← История

История · id 1657

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ط دنديس

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 075 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

﴿كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما﴾ (١) (٢)، ثم قال: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها﴾ (٣) (٤). فالسماء الأولى (٥) من زبرجدة خضراء وسكانها ملائكة على صور البقر. والثانية (٦) من ياقوتة حمراء وسكانها ملائكة على صور العقاب. والثالثة (٧) من ياقوتة صفراء وسكانها ملائكة على صور النسور. والرابعة (٨) من فضة بيضاء سكانها ملائكة على صور الخيل. والخامسة (٩) من ذهب وسكانها ملائكة على صور الحور العين. والسادسة (١٠) من درة بيضاء وسكانها ملائكة على صفة الولدان. والسابعة (١١) من نور يتلألأ وسكانها ملائكة على صور بني آدم. وهؤلاء الملائكة لا يفترون عن التسبيح، فذلك قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ (٢٠) (١٢) فأفضل الملائكة جبريل (١٣)، وهو الروح الأمين له ستة أجنحة في كل جناح مائة جناح وله وراء ذلك جناحان أخضران ينشرهما ليلة القدر وجناحان ينشرهما عند هلاك القرى والأجنحة كلها من أنواع الجواهر. وإسرافيل (١٤) ملك عظيم الشأن له أربعة أجنحة، جناح يسدّ به المشرق،

стр. 72

وجناح يسد به المغرب، والثالث يسد به ما بين السماء والأرض، والرابع قد التئم (١) به قدماه تحت الأرض السابعة السفلى ورأسه قد انتهى إلى أركان قوائم العرش وبين عينيه لوح من جوهرة، فإذا أراد الله أن يحدث في عباده أمرا أمر القلم أن يخط في اللوح، ثم يدلي اللوح إلى إسرافيل فيكون بين عينيه، ثم ينتهي الوحي إلى جبريل (٢)، وهو أقرب من إسرافيل. ومن وراء البيت المعمور ملائكة لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، وفي السماء السابعة البحر المسجور. وأما ملك الموت عزرائيل فسكنه في السماء الدنيا (٣)، وقد خلق الله له عيونا بعدد من يذوق طعم الموت (٤)، رجلان في تخوم الأرضين ورأسه في السماء العليا عند آخر الحجب ووجهه مقابل للوح المحفوظ وهو ينظر إليه وكل الخلق بين عينيه ولا يقبض روح مخلوق إلا بعد أن يستوفي رزقه (٥) وينقضي أجله (٦). الشمس والقمر (٧) ثم خلق الله الشمس والقمر، فالشمس من نور عرشه والقمر من نور حجابه الذي يليه وأثنى الله عليهما فقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ (٨)، ثم وكل بهما جمعا من الملائكة يرسلونهما بمقدار ويقبضونهما بمقدار (٩)، فذلك قوله

стр. 73

تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ (١)، فما نقص من أحدهما زاد في الآخر. وقال أهل التوراة (٢): ابتدأ الله في خلق الخلق (٣) في يوم الأحد وانتهى في السبت، فاستوى على العرش فيه، فاتخذوا السبت عيدا. وقال النصارى: وقع الابتداء في الاثنين والانتهاء في الأحد، ثم استوى على عرشه فيه (٤)، فاتخذوا الأحد عيدا. قال ابن عباس (٥): كان الابتداء في السبت والانتهاء الجمعة سيد الأيام وهو عند الله (٦) أعظم من يوم الفطر ويوم الأضحية وفيه ست فضائل: فيه خلق الله آدم (٧)، وفيه نفخ الروح فيه، وفيه تاب الله عليه، وفيه توفاه (٨)، وفيه ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا من الله إلا أعطاها إياه ما لم يسأل (٩) حراما، وفيه تقوم الساعة. الجنة والنار (١٠) وما فيهما ثم خلق الله الجنة وهي ثمان جنان (١١): أولها دار الجلال من اللؤلؤ الأبيض، ثم دار السلام (١٢) من الياقوت الأحمر، ثم جنة المأوى من الزبرجد (١٣) الأخضر، ثم جنة الخلد (١٤) من المرجان (١٥) الأصفر، ثم جنة النعيم من الفضة البيضاء، ثم

стр. 74

الفردوس (١) من الذهب، ثم دار القرار من المسك، ثم جنة عدن من الدر (٢). وهي مشرفة على الجنان لها بابان من الذهب (٣) بين كل مصراع كما بين [٤/ أ] السماء والأرض وبناؤها لبنة من ذهب ولبنة من فضة (٤)، بلاطها المسك، وترابها العنبر، وحشيشها الزعفران، وقصورها اللؤلؤ، وغرفها الياقوت، وأبوابها الجوهر، وفيها أنهار منها: نهر الرحمة ونهر الكوثر وهو لنبينا محمد، ﷺ (٥)، ونهر الكافور، ثم التسنيم، ثم السلسبيل، ثم الرحيق وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله (٦)، وللجنان ثمانية أبواب وفيها من الحور العين ما لا يقدر على وصف حسنهن (٧)، إلا الذي خلقهن. وأما جهنم فلها سبعة أبواب: فأولها (٨) جهنم، وثانيها لظى، والثالث الحطمة، والرابع السعير، والخامس سقر، والسادس الجحيم، والسابع الهاوية. ولها سبع طباق (٩)، وفيها أشجار من النار شوكها كأمثال الرماح الطوال تتلظى بالنيران عليها (١٠) ثمار من نار في كل ثمرة حية تأخذ بأجفان عيني (١١) الكافر وشفتيه تسقط لحمه إلى قدميه، وفيها عقارب وأسود وذئاب وكلاب من نار وزبانية بأيديهم مقامع من نار، وعليها تسعة عشر من الملائكة كما قال الله تعالى (١٢): ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ (٢٩) (١٣)، وقال تعالى: ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ (٦) (١٤).

стр. 75

ذكر الجن والجان (١) وما كان من ابتداء أمرهم وعبادة إبليس عن وهب (٢) (٣) قال (٤): خلق الله نار السموم وهي نار لا حر لها ولا دخان، ثم خلق الله منها الجان فذلك قوله (٥): ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ﴾ (٢٧) (٦)، قال: فخلقه الله خلقا عظيما وسماه مارجا (٧)، وخلق منه زوجه وسماها مرجة، فواقعها فولدت الجان، وولد للجان ولد فسماه الجن، فمنه تفرعت قبائل الجن ومنهم: إبليس اللعين وكان يلد من الجان، الذكر والأنثى، ومن الجن كذلك توأمين، فصاروا سبعين ألفا، وتوالدوا حتى بلغوا عدد الرمل، وتزوج (٨) إبليس امرأة من ولد الجان وكثر أولاده وانتشروا حتى امتلأت الأقطار منهم، وأسكن (٩) الله الجان في الهواء وإبليس وأولاده في سماء الدنيا وأمرهم بالعبادة والطاعة، وكانت السماء تفتخر على الأرض بأن الله رفعها وجعل فيها ما لم يكن في الأرض. فشكت الأرض إلى الله (١٠) الوحشة إذ ليس على ظهرها خلق يذكر الله فنوديت الأرض (١١): اسكني فإني خالق من أديمك صورة لا مثل لها في الجن، وأرزقها العقل واللسان، وأعلمها من علمي، وأنزل عليها من كلامي ما أملأ منه (١٢) بطنك وظهرك وشرقك وغربك على مزاج تربتك في الألوان والخيرية والشريّة فافتخري يا أرض على السماء بذلك. فاستقرت الأرض وهي مع ذلك بيضاء نقية كأنها الفضة

стр. 76

البيضاء فأشرفت الجان على الأرض فقالت (١): ربنا أهبطنا إلى الأرض، فأذن الله لهم بذلك على أن يعبدوه ولا يعصوه، فأعطوه العهود على ذلك، ونزلوا وهم ألوف يعبدوا (٢) الله حق عبادته دهرا طويلا، ثم أخذوا في المعاصي وسفك الدماء حتى استغاثت الأرض منهم، وقالت: إن خلوي يا رب أحب إليّ من أن يكون على ظهري من يعصيك، فأوحى الله إليها أن اسكني فإني باعث إليهم رسلا (٣) (٤). قال كعب (٥) (٦): فأول نبي بعثه الله من الجان نبيا منهم يقال له عامر بن عمير ابن الجان فقتلوه، ثم صاعق (٧) بن ناعق بن مارد بن الجان، فقتلوه، حتى بعث (٨) الله إليهم ثمانمائة نبي في ثمانمائة سنة في كل سنة نبيا، وهم يقتلونهم، فلما كذبوا الرسل أوحى الله إلى أولاد الجن في السماء أن انزلوا إلى الأرض (٩) وقاتلوا من فيها من أولاد الجن وعليهم إبليس اللعين، وقاتلهم بمن كان معه حتى أجلوهم (١٠) إلى بقعة من الأرض، فاجتمعوا فيها، فأرسل الله عليهم نارا فأحرقتهم، وسكن إبليس الأرض مع الجن وعبد الله حق عبادته وكانت عبادة إبليس (١١) أكثر من عبادتهم ثم رفعه الله تعالى إلى سماء الدنيا لكثرة عبادته، فعبد الله فيها ألف سنة حتى سمي فيها العابد، ثم رفعه الله تعالى إلى السماء الثانية فعبد الله فيها ألف سنة، ثم رفعه إلى

стр. 77

الثالثة فعبد الله كذلك حتى رفع (١) إلى السماء السابعة فيقال: إنه كان يوم السبت في الأولى والأحد (٢) في الثانية حتى إذا كان يوم الجمعة يكون في السماء السابعة [٤/ ب] يعبد الله في كل سماء يوما. وكان إبليس، لعنه الله، بمنزلة عظيمة بحيث إذا مر به جبريل وميكائيل (٣) وغيرهما يقول بعضهم لبعض: لقد أعطى الله هذا العبد من القوة على طاعة ربه ما لم يعط أحدا (٤) من الملائكة. فلما كان بعد ذلك بدهر طويل أمر الله تعالى جبريل، ﵇، أن يهبط إلى الأرض ويقبض قبضة من شرقها وغربها ووعرها وسهلها ليخلق منها خلقا جديدا يجعله (٥) أفضل الخلائق، فعرف ذلك إبليس فهبط (٦) حتى وقف في وسط الأرض وقال لها: إني جئتك ناصحا، فقالت: وما نصحك يا زين العابدين وإمام الزاهدين؟ فقال لها: إن الله يريد أن يخلق منك خلقا يفضله على جميع خلقه وأخاف منه أن يعصيه فيعذبه وقد أرسل إليك (٧) جبريل فإذا جاءك فأقسمي عليه أن لا يقبض منك شيئا. فلما هبط جبريل (٨) نادته الأرض وقالت: يا جبريل بحق من أرسلك إليّ ألا (٩) تقبض مني شيئا فإني أخاف أن يخلق مني خلقا فيعصيه ذلك الخلق فيعذبه بالنار، فارتعد جبريل من هذا القسم، فرجع ولم يأخذ منها شيئا، فأخبر ربه (١٠) بذلك، فبعث الله ميكائيل ليأتيه بالقبضة، فكانت حالته كحالة جبريل، فبعث الله ملك الموت، فلما همّ أن يقبض ما أمره ربه، أقسمت (١١) عليه أيضا، فقال ملك الموت (١٢): وعزة ربي لا أعصيه أمرا، فقبض منها قبضة من جميع بقاعها عذبها

стр. 78

ومالحها وحلوها ومرها وطيبها وخبيثها، وكل ابن آدم مخلوق من تلك القبضة، فلما رجع ملك الموت بالقبضة وقف في موقفه أربعين عاما لا ينطق، ثم أتاه النداء: يا ملك الموت ما الذي صنعته؟ - وهو أعلم - فأخبره بقسمه وقسم الأرض عليه، قال (١): وعزتي وجلالي (٢) لأخلقن مما جئت به خلقا ولأسلطنّك على قبض روحه لقلة رحمتك به (٣)، فجعل نصف تلك القبضة في الجنة ونصفها في النار، ثم قال: أنا الله أقضي ولا يقضى عليّ (٤). ذكر آدم، ﵇ (٥) (٦) قال النبي، ﷺ : «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض منهم الأحمر، والأسود، والأبيض وبين ذلك (٧)، ومنهم السهل والحزن وبين ذلك» (٨)، وإنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض. وخلق (٩) الله تعالى جسد آدم وتركه أربعين ليلة وقيل: أربعين سنة ملقى بغير روح. وقال الله تعالى للملائكة: ﴿فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ (٧٢) (١٠) (١١)، فلما نفخ فيه الروح سجد الملائكة (١٢) كلهم أجمعون

стр. 79

﴿إِلاّ إِبْلِيسَ اِسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ (٧٤) (١)، ولم يسجد كبرا وبغيا (٢)، فأوقع الله تعالى على إبليس اللعنة والإياس من رحمته وجعله شيطانا رجيما وأخرجه من الجنة بعد أن كان ملكا على سماء الدنيا والأرض وخازنا من خزان (٣) الجنة. وأسكن الله (٤) آدم الجنة، ثم خلق الله من ضلع آدم حواء زوجته، وسميت حواء لأنها خلقت من شيء حي، فأوحى الله تعالى إليه: ﴿يا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (٣٥) (٥)، ثم إن إبليس (٦) أراد دخول الجنة ليوسوس لآدم وزوجته (٧)، فمنعه الخزنة، فعرض نفسه على دواب الأرض أن تحمله حتى يدخل الجنة ليكلم آدم وزوجته، فكل الدواب أبى ذلك (٨) غير الحية، فإنها أدخلته الجنة بين نابيها، وكان إذ ذاك على غير شكلها الآن. فلما أدخل (٩) إبليس الجنة وسوس لآدم وزوجته وحسن عندهما الأكل من الشجرة التي نهاهما الله (١٠) عنها وهي الحنطة في قول، وقرر عندهما بعد أن حلف لهما أنهما إن أكلا (١١) منها خلدا ولم يموتا،: ﴿فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ (١٢) أي ظهرت لهما عوراتهما وكانا لا يريان ذلك. فقال الله تعالى: ﴿قالَ اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ (١٣) (١٤) وهم: آدم وحواء وإبليس والحية وأهبطهم (١٥) الله من الجنة إلى الأرض، وسلب آدم وحواء كل ما كانا فيه من النعمة والكرامة، فهبط آدم بسر نديب (١٦) من أرض الهند على جبل يقال

стр. 80

[٥/ أ] له نود، وحواء (١) بجدة (٢) وإبليس بأيلة (٣)، والحية بأصفهان (٤)، فجعل كل واحد منهما يطلب صاحبه فاجتمعا بعرفات يوم عرفة، وتعارفا فسمي اليوم عرفة والموضع عرفات، وكان هبوط آدم من باب التوبة، وحواء من باب الرحمة، وإبليس من باب اللعنة، والحية من باب السخط، وكان في وقت العصر. وكان بين هبوط آدم والهجرة الشريفة الإسلامية (٥) ستة آلاف سنة ومائتان (٦) وستة عشر سنة على حكم التوراة اليونانية وهي المعتمدة عند المحققين من المؤرخين، وفي ذلك خلاف لا فائدة لذكره خشية الإطالة. وقد مضى من الهجرة الشريفة إلى عصرنا تسعمائة سنة كاملة فيكون الماضي من هبوط آدم إلى سنة تسعمائة من الهجرة الشريفة سبعة آلاف سنة وستة عشر سنة وهو المعتمد عند المؤرخين. ولما هبط آدم إلى الأرض كان له ولدان هابيل وقابيل، فقربا قربانا، فتقبل قربان هابيل (٧) دون قابيل فحسده على ذلك، وكان لقابيل أخت توأمته، وكانت أحسن من توأمة هابيل، وأراد آدم (٨) أن يزوج توأمة قابيل بهابيل وعكسه، فلم يطب لقابيل ذلك، ورأى قربان أخيه تقبل (٩) دون قربانه، فقتل أخاه (١٠) هابيل، وأخذ قابيل توأمة أخيه وهرب بها، وعاش آدم تسعمائة وثلاثين سنة باتفاق المؤرخين،

стр. 81

وكان آدم (١) رجلا طويلا، كأنه نخلة سحوق (٢)، كثير شعر الرأس، وقد بلغ عدد ولده (٣) وولد ولده لما توفي أربعين ألفا، ونزل عليه جبريل (٤)، ﵇، اثنتي عشرة مرة. وقد تقدم (٥) الخلاف في أنه أول من بنى مسجد بيت المقدس، وقد اختلف في دفنه فقيل: إن قبره في مغارة بين بيت المقدس ومسجد إبراهيم، ورجلاه عند الصخرة ورأسه عند مسجد إبراهيم، ﵇ (٦)، وعن ابن عمران (٧) (٨) قال: إن آدم، ﵇، رأسه عند الصخرة ورجلاه عند مسجد الخليل، ﵇، والخلاف في ذلك كثير. وبعد (٩) قتل هابيل ولد لآدم شيث، وهو وصي آدم، وتفسير شيث هبة الله، عاش تسعمائة سنة واثنتي (١٠) عشرة سنة، ومات لمضى ألف ومائة واثنتين (١١) وأربعين سنة لهبوط آدم، وإلى شيث تنتهي أنساب بني آدم كلهم. ثم ولد لشيث أنوش عاش تسعمائة (١٢) وخمسين سنة، ثم ولد لأنوش قينان عاش تسعمائة وعشرين سنة، ثم ولد (١٣) لقينان مهلاييل عاش ثمانمائة وخمسا

стр. 82

وتسعين سنة، ثم ولد لمهلاييل يود - بالدال المهملة - عاش تسعمائة واثنتين (١) وستين سنة، ثم ولد ليود خنوخ - بخاء ونون وواو وخاء معجمة - وهو إدريس (٢)، ﵇، وأدرك إدريس من حياة شيث جد جده عشرين سنة، ولما صار له من العمر ثلاثمائة (٣) وخمس وستون سنة رفعه الله إلى السماء، وكان قد نبأه الله وانكشفت له الأسرار السماوية ونزل عليه جبريل، ﵇، أربع مرات وله صحف: (منها): لا تروموا أن تحيطوا بالله خبرة فإنه أعظم وأعلم أن تدركه فطن المخلوقين إلا من أثره. ثم ولد لخنوخ (٤) متوشلح - بتاء مثناة من فوقها وآخره حاء مهملة -، عاش تسعمائة وتسعا وستين سنة، ثم ولد لمتوشلح لامخ، ولما صار له من العمر مائة وثمان وثمانين (٥) سنة ولد له نوح. ذكر نوح ﵇ (٦) اسمه عبد الغفار ولد بعد أن مضى ألف وستمائة واثنتان (٧) وأربعون سنة من هبوط آدم، ﵇، وكان بعد رفع إدريس (٨) بمائة وخمس وسبعين سنة، ويقال: إن دمشق كانت دار نوح، ﵇، وأرسله الله تعالى إلى قومه وكانوا أهل أوثان (٩)، فصار يدعوهم إلى طاعة الله وهم لا يلتفتون إليه وكانوا يخنقونه حتى يغشى عليه، فإذا أفاق قال (١٠): اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، وكانوا يضربونه حتى يظنوا أنه مات، فإذا أفاق اغتسل وأقبل عليهم يدعوهم (١١) إلى الله.

стр. 83

فلما طال ذلك شكاهم إلى الله تعالى فأوحى الله (١) أنه لن يؤمن لك من قومك إلاّ من قد آمن، فلما آيس منهم دعا عليهم فقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً﴾ (٢٦) (٢). فأوحى الله إليه أن اصنع السفينة فصنعها من خشب الساج، فلما أقبل على عمل الفلك وجعل يقطع الخشب ويضرب الحديد، وكان قومه يمرون عليه وهو في عمله ويسخرون (٣) منه ويقولون يا نوح قد صرت نجارا بعد النبوة ويضحكون (٤): ﴿قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإِنّا﴾ ﴿نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ - إذا عاينتم عذاب الله ﴿- كَما تَسْخَرُونَ﴾ (٣٨) (٥) (٦)، واتخذ السفينة وكان طولها [٥/ ب] ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعا وطولها في السماء ثلاثون (٧) ذراعا، وقيل غير ذلك. فلما فار التنور وكان هو الآية بين نوح وبين ربه حمل نوح من أمره الله بحمله من أهله وغيرهم سوى ولده كنعان فإنه كان كافرا، ثم أدخل في السفينة ما أمره الله به من الدواب، واختلف في موضع التنور فقيل: كان بالكوفة (٨)، وقيل: بالشام، وقيل غير ذلك. فلما دخل نوح ومن معه السفينة فتح الله، ، عيون الماء ففارت الأرض والتقت البحار (٩)، وأمطر الله من السماء، وارتفع الماء، وجعلت الفلك تجري بهم في موج كالجبال، وعلا الماء على رؤوس الجبال أربعين ذراعا فهلك (١٠) من على وجه الأرض، حيوان ونبات سوى عوج بن عناق - نسبة لأمه عناق بنت آدم - وهي أول من بغى (١١) وعمل الفجور، وعملت السحر، وجاهرت

стр. 84

بالمعاصي، وولدت عوجا (١) الجبار، ولم يغرقه الطوفان ولا بلغ بعض جسده، وطلب السفينة ليغرقها وكان طوله ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثلاثين ذراعا وثلث ذراع بالهاشمي (٢)، والذراع الهاشمي طوله قامة الرجل المعتدل القامة، وكان يحتجز بالسحاب ويشرب (٣) منه ويتناول الحوت من قرار البحر ويشويه في عين (٤) الشمس يرفعه إليها ثم يأكله (٥). وعاش ثلاثة آلاف سنة وعمر إلى زمان فرعون وقطع صخرة على قدر عسكر (٦) موسى، ﵇، ليطرحها عليهم وكان العسكر فرسخا (٧) في فرسخ، فأرسل الله طيرا فنقر تلك (٨) الصخرة فنزلت من رأسه إلى عنقه ومنعته الحركة، فوثب عليه موسى، وكانت (٩) وثبته عشرة أذرع وطوله مثل ذلك وطول عصاه مثل ذلك، ولم يلحق إلا (١٠) عرقوبه، فقتله وتركه بموضعه وردم عليه بالصخر والرمل فكان كالجبل العظيم في صحراء مصر، وقيل غير ذلك. وكان بين أن أرسل (١١) الله الماء في الطوفان وبين أن غاض ستة أشهر وعشر ليال وكان ركوب نوح في السفينة في مستهل شهر رجب، وقيل (١٢): لعشر ليال مضت من رجب وكان أيضا لعشر ليال خلت من آب، وخرج من السفينة يوم عاشوراء (١٣) من المحرم، وكان استقرار السفينة على الجودي (١٤) وهو جبل من أرض الموصل (١٥).

стр. 85

وقد ورد حديث أن السفينة طافت بالبيت الحرام أسبوعا (١)، ثم طافت ببيت المقدس أسبوعا، واستوت على الجودي، وروي أن السفينة سارت حتى بلغت بيت المقدس، فوقفت ونطقت بإذن الله تعالى وقالت: يا نوح هذا موضع بيت المقدس الذي يسكنه (٢) الأنبياء من أولادك، وكان الطوفان بعد هبوط آدم بألفي سنة ومائتين واثنتين وأربعين سنة، وكان لستمائة (٣) سنة مضت من عمر نوح، وبين الطوفان والهجرة الشريفة (٤) ثلاثة آلاف وتسعمائة وأربع (٥) وسبعون سنة، وقد مضى من الهجرة إلى عصرنا تسعمائة سنة كاملة، فيكون الماضي من الطوفان إلى سنة (٦) تسعمائة من الهجرة الشريفة (٧) أربع آلاف وثمانمائة وأربعا وسبعين سنة، والله أعلم. ولما مضت ثلاثمائة (٨) وخمسون سنة للطوفان توفي نوح، ﵇، وله من العمر (٩) تسعمائة وخمسون سنة، هكذا وقع في كلام المؤرخين أن نوحا عاش القدر المذكور فقط، وظاهر (١٠) الآية الشريفة يخالفه لأنه يدل على أنه لبث القدر المذكور في قومه بعد إرساله إليهم ينذرهم، وأن الطوفان وقع بعد ذلك، وقيل: إن عمر نوح ألف وأربعمائة وخمسون سنة (١١) وهو موافق للآية، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ (١٤) (١٢)، فظاهر (١٣) الآية الشريفة دل على أنه عاش أكثر مما ذكره المؤرخون، والله أعلم. ونزل عليه جبريل، ﵇، خمسين مرة وقبره بكرك نوح (١٤)، ومن

стр. 86

أولاده سام ولد قبل الطوفان بمائة سنة وعاش ستمائة سنة ووفاته بعد الطوفان بخمسمائة سنة وهو أبو العرب وفارس والروم، وكان هو القيم بعد نوح في الأرض [٦/ أ] ومن ولده (١) الأنبياء كلهم عربهم وعجمهم، وجعل الله في ذريته النبوة والكتاب ونزل بنوه سرّة الأرض، وهو الذي اختط مدينة القدس (٢) وأسس مسجدها، وكان ملكا عليها كما تقدم، وحام أبو السودان ويافث أبو الترك، ويأجوج ومأجوج والفرنج والقبط من ولد (٣) فوط بن حام. ولما خرج نوح من السفينة قسم الأرض بين أولاده الثلاثة فأعطى سام الحجاز واليمن والشام والجزيرة، وأعطى (٤) حام الغرب وأعطى يافث الشرق (٥)، وولد لسام أرفخشد عاش أربعمائة وخمسا وستين سنة، وولد لأرفخشد قينان عاش أربعمائة وثلاثين سنة، وولد لقينان شالح عاش أربعمائة سنة وستين سنة، وولد لشالح غابر عاش أربعمائة وأربعا وستين سنة، ثم ولد لغابر فالغ عاش ثلاثمائة وتسعا وثلاثين سنة، ثم ولد لفالغ رعون عاش ثلاثمائة وتسعا وثلاثين سنة، وعند مولد رعون تبلبلت الألسن وتقسمت الأرض وتفرقت (٦) بنو نوح وذلك لمضي ستمائة وسبعين سنة للطوفان، ثم ولد لرعون شاروع واسمه في التوراة (٧) سروج (٨) عاش ثلاثمائة وثلاثين سنة، ثم ولد لشارع ناحور عاش مائتين وثماني وستين سنة، ثم ولد لناحور ولد اسمه تارخ وهو آزر عاش مائتين وخمس سنين، وهو أبو إبراهيم الخليل، ﵇. ذكر هود وصالح ﵉ (٩) وهما نبيان أرسلا بعد نوح وقبل إبراهيم الخليل، وأرسل الله هودا (١٠) إلى

стр. 87

عاد، وكانوا أهل أصنام، وكان عاد وثمود جبارين طوال القامات (١)، ودعا (٢) هود قوم عاد فلم يؤمن منهم إلا القليل فأهلك الله الذين لم يؤمنوا بريح سخرها عليهم (٣) سبع ليال وثمانية أيام حسوما، والحسوم الدائم، فلم تدع غير هود والمؤمنين معه فإنهم اعتزلوا في حضرموت (٤)، وبقي هود (٥) كذلك حتى مات وقبره بحضر موت، وقيل: بالحجر من مكة، وقيل: إن هودا (٦) هو غابر، المتقدم ذكره، والذي صححه جماعة من أكابر العلماء أن هودا هو ابن عبد الله بن رباح، وليس هو غابر، والله أعلم. وروي (٧) أنه كان من عاد شخص اسمه لقمان وهو غير لقمان الحكيم الذي كان على عهد سيدنا داود، ﵇. وأما صالح: فهو ابن آسف (٨)، وأرسله الله تعالى إلى ثمود، فدعاهم إلى التوحيد، وكان مسكنهم بالحجر وهي مدينة بين المدينة الشريفة (٩) والشام فلم يؤمن به إلا قليل مستضعفون، ثم إن كفارهم عاهدوه على أنه إن أتى (١٠) بما يقترحونه عليه آمنوا، واقترحوا عليه أن يخرج من صخرة معينة ناقة فسأل الله (١١) في ذلك فخرج من تلك الصخرة ناقة ولدت فصيلا، فلم يؤمنوا وعقروا الناقة فأهلكهم الله تعالى بعد ثلاثة أيام بصيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة فتقطعت قلوبهم، فأصبحوا في دارهم جاثمين. وسار صالح إلى فلسطين، ثم انتقل إلى الحجاز يعبد الله إلى أن مات وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وورد أنه توفي بفلسطين (١٢)، وأقام بها بعد مهلك قومه،

стр. 88

ويقال: إن قبره بالمغارة التي بالجامع الأبيض بالرملة (١). ذكر قصة إبراهيم الخليل وأبنائه الكرام ﵈ (٢) أقول والله الموفق (٣): إبراهيم خليل الرحمن وأبو الأنبياء الكرام من أولي العزم من المرسلين، روي أنه أنزل الله تعالى (٤) عليه عشرة صحف كانت (٥) كلها أمثالا، وجعل له لسان صدق في الآخرين أي ثناء حسنا فليس أحد من الأمم إلا يحبه (٦)، وأكرمه الله تعالى بالخلة، وجعل أكثر الأنبياء من ذريته، وختم ذلك (٧) بسيد المرسلين محمد، ﷺ ، وشرف وكرم، وإبراهيم (٨) بن تارخ وهو آزر. ولما أراد الله (٩)، ، أن يبعث السيد إبراهيم، ﷺ ، حجة على قومه، ورسولا إلى عباده، رأى نمروذ (١٠) في منامه، كأن كوكبا قد طلع فذهب بضوء الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوء ففزع الملك (١١) فزعا شديدا وجمع السحرة والكهنة وسألهم عن ذلك فقالوا له: هو مولود يولد في ناحيتك هذه السنة، ويكون هلاكك وذهاب ملكك على يديه (١٢). ويقال إنهم وجدوا ذلك في كتب (١٣) الأنبياء، [٦/ ب] ﵈، وكانت الملوك الذين ملكوا الأرض أربعة (١٤): مؤمنان وهما: سليمان بن داود وذو القرنين، وكافران وهما: نمروذ وبخت نصر (١٥). فنمروذ هو ابن كنعان بن كوش بن سام بن نوح، وهو أول من وضع التاج

стр. 89

على رأسه وتجبر في الأرض، ودعا الناس إلى عبادته، فلما أخبر (١) نمروذ بذلك أمر بذبح كل غلام يولد في تلك الناحية تلك السنة، وأمر بعزل الرجال عن النساء، وجعل على كل حامل أمينا، وكانت (٢) الحامل إذا وضعت ولدها (٣) وكان ذكرا ذبحه، وقيل: بل حبس جميع الحوامل إلا ما كان من أم إبراهيم فإنه لم يعلم بحملها وعميت عنها الأبصار، وخرج نمروذ بجميع (٤) الرجال إلى المعسكر ونحاهم عن النساء كل ذلك تخوفا من ذلك المولود الذي أخبر به. وقيل: إن نمروذ لما خرج بعسكره بدت له حاجة في المدينة ولم (٥) يأمن عليها أحدا من قومه إلا (٦) آزر، وذلك قبل حمل أم إبراهيم، فبعث إلى آزر وأسرّ إليه (٧) حاجته وقال له: أما إني لم أبعثك إلا لثقتي بك فأقسمت عليك أن لا تدنو من أهلك، فقال آزر (٨): أنا أشح على ديني منك، ودخل آزر المدينة وقضى حاجته، ثم بدا له الدخول على أهله (٩) لرؤية حالهم وإصلاح شأنهم، ولما (١٠) دخل الدار واجتمع بأهله حكم عليه نفوذ الأقدار ونسي ما التزم به لنمروذ (١١) فواقع أهله واسمه يونا، وقيل غير ذلك، فحملت بإبراهيم، ﷺ ، فلما استقر (١٢) في بطنها تنكست الأصنام وظهر نجم إبراهيم، ﵇، وله طرفان: أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب، فلما رآه نمروذ (١٣) تحير وازداد خوفه. ولما تم حمل إبراهيم وجاء لأمه الطلق أرسل الله (١٤) إليها ملكا على

стр. 90

أجمل (١) صورة من بني آدم فأنسها وسكن خوفها وبشرها بولد يكون له شأن عظيم، فلما ثقل عليها الحال قال لها: انهضي معي (٢) فقامت معه وتبعته فتوجه بها حتى أدخلها غارا هناك معميّ عن الخلق (٣). فلما دخلت الغار وجدت فيه جميع ما تحتاج إليه (٤)، وخفف الله عنها الطلق فوضعت السيد إبراهيم، ﷺ (٥)، ليلة الجمعة، ليلة عاشوراء. وكان مولده لمضي ألف وإحدى وثمانين سنة من الطوفان، وكان الطوفان بعد هبوط آدم، ﵇، بألفين ومائتين واثنتين وأربعين سنة (٦)، وبين مولد إبراهيم الخليل، ﵇، والهجرة الشريفة النبوية، على صاحبها (٧)، أفضل الصلاة والسلام، ألفان وثمانمائة وثلاثا وتسعين سنة (٨) على اختيار المؤرخين، وقد مضى من الهجرة الشريفة إلى عامنا هذا تسعمائة سنة كاملة، فيكون الماضي من مولد سيدنا إبراهيم، ﵇، إلى آخر تسعمائة من الهجرة الشريفة ثلاث آلاف وسبعمائة وثلاثا وتسعين سنة، والاختلاف في ذلك كثير. فلما سقط إلى الأرض، نزل عليه جبريل، ﵇، وقطع سرته وأذن في أذنه وكساه ثوبا أبيض، ثم عاد بها (٩) الملك إلى منزلها (١٠)، وتركت ولدها في الغار. ولما طالت غيبة نمروذ عن أرضه (١١) عاد في تدبير ما أهمه، فبينما هو جالس يوما (١٢) على سريره إذ هو قد انتفض من تحته انتفاضا شديدا، وسمع (١٣) هاتفا

стр. 91

يقول: تعس من كفر بإله إبراهيم، فقال لآزر: هل سمعت ما سمعت؟ قال: نعم، قال: فمن إبراهيم؟ قال آزر: لا أعرفه، فأرسل للسحرة (١) والكهنة يدلونك عليه (٢) واسألهم عن إبراهيم، فلم يخبروه بشيء مع علمهم به، وكان ذلك في يوم ولادته، ثم توالت (٣) على نمروذ الهواتف ونطقت (٤) الوحوش والطيور مثل ذلك فكان نمروذ لا يمر بمكان إلا ويسمع قائلا يقول: تعس من كفر بإله إبراهيم (٥)، ثم إن نمروذ رأى رؤيا أخرى هالته، وذلك أنه رأى القمر قد طلع من ضلع (٦) آزر وبقي نوره كالعمود الممدود بين السماء والأرض، وسمع قائلا يقول: جاء الحق وزهق الباطل، ونظر (٧) إلى الأصنام وهي منكسة عن كراسيها فاستيقظ نمروذ فزعا، فقص رؤياه على آزر، فخاف آزر على نفسه منه وقال له: إنما ذلك لكثرة عبادتي لها. وكان نمروذا بليدا جبانا (٨)، فرضي بقول آزر وسكت ثم بدا له الدخول إلى البلد (٩)، فلما دخلها دخل آزر على الأصنام، وكان هو القيّم لها، فلما وقع [٧/ أ] نظره عليها، تساقطت عن كراسيها، فسجد آزر حين رأى ذلك، وأنطقها (١٠) الله تعالى وقالت: يا آزر جاء الحق وزهق الباطل، ووافى نمروذ ما كان يحذره فدخل آزر بيته، وكان (١١) قد توهم في زوجته أنها حامل، فلما رآها وهي نشيطة (١٢) سألها عن حالها فقالت: إن الذي كان ببطني لم يكن ولدا وإنما كان ريحا، وقد تصرف عني، فصدقها على ذلك، وألقى الله على (١٣) نمروذ النسيان لأمر إبراهيم، فكانت

стр. 92

أمه تتوجه إلى الغار (١) في كل ثلاثة أيام مرة ترى حاله (٢)، فتراه في أحسن هيئة، فتوجهت إليه مرة فرأت الوحوش والطيور على المغارة فخافت واضطربت، فظنت (٣) أن ولدها هالك، فلما دخلت عليه وجدته بنعمة وعافية (٤) وهو جالس على فراش من السندس (٥) وهو مدهون مكحول (٦)، فلما رأت ذلك منه ازدادت تعظيما له، وعلمت أن له شأنا عظيما، وأن له ربا يتولاه (٧) ووجدته يمص من أصابعه من أصبع ماء، ومن أصبع لبنا، ومن أصبع عسلا (٨)، ومن أصبع زبدا، ومن أصبع سمنا، صلوات الله وسلامه عليه، وكان يشب شبا (٩) لا يشبه الغلمان، يومه كالشهر وشهره كالسنة. ولم يمكث في الغار إلا (١٠) خمسة عشر شهرا، وتكلم فقال لأمه يوما: من ربي (١١)؟ قالت: أنا، قال: فمن ربك؟ قالت: أبوك، قال: فمن رب أبي؟ قالت: نمروذ، قال: فمن رب نمروذ (١٢)؟ قالت له: اسكت، فسكت، فرجعت (١٣) إلى زوجها، وقالت له: أرأيت الغلام الذي يتحدث به أنه بغير دين أهل الأرض؟ قال (١٤): لا، قالت: إنه ابنك، ثم أخبرته بأمره ومكانه، فأتاه أبوه ونظره وفرح به (١٥)، وقال له إبراهيم: يا أبتاه من ربي؟ قال: أمك، قال: فمن رب أمي؟ قال: أنا، قال: فمن ربك؟ قال: النمروذ (١٦)، قال: فمن رب النمروذ؟

стр. 93

فلطمه (١) وقال له: اسكت وذلك قوله تعالى: ﴿* وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾. (٢) ثم إن إبراهيم قال لأمه يوما: أخرجيني من الغار، فأخرجته عشيا (٣) فلما خرج نظر وتفكر في خلق السماوات والأرض ثم قال: إن الذي خلقني ورزقني ويطعمني ويسقيني لربي ما لي إله غيره، ثم نظر إلى السماء فرأى كوكبا (٤) قال: هذا ربي، ثم أتبعه بصره ينظر إليه حتى غاب فسأمه وقال: لا أحب الآفلين وهذا يدل على كمال عقله وعلمه إذ الآفل لا يجوز أن يكون إلها، ثم رأى القمر بازغا قال: هذا ربي وأتبعه (٥) بصره حتى غاب فسأمه (٦) ورجع لفكره متوجها إلى ربه وقال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضّالِّينَ﴾. (٧٧) (٧)، ومعنى قوله (٨)، ﷺ ، لئن لم يهدني ربي لأن الهداية (٩) والتوفيق بيده سبحانه، ثم طلعت الشمس فقال: هذا ربي، هذا أكبر فلما أفلت سئمها وتوجه إلى ربه بقلب سليم ووجه وجهه للحق والصدق (١٠) واليقين ونادى على قومه بالشرك المبين: ﴿قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ (٧٨)﴾ ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٧٩) (١١)، فنقله الله (١٢) من علم اليقين إلى عين اليقين، ثم إن أباه ضمه إليه فشب شبابا حسنا ولا زال (١٣)، ﷺ ، في جميع أحواله مجملا مكملا حتى أكرمه الله تعالى بما أكرم من الآيات البينات (١٤) والكرامات الباهرات ثم ألبس (١٥) حلة

стр. 94

الخلة، وجعله من أولي العزم من الرسل وجعله أبا الأنبياء وتاج الأصفياء، ونصرة أهل الأرض، وشرف أهل السماء. وكان مولده، ﵇ (١)، بكوثا من إقليم بابل من أرض العراق على أرجح الأقوال، وكان آزر أبو إبراهيم يصنع الأصنام ويعطيها لإبراهيم ليبيعها (٢)، فكان إبراهيم يقول: من يشتري ما يضره ولا ينفعه فلا يشتريها أحد فإذا بارت عليه ذهب (٣) إلى نهر فصوّب فيه رؤوسها وقال لها: اشربي استهزاء بقومه وبما هم فيه من الضلالة حتى فشا استهزاؤه بها في قومه وأهل (٤) قريته فحاجه قومه في دينه، قال لهم: أتحاجّوني في الله وقد هداني للتوحيد والحق ولا أخاف ما تشركون به؟ وذلك [٧/ ب] أنهم قالوا له (٥): احذر الأصنام فإنا نخاف أن تمسك بسوء من خبل أو جنون لعيبك (٦) إياها، فقال لهم: لا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما - أي أحاط علمه بكل شيء، أفلا تتذكرون. ثم لما أمر الله تعالى إبراهيم (٧) أن يدعو قومه إلى التوحيد دعا أباه فلم يجبه، ودعا قومه وفشا أمره واتصل بنمروذ (٨)، وهو ملك تلك البلاد، ثم جاهر (٩) إبراهيم قومه بالبراءة مما كانوا يعبدون وأظهر دينه وقال: ﴿قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ (٧٧) (١٠) (١١)، قالوا (١٢): فمن تعبد أنت؟ قال: رب العالمين، قالوا: ربنا النمروذ، قال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ ﴿(٧٩) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿(٨٢) رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ ﴿(٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ (٨٦)﴾ ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ﴾

стр. 95

﴿يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٨٩) (١). ففشى (٢) ذلك في الناس حتى بلغ الخبر إلى النمروذ فدعاه إليه فقال: يا إبراهيم أرأيت الذي (٣) بعثك وتدعو إلى عبادته وتذكر عظيم قدرته، ما هو؟ فقال له (٤) إبراهيم: هو ربي الذي يحيي ويميت، قال النمروذ: أنا أحيي وأميت، قال إبراهيم: كيف تحيي وتميت؟ قال: آخذ الرجلين (٥) قد استوجبا القتل في حكمي فأقتل أحدهما فأكون قد أمته ثم أعفو عن الآخر فأتركه فأكون قد أحييته، فانتقل (٦) إبراهيم إلى حجة أخرى أعجز فإن حجته كانت لازمه لأنه أراد بالإحياء، إحياء الميت فكان له أن يقول: فأحى من أمت إن كنت صادقا، فانتقل إلى حجة أخرى أوضح من الأولى فقال (٧): ﴿فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾. (٨) أي تحير واندهش وانقطعت حجته. ولما أراد إبراهيم، ﵇، أن يرى قومه ضعف الذي كانوا عليه (٩) وضعف الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله (١٠) وعجزها إلزاما للحجة عليهم، فجعل ينتظر لذلك فرصة إلى أن حضر عيدا (١١) لهم، وكان لهم في كل سنة عيد يخرجون إليه ويجتمعون فيه، فكانوا (١٢) إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام، فسجدوا لها ثم عادوا إلى منازلهم. فلما كان ذلك العيد قال (١٣) أبو إبراهيم: يا إبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا

стр. 96

أعجبك (١) ديننا، فخرج معهم فلما كان في بعض الطريق ألقى نفسه وقال: إني سقيم فقعد ومضوا وهو صريح، فلما مضوا نادى في آخرهم، وقد بقي ضعفاء الناس: ﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ (٥٧) (٢) فسمعوا منه (٣) ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة فإذا هم قد جعلوا طعاما فوضعوه بين يدي (٤) الآلهة وقالوا: إذا رجعنا وقد باركت الآلهة في طعامنا أكلنا (٥). فلما نظر إليها إبراهيم (٦)، ﷺ ، وإلى ما بين أيديها من الطعام قال لهم، على طريق الاستهزاء: ﴿فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾. (٩١) (٧)، فلما (٨) لم يجبه أحد قال (٩): ﴿ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ﴾ (٩٣) (١٠)، وجعل يكسرها (١١) بفأس في يده حتى إذا لم يبق إلا الصنم الأكبر علق الفأس في عنقه ثم خرج فذلك (١٢) قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾. (٥٨) (١٣). فلما رجع القوم من عيدهم إلى بيت آلهتهم (١٤) ورأوا أصنامهم جذاذا (١٥) إلا كبيرا لهم قالوا: ﴿قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾. (٥٩) (١٦) - أي المجرمين - قال الذين سمعوا قول (١٧) إبراهيم، ﵇، وتالله لأكيدن

стр. 97

أصنامكم (١): ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ - يعيبهم ويسبهم - ﴿يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ﴾ (٦٠) - وهو الذي نطق أنه صنع (٢) هذا، فبلغ ذلك نمروذ الجبار وأشراف قومه - ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النّاسِ﴾ (٣) - أي ظاهرا - ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ (٦١) (٤) عليه أنه الذي فعله، كرهوا أن يأخذوه بغير بينة، فلما أتوا به ﴿قالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (٦٢) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾ (٦٣) (٥) غضب من أن تعبدوا معه هؤلاء الصغار وهو أكبر منها (٦) فكسرهم وأراد إبراهيم، ﵇، بذلك إقامة الحجة عليهم، فذلك قوله: ﴿فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ (٦٣) (٧) حتى يخبروا من فعل ذلك بهم (٨). روي عن أبي (٩) هريرة، ﵁، أن رسول الله، ﷺ ، قال: «لم يكذب إبراهيم، ﷺ ، إلا ثلاث كذبات: كذبتان (١٠) منهن في ذات الله، ، قوله: أني سقيم، وقوله: بل فعله (١١) كبيرهم هذا، وقوله لسارة: هذه أختي» (١٢)، وليس هذا من باب الكذب الحقيقي الذي يلام (١٣) فاعله وإنما أطلق الكذب على هذا تجوزا، ويجوز أن يكون الله، (١٤)، أذن له في ذلك لقصد الصلاح وتوبيخهم والاحتجاج عليهم كما أذن ليوسف، ﵇، حيث أمر مناديه فقال لإخوته (١٥): ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ﴾. (٧٠) (١٦)، ولم يكونوا سرقوا فرجعوا إلى أنفسهم أي تفكروا بقلوبهم ورجعوا إلى عقولهم فقالوا: ما نراه إلا كما قال إنكم

стр. 98

أنتم الظالمون، يعني بعبادتكم من لا يتكلم ثم نكسوا على رؤوسهم أي ردوا إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم وقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾. (١) فكيف نسألهم؟. فلما اتجهت الحجة عليهم إلى إبراهيم (٢)، ﵇، ﴿قالَ أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً﴾ (٣) إن عبدتموه ولا يضركم إن تركتم عبادته ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ﴾ - أي نتنا وقذرا لكم - ﴿وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٤)، فلما ألزمتهم (٥) الحجة وعجزوا عن الجواب ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ (٦٨) (٦) (٧)، إن كنتم ناصرين. فلما جمع نمروذ قومه لإحراق إبراهيم، صلوات (٨) الله وسلامه عليه، حبسوه في بيت وبنوا بنيانا كالحظيرة (٩) قيل: طوله في السماء ثلاثون ذراعا وعرضه (١٠) عشرون ذراعا وملؤه من الحطب وأوقدوا فيه النار ليطرحوه (١١) فيها، فلم يطيقوا لشدة الحر أن يقربوها ولا علموا كيف يلقوه فيها فجاء إبليس وعلمهم عمل المنجنيق (١٢) فعملوه. ثم عمدوا إلى إبراهيم الخليل، ﵊، فرفعوه على رأس البنيان وقيدوه، ثم وضعوه في المنجنيق مقيدا مغلولا وألقوه في النار فكانت عليه بردا وسلاما. ولما أرادوا إلقاءه في النار أتاه خازن المياه فقال (١٣): إن أردت أخمدت النار، وأتاه (١٤) خازن الريح فقال: إن شئت طيرت النار في الهواء، فقال إبراهيم،

стр. 99

صلوات الله وسلامه عليه (١): لا حاجة لي إليكم، حسبي الله ونعم الوكيل. ولما ألقي في النار كان ابن ستة عشر سنة وقد مدحه الله في كتابه العزيز بقوله تعالى: ﴿* وَإِذِ اِبْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ (٢)، والكلمات التي ابتلاه الله بها من أجل شرائع (٣) الإسلام ومن أعز ما امتحن به أهل الإيمان، ولذلك مدحه الله، (٤)، بقوله: ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ (٣٧) (٥)، ومعنى التوفية هو الإتمام لما طولب (٦) به في دينه ونفسه وماله وولده، فأتم الجميع على الوجه المطلوب، ولما صنع له نمروذ (٧) المنجنيق وألقاه في النار ظهر تحقيق (٨) الابتلاء وصدق الولاء، وذلك أنه لما نزل به من عدوه، وأنزل ووضع في المنجنيق استغاثت الملائكة قائلة: يا رب هذا خليلك قد نزل به من عدوك ما أنت أعلم به، فقال الله تعالى لجبريل: اذهب إليه فإن استغاث بك (٩) فأغثه وإلا فاتركني وخليلي، فتعرض له جبريل وهو يقذف به في لجة الهواء إلى النار، وقال له: هل لك من حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فبلى، قال جبريل: فاسأل (١٠) ربك، فقال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بحالي. فلم يستنصر بغير الله ولا جنحت همته لما سوى الله بل استسلم لحكم الله (١١) مكتفيا تدبير الله، ، عن تدبير نفسه، فأثنى الله عليه بقوله تعالى: ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ (٣٧) (١٢)، ونجاه من النار (١٣)، وقال لها: ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ﴾ (١٤).

стр. 100

قال كعب الأحبار (١): جعل كل شيء يطفيء عنه النار إلا الوزغ (٢) فإنه كان ينفخ في النار، قال الثعلبي (٣) (٤): فلذلك أمر النبي، ﷺ ، بقتلها وسماها فويسقة. وعن علي (٥)، ﵁، أنه قال: إن البغال كانت تتناسل، وكانت أسرع [٨/ ب] الدواب في نقل الحطب لنار إبراهيم، فدعا عليها (٦) فقطع الله نسلها. وقال بعض أهل العلم (٧): لو لم يقل الله سبحانه ﴿(وَسَلاماً)﴾ لأهلكه بردها. وقيل: إنه لم يبق في ذلك الوقت نار تشتعل بمشارق (٨) الأرض ولا مغاربها إلا خمدت ظانة أنها المعينة بالخطاب. وكان (٩) حين وضع في المنجنيق ورمي به جرد عن ثيابه ولم يترك عليه إلا (١٠) السراويل فقصد بعض السفهاء أن ينزع السراويل عنه فشلت يده، وكان مقيدا (١١) بقيود وتلقاه جبريل، ﵇، فلم يضره ألم الهوى، فلما استقر على الأرض، وهي إذ ذاك جمرا أحمرا (١٢) يلتهب ويتوقد لم يؤثر فيه شيء من حرارة النار (١٣)، وظهر للناظرين إليه والمراقبين له أن الأرض التي سقط عليها مخضرة مورقة (١٤)

стр. 101

وجليسه جليس صالح حسن الوجه والهيئة كأحسن ما رآه (١) راء، ثم ألبسه قميصا من ثياب الجنة وفك قيده وآنسه وقال له: ربك يقرئك السلام ويقول لك: أما علمت أن النار (٢) لا تضر أحبابي؟ فقال، ﷺ (٣): حسبي الله ونعم الوكيل. وكان، ﵇، أول من جرد (٤) ثيابه في سبيل الله فلذلك كساه الله وادخر (٥) له كسوة يكتسي بها أول الخلق يوم القيامة كل ذلك وهو بمشهد من الخلق ينظرون إليه، فلما رأوه (٦) وقد أكرمه الله بما أكرمه به آمن بالله جمع كبير في سر (٧) خوفا من النمروذ. وخرج إبراهيم من مكانه وهو يمشي (٨) وفارقه جبريل، ﵇، فأقبل نحو منزله فأرسل إليه النمروذ (٩) وسأله عن كسوته ورفيقه فقال: إنه ملك أرسله إليّ ربي، وقص عليه القصة (١٠)، فقال نمروذ: إن إلهك الذي تعبده لإله عظيم وإني مقرب قربانا إليه لما رأيت (١١) من عزته وقدرته فيما صنع بك حين أبيت (١٢) إلا عبادته، فقرب أربعة آلاف بقرة، ثم احترم إبراهيم بعد ذلك وكف عنه. وقد عذب الله النمروذ بإرسال (١٣) البعوض عليه وعلى جيشه فأكلت لحومهم ودماءهم (١٤)، وتركتهم عظاما، ودخلت واحدة منها في منخر الملك نمروذ، فلبثت في منخره أربعمائة (١٥) سنة عذبه الله تعالى بها، فكان يضرب رأسه بالمرازب (١٦) في

стр. 102

المدة كلها حتى أهلكه الله، ، وسلط الله على مدينة كوثا (١) الزلازل حتى خربت. قال الثعلبي (٢) (٣): لما حاجة إبراهيم في ربه قال النمروذ: إن كان ما يقول حقا فلا أنتهي حتى أعلم ما في السماوات، فبنى صرحا عظيما ببابل (٤) ورام الصعود (٥) إلى السماء لينظر إلى إله إبراهيم، ﵇، واختلف في طول الصرح في السماء فقيل: خمسة آلاف ذراع، وقيل: فرسخا (٦). ثم عمد إلى أربعة أفراخ من النسور وأطعمها (٧) اللحم والخبز حتى كبرت، ثم قعد في تابوت ومعه غلام له (٨) وقد حمل القوس والنشاب، وجعل لذلك التابوت بابا من أعلاه وبابا من أسفله، ثم ربط التابوت بأرجل النسور وعلق اللحم على عصي فوق التابوت، ثم خلى عن النسور فطارت (٩) النسور، طمعا في اللحم حتى أبعدت في الهواء، وحالت الريح بينها وبين الطيران، فقال لغلامه: افتح الباب الأعلى فانظر، ففتح (١٠) فإذا السماء كهيئتها، وفتح الباب الأسفل فإذا الأرض سوداء مظلمة، ونودي: أيها الطاغي (١١) أين تريد؟ فأمر عند ذلك غلامه (١٢) فرمى بسهم فعاد إليه السهم متلطخا بالدم، فقال: كفيت شر (١٣) إله السماء.

стр. 103

واختلف في ذلك السهم بأي شيء تلطخ فقيل: سمكة في السماء من بحر معلق في الهواء، وقيل: أصاب طيرا من الطيور فتلطخ بدمه. ثم أمر نمروذ غلامه أن يصوب العصي، وينكس اللحم ففعل ذلك، فهبطت النسور بالتابوت، فسمعت الجبال خفقان هبوط (١) التابوت والنسور، ففزعت وظنت أن (٢) قد حدث في السماء أمرا أو أن الساعة قد قامت، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ﴾ (٤٦) (٣). ثم أرسل الله ريحا على صرح نمروذ (٤)، فألقت رأسه في البحر، وانكفأت بيوتهم، وأخذت نمروذ الرجفة، وتبلبلت ألسن الناس حين سقط الصرح من الفزع، فتكلموا بثلاثة وسبعين (٥) لسانا، فلذلك سميت بابل لتبلبل الألسنة بها. واستجاب لإبراهيم، ﵇، رجال (٦) من قومه حين رأوا صنع الله، [٩/ أ] ، من برد النار عليه (٧) وغير ذلك من المعجزات، فآمن به لوط وهو ابن أخيه، وآمنت به سارة زوجته، وقد ذكر المؤرخون (٨) والمفسرون (٩) قصة إبراهيم، ﵇، مع نمروذ (١٠) وما وقع له بأبسط من هذا والغرض في هذا الكتاب الاختصار، والله المستعان. ذكر هجرة (١١) إبراهيم الخليل ﵇ لما نجى (١٢) الله خليله، ﷺ ، من النمروذ الجبار، استجاب له رجال من قومه (١٣) على خوف من نمروذ وملأه، ثم إن إبراهيم ومن كان آمن معه من

стр. 104

أصحابه (١) أجمعوا على فراق نمروذ وقومهم، فقالوا لقومهم: ﴿إِنّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾ (٢)، فخرج (٣) هو وأهله ومن معه من قومه فنزل الرّها (٤) (٥) ثم سار إلى مصر، ويقال: إلى بعلبك (٦)، وصاحبها (٧) فرعون، فذكر لفرعون جمال سارة زوج الخليل، ﵇، وهي ابنة عمه هاران (٨)، فسأل إبراهيم عنها فقال: هذه أختي، يعني في الإسلام، خوفا أن يقتله، فقال له: زينها وأرسلها إليّ. فأقبلت سارة إلى الجبار، وقام إبراهيم يصلي، فلما دخلت عليه ورآها، أهوى إليها ليتناولها (٩) بيده فأيبس الله يده ورجله، فلما تخلى عنها أطلقه الله (١٠)، وتكرر ذلك منه، فأطلقها ووهبها هاجر. وفي بعض الأخبار أن الله تعالى رفع الحجاب بين إبراهيم وسارة (١١) حتى ينظر لها (١٢) من وقت خروجها من عنده إلى وقت انصرافها كرامة لهما صلوات الله عليهما وتطيبا لقلب إبراهيم، ﵇. ثم سار إبراهيم من مصر إلى الشام وأقام (١٣) بين الرملة وإيلياء، فهو أول من هاجر من موطنه (١٤) في ذات الله حفظا لإيمانه. ولما نزل في الموضع الذي يعرف بوادي السبع (١٥) وهو شاب لا مال له، فأقام حتى كثر ماله وشاخ وضاق على أهل

стр. 105

الموضع (١) مواضعهم من كثرة ماله ومواشيه. فقالوا له: ارحل (٢) عنا فقد آذيتنا بمالك أيها الشيخ الصالح، وكانوا يسمونه بذلك، فقال لهم: نعم (٣)، فلما همّ بالرحيل، قال بعضهم لبعض: جاءنا وهو فقير وقد جمع عندنا هذا المال كله فلو قلنا له (٤) أعطنا شطر مالك وخذ شطر، فقالوا له ذلك، فقال لهم، ﷺ (٥): صدقتم جئتكم وكنت شابا فردوا عليّ شبابي وخذوا ما شئتم من مالي فخصمهم ورحل (٦). فلما كان وقت ورود (٧) الغنم الماء جاءوا يستقون فإذا الآبار قد جفت، فقال بعضهم لبعض: الحقوا الشيخ الصالح (٨) واسألوه الرجوع إلى موضعه فإنه إن لم يرجع هلكنا وهلكت مواشينا، فلحقوه فوجدوه بالموضع (٩) الذي يعرف بالمغار (١٠) (١١)، وسألوه أن يرجع، فقال: إني لست براجع، ودفع إليهم سبع شياة من غنمه، فقال (١٢): أوقفوا كل شاة على بئر فإن الماء يرجع وإنما سمي ذلك الوادي واد السبع لأنه دفع إليهم سبع شياة من غنمه، وقال لهم: اذهبوا بها معكم فإنكم إذا أوردتموها البئر ظهر الماء (١٣)، حتى يكون عينا معينا طاهرا (١٤) كما كان، فاشربوا ولا يقربها امرأة حائض. فرجعوا بالأغنام، فلما وقفت على البئر ظهر الماء، فكانوا يشربون

стр. 106

منها وهي على تلك الحالة (١) حتى أتت امرأة حائض واغترفت منها فغاض (٢) ماؤها. ورحل إبراهيم، ﵇، ونزل اللجون (٣)، فأقام (٤) بها ما شاء الله (٥)، ثم أوحى الله إليه أن انزل حبرى، فرحل ونزل عليه جبريل، ﵇، وميكائيل، ﵇، بحبرى وهما يريدان قوم لوط، ﵇، فخرج إبراهيم، ﵇، ليذبح (٦) العجل، فانفلت منه، ولم يزل حتى دخل مغارة حبرون (٧)، فنودي: يا إبراهيم سلم على عظام أبيك آدم، ﵇، فوقع ذلك في نفسه (٨)، ثم ذبح العجل وقربه إليهم، وكان من شأنه ما نص الله، ، في كتابه (٩)، وسنذكر ملخص القصة عند ذكر سيدنا إسحاق، ﵇. فمضى إبراهيم معهم إلى قرب ديار قوم لوط، فقالوا له: أقعدها هنا، فقعد وسمع صوت الديكة (١٠) في السماء، فقال: هذا هو الحق اليقين، فأيقن بهلاك القوم، فسمي ذلك الموضع مسجد اليقين (١١)، وهو على نحو فرسخ من بلد سيدنا الخليل (١٢)، ﵇، ثم رجع إبراهيم، ﵇، ويأتي (١٣) ذكر القصة ملخصا عند ذكر سيدنا لوط، ﵇.

стр. 107

قصة بناء الكعبة المشرفة وذكر إسماعيل ﵇ قد تقدم أن إبراهيم الخليل، ﵇، لما سار إلى مصر ومعه زوجته سارة، ووهبها (١) فرعون مصر هاجر، فلما قدم إلى الشام، وأقام بين الرملة وإيلياء (٢)، وكانت سارة لا تحمل، فوهبت هاجر لإبراهيم، ﵇، فوقع عليها (٣)، فولدت إسماعيل، ﵇، ومعنى إسماعيل بالعبراني: مطيع الله، وكانت ولادته لمضي ست وثمانين سنة من عمر إبراهيم (٤). فحزنت (٥) سارة لذلك، ووهبها الله إسحاق ولدته ولها تسعون سنة، ثم غارت سارة من هاجر وابنها (٦)، وطلبت من إبراهيم أن يخرجهما عنها، فسار بهما إلى الحجاز (٧)، وتركهما بمكة بإذن الله تعالى، وليس بمكة يومئذ أحد ولا بها ماء، ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء (٨) فيه ماء، ثم قفل إبراهيم، ﵇، منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ وقالت له ذلك مرارا، وهو لا يلتفت إليها فقالت له: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم، فقالت: إذا لا يضيعنا الله، ثم رجعت فانطلق إبراهيم، ﵇، حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل القبلة بوجهه، ثم دعا بهذه لدعوات، ورفع يديه فقال: ﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (٣٧) (٩). وجعلت أم إسماعيل، ﵇، ترضعه وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفذ ما في السقاء، وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى، فانطلقت كراهة أن تنظر

стр. 108

إليه (١)، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر (٢) إليه، هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي، رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس (٣): قال النبي، ﷺ : «فلذلك سعى الناس بينهما» (٤)، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا، فقالت: صه (٥)، تريد نفسها، ثم تسمعت فسمعت أيضا (٦)، فقالت: قد سمعت إن كان عندك غوث فأغث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء، فجعلت تحوطه وتقول بيدها (٧) هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهي تقول بعد ما تغرف: زم زم. قال ابن عباس، ﵁: قال النبي، ﷺ : «رحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم، أو قال: لو لم تغرف من الماء، لكانت زمزم عينا معينا» (٨). قال: فشربت وأرضعت ولدها (٩) فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن هاهنا بيت الله، (١٠)، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وأن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه (١١) وشماله. ثم نزل هناك أبيات من جرهم، وشب إسماعيل، ﵇، وتعلم العربية منهم، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم، وماتت هاجر (١٢)، فجاء إبراهيم، ﵇، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته فقالت: خرج يبتغي لنا الصيد، ثم سألهم (١٣) عن عيشتهم فقالت: نحن بشر وشكت إليه بعلها، فقال لها: إذا جاء

стр. 109

زوجك اقرئي ﵇ (١) وقولي له يغير عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل أخبرته بما كان، قال: ذلك كان أبي (٢) قد أمرني أن أفارقك فالحقي بأهلك، فطلقها وتزوج منهم أخرى (٣). فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله تعالى، ثم أتاهم بعد ذلك فلم يجده، فسأله امرأته فقالت: خرج يبتغي لنا رزقا (٤)، قال: كيف أنتم؟ فقالت: نحن بسعة وخير من الله تعالى (٥)، وأثنت على بعلها خيرا، وشكرت الله تعالى، فقال (٦): ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء، ثم قال لها (٧): فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه (٨) السلام وامريه أن [١٠/ أ] يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل أخبرته بما كان (٩)، قال: ذلك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك. ثم لبث عنهم (١٠) ما شاء الله، ثم جاء وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد (١١) والولد بالوالد (١٢)، ثم شرعا في بناء الكعبة. وقد اختلف في أول من بنى الكعبة، فقيل: الملائكة بإذن الله تعالى، وقيل: آدم، ﵇، واندرس (١٣) زمن الطوفان، ثم أظهره الله، ،

стр. 110

لإبراهيم (١)، ﵇، وقصة بناء إبراهيم، ﵇، مشهورة وملخصها: إن إبراهيم لما سار من الشام وقدم مكة قال: يا إسماعيل إن الله أمرني أن أبني له هنا بيتا (٢)، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، فقال إسماعيل: أطع ربك (٣)، فقال إبراهيم: وقد أمرك أن تعينني، فقال: إذا أفعل، فجعل (٤) إبراهيم يبنيه وإسماعيل يناوله الحجارة وكانا كلما بنيا دعيا فقالا: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١٢٧) (٥)، وكان وقوف إبراهيم (٦) على حجر وهو يبني، وذلك الموضع هو مقام إبراهيم، واستمر البيت على ما بناه (٧) إبراهيم إلى أن هدمته قريش سنة خمس وثلاثين من مولد رسول الله، ﷺ ، وبنوه. وكان بناء الكعبة بعد مضي مائة سنة من عمر إبراهيم (٨)، فيكون بالتقريب بين بناء الكعبة وبين الهجرة الشريفة ألفان وسبعمائة وثلاث وتسعون سنة، وقد مضى (٩) من الهجرة إلى عصرنا هذا تسعمائة سنة كاملة، فيكون الماضي من بناء إبراهيم الخليل الكعبة الشريفة (١٠) إلى آخر سنة تسعمائة من الهجرة الشريفة ثلاثة آلاف وستمائة وثلاث وتسعين سنة، والله أعلم. وسيأتي ذكر ما وقع في الكعبة الشريفة من الهدم والبناء في السيرة الشريفة المحمدية، وفي ذكر بناء عبد الملك بن مروان مسجد (١١) بيت المقدس، إن شاء الله تعالى. قصة الذبيح ثم أمر الله، ، إبراهيم، ﵇، أن يذبح ولده، وفداه الله بكبش، وقد اختلف في الذبيح هل هو إسحاق أم إسماعيل؟. فأهل
следующие страницы →