← История

История · id 1657

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ط دنديس

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 075 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٦ - أبو المعالي المشرف بن المرجا المقدسي (ت ٨٣٨ هـ/ ١٤٣٤ م) (١): وقد اعتمد العليمي على كتابه فضائل القدس والشام (٢)، ونقل عنه في أكثر من موقع (٣). ٦ - كتب الأنساب والتراجم والطبقات: اعتمد العليمي على من سبقه في ترجمته للصحابة والتابعين، والعلماء والزهاد الذين زاروا أو أقاموا في بيت المقدس. ومن أصحاب التراجم الذين اعتمد عليهم: ١ - أبو الفرج عبد الرحمن بن علي المعروف بابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ/ ١٢٠٠ م) (٤): وله كتاب صفوة الصفوة، وهو مختصر لطبقات الأولياء، وفيه تراجم للصحابة والتابعين، وقد استفاد منه العليمي عندما تحدث عن الصحابة والتابعين الذين زاروا أو أقاموا في بيت المقدس (٥). ٢ - شمس الدين أحمد بن محمد بن خلكان (ت ٦٨١ هـ/ ١٢٨٢ م) (٦): صاحب كتاب وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، وقد استفاد العليمي من هذا الكتاب في الترجمة لبعض التابعين وكذلك بعض العلماء الذين زاروا أو أقاموا في بيت المقدس، وقد رجع العليمي لهذا المصدر عندما تحدث عن فتح بيت المقدس على يد صلاح الدين الأيوبي (٧). ٣ - تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي (ت ٧٧١ هـ/ ١٣٧٠ م) (٨): في كتابه طبقات الشافعية، وقد اعتمد العليمي على هذا الكتاب لدى ترجمته لعلماء بيت المقدس من الشافعية، وذكر هذا المصدر في أكثر من موقع (٩). _________ (١) ينظر: حاجي خليفة ٢/ ٢٥٦. (٢) ينظر: المصدر نفسه. (٣) ينظر: ص ٣٦٣، ٣٦٥، ٤٣١، ٤٥٦. (٤) ينظر: ابن خلكان ٣/ ١٤٠ - ١٤٢. (٥) ينظر: العليمي ٢/ ٢٦٢، ٣٠٢. (٦) ينظر: ابن خلكان ١/ ٥؛ السبكي ٥/ ١٤؛ ابن تغري بردي، النجوم ٥/ ٣٥٣؛ ابن العماد ٥/ ٣٧١. (٧) ينظر: ص ٥٠٦. (٨) ينظر: ابن حجر، الدرر ٢/ ٤٢٥ - ٤٢٩؛ حاجي خليفة ٢/ ١١٨. (٩) ينظر: العليمي ٤٥٧.

стр. 37

٧ - كتب الجغرافيا: لقد أشار الجغرافيون المسلمون إلى القدس والخليل، وإلى مكانتهما الدينية، وقد أخذ العليمي عمن سبقه من الجغرافيين. ومن هؤلاء الذين أشار إليهم: ١ - أبو الحسن علي بن أبي بكر الهروي (ت ٦١١ هـ/ ١١٦٢ م) (١): وقد اعتمد العليمي على كتابه الإشارات إلى معرفة الزيارات، خاصة في تحديده للأماكن في الشام حيث وصف الهروي زياراته لأضرحة الأولياء والمقامات والمساجد والمقدسات عموما، واحتوى الكتاب على بيانات تاريخية، وخصوصا عن بلاد الشام في زمن الفرنجة (٢). ٢ - محمد بن أحمد البناء المقدسي (ت ٣٨٠ هـ/ ٩٩٠ م) (٣): في كتابه البديع في تفصيل مملكة الإسلام (٤)، وقد أفاد منه في ذكر بعض المواقع الجغرافية مثل: قرية حبرى (٥). وبالإضافة لما سبق رجع العليمي إلى مصادر أخرى نقل عنها، ومن أصحاب هذه المصادر: علي بن أبي محمد الحسن المعروف بابن عساكر الدمشقي (ت ٦٦٥ هـ/ ١٢٦٧ م)، وله كتاب تاريخ دمشق، والقاضي عياض بن موسى بن عياض اليحصبي (ت ٥٤٤ هـ/ ١١٤٨ م) صاحب كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى، ويحيى بن شرف الدين النووي الدمشقي (ت ٦٧٦ هـ/ ١٢٧٧ م) في كتابه تهذيب الأسماء واللغات، وأبو حفص عمر بن محمد بن عبد الله السهروردي (ت ٥٦٣ هـ/ ١٢٣٤ م) في كتابه عوارف المعارف. [٣: ٣] نسخ المخطوط: اعتمدت في تحقيق القسم موضوع الأطروحة من كتاب الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل الذي بدأ من المقدمة وانتهى إلى الفتح الناصري الداودي لبيت المقدس على خمس نسخ مصورة أشرت إليها بالرموز أ، ب، ج، د، هـ، وهي كما يلي: _________ (١) ينظر: ابن خلكان ٣/ ٣٤٦؛ ابن العماد ٥/ ٤٩؛ البغدادي، هدية ٥/ ٥٦٥؛ العسلي، بيت المقدس ٥٦. (٢) ينظر: الهروي ٢٠٢. (٣) ينظر: ياقوت، معجم البلدان ٥/ ١٩٦؛ البغدادي، هدية ٦/ ٥١؛ الزركلي ٥/ ٣١٢. (٤) ينظر: البغدادي، هدية ٦/ ٥١. (٥) ينظر: ص ٨٠.

стр. 38

١ - نسخة الأصل أ: وهي نسخة محفوظة في مكتبة لندن تحت رقم (٨٥١٦ (B.L، وقد حصلت على صورة منها من مكتبة الأستاذ فهمي الأنصاري. تقع هذه النسخة في (١٧٦) ورقة من القطع المتوسط، ويبلغ عدد الأسطر في الصفحة الواحدة (٣٣) سطرا، ومتوسط عدد الكلمات في كل سطر يتراوح بين ١٧ - ٢٠ كلمة. وقد كتبت هذه النسخة بخط واضح مقروء، يغلب عليه الضبط والإتقان، ويظهر عنوان هذا المخطوط بشكل واضح على الصفحة الأولى. وكتبها أبو سعود الدقاق سنة (١١١٨ هـ/ ١٧٠٦ م). ومن هذه المميزات النسخية التي توفرت فيها، ومن مقارنتها مع النسخ الأخرى التي اعتمدت عليها في التحقيق تبين لي أنها أدق النسخ وأكثرها ضبطا، لذا اعتمدتها أصلا في تحقيق هذا الكتاب، وقد رمزت لهذه النسخة (أ).

стр. 39

الصفحة الأولى من المخطوط (أ)

стр. 40

الصفحة الأخيرة

стр. 41

٢ - نسخة ب: وقد حصلت على صورة منها أيضا من مكتبة الأستاذ فهمي الأنصاري، وقد كان أصلا للطبعة التي أصدرتها المطبعة الوهبية في مصر سنة (١٢٨٣ هـ/ ١٨٦٦ م)، وعن هذه الطبعة تمت طباعة طبعات عديدة هي: ١ - طبعة النجف الأشرف في العراق ضمن سلسلة مطبوعات المكتبة الحيدرية د. ت. ٢ - طبعة بيروت عام ١٩٧٢ م. ٣ - طبعة مكتبة المحتسب، عمان ١٩٧٣ م. ٤ - طبعة دار النهضة، بغداد ١٩٩٦ م. يبلغ عدد أوراق النص (٤٠٨) ورقة، ومتوسط عدد السطور (٢٥)، ومتوسط عدد الكلمات (١٣). وعلى الرغم من ضبط هذه النسخة وإتقانها ودقة كتابتها، إلا أننا نفتقد القدرة على الاستدلال على تاريخ هذه النسخة ومكان كتابتها، وناسخها.

стр. 42

الصفحة الأولى من النسخة (ب)

стр. 43

ص ٤٠٨ من المخطوط (ب)

стр. 44

٣ - نسخة ج: حصلت عليها من الأستاذ محمود كعابنة، والذي صورها عن نسخة في مركز الوثائق والمخطوطات التابع للجامعة الأردنية. وعنوان الكتاب واسم مؤلفه ظاهران على غلاف هذه النسخة بشكل واضح، وتاريخ هذه النسخة يعود إلى عام (١٠٢٢ هـ/ ١٦١٣ م)، ولم يتم تصنيفه أو فهرسته، ويبلغ عدد أوراقه (٢٠٨) ورقة، ومتوسط عدد الأسطر في كل ورقة (١٩) سطرا، ومتوسط عدد الكلمات في كل سطر (١٤) كلمة، ويعد أقدم النسخ التي اعتمدت عليها. وعلى الورقة الأولى تمليك نصه: «تشرف بتملكه العبد الفقير الشيخ حسام الدين الشهير زاده»، وخط هذه النسخة واضح ومقروء، ولكن لا يوجد تاريخ نسخ أو اسم ناسخ. وهذا المخطوط به نقص وخاصة في الصفحات الأخيرة منه.

стр. 45

الصفحة رقم (١) من مخطوط (ج)

стр. 46

ص ٢٠٨ من المخطوط (ج)

стр. 47

غلاف المخطوطة (ج)

стр. 48

٤ - نسخة د: وهي مصورة عن مخطوط موجود في الجامعة الأمريكية في بيروت، ويحمل الرقم (٤٦٣) وقد اعتمدت على صورة بالميكروفيلم موجودة في الجامعة الأردنية وتحمل رقم (٧٩٨). يبلغ عدد صفحات هذا المخطوط (٣٠٦) صفحات، وعدد السطور في كل صفحة (١٩) سطرا، ومتوسط عدد الكلمات (١٠) كلمات في السطر الواحد، ولا يوجد ذكر للناسخ. وهذه النسخة خطها غير واضح ولحقتها آثار الرطوبة والأرضة ويظهر ذلك بين ثنايا الصفحات، فكثير من الأسطر مطموسة، وكثير من الكلمات غير واضحة، وفي هذه النسخة تداخل في المواضيع، وذكر في نهاية هذه النسخة أن تاريخ تبييضها كان في يوم الثلاثاء ٩ شوال سنة (١٠٧٤ هـ/ ١٦٦٣ م).

стр. 49

الصفحة الأولى من النسخة (د)

стр. 50

الصفحة الأخيرة في النص

стр. 51

٥ - نسخة هـ: وهذه النسخة موجودة في مكتبة لندن تحمل الرقم (B.L. ٨٥١٧)، وقد حصلت على صورة عنها من مكتبة الأستاذ فهمي الأنصاري بالقدس، والذي حصل عليها من مكتبة لندن. يبلغ عدد أوراق هذا المخطوط (٤٢٩) صفحة، وتحتوي الصفحة على (٢٥) سطرا، ومتوسط الكلمات في كل سطر (١٧) كلمة. لم يذكر اسم الناسخ على هذا المخطوط، ويعود تاريخ نسخه إلى عام (١١٤٤ هـ/ ١٧٠٢ م) وهذا المخطوط خطه واضح ومقروء، وبعض الكلمات خلت من النقط والإعجام مثل كلمة: قال، وابن، وأبو.

стр. 52

بداية المخطوط (هـ)

стр. 53

ص ١٥٦ من المخطوط هـ، نهاية الفصل الأول

стр. 54

٥ - منهج التحقيق: ينحصر منهج تحقيق كتاب الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل للعليمي في النقاط التالية: ١ - بعد أن حصلت على النسخ السابق ذكرها لكتاب الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل محاولا التعرف على أدق النسخ وأكثرها ضبطا، فتبين لي بعد المقارنة أن أكثر هذه النسخ صحة هي نسخة مكتبة لندن ذات الرقم (. B.L ٨٥١٦)، والتي حصلت عليها من الأستاذ فهمي الأنصاري ورمز له ب (أ). وقد اتخذت من هذه النسخة أصلا وذلك لأنها كاملة، وحالتها جيدة وخطها واضح، ويبدو أن ناسخها كان على علم بما يكتب، فجاءت قليلة التصحيف والتحريف، كبيرة الجودة والإتقان. ٢ - قمت بنسخ المخطوط (أ) بخط اليد، وبعد ذلك قارنت النسخ الأخرى على نسخة الأصل، وأثبت الفروق بين هذه النسخ في الهوامش، وقد أشرت إلى هوامش مقارنة المخطوطة بالخط الأسود الداكن. ورمزت لكل مخطوط بحرف أ، ب، ج، د، هـ. ٣ - أرجعت الآيات القرآنية إلى مصدرها مبينا سورها وأرقامها من الكتاب العزيز، وقد قمت بطباعة الآيات حسب الرسم القرآني مع التطبيع. ٤ - قمت بتخريج الأحاديث النبوية من مظانها الأصلية في كتب الحديث. ٥ - قمت بالترجمة للكثير من الأعلام الواردين في الكتاب ممن رأيت أنهم بحاجة إلى ترجمة وتعريف، وقد رجعت في ذلك إلى العشرات من كتب الأنساب والتاريخ والتراجم والطبقات. وفي بعض الأحيان قمت بالإشارة إلى المصادر التي ترجمت لهؤلاء الأعلام. ٦ - قمت بشرح بعض الألفاظ والمصطلحات اللغوية العربية منها والأجنبية مما رأيت أنه بحاجة إلى شرح أو تعليق، كما عرفت بالكثير من البلدان والمواقع الواردة في النص معتمدا في ذلك على المعاجم اللغوية والبلدانية. ٧ - اتبعت الرسم الإملائي الحديث في كثير من الكلمات مثل: إسحاق، إبراهيم، السماوات فإنها في المخطوط كتبت بهذا الشكل: (إسحق، إبراهيم، السموات). ٨ - أشرت في جوانب الصفحات إلى نهاية جانب كل صفحة في المخطوط، حيث قسمنا الصفحة إلى قسمين (أ) و (ب).

стр. 55

٩ - وحدت كلمتي الفرنج والإفرنج وجعلتهما كلغة المصادر التاريخية (الفرنج). ١٠ - قلبت الياء همزة في كثير من الكلمات، حيث كتبت بالمخطوط بالياء، وكان يجب أن تكتب بالهمزة مثل: (المنائر بدل المناير، والعزائم بدل العزايم، والضرائب بدل الضرايب). ١١ - أدخلت مختصر كلمة هجري - هـ - على السنوات في المخطوط لعدم وجوده ولضرورته. ١٢ - اعتمدت على المصادر التاريخية أحيانا كالطبري، وابن الأثير، والثعلبي، عند اختلاف النسخ، وأشرت إلى ذلك في هوامش المقارنات.

стр. 56

بسم الله الرحمن الرحيم (١) الحمد لله المتفضل على خلقه بفتح أبواب الرحمة، المحسن إلى أهل الملة الحنيفية (٢) بترادف الخير والرحمة (٣)، الذي يسر لمن اختاره دينه أسباب علو الهمة، وأنعم على عبيده سكان البيت المقدس (٤) بما منحهم من الإقامة به، وكشف عنهم الغمة، أحمده سبحانه على ما منّ به علينا من المجاورة للمسجد الأقصى (٥)، وأشكره على مننه التي كثرت فلا تعد ولا تحصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الفعال لما يريد، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي نصر به دينه وقمع كل جبار عنيد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين أيد الله بهم الإسلام، فمهدوا قواعد الدين من بعده وقاموا بنصرته أعظم قيام، صلاة وسلاما دائمين إلى أن نلقاه، إن شاء الله، بدار السلام. أما بعد (٦) فهذا مختصر استخرت الله تعالى في جمعه، وسألته المعونة لي بفضله في ترتيب وضعه، يتضمن تاريخ البيت المقدس الذي هو على التقوى مؤسس، وقصة السيد الجليل، سيدنا إبراهيم الخليل (٧)، وأبنائه السادة الكرام وغيرهم من الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام (٨)، عنّ لي أن أجمعه من كتب المتقدمين وأهذب ألفاظه من فوائد المؤرخين، وأذكر ما يتعلق ببيت المقدس من ابتداء أمره وبنائه، وما وقع من أخباره وأنبائه، من لدن سيدنا آدم، ﵇، إلى عصرنا هذا وهو أواخر (٩) عام تسعمائة من هجرة النبي المصطفى خير الأنام،

стр. 57

إلى ذلك نبذة من الحوادث والأخبار وتراجم الأعيان على وجه الاختصار، فاستعنت بالله سبحانه فيما قصدته، وتوكلت عليه في تيسير ما تصورته، وشرعت في ذلك طالبا من الله التوفيق والمنّ بالهداية لأقوم طريق، فأذكر أولا نبذة يسيرة من تفسير أول سورة الإسراء وأسماء (١) المسجد الأقصى وبيت المقدس وما ورد من الخلاف في ابتداء أمره، ثم أذكر (٢) أول ما خلق الله من مخلوقات إلى حين خلق آدم، وأذكر سيدنا آدم، ﵇، ومن بعده من الأنبياء إلى إبراهيم ونبذة يسيرة من أخبارهم. ثم أذكر قصة سيدنا إبراهيم الخليل (٣)، ﵇، ومولده ونبوته ونبذة من سيرته ومعجزاته وأولاده الكرام وهجرته وبناء الكعبة المشرفة وقصة الذبيح (٤) وشراء المغارة ووفاته وبناء السور السليماني المحيط بقبره وكونه صار مسجدا وذرعه طولا وعرضا، وأذكر صفة المسجد وما هو مشتمل عليه، وترتيب قبور الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام (٥)، ونبذة من أخبار السماط (٦) الكريم ونظامه، ثم أذكر (٧) ما بعد إبراهيم من الأنبياء إلى سيدنا موسى وأخيه هارون، ﵉، ثم أذكر (٨) السبب في ملك سيدنا داود، ﵇، ونبذة (٩) يسيرة من سيرته واهتمامه ببناء المسجد الأقصى الشريف بإذن الله تعالى، ثم أذكر عمارة سيدنا سليمان (١٠)، ﵇، لمدينة القدس الشريف (١١) والمسجد الأقصى وما كان عليه من الصفات التي من العجائب، ونبذة من سيرة سيدنا سليمان، ثم أذكر تخريبه على يد بخت

стр. 58

نصر (١) والسبب فيه، ثم أذكر عمارته الثانية (٢) على يد كورش (٣) ملك الفرس، [١/ أ] وأذكر من كان من الأنبياء من بعد سليمان إلى سيدنا يونس، ﵈، ثم أذكر (٤) سيدنا زكريا ويحيى وعيسى بن مريم، ﵈، ونزول المائدة على عيسى وصعوده إلى السماء ونبذة من سيرته، ثم أذكر خراب بيت المقدس الثاني على يد طيطوش (٥) وزوال دولة اليهود، ثم أذكر عمارته الثالثة. ثم أذكر سيد الأولين والآخرين، وحبيب رب العالمين، محمدا، ﷺ (٦)، ونبذة من سيره الشريفة وقصة المعراج وما وقع له ليلة الإسراء بالمسجد الأقصى الشريف، وهجرته وبناء مسجده (٧) الشريف، وتحويل القبلة من صخرة بيت المقدس إلى المسجد الحرام، ونبذة من أخبار وغزواته ووفاته، ﷺ ، ثم أذكر نبذة من فضائل المسجد الأقصى وما ورد فيه (٨)، ثم أذكر الفتح العمري الذي يسّره الله، ، على يد أمير المؤمنين (٩) عمر بن الخطاب، ﵁، وعمارته على يده (١٠)، ومن دخله من أعيان الصحابة واستوطنه، وأذكر المهدي الذي يكون آخر الزمان (١١) بالقدس، ثم أذكر بناء عبد الملك بن مروان لقبة الصخرة (١٢) والمسجد

стр. 59

الأقصى وما وقع في ذلك، وأذكر طرفا من أخبار عبد الله بن الزبير، ﵁، وما وقع له مع الحجاج بن يوسف بأمر عبد الملك وهدم الكعبة وبناءها مرة بعد أخرى (١)، ونبذة من أخبارها، وذرع المسجد الحرام طولا وعرضا وعدد أبوابه ومنائره (٢)، ثم أذكر جماعة من أعيان التابعين والعلماء والزهاد ممن دخل بيت المقدس زائر ومستوطنا قبل استيلاء الفرنج عليه، ثم أذكر تغلب الفرنج واستيلائهم على بيت المقدس بعد ذلك لضعف دولة الفاطميين وسوء تدبيرهم، ثم أذكر الفتح الصلاحي الذي يسّره الله تعالى على يد السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب (٣)، تغمده الله برحمته (٤) ورضي عنه، وما وقع له من الغزوات ونبذة من سيرته ووفاته، ثم أذكر ما وقع بعده من تسليم القدس للفرنج وانتزاعه منهم مرة بعد أخرى لوقوع الخلف بين ملوك بني أيوب. ثم أذكر (٥) صفة المسجد الأقصى وما هو عليه في عصرنا وذرعه طولا وعرضا وكذلك صحن الصخرة الشريفة وارتفاع القبة، ثم أذكر غالب ما في بيت المقدس من المدارس والمشاهد مما هو مجاور (٦) سور المسجد الأقصى وغيره، وأسماء من عرفته من الواقفين للمدارس وما اطلعت عليه من تواريخ أوقافهم، ثم أذكر ما بظاهر بيت المقدس من عين سلوان (٧) وعين المقذوفات (٨)، وبئر أيوب (٩) وطور زيتا (١٠) (١١) وقبر مريم (١٢)، والساهرة (١٣) وبيت

стр. 60

لحم (١) ورملة فلسطين (٢) واللد (٣) وغيرها (٤). ثم أذكر نبذة من أخبار مدينة سيدنا (٥) الخليل، ﵇، وما فيها وما حولها مما اشتهر من المشاهد والأماكن المقصودة للزيارة، وأذكر الإقطاع التميمي، ثم أذكر جماعة من أعيان ملوك الإسلام ممن تولى على بيت المقدس وبلد سيدنا الخليل، ﵇، وفعل فيهما الخير من أنواع البر والعمارة، ثم أذكر ما تيسر من أعيان علماء البلدتين من المذاهب الأربعة ومن ولي فيهما من المناصب الحكمية والوظائف الدينية، ومن عرف (٦) بالزهد والصلاح، وأذكر في تراجمهم (٧) نبذة مما اطلعت عليه من الحوادث والأخبار مما لا يخلو من فائدة، إن شاء الله تعالى، ثم أذكر (٨) ختم الكتاب بذكر ترجمة ملك العصر والزمان وهو (٩) مولانا السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباي (١٠)، نصره الله تعالى، وأذكر (١١) مدرسته الشريفة فإنها (١٢) من محاسن بيت المقدس لا سيما كونها بالمسجد الأقصى الشريف، وهي آخر مدرسة بنيت فيه، وأذكر ابتداء ولايته السلطنة، وأحوال بيت المقدس وبلد سيدنا الخليل (١٣)، ﵇، في أيامه، وسبب بناء مدرسته وتولية مشيختها

стр. 61

لشيخ الإسلام كمال الدين (١) أبي المعالي محمد بن أبي شريف الشافعي (٢)، أدام [١/ ب] الله النفع بعلومه، وأذكر تاريخ مولده وأسماء مصنفاته وما تيسر من ترجمته، واجتهدت (٣) في إيجاز لفظ هذا الكتاب حسب الإمكان طلبا للاختصار. وسميته ب (الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل) وإذا منّ الله بإكماله كان تاريخا للقدس والخليل خاصة ولغيرهما عامة، فإنه يكون فيه تاريخ المساجد الثلاثة وغيرها، فالكعبة المشرفة ذكرها بالنسبة إلى ذكر قصة سيدنا الخليل، ﵊، ومسجد النبي، ﷺ ، ذكره بالنسبة لذكره (٤) الشريف، وغير ذلك من الحوادث بالنسبة لارتباط الأخبار بعضهما ببعض، وحين عزمي على جمعه لم أقصد ذلك وإنما قصدت ذكر ما يتعلق بالقدس والخليل فقط، فتأملت ما قصدت جمعه فرأيت الحال (٥) يتطرق إلى ذكر جميع ذلك لأمور لا تخفى على من تأمل، والله يعلم أني لم أقصد بذلك الفخر (٦)، ولا أن يقال إني من جملة المصنفين لعلمي بحقيقة حالي في التقصير وأن بضاعتي في العلم مزجاة، وإنما دعاني لذلك أن غالب بلاد الإسلام قد اعتنى بها الحفاظ وكتبوا ما يتعلق بتاريخها مما يفيد أخبارها الواقعة في الزمن السابق (٧). وبيت المقدس لم أطلع له على شيء من ذلك يختص به، وإنما ذكروا في التواريخ أشياء في أماكن متفرقة، ورأيت الأنفس متشوقة إلى شيء من هذا النمط الذي قصدت فعله، وإن بعض (٨) العلماء كتب شيئا يتعلق بالفضائل فقط، وبعضهم تعرض لذكر الفتح العمري وعمارة بني أمية، وبعضهم ذكر (٩) الفتح الصلاحي

стр. 62

واقتصر عليه ولم يذكر ما وقع بعده، وبعضهم ذكر (١) تاريخا تعرض فيه إلى ذكر بعض جماعة من أعيان بيت المقدس مما ليس فيه كبير فائدة، وأحببت (٢) أن أجمع بين ذكر البناء والفضائل والفتوحات وتراجم الأعيان، وذكر بعض الحوادث المشهورة ليكون تاريخا كاملا، والله سبحانه المسؤول وهو المأمول أن يمنّ عليّ بتيسير إتمامه، وكما وفقني لبدايته يعينني على إكماله وختامه، وأن ينفعني والمسلمين بما فيه، إنه قريب مجيب وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. نبذة يسيرة من تفسير أول سورة الإسراء وذكر أسماء المسجد الأقصى قال الله (٣) وهو أصدق القائلين في كتابه العزيز: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) (٤). قال المفسرون (٥)، ﵃ (٦): سبحان هي تنزيه الله تعالى من كل سوء ووصفه بالبراءة من كل نقص، وتكون سبحان بمعنى التعجب، أسرى بعبده ليلا أي سيره والعبد هو محمد، ﷺ ، لم يختلف في ذلك أحد من الأمة، من المسجد الحرام، يعني مكة إلى المسجد الأقصى، هو مسجد بيت القدس، الذي باركنا حوله، يعني بالأنهار والأشجار والثمار (٧). وعن ابن عباس (٨) في قوله تعالى: باركنا حوله فلسطين والأرض ويأتي ذكر فلسطين فيما بعد إن شاء الله تعالى، وأما الأردن فهو نهر الشريعة المذكور في قوله

стр. 63

تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ (١) وهو بضم الهمزة وسكون الراء وضم الدال المهملة وتشديد النون (٢). وقال أبو القاسم السهيلي (٣) قوله (٤): الذي باركنا حوله يعني الشام والشام بالسريانية الطيب سميت بذلك لطيبها وخصبها، وقيل: باركنا حوله (٥) بمقابر الأنبياء، وقبلتهم ومهبط الملائكة والوحي، وفيه يحشر الناس يوم القيامة، وسمي الأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام، وقيل: كان هذا أبعد مسجد عن أهل مكة في الأرض يعظم بالزيارة (٦)، وقيل: لبعده عن الأقذار والخبائث، وروي أنه سمي الأقصى لأنه وسط الدنيا لا يزيد شيئا ولا ينقص. وقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ (٣) (٧) (٨)، [٢/ أ] روي عن أبي هريرة (٩)، ﵁، قال: أقسم ربنا ﷻ بأربعة أشياء فقال: والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين. قال: التين طور سيناء مسجد دمشق، والزيتون طور زيتا مسجد بيت المقدس، وطور سينين حيث كلم الله موسى، ﵇، وهذا البلد الأمين جبل مكة. ومن أسماء بيت المقدس إيليا همزة مكسورة ثم ياء آخر الحروف ساكنة ثم لام مكسورة ثم ياء آخر الحروف ثم ألف ممدودة كسر ياء وحكى (١٠) فيها القصر ومعناه بيت الله المقدس، وبيت المقدس بفتح الميم وسكون القاف أي المكان

стр. 64

المطهر من بالذنوب واشتقاقه من القدس وهي الطهارة والبركة، فمعنى بيت المقدس المكان الذي يتطهر فيه من الذنوب ويقال: المرتفع المنزه عن الشرك، والبيت المقدس (١) بضم الميم وفتح الدال المشددة أي المطهر وتطهيره إخلاؤه من الأصنام، وبيت المقدس بضم الدال ومكونها لغتان، ومن أسماء بيت المقدس شلم بشين معجمة وتشديد اللام، ويروى بالمهملة وكسر اللام، ويروى شلم (٢) ومعناه بالعبرانية بيت السلام وصهيون بكسر الصاد المهملة، ويقال لمسجد بيت المقدس الزيتون ولا يقال له الحرم. وقد اختلف في أول من بنى مسجد بيت المقدس، قبل داود، ﵇، وروى (٣) بعض العلماء أن أول من بناه الملائكة بأمر الله تعالى، وقيل (٤) إن الذي بناه إسرافيل، ﵇، وقد روى المحدثون عن أبي ذر (٥)، ﵁، أنه قال: (قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أولا؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة، ثم أينما أدركتك الصلاة بعد (٦) فصل فإن الفضل فيه) (٧). وقد روي أن الملائكة بنوا المسجد الحرام قبل خلق آدم بألفي عام فكانوا يحجونه، قال الإمام أبو العباس القرطبي (٨): يجوز أن يكون بناه يعني مسجد بيت المقدس الملائكة بعد بنائها البيت الحرام (٩) بإذن الله تعالى، وظاهر (١٠) الحديث

стр. 65

يدل على ذلك، والله أعلم. ومن العلماء من قال: بنى مسجد بيت المقدس آدم، ﵇، ومنهم من قال: أسسه سام (١) بن نوح، ﵉، ومنهم من قال: أول من بناه وأري موضعه يعقوب بن إسحاق، ﵇ (٢)، وروي أن أباه إسحاق أمره أن لا ينكح امرأة من الكنعانيين وأمره أن ينكح من بنات خاله، فلما توجه إلى خاله لينكح ابنته أدركه الليل في بعض الطريق فبات متوسدا حجرا، فرأى فيما يرى النائم أن سلما منصوبا إلى باب من أبواب السماء والملائكة تعرج فيه وتنزل (٣) فأوحي إليه: أني أنا الله لا إله إلا أنا وقد ورثتك هذه الأرض المقدسة وذريتك من بعدك، ثم أنا معك أحفظك حتى أردك إلى هذا المكان فأجعله بيتا تعبدني فيه فهو بيت المقدس، وقد تأول بعض العلماء معنى الحديث الشريف الوارد أن بناء المسجد الأقصى كان بعد بناء المسجد الحرام بأربعين سنة على أن المراد به بناء يعقوب، ﵇، لمسجد بيت المقدس بعد بناء إبراهيم الخليل، ﵇، الكعبة المشرفة (٤)، والله أعلم. والحديث الشريف المتقدم وهذه الأقوال (٥) تدل على أن بناء داود وسليمان، ﵉، إياه إنما كان على أساس قديم لا أنهما المؤسسان له بل هما مجددان، وكل قول من الأقوال في المسجد الأقصى لا ينافي الآخر فإنه يحتمل أن يكون بناه الملائكة أولا ثم جدده آدم (٦)، ﵇، ثم سام بن نوح، ﵉، ثم يعقوب بن إسحاق، ﵉ (٧)، ثم داود وسليمان، ﵉، فإن كل نبي منهم بينه وبين النبي (٨) الآخر مدة تحتمل أن يجدد فيها البناء المتقدم قبله، والقول بأن سام بن نوح أسسه ظاهر، فإن سام بن نوح هو الذي اختط مدينة بيت المقدس (٩) وبناها، وكان ملكا عليها فلا يبعد أن يكون جدد أساس

стр. 66

المسجد (١) حين بنائه المدينة، ولكن يحمل على تجديده للبناء (٢) لا تأسيسه، والله أعلم. وأما مدينة القدس فكانت أرضها في ابتداء الزمان صحراء بين أودية وجبال وهي خالية لا أبنية فيها ولا عمران (٣)، فأول من بناها واختطها سام بن نوح، ﵉، وكان ملكا عليها وكان يلقب مليكيصادق (٤) بفتح الميم وسكون اللام وكسر الكاف وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الصاد المهملة وبعدها ألف، ثم دال مهملة مكسورة وبعدها قاف، ومعناه بالعبرانية ملك الصدق. ومما حكي في أمر بناء القدس في تواريخ الأمم السالفة أن مليكيصادق نزل بأرض بيت المقدس وقطن بكهف (٥) من جبالها يتعبد فيه واشتهر أمره حتى بلغ ملوك الأرض الذين هم بالقرب من أرض بيت المقدس وبالشام وسدوم (٦) وغيرها (٧)، وعدتهم اثنا عشر ملكا فحضروا إليه، فلما رأوه وسمعوا كلامه اعتقدوه وأحبوه حبا شديدا، ودفعوا له مالا ليعمر به مدينة القدس، فاختطها وعمرها وسميت يروشلم (٨)، وتقدم أن معناه بالعبرانية بيت السلام (٩)، فلما انتهت عمارتها اتفق الملوك كلهم أن يكون مليكيصادق ملكا عليها، وكنوه (١٠) بأبي الملوك، وكانوا بأجمعهم تحت طاعته واستمر حتى مات بها، وسيأتي (١١) ذكر مولده ووفاته عند ذكر والده نوح، إن شاء الله تعالى. ولما بنيت القدس (١٢) كان محل المسجد في وسطها وهو صعيد واحد والصخرة الشريفة قائمة في وسطه حتى بناه داود ثم سليمان، كما سنذكره إن شاء الله (١٣).

стр. 67

ذكر أول ما خلق الله قال ابن عباس، ﵄: أول ما خلق الله تعالى اللوح المحفوظ فحفظه بما كتب الله فيه مما كان ويكون لا يعلم ما فيه إلا الله ، وهو من درة بيضاء دفتاه (١) ياقوتتان حمراوتان، وهو في عظم لا يوصف. وخلق الله له قلما (٢) من جوهرة طولها مسيرة خمسمائة عام مشقوق السن ينبع منه النور كما ينبع من أقلام أهل الدنيا المداد، ثم نودي القلم أن اكتب فاضطرب من هول النداء حتى صار له ترجيع كترجيع الرعد ثم جرى في اللوح بما هو كائن (٣) وما هو فاعله في الوقت الذي يفعله إلى يوم القيامة وامتلأ (٤) اللوح وجف القلم سعد من سعد، وشقي من شقي. وخلق الله الماء ثم خلق، بعد ذلك درة بيضاء في عظم السموات والأرضين، ثم ناداها الرب سبحانه (٥)، فاضطربت وذابت من هول النداء حتى صارت ماء يموج (٦) بعضها في بعض، ثم نودي أن اسكن فاستقر وهو ماء صافر لا كدر فيه ولا موج ولا زبد (٧). خلق العرش والكرسي والريح ثم خلق الله تعالى العرش والكرسي من جوهرتين عظيمتين ووضعهما على تيار الماء قال الله تعالى (٨): ﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ (٩). قال ابن عباس (١٠)، ﵄: كل صانع بنى الأساس فإذا تم (١١) يتخذ عليه السقف، وإن الله تعالى خلق السقف أولا ثم خلق الأساس لأنه خلق العرش قبل السموات والأرضين، ثم خلق الله الريح وجعل لها أجنحة (١٢) لا يعلم كثرتها إلا

стр. 68

الله، وأمرها أن تحمل (١) هذا الماء، وكان العرش على الماء، والماء على الريح، ثم خلق الله حملة العرش وهم اليوم أربعة (٢)، فإذا كان يوم القيامة أمدهم الله بأربعة أخر (٣)، فذلك قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ (١٧) (٤) وهم في عظم لا يوصفون، ثم خلق الله حول العرش حية محدقة به رأسها من درة بيضاء وجسدها من ذهب وعيناها ياقوتتان لا يعلم عظم تلك الحية إلا الله تعالى، فالعرش عرش العظمة والكبرياء، والكرسي كرسي الجلالة والبهاء (٥)، لأن الله تعالى لا حاجة له إليهما فقد كان قبل تكوينهما لا على مكان. خلق الأرضين والجبال والبحار لما أراد الله خلق الأرضين أمر الريح أن تضرب الماء بعضه في بعض فلما اضطرب ازبدّ (٦) وارتفعت (٧) أمواجه وعلا بخاره، فأمر الله الزبد أن يجمد فصار يابسا (٨) فهو الأرض، فدحاها على وجه الماء في يومين، فذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (٩). ثم أمر تلك الأمواج فسكنت فهي الجبال فجعلها عماد الأرض، فذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ (١٠) (١١)، فلولاها لماجت الأرض وعروق هذه الجبال متصلة بعروق جبل قاف (١٢)، وهو الجبل المحيط (١٣) بالأرض، ثم خلق الله تعالى سبعة أبحر فأولها محيط بالأرض وراء جبل قاف وكل بحر منها محيط بالبحر الذي يقدمه (١٤).

стр. 69

وأما هذه البحار التي على وجه الأرض فإنها بمنزلة الخليج لها وفي تلك البحار من الخلائق والدواب ما لا يعلم عدده (١) إلا الله تعالى، وخلق الله (٢) هذه البحار وما فيها من الدواب في اليوم الثالث، ثم خلق أرزاقها وقدرها في اليوم الرابع فذلك (٣) قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ (١٠) (٤) وهي سبع (٥) أرضين كل أرض تلي الأخرى، وكانت الأرض تموج بأهلها كالسفينة تذهب وتجيء لأنه لم يكن لها قرار، فأهبط الله ملكا ذا بهاء عظيم (٦) وقوة، فأمره (٧) الله أن يدخل تحتها فيحملها على منكبه فأخرج الله له يدا في المغرب ويدا في المشرق، وقبض على أطراف الأرض فأمسكها (٨)، ثم لم يكن لقدميه قرار فخلق الله له صخرة مرتفعة من ياقوتة خضراء وأمرها حتى دخلت تحت قدمي (٩) الملك فاستقرت قدما الملك عليها، ثم لم يكن للصخرة قرار فخلق الله لها نورا عظيما صفته لا يحيط بها إلا الله تعالى لعظمها (١٠)، وأمره أن يدخل تحت الصخرة فحملها على ظهره وقرونه، ثم لم يكن للثور قرار فخلق الله له (١١) حوتا عظيما لا يقدر أحد أن ينظر إليه لعظمه، ولبروق عينيه، وأمره الله تعالى (١٢) أن يصير تحت قوائم الثور واسم هذا الحوت بهموت، ثم جعل قراره على الماء وتحت الماء هواء (١٣) وتحت الهواء الظلمة، فالأرضون (١٤) كلها على منكبي الملك والملك على الصخرة والصخرة على الثور والثور على الحوت

стр. 70

والحوت على الماء والماء على الهواء والهواء على الظلمة، ثم انقطع علم الخلائق، بما تحت الظلمة. العقل ثم خلق الله (١) العقل فقال له أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر، ثمّ قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحب إليّ منك، بك آخذ وبك أعطي وعليك أثيب وبك أعاقب. وروي عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «العاقل هو الصادق الطويل صمته الذي يسلم الناس من شره فإن الله تعالى (٢) يدخله الجنة وإن الله تعالى ليعاقب العاقل (٣) يوم القيامة بما لا يعاقب به الجاهل وإن الجاهل هو الكاذب بلسانه الخائض فيما لا يعنيه، وإن كان قارئا أو كاتبا»، ثم قال: «ما تزين العبد بزينة أحسن من العقل وما من شيء أقبح من الجهل» (٤). فالعقل ما يحصل به التمييز وهو بعض العلوم الضرورية، وهو غريزة نص عليه الإمام أحمد، ﵁، والمشهور عنه: أنه في الدماغ وفاقا للحنفية، وعند أصحاب أحمد والشافعي والأطباء أن محله القلب وله اتصال بالدماغ. قال أصحاب أحمد: العقل يختلف فعقل بعض الناس أكثر. خلق الله السماوات وسكانها وصفات (٥) الملائكة وخلق الشمس والقمر قال ابن عباس، ﵄: أمر الله تعالى البخار الذي علا من الماء أن يعلو الهواء فخلق (٦) منه السماء في يومين، فكانت أرضا واحدة في يومين، وسماء واحدة في يومين، وما بينهما (٧) في ستة أيام، ثم تفتقت السماء والأرض خوفا من ربها فصارت سبع سماوات وسبع أرضين فذلك قوله تعالى: ﴿أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ﴾

стр. 71

﴿كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما﴾ (١) (٢)، ثم قال: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها﴾ (٣) (٤). فالسماء الأولى (٥) من زبرجدة خضراء وسكانها ملائكة على صور البقر. والثانية (٦) من ياقوتة حمراء وسكانها ملائكة على صور العقاب. والثالثة (٧) من ياقوتة صفراء وسكانها ملائكة على صور النسور. والرابعة (٨) من فضة بيضاء سكانها ملائكة على صور الخيل. والخامسة (٩) من ذهب وسكانها ملائكة على صور الحور العين. والسادسة (١٠) من درة بيضاء وسكانها ملائكة على صفة الولدان. والسابعة (١١) من نور يتلألأ وسكانها ملائكة على صور بني آدم. وهؤلاء الملائكة لا يفترون عن التسبيح، فذلك قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ (٢٠) (١٢) فأفضل الملائكة جبريل (١٣)، وهو الروح الأمين له ستة أجنحة في كل جناح مائة جناح وله وراء ذلك جناحان أخضران ينشرهما ليلة القدر وجناحان ينشرهما عند هلاك القرى والأجنحة كلها من أنواع الجواهر. وإسرافيل (١٤) ملك عظيم الشأن له أربعة أجنحة، جناح يسدّ به المشرق،

стр. 72

وجناح يسد به المغرب، والثالث يسد به ما بين السماء والأرض، والرابع قد التئم (١) به قدماه تحت الأرض السابعة السفلى ورأسه قد انتهى إلى أركان قوائم العرش وبين عينيه لوح من جوهرة، فإذا أراد الله أن يحدث في عباده أمرا أمر القلم أن يخط في اللوح، ثم يدلي اللوح إلى إسرافيل فيكون بين عينيه، ثم ينتهي الوحي إلى جبريل (٢)، وهو أقرب من إسرافيل. ومن وراء البيت المعمور ملائكة لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، وفي السماء السابعة البحر المسجور. وأما ملك الموت عزرائيل فسكنه في السماء الدنيا (٣)، وقد خلق الله له عيونا بعدد من يذوق طعم الموت (٤)، رجلان في تخوم الأرضين ورأسه في السماء العليا عند آخر الحجب ووجهه مقابل للوح المحفوظ وهو ينظر إليه وكل الخلق بين عينيه ولا يقبض روح مخلوق إلا بعد أن يستوفي رزقه (٥) وينقضي أجله (٦). الشمس والقمر (٧) ثم خلق الله الشمس والقمر، فالشمس من نور عرشه والقمر من نور حجابه الذي يليه وأثنى الله عليهما فقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ (٨)، ثم وكل بهما جمعا من الملائكة يرسلونهما بمقدار ويقبضونهما بمقدار (٩)، فذلك قوله

стр. 73

تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ (١)، فما نقص من أحدهما زاد في الآخر. وقال أهل التوراة (٢): ابتدأ الله في خلق الخلق (٣) في يوم الأحد وانتهى في السبت، فاستوى على العرش فيه، فاتخذوا السبت عيدا. وقال النصارى: وقع الابتداء في الاثنين والانتهاء في الأحد، ثم استوى على عرشه فيه (٤)، فاتخذوا الأحد عيدا. قال ابن عباس (٥): كان الابتداء في السبت والانتهاء الجمعة سيد الأيام وهو عند الله (٦) أعظم من يوم الفطر ويوم الأضحية وفيه ست فضائل: فيه خلق الله آدم (٧)، وفيه نفخ الروح فيه، وفيه تاب الله عليه، وفيه توفاه (٨)، وفيه ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا من الله إلا أعطاها إياه ما لم يسأل (٩) حراما، وفيه تقوم الساعة. الجنة والنار (١٠) وما فيهما ثم خلق الله الجنة وهي ثمان جنان (١١): أولها دار الجلال من اللؤلؤ الأبيض، ثم دار السلام (١٢) من الياقوت الأحمر، ثم جنة المأوى من الزبرجد (١٣) الأخضر، ثم جنة الخلد (١٤) من المرجان (١٥) الأصفر، ثم جنة النعيم من الفضة البيضاء، ثم

стр. 74

الفردوس (١) من الذهب، ثم دار القرار من المسك، ثم جنة عدن من الدر (٢). وهي مشرفة على الجنان لها بابان من الذهب (٣) بين كل مصراع كما بين [٤/ أ] السماء والأرض وبناؤها لبنة من ذهب ولبنة من فضة (٤)، بلاطها المسك، وترابها العنبر، وحشيشها الزعفران، وقصورها اللؤلؤ، وغرفها الياقوت، وأبوابها الجوهر، وفيها أنهار منها: نهر الرحمة ونهر الكوثر وهو لنبينا محمد، ﷺ (٥)، ونهر الكافور، ثم التسنيم، ثم السلسبيل، ثم الرحيق وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله (٦)، وللجنان ثمانية أبواب وفيها من الحور العين ما لا يقدر على وصف حسنهن (٧)، إلا الذي خلقهن. وأما جهنم فلها سبعة أبواب: فأولها (٨) جهنم، وثانيها لظى، والثالث الحطمة، والرابع السعير، والخامس سقر، والسادس الجحيم، والسابع الهاوية. ولها سبع طباق (٩)، وفيها أشجار من النار شوكها كأمثال الرماح الطوال تتلظى بالنيران عليها (١٠) ثمار من نار في كل ثمرة حية تأخذ بأجفان عيني (١١) الكافر وشفتيه تسقط لحمه إلى قدميه، وفيها عقارب وأسود وذئاب وكلاب من نار وزبانية بأيديهم مقامع من نار، وعليها تسعة عشر من الملائكة كما قال الله تعالى (١٢): ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ (٢٩) (١٣)، وقال تعالى: ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ (٦) (١٤).

стр. 75

ذكر الجن والجان (١) وما كان من ابتداء أمرهم وعبادة إبليس عن وهب (٢) (٣) قال (٤): خلق الله نار السموم وهي نار لا حر لها ولا دخان، ثم خلق الله منها الجان فذلك قوله (٥): ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ﴾ (٢٧) (٦)، قال: فخلقه الله خلقا عظيما وسماه مارجا (٧)، وخلق منه زوجه وسماها مرجة، فواقعها فولدت الجان، وولد للجان ولد فسماه الجن، فمنه تفرعت قبائل الجن ومنهم: إبليس اللعين وكان يلد من الجان، الذكر والأنثى، ومن الجن كذلك توأمين، فصاروا سبعين ألفا، وتوالدوا حتى بلغوا عدد الرمل، وتزوج (٨) إبليس امرأة من ولد الجان وكثر أولاده وانتشروا حتى امتلأت الأقطار منهم، وأسكن (٩) الله الجان في الهواء وإبليس وأولاده في سماء الدنيا وأمرهم بالعبادة والطاعة، وكانت السماء تفتخر على الأرض بأن الله رفعها وجعل فيها ما لم يكن في الأرض. فشكت الأرض إلى الله (١٠) الوحشة إذ ليس على ظهرها خلق يذكر الله فنوديت الأرض (١١): اسكني فإني خالق من أديمك صورة لا مثل لها في الجن، وأرزقها العقل واللسان، وأعلمها من علمي، وأنزل عليها من كلامي ما أملأ منه (١٢) بطنك وظهرك وشرقك وغربك على مزاج تربتك في الألوان والخيرية والشريّة فافتخري يا أرض على السماء بذلك. فاستقرت الأرض وهي مع ذلك بيضاء نقية كأنها الفضة
следующие страницы →