المعدوم ليس بشيء.
وأما إن لم يقل بذلك فيقول: كل من قال: بأن المعدوم شيء وذات متقررة قبل اتصافه بالوجود قال أيضًا: بامتناع إسناده إلى القادر، ولذلك قال: ليس للقادر تأثير إلا في أن يجعل الذات موصوفة بالوجود، وحينئذ يلزم امتناع إسناد المعدوم إليه أيضًا، فعلى التقديرين يمتنع
стр. 1018
إسناد المعدوم إلى المؤثر.
فإذا ثبت أن متعلق التكليف يجب أن يكون مقدورًا بأحد الوجهين المذكورين، وثبت أن العدم الأصلي يستحيل أن يكون مقدورًا استحال أن يكون العدم الأصلي متعلق التكليف فاستحال أن يكون متعلق النهي هو نفس أن لا يفعل. ويمكن تقرير هذا بوجه آخر من غير تفريع على امتناع تكليف ما لا يطاق.
وهو أن يقال للخصم: إنا وإن اختلفنا في جواز تكليف ما لا يطاق، لكن اتفقنا على أن النهي عن المنهيات الممكنة "ليس" من / (١٨١/أ) قبيل تكليف ما لا يطاق، فلو كان متعلق النهي هو نفس "أن لا يفعل" لزم القول بأن النهي عن النهيات الممكنة من قبيل تكليف ما لا يطاق، لما تقدم من أن العدم الأصلي غير مقدور للمكلف، وهذا إنما يتم على رأي غير الشيخ، أو على رأيه لكن بطريق الإلزام، إذ ليس من الخصوم في هذه المسألة من يقول: إن التكاليف بأسرها تكليف ما لا يطاق.
فإن قلت: على الوجه الأول: إنا نسلم أن ما كان من العدم السابق على قدرة المكلف غير مقدور له لما ذكرت.
لكن لما قلت: إن المقارن منه للقدرة غير مقدور له أيضًا، ولا يلزم من عدم القدرة على السابق عدم القدرة على المقارن.
قلت: المقارن منه للقدرة ليس أمرًا غير الأول، وإنما هو الأول بعينه، لكن غايته أنه حصلت له صفة الاستمرار التي ما كانت حاصلة له من قبل بسبب مرور الزمان عليه، وبسببه حصلت له صفة المقارنة.
فهذه الصفة: إما اعتبارية، وإما حقيقية عارضة، وعلى التقديرين يجب
стр. 1019
أن لا يتغير ذلك العدم السابق عما هو عليه من استحالة كونه مقدورًا، إلى جواز كونه مقدورًا، لأن الصفة الاعتبارية والحقيقية العارضية لا يغير الشيء عما هو عليه من الاستحالة والإمكان بحسب الذات، أو بحسب لازم من لوازمه.
وذهب أبو هاشم إلى أن متعلق النهي هو نفس "أن لا يفعل".
وذهب الشيخ الغزالي رحمه الله تعالى: فيه إلى التفصيل فأوجب أن يكون متعلق النهي فعلاً حيث يثاب المنتهي، وهو فيما قصد امتثال النهي بفعل ضد المنهي عنه وكف النفس عن مباشرة المنهي عنه بعد التمكن منه وحصول الداعية إليه، لأن الثواب إنما يكون على ما هو من كسب العبد وسعيه لقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾.
ومفهوم أن لا يفعل عدم محض ونفي صرف والعدم لاسيما الأصلي ليس من سعى الإنسان فلا يكون مثابًا عليه، بخلاف كف النفس والترك، الذي هو عبارة عن فعل ضد المنهي عنه، فإنه من كسبه وسعيه، فجاز أن يثاب عليه. ثم الفرق بين الكف والترك، أن الكف يستدعى التمكن من فعل المنهي عنه، والداعية إليه.
وأما الترك فلا يستدعى ذلك، إذ قد يترك الشيء أي يفعل ضده مع الغفلة
стр. 1020
والذهول عنه، بخلاف الكف فإنه لا يكون إلا مع التصور والتوقان.
وأما حيث الإثبات المنتهي على الانتهاء وهو حيث لم يقصد الامتثال "وكف" للنفس عنه فإنه يجوز أن يكون متعلق النهي هو نفس أن لا يفعل إذ لا يبعد أن يكون مقصود الشارع أن لا يصدر منه الفواحش المنهي عنها وأن لا يقصد منه فعل ضده ليثيبه عليه، فإن الفوات على ما عرف لابد وأن يكون على فعل ولا يجوز أن يثاب على لا فعل.
احتج أبو هاشم: على صحة ما ادعاه بأن العقلاء يمدحون المنتهي على أنه لم يفعل المنهي عنه، وإن لم يخطر ببالهم فعل ضده، فلولا أن متعلق النهي هو نفس أن لا يفعل لما كان كذلك.
وجوابه: أنا لا نسلم أنهم يمدحونه على نفس أن لا يفعل من غير أن يخطر ببالهم فعل ضده من حيث الإجمال، وهذا لأنه لما لم يمكن تصور أن لا يفعل بدون تصور فعل العبد كان تصوره مستلزمًا لتصوره لا محالة.
نعم: قد لا يخطر بباله فعل ضده على التفصيل، لكن ذلك لا يقدح في الغرض.
стр. 1021
المسألة الرابعة
[النيابة في المأمور به]
اتفقوا على جواز دخول النيابة في المأمور به، إذا كان ماليًا وعلى وقوعه أيضًا، إذ اجمعوا على أنه يجوز للغني أن يصرف، زكاة ماله بنفسه، وأن يوكل فيه، وكيف لا. وصرف زكاة الأموال الظاهرة إلى الإمام، إما واجب، أو مندوب ومعلوم أنه لم يصرفها إلى الفقراء إلا بطريقة النيابة.
واختلفوا: في جواز دخولها فيه إذا كان بدنيًا.
فذهب أصحابنا إلى الجواز والوقوع معًا: محتجين بأنه لا يمتنع لنفسه.
стр. 1022
إذ لا يمتنع قول السيد لعبده: أمرتك بخياطة هذا الثوب، فإن خطه بنفسك أو استنبت في خياطته أثبتك، وإن تركت الأمرين فعاقبتك، والعلم بذلك ضروري.
وإذ لم يمتنع ذلك في الشاهد لم يمتنع أيضًا في الغائب، لأنهما لا يختلفان في ذلك.
والعلم بذلك ضروري أيضًا، وبطريق القياس عليه أيضًا، والجامع بينهما تحصيل المصلحة الحاصلة من نفس الفعل.
ولا لمنافاته معنى التكليف، إذ الكلفة حاصلة في الاستنابة أيضًا، كما هي حاصلة فيما يتعين على المكلف مباشرته، لأنها لا تحصل إلا ببذل عوض للنائب أو تحمل منه، لكن غايته أن الكلفة "فيما" تجوز فيه النيابة أقل وفيما لا يجوز ذلك أكثر، لكن ليس مناط التكليف حصول غاية الكلفة والمشقة، بل حصول أصل المشقة، وهو حاصل في الاستنابة.
ولا لمفسدة تنشأ من الاستنابة لأنا نفرض الكلام فيما إذا لم تكن الاستنابة
стр. 1023
"منشأ للمفسدة، ولأنها منشأ للمصلحة، لأنها توسعة طريق حصول الفعل الذي هو" / (١٨٢/أ) منشأ المصلحة ووسيلة حصول المصلحة مصلحة، ولأن الأصل عدم كونها منشأ للمفسدة.
ولا يعارض بمثله، وهو أن يقال: الأصل عدم كونها منشأ للمصلحة فلا تشرع لما تقدم، ولأن شرعية الشيء لا تستدعي كونه منشأ للمصلحة، بل يكفي فيه أن لا يكون منشأ للمفسدة، وإلا لزم نفي شرعية المباح.
وإذا لم يمتنع لأحد ما ذكرنا من الأمور الثلاثة: وجب الحكم بجواز دخولها فيه، إما لأن أسباب الامتناع منحصرة فيما ذكرنا من الأمور الثلاثة للاستقراء، أو وإن لم تكن منحصر فيه، لكن الأصل عدم شيء آخر يوجبه.
واحتجوا: على الوقوع بما روى أن النبي ﵇ رأي شخصًا يحرم بالحج عن شبرمة فقال ﵇: "أحججت عن نفسك؟ "، فقال: لا، فقال له: "حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة"، وهو
стр. 1024
صريح في الباب.
ولقائل أن يقول: هذا لا يدل على وقوع دخول النيابة في المأمور به، إذا كان بدنيًا صرفًا، بل إنما يدل على ما هو بدني ومالي معًا كالحج، ولعل الخصم يجوز ذلك، فلا يكون دليلاً عليه.
стр. 1025
واحتج الخصم: بأن المقصود من إيجاب العبادات البدنية، ابتلاء العبد وامتحانه لما فيه من كسر النفس وقهرها، وتسويغ النيابة فيها يخل بهذا المقصود، فوجب أن لا تجوز النيابة فيها.
وجوابه: أنا لا نسلم أن تسويغ النيابة فيها يخل بمقصود الابتلاء والامتحان مطلقًا، وإنما يكون كذلك لو لم يكن في النيابة ابتلاء وامتحان، وهو ممنوع لما سبق.
نعم: تسويغها يخل بالابتلاء والامتحان الحاصل من المباشرة، لكن لا نسلم أن ذلك هو المناط للتكليف لا غير.
стр. 1026
" الفصل الرابع"
في المأمور
وفيه مسائل:
стр. 1027
"الفصل الرابع"
في المأمور
وفيه مسائل:
المسألة الأولى
[في شرط المأمور]
اتفق الكل حتى القائلون بجواز تكليف ما لا يطاق، على أنه يشترط في المأمور، أن يكون عاقلاً يفهم الخطاب، أو متمكنًا من فهمه.
لأن الأمر بالشيء يتضمن إعلام المأمور بأن الآمر طالب للمأمور به "منه" سواء كان حصوله منه ممكنًا أو لا يكون "كما" في تكليف ما لا يطاق.
وإعلام من لا عقل له ولا فهم متناقض، إذ يصير التقدير يا من لا فهم له افهم الخطاب، ويا من لا عقل له أعقل المأمور به.
فعلى هذا لا يجوز أمر الجماد والبهيمة، لعدم العقل والفهم، وعدم
стр. 1028
استعدادهما، ولا أمر المجنون والصبي أيضًا، لعدم العقل والفهم التأمين / (١٨٢/ب) وإن كانا مستعدين لهما، إلا على رأي من يجوز تكليف ما لا يطاق.
والدليل عليه وجهان: النص، والمعقول.
أما النص: فقوله ﵇: "رفع القلم عن ثلاثة" الحديث.
стр. 1029
وأما المعقول فهو أنه ما يشترط أصل العقل والفهم لصحة التكليف
стр. 1030
الذي هو موجود فيهما، لكن يشترط تمامها أيضًا، إذ به يتصور قصد امتثال أمر الله تعالى أو نهيه الذي هو شرط صحة الامتثال، المستدعى تعقل الامتثال والأمر والنهي [من] الله تعالى وأنه أمر ممتثل الطاعة وغير ذلك نحو معرفة صفات المأمور به، ومعلوم أن المجنون والصبي لاسيما غير المميز ليسا موصوفين بعقل، شأنه إدراك ما ذكرنا من الأمور، فلا يكونا مكلفين بشيء من التكاليف.
ووجوب الزكاة وبدل المتلفات والنفقات عليهما، بمعني أن الولي مخاطب
стр. 1031
بإخراجها من مالهما في حالة الصبي والمجنون، وأنهما مخاطبان بذلك بعد البلوغ، والإفاقة لو لم يتفق إلا خرج في حالة الصبي والمجنون لا يدل على أنهما مكلفان في حالة الصبي والمجنون، إذ لا يتوجه إليهما طلب في تينيك الحالتين أصلاً، والصبي المميز وإن كان مخاطبًا بالصلاة، ومضروبًا على تركها تأديبًا، لكن من جهة الولي لا من جهة الشارع.
لأنا لا نسلم: أن الأمر بالأمر بالشيء، حتى يلزم من كونه مأمورًا بالصلاة من جهة الولي، كونه مأمورًا بها من جهة الشارع للحديث المشهور، ولا يلزم من جواز كونه مخاطبًا من جهة الولي، جواز كونه مخاطبًا من جهة الشارع، لأنه يعرف الولي وخطابه ويخاف ضربه، فصار أهلاً لكونه مخاطبًا من جهته، ولا يعرف الشارع، ولا يعرف خطابه، ولا يخاف عقابه، إذ لا يعرف الآخرة فلا يجوز أن يكون أهلاً لخطابه.
стр. 1032
فإن قيل: كيف ألحقتم الصبي المميز بغير المميز في عدم كونه مكلفًا، لعدم العقل والفهم التام المدرك لتفاصيل الخطاب مطلقًا من غير فصل بين تبيين [ما] يصير بعده بالغًا بلحظة، وبين تبيين [ما] يصير بعده بالغًا بأمد بعيد يمكن أن يزيد العقل فيه.
ونحن نعلم بالضرورة أن مضى لحظة أو انفصال نطفة لا يزيد عقله.
قلنا: لا نسلم أن ما ذكرتم معلوم بالضرورة، وهذا لأن القاضي أبا بكر ﵀: خالف فيه، وزعم أن كونه غير مكلف قبل البلوغ ولو بلحظة، يدل على نقصان عقله.
وهو تصريح منه بأنه يجوز أن يزيد العقل ويكمل بلحظة / (١٨٣/أ)، ولو كان عدمه معلومًا بالضرورة، لما كان مختلفًا فيه.
стр. 1033
ولئن سلمنا: ذلك فنقول: السبب في ذلك هو أن زيادة العقل وكماله إلى حد يناط به التكليف أمر خفي لا يمكن الاطلاع عليه بغتة، لكونه يزيد على التدريج، وقد علم من عادة الشرع أنه يعلق الحكم على مظان الحكم لا على الحكم نفسه، والبلوغ مظنة كمال العقل، فلا جرم "علق" الشرع الحكم به، وإن كان قد يكمل بحيث يصلح أن يكون مناطًا للتكليف قبله.
وعلى هذا لا يجوز تكليف النائم في حالة النوم، لذهوله عن المأمور به، وعن شرائطه، ولعدم قصد الامتثال منه، بل هو بعدم جواز التكليف أولى من الصبي والمجنون، لفقده أصل الفهم دونهما.
ووجوب قضاء ما فاته من الصلاة والصيام في حالة النوم لا يدل على أنه مخاطب بهما في حالة النوم، لما عرفت أن القضاء يعتمد على وجود سبب الوجوب لا على الوجوب نفسه.
وإنما يجب عليه القضاء دونهما مع فقده أصل الفقد، لأن أمد زواله قريب، بخلاف الصبي والمجنون، لأنه يطول أمد زوالهما.
وعلى هذا لا يجوز تكليف الناسي أيضًا، لأنه ذاهل عما كلف به في حالة النسيان فيمتنع منه قصد الامتثال في المأمور به، على الوجه الذي أمر به.
стр. 1034
وأما ثبوت الأحكام الشرعية بمالهما كالزكاة، وبأفعالهما نحو وجوب بدل المتلفات، فذلك لا يدل على أنهما مخاطبان في حالة النوم، والنسيان، لأن المعني منه أنه يجب عليهما أداء تلك الحقوق بعد زوالهما.
وأما الجواب: عن وجوب قضاء الصلاة والصوم عليه فيما سبق في النائم.
وعلى هذا لا يجوز تكليف السكران الذي لا يعقل، لأنه أسوأ حالاً من النائم والصبي والمجنون.
стр. 1035
وما يجب عليه من قضاء العبادات والغرامات.
فجوابه: ما سبق.
وأما نفوذ طلاقه بعد تسليمه فذلك لا يدل على أنه مخاطب، لأنه من باب ربط الأحكام بالأسباب، وذلك قد يوجد بفعل غير المكلف، كوجوب الصلوات بزوال الشمس، ووجوب الصوم بطلوع الهلال.
فإن قلت: فقوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ بصراحته يدل على أنه مخاطب.
قلت: الآية مؤولة دفعًا للتعارض، فإن الأدلة الدالة على أنه لا يجوز خطابه غير قابلة للتأويل وأكد في تأويلها وجهان:
أحدهما: أنه خطاب مع من ظهرت منه مبادئ النشاط والطرب، وما زال عقله بالكلية / (١٨٣/ب) وإنما سماه سكرانًا مع أنه ليس كذلك في تلك الحالة، لأنه تؤول حاله على السكر في الأكثر، وتسمية الشيء باسم ما
стр. 1036
يؤول إليه مجاز مشهور.
فإن قلت: ما ذكرتم من التأويل، ينفيه قوله تعالى: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾ لأن المنتشي يعلم ما يقول.
قلت: الدليل الذي أوجب حمل السكران على المنتشي أوجب صرفه عن ظاهره أيضًا فقوله تعالى: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾ معناه - إن شاء الله تعالى: حتى يتكامل فهمكم، لأن المنتشي وإن كان أصل عقله باقيًا، لكن قد يتعذر عليه تصحيح مخارج الحروف وتمام الخشوع، وكمال العلم بما يقول: وهذا كما يقال للغضبان: اصبر حتى تعلم ما تقول، أي حتى يسكن غضبك فيكمل فهمك.
وأيضًا فإنه لا يشتغل بالصلاة إلا مثل هذا السكران، فإن الذي يكون كالمغشي عليه يمتنع منه الاشتغال بالصلاة، فيجب تنزيل النهي عليه، وحينئذ يتعين ما ذكرنا من التأويل.
وثانيهما: أن هذا خطاب وارد في ابتداء الإسلام قبل تحريم الخمر، وليس المراد منه المنع من الصلاة في حالة السكر، كما دل عليه ظاهر اللفظ، بل المراد منه: المنع من إفراط الشرب في وقت الصلاة، كما يقال: لا تقرب التهجد وأنت شبعان، معناه: لا تشبع في وقت التهجد فيثقل عليك التهجد.
стр. 1037
وإنما قلنا: إنه خطاب وارد قبل تحريم الخمر، لأنه لا يجوز أن يراد هذا المعني والخمر حرام، لأنه بمفهومه يدل على جواز إفراط الشرب في غير وقت الصلاة، وعلى جواز شربه فيه [من] غير إفراط.
المسألة الثانية
[في تعلق الأمر بالمعدوم]
المعدوم يجوز أن يكون مأمورًا عندنا
خلافًا للمعتزلة، وأكثر الطوائف.
стр. 1038
ثم لا نعني به أن المعدوم حال كونه معدومًا مأمور، ليقال: إن الصبي والمجنون والنائم، إذا لم يجز أن يكون مأمورًا لعدم الفهم التام، أو لعدم أصل الفهم مع أنه حاصل له، وإنما زال واستتر بعارض يزول عن قرب، كان المعدوم أولى بأن لا يجوز أن يكون مأمورًا، لعدم الوجود وتوابعه من الفعل والفهم، بل بمعني أنه يجوز أن يكون الأمر موجودًا في الحال، ثم إن المعدوم إذا وجد وتهيأ للفتهم التام يصير مأمورًا بذلك الأمر.
ويدل عليه وجوه:
أحدها: أن الولد يصير مأمورًا عند وجوده وتهيئه للفهم التام، بأوامر والده له المكتوبة عند موته بطريق الوصية، بدليل أنه يوصف بالطاعة عند امتثالها، وبالعصيان والعقوق عند مخالفتها، فلو لم يكن مأمورًا بتلك الأوامر لما كان كذلك.
وثانيها: أن الواحد منا يصير مأمورًا بأمر النبي ﵇، مع أن ذلك الأمر ما كان موجودًا إلا حال عدمنا.
وثالثها: أنه ثبت قدم / (١٨٤/أ) كلامه تعالى في علم الكلام، فيكون أمره ونهيه أزليًا، ويلزم منه أمر المعدوم بالمعني الذي عيناه قطعًا.
стр. 1039
فإن قيل: لا نسلم أن الواحد منا يصير مأمورًا بعد موته ﵇، بأمره ﵇، الذي كان موجودًا قبلنا.
ولم لا يجوز أن يقال: إنه إنما يصير مأمورًا بأمر الله تعالى إياه عند وجوده وبلوغه؟، ويحمل أمر الرسول ﵇ على أنه إخبار عن أن الله تعالى، يأمر كل واحد من المكلفين عند وجوده وبلوغه بمدلول ذلك الأمر، وحينئذ لا يحصل المقصود.
سلمنا: ذلك لكن إنما جاز ذلك فيما ذكرتم من الصورتين، لأنه وجد هناك من سمع ذلك الأمر وبلغه إلينا، ولا يلزم من ذلك جواز أن يأمر الله تعالى عبيده في الأزل، لأنه لم يوجد هناك من سمع ذلك الأمر، فكان أمره عند ذاك عبثا وهو على الله تعالى محال.
سلمنا: جوازه أيضًا، لكن ما ذكرتم من الدليل معارض بدليل آخر، وهو: أن الأمر عبارة عن إلزام الفعل على المأمور، وذلك بدون وجوده عبث وسفه، ألا ترى أن من جلس في الدار وحده، وأخذ يأمر وينهي عد سفيهًا عابثًا تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.
قلنا: الجواب عن الأول: لا يجوز أن يجعل أمره ﵇ خبرًا عما ذكرتم.
أم أولاً: فلأن جعل الأمر خبرًا عن شيء ما باطل، لأنه يقتضي أن يتطرق التصديق والتكذيب إليه، وهو غير متطرق إليه وفاقا.
стр. 1040
وأما ثانيًا: فإنهم قسموا الكلام إلى أمر ونهي وخبر وغيرها من الأقسام، وذلك يدل على أن كل واحد منها غير الآخر، وغير داخل فيه.
وأما ثالثًا: فإنا لو جوزنا ذلك، فإنما يجوز فيما بينه وبين ما يجعل خبرًا عنه مناسبة، كما يقال: إن أمر الله تعالى أو أمر الرسول إخباره عن وقوع العقاب بتقدير ترك المأمور به، فإن استحقاق العقاب على تقدير الترك جزء من مفهوم المأمور به، فإن أن يجعل خبرًا عما لا مناسبة بينه وبين الأمر إلا على وجه بعيد لو أمكن فلا، وبتقدير تسليمه فالمقصود أيضًا [حاصل] لما ثبت أن كلامه تعالى قديم وكان أمره حاصلاً والمأمور معدومًا، وعن الأخيرين [أنه مبني على قاعدة التحسين والتقبيح وقد مر إبطالها.
ولئن سلم: لكن نقول: إنما يقبح تفريعًا عليه] الأوامر والنواهي الجازمة التي يقصد منها الامتثال في الحال، فأما التي يقصد منها امتثال من يوجد بعدها من المكلفين ويطلع عليها فلا، وهذا لأنه يقبح من العاقل أن يودع أوامر ونواهي في صحائف في خلوة أو برية ويتركها فيها، ويقصد بذلك امتثال من يوجد بعده ويظفر بها من أولاده وأولاد أصحابه وغيرهم، فكذا فيما نحن فيه حذو القذة بالقذة ولو أنكر حسنه كان ذلك منكرًا من القول وزورا / (١٨٤/ب).
فرع:
اختلفوا: في أن أمر المعدوم بالتفسير المتقدم.
стр. 1041
هل يسمى أمرًا وخطابًا مطلقًا أم لا؟
الحق أنه يسمى أمرًا، ولا يسمي خطا [با إلا إ] ذا وجد المأمور وسمع ذلك الآمر فاهمًا أو ممتثلاً له، بدليل أنه يحسن أن يقال: فيمن أوصى لمن سيوجد من أولاده "من" أمرته بأمر، أنه أمر أولاده بكذا وإن كان قبل وجودهم، ويحسن في الولد أن يقال: امتثل أمر والده بعد وجوده، ولا يحسن أن يقال قبل وجودهم خاطبهم بكذا.
المسألة الثالثة
[اشتراط القصد في إيقاع المأمور به]
المأمور يجب أن يقصد إيقاع المأمور به على وجه الطاعة، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾، وقوله ﵇: "إنما الأعمال بالنيات".
ومنهم من استدل عليه بالإجماع.
стр. 1042
وهو ضعيف، إذ الإجماع غير منعقد على وجوب القصد على المأمور في إيقاع كل مأمور به، بل لو ثبت ذلك فإنما يثبت فيما هو قربة بنفسه دون ما ليس كذلك، كالوضوء والغسل، ولهذا اختلف في اشتراط القصد فيه ويستثني عنه شيئان:
أحدهما: أول ما يجب على العاقل وهو إما العلم بالله، أو النظر المعرف بحدوث العالم ووجود الصانع، أو القصد إليه على اختلاف فيه، لأن قصد إيقاعه طاعة قبل معرفة الموجب وإيجابه عليه محال.
وثانيهما: هذا القصد نفسه إذ هو مأمور به أيضًا في إيقاع كل مأمور به طاعة، فإنه لو افتقر إلى قصد آخر لزم التسلسل وهو محال.
المسألة الرابعة
[في تكليف المكره]
في أن الملجأ إلى الفعل، أو على الترك بسبب الإكراه، هل يجوز أن يؤمر به أو بضده أم لا؟.
والحق فيه أن يقال إنه انتهي بالإكراه إلى حد المضطرين، بحيث يصير
стр. 1043
نسبته إلى الفعل المكره عليه، كنسبة المرتعش إلى حركته، كان جواز التكليف به أو بضده، مخرجًا على الخلاف في جواز تكليف ما لا يطاق فإن جوزنا ذلك جاز التكليف به، وإلا فلا، لأن الفعل يصير واجب الوقوع ويصير عدمه ممتنعًا، والتكليف بالواجب والممتنع تكليف ما لا يطاق.
وهذا النوع من تكليف ما لا يطاق غير واقع.
فإن قيل: بوقوع غيره من أنواعه لقوله ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، فإن المراد منه: رفع المؤاخذة، وهو يستلزم رفع التكليف.
وإن لم ينته إليه، فالأمر به أو بضده جائز لوجوه:
стр. 1044
أحدها: أنه مختار فيه، فجاز أن يكلفه به كسائر المكلفين.
وثانيها: أن الإكراه حمل على الفعل بإيصال مكروه يقتضي العقل اجتنابه إلى المكره على الترك، وهو أشد مكروهًا في الظاهر من فعل المكره عليه / (١٨٥/أ) فامتياز المكره أمر المكره فيه حمل على مقتضي العقل، والنظر الصحيح، فإنه يفضي باحتمال أدنى الضررين، عندما لا مندوحة عن أحدهما، وذلك يدل على أنه مختار فيه.
وثالثها: أن أفعال المكره توصف بالوجوب، والحرمة، والإباحة بإجماع الفقهاء، فإنه إذا أكره بالقتل على شرب الخمر فإنه يجب عليه شربه.
وإذا أكره على قتل مسلم معصوم الدم ولو بالقتل فإنه يحرم عليه.
وإذا أكره على إجراء كلمة الكفر به فإنه يباح له ذلك.
وذلك يدل على أنه مكلف، وإلا لما وصف أفعاله بالأحكام الشرعية.
стр. 1045
والخصم إن قال بذلك فالاستدلال عليه بطريق الإلزام ظاهر، وإلا فهو محجوج بإجماع الفقهاء.
ورابعها: أن العقل، والبلوغ، والاستطاعة، التي هي شرط التكليف كانت موجودة في المكرة قبل الإكراه وهو لا ينافيها، بدليل مجامعتها معه.
وأما مجامعة الأولين معه فظاهر.
وأما الاستطاعة فكذلك:
أما أولاً: فلأن الكلام مفروض فيما إذا أمكنه فعله وتركه، إذ الإكراه لم ينته إلى حد الإلجاء.
وأما ثانيًا: فلأنه لو التزم المحذور الذي هدده به أمكنه تركه لا محالة، بخلاف الملجئ إلى الفعل بسببه، فإنه ليس له التمكن من الترك بوجه من الوجوه إذ الكلام مفروض فيما إذا صار فعله كحركة المرتعش.
وأيضًا لا خلاف بأنه مكلف بغير ذلك الفعل المكره عليه، ولو لم تكن شرائط صحة التكليف، حاصلة لما كان مكلفًا بغيره، إذ شرائط صحة التكليف لم تختلف بالنسبة إلى فعل دون فعل لاسيما بالنسبة إلى فرد دون فرد من نوع واحد، وإذا كانت الشرائط حاصلة ولا مانع يمنع المكلف من جهته عن التكليف وفاقا وجب القول بصحة التكليف لا محالة.
ولقائل أن يقول: الإكراه وإن لم يناف شرائط التكليف، لكن ينافي المعني المقصود من التكليف، وإذا كان كذلك امتنع التكليف معه ضرورة امتناع تحقق الشيء مع ما ينافي مقصوده.
وإنما قلنا: إن الإكراه ينافي المعني المقصود من التكليف، لأن المقصود من
стр. 1046
التكليف أن يوقع المكلف المكلف به على وجه يكون طاعة، بدليل أنه لو أوقعة لا على وجه الطاعة، كما إذا فعله لا عن قصد أو عن قصد لكن لا "على" قصد امتثال أمر الشارع، بل لغرض آخر نحو السمعة والرياء، فإنه لا يخرج عن العهدة ولا يثاب عليه، فإذا إنما يكون الفعل طاعة أن لو كان فعله لأجل أمر الشارع، وهو مع الإكراه متعذر.
لأن الباعث على الفعل في صورة الإكراه، إن كان هو قصد امتثال أمر الشارع لم يكن الإكراه على الفعل متحققًا في الحقيقة / (١٨٥/ب) وإن وجد صورة الإكراه، لأن الإكراه عبارة عن أن يحمل الشخص إما على فعل لا يريد أن يفعله، أو على فعل يريد أن لا يفعله وكل ذلك غير متصور فيما نريده، وإن كان الباعث هو قصد امتثال أمر المكره، ودفع أذاه لم يكن الفعل طاعة، لفقد شرطه.
فإذًا حيث يتحقق الإكراه حقيقة لا يمكن إيقاع الفعل طاعة، وحيث يمكن إيقاعه طاعة لا يتحقق الإكراه، فالإكراه ينافي كون الفعل طاعة، فينافي التكليف به لمنافاته للمعني المقصود منه.
стр. 1047
...................................................................................
стр. 1048
وأما الخاطيء فغير مكلف إجماعًا فيما هو مخطئ فيه لما تقدم من الحديث، وإن كان جواز تكليفه [به] مخرجا على جواز تكليف ما لا يطاق كما في الإكراه.
المسألة الخامسة
[فيما يصير به المأمور مأمورًا والفعل المأمور به مأمورًا به]
اختلفوا: في أن المأمور متى: يصير مأمورًا، والفعل المأمور به متى يصير مأمورًا به، فالذي يدل عليه صريح نقل الإمام، وبعض الآخرين، عن أصحابنا: هو أن المأمور إنما يصير مأمورًا حال التلبس بالفعل، لا قبله وليس قبله إلا الإعلام بأنه سيصير مأمورًا [في الزمان الثاني أعنى زمان الفعل، وعلى هذا يجب أن يكون الفعل المأمور به، إنما يصير
стр. 1049
مأمورًا] به عند حدوثه لا قبله، إذ لا يعقل أن يصير الفعل المأمور به مأمورًا به قبل الحدوث بدون أن يصير المأمور إذ ذاك، لكونهما متلازمين.
ونقل إمام الحرمين رحمه الله تعالى صريحًا أن مذهب أصحاب الشيخ: أن الفعل في حال حدوثه مأمور به، إذا ثبت الأمر فيه، وذكر في تعليله ما يدل على أنه ليس بمأمور به قبل حدوثه، وهذا هو الذي يقتضيه أصلهم: هو أن الاستطاعة عندهم مع الفعل لا قبله، لكن أصلهم الآخر: وهو جواز تكليف ما لا يطاق، يقتضي جواز الأمر بالفعل حقيقة قبل الاستطاعة.
فعلى هذا يكون المأمور مأمورًا قبل التلبس بالفعل، والمأمور به مأمورًا به قبل حدوثه، لكن لعلهم فرعوا هذا على استحالته، أو وإن قالوا: بجوازه لكنهم قالوا: ذلك بناء على عدم وقوعه.
ونقل الكل من المعتزلة: بأن الفعل إنما يصير مأمورًا به عندهم قبل حدوثه لا عنده، بل عنده ينقطع تعلق التكليف به، وهو اختيار إمام الحرمين.
стр. 1050
وعلى هذا المأمور إنما يصير مأمورًا عندهم قبل التلبس بالفعل لا عنده، وهو موافق لأصلهم، وهو أن الاستطاعة قبل الفعل، وأن تكليف ما لا يطاق غير جائز.
ونقل بعضهم: أن الناس اتفقوا على جواز كون الفعل مأمورًا به قبل حدوثه، سوى شذوذ من أصحابنا، وعلى امتناع كونه كذلك بعد حدوثه.
واختلفوا في جواز كونه كذلك وقت حدوثه فأثبته أصحابنا ونفاه المعتزلة.
وبه يشعر كلام الشيخ الغزالي - رحمه الله تعالى -.
فهذا صريح في أن الخلاف بين / (١٨٦/أ) معظم الأصحاب، وبين المعتزلة في المأمور، والمأمور به إنما هو في وقت التلبس والحدوث لا قبله، والنقل الأول، يقتضي تحققه فيهما، فبينهما تناقض.
ولا يجمع بينهما بأن يقال: إن الأول: تفريع منهم على استحالة تكليف ما لا يطاق، كما ذكرتم.
стр. 1051
والثاني: تفريع على جوازه، لأنه يقتضي جواز كون الفعل مأمورًا به بعد حدوثه، وهذا الناقل نقل امتناعه وفاقا.
ثم اعلم أن إمام الحرمين - رحمه الله تعالى - اعترض على ما نقل عن الأصحاب، وقال: لا ربط بين الأمر والقدرة عند الشيخ، فإن العبد مأمور عنده قبل القدرة.
وبه أوجب أيضًا أن تكون التكاليف بأسرها عند الشيخ رحمه الله تعالى تكاليف ما لا يطاق، على ما نقلنا: عنه في مسألة تكليف ما لا يطاق.
واعلم أنه لا ينبغي أن يظن بالشيخ أن يكون قد قال: إن العبد مأمور حقيقة قبل الفعل، والفعل لا يكون مأمورًا به إلا عند حدوثه حتى يكون اعتراض الإمام ردًا عليه، فإن ذلك تناقض بين لا يجوز على آحاد المخلصين فكيف على الشيخ وأمثاله، بل الظاهر أنه رد على الأصحاب أنهم كيف قالوا: إن الفعل إنما يصير مأمورًا به وقت حدوثه لا قبله.
ووجه الإنكار عليهم هو أنهم إن قالوا ذلك بناء على أن ذلك مذهبه، إما بطريق النص، بأن نص عليه، أو بطريق التخريج من قاعدة مذهبه والتفريع عليها، فإن من مذهبه أن الاستطاعة مع الفعل. فليس بسائغ:
أما الأول: فلما فيه من التناقض البين.
وأما الثاني: فلأنه لا ربط عنده بين الأمر والقدرة، فإن العبد مأمور حقيقة
стр. 1052
عنده قبل القدرة، لأنه مأمور بالفعل قبل التلبس، ويلزم منه أن يكون مأمورًا قبل القدرة، إذ الاستطاعة مع الفعل لا قبله.
وإن قالوا: ذلك من عند أنفسهم، فيلزم أن يكونوا قد خالفوا الشيخ، فإن العبد عنده مأمور قبل القدرة، وقبل الفعل، ويلزم منه قطعًا أن يكون الفعل مأمورًا به أيضًا قبل حدوثه.
فعلى هذا كون الفعل مأمورًا به وقت حدوثه لا غير، إنما هو مذهب الأصحاب لا مذهب الشيخ، وهو موافق للنقل الثاني من وجه.
واستدلال الإمام على صحة ما نقل عن الأصحاب: بأنه لو امتنع كون المأمور مأمورًا - حال حدوث الفعل - لامتنع كونه مأمورًا مطلقًا، لأن في الزمان الأول لو أمر بالفعل، لكان الفعل، إما أن يكون ممكنًا في ذلك الزمان أو لا يكون.
فإن كان الأول: فقد صار مأمورًا بالفعل حال إمكان وقوعه.
وإن كان الثاني: كان مأمورا بما لا قدرة له / (١٨٦/ب) عليه، وذلك عند الخصم محال.
وفيه نظر:
أما أولاً: فلأن الدعوى عامة والدليل خاص، فإن ما ذكره لو دل فإنما يدل على صحة كونه مأمورًا حال الحدوث لا على امتناع كونه كذلك قبله، كما هو مذهب الخصم، ومعلوم أنه لا يلزم من صحة الأول، امتناع الثاني، ولا يمكن التمسك بالإجماع على عدم الفصل بينهما، فإنه قد ذهب إليه لا
стр. 1053
محالة على ما دل عليه النقل الثاني، وإنما النزاع في أن الناس، هل أطبقوا على صحة كونه مأمورًا قبل الفعل أم لا؟.
وأما ثانيًا: فلأن قوله: لو أمر بالفعل في الزمان الأول، فالفعل إما [أن يكون] ممكنا في ذلك الزمان، أو لا يكون، فإن كان الأول فقد صار مأمورًا بالفعل حال إمكان وقوعه.
قلنا: لا نسلم ذلك، وهذا لأنه لا يلزم من كون الشيء ممكنًا في نفسه في وقت أن يكون وقوعه فيه ممكنًا، نحو أن يكون ممكنًا فيه بحسب نفسه، ولا يمكن وقوعه فيه لفقد شرط من شرائط وقوعه، نحو محاولة الفاعل إيجاده، أو لوجود مانع منه كالأزلية بالنسبة إلى وجود العالم، فإنه إذا ذاك "ليس" ممتنعًا في ذاته، وإلا لزم أن ينقلب الشيء من الامتناع إلى الإمكان، وهو محال بل كان ممكنًا في نفسه [فيه مع استحالة وجوده فيه، لما بين الأزلية والحدوث من المنافاة، ولا يقدح ذلك في إمكانه في نفسه] وإلا لاعتبر في كون الشيء ممكنًا في نفسه محاولة الفاعل إياه بالإيجاد.
وهو باطل، لأن محاولة الفاعل للفعل مشروط بشرط كونه ممكنًا في نفسه، فلو كان كونه ممكنًا في نفسه مشروطًا بالمحاولة لزم الدور، وهو محال.
[فإن] ورد في إمكان وقوعه في ذلك الزمان، بأن يقول: لو أمر بالفعل في الزمان الأول فالفعل إما أن يمكن وقوعه فيه، أو لا يمكن، فإن كان الأول، كان مأمورًا بالفعل حال إمكان وقوعه.
стр. 1054
قلنا: نعم، لكن ماذا يكون، وماذا يلزم منه؟.
واعلم أن الإمام - رحمه الله تعالى - ما ذكر على ذلك دليلاً، ويمكن أن يقرر ذلك بوجوه:
أحدها: أن كونه مأمورًا في وقت إمكان وقوع الفعل فيه يستلزم الخلف، لأنه يقتضي أن لا يكون مأمورًا فيه، لأن بتقدير وقوع الفعل فيه يلزم أن يكون مأمورًا قبله لا فيه، لأن عند الخصم يستحيل اجتماع وصف المأمور به مع وقوع الفعل في وقت فمهما وقع في وقت فإنه مأمور قبله لا فيه، فلو أمكن وقوع الفعل في الزمان الأول مع أن المكلف مأمور فيه "يلزم أن لا يكون مأمورًا فيه" وهو خلف.
وثانيها: أن القول: بإمكان وقوعه فيه يقتضي أن يكون / (١٨٧/أ) المكلف مأمورًا قبل أول وقت الأمر في الأمر المؤقت بوقت وقبل ورود الأمر في الأمر المطلق، لأن ذلك الزمان الأول لو فرضناه أول الوقت أو زمان ورود الأمر لزم ذلك، لأنه مأمور عند الخصم أبدًا قبل الفعل لا معه.
وثالثها: أن وقت إمكان وقوع الفعل، هو وقت تلبس الفاعل به، إذ لو أمكن وقوع الفعل في غير وقت تلبس الفاعل به، لزم وقوع الممكن لا عن فاعل، وهو محال ومستلزم المحال محال، فإمكان وقوع الفعل في غير وقت تلبس الفاعل به محال، فحينئذ يلزم أن يكون مأمورًا في وقت تلبسه بالفعل وهو المطلوب.
وإن كان الثاني: كان مأمورًا بما لا قدرة للمكلف عليه.
стр. 1055
قلنا: لا نسلم وهذا لأنه لا يلزم من عدم إمكان وقوع الشيء في وقت، أن يكون غير مقدور عليه مطلقًا للقادر، لجواز أن يكون ذلك لفقد شرط أو وجود مانع، وهو غير مناف للمقدورية في الجملة، نعم هو غير مقدور عليه في تلك الحالة مع ذلك الاعتبار، لأن وجود المشروط بدون الشرط ووجود الشيء مع وجود المانع منه محال، والمحال غير مقدور عليه، لكن لا نسلم أنه لا يجوز أن يتعلق التكليف بمثل هذا الفعل عند الخصم، ولا يخفى عليك سنده بعد الإحاطة بما تقدم في مسألة تكليف ما لا يطاق.
واحتج على المسألة بوجه آخر:
وهو أنه لا نزاع في أن الفعل في أول زمان حدوثه، مقدور، سواء قيل بتقدم الاستطاعة عليه، كما هو مذهب المعتزلة، أو بوجودها مع وجوده كما هو مذهب أصحابنا، وإذا كان كذلك أمكن تعليق التكليف به إذ لا يعتمد صحته إلا على الفهم والقدرة.
وفيه نظر. لأنه إن عني بقوله: إن الفعل في أول زمان حدوثه لمقدور بالاتفاق "مع" أنه تعلق به القدرة في حالة العدم وهو به يوجد ولا ينقطع عنه التعلق إلى أن يتم وجوده، فهذا مسلم لكن لا نسلم أن المقدور بهذا المعني يصح أن يتعلق به التكليف، وهذا لأن فعله إذ ذاك واجب عندنا ولا يتعلق التكليف بالواجب عندنا، بل إنما يتعلق بما يصح فعله وتركه. وإن عني به: أنه يصح فعله ويصح تركه، فممنوع.
следующие страницы →