Полный текст (5 311 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
ــ
وأما في المصاحف العثمانية فالألف ثابت مطلقًا، وصفًا كان أو خبرًا.
(وكان امرأً تَنَصَّر في الجاهلية) زمانُ الفترة بين رسول الله ﷺ وبين عيسى يسمى بالجاهلية، لعدم الوثوق بأقوال أهل الكتاب وظهور الجهل. وكان ورقةُ تَرَك عبادة الأوثان وتمسك بملة عيسى، وكان هو وزيد بن عمرو بن نُفيل خرجا يطلبان الدين بالشام فتَنَصَّر ورقةُ وقُتل زيد موحّدًا (وكان يكتب الكتابَ العبراني) وفي كتاب "الرؤيا": العربي بدل العبراني. وكذا في رواية مسلم والكل صحيحٌ؛ لأن الغرضَ بيان تمكنّه في العلم يتصرّف فيه كيف يشاء، وليس في الكلام دلالةٌ على أن الإنجيل ليس عبرانيًّا، بل قوله: (وكان يكتب الكتابَ العبراني) يدل عليه صريحًا، فإنه بيَّن أصله والمنقول إليه وهو العربي (اسمعْ من ابن أخيك) فيه تجوزُ فإن نَسَب ورقةَ يلاقي نَسَب رسول الله ﷺ في قُصى، أو هو على عُرف العرب يقولون لكل من كان أصغرَ سنًّا: ابن أخي (هذا الناموس الذي نزل الله [على] موسى) خُصّ موسى بالذكر، لأن أهل الكتاب متفقون على رسالته بخلاف عيسى، فإن اليهود ينكرونه. والناموس: فاعول من نمستُ السرَّ كتمتُهُ، يقال لصاحب السرّ الخير: ناموس، ولصاحب السرّ الشر: جاسوس، فهو من الصفات الغالبة كالأعلام الغالبة. وفي رواية زبير بن بكار. عيسى، بدل: موسى.
(يا ليتني فيها جَذَعًا) أي في أيام ظهور نُبوتك، والمنادى في مثله محذوف. قال ابنُ مالك: هذا ضعيفٌ؛ إذ لو كان كذلك لصرّح بالمنادى في موضع، بل "يا" فيه للتنبيه، كألا في قوله: ألا ليت شعري. وفيه نظرٌ؛ فإن "ألا" حرفُ تنبيهٍ وضعًا بخلاف "يا" فإنه حرف النداء إجماعًا، واستبعاده ساقط، إذ كم من أصل في كلام العرب قد هُجر، أَلَا ترى أنهم
стр. 37
«أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ»، قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الوَحْيُ. [الحديث ٣ - أطرافه في: ٣٣٩٢، ٤٩٥٣، ٤٩٥٥، ٤٩٥٦، ٤٩٥٧، ٦٩٨٢].
ــ
اتفقوا على أن المجاز لا يستلزم الحقيقة كما حققه المحققون في: أقدمني بلدَك حقٌّ لي، والجَذَعُ: الشابُ القوي، أصله في الحيوان العجمُ، واستعماله في الإنسان من استعمال المقيّد في المطلق استعارة أو مجازًا مرسلًا، وانتصابُهُ على الحال، أو على أنه خبر ليت عند من ينصب به الخبر كقول الشاعر:
إن حُراسَنَا أسدًا
أو كان مقدرًا (أَوَ مخرجيّ هم) أصله مخرجون. سقطت النون بالإضافة واجتمع الواو والياء وسُبقت إحداهما بالسكون، فقُلبت الواو ياءً وأُدغمت الياء في الياء، وكُسر ما قبلها. فهو مبتدأٌ وهم: فاعل سادٌّ مسدَّ الخبر، أو هم مبتدأ ومخرجيّ خبرُهُ، لأنه من قبيل: أقائم الزيدون؟ ومن قال: الياء الأولى ياءُ الجمع فقد سَهَا سهوًا بيّنًا؛ إنما كان سهوًا بينًا؛ لأن الاسم مرفوع بلا ريب، والاستفهام فيه للتعجب، استبعَدَ أن يكون مثلُه موصوفًا بالأمانة، ثم يأتي برسالة من الله، فيكون ذلك سببًا لإخراجه. و"إذ" في قوله: (إذ يخرجك) للاستقبال كقوله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١] وقولِ الشاعر:
متى ينال الفتى اليقظانُ حاجته ... إذ المقام بأرض اللهو والغزل
والنحاة حيث قالوا: إذ ظرف الزمان الماضي قدوةً بالأكثر. فلا وجهَ لما يقال: هذا من وظيفة علم المعاني.
(وإن يدركني يومُك أنصرك نصرًا مؤزرًا) المراد باليوم: مطلقُ الوقت، أراد وقت ظهوره ومخالفة القوم إياه. والنصر المُؤَزَّر على صيغة المفعول: القوي، من الأَزْر وهو القوة، وإنما أراد نصرَهُ بالدلائل والحُجج؛ لأنه كان أعمى، فلا قدرة له على شيء من أسباب القتال.
(ثم لم ينشب ورقةُ) بالفتح من نشب - بكسر الشين - أي: لم يلبث (أن تُوفِّي) على بناء المجهول بدل من ورقة بَدَل اشتمالٍ (وفَتَر الوحيُ) استعارةٌ من فتور الماء.
стр. 38
٤ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ، قَالَ: وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: " بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ
ــ
٤ - (قال ابن شهاب) هو الزهري (وأخبرني أبو سلمة) عطف على مقدر، أي: أخبرني عروة بما تقدم. وأخبرني أبو سلمة بما أذكره. ومثله يسمى تعليقًا وهو أن يَذكر الحديثَ عمن لم يَلْقه، سواء أسقطَ واحدًا من الرجال أو السندَ كلَّه. وقال: قال رسول الله ﷺ إن كان الحديث مرويًا عن رسول الله ﷺ أو رفعه إلى الصحابي إن كان من قوله كقول البخاري: قال عمر: "تَعَلَّموا قبل أن تَسُودوا". وهذا كثير في البخاري، وليس في مسلم بعد الخطبة تعليق إلا حديث واحد وهو حديث أبي الجهم بن الحارث بن الصِمّة في باب التيمم: "أقبل رسول الله ﷺ من بئر الحمل".
قال العراقي: ما في البخاري من التعليق إن كان مجزومًا به يُحكم بصحته، وإن كان بصيغة التمريض مثل يُذكر ورُوي ويقال ونُقل. فلا يُحكم بصحته.
قلتُ: مراده ما لم يوجد له أصلًا سند صحيح، وذلك أن في البخاري ما يكون له أصل صحيح، ويذكره بصيغة التمريض.
فإن قلتَ: ما وجه التسمية بالتعليق؟ قلتُ: قال ابن الصلاح: مأخوذ من الطلاق؛ لأن في كل واحدٍ منها قطع الإتصال.
فإن قلتَ: كيف يكون في البخاري ما ليس محكومًا بصحته، وقد قال: ليس في كتابي إلا ما صحَّ؟ قلتُ: قال ابن الصلاح: مراده مقاصدُ الكتاب وهو الأبواب دون التراجم ونحوها (وهو يحدث عن فترة الوحي) الضمير لجابر وهذه فترة الوحي، كان قريبًا من ثلاثة أعوام بعد نزول آيتين من سورة: اقرأ باسم ربك.
فإن قلتَ: ما الحكمة في هذا الانقطاع؛ قلت: ليروض نفسه بسماع المكروه من السفهاء فيعتاد تحمل المشاق،
(قال: بينا أنا أمشي) فاعل قال: رسولُ الله ﷺ (إذ سمعتُ صوتًا من السماء، فرفعتُ
стр. 39
بَصَرِي، فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي " فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]. فَحَمِيَ الوَحْيُ وَتَتَابَعَ
ــ
بصري، فإذا المَلَك الذي جاءني بحراءٍ على كرْسي) بضم الكاف وقد يكسر وهو معروف.
(فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] من: الدِّثَار وهو الثوبُ الذي فوق القميص، وما يلي الجسد هو الشّعار كما سيأتي في المناقب، قال في حق الأنصار: "الناسُ دِثار والأنصار شعار"؛ لأنه كان متدثرًا بثيابه من رُعبه لما رآه جالسًا على الكرسي، وكان عرف منه شدة حين غطّه في الغار، فخاف أن يناله منه شيء آخر. وقيل: فيه بشارة له بالنبوة، والمعنى: أيها المدثر بلباس النبوة. على التجوّز والاستعارة (فحمي الوحي وتتابع) استعارة حسنة لاتصال الوحي واستمراره بعد استعارة فترة الوحي لانقطاعه.
فإن قلتَ: عائشة لم تدرك أوائل النبوة، كيف أخبرتْ عنها؟ قلتُ: إما سمعتْ من رسول الله ﷺ ، أو من غيره، هذا من مراسيل الصحابة، مقبولٌ باتفاق العلماء إلا ما شذّ من أبي إسحاق الإسفراييني.
فإن قلتَ: ما قولُك في إيمان ورقةَ بن نوفل؟ قلت: مؤمنٌ كامل وصحابيٌ مكرَّم ﵁ كيف أدرك الحق وأذعن مع أنه من كبار أهل الكتاب الحاسدين الذين اشتروا بإيمانهم ثمنًا قليلًا. وروى الإمام أحمد والترمذي عن عائشة أن خديجةَ سألت عن حاله، وقالت: صدَّقك، ومات قبل ظهورك؟ فقال: "رأيتُهُ في المنام وعليه ثيابٌ بيض" ونقل المنذري بوجه آخر أيضًا يدل على حسن حاله.
فإن قلت: دلّ الحديثُ على أن أول ما نزل من القرآن آيتان من أول (﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، وفي رواية مسلم أن أول ما نزل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ وفي البخاري: أنَّ الأول سورةُ المدثر. رواه عن جابر. وفي بعض الروايات: سورة الفاتحة. قال النووي: وتبعه
стр. 40
تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَتَابَعَهُ هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ بَوَادِرُهُ. . [الحديث ٤ - أطرافه في: ٣٢٣٨، ٤٩٢٢، ٤٩٢٣، ٤٩٢٤، ٤٩٢٥، ٤٩٢٦،
٤٩٥٤، ٦٢١٤].
٤ - باب
٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ - فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا، وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ
ــ
الكَرْمَاني على أن تلك الرواية خطأٌ؟ قلتُ: يمكن توجيه تلك الرواية بأن يقال: الأول مطلقًا: أولُ اقرأ. وأولُ نازلٍ بعد الفترة أوائلُ المدثر، وأولُ سورةٍ كاملةٍ سورةُ الفاتحة. ولا نرد رواية الثقات إلا إذا لم يكن في المقام إمكانُ تأويل.
(تابعه عبد الله بن يوسف) المتابعةُ عبارة عن الموافقة في السند والمتن كمتابعة عبد الله بن يوسف يحيى بن بكر؛ فإن كل واحد منهما شيخ البخاري، فاشتركا في بقية السند والمتن، فأشار إلى ذلك على وجه الاختصار، وهذه متابعة تامة. وقد يكون فوق شيخه كقوله هنا: (وتابعه هلال بن رداد عن الزهري) أي: تابع عقيلًا والردّاد بالراء المهملة والدال مثلها مشددة آخره دال كذلك (بوادره) أي رواه كذلك: موضع فؤاده، والبوادر جمع بادرة: لحمةٌ بين المنكب والعُنُق ترجُفُ عند شدة الخوف.
٥ - (كان يعالج من التنزيل شدة) المعالجة المزاولة وكان سبب ذلك خوفه من الله أن يفوته شيء، فلما ضمن الله له بقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٩] ذلك اطمأن، (وكان مما يحرك شفتيه) قيل معناه: إن العلاج كان ناشئًا من تحريك شفتيه، وليس بشيء؛ فإن تحريك الشفتين ناشئ من العلاج. والحقُ أن "ما" بمعنى "من" أي: ممن يفعل ذلك،
стр. 41
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] قَالَ: جَمْعُهُ لَكَ فِي صَدْرِكَ وَتَقْرَأَهُ: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا قَرَأَهُ. [الحديث ٥ - أطرافه في: ٤٩٢٧، ٤٩٢٨، ٤٩٢٩، ٥٠٤٤، ٧٥٢٤].
٥ - باب
٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ح وحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، نَحْوَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ،
ــ
(فأنزل اللهُ) عطف على كان يعالج (جَمْعه لك) -بفتح الجيم وسكون الميم- رواية أبي ذر وللأصيلي بسكون الميم وضم العين وحذف في ورفع راء صدرك، وغيرهما: - بفتح الميم والعين - على صيغة الفعل ورفع صدرك على الفاعلية. ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ [القيامة: ١٨] الإسناد مجازي أي: إذا قرأ جبريل. وأسنده إلى ذاته المقدسة إعظامًا لشأن جبريل إلى عظم المنزل، واهتمامًا بشأن المنزل إليه.
اعلم أنه يقع في البخاري وفي مسلم أكثر لفظ (ح) كذا على طريق حروف التهجي، واختلف العلماء في ذلك: قال العراقي: والذي عليه عمل أهل الحديث أن القارئ ينطق بها على طريق الهجاء حاء مهملةً؛ إشارة إلى تحوُّل الإسناد وذلك إذا اجتمع على متن واحد إسنادان أو أكثر. وقال بعضُهم: إشارةً إلى الحديث يعني أن الحديث في هذا الإسناد هو حديث الإسناد الأول. قال ابن الصلاح: وجدتُ بخط الأستاذ أبي عثمان الصابوني، والحافظ أبي مسلم الليثي، والفقيهِ المحدث أبي سعيد بدل الحاء لفظ: صح. قال: وهذا حسنُ؛ لئلا يُتوهم أن حديث هذا الإسناد سقط، ولئلا يُركبَ الإسنادَ الثاني على الأول مَنْ لا خبرة له فيجعله إسنادًا واحدًا.
فإن قلت: فهلا يرويه بذلك الإسناد ابتداءً؟ قلتُ: يؤثر الاختصار.
٦ - (كان رسول الله ﷺ الناس) الجود إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي من غير غرض
стр. 42
وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ». [الحديث ٦ - أطرافه
في: ١٩٠٢، ٣٢٢٠، ٣٥٥٤، ٤٩٩٧].
ــ
ولا عوض. وهذا شأنه ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] (وكان أجودُ ما يكون في رمضان) بُرفع أجودُ على أنه اسم كان، وما: مصدرية، وفي رمضان: هو الخبر أي: أجود أكوانه كونُه في رمضان. وفيه مُبالغة حيث جعل كونه أي وجوده جوادًا، ويجوزُ أن يكون رفعه على الابتداء على أن في كان ضمير رسول الله ﷺ ، والجملة خبرٌ عنه، أو على البدل. ويجوزُ نصبُه على خبرية كان، هذا وكونه أجود لا ريب فيه عند من طالع سيرته، وأما أجود أكوانه في رمضان فلأنه كان يتخلق بأخلاق الله. ورمضان شهرُ الرحمة، ولله فيه تفضُلٌ على عباده بما لا يتفضل في مخيره، ولذلك فتح فيه أبواب الجنة، وغلّق أبواب جهنم؛ ولأنه كان يلاقيه جبريل في رمضان كل ليلة، ويدارسُه القرآن، فيكون كامل النشاط وافر الأريحية وهما مقدّمتا البذل والجود.
قال بعضُهم: يجوزُ أن يكون المراد من قوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] هو جبريل، فكان رسول الله ﷺ يتصدق لأنه يناجي جبريل. ولما وَرَد عليه: أن الآية قد نُسخت، أجاب بأن الوجوب إذا نُسخ بقي الندب. وهذا خبطٌ ظاهر؛ لأن صدر الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خطابٌ لمن كان معه؛ فإنهم كانوا يُكْثِرون الكلامَ عليه، فشَرَط على من أراد أن يكلمه أن يتصدق بشيءٍ قبله، على أن جوابه فاسد؛ لأن نَسخ الوجوب لا يستلزم جواز الندب، ألا ترى أن استقبال بيت المقدس كان واجبًا، ولما نُسخ لم يبق الجوازُ فضلًا عن الندب؟
(وكان يلقاه كلَّ ليلةٍ): الضمير المرفوع في يلقاه لجبريل لقوله: (حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن) المدارسة: قراءة القرآن على وجه التناوب. وفائدته: تجويد القراءة، ولأنه أنشطُ من الانفراد.
ومن فوائد الحديث: استحبابُ زيارة أهل الفضل والصلاح، والجد والمبالغة في الإحسان في الأوقات الفاضلة (فلرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة) وذلك أن الريح مقدمة المطر الذي به النبات والزروع والثمار، ولأن الريح هو الذي ينشئ السحاب الذي منه المطر. قال تعالى ﴿يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦] وزاد الإمام أحمد في روايته هنا لا يُسأل شيئًا إلا أعطاه.
стр. 43
٦ - باب
٧ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّأْمِ فِي المُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ،
ــ
٧ - (عَبْدان) على وزن شعبان (عُبَيد الله بن عبد الله) الأول مصغر وهو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة.
(أن أبا سفيان بن حرب) اسمه صخر أسلم يوم الفتح، فأُصيبتْ إحدى عينيه يوم حنين، والأخرى في يرموك، وهو أحد المؤلفة. ونقل ابن عبد البر عنه في "الإستيعاب" كلامًا يدل على قُبح حاله (أن هِرَقل أرسَلَ إليه في رَكْب من قريش) - بكسر الهاء وفتح الراء على وزن دِمَشق، وُيروى بسكون الراء وكسر القاف، غير منصرفٍ، لأنه عَلَمٌ أعجمي - والركب، قال الجوهري: هم أصحاب الإبل دون سائر الدواب إذا كانت فوق العشرة. قال ابن الأثير: اسم جمع لراكب، لأنه يُصَغَّر على لفظه يقال: رُكيب. والراكب هو راكب الإبل خاصةً.
فإن قلتَ: هذا أصله والآن يطلق على كل قافلةٍ. وفي "مصنف ابن أبي شيبة" أن المغيرة بن شعبة كان في ذلك الركب، ولا يصحُّ. قال ابن عبد الله: أسلم المغيرةُ عام الخندق، وهذه القضية كانت بعد الحديبية.
(في المدة التي مادَّ فيها أبا سفيان) أي: صالحه. وماد من المدّ أي: أطال المدة، وكانت المدة عشر سنين، هي صلحُ حديبية، ثم غَدرت قريش فانتقض الصلح، فغزاهم رسول الله ﷺ في السنة الثامنة، وكان فيها فتح مكة. وسيأتي في غزوة الفتح بيان وجه الغَدْر. (بإِيْلِياء) على وزن كبرياء وحكى البكري فيه القصر ويُروى بحذف الياء الأولى وسكون اللام والمدّ، وهو عَلَم بيت المقدس (وحوله عظماء الروم) نصب على الظرف حولَ الشيء وحواله وحواليه بمعنىَ واحدٍ. والرومُ هذه الطائفة المعروفة، أصله رومي نسبةً إلى جدهم الأعلى
стр. 44
ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا، فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ. فَوَاللَّهِ لَوْلَا الحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ. ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ، قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا القَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: لَا قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا، قَالَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا
ــ
روم بن عيص بن إسحاق (دعا بتُرجمانه) - بضم التاء وفتحه، والثاني أفصح - وهو الذي يفسر لسانًا بآخر، من الرجم، لأنه إلقاء المعنى في لفظ آخر، والباء زائدة، وقيل: لفظ عَجَمي، وقيل: الباء أصلية (فاجعلوه عند ظهره) لأنه إذا كان مواجهًا يُسْتَحى من تكذيبه (فإن كَذَبَني فكَذِّبوه) - الأول مخفف، والثاني مثقل - أي: انسبوه إلى الكذب (لولا الحياء من أن يؤثروا علي الكذب) أي: يقولوه علي، من أثرت الحديثَ نقلته (وكان أولُ ما سألني) بالرفع اسم كان، وخبره: أن قال، ويجوزُ العكس (قطُّ) ظرف الزمان الماضي على وجه الاستغراق، وفيه ستُ لغاتٍ أفصحُها: فتح القاف وضم الطاء مشددًا، ومجيئه في الإثبات قليلٌ (هل كان من آبائه من مَلِكٍ) بمِن الجارة وكسر اللام، ورُوي بفتح الميم على أنها مِن الموصوفةُ، وملك: فعل ماض صفته، وفي رواية مسلم: "مَلِكٌ" بدون مِن، فتعَيّن اْن يكون اسمًا (هل يرتدُّ أحدٌ سُخْطةً لدينه) فعلَةٌ من السخط وهو عدم الرضا، ويُروى: سُخْطًا - بضم السين -.
فإن قلتَ: قد ارتدّ في زمانه أناسٌ كالعرنيين، وكاتب الوحي؟ قلتُ: لم يرتدوا سُخْطة للدين، بل لأمور أخرى.
(يَغْدِر) - بكسر الدال - من الغدر وهو عدم الوفاء بالعهد (لم تمكني كلمة) بالتاء
стр. 45
غَيْرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ، قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ: الحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ. قَالَ: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ: اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّدْقِ وَالعَفَافِ وَالصِّلَةِ. فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا. وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا القَوْلَ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا القَوْلَ قَبْلَهُ، لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، قُلْتُ فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ، وَسَأَلْتُكَ، هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ. وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ. وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ. وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالعَفَافِ، فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ،
ــ
الفوقانية والتحتانية أيضًا، والأول أَوْلى لعدم الفاصل. ولم يَرِدْ بالكلمة مصطلح النحاة، وذلك ظاهرٌ من عبارته (غيرُ هذه) بِرفع غيرُ؛ لأنه صفةُ كلمةٍ لعدم تعرفه بالإضافة.
(الحربُ بيننا وبينه سِجَال) فسَّره بقوله: (ينال منا وننال منه) أي: تارةً له الغلبةُ وتارةً لنا. والسّجال مصدر ساجَلَ، أصله مغالبة المتباريين في استقاء الماء من بئرٍ واحد، مأخوذ من السّجل وهو الدَّلْو الملآن. وقيل: هو جمع سجِل وهو الدلو. وليس المعنى عليه، وإن كان صحيحًا لغةً (واتركوا ما يقول آباؤكم) من العقائد الفاسدة والتقليد لآبائهم، (ويأمرنا بالصلاة والصدق) وفي رواية: "والصدقة". وسيأتي في الجهاد: الصدق والصدقة (والعفاف) من الزنى، وأكل الميتة والدم (والصلة) الإحسان إلى الأقارب بما أمكن. (وكذلك الرسل تُبعَثُ في نَسَب قومها) أي: في وسطه، لئلا يأنفُوا عن اتّباعه لو كان دَنِيًّا أو كان أجنبيًّا، كيف ومع علمهم بذلك أَنِفُوا وقالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾
стр. 46
وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ. ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ، فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ " وَ ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ
ــ
[الفرقان: ٢١]. (لَتَجَشَّمْتُ لقاءَهُ) لتكَلّفْتُ. وفي رواية مسلم: "أحببتُ" وما في البخاري أبلغ (حتى تخالط بشاشتُه القلوبَ) بنصب القلوب. ورُوي بشاشةَ القلوبِ بالإضافة على أن في تخالط ضميرَ الإيمان. قال ابن الأثير: البشاشةُ: الفرحُ والانبساط والأنس بالشيء.
(ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ الذي بَعَثَهُ مع دِحْيَة) بكسر الدال وفتحها. قال ابن السّكّيت: بكسر الدال لا غيرُ. وقال أبو حاتم: بالفتح لا غير- هو دحية بن خليفة الكلبي، كان أجمل الناس، وكان أكثر ما يأتي جبريل في صورته، ولعل ذلك ليكون أسهلَ على رسول الله ﷺ ، وقيل: لأن دحية لغةً: رئيس الجُند، وجبريل رئيسُ الملائكة. وبُعْدُهُ لائحٌ على أنه يقتضي أن يكون دحيةُ اسمَ جبريل.
(بُصْرى) بضم الباء. مدينة بحوران.
(إلى هرقل عظيم الروم) لم يقل: مَلِك الروم؛ لأنه كان معزولًا عن المُلْك بعد ظهور رسول الله ﷺ ، ولا حُكم لأحد على عباد الله إلَاّ مَنْ ولاه. لكن عظيم عند الروم. ذكَرَه بذلك ملاطفةً في الخطاب.
(أدعوك بدعاية الإسلام) مصدر كالشكاية. وفي رواية مسلم: "بداعية الإسلام" وهو أيضًا مصدر كالعافية. والمراد به كلمةُ التوحيد التي يدعى بها الناسَ إلى الله (أَسْلِمْ) بقطع الهمزة (تسْلَمْ) بفتح التاء من السلام جزم على الجواب (يؤتِك اللهُ أجرَك مرتين) لإيمانه بنبيّه قبل البعثة، وإيمانه برسول الله ﷺ كما جاء في الحديث الصحيح (وإن تولّيْتَ فعليك إثمُ الأريسيين) وروي يرسيين وروي بفتح الهمزة وكسرها. وهم الأكَّارون والرعايا، لأنهم أتباعُ الملوك، كما يُسمع في العُرف: الناسُ على دين ملوكهم. وفي سنن البيهقي: "وإلاّ عليك إثمُ
стр. 47
أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ، وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الكِتَابِ، كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا، فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ. فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الإِسْلَامَ. وَكَانَ ابْنُ النَّاظُورِ، صَاحِبُ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ،
ــ
الأكّارين" وروَى أبو عُبيد في كتاب "الأموال": "وإلا فلا تحل بين الفلاحين وبين الإسلام" وقيل: هم اليهود والنصارى أصحاب عبد الله بن أريس، وقيل: هم الملوك الذين يَدْعُون إلى المذاهب الفاسدة، ولا يخفى بُعْدُه عن المقام.
فإن قلتَ: كيف يكون عليه إثمُ الغير وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]؟ قلتُ: إثم الإخلال والسبب. ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] هو في أمثال هذا.
(لقد أَمِرَ) بفتح الهمزة وكسر الميم: عَظُمَ (أمرُ ابن أبي كبشة) أي: شأنه. وأبو كبشة هو الحارث بن عبد العزى السعدي، أبو رسول الله ﷺ رضاعًا. وقال ابن قُتَيبة: جده من طرف أمه؛ لأن أمه آمنة بنت وهب وأم وهب قيلة بنت أبي كبشة، أرادوا القدح في نسبه ولم يكن لهم سبيل إلى نسبه المعروف، وقيل: أبو كبشة رجل من خزاعة. فارقَ قومَه في عبادة الأوثان وعَبَدَ الكوكب المسمّى شِعْرى. فشبَّهوه به لانفراده بدين غيرِ دينهم. قال زبير بن بكار: أرادوا مطلق التشبيه لا القدحَ فيه. (يخافه مَلِكُ بني الأصفر) هم الروم. قال ابنُ الأنباري: غَلبت الحبشةُ على الروم فوطئوا نساءَهم، فجاءت أولادُهم صُفرًا بين البياض والسواد. قال إسحاق الحربي: نُسبوا إلى جدهم أصفر بن رُوم بن عيص بن إسحاق بن الناظور -بالمهملة والمعجمة-: حافظُ الكَرْمِ لغةً. (صاحب إيلياء) وإليها نيابةً عن هرقل، قوله: (وهرقلَ) بالفتح مجرور عطفًا على إيلياءَ. والصاحبِ لغةً وعرفًا: من يصاحبُ الشيءَ
стр. 48
سُقُفًّا عَلَى نَصَارَى الشَّأْمِ يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ، أَصْبَحَ يَوْمًا خَبِيثَ النَّفْسِ، فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ: قَدِ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ، قَالَ ابْنُ النَّاظُورِ: وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ الخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ؟ قَالُوا: لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا اليَهُودُ، فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ، وَاكْتُبْ إِلَى مَدَايِنِ مُلْكِكَ، فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ اليَهُودِ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ، أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ: اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا، فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ، وَسَأَلَهُ عَنِ العَرَبِ، فَقَالَ: هُمْ يَخْتَتِنُونَ، فَقَالَ هِرَقْلُ: هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ. ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ، وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي العِلْمِ، وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ
ــ
بلدًا كان أو غيرَه، فلا حاجةَ إلى القول بعموم المشترك أو المجاز.
(وسُقِّف) بضم السين وتشديد القاف على بناء المجهول. أي: جُعل أُسْقُفًّا. قال ابنُ السّكيت: السقف بتحريك القاف طولٌ مع انحناء. قال: ومنه اشتق أُسْقُف النصارى، لأنه يتخاشع وهو رئيسٌ من رؤسائهم (ملك الختان قد ظَهَر) بضم الميم وسكون اللام، ورُوي مَلك بفتح الميم وكسر اللام، والختان بكسر الخاء المعجمة مصدر خَتَن معروفٌ، ويطلق على موضع الخِتان كما في الحديث: "إذا التقى الختانان وَجَبَ الغُسل".
(فلا يُهمنَّك) -بضم الياء- يقال: أهمني الأمرُ إذا أَقلَقَكَ وأحزَنَك (هذا مَلِك) بفتح الميم وكسر اللام. والمشارُ إليه رسول الله ﷺ . ورُوي على صيغة المصدر، وعلى صيغة الفعل ماضيًا ومضارعًا. (هذه الأمة) أي: الموجودين ومن بعدهم إلى آخر الدهر (بروميّة) -بتشديد الياء وتخفيفها-: مدينة معروفة وبها خليفةُ عيسى على زعم النصارى وهو الذي يُسمونه ببولس (وكان نظيرَه) بالنصب خبر كان.
(فلم يرِمْ) بكسر الراء أي: لم يفارق.
стр. 49
عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ، ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ فِي الفَلَاحِ وَالرُّشْدِ، وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ، فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ؟ فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إِلَى الأَبْوَابِ، فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ، وَأَيِسَ مِنَ الإِيمَانِ، قَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ، وَقَالَ: إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ، فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، وَيُونُسُ، وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. [الحديث ٧ - أطرافه في: ٥١، ٢٦٨١، ٢٨٠٤، ٢٩٤١، ٢٩٧٨، ٣١٧٤، ٤٥٥٣، ٥٩٨٠، ٦٢٦٠، ٧١٩٦، ٧٥٤١].
ــ
(في دَسْكَرة له) على وزن مَسْكَنة: قصرٌ حواليه بيوتُ الخدم، لفظٌ غير عربي (الرُّشد) ضد الغي بضم الراء والسكون وبفتحهما لغتان. قُرئ بهما في السبعة وهي قراءة حمزة والكسائي (فتُبَايِعُوا هذا النبيِّ) من البيعة بالباء الموحدة. ويروى بتاءين من المتابعة (فحَاصُوا) بالحاء والصاد المهملتين أي: نَفَروا نَفْرة (حُمُر الوحش) الذي هو مثل في هذا الباب، لما فيه من شدة النَّفار. ومنه المحيص: للمَهْرَب (آنفًا) يروى المدّ والقصر. وبه قراءة ابن كثير في السبعة (فكان ذلك آخرَ شأن هرقل) يُشير إلى أنه لم يثبتْ إسلامه بحسب الظاهر، بل الإقرار بالكفر، وإن كان هداه الله تعالى ومات مؤمنًا، فيا لها من سعادة. ومن تأمل في محاورته لأبي سفيان وتقريراته الحُجج، عَرَف قَدْرَ ما كان فيه من الكمالات والعطية، بأنواع السياسات ومعرفة أحوال ابتداء الأنبياء والانتهاء، لله دَرُّه إن رزقه اللهُ الإسلامَ!.
ومناسبة الحديث للباب أنه لم يثبت عنده إيمانه، لكن إن كان في نفس الأمر مؤمنًا ينفعه؛ لأن الأعمال بالنية.
(صالح بن كَيْسَان) -بفتح الكاف وسكون إلياء- تابعي جليلُ القدر، قال ابنُ معين: هو أكبر من الزهري، فعلى هذا روايتُه من رواية الأكابر عن الأصاغر، عاش مئة ونيفًا وستين سنة. قيل: اشتغل بالعلم وعمره ستون سنةً.
قال بعضُ الشارحين: هذا داخل تحت الإسناد الأول، كأنه قال أبو اليمان: أخبرني هؤلاء الثلاثة. وردّه شيخُ الإسلام بأن أبا اليمان لم يَلْحق صالح بن كيسان ولا يسمعُ يونس. قلتُ: عدم السماع مُسَلَّم، لكن عدم اللحوق ممنوع؛ فإن أبا اليمان ولد سنة ثمان وثلاثين ومئة. ومات سنة ست وأربعين. قاله أبو الفضل المقدسي.
стр. 50
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ
١ - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ»
ــ
كتاب الإيمان
تقديمُ كتاب الإيمان على سائر الأبواب والمقاصد، وذكرُهُ بعد الوحي وبدئه لا يخفى حُسْنُهُ.
باب قول النبي ﷺ : "بُني الإسلامُ على خمسٍ"
هذه قطعةٌ من حديث سيرويه مسندًا، وتارة يجعلُ حديثًا ليس ثابتًا عنده ترجمةَ الباب؛ إشارةً إلى أن حكمه صحيح. والدليل: حديثُ الباب. إلا أن حديثَه بلفظه غير ثابت عنده. وإنما ذكر الإسلام في كتاب الإيمان إشارةً إلى اتحادهما. وهذا هو الحق إن أُريد بحسب الصدق؛ إذ لا يوجد مسلم عند الله لا يكون مؤمنًا، ولا مؤمن لا يكون مسلمًا، إلا أن المفهومَيْنِ مختلفان. وذَكَرَ أنه قابل للزيادة والنقصان. هذا هو الحق أيضًا عند الكل بحسب الأعمال والكمال.
وأما باعتبار الذات وهو الإيمان المنجي الذي مناطُه تصديقُ القلب. فالأشاعرةُ أولًا وآخرًا على أنه يقبلها أيضًا سوى ما يروى عن أبي حنيفة خلافه. والظاهر هو الأول، إذ مع قطع النظر عن كل عمل ودليل لا يقابل تصديق أبي بكر بتصديق العوام.
وهنا أيضًا مسألة غريبةٌ وهو أنه قال الشافعي: إذا سُئلتَ عن الإيمان فقل: أنا مؤمن إن شاء الله. وشنَّع عليه الحنفية في كتبهم بأن الاستثناء شكٌ، والشكُ في الإيمان كفرٌ. وهذا كلامٌ ساقطٌ؛ لأن إن شاء الله ليس منحصرًا في المشكوك، بل استعمله رسول الله ﷺ في المقطوع به. وهو قوله في السلام على الموتى: "وإنا بكم إن شاء الله لاحقون" بل المراد من المشيئة: التفويضُ إلى الله بالكلية أو ذاك بحسب
стр. 51
وَهُوَ قَوْلٌ وَفِعْلٌ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣] ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦] ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾
ــ
العاقبة، ولله عاقبة الأمور ليس لأحدٍ اطلاع على شيء من ذلك.
ثم ما يجب تنبيه له: أن ما يقال: إن الإيمان عند الأشعري هو إيمان الموافاة، ليس الأشعريُ منفردًا بذلك؛ لأن الكافر حال كونه كافرًا، لا يقول أحدٌ بإيمانه. والمراد أنه مؤمن في علم الله بموته على الإيمان، وهذا متفق عليه. فظهر أن نسبة إيمان الموافاة إلى الأشعري لاشتهار القول منه، لا لانفراده به. وإلى ما ذكرنا أشار المحققُ التفتازاني في شرحه للمقاصد.
فإن قلتَ: إذا كان التصديقُ هو الإيمان المُنجي، فما وجهُ قول السلف: الإيمانُ تصديقُ الجنان والقول باللسان، والعملُ بالأركان؟
قلتُ: أرادوا به الإيمان الكامل كما في قوله ﷺ : (بني الإسلام على خمس) بدليل أنه قال في موضع آخر: "من قال لا إله إلا اللهُ دَخَل الجنة" إلا أن أبا حنيفة قال: إن الإقرار ركن يسقط بالإكراه لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] فمن لم يُقرّ بلسانه مرةً في عمره لا يصحّ إيمانهُ عنده خلافًا للأشعري.
وأما إذا طُولب بالشهادة فأبى فليس بمؤمنٍ عند أحدٍ، وليس هو مجرّد القول كما قالت الكَرَّامِيّة. ولا نفس المعرفة كما ذَهَب إليه طائفة، بل هو معرفةٌ مع الإذعان. ألا ترى كيف سُلب الإيمان عمن صدق ولم يذْعِنْ بقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤].
فإن قلتَ: ما وجهُ قوله: "السعيد يشقى والشقيُّ يَسْعَدُ" مع حديث: "يُكتب في بطن أمه شقيٌ أو سعيدٌ"؟ قلتُ: الأول باعتبار الظاهر فإنه يكون كافرًا ثم يُسْلم، وبالعكس والعياذ بالله. والثاني: بالنظر إلى علم الله، وإلى قوله تعالى ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩].
(وهو قول وفعل) من كلام البخاري. والفعلُ شاملٌ لعمل القلب. ألا ترى إلى قول النحاة: باب أفعال القلوب، وإنما أفرد القول وإن كان الفعل شاملًا له لشيوعه في العرف في مقابلة القول، ولأنه أراد الردّ على الكرّامية كما نبَّهنا عليه آنفًا.
стр. 52
[المدثر: ٣١] وَقَوْلُهُ: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا [ص:١١] الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤] وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] وَالحُبُّ فِي اللَّهِ وَالبُغْضُ فِي اللَّهِ مِنَ الإِيمَانِ " وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ: «إِنَّ لِلْإِيمَانِ فَرَائِضَ، وَشَرَائِعَ، وَحُدُودًا، وَسُنَنًا، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الإِيمَانَ، فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ» وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ ﷺ : «وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي» وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: «اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً» وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «اليَقِينُ الإِيمَانُ كُلُّهُ» وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «لَا يَبْلُغُ العَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوَى حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ» وَقَالَ مُجَاهِدٌ: «شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَإِيَّاهُ دِينًا وَاحِدًا» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا» سَبِيلًا وَسُنَّةً.
ــ
(الحب في الله والبُغض في الله من الإيمان) هذا حديثٌ مسند عنده ذكَرَهُ تعليقًا، وقد أخرجه أبو داود وليس داخلًا في الترجمة، ولا هو من كلام البخاري كما يُوهم (وكتب عمر بن عبد العزيز) هو أَشَجّ بني مروان، الذي مَلأَ الأرضَ عدلًا، الخليفةُ الخامسُ، الشابُ التقي، مناقبه لا تُعدّ ولا تحصى. قيل: كان أزهد من أُويس القرَني (إلى عدي بن عدي) تابعي معروف، كان عاملًا لعمر بن عبد العزيز على الجزيرة.
(إن للإيمان فرائض) أي: عقائد لا تُبَدَّل بتبدّل الشرائع، ومكملاتٌ لها (وشرائع) فروعًا تتبدّل وتنسخ (وحدودًا) نهايات لا يجوزُ التجاوزُ عنها (وسننًا) ما يثاب على فعلها ولا يعاقب على تركها.
(دعاؤكم إيمانكم) من قول البخاري. يشير إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧] فإنه أُريدَ به الإيمانُ (لا يبلغُ العبدُ حقيقةَ التقوى حتى يَدَع ما حاكَ في الصدر) أي: تحرّك فيه، ومنه الحياكة للصنعة المعروفة.
حاصلُه: تركُ الشبهات التي تضطرب لها نفس المؤمن كما أشار إليه بقوله: "التقوى
стр. 53
٢ - باب دُعَاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ لِقَوْلِهِ : ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [ الفرقان: ٧٧]
وَمَعْنَى الدُّعَاءِ فِي اللُّغَةِ الإِيمَانُ.
٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ". [الحديث ٨ - طرفه في: ٤٥١٥].
٣ - بَابُ أُمُورِ الإِيمَانِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ
ــ
ههنا" وأشار إلى صدره، وبقوله: "استفتِ قلبَك، وإن أَفْتَوْكَ وأَفْتَوْكَ".
بابٌ دُعاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ
٨ - (بني الإسلامُ على خمسٍ) استعارةٌ تبعيةٌ أو تمثيل، وقد تقدم أنه يريدُ به الإيمان الكاملَ، وأن إيراد الإسلام في باب الإيمان، إشارة منه إلى صِدْقهما على شيء واحدٍ، وإن اختلفا مفهومًا.
وأراد بالشهادات: ما يعم القلبَ واللسان، وقَدَّم الحجَّ على الصوم وإن كان وجوبه متأخرًا لكونه أشقَّ، ولاشتماله على سائر الطاعات، وتَرَكَ ذكر الجهاد لأنه فرضُ كفايةٍ.
بابُ أمور الإيمان
بإضافة الباب وبدونها، وإضافة الأمور إلى الإيمان بمعنى اللام، وقيل: بيانية وليس
стр. 54
بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَالمَلَائِكَةِ وَالكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ، وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَآتَى الزَّكَاةَ، وَالمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا، وَالصَّابِرِينَ فِي البَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] الآيَةَ.
٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً،
ــ
بشيء؛ لأنه إن أراد أصل الإيمان فهو التصديقُ لا غيرُ، وإن أراد الكاملَ فالأمور المذكورة ليست جميعَ شعب الإيمان.
٩ - (العَقَدي) نسبةً إلى عَقَد -بفتح العين والقاف- بطنٌ من قبيلة أَزْدٍ باليمن (أبو هريرة) اسمه: عبد الرحمن على الأصحّ، واختُلف فيه إلى ثلاثين قولًا، أسلَمَ ورسولُ الله ﷺ على فتح خيبر. قيل: كَنّاه رسول الله ﷺ أبا هريرة لأنه كان يحمل هرةً في كُمّه، فقال له رسول الله ﷺ : "ما في كُمِّك"؟ فقال: هرةٌ، فقال له: "أنت أبو هريرة". وقيل: كان له هُرَيرة يَلْعب بها في صِغره، وهذا هو الصوابُ، دل عليه حديث إسلامه؛ فإنه كان ضاع عنه غلامُه، بينما هو يحكي لرسول الله ﷺ ضياعَهُ أولَ مقَدَمِهِ، قال له رسول الله ﷺ : "يا أبا هريرة هذا غلامُك".
(الإيمان بضْعٌ وستون شُعْبَةً) شُعبة الشيء فرعُه. والبِضْع بالفتح والكسر ما بين الثلاثة إلى التسعة. وقيل: ما بين اثنين إلى عَشَرة. وعن الخليل إمامِ النحو: البِضْع سبعةٌ. وقيل: ما بين اثني عشر إلى عشرين، ولا يقال على اثني عثر. والأول أصحّ، دلّ عليه حديثُ رِهَان الصديق مع أبي بن خلف كما سيأتي في تفسير سورة الروم. والمراد بها: خصالُ الإيمان
стр. 55
وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ»
ــ
مطلقًا؛ سواء كانت بالقلب وبالجوارح، فيدخُلُ فيه التصديقُ وكلمة التوحيد كما في الرواية الأخرى. "أفضلُها قول لا إله إلا الله" ويُروى بدل ستون سبعون. وفي رواية مسلم من طريق سُهَيل: "سبعون أو بِضْع وستون" على الشك وفي الترمذي وأبي داود من طريق أبي سُهيل: "بِضْعٌ وسبعون" من غير شك. قيل: الأَوْلى الأقلُّ؛ لأنه متفق عليه، وقيل: الأَكثرُ، لأن زيادة الثقة مقبولةٌ. ومن قال: ليس هذا من زيادة الثقة؛ لأنها تكون بزيادة لفظ لا بإبدال لفظٍ بآخر، فقد التُبِسَ عليه؛ لأن ذلك نوعٌ منه. أَلَا ترى أنّ إرسال راوٍ ووَصْلَ راوٍ آخر، عَدُّوه من زيادة الثقات؟ ذكَرَه ابنُ الصلاح وقال: منهم من قدّم الإرسال مُستدلًا بأنه نوعُ قَدْحٍ كالجرح، فإنه مقدَّم على التعديل. قال: والجواب عنه: أن الجَرْحَ إنما قُدّم لأن فيه زيادةَ العلم، والزيادةُ هنا مع الوَاصِل، وقد تكلف بعضُهم في توجيه "سبع وسبعون شُعبةً" بأن السبع عددٌ كامل، لأن الستة عدد تامّ والسبعةَ كامل؛ لأن بعد التمام ليس إلا الكمال، ورام بعضُهم بيان الحصر بالترديد.
والتحقيق: أن الشارع ليس بصدد ذلك، بل المراد من هذا العدد: الإشارةُ إلى الكثرة. ومن تأمّل في أعمال الحج من الواجبات والسنن والآداب وَجَدَها زيادةً على هذا العدد، فَصَّلها الغزالي في "الإحياء"، وقال الأنصاري في "منازل السائرين" نقلًا عن الكتَّاني: إن بين السالك وبين الوصول ألفَ مقام.
فإن قلتَ: مَن رام الحصر فلعله أراد ضبطَ الأنواع دون الأفراد؟ قلتُ: لو أراد ذلك لم يجعلْ إماطةَ الاْذى عن الطريق أَدْنَاها، لدخوله تحت مطلق دفع الأذى عن الخَلْق.
(والحياء شُعبة من الإيمان) أفرده بالذكر؛ لأنه موضع الالتباس، كما ذكره في إماطة الأذى عن الطريق. أَلَا ترى إلى ما رواه البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ مرّ على رجلٍ من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال: "دَعْهُ فإن الحياء من الإيمان" وقد اشتهر بين العوام أن الحياء يمنع الرزق.
стр. 56
٤ - بَابٌ: المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ
١٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ،
ــ
وأما قوله: "الحياءُ خيرٌ كلُّه": فقد أراد به المبالغة، أو أراد به أنه منشأ كلِّ خيرٍ، والباعثُ على ترك كل قبيح.
فإن قلتَ: ما حقيقةُ الحياء؟ قلتُ: الحياء أمرٌ وُجداني غنيٌّ عن التعريف، لكن قد يُنَبَّهُ عليه بأنه غريزةٌ في الإنسان تبعثه على ترك ما يُلام عليه. واشتقاقُه من الحياة، لأن المتصف بها يكون قويَّ الحق. وقيل: اشتقاقُهُ من حَيِيَ إذا نقضت حياتُه، كما يقال: حَشي الرجلُ إذا أُصيب حَشَاه.
فإن قلتَ: قد يخل الإنسانُ ببعض الأمور الواجبة، كما في أمر المعروف والنهي عن المنكر إجلالًا لمرتكبها. قلت: ذلك ليس من الحياء في شيء، إنما عجزٌ وخَوَرٌ.
باب المسلمُ من سلم المسلمون من لسانه ويده
١٠ - (آدم بن أبي أياس) بكسر الهمزة (شُعبة) -بضم المعجمة- إمام جليل أميرُ المؤمنين في الحديث. قاله الثوري. وقال الشافعي: لولا شعبة لم يُعرف الحديثُ بالعراق (عن عبد الله بن أبي السَفَر) بفتح السين والفاء سعيد بن محمد، قال الدارقطني: وعن بعض المغاربة: سكون الفاء، وذلك خلافُ ما يقوله أهلُ الحديث (عن عبد الله بن عَمْرو) -بفتح العين آخره واو- هو ابن عمرو بن العاص العابد الناسك، الحافظ لأحاديث رسول الله ﷺ . قال أبو هريرة: أنا أكثر الناس حديثًا عن رسول الله ﷺ إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يَكْتب ولا أكتب.
وهذا الكلامُ فيه نظر، وذلك لما سيأتي في البخاري أن أبا هريرة بَسَط رداءه فغرف فيه رسول الله ﷺ فلم ينس بعد ذلك شيئًا. اللهم إلا أن يُحمل على ما قبل ذلك.
(المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) أراد المسلمَ الكامل، وهذا صريحٌ في
стр. 57
وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ هُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [الحديث ١٠ - طرفه في: ٦٤٨٤].
٥ - بَابٌ: أَيُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ ؟
١١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: قَالُوا
ــ
رواية مسلم؛ لأنه قال في جواب مَنْ قال: أيّ المسلمين أو أيُّ الإسلام خيرٌ؟ وإنما خَصَّ اللسان واليد بالذكر، وإن كان المعنى على العموم؛ لأن أكثر الضرر بهما، ولهذا قدّم اللسان لأنه أكثر ضررًا ألا ترى إلى قوله لمعاذ: "وهل يَكُبُّ الناسَ على مناخرهم إلا حصائدُ ألسنتهم". (والمهاجر مَن هَجَر ما نهى الله عنه) أي: ليس المهاجرُ الكامل مَن هَجَر من مكة إلى المدينة حين كانت الهجرة واجبة كما يتعارفُ الناسُ، بل مَنْ هَجَر المعاصي.
(وقال أبو معاوية) هو محمد بن الخازم -بالخاء المعجمة- الضريرُ، شيخ البخاري.
قال العراقي: ما عزاه البخاري إلى بعض شيوخه بلفظِ قال، فليس حكمُهُ حكم التعليق، بل حكم الإسناد المعنعَن (وقال عبد الأعلى) ابن عبد الأعلى السَّامي -بالسين المهملة-: روايةُ البخاري عنه يقال تعليق، لأنه شيخ شيوخه. رَوَى عنه علي بن المديني وغيرُهُ من شيوخ البخاري.
باب: أي الإسلام اقضل؟
أي: أفضل من غيره، لأن اسم التفضيل لا بدّ له من اللام أو الإضافة أو مِنْ.
فإن قلت: ما معنى قوله: (أيُّ الإسلام)؛ قلتُ: المضاف مقدّر أي: أيّ خصاله أفضلُ.
١١ - (أبو بُرْدة بن عبد الله بن أبي بُرْدة) -بضم الباء- فيهما الأول اسمه: بُرَيد، والثاني اسمه عامر.
стр. 58
يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ، وَيَدِهِ».
٦ - بَابٌ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ مِنَ الإِسْلَامِ
١٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ». [الحديث ١٢ - طرفاه في: ٢٨، ٦٢٣٦].
ــ
باب إطعام الطعام من الإسلام
١٢ - (تُطعم الطعامَ) أي: أن تُطعمَ. حُذف "أَنْ" وأُزيل أثرُها، كقولهم: تَسمعُ بالمُعيدي. . . وكقول الشاعر:
أَلَا يا أيها الزاجري أحضر الوغى
(وتقرأُ السلام) -بفتح التاء- من القراءة. وحاصلُهُ: أن تُسَلّم. وإنما زاد فيه لفظ القراءة تفخيمًا له. ويروى بضم الياء من الإقراء. قال ابن الأثير في توجيه هذا: كأنك بالسلام عليه تحمله على أن يَقْرأ عليك السلام أي: تردّ (على من عرفتَ ومن لم تعرف) ليكون عبادةً لله تعالى، ولو ميزت به من تعرف فقد راءيتَ، وخَرَج عن كونه لله تعالى.
فإن قلتَ: هل فرقٌ بين الخير والأفضل؛ فإنه ذكر أولًا أفضل، وثانيًا خير؟ قلتُ: لا فرقَ بدليل ما روى مسلم: "خير" في موضع "أفضل" وليس هنا في مقابلة الشرّ كما يتوهم؛ لأن الكلام في أمور الإيمان وتفاضُلها.
فإن قلتَ: قال أولًا: "أفضلُ الإسلام من سَلِم المسلمون من لسانه"، وثانيًا: "خير
стр. 59
٧ - بَابٌ: مِنَ الإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ
١٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».
ــ
الإسلام أن يطعم"؟ قلتُ: هذا بالنظر إلى المخاطب وما يليق بحاله.
باب من الإيمان أن يُحب لأخيه ما يحب لنفسه
أي: من أجزاء الإيمان الكامل. والمحبة: المَيْلُ إلى الشيء لِما فيه من الكمال.
مأخوذ من حَبَّة القلب، لأنه فِعْله.
١٣ - (مسدّد) بن مُسَرْهَد بن مُسَرْبَل بن مُغربل -كلُّها على وزن اسم المفعول- ابن أرندل بن عرندل، قال أبو نعبمُ: هذه رقية العقارب، وكأنه قال: [. . . .] لا حقيقةً.
باب حُبُّ الرسول ﷺ من الإيمان
فإن قلتَ: لِمَ قَدَّم: من الإيمان في الباب الأول وأخره هنا؛ قلتُ: تَفَنُّنًا في العبارة، وأيضًا: حبُّ الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه، كونه من الإيمان وشعبة منه، ليس ظاهرًا كظهور حُب رسول الله ﷺ فقُدّم اهتمامًا.
فإن قلتَ: المحبة استحسانُ الشيء، فكيف يُحبّ من لم يَرَهُ؟ قلتُ: ذكرنا لك أن المحبة ميلُ القلب إلى ما فيه كمالٌ، فلا يتوقفُ على الرؤية، ألا ترى إلى قول الشاعر:
والأُذن تَعْشَقُ قَبل العين أحيانًا
стр. 60
٨ - بَابٌ: حُبُّ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الإِيمَانِ
١٤ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ».
ــ
وفي الحديث: "الأرواحُ جنودٌ مجنَّدة". قال ابن بَطَّال: المحبةُ على ثلاثة أقسام: محبةُ إجلالٍ كمحبة الولد والِدَهُ، ومحبةُ شفقةِ ورحمةٍ كالعكس، ومحبهَ سائر الأشياء محبةُ استحسانٍ. وهذا الذي ذكره راجعٌ إلى ما قلنا، وتفصيلٌ لجهاته.
فإن قلتَ: ما حقيقةُ حب رسول الله ﷺ من أمته؟ قلتُ: تمنّي لقائه، وبذلُ المال والنفس في نصرته، والقيامُ بأوامره، والاجتنابُ عن مناهيه.
باب حب الرسول ﷺ من الإيمان
١٤ - (أبو اليمان) -بتخفيف النون- هو الحكم بن نافع (أبو الزناد) -بكسر الزاي بعده نون- عبد الله بن ذَكْوان المدني، أصله من همدان قبيلة بيمن.
(والذي نفسي بيده) إطلاق اليد على الله من المتشابهات.
مذهب السلف: السكوت في مثلها وإن كان لها معانٍ لا يعلمها إلا الله. ومذهب الخَلَف: أنها مصروفةٌ عن حقيقتها إلى معانٍ تلائم المقام.
(لا يؤمن أحدُكم حتى كون أحبَّ إليه من والده وولده والناسِ أجمعين) أحبّ أفعلُ تفضيلٍ بمعنى أشدّ محبوبيةً، وفيه شذوذان إن كان من أحبّ، وشاذٌ من وجه إن كان من حبّه.
ويقال: حَبَّه وأحبَّه لغتان ذكرهما الجوهري.
فإن قلتَ: لِمَ اقتصر على الوالد والولد، وشَرَط أن يكون أحبَّ إليه من نفسه أيضًا، دلَّ عليه حديثُ عمر بن الخطاب كما سيأتي؟ قلتُ: ذِكْر الولدَ دلّ على ذلك، فإن الولد أعزُّ على الإنسان من نفسه. ألا ترى أنه يقيه بنفسه عند المكاره على أنه داخلٌ في قوله: "والناس أجمعين".
стр. 61
١٥ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، ح وحَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ».
٩ - بَابُ حَلَاوَةِ الإِيمَانِ
١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا
ــ
١٥ - (ابن عُلَيّة) -بضم العين وفتح اللام وتشديد الياء- أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، وعُلَيّة أمُّه، وكان يكره هذه النسبة إلاّ أنه اشتهر بها (صُهَيب) بضم الصاد على وزن المصغر. هذا وقد تقدّم منا الكلامُ على لفظ "ح" وأن الظاهر أنه إشارة إلى تحوّل الإسناد.
باب حلاوة الإيمان
شبّه المعقول بالمحسوس، وأثبتَ له شيئًا من لوازمه على طريق الاستعارة المكنية، والمراد من حلاوة الإيمان: استلذاذ النفس بالطاعات كاستلذاذها بأشهى المأكولات، وهذا شأنُ أولياء الله، المستأنسين به، المناجين له في الخَلَوات.
١٦ - (محمد بن المُثَنَّى) على وزن المفعول من التثنية، يُكنى أبا موسى وُيعرف بالزَّمِنِ (عن أبي قِلَابة) -بكسر القاف- عبد الله بن زيد التابعي الكبير (ثلاثٌ مَنْ كُنّ فيه) أي: ثلاثُ خصالٍ (أن يكون الله ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما).
فإن قلتَ: رَوَى مسلم والحاكم أن رجلًا خَطَبَ عند رسول الله ﷺ : من يطع اللهَ ورسوله فقد رَشَد، ومن عَصَاهما فقد غَوَى. فقال له رسول الله ﷺ : "بئسَ خطيبُ القوم
стр. 62
لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ". [الحديث ١٦ - أطرافه في:
٢١، ٦٠٤١، ٦٩٤١].
ــ
أنت. قل: ومن يعصِ اللهَ ورسولَه فقد غوى". فكيف أتى بالضمير في الحديث، وقد مَنَع الغيرَ منه؟ قلتُ: قيل إنما مَنَع الخطيب، لأن حال الخطيب يقتضي الإيضاحَ لا الرُّموزَ. وهذا ليس بشيء؛ إذ الخطيب أجرى الكلام على مقتضى ظاهر الحال، ولا رَمْز في ذلك، وإنما ردّ عليه لكون الجمع في الضمير مُخِلًّا بإجلال الله. وقيل: الإتيان بالضمير يمتنع من غيره لا منه وهذا من النمط الأول؛ لأن الغرضَ من الإفراد بالذكر إذا كان إجلال الله فهو أَوْلى برعايته ذلك من غيره، لأنه أبلغُ الناسِ، وأعرفُ بكبرياء الله تعالى. وقيل: إنما آثَرَ الضميرَ، لأنَّ المعتبر مجموع المحبين، إذ كل واحدة وحدها ضائعة بخلاف العصيان، فإن عصيان كلّ واحد منهما مستقل بالغواية. وهذا الكلام أيضًا من ذلك النمط، إذ المعنى لا تفاوُتَ في العطف والضمير ألا ترى أن أهل العربية قالوا: قولك: جاءني الرجلان في قوة قولك: جاءني رجلٌ ورجل. وإنما فائدة لفظ التثنية: الاختصارُ، على أن قوله: كل واحد من المحبتين ضائعة وحدها إنما يُتصوران أَنْ لو كان انفراد محبة الله عن محبة رسوله ﷺ وبالعكس ممكنًا. وهذا مُحالٌ. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)﴾ [آل عمران: ٣١] كيف أثبتَ المُلَازمةَ؟ وقولِهِ: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] كيف أفرد الضمير إلى رسوله دلالةً على أن رضاه رضا الله تعالى.
فإن قلتَ: فما الجوابُ عن الإشكال؟ قلتُ: الواقع في كلام الخطيب جملتان، فأشار إلى أن التعظيم يقتضي الإفراد بالذكر في كل جملة. وأما الواقع في كلامه جملة واحدة، وقد أفرده بالذكر في صدرها، فلو أفرده ثانيًا ذَهَبَ سلاسة الكلام، فيكون هكذا: من كان اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سوى الله ورسوله.
فإن قلتَ: فقد جاء في سنن أبي داود: "ومن يعصهما فلا يَضُرُّ إلَّا نفسَه" وهذا -كما ترى- جملة مستقلة؟ قلتُ: ذاك من كلام الخطيب ولو سُلّم أنه من كلام رسول الله ﷺ فيكون بيانًا للجواز حتى لا يَتَوَّهَمَ مَنْ رَدَّه على الخطيب أن ذلك الأسلوب واجب الرعاية شرعًا.
(يكرهُ أن يعودَ في الكفر كما يكره أن يُقْذَفَ في النار) الكراهةُ لا تُضَادُّ الإرادةَ، بل
стр. 63
١٠ - بَابٌ: عَلَامَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ
١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ،
ــ
اللذة، ويظهر ذلك في شُرب الدواء المرّ، فإنه يشرب به مع الكراهة بإرادته، ومن جَعَله ضِدّ الإرادةِ فقد التبسَ عليه الكراهةُ بالإكراه، فإنه الذي يُضَادُّ الإرادةَ. والمرادُ من العَوْد هو الدخولُ -كما في قصة شعيب- ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨]. إذْ لم يكن شعيب في ملّتهم قطُّ. والقَذْفُ: هو الرمي بقوة وعُنف، ولذلك آثَرَه على الرمي.
باب علامة الإيمان حُبُّ الأنصار
علامةُ الشيء: الأمَارةُ الذي به يعلم، والأنصار جمع نصير كأشراف في شريف. واللام فيه للعهد، لأن المرادَ أنصارُ رسول الله ﷺ ، وهم الأوسُ والخزرج قبيلتان معروفتان، أبوهما أوسٌ وخَزْرَج أولاد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
ولما بُعث رسول الله ﷺ وكذَبَتْهُ قريشٌ شَرَعَ في المواسم يَعرضُ نفسَه على القبائل، ويدعوهم إلى نَصْره وحمايته، حتى يُبَلّغ ما أُمر به، فلم يساعِدْه على ذلك أحدٌ. لما أراد اللهُ من كرامة هؤلاء فقدّر أنْ لقي في موسمٍ من المواسم رسولُ الله ﷺ ستةَ نَفَرٍ منهم كلُّهم من الخزرج، فآمنوا به، فلما عادوا إلى المدينة أشاعُوا ذكرَهُ، فلم يبقَ بيت في المدينة إلَاّ ويُذكَر فيه اسمه الشريف. ثم وافى في العام القابل اثني عشر رجلًا، اثنان من الأوس والباقي من الخزرج، فلقيهم بالعقبة وبايعوه على الإسلام، وأرسَلَ معهم مُصعَبَ بن عُمير يُعلّمهم الإسلامَ والقرآن. فلما كان العام القابل وافى الموسمَ ثلاثةٌ وسبعون نفرًا وامرأتان، أحد وعشرون من الأوس والباقي من الخزرج، فبايعوه على الإسلام والحرب على كل من عاداه.
وجَعَل عليهم اثني عَشَر نقيبًا، عدد نُقباء موسى ﵇، ثم رحل يعد شهرين معه أبو بكر وعامر بن فهيرَة؛ عبدُ أبي بكر، وعبد الله بن أريقط دليلًا لهم.
فإن قلت: ما معنى حُبّ الأنصار وقد انقرَضُوا؟ قلتُ: المراد ميلُ القلب إليهم والثناءُ عند ذكرهم، لأنهم الذين كشفوا الكرب عن وجه رسول الله ﷺ فهم أهلٌ لذلك، وإكرامُ ذُرّيتهم لأجلهم.
١٧ - (عبد الله بن جَبْرٍ) بفتح الجيم (وآيةُ النفاق بغضُ الأنصار) النفاق إبطان الكفر
стр. 64
وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ» [الحديث ١٧ - طرفه في: ٣٧٨٤].
١١ - باب
١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ﵁ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ،
ــ
وإظهار الإيمان، ومن عَرَفَ سابقةَ الأنصار في الإسلام، وثناءَ الله ورسوله ﷺ عليهم ثم أبغَضَهم، لا شك أنه منافقٌ شرُّ الكَفَرة، كما أن مَنْ أحبَّهم من تلك الحيثية من خيار البَرَرة.
بابٌ
كذا وَقَع من غير ترجمة. وله من هذا النمط في هذا الكتاب مواضعُ، وتارةً يترجم الباب، ولا يورد فيه حديثًا، وسبب ذلك أنه وضَعَ أولًا الأبوابَ، ثم أردفَها بالتراجم، ثم أورد الأحاديث الملائمة للباب، فربما لم يتفق له ترجمةٌ، أو ترجَمَ ولم يتفقْ له الحديثُ المناسب. وقيل: يفعل ذلك لأن المذكور بعده مناسب للباب قبله، فالباب بمثابة الفصل للباب قبله.
١٨ - (أبو اليَمَان): هو الحكم بن نافع (عائذ الله) لَقَب أبي إدريسِ الخَوْلاني التابعي الجليل المعروف بالزهد والورع، كان قاضيًا لمعاوية بالشام بعد أبي الدرداء (أنّ عُبَادة بن الصامت) -بضم العين وتخفيف الباء- أبو الوليد الأنصاري الخزرجي.
(بايعوني) استعارةٌ تبعية، شبّه إعطاءَهم الانقياد لأحكامه ومقابلته ذلك بالجنة ورضوان الله بالمبايعة التي هي مُبادلةُ المال بالمال على التأبيد.
(ولا تأتوا ببُهتان تَفترونه بين أيديكم وأرجلكم).
فإن قلتَ: ما البُهْتَان؟ قلتُ: افتراء الكذب على بريء بحيث يبهته ويحيره.
стр. 65
وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ» فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ.
ــ
فإن قلتَ: فذلك يكون باللسان، فأي فائدة لوصفه بقوله: بين أيديكم وأرجلكم؟ قلتُ: اللسان ترجمان القلب. أشار إلى أنكم تحيرونه بقلوبكم التي بين أيديكم وأرجلكم. وقيل: إنما ذكَرَ الأيدي والأرجُلَ لأن أكثرَ الأعمال تُزاوَلُ بهما. وليس بشيءٍ؛ لأن ذلك إنما يقال في أمورٍ يكون لليد والرجل تأثيرٌ في أكثرها كقوله تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٢] ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] إذ ليس العقابُ على جناية اليد وحدها. وكذا ما يقال معناه: لا تَفْتَروا على من بين يديكم حاضرًا لعدم دلالة الكلام عليه مع إخلاله بغرض الشارع، إذ ليس هذا الحكم مخصوصًا بالحاضر، بل الافتراء على الغائب أشدّ جُرْمًا.
فإن قلتَ: الافتراءُ هو عين البهتان، فما فائدة الجمع بينهما؟ قلتُ: الافتراء من الفَرْي وهو القطع، أشار به إلى أنهم يقطعون من عند أنفسهم.
(ولا تعصوا في معروف) أي: فيما عرف من الشرع سواء كان مأمورًا به أو منهيًا عنه. أجْمَلَ في القول بعدما فَضَل بعضَ أمهات الخبائث التي كانت العربُ مَوسُومين بها، ولذلك خَصَّ القَتْلَ بالأولاد، لأنه كان دأبَهم خشيةَ الإملاق (ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله) أي: جزاؤه. وقد فَسَّره بقوله: (إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه) فيه دليلٌ لأهل الحق في أن أصحاب الكبائر في مشيئة الله تعالى يجوزُ العفو عنهم بل هو الراجحُ، ولذلك قدِّم العفوَ على العقاب.
فإن قلتَ: ذلك إشارة إلى المذكور قبله، وفيه الشرك؟ قلتُ: العفوُ عن الشرك أخرجه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] وما يقال: إن المراد بالشرك في الحديث: الشرك الخفي وهو الرياء فلا يُعوَّل عليه.
فإن قلتَ: لا تَعْصُوا في معروف دَخَل فيه أكلُ مال الغير وقتله ظلمًا، وقد أجمعُوا على أن ظلم العباد لا بُدّ من أدائه؟ قلتُ: معنى ذلك الإجماع بأن حق العباد لا بُدّ له من الأداء، ولا يلزم أن يكون ذلك بعقاب الظالم، بل إما أن يُؤخذ من حسناته، وإما أن يُرضي اللهُ خَصْمَه من خزائن فضله. هكذا يجب أن يُفهم هذا المقام، فإنه صريحُ معنى الحديث،
стр. 66
١٢ - بَابٌ: مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الفِتَنِ
١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ». [الحديث ١٩ - أطرافه في: ٣٣٠٠، ٣٦٠٠، ٦٤٩٥، ٧٠٨٨].
ــ
والموافقُ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] الآية.
بابٌ من الدين الفرارُ من الفتن
من تبعيضية لأنه بصدد عَدّ أمور الإيمان وشُعبه، ومنها: فرارُ الإنسان بدينه. وحمله على الابتداء على أن المعنى الفرار من الفتن، منشؤه الدين، لا يلائم المقام. وآثَرَ الدينَ على الإيمان مع أن الكتاب كتابُ الإيمان، إشارةً إلى أن الإيمانَ والدين واحدٌ بحسب الصِدْق كالإسلام والإيمان. والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وليس هذا مبنيًّا على أن الاصطلاح كما ظن، بل بيان للواقع الذي دلّ عليه الآياتُ والأحاديث.
١٩ - (مسلمة) بفتح الميم واللام (صعصعة) بتكرير المهملتين (عن أبي سعيد الخدري) سعيد بن سنان الخَزْرجي نسبةً إلى خدرة -بضم الخاء ودال مهملة- أحدُ أجداده.
(يُوشك أن يكون خير مال المسلم غنمٌ يَتبعُ بها شَعَفَ الجبال) برفع غنمٌ، ونصب خيرَ. وبالعكس والأولُ هو الوجهُ؛ لأن الغرضَ الحكمُ عن الغنم من بين سائر الأموال بالخيرية، لأنه مالٌ نام بين الجبال من غير مشقة، ويحصُلُ منه المأكلُ والمشربُ والملبَسُ. ويُروى برفع الاسمين على أن في (كان) ضمير الشأن. ويُوشك: -بضم الياء- أي: يَقرُب. من الوَشْك وهو السرعة. ويتبع: -بفتح الياء- من الاتباع. ورُوي بسكون الياء مخففًا. وشَعَف الجبال: -بشين معجمة وعين مهملة- جمع شَعْفة. أعلى الجبل. ويُروى وشعبه -بالباء- جمع شعبة (يفر بدينه) الباء للمصاحبة، كقولك: دخل بثيابِ سفره. ويجوز أن يكون للسببية.
فإن قلتَ: ما قولُك في الأحاديث الواردة الآمرة بالاختلاط، والناهية عن الانفراد،
стр. 67
١٣ - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ»
وَأَنَّ المَعْرِفَةَ فِعْلُ القَلْبِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]
٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَرَهُمْ، أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ، قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ،
ــ
كقوله ﷺ : "عليكم بالسواد الأعظم، فإن مَن شَذ شذّ في النار"؟ قلتُ: محمولةٌ على ما إذا لم يَخَفْ على دينه، ولذلك لم يُجوزْ ذلك في زمانه. وأشار بـ "يوشك" إلى قرب وقته.
باب قول النبي ﷺ : "أنا أعلمُكم بالله"
يجوزُ في الباب الإضافةُ وقطعُهُ. أي: قوله: "أنا أعلمكم" من أمور الإيمان، فإن زيادة العلم إنما تكون بزيادة المعلومات، وكلما ازدادت المعلومات ازداد المؤمن به، وبزيادة المؤمن به تكون زيادة الإيمان (وأن المعرفة فعل القلب) -بالفتح- عطف على قول النبي ﷺ . ردَّ به على المُرْجئة والكَرّامِيّة القائلين بأن الإيمان مجردُ القول. قال شيخ الإسلام: ورُوي بالكسر. فوجهُهُ ظاهر؛ فمن قال: الكسرُ لا يصحُّ لا رواية ولا درايةً، فقد قال بقَدْرِ علمه.
٢٠ - (محمد بن سَلَام) -بتخفيف اللام- هو الأشهر (عَبْدة) -بفتح العين وسكون الباء- لَقَبُ عبد الرحمن بن سليمان (إذا أَمَرهم من الأعمال أَمَرهم بما يُطيقون) أي: بما يطيقون المداومةَ عليه (قالوا: إنا لسنا كهيئتِكَ) هيئةُ الشيء: شكلُهُ وصورتُهُ وحالُهُ، قال ابن الأثير: والمعنى: حالُنا في العبادة يُباينُ حالَكَ. بَينُوا ذلك بأنه مغفورٌ له. فلو اقتصر على قليلٍ من العمل، له وَجْهٌ ظاهر.
فإن قلتَ: لم يكن له ذنبٌ حتى يُغفر؟ قلتُ: هذه العبارة مأخوذة من كلام الله تعالى، فيؤوَّلُ بارتكابه خلافَ الأولى في بعض الأحيان. كقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] ونظائره. ومن بِدَعِ القول أن المراد ذنبُ قومه نُسِب إليه.
стр. 68
فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: «إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا».
١٤ - بَابٌ: مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ مِنَ الإِيمَانِ
٢١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ، بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ، مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ".
ــ
(أتقاكم وأعلمكم بالله) إنه قدَّم التقوى على العلم -وإن كان العلمُ أشرف وأقدم-؛ لأن الكلامَ وَقَعَ فيه، ولأنه نتيجةُ العلم، والغرض عنه. وحيثُ قابلَ العلمَ بالتقوى دلَّ على أن محل العلم هو القلبُ، فدلَّ على أن المعرفةَ فعلُ القلب. وسقط ما يُوهِم من أن الحديث لا دلالة فيه على الشق الثاني من الترجمة وهو أن المعرفة فعل القلب.
باب: من كَرِه أن يعود في الكفر كما يكره أن يُلقى في النار من الإيمان
٢١ - (سليمان بن حَرْب) -ضد الصلح- أعادَ الحديثَ المتقدم في باب: حلاوة الإيمان؛ لاختلاف السند، وإشارةً إلى أن كلَّ واحدة من الخصال الثلاثة تُعَدُّ من شعب الإيمان، إذ لا يلزم من وجدان حلاوة الإيمان من الثلاثة أن تكون كلّ واحدة شعبةً من شُعَبه لاحتمال أن يكون الحكم باعتبار المجموع من حيث هو، وإما أن التعبير في ذلك الباب بالمضارع وهنا بالماضي، فذلك تفنن من رسول الله ﷺ ، فلا يصاغ باعثًا لوضع باب له؛ إذ يمكنه أن يرويهما في باب واحد.
(من كان اللهُ ورسولُه أحب إليه مما سواهما) استئناف لبيان الخصال الثلاث، وذكرُ الموصوف بها يدل عليها فلا حاجة إلى تقديرها في الكلام. ووجه الإتيان بالضمير في "سواهما" والتوفيق بينه وبين الردّ على الخطيب قد سَبَق في باب حلاوة الإيمان بما لا مزيد عليه (ومن يكره أن يعود في الكفر) قد تقدم أن المراد بالعود هو الدخول، ولا يقتضي سَبْقَ الكفر.
стр. 69
١٥ - بَابٌ: تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِي الأَعْمَالِ
٢٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ»، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ. فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الحَيَا، أَوِ الحَيَاةِ - شَكَّ مَالِكٌ - فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً»
ــ
باب تفاضُل أهل الإيمان في الأعمال
٢٢ - (إسماعيل) هو ابن أبي أُويس الأصبحي، ابن أخت مالك بن أنس (عن أبي سعيد الخُدْري) -بضم الخاء والدال المهملة- نسبةً إلى خُدْرة جده الأعلى (يدخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ) أي: الذين لا عقاب عليهم، والذين خرجوا من النار بشفاعة الشافعين من الأنبياء والملائكة وغيرهم (أخرجوا) الخطاب للملائكة وهم أعوان مالكٍ خازنِ النار، أو المُقَرَّبون من الكروبيين (من كان في قلبه مثقال حبةٍ من خَرْدل من إيمان) أي: ما يزن واحدة من حبوب الخردل الذي يُضرَبُ به المَثَلُ في القلة والصغر. قوله: "من خردل": صفةُ حبَّةٍ. وقوله: "من إيمان": حال من المجرور، ونكرَ الإيمان دلالةً على حقارته. ويجوزُ أن يكون للتعظيم أي: الإيمان الذي يوجب الإخراج من النار، والخلود في الجنة. وفيه إبطالُ ما ذَهَبَ إليه الخوارج والمعتزلة من أن من دَخَل يُخلَّد فيها وما ذَهَب إليه المرجئة من أن الذنوب لا تضرّ مع الإيمان.
(فيُلْقون في نهر الحيا) يجوز في هاء نهر الفتحُ والإسكان، والأول أفصح به ورد في القرآن، والحيا: مقصورٌ وهو المطر. قاله ابن الأثير، والمراد به: ما به الحياة (أو الحياة). (فَيَنْبُتُون كما تَنْبُتُ الحبة) -بكسر الحاء- بزر البقول وبزر الرياحين. والأولُ هو المرادُ لسرعة نباتها وعدم الاحتياج إلى زراعةٍ ورعاية (في جانب السيل) أي: المسيل. وفي رواية: "حمل السيل" وهو ما يحمله (ألم تر أنها تَخْرج صفراءَ ملتوية) يشير إلى غاية لطافتها وضعف القوة. وقيل: مَثَّل بها لأن الصُفْرة أحسن الألوان. قال تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩] ولهذا وصف الحناء بصُفرتها بأنها سيدُ رياحين الجنة. قلتُ: الذي في الحديث: "أن الفاغية سيدُ رياحين أهل الجنة" قال ابن الأثير:
стр. 70
قَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو: الحَيَاةِ، وَقَالَ: خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ. [الحديث ٢٢ - أطرافه
في: ٤٥٨١، ٤٩١٩، ٦٥٦٠، ٦٥٧٤، ٧٤٣٨، ٧٤٣٩].
٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ،
ــ
والفاغية: نور كل [نبت]. وقيل: نور الريحان.
(قال وُهيب) -بضم الواو على وزن المصغر- هو ابن خالد بن عجلان البصري، من شيوخ البخاري. رَوَى عنه مسلم بن إبراهيم، ومعلى بن الأسد، رواية البخاري عنه يقال تعليق.
٢٣ - (عن أبي أمامة) أسعد بن سهل الأنصاري الأَوْسي (بينا أنا نائم) بين: ظرف زمان والألف للإشباع. وتارةً يُزاد عليه، والمعنى: بين أوقاتٍ (رأيتُ الناسَ يعرضون علي) رؤية البصر والناس: منصوب مفعوله باتفاق الروايات. فمن قال: يجوزُ الرفعُ على الحكاية كما في قول ذي الرُّمَّة:
رأيتُ الناسَ ينتجعون. . .
فقد غَلِطَ نقلًا ودرايةً. أما نقلًا فإن بيت ذي الرمّة ليس فيه لفظ الرؤية، بل هو قوله: سمعتُ الناس ينتجعون. أي: سمعتُ هذا الكلام. ذكره صاحبُ "الكشاف" في أول البقرة في بحث الحكاية في المقطعات في أوائل السور. وأما درايةً فلأن رسول الله ﷺ رأى أفرادَ الناس وما عليهم من اللباس. فأي وجه للحكاية؟ أو كيف يُعقل ذلك؟
(وعليهم قُمُص) -بضم القاف والميم- جمع قميص، ويجمع على أقمصة وقُمصان. (منها ما يبلُغُ الثُدِيّ) -بضم الثاء وكسر الدال وتشديد الياء- جمع ثُدي، كُحلِيّ في حَلْي.
стр. 71
وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ». قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الدِّينَ».
١٦ - بَابٌ: الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ
٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
ــ
(وعُرض عليَّ عمرُ بنُ الخطاب وعليه قميص يجرّه) أي: على الأرض من غاية طوله (قالوا: فما أَوَّلْتَ ذلك) يقال: أوّلْت الشيءَ إذا فَسَّرْتَهُ بما يؤول إليه. وإنما سألوه عن تأويله لأن ظاهره غيرُ مرادٍ قطعًا؛ لأن جَرَّ الثوب على الأرض فعلٌ حرام (قال: الدِّين) أي: أوّلتُ طول ذلك الدينَ الكامل، لأنه ساترُ القبائح كالثوب، ولا يلزم من هذا تفضيلُ عُمر على الصدّيق؛ إذ لم يُذكَر أن الصدّيق كان في أولئك الناس، ولئن سُلّم: ليس في الكلام ما يدلّ على الحصر.
بابٌ: الحياء من الإيمان
الأحسن في الباب هنا: التنوينُ.
فإن قلتَ: قد تقدم أن الحياء شعبةٌ من الإيمان، فلأيّ شيء أعادَهُ؟ قلت: أعاده لاختلاف السند، وزيادة قصة الأنصاري. وهناك كان ذِكْرُه على طريقة جُمل مُعترضة، وهنا على طريق الأصالة دلالةً على عظيم شأنه، كيف لا وقد قال فيه: "الحياءُ خير كلّه".
٢٤ - (سالم بن عبد الله) ابن عمر: التابعي الجليل، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة. قال العراقي: أصحّ أسانيد حديث عمر: الزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر عن أبيه (مرّ على رجل من الأنصار) يقال: مرَّ به ومرّ عليه. قال الجوهري: مرَّ عليه وبه إخبار. ومصدرُهُ مَرًّا. يقال: مرَّ مرورًا ومرًّا أي: ذَهَبَ (وهو يعظ أخاه) الوعظُ: النصح إما ترغيبًا أو ترهيبًا.
стр. 72
«دَعْهُ فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ». [الحديث ٢٤ - طرفه في: ٦١١٨].
١٧ - بَابٌ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]
٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ المُسْنَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ الحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ
ــ
والظاهر أنه كان يزجره عن الحياء كما يقوله العامة: إن الحياء يمنع الرزق. بدليل أنه قال له: (دَعْهُ فإن الحياء من الإيمان) أي: جزء من الإيمان الكامل. وقد روَى البخاري في أبواب الأدب أنه قال له: "إنك تستحي وقد اخترتك". وقد تقدم أن الحياء غريزةٌ في الإنسان تمنعه عن ارتكاب ما يلام عليه.
باب: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]
٢٥ - (عبد الله بن محمد) هو المسنَدي -بفتح النون- نسبةً إلى صنعته، فإنه كان يتتبع الحديث المسند (أبو رَوْح) بفتح الراء (الحرمي بن عمارة) ابن أبي حفصة. واسم أبي حفصة نابت -بالنون والباء الموحدة- قال بعضُ الشارحين: أبو رَوْح كنيتُه، واسمه نابت والحرمي نسبه وهذا خطأ من وجهين: الأول: جعل الاسم نسبة، والثاني: أن نابتًا -بالنون- اسم أبي حفصة (واقد) بالقاف وليس في رجال مسلم والبخاري وافد بالفاء (أُمرت [أن] أقاتل الناس) أي: بأن أقاتل. وهذا كثير في كلام العرب، يحذفون الجار عن أن وأنّ تخفيفًا. إذا قال رسول الله ﷺ : أمرتُ. فالآمرُ هو اللهُ تعالى. فإذا قاله الصحابي فالآمرُ هو الرسول ﷺ . ثم الأمر حقيقةٌ في القول الجازم، وتفاريع مباحثه في علم الأصول (حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) يريد فرائض الإسلام كلَها بدليل ما رواه مسلم عن أبي هريرة: "حتى يؤمنوا بما جئتُ به". وإنما خَصَّ الصلاةَ والزكاة بالذكر لشرفهما وكونهما أُمَّي سائر العبادات. والمراد بإقامة الصلاة: أداؤها مشتملةً على الأركان والواجبات.
стр. 73
وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ»
ــ
فإن قلتَ: ما حكم تاركهما؟ قلتُ: المنكر لوجوبهما كافرٌ، والتارك كسلًا يُقتَلُ حدًّا عند الشافعي، كالزاني المحصَن. وعن الإمام أحمد روايةٌ أنه يكفرُ لما رواه والترمذي وابن ماجه والنسائي عن بُرَيدة أن رسول الله ﷺ قال: "العهدُ بيننا وبين الكفارِ الصلاةُ، فمن تركها فقد كفر". وحَمَله الجمهور على التغليظ.
فإن قلتَ: الحديث دلَّ على أن لا يُترَكَ الكافرُ على دينه بوجهٍ؟ وكذا الآية في الترجمة، فكيف أُخذتِ الجزيةُ من أهل الكتاب؟ قلتُ: إما أن يُحمل اللام في الناس على العهد وهم المشركون عبدةُ الأوثان، كما هو مقتضى الآية، فإنها فيهم نزلت. دلَّ عِليه السياقُ. وإمّا أنه عام خصّ منه البعض بقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
"إلا بحق الإسلام" كما إذا قتل ظلمًا، أو أتلف مالًا (وحسابُهم على الله).
فإن قلتَ: على: تدل [على] اللزوم والله تعالى [منزه] عن أن يجب عليه شيءٌ؟ قلتُ: ذلك اللزومُ مقتضى وعدِهِ الذي لا بُدّ من وقوعه.
فإن قلتَ: إذا كان هذا موجودًا في الحديث، فكيف اعترض عُمر على أبي بكر لمّا أراد قتال مانع الزكاة؟ أو كيف لم يردّ أبو بكر على عمر بهذا النص حتى قاس الزكاة على الصلاة؟ قلتُ: محمولٌ على أنهما لم يبلغهما هذه الزيادة.
فإن قلتَ: الذين منعوا الزكاة إما كانوا بُغاةَ أو أهلَ ردةِ، ولا يجوزُ سبيُ ذراريهم إجماعًا؟ قلتُ: قال النووي: هذا الإجماع انعقد بعد ذلك.
ومن فوائد الحديث أن الحُكمَ إنما يكون بحسب الظاهر، والله يتولّى السرائر.
ومنها: جواز مناظرة المفضول للفاضل إذا لم يَظْهر له وجهُ الصواب. ومنها: أن الإقرار شرطٌ في الإيمان إذا طُولب به الإنسان.
ومنها: وجوب قتال مانعي الزكاة إذا لم يقدر الإمام على الأخذ قهرًا. وهذا هو الفارق للشافعي في قتل تارك الصلاة دون مانع الزكاة. قيل: استدلالُهُ بهذا الحديث لا يتمّ؛ لأن المقاتلةَ لا تستلزم القتلَ، وهذا ليس بشيءٍ للاتفاق على أن مانع الزكاة لو لم يقدر على الأخذ
стр. 74
١٨ - بَابُ مَنْ قَالَ إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ العَمَلُ
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:
ــ
منه قهرًا يقاتل عليه، وإن قتل فهو هدرٌ. فكذا تارك الصلاة إن أبى لا يترك سدًّا.
بابٌ: من قال إن الإيمان هو العملُ
(لقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢].
استدل على كون الإيمان هو العمل بالآيات والحديث الذي أسنده في الباب. هذا، وكونُ الإيمان عملًا مما لا يَشُك فيه عاقلٌ؛ لأنه إما تصديق القلب أو فعل الأركان وكل ذلك عملٌ. والمراد من الإيمان: الإيمان الكاملُ.
فإن قلتَ: قوله تعالى: ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾ ما معنى الإيراث فيه؟ قلتُ: الإرثُ هنا ليس محمولًا على ما يتعارفه الناسُ، بل من إطلاق المقيد على المطلق. وإنما آثره على الإعطاء دلالةً على لزومه لهم؛ لأن الإرثَ مُلْكٌ لازمٌ لا يمكن ردُّه، ويجوزُ أن ذلك باعتبار منازل الكفار لما في الحديث "أن كل واحدٍ من آحاد الناس له منزل في الجنة، ومنزل في النار، فما للكفار من المنازل يعطى المؤمنين، وما للمؤمنين من المنازل في النار يضاف إلى ما للكفار"، فشبّه ذلك للزومه بالإرث.
فإن قلتَ: الباء في قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ونظائرُهُ للسببية. وقد جاء في الحديث: "لا يدخل أحدُكم الجنةَ بعمله" قالوا: ولا أنت؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني اللهُ بفضل رحمته"؛ قلتُ: السببية هنا عادية جرت عادته تعالى بذلك، وإن كان السبب الحقيقي إرادته تعالى، إذ لا يجب عليه إثابة المؤمن؛ لأن أعماله لا تفي بأدنى نعمةٍ من نعم الدنيا، فضلًا عن نعم الآخرة. قال النووي: الدخول بسبب العمل، والعملُ برحمة الله. قال بعضهم ردًّا عليه: المقدمة الأولى خلاف صريح الآية، فإن الباء تدل بظاهره على السببية العادية كما أشرنا إليه، فيؤول الحديث. ثم قال: الباء فيه للملابسة دون السببية. ويرده قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] لأنها نصٌّ في السببية. وقال: أو الجنة. المراد بها الجنةُ
стр. 75
٧٢] وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣] عَنْ قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقَالَ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١].
٢٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
ــ
العالية. ويردُّه سياقُ الآية، وهو قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ﴾ [الزخرف: ٧٠] ثم قال: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ [الزخرف: ٧٢] وقال: أو الدخول ليس بالعمل، والإدخالُ بالعمل. وهذا شيءٌ لا يرضاه عاقلٌ.
(عِدَّة من أهل العلم) -بكسر العين- اسم جمع من العدد، وبالضم ما يعدّ ويهيأ من الأموال والسلاح لحوادث الدهر. ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣] عن قول لا إله إلا الله).
فإن قلت: قد قال الله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]؟ قلتُ: ذاك في وقت، وهذا في آخر. أو ذاك في موقف، وهذا في موقفٍ آخر.
فإن قلتَ: ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لفظ "ما" من ألفاظ العموم، كيف خصَّه من فسّره بقول: لا إله إلا الله؟ قلتُ: حمل على الجزء الأعظم، فإنه مناط النجاة ولا حصر فيه. فلا ينافي ما وَرَد في الأحاديث من السؤال عن النقير والقطمير.
٢٦ - (سعيد بن المسيِّب) -بفتح الياء المشددة- هو المشهور قيل: كان يكره فتحَ الياء. هو ابن حَزْن. أسلم المسيِّب هو وحَزْن يوم الفتح، فسأله رسول الله ﷺ عن اسمه؟ فقال: اسمي حَزْن. قال رسول الله ﷺ : بل أنت سَهْلٌ. فقال: لا أغيْر اسمًا سماني به أهلي قال سعيد: فما زالت الحُزُونة فينا؛ وذلك بشُؤم مخالفته رسول الله ﷺ . مخزوميٌ يلاقي نسبُه نَسَبَ رسول الله ﷺ في مُرَّة بن كعب. قال أحمد بن حنبل وآخرون: إنه أفضل التابعين. ورُدَّ ذلك بما رواه مسلم مرفوعًا: "إن أفضل التابعين أُويس القَرَني". ونقل عن بعضهم أن
следующие страницы →