Полный текст (5 311 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري
تأليف
أحمد بن إسماعيل بن عثمان بن محمد الكوراني الشافعي ثم الحنفي (المتوفى سنة ٨٩٣ هـ)
تحقيق
الشيخ أحمد عزو عناية
[المجلد الأول]
стр. 2
الْكَوْثَرُ الْجَارِي إلى رِيَاض أحَادِيثِ البُخَارِيّ
[١]
стр. 3
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة
الطبعة الأولى
١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
مؤسسة التَّارِيخ الْعَرَبِيّ للطباعة والنشر والتوزيع
العنوان الْجَدِيد
بيروت - طَرِيق المطار - خلف غولدن بلازا
هَاتِف: ٥٤٠٠٠٠/ ٠١ - ٤٥٥٥٥٩/ ٠١
فاكس: ٨٥٠٧١٧ - ص. ب: ٧٩٥٧/ ١١
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المحقق
الحمد لله رافعِ أعلام الشريعة الغرَّاء، جاعلها شجرةً أصلها ثابتٌ وفرعها في السماء، الذي أعلى منازل الفقهاء، إعلاء يوازن هممهم العلية، في خدمة الحنيفية السمحة البيضاء.
والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ، أفضل الرُّسُل والأنبياء، وسند الأتقياء، ومخرج الأمة من الظلمات إلى النور والضياء.
وعلى آله وصحبه، السادة النجباء، والقادة الأصفياء، شموس الهداية، وبدور الاهتداء، الناضري الوجوه، بتبليغ ما بلغوه من أدلة الشريعة الغراء.
وبعد:
لقد أقام الله لهذا الدين -بعد نبيه وصحابته- من يحافظ على تشييد أركانه، ويكسِّر معول المحاولين للنيل منه أو هدمه، مضحين بذلك بكل غالٍ وثمين فداء لهذا الدين العظيم.
هذا ومن بين أولئكم الذين أقامهم الله في خدمة دينه، الإمام أحمد بن إسماعيل بن عثمان بن محمد الكوراني، ﵀، الذي سخر حياته لنهل العلم أولًا وللتعليم والتأليف ثانيًا، ومن هذه الكتب: كتابه هذا (الكوثر الجاري على رياض البخاري) الذي ألبسناه حلة قشيبة جديده، أسأل الله أن أكون قد وفقت في ذلك.
وكتبه: العبد الفقير إلى مولاه أحمد عزو عناية
في ١٦/ شوال/ ١٤٢٨ هـ الموافق
لـ ٢٧/ تشرين الأول/ ٢٠٠٧ م
سوريا - دمشق - كفر بطنا - هاتف: ٠٩٣٣٤٢٧٦٣٠
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ترجمة الإمام الكوراني
١ - اسمه ونسبه:
هو أحمد بن إسماعيل بن عثمان بن محمد الكوراني، شمس الدين، شيخ الإسلام، الرومي، الشافعي، ثم الحنفي.
كردي الأصل، من أهل شهرزور.
٢ - ولادته:
ولد سنة (٨١٣ هـ).
٣ - حياته العلمية والدعوية:
دأب في فنون العلم، حتى فاق في المعقولات، والمنقولات، واشتهر بالفضيلة.
ودخل القاهرة، ورحل إلى الروم، وصادف من ملكها السلطان مراد خان حظوة، فاتفق أنه مات وهو هناك الشيخ شمس الدين الفنري، فسأله السلطان أن يتحنَّف، ويأخذ وظائفه، ففعل، وصار المشار إليه في المملكة الرومية.
قال السخاوي:
حفظ القرآن، وتلاه للسبع علي الزين عبد الرحمن بن عمر القزويني البغدادي الجلال، واشتغل، وحل عليه الشاطبية، وتفقه به، وقرأ عليه الشافعي، وحاشية للتفتازاني، وأخذ عنه النحو، مع علمي المعاني والبيان والعروض.
وكذا اشتغل على غيره في العلوم، وتميز في الأصلين والمنطق وغيرها، ومهر في النحو والمعاني والبيان وغيرها من العقليات، وشارك في الفقه.
ثم تحول إلى حصن كيفا، فأخذ عن الجلال الحلواني في العربية.
وقدم دمشق في حدود الثلاثين، فلازم العلاء البخاري، وانتفع به، وكان يرجح الجلال عليه.
وكذا قدم مع الجلال بيت المقدس، وقرأ عليه في الكشاف، ثم القاهرة في حدود سنة
стр. 6
خمس وثلاثين، وهو فقير جدًّا، فأخذ عن شيخنا بقراءته في البخاري، وشرح ألفية العراقي، ولازمه وغيره، وسمع في صحيح مسلم أو كله على الزين الزركشي، ولازم الشرواني كثيرًا.
قال المقريزي، وقرأت عليه صحيح مسلم، والشاطبية، فبلوت منه براعة، وفصاحة، ومعرفة تامة لفنون من العلم ما بين فقه وعربية وقراءات وغيرها.
وأكب على الاشتغال والأشغال، بحيث قرأ على العلاء القلقشندي في الحاوي، ولازم حضور المجالس الكبار، كمجلس قراءة البخاري بحضرة السلطان وغيره، واتصل بالكمال بن البارزي، فنوه به، وبالزيني عبد الباسط، وغيرهم من المباشرين والأمراء، بحيث اشتهر، وناظر الأماثل، وذكر بالطلاقة، والبراعة، والجرأة، الزائدة.
وقال التقي الغزي في الطبقات السنية في تراجم الحنفية:
ذكره الحافظ جلال الدين السيوطي، في كتابه نظم العقيان، في أعيان الأعيان.
كان حنفي المذهب، قرأ ببلاده، وتفقه، ثم ارتحل إلى القاهرة، وقرأ بها القراءات العشر، وسمع الحديث، وأجازه ابن حجر، وغيره.
ثم رحل إلى الديار الرومية، واجتمع بالسلطان مراد خان، فأكرمه، وعظَّمه، وجعله مؤدبًا لولده السلطان محمد، فأقرأه القرآن، وأحسن تأديبه.
ثم إن السلطان محمدًا المذكور لما جلس على سرير المُلك، بعد موت أبيه، عرض الوزارة عليه، فأبى ولم يقبل، وقال: إن من ببابك من الخدم والعبيد، إنما يخدمونك لينالوا الوزارة في آخر أمرهم، فإذا كان الوزير من غيرهم تتغير خواطرهم، ويختل أمر السلطنة، فأعجبه ذلك.
وعرض عليه قضاء العسكر، فقبله، وباشره أحسن مباشرة، وقرب أهل الفضل، وأبعد أهل الجهل.
ثم إن أهل السلطان عزله، وأعطاه قضاء بروسة، وولاية الأوقاف بها، فلم يزل بها ينفذ الأحكام، ويعدل بين الأخصام، إلى أن ورد عليه مرسوم مخالف للشرع الشريف، فحرقه، وعزر من هو بيده.
فلما بلغ السلطان ذلك عزله عن القضاء، ووقع بينهما بسبب ذلك منافرة ووحشة.
فرحل الكوراني إلى الديار المصرية، وكان سُلطانها إذ ذاك الملك الأشرف قايتباي، فأكرمه غاية الإكرام، وأقبل عليه الإقبال التام، وأقام عنده مدة، وهو على نهاية من الإجلال والتعظيم.
ثم إن السلطان محمدًا ندم على ما فعل، وأرسل إلى قايتباي، يلتمس منه إرسالة إليه،
стр. 7
فذكر ذلك للكوراني، ثم قال: لا تذهب إليه، فإني أكرمك فوق ما يكرمك.
فقال له الكوراني: نعم أعرف ذلك، إلا أن بيني وبينه محبة أكيدة، كما بين الوالد والولد، وما وقع بيننا من التنافر لا يُزيلها، وهو يعرف أني أميل إليه بالطبع، فإذا امتنعت من الذهاب إليه، لا يفهم إلا أن المنع كان من جانبك، فتقع بينكما عداوة.
فاستحسن السلطان قايتباي منه ذلك، وأهَّب له ما يحتاج إليه في السفر، ووهبه مالًا جزيلًا، وأرسل معه بهدايا عظيمة إلى السلطان محمد خان.
فلما وصل إليه أكرمه فوق العادة، وفوَّض إليه قضاء بروسة، فأقام به مدة.
ثم فوض إليه منصب الفتوى بالديار الرومية، وعين له كل يوم مئتي درهم، وكل شهر عشرين ألف درهم، وكل سنة خمسين ألف درهم، سوى ما كان يتفقده به من الهدايا والتحف، والعبيد والجواري.
وعاش في كنف حمايته في نعم وافرة، وإدرارات مُتكاثرة.
وكانت أوقاته كلها مصروفة في التأليف والفتوى، والتدريس والعبادة.
وتخرَّج به جماعة كثيرة.
حُكي عنه أنه كان يختم القرآن في أكثر لياليه، يبتدي فيه بعد صلاة العشاء الآخرة، ويختمه عند طلوع الفجر.
وكان رجلًا طوالًا، مهيبًا، كبير اللحية، وكان يصبغها، وكان قوالًا بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، يخاطب السلطان والوزير باسمهما، وإذا لقي أحدًا منهما يسلم ﵇ الشرعي، ولا ينحني له، ويصافحه، ولا يُقَبِّل يده، ولا يذهب إلى السلطان إلا إذا دعاه، وكان كثير النصيحة لمخدومه السلطان محمد، قوي القلب في الإقدام بها عليه.
ومما يُحكى عنه، أنه قال مرَّة لمخدومه المذكور مُعاتبًا: إن الأمير تيمور أرسل بريدًا في مصلحة من المصالح المهمة، وقال له: إن احتجت في الطريق إلى فرس فخذ فرس كل من لقيته، ولو كان أبي شاه رخ.
فتوجه البريد إلى ما أمر به، فلقي في طريقه العلامة سعد الدين التفتازاني، وهو نازل في بعض المواضع، وخيله مربوطة بإزاء خيمته، فأخذ البريد منها فرسًا واحدًا، فظهر السعد إليه من الخيمة، وأمسكه وأخذ الفرس منه، وضربه ضربًا شديدًا.
فرجع البريد إلى تيمور، وأخبره بذلك، فغضب غضبًا شديدًا، ثم قال: لو كان ابني لقتلته، ولكن كيف أقتل رجلًا ما دخلت إلى بلدة إلا وقد دخلها تصنيفه قبل دخول سيفي.
ثم قال الكوراني: إن تصانيفي تقرأ الآن بمكة، ولم يبلغ إليها سيفك.
стр. 8
فقال له السلطان محمد خان: نعم، كان الناس يكتبون تصانيفه، ويرحلون من سائر الأقطار إليها، وأما أنت فكتبت تصنيفك، وأرسلت به إلى مكة.
فضحك الكوراني، واستحسن هذا الجواب غاية الاستحسان.
٤ - تصانيفه:
له من التصانيف:
١ - الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع للسبكي في الأصول:
قال حاجي خليفة في كشف الظنون:
وهو شرح ممزوج.
أوله: الحمد لله الذي شيد بمحكمات كتابه ... إلخ.
وسماه: الدرر اللوامع.
وكان الشرح الذي صنفه المحلي في غاية التحرير والإتقان مع الإيجاز، ورغب الأئمة في تحصيله وقراءته، وقرأه على مؤلفه من لا يُحْصى، ولما ولي تدريس البوقوقية بعد الكوراني كان سببًا لتعقب الكوراني عليه في شرحه بما ينازع في أكثره. كذا في الضوء.
٢ - رسالة في الرد على منلا خسرو في الولاء:
قال حاجي خليفة في كشف الظنون:
رسالة في الولاء، لمولانا: محمد بن فرامرز، الشهير: بملا خسرو، المتوفى سنة (٨٨٥ هـ).
اشتملت على: مقدمة، ومقصد، وفصل، وتذنيب.
ذهب مذهبًا في الولاء خرَّجه من أقوال الفقهاء، وخالف فيه سائر العلماء، وقرره في غرره ودرره، ورتب رسالة في تحقيقه.
وكتب في ردها: رسالة للمولى: أحمد بن إسماعيل الكوراني المفتي ...
أولها: الحمد لله الذي من أراد به خيرًا فقهه في الدين ...
٣ - الشافعية في علم العروض والقافية:
ألفها للسلطان محمد بن السلطان مراد خان، وهي قصيدة في علم العروض، في ست مئة بيت، أولها:
بحَمْدِ إلهِ الخَلْق ذِي الطَّوْلِ والبِرِّ ... بَدَأتُ بنظمٍ طَيُّه عَبَقُ النَّشْرِ
стр. 9
وثنَّيْتُ حَمْدِي بالصَّلاة لأحْمَدٍ ... أبِي القاسم المحْمُودِ في كُرْبَةِ الحَشْرِ
صَلاةً تعُمُّ الآلَ والشِّيَعَ الَّتِي ... حَمَوْا وَجْهَهُ يَوْمَ الكَرِيهَةِ بالنَّصْرِ
٤ - العبقري: تعليقة على حرز الأماني للشاطبي.
٥ - غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني:
قال حاجي خليفة في كشف الظنون:
أورد فيه مؤاخذات كثيرة، على العلامتين الزمخشري والبيضاوي، رحمهما الله تعالى.
أوله: الحمد لله المتوحد بالإعجاز في النظام ... إلخ.
فرغ من تأليفه: في ثالث رجب، سنة (٨٦٧ هـ).
٦ - كشف الأسرار عن قراءة أئمة الإعصار:
في شرح منظومة الجزري.
قال حاجي خليفة في كشف الظنون:
وهو: شرح على نظم الجزري، وهو نظم في غاية الإشكال، أوله:
بدأت بحمد الله نظمي أولًا.
يشتمل على:
قراءة ابن محيصن، والأعمش، والحسن البصري، وهو زيادة على العشر وأول الشرح: الحمد لله الذي جعل حملة كتابه مع السفرة الكرام ... إلخ.
فرغ منه في ربيع الأول، سنة (٨٩٠ هـ).
وأبياته أربعة وخمسون.
٧ - المرشح شرح الكافية لإبن الحاجب في النحو:
قال حاجي خليفة في كشف الظنون:
سماها: المرشح.
أولها: الحمد لله الذي رفع بناء العربية بأدلة وحجج ... إلخ.
كتبها سنة (٨٨٩ هـ).
٨ - الكوثر الجاري على رياض البخاري: وهو الكتاب الذي بين أيدينا.
وهو شرح الجامع الصحيح في مجلدات.
قال حاجي خليفة في كشف الظنون:
стр. 10
وشرح المولى الفاضل: أحمد بن إسماعيل بن محمد الكوراني الحنفي، المتوفى سنة (٨٩٣ هـ)، ثلاث وتسعين وثمانمائة.
وهو شرح متوسط، أوله: الحمد لله الذي أوقد من مشكاة الشهادة ... إلخ.
وسماه: (الكوثر الجاري على رياض البخاري).
ردَّ في كثير من المواضع على الكرماني وابن حجر، وبيَّن مشكل اللغات، وضبط أسماء الرواة في موضع الالتباس، وذكر قبل الشروع سيرة النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إجمالًا، ومناقب المصنف، وتصنيفه.
وفرغ منه في جمادى الأولى، سنة (٨٧٤ هـ)، أربع وسبعين وثمان مئة بأدرنة.
٥ - وفاته:
توفي سنة (٨٩٣ هـ)، بمدينة قسطنطينية، ودفن بها، وكان له جنازة حافلة، حضرها السلطان فمن دونه، وكثر البكاء عليه، وتأسف الناس على فراقه، -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-.
٦ - شعر من نظمه:
ومن نظمه قصيدة يمدح فيها النبي ﷺ ، منها:
لقد جَادَ شِعْري في ثَناكَ فَصَاحةً ... وكيف وقد جادَتْ به ألْسُنُ الصَّخْرِ
لَئِنْ كان كعبٌ قد أصابَ بِمِدْحَةٍ ... يَمَانِيَّةٍ تزْهُو على التِّبْرِ في القَدْرِ
فلِي أمَلٌ يَا أجْوَدَ النَّاس بالْعَطَا ... ويَا عِصمَةَ العَاصِينَ في رَبْعة الحَشْرِ
شَفاعَتُك العُظمَى تَعُمُّ جَرَائمِي ... إذا جئتُ صِفْرَ الكفِّ مُحتَمِلَ الوِزْرِ
مصادر ترجمته:
الشقائق النعمانية لطاشكبرى زاده ص ٥١.
الضوء اللامع للسخاوي ١/ ٢٤١، ١٢/ ٢٢٤.
نظم العقيان للسيوطي ص ٣٨.
هدية العارفين للباباني ١/ ١٣٥.
الأعلام للزركلي ١/ ٩٨.
إيضاح المكنون لإسماعيل باشا البغدادي ٢/ ٩٢.
كشف الظنون لحاجي خليفة ١/ ٥٥٢، ٥٩٦، ٦٤٧، ٨٩٩، و ٢/ ١٠٢٢، ١١٩٠، ١٣٧٠، ١٤٨٦.
стр. 11
عملنا في الكتاب
- قمنا بنسخ المخطوط وفق القواعد الإملائية الحديثة.
- قابلنا المنسوخ على المخطوط وضبطه.
- وضعنا علامات الترقيم المناسبة.
- قمنا بتشكيل الكلمات المشكلة بحسب الضرورة، وذلك لعدم وقوع اللبس عند قراءتها.
- قسمنا النص إلى فقرات مناسبة.
- وضعنا أرقام المخطوط ضمن النص، بذكر رقم اللوحة، ثم وجهها الذي رمزت له ب: (أ)، و (ب)، فيكون الرقم مثلًا هكذا: [٥/ أ]، و [٥/ ب]، وقد وضعت أرقام المخطوط عند بداية كل لوحة.
- وضعنا متن البخاري في الشرح بين قوسين، هكذا ()، وجعلته بخط أسود غامق، وذلك ليتميز عن الشرح.
- ذكرنا أرقام الأحاديث عند بداية شرح كل حديث.
- عند نقل المؤلف من كتاب آخر ربما ترك كلمة، أو غَيَّر أخرى، فإن صح المعنى ولم تكن العبارة ركيكة تركناها كما هي، وإلا وضعت النقص بين معكوفتين []، أو نوَّهت على التغيير في حاشية.
- عند ذكر اسم الراوي ربما يكون يقع في سهو، أو غلط، ولعل ذلك يكون من بعض النُّساخ، فقمت بضبط الاسم، والتنويه على ذلك في حاشية، مع ذكر مراجع الاسم الصحيح في كتب الشروح والرجال.
- استدركت بعض الكلمات الساقطة في الأحاديث المشروحة، ووضعتها بين معكوفتين، وربما نوَّهت على ذلك بحاشية إن اقتضت الضرورة.
- في بعض الأماكن يوجد كلام مطموس، أو غير واضح، فإن تبين لي ذكرته ونوهت على ذلك بحاشية، وإلا تركت مكانه فارغًا.
- ذكرت ما وجد على هامش الكتاب من تعليقات.
- عند ضبط المؤلف ﵀ للاسم بقوله: بكسر كذا، أو بضم كذا ... قد يقع بعض
стр. 12
السهو، ولربما كان ذلك من الناسخ، صححنا الكلمة، ونوهنا على ذلك بحاشية.
- خرَّجنا الآيات القرآنية، بذكر اسم السورة ورقم الآية ضمن النص، وجعلناها بين معكوفتين، هكذا: [البقرة: ٢٥].
- خرجنا الأحاديث التي استشهد بها المؤلف ﵀ بذكر تخريجه في حاشية، وذلك بذكر الكتاب والباب والرقم إن كان في الكتب التسعة، وإلا ذكرت رقم الجزء والصفحة ورقم الحديث إن وجد.
- لم نهتم كثيرًا بتخريج الروايات التي يذكرها المؤلف عندما يعدد روايات ألفاظ البخاري.
- إن ذكر المؤلف حديثًا بالمعنى، أو اكتفى بالإشارة إليه، ذكرنا نص الحديث عند تخريجه في الحاشية.
- كثيرًا ما يذكر المؤلف ﵀ أن هذا الحديث قد تقدم شرحه في باب كذا، أو كتاب كذا، فكنا نذكر ذلك في حاشية، بقولنا: تقدم في كتاب كذا ...
فإن ذكر أنه تقدم في باب كذا، من كتاب كذا، ذكرنا أنه تقدم برقم كذا، بذكر الرقم فقط.
- كثيرًا ما يذكر المؤلف ﵀ أن هذا الحديث سيأتي شرحه في باب كذا، أو كتاب كذا، فكنا نذكر ذلك في حاشية، بقولنا: سيأتي في كتاب كذا ...
فإن ذكر أنه سيأتي في باب كذا، من كتاب كذا، ذكرنا أنه سيأتي برقم كذا، بذكر الرقم فقط.
- ذكرنا شرح بعض الكلمات، وذلك إذا دعت الضرورة لذلك.
- خرجنا الأبيات الشعرية، مع ذكر بحرها ما أمكن.
- خرجنا الأمثال المذكورة في المخطوط مع شرحها ما أمكن.
- وضعنا متن البخاري مشكولًا في أعلى الصفحة، ومرَقَّمًا وفق ترقيم فتح الباري (فؤاد عبد الباقي).
- ذكرنا عند كل حديث في المتن مواضع تكراره في صحيح البخاري، بذكر رقم المكررات.
- خرجنا أحاديث متن البخاري، وجعلتها بأرقام متسلسلة، كما هي مرقمة في متن البخاري الموجود في أعلى الصفحة.
стр. 13
ولهذا أخي القارئ إن وجدت في حاشيةٍ ما: انظر التخريج السابق، فأقصد بذلك تخريجات الشرح وليس تخريجات متن البخاري المتسلسلة.
- وضعت ترجمة للمؤلف في أول الكتاب، بذكر اسمه ونسبه، وولادته، وحياته العلمية والدعوية، وذكر تصانيفه، ووفاته، وشيء من نظمه، مع مصادر ترجمته.
стр. 14
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[مقدمة المؤلف]
الحمد لله الذي أوقد من مشكاة النبوة مصابيحَ الشريعة الغرّاء، فأخمَدَ بها نيران الشرك، وأزهق الملة العوجاء، وأوضحَ سنن الملة الحنفية السمحاء بأنوار السنن الزهراء، فأصبح وجهُ الدين قمرَ الصيف في ليالي الشتاء.
أحمُدُه على ما فصَّل لنا مُجمَل الكتاب بمحكم السنن، ومنَّ علينا بذلك، فَيَا لها منّةٌ بين مِنَن، وأشكرُهُ على أسبغِ آلائه وأجزل عطائه؛ محمدِ المنعوت في التوراة والإنجيل.
بشرى المسيح ودعوة الخليل، طه وياسين حبيب ربّ العالمين، عليه من الصلوات ما يليقُ بشريف رتبته، وعلى شيعته وأسرته الذين فازوا بشرف صحبته من المهاجرين والأنصار، لا سيما الأخْتَانُ والأصهار، وعلى من اقتفى أثره ممن نقل لنا آثارَهُ وسِيَره، اللهم احشرنا في زُمرتهم، وإن لم نكن من عِدَّتهم.
وبعدُ:
فإن العلم في الجملة أشرفُ الصنائع، وأنفس البضائع، لكن فنونَه تفاوت تفاوُتَ الأرض والسموات، وعلمُ الحديث من بينها في أسنى المراتب وأعلى المقامات، كيف لا وهو حليةُ أكمل موجود على الإطلاق، وأفضلُ مبعوث بالاتفاق، فمن سَمتْ به همتُه، وأرتعت به قرونته إلى أن تحلّى بتلك الحِلَى، وتجرَّع في تحصيلها طعم الألا، فيا له من رجل يفرّض في شأنه الجسد لاعتلائه غاربَ المجد، وبلوغه غاية الأمد، إن بارز الأقران فحُجتُه قويةٌ، أو قارن الإخوان فأحسنُهم طويةً، يَرْشَحُ ظاهره بما حَوَاهُ الباطنُ، سيّان عنده المتحرك والساكنُ، نعم هو الوارثُ من أفضل الرسلِ أفضلَ الفضائل، ولذا كان في الناس كالنبي في بني إسرائيل، ولولا استيلاءُ الجهل والحُمْق لسُطِّر بالتبر على الحدق، فكان خير
стр. 15
القرون له أنصارًا وأعوانًا، ولخرائد أبكاره أخدانًا وخِلَّانًا، حَمَوا حِمَى حريمه عن أبصار الخائنين، وجَلَوا عن مرآة جماله صَدَى أنفاس المبطلين، حتى تمشّى في حُلَلَهِ وتفجّر، وتضوَّع الكونُ من نشره وتعطّر.
واقتفى أثرَهم قدوتُنا من المجتهدين، وثقاتُنا من صفو شريعة سيد المرسلين، تعبَّدوا بروايته، وتقرَّبوا إلى الله بدرايته، يستنزلون به البركات، ويستترون بستره عن الآفات، يَعُدُّونه أفضلَ الطاعات والقُرَب، وأوضحَ الوشائج والنسب، يجتمعُ في مجلسٍ من مجالسه أُمَمٌ كثيرون؛ مئة ألف أو يزيدون، ثم انهدمتْ أعالي ذلك البنيان، وكبُر من أوج ذلك الكمال إلى حضيض النقصان، إلى أن لم يبقَ له رسمٌ ولا أثر، بل لا يُسمع له باسم ولا خبر، فقل: إنا بذلك لمحزونون، إنا لله وإنا إليه راجعون.
ثم إني مذ نشأتُ يافعًا، كنتُ لآياته تاليًا وسامعًا، طُفْتُ في طلبه أعاظمَ البلاد، وفُزْتُ من حملته بنقية الأطواد، المشار إليهم بالبنان، المذكورين في كل قُطر بكل لسان، إليهم تُضْرَبُ أكباد الإبل من كل فجٍّ عميق، وتقطع الفيافي من كل مرمى سحيق، سُقيت من ذلك المنهلِ العذب طافحة، فاستوى عندي الخاتمة والفاتحة، ولم يزل يجول في خلدي الجَوَلان في حَلْبة رهانهم، واختيار جواد الفكر في ميدانهم، لعل أن يُكتَب اسمي في ديوانهم، وإن لم أكن واحدًا منهم؛ فإن مولى القوم منهم.
إلا أن هذا الخوف والزمان الحَرون، كما هو دأبُهُ مع أبناء الفضائل من الأواخر والأوائل كان جامحًا لي في الآفاق والأقطار، نازحًا بي في الأرجاء والأمصار، كأنما أنا من حِلٍّ ومرتحلٍ مُوَكّل بفضاء الأرض أَذْرَعُه.
وكنتُ في تلك الرحلات وبين هاتيك النَّقلات، أدفعُ الهمومَ، وأصرف الغموم بصرف الفكر إلى الغوص بفرائد كلام الله المجيد، النازل إلى خير الخلق واسطةِ العِقْد الفريد، ولمّا وفّق الله لإكمال ذلك، واقتبس بقدر الفكر ما هنالك، وجُليت تلك الخرائد على منصات الظهور، وأفلت حياء منها الكواكب والبدور، وكتب بالتبر في الأوراق، وأضاءت بنورها الأقطار والآفاق، كيف لا وهو "غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني" والاسمُ عين المسمى، والألقاب تنزل من السماء، فانتهزتُ الفرصة، وانحدر ما كنت شَرِقْتُ به من غَصَّة، فقلت بنقد العمر: لأي خريدة أشمخ، ولأي طريدة أسعى ولستُ من تداعي الأَجَل في أمان، أسمَعُ كلَّ يوم: مات فلان ابنُ فلان من الإخوان، واندرج أجلاء الأخلّاء والأقران، فأُلْهِمْتُ أن الله يُحب عوالي الهمم، ويكره سَفْسَاف الشِّيم، عليك بسيد الكتب بعد كتاب الله، وإذا عزمتَ فتوكل على الله، وهو: (الجامع الصحيح) للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري تغمّده الله بالرحمة والرضوان، وأسكنه أعلى الفردوس في
стр. 16
الجنان؛ إذ هو الذي ملأ الخافقين، ولم يخلُ عنه مكانٌ بين المَشْرقين.
وقد شرحه أولو الفضائل من الأواخر والأوائل، وكنتُ إذا نظرتُ في تلك الشروح اعتراني القُرُوح والجروح؛ وذلك أن منها ما يطنب في التواريخ والأسماء، ولعمري ذلك قليلُ الجدوى؛ إذ موضوعُ ذلك علمٌ آخر، ومنها ما يحومُ حول المرام إلا أن مؤلفه لم يُحِطْ بطرق الأحاديث وأطراف الكلام، فيشرح السابق بما يناقض اللاحق، فعلى أي طائل يحصل من ذلك الطالب؟ أو في أي طريق يأخذ السالك الذاهب؟ بل لا يناله إلا الكَلَال؛ إذ ليس بعد الحق إلا الضلال.
ونحن نشرحه إن شاء الله بتوفيقه، مبرزين الأسرار من كلام أفصح البشر، البالغِ كُنْهَ البلاغة من أهل الوَبَر والمَدَر، نُميط القِشْر عن اللباب، ونُميز الخطأ عن الصواب، ونشير إلى ما وقع في الشروح من الزَّلَل، وما وقع من الأقلام من الخطأ والخَطَل، نُشَيِّد أركان الحق الأبلج، ونهدم بنيان الباطل اللَّجْلَج، نُؤيّد ما احتمله لفظُ الكتاب بما ثبت في الخارج من أحاديث الباب، بعد النظر في تفاوت الروايات، وما ثَبت من زيادة الثقات في غُرَرِ ألفاظٍ سلاستُها تفوقُ سُلَافَةَ الراح، ودُرَرِ مَعَانٍ مُبْذَلٍ لها الأرواح، بحيثُ تظهر الشمس لذي العينين، ولا يبقى في الكلام مجالُ القولين، ونأخذ في الحذ الأوسط والاقتصاد، لا تفريط ولا إفراط، نذكُرُ وجوه اللغة على أحسن الوجوه، فإنها قوالبُ المعاني، ونضبط أسماء الرواة في موضع الالتباس، ونشير إلى نُكَتٍ من غرائب أخبارهم على وجه الاختصار؛ لأنه ليس من أغراض شرح الكتاب، ولعلي آنسُ من جانب الطور نارًا، أن يَذْكُرني بصالح دعائه، ولا يَظُنَّ بنا أخو الجهالة أنّا في الردّ راكبين مطية الهوى في شرح كلامِ مَن لا ينطق عن الهوى، كلا، وكيف يُعقل ذلك ونحن نرجو شفاعته؟ وبما نعاينه التقرّب إليه وطاعته؟ بل نلاحظ في كل مقامٍ ما هو غرضُه من الخِطاب، ولا نَخُطُّ إلا ما نعتقدُ أنه عين الصواب، واللهُ يعلم السرائرَ والمُطّلِعُ على ما في الصدور من الضمائر، وسميته بـ "الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري". وقبل الشروع في المقاصد أُشرِّف صَدْرَه بشريف نسب سيد الرسل:
هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مُرَّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مُدْرِكة بن إلياس بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان.
وكم أبٍ قد عَلَا بابنٍ له شَرَفًا ... كما عَلَتْ برسول الله عدنانُ
стр. 17
نسبُه الشريفُ إلى عدنان متواترٌ، ومنه إلى آدمَ فيه اضطرابٌ وقد قال رسول الله ﷺ : "كَذَبَ النسّابون". ويقول الله تعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨] فأعرضنا عنه.
هذا، ومولده عامَ الفيل بعد إهلاك أصحاب الفيل بسبعة أيام، وقيل: بخمسين يومًا، وقيل غيرُ ذلك.
وقال الحاكم: وُلد يوم الإثنين، وخَرَج من مكة يوم الإثنين، ودَخَل المدينةَ يوم الإثنين، وانتقل إلى جوار الله يوم الإثنين وعُمرُهُ ثلاث وستون سنةً، وقيل: ستون.
وعن ابن عباس: خمسٌ وستون. رواهما مسلم (٢). وأنكرَ عروةُ روايةَ ابن عباس.
وقال: كان صبيًّا لم يدرك أوائلَ النبوة.
قلتُ: وهذا القول من عروةَ منكَرٌ؛ كيف وابنُ عباسٍ هو الملقب بالحبر والبحر.
قال الإمام أحمد: أكثرُ الصحابة في الفتوى ابنُ عباس، وهو أفضلُ العبادلة. والجواب عن الإشكال: هو أن عمره ثلاثٌ وستون تحقيقًا. ومَنْ قال: خمسٌ وستون. عَدَّ منها سنة الولادة والوفاة. ومَنْ قال: ستون حَذَف الكَسْرَ، واقتصَرَ على العُقُود كما هو دأب العرب.
وأما بدء رسالته فاتفقوا على أنه بُعث على رأس أربعين سنةً؛ فأقام بمكة ثلاثَ عَشْرة سنةً، وبالمدينة عَشْرًا.
هذا: وأما مؤلف الكتاب أبو عبد الله محمدُ بن إسماعيل بن إبراهيم بن بَرْدِزبة -بفتح الباء وسكون الراء المهملة ودال مكسورة بعدها زاي معجمة بعدها باء موحدة- الجُعْفي، أسلم جَدّه المغيرة على يد اليمان الجعفي.
قال الجوهري: نسبه إلى جُعْف بن سعد العشيرة أبو قبيلة باليمن. قال ابن الصلاح: وُلد أبو عبد الله يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة لثلاث عَشْرة خَلَت من شوال سنة أربع وتسعين ومئة، ومات بخَرْتَنْك -بخاء معجمة وراءٍ مهملة بعدها مثناة فوقُ بعدها نون ساكنة- قريةٌ من قرى سمرقند، ليلة الفطر سنة ست وخمسين ومئتين، وعمره اثنان وستون سنةَ إلا ثلاثةَ عَشْر يومًا.
نقَلَ العراقي أنه قال: أحفظُ مئةَ ألف حديث صحيح.
стр. 18
ونُقل عنه أنه قال: خرّجْتُ هذا الكتابَ من زهاء ستمئة ألف حديثٍ. قيل: لم يَضَعْ في كتابه حديثًا إلا اغتسَلَ قبله وصلى ركعتين، وكان الاغتسالُ بماء زمزم، والصلاة خلف المقام.
ونَقَل الغساني بسنده إلى عبد الواحد بن آدم الطواوسي أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ واقفًا ومعه جماعةٌ من أصحابه، فسلمتُ عليه، فردَّ عليَّ السلامَ، فقلتُ: ما وقوفُك يا رسول الله ﷺ ؟ فقال أنتظرُ محمد بن إسماعيل. فلما كان بعد أيامٍ بَلَغنا أنه كان قد مات في تلك الساعة التي رأيتُ رسول الله ﷺ واقفًا فيها.
ومناقبهُ من حُسن الأخلاق والتقوى لا تُعَدُّ ولا تُحصَى ﵁.
واتفقوا على أن كتابه أصحُّ كتابٍ بعد كتاب الله، إلا ما نُقل عن بعض المغاربة وأبي علي النيسابوري من تفضيل كتاب مسلم عليه.
قال ابن الصلاح: إن أرادوا حُسْن السياق وعدمَ امتزاج الحديث بغيره فلا بأس بهذا القول؛ وذلك أن كتاب البخاري فيه من التراجم والتعليقات ومذاهبِ الفقهاء شيء كثير. وإن أرادوا ما يرجع إلى الصحة فهو مردود. كيف لا والبخاري يَشْرِطُ في الرواية ملاقاةَ المروي عنه، ومسلمٌ يكتفي بالمعاصرة، كما صرَّح به في مقدمة كتابه.
قال ابن الصلاح: وأما عدد أحاديث البخاري فسبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا، وبإسقاط المكرر أربعة آلافٍ.
وقال العراقي: هذا في رواية الفِرَبْرِي. وفي رواية حمَّاد بن شاكر دُونَها بمئتي حديث، ودون رواية حمادٍ روايةُ إبراهيم بن معقل بمئة حديثٍ.
وقال شيخنا شيخُ الإسلام أبو الفضل بنُ حجر: أحاديثه سبعةُ آلاف وثلاثُمئةٍ وسبعون حديثًا، وما فيه من المتون الموصولة بلا تكرارٍ ألفا حديثٍ وأربع مئةِ وستون وأربعة أحاديث.
وأما التعاليق فألفٌ وثلاثمئةٍ وواحد وأربعون والمتابعات على اختلاف الروايات ثلاثمئةٍ وأربعةٌ وأربعون.
هذا، وصحيح مسلم أربعةُ آلافِ حديث من غير تكرار، ومع التكرار اثنا عشر ألف حديث. وسنن أبي داود: أربعةُ آلاف وستمئة حديث. وابن ماجه: أربعةُ آلافٍ. فإن قلتَ: هل لما يقال: إن البخاري لم يرو في كتابه إلا حديثًا له راويان منه إلى رسول الله ﷺ أصلٌ؟ قلتُ: ذكره القاضي أبو بكر بن المغربي في شرحه. ورُدَّ عليه بحديث: "إنما الأعمال
стр. 19
بالنيات"؛ فإنه لم يَرْوه عن رسول الله ﷺ إلا عمرُ. فأجاب بأن عُمر خَطَب بالحديث على المنبر، فلو لم يكن الصحابة عارفين به لَرَدُّوا عليه، وهذا مع ظهور فساده لو سُلِّم له في عُمر لا يُجْدِيْهِ نفعًا؛ لأنه لم يروه عن عمر إلا علقمةُ، ولا عن علقمةَ إلا محمدُ بن إبراهيم، ولا عن محمد بن إبراهيم إلا يحيى بن سعيد.
فإن قلتَ: ما موضوع علم الحديث؛ فإن تمايُزَ العلوم إنما يكون بتمايُز الموضوعات. فإن علم الفقه إنما امتاز عن علم أصوله: بأن هذا يَبحث عن أفعال المكلفين من حيثُ تصحّ وتفسُد، وذلك يُبحثُ عن الأدلة الموصلة إليه إجمالًا؟ قلت: ذكروا أن موضوعه ذاتُ رسول الله ﷺ من حيث إنه رسولٌ. وهذا غلطٌ؛ إذ لا بحث في علم الحديث عما يَلْحَقُ ذاتَ رسول الله ﷺ بل عما يَلْحق أقوالَهُ وأفعالَهُ من الاصال والانقطاع، والوقف والرفع وغير ذلك.
ألَا ترى أنهم يقولون: الحديث الصحيح ما رواه عَدْلٌ ضابطٌ عن عدل ضابط إلى منتهاه، ثم يقولون: حديث: "إنما الأعمال بالنيات" صحيحٌ؛ لأنه داخلٌ تحت ذلك القانون؟. وهذا كتراكيب القرآن لعلم القراءة، وتراكيب البُلَغاء لعلم البلاغة؛ إذ لا يقول أحدٌ بأن موضوعَ علم القراءة ذاتُ الله، ولا إن موضوع علم البلاغة ذاتُ امرئ القيس وغيره من العرب العَرْباء. وليس ما في البخاري ومسلم من متون الأحاديث من علم الحديث في شيء، بل هو كالقرآن في المصاحف، غيرَ أنه مسنَدٌ لعدم تواتره، بخلاف القرآن.
وللعلماء في علم الحديث كتبٌ مُدَوَّنةٌ؛ منها: كتابُ ابن الصلاح، وألفيةُ العراقي وغيرها.
واعلم أن لي برواية الكتاب أسانيدَ كثيرةً من فضل الله أتقنها ما أخبرنا به شيخُنا أبو الفضل بنُ حجر بالديار المصرية سنة خمسٍ وثلاثين وثمانمئة بقراءتي عليه إلى (بَدْء الخلق) وأجاز بالباقي.
قال: أخبرنا السيد عفيف الدين أبو محمد بن عبد الله بن محمد النيسابوري ثم المكي بها قراءة عليه، ونحن نسمَعُ، وأجازه بما فاتني منه.
قال: أخبرنا بجميعه الإمامُ رضي الدين إبراهيمُ بن محمد بن أبي بكر الطبري إمامُ المقام.
стр. 20
قال: أخبرنا أبو محمد عبدُ الرحمن بن أبي حرمي سماعًا عليه إلا لفوت يسير من أثنائه فأجازه.
قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن حُميد -بضم الحاء مُصَغَّر- ابن عمار الطرابلسي، قال: أخبرنا الشيخُ أبو مكتوم عيسى بن أبي ذر، قال: أخبرنا أبو ذر الحافظ عبدُ بن أحمد الهروي نزيل مكة.
قال: أخبرنا المشايخ الثلاثة أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي، وأبو عبد الله محمد بن حموية السرجي، وأبو الهيثم محمد المكي الكُشْمَهِيْنِي.
قال الثلاثة: أخبرنا أبو عبد الله محمد بنُ يوسف بن مطر الفِرَبْرِي.
قال: أخبرنا محمدُ بن إسماعيل البخاري:
стр. 21
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - كتابُ بَدْءِ الوَحْيِ
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى آمِينَ:
١ - بَابُ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟
ــ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب: كيف كان بدءُ الوحي إلي رسول الله ﷺ ؟
لفظ الباب مستعار مما يقع به الدخول في الدار لما يقع به الشروع في العلم، والوجه في ذلك ظاهر ثم ملخص قولهم: باب كذا، وفي كذا، هذه الألفاظ في بيان معانيها، لأنها أوعية المعاني وقوالبها، وقِيسَ على الباب الفصلُ والقسم ونحوُهما، ويجوزُ في الباب هنا وفي نظائره الإضافة دون القطع، وقد ينعكس الأمرُ.
ولفظُ كيف من الظروف المبنية، ومعناه: الاستفهامُ عن حال الشيء، يقال: كيف زيدٌ؟ أي: على أيّ حالٍ، وقد جُرّد هنا عن معنى الاستفهام، كما جُرّدت الهمزة في قوله تعالى: ﴿ءَأَنذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] لمعنى التسوية وبدء الشيء على وزن فعل أوله، ويُروى غيرَ مهموز على فُعُولٍ من: بَدَا يبدُو.
قال الجوهري: بَدَا يَبْدُو بُدُوًّا مثل: قَعَد يَقْعُدُ قعودًا، وأما بدوَ على وزن قتل، فلا تساعده اللغة ولا الرواية.
والوحيُ مصدر وَحَى لغةٌ في أَوْحَى، والثاني أفصح، وبه ورد في التنزيل، ومعناه: السرعةُ، وفي الحديث: "إذا رأيتَ الخير فَتَوَحِّه"، ويُطلق على الكتابة والرسالة والإشارة
стр. 22
وَقَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ
ــ
لوجود معنى السرعة في الكُلّ، ويُطلق على المُوحَى.
قيل في عُرف الشرع: إنما يطلق على المتلو. أي: على كلام الله. وليس بشيء؛ لأن كلّ ما تكلم به نبيٌ من الأنبياء في الأحكام، ولم يكن عن اجتهاد فهو وحيٌ. قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤] أَلَا ترى أنهم يقسمون الوحيَ على المتلو وغيره، وليت شعري كيف يستقيمُ الاستدلالُ بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] إذ لم يكن لكل نبي بعد نوح وحيٌ متلو، وسيأتي في كتاب الإيمان قوله: "أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم".
قوله (وقول الله) مرفوع على الابتداء، لأنه ابتداء لكلامٍ استدل به على إثبات ما ترجم به.
قال النووي: عادة البخاري أن يستدلّ للترجمة بما وقع له من الكتاب والسنة وغيرهما.
وقيل: مرفوعٌ عُطف على لفظ البدء، أو مجرورٌ عُطف على محل: كيف كان. وكلاهما فاسد، أما الأول فلأنّ المعنى إذًا كيف كان قول الله. وأما الثاني فلأنه يؤول المعنى إلى باب كيف قول الله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا﴾ [النساء: ٦٣]. ومن المعلوم أن غَرَض المؤلف ليس ذلك.
فإن قلتَ: رواية الجر مشهورةٌ، فما الوجه فيها؟ قلت: الوجه فيه أن الجرّ جرُّ جوارٍ كما في قول الشاعر:
يذهبن في نجد وغور غائر
وقراءة حمزة: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] بالجر كما أشار إليه في "الكشاف".
ثم التحقيق في هذا المقام: أن البخاري يورد الآيات على وجهين؛ تارةً لإثبات
стр. 23
مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣].
ــ
التراجم، فلا يتعرض لأسباب نزولها، وبيانِ معانيها. فالوجه فيها ما ذكرناه. وتارةً يُورِدُها لبيان أحكامها وأسباب نزولها. فالجر فيها على ظاهره كقوله: باب ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، باب: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].
وقيل: لا يجوزُ العطف على بدء، لأنه يلزم أن يكون كلام الله مكيفًا وهو محالٌ. وهذا أيضًا من النمط الأول، لأن المراد من الكلام هنا: الكلامُ اللفظي الذي يستدل به على المعنى القديم القائم بذاته تعالى. وما يقال: الرفعُ على تقدير عدم الباب عطف الجملة، لأنها في محل الرفع لا يصحّ، لأن الجملة المبتدأة لا محل لها.
فإن قلتَ: لِمَ تَرَكَ العمل بالحديث: "كل أمر ذي بالٍ لم يُبدأ بحمد الله فهو أجذم" كما رواه أبو داود بسنده إلى أبي هريرة مرفوعًا، وفي مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة لم يصح "بذكر الله"؟ قلتُ: لأن الحديث لم يكن ثابتًا عنده أو أشار إلى أن الابتداء بالبسملة كافٍ في العمل بالحديث؛ لاشتماله على لفظ الله الدالِّ على سائر الصفات التزامًا، وعلى الرحمن الرحيم مطابقةً، لأن الحمدَ وهو الوصفُ بالجميل على قصد التبجيل ليس منحصرًا في لفظ الحمد وما يشتق منه كما يتبادر إلى الأوهام. على أن المحققين على أن الكتابة لا تشترط في العمل بالحديث بل التلفظ كافٍ، بل الإخطارُ على القلب كافٍ. صَرَّح بذلك الماوَرْدِي وغيرُهُ.
﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]) أي من بعد نوح. إنما خُصَّ بالذكر لأنه آدم الثاني، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ [الصافات: ٧٧]، ولأنه أولُ نبي عُذّب قومُهُ؛ إيقاظًا لمشركي مكة.
وما يقال: لأنه أول مُشَرِّع مردود؛ لأن الناسَ لم يُتركوا سُدًى في زمنٍ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] فلا بدَّ وأن يكون قبله أنبياء، وقد قال الله تعالى في شأن إدريس: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤١] وهو قبل نوح عند المحققين.
стр. 24
١ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ عَلَى المِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ،
ــ
١ - (الحُميدي): - بضم الحاء وفتح الميم على وزن المصغر المنسوب - أبو بكر عبد الله بن الزُّبير. نسبه على جده الأعلى حُميد الأسدي القريشي، شيخُ البخاري. قيل: إنما بدأ به لأنه مكي، وبدء الوحي كان بمكة، ولذلك ذكر بعده مالكًا؛ لأنه شيخ المدينة.
(سفيان): هو ابن عُيينة شيخُهُ، وفي سينهِ الحركات الثلاثُ أشهرُهَا الضم، الإمامُ الجليل، حَجَّ سبعين حَجةً، وقال في آخر حَجة حجّها: كلّ سنة أَحُجّ أقول: اللهم لا تجعل آخر العهد بهذا المكان، وفد استحييتُ فمات في تلك السنة.
(علقمة) بفتح العين وسكون اللام وفتح القاف.
و (عمر بن الخطاب): أمير المؤمنين الفاروق، مناقبه لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، لم تَخْفَ على المحوام فضلًا عن العلماء، فلا ضرورةَ إلى الاشتغال بنقل شيء منها.
قال العراقي: انتهى علم أصحاب رسول الله ﷺ إلى ستةٍ منهم: عمر بن الخطاب. ورأسُ مناقبه كونه ضجيعَ رسول الله ﷺ مخلوقٌ من طينته، لأن الإنسان يُدفَن في التراب الذي نشأ منه. ومن لطائف هذا السند أنه اجتمع فيه ثلاثٌ كُلّهم تابعي: وهم يحيى ومحمد وعلقمة.
(على المنبر): بكسر الميم اسمُ آلةٍ من النّبر وهو الرفع لا الارتفاع. قال الجوهري: نبَرْتُ الشيءَ رفعتُه ومنه المِنْبر. هذه عبارة الجوهري.
(إنما الأعمال بالنيات) هذا حديث عظيمُ الشأن، عليه مدار الأعمال الظاهرة والباطنة الموصلة إلى رضوان الله تعالى. ونحن نُشير إلى ما يتعلق بالألفاظ، ثم نذكر أنظار المجتهدين في تحقيق المعنى. ومنشأ اختلافهم، ثم نُرْدِفُهُ بما يتعلق بكلام الشّرَّاح وما وقع منهم. فنقول: لفظة "إنما" تفيد الحصر باتفاق العلماء، وموضع استعماله حيث يكون
стр. 25
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المخاطب عالمًا بمضمون الجملة غير منكر بخلاف "ما" و"إلا" فإنهما يُستعملان في موضع الإنكار، وقولهم: "إنما" بمعنى "ما" و"إلا" إنما يريدون بذلك: مطلق النفي والإثبات، لا أنهما مترادفان.
فإن قلتَ: إذا كان المخاطب عالمًا غيرَ منكر فلا يخاطب بالكلام، فضلًا عن طريق القصر؟ قلتُ: ما ذكرناه كلامُ الشيخ الإمام في "دلائل الإعجاز" وفيه تسامحٌ، فإنه أراد به مخاطبًا لا يقر على خطئه حتى إن إنكاره يزول بأدنى إشارةٍ كما صرَّح به في "المفتاح".
فإن قلتَ: ما وجهُ دلالة "إنما" على النفي والإثبات؟ قلت: ذكر بعضُ الأصوليين أنّ إنَّ للإثبات، وما للنفي، ولا يتوجهان إلى شيء واحد؛ فإن لإثبات المذكور، وما لنفي غير المذكور. وهذا هو القصر. وهذا باطلٌ؛ وذلك أن إن لا تدخل إلّا على الاسم، وما لا تنفي إلا ما دخلتْ عليه بإجماع أهل العربية. فالحق أنه حرفٌ مستقل متضمن لمعنى النفي والإثبات.
فإن قلت: اللام في الأعمال للاستغراق فأي حاجة إلى إنما لإفادة الحصر؟ قلت: إنما ههنا لتأكيد معنى الحصر. فإن قلت: ما المراد بالأعمال، وما معنى كونها بالنية؛ إذ كم عملٍ يوجد بدون النية؟ وما حقيقةُ النية؛ والمرادُ بها في هذا المقام؟
قلت: أما الأعمالُ فهي الأعمالُ التي يُتَقَرَّبُ بها إلى الله تعالى، سواء كانت باللسان أو بالجَنَان، أو بالأركان. فلا يُوجد فعلٌ من الأفعال التي يُراد به الثوابُ إلا مقرونًا بالنية، فالباء للإلصاق.
فإن قلتَ: فالنية أيضًا عملٌ من أعمال القلب، فتحتاجُ إلى نية أخرى وهلم جرا؟ قلت: النية لا تحتاج إلى نية كالضوء، فإنه مضيءٌ لغيره، ولا يحتاج إلى ضوء آخر، وهذا ظاهر إذا رجعتَ إلى وجدانك.
فإن قلت: ما معنى النية؟ قلت: هي عزيمة القلب. قاله الجوهري، وهنا المراد العزيمة المقرونة بالتقرب، فهي عزيمة خاصة.
فإن قلتَ: الموقوف على النية صحة الأعمال أو ثوابها؟ قلتُ: اختلف الإمامان في ذلك؛ فقال أبو حنيفة: تقدير الكلام: لا ثوابَ لعملٍ بدون النية، وقال الشافعي: تقدير الكلام: لا صحة لعمل بدون النية؛ وذلك لأن غرضَ الشارع بيان ما يصحّ من العبادات وأما الثوابُ فهو فضلٌ من الله تعالى، وقال بعضُ المحققين: يمكن الجمع بين القولين؛
стр. 26
وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى،
ــ
وذلك بأن يجعل العمل مجازًا عن أثره الشامل للنوعين باعتبار كونهما داخلين في المعنى المجازي، فقد ظهر أن النيةَ المذكورة النيةُ الشرعيةُ، وأنها عزيمةُ القلب كما نقلناهُ عن أهل اللغة، وأن الأعمالَ شاملةٌ لعمل القلب، فسقط ما قيل: إن النية في الحديث هي اللغويةُ.
كيف لا والأفعال الاختيارية لا تخلو عن النية اللغوية، وما قيل: إن أعمال القلب لا تحتاج إلى النية، فلا يلتفت إليه، وهل يُعقل عملٌ تتقربُ به إلى الله بدون النية؟
والعجبُ من هذا القائل أنه ذكر أن الترك يحتاج إلى النية إذا أريدَ به التقرب، وهل التركُ إلا فعلُ القلب وهو كفّ النفس، قال: والتوحيد لا يحتاج إلى النية؛ لأنه فعل القلب، وقد بان لك فسادُهُ، كيف وأعمالُ القلب أشرفُ؟ وسيأتي في كتاب "الإيمان": "من أحب لله وأبغض فقد استكملَ الإيمان"، وأيّ فائدة في القيد بقوله: لله، سوى النية!؟
فإن قلتَ: إذا كانت النيةُ الشرعيةُ فكيف يصحّ قوله: "ومن كانت هجرتُه إلى دنيا"؟ قلتُ: هذا مذكور استطرادًا؛ لأن الأشياء تظهرُ بأضدادها، وكان ذلك أيضًا سببَ ورود الحديث كما سنذكره.
قال النووي: وأما إزالة النجاسة فلا تفتقرُ إلى النية؛ لأنها من باب التروك وقد أوجبها بعضُهم وهو باطل. ورَدّ عليه بعضُ الشارحين بأنه ليس بباطل بل هو الحق؛ لأن الترك كفُّ النفس، فإذا أريدَ به الثوابُ فلا بُدّ من النية، وقد أخطأ في الردّ، وذلك أن كلام النووي إنما هو في حصول إزالة النجاسة بدون النية، ولا تجبُ فيها النيةُ إجماعًا، ولا يُنكر أن من كفُّ النفسَ عن الزنا وسائر المحرمات يثاب عليها إذا قَصَد التقرُّب إلى الله، وتَرَكَها خوفًا منه كما صرّح به صريحُ الحديث: "إنما تركها من جزَائي" أي: لأجلي.
فإن قلت: إذا خُصَّت النيةُ بالعبادات، فما معنى النية في كنايات الطلاق؟ قلتُ: النيةُ لغويةٌ هناك، وهو القصدُ إلى أحد المعنيين.
(وإنما لكل امرئٍ ما نوى): الحصر في الأعمال بالنيات حصرُ المسند إليه في المسند، كما لخّصناه، وهذا حصرُ المسند في المسند إليه. ومعناه: لا يحصُلُ لامرئٍ إلا مَنْوِيُّهُ، فلو أراد أن يصلي صلاة العصر ونوى الظهرَ لا يحصُل له العصرُ، وإن صَدَقَ على عمله أنه مقرونٌ بالنية، فقد بان أن الحصر الأول لا يغني عن الثاني.
стр. 27
فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». [الحديث ١ - أطرافه في: ٥٤، ٢٥٢٩، ٣٨٩٨، ٥٠٧٠، ٦٦٨٩، ٦٩٥٣].
ــ
فإن قلتَ: أشرطٌ أم ركنٌ؟ قلتُ: قال بكلِّ طائفةٌ، والظاهرُ أنها ركنٌ في الصلاة، لأن أولها شرطٌ في غيرها، وهذه القضيةُ على اصطلاح أهل المنطق تُسمى: قضية منحرفة؛ لأن لفظ السور وهو كلٌ دَخَل على المحمول.
(فمن كانت هجرتُه إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأةٍ ينكحها فهجرتُهُ إلى ما هاجر إليه) الدنيا فعلٌ من: الدُّنُوّ تأنيث أدنى فكان القياس أن تكون باللام، وإنما جُرّدت عنه لأنها خرجتْ عن الوصفية إلى الاسمية، لأنها عَلَمُ هذه الدار، كما أن الآخرة علمٌ لتلك الدار. والأظهرُ أن المراد: شيءٌ من متاع الدنيا، ولذلك أردفَهُ بذكر المرأة التي هي أحدُ أشياء هذه الدار.
اتفق أهلُ الحديث على أن سببَ ورود الحديث أن امرأةً تُسمى أمَّ قيس. قال ابن دِحْية: واسمُها قيلة الهُذَلية، من قبيلة عبد الله بن مسعود، هاجرتْ إلى المدينة، فهاجر لأجلها رجلٌ، ولا يُعرف اسمُه، وإنما اشتهر بين الناس: بمهاجر أمّ قيس.
فإن قلتَ: ما معنى قوله: "فهجرتُه إلى ما هاجر إليه"؟ قلتُ: معناه أن هجرته تلك الخسيسةَ التي لا يمكن ذكرها لدناءتها، كما في عَكْسِها (فهجرتُه إلى الله ورسوله) أي: تلك الهجرة التي لا يمكن شرحُ فضلها، وزال بهذا تَوَهُّم اتحاد الشرط والجزاء، ومن قدَّر الجزاء بقوله: فهجرتُهُ غيرُ مقبولة، أو غير صحيحة. فقد أنزل الكلامَ من أوج البلاغة وفسيحه.
فإن قلتَ: وَضَع الباب في بيان بدء الوحي، وذكر حديث: "إنما الأعمال بالنيات" ولا تعلُق له بذلك؟ قلتُ: أشار أمام المقصود إلى أن نيته في تأليف كتابه خالصة لوجه الله. قال الخطابي: كان المتقدمون من شيوخنا يستحبون تقديم هذا الحديث أمامَ كل شيء يُبدأ به من أمور الدين.
فإن قلتَ: قد رَوَى البخاري هذا الحديثَ في سبعة مواضعَ من كتابه، وهذا أخصرُ طُرقه، فلِمَ خَصَّه بالذكر هنا؟ قلتُ: لأن غرضَهُ -كما ذكرنا- الإشارةُ إلى إخلاصه في هذا التأليف، وهو كافٍ في تلك الإشارة، فلا حاجة إلى التطويل. وقال بعضُهم: إنما خَصَّه بالذكر لروايته عن الإمام الكبير وهو الحميدي، وفيه بُعْدٌ لا يخفى.
قال المنذري: زعم قومٌ أن هذا الحديث متواترٌ، وهو غلطٌ؛ لأنه من عُمر إلى يحيى بن سعيد الأنصاري روايةُ واحد، ومن يحيى رواه جمٌّ غفيرٌ، قال: فهو غريبٌ في أوله، مشهورٌ في آخره؟
стр. 28
٢ - باب
٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂،
ــ
قلتُ: نَقَل عمر بنُ أبي الحسن في "تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج" نقلًا عن ابن منده الأصفهاني أن نحوًا من عشرين من الصحابة وافقَ عُمَر في الرواية عن رسول الله ﷺ فعلى هذا: الحديثُ غريبٌ في الوسط، مشهورٌ في الطرفين، إلا أن شيخ الإسلام قال: لم يصحّ ذلك، هان رواه غير ابن منده أيضًا.
فإن قلتَ: ذكره في الإسناد تارة لفظ: حدثنا، وتارةً: أخبرنا، وتارةً: سمعتُ؟ قلتُ: إما أنه لا يرى الفَرْقَ بين هذه الألفاظ كما نَقَل في كتاب العلم عن ابن عيينة، أو وقَع له كذلك.
٢ - (عبد الله بن يوسف): ذكروا في يُوسُف ستةَ أوجهٍ؛ الحركات الثلاث في السين مع الهمز وبدونه.
(مالك) ابن أنس بن أبي عامر الأصبحي، وأَصْبَحُ قبيلةٌ من حِمْيَر. قال الجوهري: وأصبح من ملوك اليمن، وإليه النسبةُ، إمام دار الهجرة، فضائلُه لا تُعَدُّ، شيخ الشافعي وكفاه فضلًا. قال البخاري: أصحّ الإسناد مالك عن نافع عن ابن عمر. وقال أبو الفضل المقدسي: بقي مالك في بطن أمه ثلاث سنين. قال ابنُ الصلاح: ميلادُهُ سنة ثلاثٍ وتسعين، وقيل: إحدى وتسعين، وقيل: أربع، وقيل: سبع، ومات وعمره تسعون سنةً.
(هشام) -بكسر الهاء وشين معجمة- ابن عروة بن الزبير، هو وأبوه من التابعين، وُلد هو وعُمر بن عبد العزيز عام مقتل حسين عام ستين.
(عائشة:) بهمزةٍ بعد الألف (أم المومنين)، صِدّيقة بنت الصديق، أفضلُ نساء هذه الأمة بعد فاطمة على الأصح، تزوّجها رسولُ الله ﷺ بمكة قبل الهجرة بسنتين وهي بنتُ ستٍ، وبنى بها بالمدينة وهي بنتُ تسعٍ، وتوفي عنها وهي بنت ثماني عشر سنةً، أعلمُ الناس بالقرآن والحديث والشعر. وسيأتي في الكتاب كثير من مناقبها. تكَنّى أمَّ عبد الله، ولا يُشترط
стр. 29
أَنَّ الحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ ﵁ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ» قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ فِي اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ
ــ
في الكُنى وجود المعنى. وقيل: كُنّيتْ بابن أختٍ لها عبد الله بن الزبير، وقيل: بسقط لها من رسول الله ﷺ ولا يصحُّ.
(أن الحارث بن هشام) هو أخو أبي جهل ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]. قال الذهبي: استشهد في يرموك: وقيل: مات في طاعون عَمواس، وكان إسلامه سنة الفتح من المؤلفة، إلا أنه حُسن إسلامُهُ، وكان جَوَادًا، نَقَل ابنُ عبد البرّ أن رسول الله ﷺ قال فيه: "إنه كِسْرِيٌّ، وكان أبوه كِسْرِيًّا" نسبةً إلى كسرى ملك الفرس "وددت أن لو أسلم"، وكان يسكن مكة، فلما عَزَم على النُّقْلة تبعه أهلُ مكة يبكون عليه لكثرة جوده، فوقف في البطحاء وقال: والله ما خرجتُ رغبةً بنفسي عند نفسكم، ولكن هذه نُقْلَة إلى الله.
(كيف يأتيك الوحي) أي: حامل الوحي، الإسناد فيه حُكْمي (أحيانًا يأتيني مثلَ صلصلة الجرس) الصَّلْصَةَ: صوتُ الحديد، يقال: صَل الحديدَ وصَلْصَلَ. والجرسُ لغةً الصوتُ الخفي، والمراد به في الحديث: الجُلْجُل الذي في عُنُق الدواب.
(فيُفصم عني) بضم الياء وفتحها، وكسر الصاد، ويُروى: بضم الياء وفتح الصاد على بناء المفعول من الفَصْم وهو الكسرُ من غير إبانةٍ وانفصالٍ، وعكسُه: القَصْم بالقاف. وفيه إشارة إلى أن انفصاله عنه ليس انفصال وداعٍ. (وعيتُ عنه ما قاله) أي: حفظتُ من الوعاء وهو الظرف الحافظ للمظروف (وأحيانًا يتمثل لي المَلَكُ رجلًا فيُكَلّمني فأعي ما يقول) أي: يتصورُ لي المَلَكُ في صورة الرجل، وليس التكلف من لوازم الفعل، والتمثُّلُ في صورة الرجل من أهون ما يكون على المَلَك.
فإن قلتَ: لِمَ قال هنا: "فأعي ما يقول" وفي الأول: "وقد وعيتُ ما قال"؟ قلتُ: لأن المَلَك في صورة الرجل على طريقة التعلم يُفهم عنه حين الأخذ، بخلاف هناك؛ فإن تلك الحالة شديدة لا يَقْدِرُ فيها على الضبط، فإذا انكشفت عنه يرى نفسَه منتعشة بتلك المقالة لمحض خلق الله تعالى، كالنائم الذي يرى الرؤيا.
стр. 30
وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا. . [الحديث ٢ - طرفه في: ٣٢١٥].
٣ - باب
٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ،
ــ
وقيل: لأن الوعي حصل في الأول قبل الفصم ولا يتصور بعده، وفي الثاني: الوعي حَالَ المكالمة ولا يتصور قبلها.
قلتُ: فكان الجواب أن يقول: فأعي؛ لأن الوعي حالَ المكالمة لا بعدها -كما صرّح به- ولا قبلها، لأنه محال. على أن قوله: وفي الثاني لا يتصور قبلها: حشوٌ؛ لأن ذلك محالٌ لا يذهب إليه وَهْمٌ.
فإن قلت: هناك حالة ثالثة للوحي وهي الرؤيا؛ لأن رؤيا الأنبياء وحيٌ؟ قلتُ: ذلك معلومٌ لا يُسأل عنه لأن حاله فيها كحال سائر الناس، وقيل: لأن الوحي بالرؤيا كان قبل مجيء المَلَك، وليس بشيءٍ؛ لأن رؤياه وحي مطلقًا؛ قبل مجيء المَلَك وبعده. أَلَا ترى إلى قول عائشة في حديث الإفك: "كنتُ أقول عسى أنه يرى رؤيا يُبَرِّئُني الله فيها"؟
وأيضًا: سؤاله لم يكن عن الوحي الذي يجيء به المَلَك حتى يُجاب بأن ذلك قبل مجيء الملك. ألَا ترى إلى قوله: "كيف يأتيك الوحي" أطلقه.
(وإن جَبينَه ليتفصَّدُ عَرَقًا). دلّ على شدة الحالة عليه من وجوه: الفصدُ الدالُ على السَّيلان، وصيغة التفعُّل الدالة على الكثرة، واليومُ الشديدُ البردِ، وإيقاع العرق تميُّزًا.
فإن قلتَ: الباب موضوع لبيان بدء الوحي، وليس في الحديث ذكرُ البدء؟ قلتُ: سؤاله عن كيفية إتيان الوحي يدخل فيه الابتداء وغيره وكذا جوابه؛ لأن حالة البدء لا تخلو عن تينك الحالتين، وهذا شأن المؤلف في هذا الكتاب. يَستدلُّ على الترجمة بما فيه خفاء، على أنهم قالوا: لا يلزم أن يكون في كل حديثٍ ذكر في الباب دلالة على الترجمة، بل إذا وُجد حديث واحد كفى، وحديثُ عائشة بعده صريحٌ في بدء الوحي، لكن الأولَ هو الوجهُ، وسنشير في كل باب إلى ذلك، ولعل الوجه الئاني إنما ذكره من لم يقدر على استخراج الوجه الأول، وإلّا فالترجمة حُكمٌ، والأحاديثُ المُورَدَةُ في الباب أدلته، فلا بُدّ من وجه الدلالة.
٣ - (يحيى بن بُكَير) بضم الباء مصغر بكر (الليث) مرادف الأسد هو ابن سعد بن عبد الرحمن، أبو الحارث الفهمي مولاهم المصري. سَمِعَ الزهريَّ وغيرَهُ، الجَوَاد، قال
стр. 31
عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ،
ــ
قُتَيبة: كان دخلُه كلَّ سنةٍ ثمانين ألفَ دينار، ولم تجب عليه الزكاة في عمره. وقال الشافعي.
كان أفقهَ من مالك، ولكن ضَيَّع عملَهُ أصحابُه، وكان يتأسف على عدم لقائه (عُقيل) بضم العين على وزن المصغر (ابن شِهاب) -بكسر الشين- هو محمد بن مسلم بن عبد الله الزهري القريشي، نسبةً إلى جده الأعلى زهرة بن كلاب: تابعي جليلُ القدر بالمحل الأعلى من الحفظ والإتقان، وأحسنُ الرواة سياقًا للمتون، رأى عشرةً من الصحابة، ولم يتفق لأحدٍ ما اتفق له من التلاميذ، رَوَى عنه مالكٌ والليث، وكفاه ذلك منقبةً.
(أولُ ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحةُ) مِن: بيانية أو تبعيضية، والثاني أظهر. والرؤيا: مصدر رأى، يطلق على ما يُرى في اليقظة والمنام. قاله ابنُ عباس، وذكره في "الكشاف". والثاني هو المراد من الحديث، وهو أن يُخلق في قلب النائم الإدراكُ على نحو ما كان يدرك في اليقظة بواسطة الحواس، إذ المقابلةُ، وتوسطُ المسافة، والحَدَقة ليست بشرط في الرؤية. ألَا ترى أن رسول الله ﷺ كان يرى من ورائه كما كان يرى من قُدَّامه؟ وقيل: أو يخلق الله في حواشه؛ وفيه: أن الحواس لا دَرْكَ لها في حالة النوم، أَلَا ترى إلى قوله ﷺ : "تنام عيناي ولا ينام قلبي".
"والصالحةُ" هي الصادقةُ كما وقع كذلك في باب التفسير وكذا لمسلم في باب بدء الوحي، ويجوز أن يُراد بالصالحة: ما يدل على المعنى الحَسَن من الأمور المستقبلة، وما فيه بشارة (فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثلَ فَلَق الصبح) فَلَقُ الصبح: ضياؤه، يُضرب المثلُ به لأمرٍ يكون في غاية الوضوح وهو الصبح أيضًا قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١].
فإن قلتَ: ما الحكمة في البداءة بالرؤيا دون مجيء المَلَك؛ قلتُ: يَسْتَشْعِر بكرامَةٍ من الله ويَتَدَرَّج حتى إذا جاء المَلَك لا يحمله على الشيطان؛ فإن تلك المقدماتِ لا تلائم
стр. 32
ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى
ــ
الشيطان وقيل: لأنه لو جاء الملك ثم لم يَحمِل القوةَ البشرية. وهذا فاسدٌ؛ لأن المَلَك لم يجئ بالوحي إلا في صورة البشر، وإنما رآه في صورته مرتين، ولم يكن فيها آتيًا بالوحي وأيضًا: ماذا تكسب القوة البشرية من الرؤيا حتى يقوى بعد ذلك على ملاقاة المَلَك؟
(ثم حُبِّب إليه الخَلَاء) بالمد مصدر خلا إذا انفرد، وهذا دأبُ السالك: إذا استأنسَ بالله استوحشَ من الخَلْق (بغار حراء) الغار والمغارة: الكهف والثقب في الجبل. وحراء: ممدودٌ يصرف ولا يصرف جبل بمكة على يسار الذاهب إلى منى، بينه وبين مكة ثلاثةُ أميال.
(فيتحنثُ فيه) الحِنْث: الإثم أي: تجنب الحِنْثَ الذي يحصُل من الاختلاط بالناس، مثلُه تجرَّح وتَأَلَّم (وهو التعبُّد) من قول عائشة، ويجوزُ أن يكون مندرجًا من الزهري (الليالي) ظرفٌ للتحنث دون التعبُّد، لأنه تفسير المتحنث. فلو قُيّد بالليالي لزم منه اختصاصُ التحنث بالليالي، وفساده لائحٌ. وإنما اكتفى بالليالي، لأنها غُرر الأيام، ودلَّ على إرادتهما معًا.
قوله: "قبل أن ينزع إلى أهله" (ذوات العدد) وفي رواية مسلم: "أولاتُ العدد" أي: ليالي قليلة، لأن العدّ يجري في القليل غالبًا، وقيل: ليالي كثيرة يعتدّ بها، وهذا أنسب بقوله: (قبل أن ينزع إلى أهله) لأن الشوق إلى الأهل إنما يكون بعد مدةٍ.
- واختلف العلماء في كيفية تعبُّده، قيل: كان بشرع نوح، وقيل: بشرع إبراهيم، وقيل: بشرعِ موسى وعيسى. والأظهر أنه كان يجتهدُ.
وأما الحُسْن والقُبح عقلًا فباطلٌ عند أهل الحق، فكيف يُحمل عليه، وكذا شرع نفسه بالرؤيا من وجوه:
الأول: أن الكلام ليس في تعبُّده بعد النبوة، بل بعد بلوغه مبلغ الرجال، والمسألة معروفة.
الثاني: أنه حالةَ الرؤيا لم يكن عالمًا بأنه وحيٌ، بل بعد مجيء المَلَك أيضًا لم يكن عالمًا، أخبره ورقةُ بن نوفل. وبعده أيضًا دلّت عليه الأحاديث في البخاري وغيره، ولمَ كان يذهب إلى الشواهق ليُلقي نفسَه لو كان عالمًا بالنبوة؟ ولو سُلّم أنه كان عالمًا لم يَجُزْ له العملُ ما لم يكن رسولًا بشرع محدّد، إلا أن ترى أن أنبياء بني إسرائيل كانوا بنبوتهم عالمين بشريعة موسى؟
стр. 33
خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»، قَالَ: " فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي،
ــ
فإن قلت: نُقل عن القاضي عياض أنه: لم يَشْكَّ في رسالته بعد إتيان المَلَك؟ قلتُ: مودودٌ بما ذكرنا من الأحاديث.
(خديجة) بنت خُويلد -بضم الخاء على وزن المصغر-: ابن أسد بن عبد العزى بن قُصي، تزوّجها رسول الله ﷺ وهو ابنُ خمسٍ وعشرين سنة وهي بنت أربعين سنةً، ولم يتزوج عليها ما دامت حيةً، توفيت قبل الهجرة بثلاث سنين، وستأتي مناقبها في الكتاب، في المناقب.
(فيتزوَّد لمثلها) أي: لمثل تلك الليالي (حتى جاءه الحق) أي: حامل الوحي، وأشار بالحق إلى أنه الدينُ الثابت إلى آخر الدهر، من: حقَّ الشيءُ إذا ثَبَتَ، أو الحق الذي هو ضدّ الباطل من الكهانة وغيرها (فجاءه المَلَكُ) تفصيلٌ لكيفية مجيء الحق نحو: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ﴾ [هود: ٤٥] ففي رواية لمسلم: فَجِئه -بفتح الفاء وكسر الجيم- من المفاجاة أي: جاء بغتةً من غير سبقِ إشعار، (فقال: اقرأ) قلتُ: (ما أنا بقارئ) وفي بعضها: "قال" بدل "قلتُ" على أنه كلام خديجة حكايةً عن حاله. و"ما" نافية، نفى كونه قارئًا وقيل: استفهامية ولا معنى لها. والاستدلالُ عليها برواية: "ما أقرأُ؟ " ليس بشيء، لأنها نافية أيضًا، ولم سُلِّم فلا دلالةَ. أو يكون قد قال ذلك. وهذا أيضًا كما روي أنه قال: "كيف أقرأُ؟ " فلا منافاة. والظاهر في القصر أنه قصرُ إفرادٍ؛ فإن رسول الله ﷺ حَمَل كلامه على أنه ظنه قارئًا كسائر الناس، فقال أنا الذي مقصور على عدم القراءة، فإن المسند إليه إذا وَليه حرفُ النفي نحو: ما أنا قلتُ، هذا يفيد ثبوت القول، وأنت تنفيه عنك. وحَمَله بعضُهم على التقوى، لأن القصر يفيد ردّ المخاطب من الخطأ إلى الصواب، ولا يتصور ذلك في جبريل ﵇، وتكلّف آخرون في توجيه القَصْرِ بما لا يُرْتَضى. وكل ذلك خبطٌ؛ لأنه لم يَدْرِ أنه مَلَك فضلًا عن كونه جبريل.
(فأخذني فغطَّني) الغَطّ أصله: الغوص في الماء، أُريدَ به العصر الشديد. قيل: إنما
стр. 34
فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ [العلق: ٢] " فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ ﵂، فَقَالَ: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي» فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الخَبَرَ: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي» فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا،
ــ
غَطَّه مكررًا لجمع حواسّه لما يلقي إليه من الكلام، وليس بذلك؛ لأن هذا التعذيب المفرط في مثل رسول الله ﷺ بل حتى من صبيان الكتاب يجمع حواسّه بدون ذلك. والصواب أنه إنما شَدّد عليه ذلك التشديدَ البليغ ليختبر به أمانتَه وديانتَه، هل يقول من عنده شيئًا، كما يفعله كثير من الثقات إذا وقع في المضائق. وقيل: ليُفرِغَ فيه من الصفات الملكية. وهذا أيضًا من ذلك النمط، إذ لا معنى لانتقال الصفات. ولو سُلّم فالمعانقةُ في ذلك كافيةٌ.
(حتى بَلَغ مني الجُهدَ) بضم الجيم: الوُسع والطاقة، وبالفتح: المشقة والغاية. وقيل: هما لغتان في الوسع، وفي المشقة والغاية الفتحُ لا غير. وروي بالرفع أي: بلغ الوسعُ أو المشقةُ مني غايتَهُ. وبالنصب أي: بلغ الملكُ مني غايةَ وسعه ونهايةَ مشقته.
(فرجع بها رسولُ الله ﷺ ) أي: بالآيات، أو بالشدة والمشقة التي لقيها من الغطّة (يَرْجُف فؤادُه) يضطربُ من الرعب كما يقع لمن خاف خوفًا شديدًا. والفؤاد داخلُ القلب، وقيل: غشاؤه. وقيل: هو القلبُ (زمّلوني) أي: لفوني في ثوب؛ فإن الخائفَ إذا غُطّي بثوب يجمع جوانبه يزول عنه ذلك الاضطرابُ. من الزِّمل بكسر الزاي وهو الحِمْل؛ لأنه يغطي المحمول عليه (فزمَّلُوه حتى ذَهَب عنه الرَّوع) بفتح الراء: الخوف الذي يضطرب له، الرُّوع: بضم الراء وهو النفس (فقال لخديجة وأخبرها الخبر) أي: ما جرى له في الغار (لقد خشيتُ على نفسي) هذا مقول القول. اللام فيه جواب قسم محذوف، فسقط بهذا مَا يقال: إنما عَرَف أنه المَلَك بما نَصَب له من الدليل، كما نعرفُ نحن رسول الله ﷺ بالمعجزة؟ كيف ولو عَرَف أنه مَلَكٌ لم يكن أشدَّ سرورًا من ذلك اليوم؟ وهل ذهاب خديجةَ به إلى ورقة إلا للالتباس عليه.
(كلا لا يُخزيك الله أبدًا) -بضم الياء والخاء المعجمة- من الخزي وهو الفضيحة،
стр. 35
إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ
ــ
ورُوي بالحاء المهملة. وكذا في رواية معْمر في مسلم بضم الياء وفتحها لغتان. وقال إمام النحو خليل بن أحمد: يقال: أحزَنَهُ، أدخَلَ فيه الحُزْن، وحَزَن جعله حزينًا (إنك لتَصِلُ الرَّحم) صلة الرحم هو الإحسانُ على الأقارب بالمال وحسن المعاشرة، وإن كان مشتغلًا بالعلم يكفية المكاتبةُ إليهم (وتحمل الكَلَّ) أي: الثقل عن المصاب، ومن وقع في غرامة أو شدةِ من الكَلَال وهو الإعياء (وتَكْسِب المعدومَ) - بفتح التاء - قال ابن الأثير: يقال: كسبت المالَ وكسبتُ زيدًا مالًا وأكسبته مالًا. فإن كان من الأول فالمعنى: إنك تصل إلى كل معدوم وتناله، فلا يتعذر لبعده عليك. وإن جعلتَه مُتعدّيًا إلى اثنين فتريد: إنك تعطي الناسَ الشيءَ المعدوم عندهم وتوصله إليهم. وهذا أَولى القولين؛ لأنه أشبه بما قبله من التفضل والإنعام، إذ لا إنعام في أن يكسب مالًا لنفسه، هذا كلامه.
وقال النووي: معناه يَكْسِبه ويصرفه في وجوه الدين. والحقُّ أن هذا شيء لا يدل عليه الكلامُ. والأَوْلى في توجيه ذلك الوجه أن العرب كانوا يفتخرون بذلك، فكأنها أرادت أن من يكون من الحظ والسعادة بتلك المنزلة، يَبْعُد اْن يُصاب بمكروه.
(وتُعين على نوائب الحق) جمع نائبة وهي الحادثة من نابه إذا قَصَدَه. وإضافته إلى الحق احترازًا من نوائب الشر والفساد.
وفي الحديث دلالة على أن الخصال الفاضلة تكون دافعةً للآفات، وعلى كمال أمّ المؤمنين، وغزارة فهمها وعلو شأنها في البلاغة؛ لأن الإحسان إما إلى الأقارب أو الأجانب، وكل واحد إما أن يستقل الإنسان به أو لا. والإحسان أيضًا إما بالمال أو بالبدن أو بكل منهما، وقد استوفت هذه المحاسن فيه بأفصح اللغات وأرشق العبارات.
(فانطلقتْ به خديجة) الباء للمصاحبة (ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة) لأنها بنت خُويلد بن أسد بن عبد العزى وهو ابن نوفل بن عبد العزى. ويُكتَب ابن عم بالألف، لعدم وقوعه بين عَلَمين. هذا مصطلح الكتاب، وموافقٌ للعربية،
стр. 36
وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
ــ
وأما في المصاحف العثمانية فالألف ثابت مطلقًا، وصفًا كان أو خبرًا.
(وكان امرأً تَنَصَّر في الجاهلية) زمانُ الفترة بين رسول الله ﷺ وبين عيسى يسمى بالجاهلية، لعدم الوثوق بأقوال أهل الكتاب وظهور الجهل. وكان ورقةُ تَرَك عبادة الأوثان وتمسك بملة عيسى، وكان هو وزيد بن عمرو بن نُفيل خرجا يطلبان الدين بالشام فتَنَصَّر ورقةُ وقُتل زيد موحّدًا (وكان يكتب الكتابَ العبراني) وفي كتاب "الرؤيا": العربي بدل العبراني. وكذا في رواية مسلم والكل صحيحٌ؛ لأن الغرضَ بيان تمكنّه في العلم يتصرّف فيه كيف يشاء، وليس في الكلام دلالةٌ على أن الإنجيل ليس عبرانيًّا، بل قوله: (وكان يكتب الكتابَ العبراني) يدل عليه صريحًا، فإنه بيَّن أصله والمنقول إليه وهو العربي (اسمعْ من ابن أخيك) فيه تجوزُ فإن نَسَب ورقةَ يلاقي نَسَب رسول الله ﷺ في قُصى، أو هو على عُرف العرب يقولون لكل من كان أصغرَ سنًّا: ابن أخي (هذا الناموس الذي نزل الله [على] موسى) خُصّ موسى بالذكر، لأن أهل الكتاب متفقون على رسالته بخلاف عيسى، فإن اليهود ينكرونه. والناموس: فاعول من نمستُ السرَّ كتمتُهُ، يقال لصاحب السرّ الخير: ناموس، ولصاحب السرّ الشر: جاسوس، فهو من الصفات الغالبة كالأعلام الغالبة. وفي رواية زبير بن بكار. عيسى، بدل: موسى.
(يا ليتني فيها جَذَعًا) أي في أيام ظهور نُبوتك، والمنادى في مثله محذوف. قال ابنُ مالك: هذا ضعيفٌ؛ إذ لو كان كذلك لصرّح بالمنادى في موضع، بل "يا" فيه للتنبيه، كألا في قوله: ألا ليت شعري. وفيه نظرٌ؛ فإن "ألا" حرفُ تنبيهٍ وضعًا بخلاف "يا" فإنه حرف النداء إجماعًا، واستبعاده ساقط، إذ كم من أصل في كلام العرب قد هُجر، أَلَا ترى أنهم
стр. 37
«أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ»، قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الوَحْيُ. [الحديث ٣ - أطرافه في: ٣٣٩٢، ٤٩٥٣، ٤٩٥٥، ٤٩٥٦، ٤٩٥٧، ٦٩٨٢].
ــ
اتفقوا على أن المجاز لا يستلزم الحقيقة كما حققه المحققون في: أقدمني بلدَك حقٌّ لي، والجَذَعُ: الشابُ القوي، أصله في الحيوان العجمُ، واستعماله في الإنسان من استعمال المقيّد في المطلق استعارة أو مجازًا مرسلًا، وانتصابُهُ على الحال، أو على أنه خبر ليت عند من ينصب به الخبر كقول الشاعر:
إن حُراسَنَا أسدًا
أو كان مقدرًا (أَوَ مخرجيّ هم) أصله مخرجون. سقطت النون بالإضافة واجتمع الواو والياء وسُبقت إحداهما بالسكون، فقُلبت الواو ياءً وأُدغمت الياء في الياء، وكُسر ما قبلها. فهو مبتدأٌ وهم: فاعل سادٌّ مسدَّ الخبر، أو هم مبتدأ ومخرجيّ خبرُهُ، لأنه من قبيل: أقائم الزيدون؟ ومن قال: الياء الأولى ياءُ الجمع فقد سَهَا سهوًا بيّنًا؛ إنما كان سهوًا بينًا؛ لأن الاسم مرفوع بلا ريب، والاستفهام فيه للتعجب، استبعَدَ أن يكون مثلُه موصوفًا بالأمانة، ثم يأتي برسالة من الله، فيكون ذلك سببًا لإخراجه. و"إذ" في قوله: (إذ يخرجك) للاستقبال كقوله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١] وقولِ الشاعر:
متى ينال الفتى اليقظانُ حاجته ... إذ المقام بأرض اللهو والغزل
والنحاة حيث قالوا: إذ ظرف الزمان الماضي قدوةً بالأكثر. فلا وجهَ لما يقال: هذا من وظيفة علم المعاني.
(وإن يدركني يومُك أنصرك نصرًا مؤزرًا) المراد باليوم: مطلقُ الوقت، أراد وقت ظهوره ومخالفة القوم إياه. والنصر المُؤَزَّر على صيغة المفعول: القوي، من الأَزْر وهو القوة، وإنما أراد نصرَهُ بالدلائل والحُجج؛ لأنه كان أعمى، فلا قدرة له على شيء من أسباب القتال.
(ثم لم ينشب ورقةُ) بالفتح من نشب - بكسر الشين - أي: لم يلبث (أن تُوفِّي) على بناء المجهول بدل من ورقة بَدَل اشتمالٍ (وفَتَر الوحيُ) استعارةٌ من فتور الماء.
стр. 38
٤ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ، قَالَ: وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: " بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ
ــ
٤ - (قال ابن شهاب) هو الزهري (وأخبرني أبو سلمة) عطف على مقدر، أي: أخبرني عروة بما تقدم. وأخبرني أبو سلمة بما أذكره. ومثله يسمى تعليقًا وهو أن يَذكر الحديثَ عمن لم يَلْقه، سواء أسقطَ واحدًا من الرجال أو السندَ كلَّه. وقال: قال رسول الله ﷺ إن كان الحديث مرويًا عن رسول الله ﷺ أو رفعه إلى الصحابي إن كان من قوله كقول البخاري: قال عمر: "تَعَلَّموا قبل أن تَسُودوا". وهذا كثير في البخاري، وليس في مسلم بعد الخطبة تعليق إلا حديث واحد وهو حديث أبي الجهم بن الحارث بن الصِمّة في باب التيمم: "أقبل رسول الله ﷺ من بئر الحمل".
قال العراقي: ما في البخاري من التعليق إن كان مجزومًا به يُحكم بصحته، وإن كان بصيغة التمريض مثل يُذكر ورُوي ويقال ونُقل. فلا يُحكم بصحته.
قلتُ: مراده ما لم يوجد له أصلًا سند صحيح، وذلك أن في البخاري ما يكون له أصل صحيح، ويذكره بصيغة التمريض.
فإن قلتَ: ما وجه التسمية بالتعليق؟ قلتُ: قال ابن الصلاح: مأخوذ من الطلاق؛ لأن في كل واحدٍ منها قطع الإتصال.
فإن قلتَ: كيف يكون في البخاري ما ليس محكومًا بصحته، وقد قال: ليس في كتابي إلا ما صحَّ؟ قلتُ: قال ابن الصلاح: مراده مقاصدُ الكتاب وهو الأبواب دون التراجم ونحوها (وهو يحدث عن فترة الوحي) الضمير لجابر وهذه فترة الوحي، كان قريبًا من ثلاثة أعوام بعد نزول آيتين من سورة: اقرأ باسم ربك.
فإن قلتَ: ما الحكمة في هذا الانقطاع؛ قلت: ليروض نفسه بسماع المكروه من السفهاء فيعتاد تحمل المشاق،
(قال: بينا أنا أمشي) فاعل قال: رسولُ الله ﷺ (إذ سمعتُ صوتًا من السماء، فرفعتُ
стр. 39
بَصَرِي، فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي " فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]. فَحَمِيَ الوَحْيُ وَتَتَابَعَ
ــ
بصري، فإذا المَلَك الذي جاءني بحراءٍ على كرْسي) بضم الكاف وقد يكسر وهو معروف.
(فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] من: الدِّثَار وهو الثوبُ الذي فوق القميص، وما يلي الجسد هو الشّعار كما سيأتي في المناقب، قال في حق الأنصار: "الناسُ دِثار والأنصار شعار"؛ لأنه كان متدثرًا بثيابه من رُعبه لما رآه جالسًا على الكرسي، وكان عرف منه شدة حين غطّه في الغار، فخاف أن يناله منه شيء آخر. وقيل: فيه بشارة له بالنبوة، والمعنى: أيها المدثر بلباس النبوة. على التجوّز والاستعارة (فحمي الوحي وتتابع) استعارة حسنة لاتصال الوحي واستمراره بعد استعارة فترة الوحي لانقطاعه.
فإن قلتَ: عائشة لم تدرك أوائل النبوة، كيف أخبرتْ عنها؟ قلتُ: إما سمعتْ من رسول الله ﷺ ، أو من غيره، هذا من مراسيل الصحابة، مقبولٌ باتفاق العلماء إلا ما شذّ من أبي إسحاق الإسفراييني.
فإن قلتَ: ما قولُك في إيمان ورقةَ بن نوفل؟ قلت: مؤمنٌ كامل وصحابيٌ مكرَّم ﵁ كيف أدرك الحق وأذعن مع أنه من كبار أهل الكتاب الحاسدين الذين اشتروا بإيمانهم ثمنًا قليلًا. وروى الإمام أحمد والترمذي عن عائشة أن خديجةَ سألت عن حاله، وقالت: صدَّقك، ومات قبل ظهورك؟ فقال: "رأيتُهُ في المنام وعليه ثيابٌ بيض" ونقل المنذري بوجه آخر أيضًا يدل على حسن حاله.
فإن قلت: دلّ الحديثُ على أن أول ما نزل من القرآن آيتان من أول (﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، وفي رواية مسلم أن أول ما نزل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ وفي البخاري: أنَّ الأول سورةُ المدثر. رواه عن جابر. وفي بعض الروايات: سورة الفاتحة. قال النووي: وتبعه
стр. 40
تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَتَابَعَهُ هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ بَوَادِرُهُ. . [الحديث ٤ - أطرافه في: ٣٢٣٨، ٤٩٢٢، ٤٩٢٣، ٤٩٢٤، ٤٩٢٥، ٤٩٢٦،
٤٩٥٤، ٦٢١٤].
٤ - باب
٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ - فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا، وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ
ــ
الكَرْمَاني على أن تلك الرواية خطأٌ؟ قلتُ: يمكن توجيه تلك الرواية بأن يقال: الأول مطلقًا: أولُ اقرأ. وأولُ نازلٍ بعد الفترة أوائلُ المدثر، وأولُ سورةٍ كاملةٍ سورةُ الفاتحة. ولا نرد رواية الثقات إلا إذا لم يكن في المقام إمكانُ تأويل.
(تابعه عبد الله بن يوسف) المتابعةُ عبارة عن الموافقة في السند والمتن كمتابعة عبد الله بن يوسف يحيى بن بكر؛ فإن كل واحد منهما شيخ البخاري، فاشتركا في بقية السند والمتن، فأشار إلى ذلك على وجه الاختصار، وهذه متابعة تامة. وقد يكون فوق شيخه كقوله هنا: (وتابعه هلال بن رداد عن الزهري) أي: تابع عقيلًا والردّاد بالراء المهملة والدال مثلها مشددة آخره دال كذلك (بوادره) أي رواه كذلك: موضع فؤاده، والبوادر جمع بادرة: لحمةٌ بين المنكب والعُنُق ترجُفُ عند شدة الخوف.
٥ - (كان يعالج من التنزيل شدة) المعالجة المزاولة وكان سبب ذلك خوفه من الله أن يفوته شيء، فلما ضمن الله له بقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٩] ذلك اطمأن، (وكان مما يحرك شفتيه) قيل معناه: إن العلاج كان ناشئًا من تحريك شفتيه، وليس بشيء؛ فإن تحريك الشفتين ناشئ من العلاج. والحقُ أن "ما" بمعنى "من" أي: ممن يفعل ذلك،
следующие страницы →