← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16584

الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري

أحمد بن إسماعيل الكوراني

Полный текст (5 311 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ». قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الدِّينَ». ١٦ - بَابٌ: الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ ٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ــ (وعُرض عليَّ عمرُ بنُ الخطاب وعليه قميص يجرّه) أي: على الأرض من غاية طوله (قالوا: فما أَوَّلْتَ ذلك) يقال: أوّلْت الشيءَ إذا فَسَّرْتَهُ بما يؤول إليه. وإنما سألوه عن تأويله لأن ظاهره غيرُ مرادٍ قطعًا؛ لأن جَرَّ الثوب على الأرض فعلٌ حرام (قال: الدِّين) أي: أوّلتُ طول ذلك الدينَ الكامل، لأنه ساترُ القبائح كالثوب، ولا يلزم من هذا تفضيلُ عُمر على الصدّيق؛ إذ لم يُذكَر أن الصدّيق كان في أولئك الناس، ولئن سُلّم: ليس في الكلام ما يدلّ على الحصر. بابٌ: الحياء من الإيمان الأحسن في الباب هنا: التنوينُ. فإن قلتَ: قد تقدم أن الحياء شعبةٌ من الإيمان، فلأيّ شيء أعادَهُ؟ قلت: أعاده لاختلاف السند، وزيادة قصة الأنصاري. وهناك كان ذِكْرُه على طريقة جُمل مُعترضة، وهنا على طريق الأصالة دلالةً على عظيم شأنه، كيف لا وقد قال فيه: "الحياءُ خير كلّه". ٢٤ - (سالم بن عبد الله) ابن عمر: التابعي الجليل، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة. قال العراقي: أصحّ أسانيد حديث عمر: الزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر عن أبيه (مرّ على رجل من الأنصار) يقال: مرَّ به ومرّ عليه. قال الجوهري: مرَّ عليه وبه إخبار. ومصدرُهُ مَرًّا. يقال: مرَّ مرورًا ومرًّا أي: ذَهَبَ (وهو يعظ أخاه) الوعظُ: النصح إما ترغيبًا أو ترهيبًا.

стр. 72

«دَعْهُ فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ». [الحديث ٢٤ - طرفه في: ٦١١٨]. ١٧ - بَابٌ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ المُسْنَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ الحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ ــ والظاهر أنه كان يزجره عن الحياء كما يقوله العامة: إن الحياء يمنع الرزق. بدليل أنه قال له: (دَعْهُ فإن الحياء من الإيمان) أي: جزء من الإيمان الكامل. وقد روَى البخاري في أبواب الأدب أنه قال له: "إنك تستحي وقد اخترتك". وقد تقدم أن الحياء غريزةٌ في الإنسان تمنعه عن ارتكاب ما يلام عليه. باب: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ٢٥ - (عبد الله بن محمد) هو المسنَدي -بفتح النون- نسبةً إلى صنعته، فإنه كان يتتبع الحديث المسند (أبو رَوْح) بفتح الراء (الحرمي بن عمارة) ابن أبي حفصة. واسم أبي حفصة نابت -بالنون والباء الموحدة- قال بعضُ الشارحين: أبو رَوْح كنيتُه، واسمه نابت والحرمي نسبه وهذا خطأ من وجهين: الأول: جعل الاسم نسبة، والثاني: أن نابتًا -بالنون- اسم أبي حفصة (واقد) بالقاف وليس في رجال مسلم والبخاري وافد بالفاء (أُمرت [أن] أقاتل الناس) أي: بأن أقاتل. وهذا كثير في كلام العرب، يحذفون الجار عن أن وأنّ تخفيفًا. إذا قال رسول الله ﷺ : أمرتُ. فالآمرُ هو اللهُ تعالى. فإذا قاله الصحابي فالآمرُ هو الرسول ﷺ . ثم الأمر حقيقةٌ في القول الجازم، وتفاريع مباحثه في علم الأصول (حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) يريد فرائض الإسلام كلَها بدليل ما رواه مسلم عن أبي هريرة: "حتى يؤمنوا بما جئتُ به". وإنما خَصَّ الصلاةَ والزكاة بالذكر لشرفهما وكونهما أُمَّي سائر العبادات. والمراد بإقامة الصلاة: أداؤها مشتملةً على الأركان والواجبات.

стр. 73

وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» ــ فإن قلتَ: ما حكم تاركهما؟ قلتُ: المنكر لوجوبهما كافرٌ، والتارك كسلًا يُقتَلُ حدًّا عند الشافعي، كالزاني المحصَن. وعن الإمام أحمد روايةٌ أنه يكفرُ لما رواه والترمذي وابن ماجه والنسائي عن بُرَيدة أن رسول الله ﷺ قال: "العهدُ بيننا وبين الكفارِ الصلاةُ، فمن تركها فقد كفر". وحَمَله الجمهور على التغليظ. فإن قلتَ: الحديث دلَّ على أن لا يُترَكَ الكافرُ على دينه بوجهٍ؟ وكذا الآية في الترجمة، فكيف أُخذتِ الجزيةُ من أهل الكتاب؟ قلتُ: إما أن يُحمل اللام في الناس على العهد وهم المشركون عبدةُ الأوثان، كما هو مقتضى الآية، فإنها فيهم نزلت. دلَّ عِليه السياقُ. وإمّا أنه عام خصّ منه البعض بقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. "إلا بحق الإسلام" كما إذا قتل ظلمًا، أو أتلف مالًا (وحسابُهم على الله). فإن قلتَ: على: تدل [على] اللزوم والله تعالى [منزه] عن أن يجب عليه شيءٌ؟ قلتُ: ذلك اللزومُ مقتضى وعدِهِ الذي لا بُدّ من وقوعه. فإن قلتَ: إذا كان هذا موجودًا في الحديث، فكيف اعترض عُمر على أبي بكر لمّا أراد قتال مانع الزكاة؟ أو كيف لم يردّ أبو بكر على عمر بهذا النص حتى قاس الزكاة على الصلاة؟ قلتُ: محمولٌ على أنهما لم يبلغهما هذه الزيادة. فإن قلتَ: الذين منعوا الزكاة إما كانوا بُغاةَ أو أهلَ ردةِ، ولا يجوزُ سبيُ ذراريهم إجماعًا؟ قلتُ: قال النووي: هذا الإجماع انعقد بعد ذلك. ومن فوائد الحديث أن الحُكمَ إنما يكون بحسب الظاهر، والله يتولّى السرائر. ومنها: جواز مناظرة المفضول للفاضل إذا لم يَظْهر له وجهُ الصواب. ومنها: أن الإقرار شرطٌ في الإيمان إذا طُولب به الإنسان. ومنها: وجوب قتال مانعي الزكاة إذا لم يقدر الإمام على الأخذ قهرًا. وهذا هو الفارق للشافعي في قتل تارك الصلاة دون مانع الزكاة. قيل: استدلالُهُ بهذا الحديث لا يتمّ؛ لأن المقاتلةَ لا تستلزم القتلَ، وهذا ليس بشيءٍ للاتفاق على أن مانع الزكاة لو لم يقدر على الأخذ

стр. 74

١٨ - بَابُ مَنْ قَالَ إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ العَمَلُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ــ منه قهرًا يقاتل عليه، وإن قتل فهو هدرٌ. فكذا تارك الصلاة إن أبى لا يترك سدًّا. بابٌ: من قال إن الإيمان هو العملُ (لقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]. استدل على كون الإيمان هو العمل بالآيات والحديث الذي أسنده في الباب. هذا، وكونُ الإيمان عملًا مما لا يَشُك فيه عاقلٌ؛ لأنه إما تصديق القلب أو فعل الأركان وكل ذلك عملٌ. والمراد من الإيمان: الإيمان الكاملُ. فإن قلتَ: قوله تعالى: ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾ ما معنى الإيراث فيه؟ قلتُ: الإرثُ هنا ليس محمولًا على ما يتعارفه الناسُ، بل من إطلاق المقيد على المطلق. وإنما آثره على الإعطاء دلالةً على لزومه لهم؛ لأن الإرثَ مُلْكٌ لازمٌ لا يمكن ردُّه، ويجوزُ أن ذلك باعتبار منازل الكفار لما في الحديث "أن كل واحدٍ من آحاد الناس له منزل في الجنة، ومنزل في النار، فما للكفار من المنازل يعطى المؤمنين، وما للمؤمنين من المنازل في النار يضاف إلى ما للكفار"، فشبّه ذلك للزومه بالإرث. فإن قلتَ: الباء في قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ونظائرُهُ للسببية. وقد جاء في الحديث: "لا يدخل أحدُكم الجنةَ بعمله" قالوا: ولا أنت؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني اللهُ بفضل رحمته"؛ قلتُ: السببية هنا عادية جرت عادته تعالى بذلك، وإن كان السبب الحقيقي إرادته تعالى، إذ لا يجب عليه إثابة المؤمن؛ لأن أعماله لا تفي بأدنى نعمةٍ من نعم الدنيا، فضلًا عن نعم الآخرة. قال النووي: الدخول بسبب العمل، والعملُ برحمة الله. قال بعضهم ردًّا عليه: المقدمة الأولى خلاف صريح الآية، فإن الباء تدل بظاهره على السببية العادية كما أشرنا إليه، فيؤول الحديث. ثم قال: الباء فيه للملابسة دون السببية. ويرده قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] لأنها نصٌّ في السببية. وقال: أو الجنة. المراد بها الجنةُ

стр. 75

٧٢] وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣] عَنْ قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقَالَ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]. ٢٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ــ العالية. ويردُّه سياقُ الآية، وهو قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ﴾ [الزخرف: ٧٠] ثم قال: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ [الزخرف: ٧٢] وقال: أو الدخول ليس بالعمل، والإدخالُ بالعمل. وهذا شيءٌ لا يرضاه عاقلٌ. (عِدَّة من أهل العلم) -بكسر العين- اسم جمع من العدد، وبالضم ما يعدّ ويهيأ من الأموال والسلاح لحوادث الدهر. ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣] عن قول لا إله إلا الله). فإن قلت: قد قال الله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]؟ قلتُ: ذاك في وقت، وهذا في آخر. أو ذاك في موقف، وهذا في موقفٍ آخر. فإن قلتَ: ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لفظ "ما" من ألفاظ العموم، كيف خصَّه من فسّره بقول: لا إله إلا الله؟ قلتُ: حمل على الجزء الأعظم، فإنه مناط النجاة ولا حصر فيه. فلا ينافي ما وَرَد في الأحاديث من السؤال عن النقير والقطمير. ٢٦ - (سعيد بن المسيِّب) -بفتح الياء المشددة- هو المشهور قيل: كان يكره فتحَ الياء. هو ابن حَزْن. أسلم المسيِّب هو وحَزْن يوم الفتح، فسأله رسول الله ﷺ عن اسمه؟ فقال: اسمي حَزْن. قال رسول الله ﷺ : بل أنت سَهْلٌ. فقال: لا أغيْر اسمًا سماني به أهلي قال سعيد: فما زالت الحُزُونة فينا؛ وذلك بشُؤم مخالفته رسول الله ﷺ . مخزوميٌ يلاقي نسبُه نَسَبَ رسول الله ﷺ في مُرَّة بن كعب. قال أحمد بن حنبل وآخرون: إنه أفضل التابعين. ورُدَّ ذلك بما رواه مسلم مرفوعًا: "إن أفضل التابعين أُويس القَرَني". ونقل عن بعضهم أن

стр. 76

سُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ». [الحديث ٢٦ - طرفه في: ١٥١٩]. ــ أفضل التابعين الحسنُ البصري. والتوفيقُ بين هذه الأقوال: أن أفضلَهم زهدًا وتقوًى أويسٌ. وفقهًا وفتوًى سعيدٌ. ووعظًا ومعرفةً بأحوال الآخرة، واختلاف النفس الحسنُ. (أيّ العمل أفضل؟ قال: الإيمانُ بالله) هذا موضعُ الدلالة على الترجمة فإنه جعل الإيمان من الأعمال. وأراد بالإيمان التصديقَ وكلمةَ التوحيد، لأنه أورد بعده الجهاد والحج. فإن قلتَ: أفضل اسم تفضيل لا بُدّ له من أحد الأمور الثلاثة: اللام أو الإضافة أو من؟ قلتُ: (من) مقدرة كما في: الله أكبر. (قال: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله) أي: مقاتلة أهل الحرب، وإنما قدّمه على الحج مع أنه أحدُ أركان الإسلام لأنه أشق؛ لأنه بذلُ المال والنفس. ولذلك جعله في الحديث الآخر: "سنام الدين" قال النووي: الأفضل في هذا الحديث هو الجهادُ، وفي حديث ابن مسعود: الصلاةُ لميقاتها. وفي الحديث الآخر: أيّ الإسلام أفضل؟ "مَنْ سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده". وفي الآخر: أيّ الإسلام خيرٌ؟ "قال: أن تُطعِم الطعام". قال العلماء: اختلاف الأجوبة لاختلاف حال المخاطبين، فأَعْلَمَ كل فريقٍ بما لهم إليه حاجةٌ. فإن قلتَ: هذا كيف يستقيم مع أن كل واحدٍ منهما إذا كان أفضل لا بد وأن يكون الآخر مفضولًا؟ قلتُ: مراده أن كل واحدٍ بالنظر إلى طائفةٍ أفضل في حقه، على أن الأفضل ليس واحدًا شخصًا فيجوز فيه تعدُّد الأفضل باعتبار الزيادة في بابه. (قال: حجٌ مبرور) أي: المقبول. من البِرّ وهو الثواب؛ فإن المقبول هو الذي يترتّب

стр. 77

١٩ - بَابُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلَامُ عَلَى الحَقِيقَةِ، وَكَانَ عَلَى الِاسْتِسْلَامِ أَوِ الخَوْفِ مِنَ القَتْلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] فَإِذَا كَانَ عَلَى الحَقِيقَةِ، فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] [وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ]. ــ عليه الثوابُ. وقيل: هو ما لا إثمَ فيه. وقيل: ما لا معصية بعده. ولا يخفى عليك أن (ثم) للتراخي رتبةً. ومن قال: إن (ثم) للترتيب في الذكر كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] فقد غَلِط فهمًا ونقلًا. أما فَهْمًا فظاهر أن مراد الشارع بيانُ مراتب الأعمال وتراخي بعضها عن بعض. وأما نقلًا فإن الآية التي ذُكر استشهادًا. ثُمَّ فيها للتراخي رتبةً لا للترتيب ذِكرًا. قال صاحب "الكشاف" في تفسير تلك الآية: ثم لتراخي الإيمان وتباعُدِه في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة. فإن قلتَ: إذا كان الجهاد أفضلَ من الحج يلزمُ أن يكون فرضُ الكفاية أفضلَ من فرض العين. قلتُ: الجهادُ أيضًا قد يكون فرض عين على أن مختار إمام الحرمين أن فرض الكفاية أفضلُ من فرض العين؛ لأنه يسقط الإثمُ عن جميع الأمة، وأنا أقول تأييدًا له: إنه قد تقعُ السّنة أفضل من الفرض، كمسألة السلام؛ فإن ابتداءَ السلام سنةٌ، وهو أفضلُ من ردّ السلام مع أنه فرضٌ. فإن قلتُ: لِمَ عرَّف الجهاد ونكّر الحج؟ قلتُ: تَفَنُّنٌ في العبارة، وإشارةٌ إلى علو شأن الجهاد؛ فإن المعرف بلام الجنس والنكرةَ وإن كان مؤداهما واحدًا إلا أنّ في المعرفة يعتبر الحضور الذهني. فإن قلتَ: فيلزم تفضيله على الإيمان فإنه منكَرٌ. قلتُ: التنوين فيه للتعظيم على أن الوهم لا يذهب إلى ذلك، فإنه أساس الأعمال، والذي لا يُعتدّ بعمل دونه. ومن قال: التنوين في "حج مبرور" للإفراد شخصًا. فقد زلّتْ به القدمُ؛ وذلك أن الشارع ليس بصدد بيان أفراد الحقائق، بل بصدد بيانها، والتفاضل فيما بينهما.

стр. 78

٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا وَسَعْدٌ جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ ــ باب: إذا لم يكن الإسلامُ على الحقيقة، وكان على الاستسلام أو الخوفِ من القَتْلِ ٢٧ - (أبو اليمان) هو الحكم بن نافع (سعد بن أبي وقاص) أبو وقاص: هو مالك بن سنان بن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب. وهناك يتفقُ نسبُه ونسبُ رسول الله ﷺ ، وهو من أخوال رسول الله ﷺ ، رُوي أنه قال: "هذا خالي فليأتِ كلُ واحدٍ منكم بخاله" إشارةً إلى أنه فريدٌ لا يُوجَد له في الأخوال نظيرُهُ. وعن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ فَدَى سعدًا يوم أُحُدٍ بأبيه وأمه ومساعيه في خلافة عمر في فتح القادسية وغيرها لم تخف على أحد، وهو السابع في الإسلام، وعنه أنه قال: كنتُ ثلث الإسلام، كما سيأتي في مناقبه، وهو أحدُ العشرة المبشرة، وهو أحدُ الستة من أصحاب الشورى للخلافة، وكان مجاب الدعوة. قال رسول الله ﷺ في شأنه: "اللهم سَدِّدْ رَمِيَّتَهُ، وأجبْ دعوتَهُ". وهو أولُ من رَمى بسهم في الإسلام. وكان في أيام فتنة عليٍ ومعاوية جالسًا في بيته، لا مع علي ولا مع معاوية، فَطَمِعَ فيه معاويةُ فأرسل إليه يَحُثُّه علىَ طَلَب دم عثمان، فأجابه جوابًا فاحشًا. نقله ابنُ عبد البر في "الإستيعاب"، وهَجَا معاويةَ بقصيدةٍ أرسلَها إليه. (أعطى رهطًا وسعدٌ جالس) راوي الحديث سعدٌ، كان مقتضى الظاهر أن يقول: وأنا جالسٌ، لكن التفتَ منه إلى الغَيْبة. وقوله: (فتَرَكَ رجلًا هو أعجبهُم إليَّ) التفات آخر عكس الأول. ومعنى قوله: "أعجبهم إليَّ" في كمال الإيمان الذي هو السبب في التقدم والشرف،

стр. 79

فُلَانٍ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: «أَوْ مُسْلِمًا» فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: «أَوْ مُسْلِمًا». ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: «يَا سَعْدُ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ» ــ اشتقاقه من العَجَب وهو: استعظامُ الشيء. (إني لأراهُ مؤمنًا) قال النووي: بفتح الهمزة من الرؤية بمعنى العلم، لقوله: (غلبني ما أعلم) وقال القرطبي: الروايةُ بضم الهمزة. قلتُ: وكذلك ضبطه الصنعاني. فعلى هذا الوجه يحمل العلم على الظن. كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] ويجوزُ حلفُ الإنسان على الأمر المظنون (أوْ مسلمًا) بسكون الواو. عطفٌ على مقدر، أي: أو تراه مسلمًا لا مؤمنًا. رد على سعد الجزم بإيمانه، فإنه فعل القلب الذي لا يطلع عليه إلا الله، بل ليس لك إلا الاطلاعُ على ظاهر حاله، ولا دلالةَ في الكلام على أن ذلك الرجل لم يكن مؤمنًا، بل فيه دلالةٌ على كمال إيمانه، حيثُ تركه رسول الله ﷺ لتقرُّر إيمانه، كما فَعَل مثل ذلك في غنائم حُنين، حيث بالَغَ في العطاء للمؤلفة، وترك الأفاضلَ الكُمَّل من الأنصار والمهاجرين كيف لا وقد رُوي بسند صحيح عن أبي ذرٍّ لسعد أن هذا الرجل اسمه جَعْبَل. قال رسول الله ﷺ : "يا سعدُ، كيف ترى جَعْبَلًا"؟ قال: أحد المهاجرين قال: "فكيف ترى فلانًا"؟ قال: من سادات الناس. قال: "فإنَّ جعبلًا خير من ملء الأرض منه". قال ابن عبد البر: ويقال: جعال هو أبو سراقة الضمري. كان من فقراء الصحابة، قبيحٍ المنظر، وسيأتي الكلام بأطولَ من هذا. والقولُ بأنه على تقدير إيمانه لا يكون الحديثُ دالا على ما عُقد له البابُ، ساقطٌ؛ لأن الدالَّ على ما عُقد له البابُ هو ردّ رسول الله ﷺ على سعد من الجزم بإيمانه، فإنه صريحٌ في أن الإسلام قد يُوجد بدون الإيمان كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] فإن المرادَ به الاستسلامُ الشرعي الذي يتصادف هو والإيمان ويتلازمان لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. (قال [يا] سعدٌ: إني لأُعطي الرجلَ وغيرُهُ أحبُّ إلي خشيةَ أن يكبَّهُ اللهُ في النار) وذلك أنه لعدم تقرَّر إيمانه لو أعطى غيره وتركه ظن برسول الله ﷺ ميلًا وظلمًا كما قال له ذو الخويصرة: اعدلْ يا محمد.

стр. 80

وَرَوَاهُ يُونُسُ، وَصَالِحٌ، وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. [الحديث ٢٧ - طرفه في: ١٤٧٨]. ٢٠ - بَابٌ: إِفْشَاءُ السَّلَامِ مِنَ الإِسْلَامِ وقَالَ عَمَّارٌ: ــ يقال: كَبَبْتُ الشيء إذا ألقيتَهُ منكوسًا. وهذا شأن الكافر، يلقى في النار مقلوبًا على وجهه. ومَنْ لم يرضَ بفعلٍ من أفعال رسول الله ﷺ كافر داخلٌ في زمرة الكافرين. قيل: كَبَّ مع أكَبَّ من غريب اللغات؛ فإن المزيد مطاوع للثلاثي، وقانونُ اللغة عكسُهُ. وقال صاحبُ "الكشاف": ليس شيء من بناء أفعل مطاوعًا لفعل. قال: ولا يحيط بهذا إلا من أتقن كتاب السيبويه، بل أكَبَّ من باب أنقض أي: صار ذا نقض وأغد البعير أي: صار ذا غدة وأحصد الزرعَ. ومطاوع كبَّ: انكَبَّ. (رواه يونس وصالح ومَعْمر وابنُ أخي الزهري) هو محمد بن عبد الله بن مسلم. المتابعةُ فيها ناقصةٌ لما قدّمنا أنه إذا لم يكن متابعة شيخه تكون ناقصةً. قال النووي: قوله: رواه فلان وفلان: فيه ثلاث فوائد: الأولى: بيان كثرة طرق الحديث: الثانية: معرفة عدد الرواة ليسْهُلَ جمع المسانيد لمن أراد ذلك. الثالثة: إن هؤلاء رَوَوه أيضاَ لئلا يَغْلَطَ من لا خبرة له إذا رأى الحديث برواية هؤلاء في كتاب آخر. وقيل: فيه فائدة رابعة وهي: كونُ الحديث بذلك مشهورًا، فيجوز تخصيصُ القرآن به عند من يشترط الشُهرة. ثم قال: المشهورُ ما زاد نَقَلَتُه على الثلاث. قلتُ: تخصيص القرآن بخبر الواحد جائزٌ عند الأئمة بلا شهرة. قال ابن الحاجب: يجوزُ تخصيصُ القرآن بخبر الواحد. وبه [قال] الأئمة الأربعة. وأما المشهورُ الذي ذكره الحنفيةُ وهو أن يتواتر في القرآن الثاني ليس له ذكر عند أهل الحديث. على أن قوله: المشهور ما زاد نَقَلَتُه على الثلاث. ليس ذلك شرطًا في كل طبقة. ألا ترى أن حديث "إنما الأعمال بالنيات" من عُمر إلى يحيى بن سعيد آحادٌ، ثم منه صار في حدّ الشهرة. بابٌ إفشاءُ السلام من الإسلام (قال عمار): هو ابن ياسر -بالمثناة تحت- عنْسيّ -بالنون- وأمُّه سُمية -بضم السين

стр. 81

"ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ: الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ". ٢٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ». ــ على وزن المصغر-. مولاة مخزوم، وأبوه حليفٌ لهم، والثلاثة من السابقين الأولين، قَتَل أمُّه أبو جهل -لعنه الله- وعذَّب عمارًا حتى تكلَّم بكلمة الكفر. وفيه نَزَل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] يكنى أبا اليقظان، قُتل مع علي بصفين وفي البخاري أن رسول الله ﷺ قال: "ويحَ عمار تقتلُهُ الفئة الباغية". ومناقبُهُ لا تعدُّ وهو أحدُ الذين اشتاقت إليهم الجنة: بلال وسلمان وعمار وعلي. قيل: هو الذي بنى مسجدَ قُباء. وهذا سهوٌ؛ لأن مسجد قُباء بناه رسولُ الله ﷺ كما سيأتي في البخاري. اللهم إلا أن يكون فَوَّض إليه تكميلَهُ. (ثلاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ جَمَعَ الإيمان) الإيمانَ الكاملَ (الإنصاف من نفسك) مأخوذ من النَصَف، كأنه يجعل الأمر بينه وبين أخيه المؤمن، لأنه حج نفسه. ومحصّله أن يكون مع الحق حيثُ كان، ولا يحتاج إلى دعوى ونزاع (وبَذْلُ السلام للعالم) بفتح اللام. هذا معنى ما تقدم من الحديث المسند: "وتقرأ السلامَ على من عرفْتَ ومَنْ لم تَعْرِفْ". ٢٨ - (قُتَيبة) بضم القاف، مصغر قَتب (عن أبي الخير) هو مَرْثَد بن عبد الله (تُطعم الطعامَ) تقدم في باب من قال: إن الإيمان هو العملُ: أن اختلاف الأجوبة باعتبار حال السائل، وما يليق بكل طائفةٍ. وإنما أعاد الحديث؛ لأنه رواه هناك عن عمر بن خالد، وهنا عن قُتَيبة مع أدنى اختلاف في اللفظ.

стр. 82

٢١ - بَابُ كُفْرَانِ العَشِيرِ، وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ فِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ» قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: " يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ــ بابُ كُفْران العشير وكُفْرٍ دون كفرٍ الكفر لغةً هو السَّتْرُ، ولذلك يقال للزارع: كافر. ويطلق على ضد الإيمان، وعلى جحد النعمة لوجود معنى الستر في كلٍ منهما. وهذا الذي أراد بقوله: وكفرٍ دون كفرٍ. والعَشيرُ: فَعِيل بمعنى الفاعل، كالجليس والكليم. والمراد منه: الزوجُ بقرينةِ ذكر المرأة. (فيه عن أبي سعيد الخدري) أي: في الباب حديثُ أبي سعيد. وقد رواه مسندًا في باب الحيض، وفي كتاب الزكاة. فإن قلتَ: لِمَ لَمْ يُورِدْهُ هنا مسنَدًا؟ قلتُ: ليس له غرضٌ يتعلَّق بإسناده رواه معلَّقًا. ٢٩ - (مسلمة) بفتح الميم واللام (أسلمَ) على وزن الماضي (عن عطاء بن يسار) بالمثناة تحت (أُرِيتُ النارَ أكثرَ أهلها النساءُ) على بناء المجهول، والضمير قائمٌ مقام الفاعل. والنارَ مفعوله الثاني وأكثرَ أهلها النساء الجملة في محل النصب مفعوله الثالث. ويُروى: "أكثر أهلها النساءَ" بالنصب فيهما على أن (أكثرَ) بدل من النار، والنساءَ هو المفعول الثالث، والرؤية هنا بمعنى الإبصار. (يكْفُرْن) استئناف كأنه قيل: لِمَ ذلك؟ قال: يَكْفُرن. ويُروى: بكفرهن بالباء الجارة الدالة على السببية. ويكفرن الإحسان أي: مطلقًا سواء كان من العشير أو من غيره. ولذلك عمم الخطاب في قوله: (لو أحسنْتَ إلى إحداهُنَّ الدهر) أي: جميع عمرك؛ فإن الدهرَ يطلق على الأبد، وعلى مقدارٍ من الزمان. قال الشاعر:

стр. 83

ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ". [الحديث ٢٩ - أطرافه في: ٤٣١، ٧٤٨، ١٠٥٢، ٣٢٠٢، ٥١٩٧]. ٢٢ - بَابٌ: المَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ، وَلَا يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلَّا بِالشِّرْكِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ» وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. ــ إن دهرًا يلف شملي بجمل ... لزمان يهم بالإحسان (ما رأيتَ منك خيرًا قطُّ) أي: لا قليلًا ولا كثيرًا. وقطُّ لاستغراق الزمان الماضي، وقد تقدم في حديث ورقة أن فيه ستَ لغاتٍ. ومن فوائد الحديث: إطلاقُ الكفر على غير الكفر بالله، والترغيبُ في طاعة الأزواج، والتخويفُ من عذاب الله، وجوازُ مراجعة المتعلم العالم إذا لم يفهم المقصود من الكلام، وتحريمُ كُفران الحقوق، ولزوم شكر المنعم كائنًا من كان. وفي الحديث: "من لم يشكر الناسَ لم يشكر الله". فإن قلتَ: ما وجهُ إيراد هذا في كتاب الإيمان؛ قلتُ: دلالة على أنه بكفران الحقوق لا يخرج عن الإيمان، وكذا قوله بعده: باب: المعاصي من أمر الجاهلية، وكذا قوله: باب ظلمٌ دون ظلم. باب: المعاصي من أمر الجاهلية قال ابنُ الأثير: الجاهليةُ ما كانت العربُ عليه قبل الإسلام. من الجهل بالله والشرائع والفخرِ بالأنساب. (لقول النبي ﷺ : إنك امرؤٌ فيكَ جاهلية) قال لأبي ذر كما رواه في الباب بعدُ.

стр. 84

٣٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ، عَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : «يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، ــ ٣٠ - (سليمان بن حرب) ضدّ الصلحِ (عن واصل الأحدب) الأسدي الكوفي (عن المعرور) بالعين المهملة (لقيتُ أبا ذَرٍّ بالرَّبَذَة). اسمه: جُنْدب. يكنى أبا جُنَادة غفاري. والغفار بكسر الغين بطنٌ من كنانة، مناقبه لا تُعدُّ. من السابقين إلى الإسلام. رَوَى الترمذي أن رسول الله ﷺ قال: "ما أظلّت الخضراءُ ولا أقلّت الغبراءُ من ذي لهجةٍ أصدقَ من أبي ذر يشبه عيسى بن مريم". والرَّبَذة: -بفتح الراء والباء الموحدة والذال المعجمة- قريةٌ على ثلاث مراحل من المدينة، سَكَنها أبو ذر، وكان سَكَن الشام، فوقع بينه وبين معاوية نزاعٌ في مسألةٍ، فشكاه إلى عثمان، فأَقْدَمَهُ عثمانُ وأمره بالاعتزال عن الناس؛ لأنه لم يكن يُداري أحدًا. (عليه حُلَّةٌ وعلى غلامه حُلَّةٌ) الحُلة: عبارةٌ عن ثوبين من جنس واحد، فإذا لم يكونا كذلك لا تُسمى حُلَّةً (فسألتَهُ عن ذلك) أي: عن سبب مساواته غلامَهُ في اللبس، وهو خلافُ المتعارف. فقال: (إني ساببْتُ رجلًا) أي: شتمتُهُ وشتمني. والرجلُ: بلالٌ مؤذنُ رسول الله ﷺ . قيل: قال له: يا ابن السوداء (أَعَيَّرْتَهُ بأمّه) فيه ردٌّ على الجوهري وابنِ قُتيبة في إنكارهما استعمال عير بالباء. قال الجوهري: يقال له: عيره كذا والعامة تقول بكذا (إنك امرؤ فيكَ جاهلية) وذلك لما قدمنا أن الافتخار بالأنساب كان دأب العرب (إخوانكم) خَوَلكم أصلُ الكلام: خَوَلكم إخوانُكم؛ لأن الخَوَل هم الخدم، فأراد إلحاقَهم بالإخوان. وإنما قَلَبَ التركيب مبالغة، كأنهم صاروا في ذلك أصلًا يلحق بهم. الإخوان: لفظ يطلق على المفرد وما فوقه. وقيل: جمع خايل (فليطعمه مما يأكل وليُلْبِسْهُ مما يلبس) غيّر الأسلوب في الكسوة، فإن الإطعام يجوزُ أن يكون بلقمة أو لقمتين، ولا يتأتى ذلك في

стр. 85

وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ». [الحديث ٣٠ - طرفاه في: ٢٥٤٥، ٦٠٥٠]. ٢٣ - بَابُ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] فَسَمَّاهُمُ المُؤْمِنِينَ ٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَيُونُسُ، عَنِ الحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ، قَالَ: ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ ــ الكسوة (فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم) أي: ما لا يقدرون عليه. قيل: غرضُ البخاري الردّ على الخوارج بأن صاحبَ الكبيرة كافرٌ، وما في الحديث من التعبير ليس من الكبائر. قلتُ: الكبيرة ما توعّد عليه الشارعُ. وهذا صادقٌ عليه. وسيأتي قريبًا قولُ البخاري: "سبابُ المسلم فُسُوقٌ وقتالُهُ كفرٌ" على أن التعيير ناشئ عن الكبر وهو كبيرة. باب: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] الطائفةُ: قطعة من الشيء. يُطلق على الواحد وما فوقه. ذكره ابنُ الأثير. وكذا روي عن ابن عباس. والضمير في ﴿اقْتَتَلُوا﴾ وإن كان للجمع، ولكن يعلم منه حكم الآيتين. ٣١ - (الأحنف بن قيس) ابن معاوية بن حصن، يكنى أبا بحر مخضرم، ثقة من أكبر أصحاب علي بن أبي طالب. قال له معاويةُ يومًا: كيف حُبُّك اليوم لعلي يا أبا بحر؟ قال: القلبُ الذي كان يحبه إلى الآن بين جنبي، والسيف الذي قاتلناك به في غِمده. قالت له زوجتُه: من هذا؟ قال: هذا رجل إذا غَضِب يغضَبُ لغضبه مئة ألف. (أبو بَكْرة): تقدم أنه كنيةُ نفيع بن الحارث، وتسمى بذلك؛ لأنه نَزَل من حصن الطائف على بَكْرة. وهو أخو زياد بن أبيه من أمه. (أنصرْ هذا الرجلَ) يريدُ: علي بن أبي طالب.

стр. 86

اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ»، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» [الحديث ٣١ - طرفاه في: ٦٨٧٥، ٧٠٨٣]. ــ (فالقاتل والمقتول في النار) محمول على الاستحلال، أو يستحقُ ذلك ولكن إذا شاء الله عَفَا عنه. وأما قتال الصحابة مَحمولٌ على طلب الحق ونصره، ولذلك قاتل الأحنفُ مع علي معاويةَ، مع علمه بالحديث (قلتُ: هذا القاتل) إذا دَخَل القاتلُ النار فله وجهٌ ظاهر، لأنه قتل مؤمنًا، ولكن دخول المقتول ليس بظاهر (فقال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه) وهذا صريحٌ في أنَّ عزْمَ القلب على المعصية يؤاخذ به. فإن قلتُ: فقد قال رسول الله ﷺ : "إن الله تجاوز عن أمتي ما وَسْوَسَتْ به صدورُها"؟ قلتُ: العزْمُ غير الوسوسة. فإن قلتَ: فقد روى الشيخان "من هَمَّ بسيئةٍ لا تُكتب عليه ما لم يعمل أو يتكلم". قلتُ: معناه: لا يكتب عليه الذي عزم عليه من الزنى ونحوه، ولا ينافي كتابة إثم العزم. والتحقيقُ في هذا المقام: أن الخواطر وهواجس النفس لا يُؤاخذ بها في ملةٍ من المِلَل، وأن الذي يُخطره الإنسانُ بقلبه من المعاصي باختياره، إن لم يصمم عليه العزمَ، فهو الذي لا تؤاخذ به هذه الأمة، بخلاف سائر الأمم. والذي صمم العزم عليه يُؤاخذ به بهذا النص وأمثاله. باب ظلم دون الظُلم دون الشيء: عبارةٌ عن أدنى مكانٍ منه في الأصل، ثم اتسعَ فيه. والمراد به هنا: ضد الفوق أي: إثمُهُ اْقل من إثمه. والظلمُ وضعُ الشيء في غير محلّه.

стр. 87

٢٤ - بَابٌ: ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ ٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، ح قَالَ: وحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو مُحَمَّدٍ العَسْكَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾ [الأنعام: ٨٢] إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] [الحديث ٣٢ - أطرافه في: ٣٣٦٠، ٣٤٢٨، ٣٤٢٩، ٤٦٢٩، ٤٧٧٦، ٦٩١٨، ٦٩٣٧]. ــ ٣٢ - (بشر) بكسر الموحدة وشين معجمة (سليمان) هو ابن مهران أبو محمد الكاهلي الأسدي مولاهم، المعروف بالأعمش. أحدُ العلماء البارعين، والقراء المتقين، وكان موصوفًا بالظّرافة، له في ذلك نوادرُ مع أبي حنيفة، وهو معدودٌ من المُدَلّسين (عَلْقمة): -بفتح العين وسكون اللام وفتح القاف-. قال أبو مَعْمر: لما مات ابن مسعودٍ قلنا: قُوموا بنا إلى أشبه الناس به فقهًا إلى عَلْقَمة. يكنى أبا شبل الفقيه الثقة. (عبد الله بن مسعود) هو ابن غافل. كذا ضبطه شيخُ الإسلام ابن حجر وكذا قاله ابنُ عبد البر. وقال أبو الفضل المقدسي: هو ابن الحارث. أبو عبد الرحمن، الهُذَلي. نسبة إلى جَدّه الأعلى هُذَيل، بحرُ العلم والفضل، لا يُشَق غبارُهُ. روى الترمذي عن علي بن أبي طالب مرفوعًا: "لو كنتُ مؤمرًا أحدًا من غير مَشُورة، لأَمَّرْتُ ابن أمّ عَبْدٍ". كان أشبهَ الناس برسول الله ﷺ هَدْيًا ودَلًا، صاحبُ الطَّهُور والنَّعلين والوسادة مقرّب حضرة الرسالة من السابقين الأولين هو وأمه، مدارُ أكثر فقه أبي حنيفة على روايته. (لما نزلتْ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] أي: لم يخلِطُوا. من لَبَس يَلْبِس على وزن ضَرَب يَضْرب (قال أصحابه: يا رسول الله، أيُّنا لم يظلم؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] بَين بهذا أن التنوين في قوله: ﴿لَظُلْمٌ﴾ للتعظيم

стр. 88

٢٥ - بَابُ عَلَامَةِ المُنَافِقِ ٣٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ". [الحديث ٣٣ - أطرافه في: ٢٦٨٢، ٢٧٤٩، ٦٠٩٥]. ــ صرفًا للمطلق، أي: الكامل. فسقط استدلالُ الخوارج والمعتزلة بالآية على عدم الأَمْنِ لمرتكب الكبيرة. ويَظْهر لك من تقديرنا أنْ ليس هنا عمومٌ حتى يقال: إن الخاصَّ يقضي على العام، بل صرف للمطلق على الكامل. فإن قلت: الإيمانُ والكفر ضدّان، فكيف يُتصوَّر الخلطُ؟ قلتُ: أراد الكفر بعد الإيمان، أو الكفر باطنًا كالمنافق، وفيه تسامحٌ لا يخفى على المخاطب. باب: علاماتُ المنافق علامةُ الشيء: أَمَارة وجوده. والمنافقُ من أبطَنَ الكفر وأظهر الإيمانَ. ٣٣ - (سليمان) هو أبو الربيع بن داود الزَّهْراني (آيةُ المنافق ثلاثٌ). فإن قلتَ: المبتدأ مفردٌ والخبر متعددٌ؛ أعني لفظ: ثلاث. قلت: أراد بالعلامة الجنس فَصَحَّ الإخبار لتناول الجنس القليل والكثير. وما يقال: إن العلامة إنما تحصل بالجميع، فليس بشيءٍ. أما الأول: فلأنه مخالفٌ لترجمة الباب. وأما ثانيًا: فلأنه مخالف لغرض الشارع، لأنه بصدد التنفير عن كل واحدة. وكذا ما يقال: إن حذف المفعول من (إذا حَدَّث كَذَبَ) للعموم. أي: إذا حدَّث في كل شيءٍ، لأن "إذا" لا تدل على ذلك. ولا هو مرادُ الشارع، ولا هو صادقٌ في نفس الأمر. (إذا حدَّث كَذَبَ، وإذا وَعَدَ أَخلَفَ، وإذا اؤتمن خان). فإن قلتَ: المنافق شرُّ الكَفَرة، ومذهبُ أهل الحق أنَّ المؤمن لا يكفر بارتكاب الكبائر؟ قلتُ: لم يُرِدْ حقيقة المنافق، بل المشابهِ لَهُ، بدليل قوله: (من كانت فيه خصلةُ منهن كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يَدَعَها). فإن قلت: فقد قال: "أربعٌ من كن فيه كان منافقًا خالصًا"؟ قلتُ: أراد المبالغة في التشبيه، وقيل: أراد رجلًا منافقًا، وكان لا يواجه أحدًا معنيًّا بالقبح. وهذا مثل قوله: "ما

стр. 89

٣٤ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ " تَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ. [الحديث ٣٤ - أطرفاه في: ٢٤٥٩، ٣١٧٨]. ــ بالُ أقوامٍ يفعلون كذا" وليس بشيء؛ لأن لفظَ (من) عام. وغرضُ الشارع التنفير عن هذه الأخلاق لكل سامع من المؤمنين، وبهذا يسقط أيضًا ما قيل: أراد به المنافقين حقيقة، وكانوا موجودين في زمانه. وأما ما يقال: إن النفاق نوعان، شرعي: وهو إظهار الإسلام، وإبطان الكفر. وعرْفي: وهو من خالف سرُّه العَلَنَ فيهما، لا يلتفت إليه إذ ما يخاطب به رسول الله ﷺ من الأحكام لا يكون إلا شرعيًّا على أن لفظ المنافق إسلامي لم يكن في عُرفهم. فإن قلتَ: ذكر في الحديث الأول: "آيةُ المنافق ثلاث" وفي الذي بعده: "أربعٌ" زاد على الأول: "إذا عاهد غَدَر" وفي الطريق الآخر زاد: "وإذا خاصَمَ فَجَرَ"؟ قلتُ: مفهوم العدد لا ينافي المنطوق عند القائل به. فإن قلتَ: ما هذه الألفاظ؟ قلتُ: الكذب ضدّ الصدق، والوعدُ ضدّ إخلافه، والغَدْرُ ضدّه حفظ العهد، والأمانةُ ضدّها الخيانة، والفجور في الخصومة: الميلُ إلى الباطل. ٣٤ - (قبيصة) بفتح القاف وكسر الباء (سفيان) هو أبو عبد الله بن سعيد الثوري، نسبةً إلى جدّه الأعلى، قريشيٌ يلاقي نسبُهُ نَسَبَ رسول الله ﷺ في إلياس بن مُضَر. كوفي أحدُ الأعلام في العلم والدين لا تأخذه في الله لومةُ لائم. كان بمكة مجاورًا، فأرسل منصور الدوانقي الخليفة الثاني العباسي الخشابين لينصبوا الخشب، وكان في تلك السنة عازمًا على الحج، وأراد أنه إذا جاء يصلبه لِما كان بلغه منه ما يكره، فكان يومًا مضطجعًا ورأسُه في حجْر فضيل، ورجلاه في حجر سفيان بن عيينة. فقالا: يا أبا عبد الله، لا تُشَمِّتْ

стр. 90

٢٦ - بَابٌ: قِيَامُ لَيْلَةِ القَدْرِ مِنَ الإِيمَانِ ٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [الحديث ٣٥ - أطرافه في: ٣٧، ٣٨، ١٩٠١، ٢٠٠٨، ٢٠٠٩، ٢٠١٤]. ــ بنا الأعداء، فقام وتقدَّم إلى أستار الكعبة وقال: برئت من هذا إن دَخَل منصورٌ مكة فمات محرمًا قبل دخول مكة. ولمثله قال رسول الله ﷺ : "إن من عباد الله مَن لو أقسَمَ على الله لأبره". باب: قيام ليلة القدر من الإيمان ٣٥ - (أبو اليمان) هو الحكم بن نافع (عن أبي الزِّناد) -بكسر الزاي- عبد الله بن ذَكْوان (عن الأعرج) هو عبد الرحمن بن هُرْمُز (مَنْ يَقُمْ ليلةَ القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه). قيام ليلة القدر: عبارةٌ عن القيام بالطاعة، فيها صلاة وتلاوة وذِكر. والظاهر أن قيامها يكون بإحيائها إلى طلوع الفجر وقيل: يكفي إحياء معظمها. وقيل: من صلى العشاء والفجر بالجماعة فقد قام. وإنما سُمّيت ليلة القدر؛ لأن لها قدرًا عند الله تعالى، كيف لا والعبادة فيها خيرٌ من عبادة ألف شهر من غيرها. وقيل: لأن الله يُظهر فيها مقاديرَ الأرزاق والآجال في تلك السنة للملائكة. فإن قلتُ: "من يقم" بلفظ المضارع. وقال في باب تطوّع قيام رمضان: "من قام" بلفظ الماضي، وفي باب صوم رمضان: "من صام" بلفظ الماضي أيضًا؟ قلتُ: تَفَنُّنٌ في العبارة، والافتنان في الكلام فنٌّ في البلاغة معروف. وما يقال: إنما قال في ليلة القدر بصفة المضارع، وفي صوم رمضان بصفة الماضي؛ لأن قيام رمضان بلفظ غير محقق بخلاف صيام

стр. 91

٢٧ - بَابٌ: الجِهَادُ مِنَ الإِيمَانِ ٣٦ - حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «انْتَدَبَ ــ رمضان، فإنه محقَّقُ الوقوع. يَرُدُّهُ ما قد رواه البخاري ومسلم بلفظ الماضي في كتاب الصوم: "من قام رمضان" وما رواه البخاري هنا في باب من تطوّع قيام رمضان: "من قام"؛ فإن فيامه تطوّع. ليس محقق الوقوع. فإن فلتَ: ما المراد بالإيمان والاحتساب؟ قلت: الإيمان هو التصديقُ بحقّيتها ووجود الفضيلة المذكورة، والاحتساب: الإخلاص في ذلك من غير شَوْب الرياء. من حسَبه -بفتح السين- يحسُب -بضمها-: إذا عَدّه كأنه يعتدّ به، وسيلة إلى الثواب. فإن قلتَ: لِمَ لم يدخل الفاء في الخبر كما دَخَل في قوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]؟ قلتُ: الفاء تشعر بالسببية، فأشار بعدم دخولها إلى أن المغفرة ليست مبنيةً عن القيام؛ لأن العبد لا يستحق على مولاه أجرًا، بل محض فضل من الله تعالى، فلا يكون القائم معجبًا بعمله. فإن قلتَ: ما الحق في ليلة القدر؟ قلتُ: الاختلافُ فيها طويلُ الذيل إلا أن أكثرَ الأحاديث أنها في أوتار العشر الأخير. وميل الشافعي إلى أنها ليلة إحدى وعشرين. والجمهور على أنها ليلةُ سبعٍ وعشرين وستأتي الأحاديث في ذلك. باب الجهاد من الإيمان ٣٦ - (حَرمي) -بفتح الحاء، وياء النسبة- هو ابن حفص بن عمر المعتكي البصري. من أفراد البخاري، لم يَرْوِ عنه مسلم (عُمَارة) بضم العين وتخفيف الميم (أبو زُرْعة) -بزاي معجمة بعدها راءٌ مهملة- اسمه: هرم. وقيل: عمرو. وقيل: عبد الله. وقيل: عبد الرحمن هو ابن عَمْرو (ابن جرير) بن عبد الله البجلي الصحابي المعروف. (انتدَبَ الله) -بدال مهملة- أي: أجاب إلى غفرانه، يقال: ندبته فانتدب أي: دعوته

стр. 92

اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي، أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، ــ فأجاب. ومنه: الندب أي: السنة لأنه مدعو إليه. وحكي عن القاضي: ايتدب بالياء المثناة تحت من المأدبة، قلبت الهمزة ياءً كما في نظائره. (لمن خَرَج في سبيله لا يُخرجه إلا الإيمانُ أو تصديق برسلي). قال ابن مالك في توضيحه: كان الأليقُ إيمان به بالغيبية، وهذا ذهول منه عن نكتة الالتفات، فإن ضمير المتكلم أعرفُ المعارف. وأيضًا فإن رسول الله ﷺ حاكٍ عن الله، فكيف يتصوَّر أن يقال: الأليق غير ما أتى به و"أو" في قوله: أو تصديق برسلي. بمعنى الواو، ويؤيده ما رُوي بالواو. ويجوزُ إبقاء "أو" على معناه، على أن المعنى لا يخرجه إلا الإيمان بما قلتُ في الكتاب من عِظم أجر المجاهد، أو تصديق بما قاله الرسل من بيان أجره. قال شيخُ الإسلام: رواية (أو) لم تثبت، فعلى هذا لا إشكال، لكن الذي وَقَعنا عليه من النسخ لفظ (أو)، وفي رواية مسلم: "لا يخرجه إلا الإيمان بكلمته". قال النووي: أراد كلمة الشهادة. قلتُ: ويجوزُ أن يُراد بالكلمة: كلامُه تعالى في أجر المجاهد، أو تصديقٌ بما قاله الرسل من بيان أجره، فيوافق الرواية الأولى. وفي رواية مسلم: "إيمانًا وتصديقًا" بالنصب. قال النووي: مفعول تقديره على الغلبة. (أن أرجعه) -بفتح الهمزة- هي اللغة الفصحى من الرَّجع، وحكى ثعلب ضَمَّ الهمزة. قال الجوهري: هي لغة هُذَيل (أجر أو غنيمة) على سبيل مع الخلو أي: لا تخلو حاله عن الأمرين. ويجوزُ الجمع. وفي رواية يحيى بن يحيى في مسلم، وفي رواية أبي داود بالواو. فيحمل على أن الواو الواصلة بمعنى "أو" الفاصلة، لأن الجمع قد لا يقع فالوجهُ منع الخلو كما ذكرنا؛ لأنّ الإبقاء على ظاهرها يفسد المعنى (أو أدخله الجنة) أي: إذا قتل شهيدًا فهو قسيم الأولين، وما يقال: إن في الشهادة أيضًا أجرًا، كيف يكون قسيمًا ليس له وجهٌ، لأن ذلك الأجر مقيّد بالرجوع حيًّا؟ قال البيضاوي: المراد بإدخاله حين موته، لأن الشهداء

стр. 93

وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ» [الحديث ٣٦ - أطرافه في: ٢٧٨٧، ٢٧٩٧، ٢٩٧٢، ٣١٢٣، ٧٢٢٦، ٧٢٢٧، ٧٤٥٧، ٧٤٦٣]. ــ أحياء عند ربهم يُرْزَقون. أو الدخول مع السابقين وذلك لأن دخول الجنة حاصلٌ لكل مؤمن. وهذا الذي قاله لا ضرورة إليه، لأن دخول الجنة مطلقًا كافٍ في الترغيب. ألا ترى إلى قوله تعالى في حق الشهداء: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]؟ وإلى ما رواه البخاري عن جابرٍ أن رجلًا يوم أُحُد، قال: يا رسول الله، أرأيتَ إن قُتِلْتُ فأين أنا؟ قال: "في الجنة". ولم يَزِدْ على ذلك. وأما أن للمجاهدين درجاتٍ فقد نطق به الكتاب والسنة. (ولولا أن أشُقَّ على أمتي ما قعدتُ خلف سريةٍ) لولا: إذا دخلت على الاسم تدل على امتناع الثاني لوجود الأول. كقول عمر: "لولا علي لهَلَكَ عمر" أي: امتناعُ هلاكه لوجود علي. وهنا معناه: أنه لم يَشُق على أمته، ولذلك قَعَد، فإن لولا تدل على انتفاء الجواب، وانتفاء المنفي يلزمه الوجود. والسرية: قطعةٌ من الجيش أقصاها أربعُمئةٍ. وجمعُها: سَرَايا. يقال: رجلٌ سريّ. أي: جيد مختار من سَرُوَ الرجلُ. وقيل: من السرّ لأنهم يذهبون نحو العدوّ سرًّا، وليس بوجهٍ؛ إذ لو كان كذلك لقيل: سرّية بتشديد الراء. فإن قلتَ: ما معنى الخلف؟ قلتُ: الخلف مرادف الوراء أي: لم يقم بعد أي سرية كانت. ويجوزُ أن يكون معناه: لم أزل خلف سرية، فإن الرجل الشجاع يكون في ساقة الجيش. وهذا من كمال رأفته بأمته؛ لأن أكثر ما يطرق العدو ساقة القوم (ولوددت) اللام جواب قسم مقدر، والودادة معناها التمني، فلا يجوز أن يكون داخلًا في حَيّز (لولا) عطفًا على جوابه؛ لأنه يلزم خلاف ما ساق له الكلام، وهو تمني الشهادة والقتل في سبيل الله مرارًا. قال النووي: دلّ الحديث على فضيلة تمني الشهادة، وأن التمني يكون في الشيء الذي لا يحصل. ومن الشارحين مَنْ جَوَّز العطف على جواب (لولا)، فأشكل عليه أن لا مشقة في الودادة فقال: لا تم ذلك ولئن سلم فربما ينجر إلى تسريع مودوده فيصير سببًا للمشقة.

стр. 94

٢٨ - بَابٌ: تَطَوُّعُ قِيَامِ رَمَضَانَ مِنَ الإِيمَانِ ٣٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [طرفه في: ٣٥] ــ قلتُ: المودود هو الموت في سبيل الله، وأي طاعة أفضل من موت يناله رسول الله ﷺ ؟! وهذا يغفل عدم مشروعية الموت شهيدًا. واعلم أن كون الإنسان يُقتل ثم يُحيى ثم يُقتل كذلك، مقطوعٌ بانتفائه، وإنما الغرضُ من هذا الكلام الحثُ على الجهاد، وإظهارُ فضل الشهادة، وهو في ذلك حصول ثواب النية وحزن القلب على عدم القدرة. قال ابن بَطّال: هذا الباب أيضًا دليلٌ على أن الإيمان عملٌ، وذلك أن المخرج له في سبيل الله، لما كان هو الإيمان كان الخروجُ إيمانًا بالله لا محالة. كما تسمي العرب الشيءَ باسم سببه، كما تقول للمطر: سماء لأنه من السماء ينزل. هذا كلامه ولا طائل تحته، لأن تسمية الشيء باسم سببه نوعٌ من المجاز والصوابُ أن الخروج من أجزاء الإيمان الكامل، ولو أطلق عليه الإيمان، كان من إطلاق اسم الكل على الجزء لا السبب على المسبّب. بابٌ: تطوّع قيام رمضان من الإيمان قال ابن الأثير: التطوع: التبرّع، تفعّل من الطاعة. وقيام رمضان: عبارةٌ عن التراويح، لأن الغالب أنها تُصلَّى قيامًا. ٣٧ - (إسماعيل) هو ابن أبي أويس (حُميد بن عبد الرحمن) بضم الحاء على وزن المصغر (من قام رمضان إيمانًا) أي: تصديقًا بفضله (واحتسابًا) من غير رياء من الحساب بمعنى العدد، كأنه يعده وسيلة إلى رضا الله تعالى. وتمام الكلام عليه تقدم آنفًا في باب قيام ليلة القدر.

стр. 95

٢٩ - بَابٌ: صَوْمُ رَمَضَانَ احْتِسَابًا مِنَ الإِيمَانِ ٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». ٣٠ - بَابٌ: الدِّينُ يُسْرٌ وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ». ــ باب: صوم رمضان احتسابًا من الإيمان انتصاب احتسابًا في أمثال هذه المواضع على التمييز، أو على أنَّه مفعول له والأول أظهرُ. واقتصر على الاحتساب في الترجمة مع أن الحديث فيه: "إيمانًا واحتسابًا" إشارة إلى أن الإيمان بدون الإخلاص كلا إيمان. وكذا كل طاعة. ٣٨ - (ابن سَلَام) -بتخفيف اللام على الأشهر- هو محمد بن سَلَام البيكندي (محمد بن فُضيل) بضم الفاء على وزن المصغر (عن أبي سَلَمة) -بفتح اللام- هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، أحد الفقهاء السبعة (غفر اللهُ له ما تقدَّم من ذنبه) ويُروى: غُفر على بناء المجهول. بابٌ: الدين يُسْرٌ اللام في الدين يسر: للعهد؛ أي: الدين الذي شرعه رسول الله ﷺ ؛ إذ ليس فيه من الإصْرِ والأغلال التي كانت على بني إسرائيل. وهو مرفوعٌ بالابتداء. ويسرٌ: خبره. وكان الظاهر يسير على وزن فعيل، كما في قوله في الحديث الآخر: "وهو يسيرٌ على من يَسَّره الله". إلَّا أنَّه أراد المبالغة فآثر المصدر مثل: رجل عدل. (وقول النَّبيِّ ﷺ : أحبُّ الدين إلى الله الحنيفية السمحة) هذا حديث أورده دليلًا على الترجمة، وهذا دأبُهُ، يوردُ الأحاديثَ ومذاهبَ العلماء على طريقة التعليق، وليس هو من تمام الترجمة؛ إذ ليس هو بصدد بيان هذا، بل استدلال على أن الدين يسير بالحديث تعليقًا تارةً، وإسنادًا أخرى.

стр. 96

٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا ............................. ــ وقد حَمَله بعضُهم على أنَّه تمام الترجمة، فأشكل عليه أن الحديث المسنَدَ في الباب لا يدل عليه. فقال في الجواب: المحبة إما مجاز عن الاستحسان والأمر وهو قوله: "وقاربوا" يدل على الحسن، أو حقيقة في إرادة إيصال الثواب، وتلك في المأمور به واجبًا ومندوبًا، إذ لا ثواب في غيره، ثم قال: هذا ما أمكن لنا من بيان المناسبة. وهذا كلّه خبط للاتفاق على أن محبة الله عبارةٌ عن إيصال الثواب كذلك؛ أي: استحبابًا أو ندبًا على أن ما تكلفه لا يدل على ما جعله من الترجمة، لأنَّ أحبُّ أفعل تفضيل من بناء المجهول أي: أشدّ محبوبيةً. وما ذكره يدل على الحسن في الجملة، أو إرادة إيصال الثواب كذلك. فإن قلتَ: كيف جعل الحنيفيةَ خبر أحب، والمطابقةُ شرطٌ بين المبتدأ والخبر؟ قلتُ: أفعل التفضيل إذا أضيف جاز فيه الإفراد والمطابقة. فإن قلتَ: ما معنى الحنيفية؟ قلتُ: صفة للملة. والحنيف: المائل. والمراد: الميلُ من الباطل إلى الحق. قال ابن الأثير: الحنيفية عند العرب: من كان على دين إبراهيم وكان رسول الله ﷺ مأمورًا باتباع ملة إبراهيم. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]. ٣٩ - (عبد السَّلام بن مطَهَّر) -بفتح الطاء والهاء المشددة مع الفتح- أبو ظفر الأزدي (مَعْن) بفتح الميم وسكون العين (الغفاري) بكسر المعجمة (المَقْبُريُّ) -بفتح الميم وضم الباء- نسبةً إلى المقبرة؛ لأنَّه كان يسكن بقُربها هو الصَّحيح. (ولن يُشَادَّ الدين إلَّا غَلَبَهُ) كذا رواه الجمهور بدون لفظ أحد. قال النووي: الأكثر في ضبط بلادنا نصب الدينَ على أن الفاعل مضمرٌ. وقال صاحب "المطالع": الأكثر فيه الرفع على أن الفعل على بناء المجهول. ويروى بزيادة لفظ أحد. فالنصب متعين حينئذٍ. المشادّة: المغالبة في الشدة والقوة. والمعنى: من يبالغ في الطاعة ويتكلف فوق طاقته، يعجزُ عن قريب. (فَسَدِّدوا) أي: اطلبوا السَّداد -بفتح السِّين- وهو الاستقامة للأمور، والتوسط بين

стр. 97

وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ». [الحديث ٣٩ - أطرافه في ٥٦٧٣ - ٦٤٦٣، ٧٢٣٥]. ٣١ - بَابٌ: الصَّلَاةُ مِنَ الإِيمَانِ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] يَعْنِي صَلَاتَكُمْ عِنْدَ البَيْتِ. ــ الإفراد والتفريط (وقاربوا) غريب من معنى السداد (وأبشروا) أي: النَّاسَ بأن الدين يسير. ولا تشددوا عليهم، فيوجب تنفيرهم أو صيروا أنتم ذوي بشارة بهذا الدين اليسر من الله تعالى. والأول هو الوجه الدال عليه سائر الأحاديث (واستعينوا) أي: في إكمال الفرائض. (بالغَدْوة) -بفتح الغين- أي: بالعبادة في هذا الوقت، وهو من طلوع الفجر إلى طلوع الشَّمس (والروحة) هو ما بعد الزَّوال إلى الليل، وقد يستعمل مطلق الوقت كما في قوله: "من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى، فكأنما قَرَّب بَدَنَةً". (وشيء من الدُّلْجة) -بضم الدال وفتحها- من الإدلاج بإسكان الدال. ومن الادّلاج بتشديد الدال، الأول هو السيرُ في أول الليل، والثاني هو السيرُ في آخره. وقد يُطلق الأولُ على مطلق السير قاله ابن الأثير في "النهاية" وأنشد لعلي بن أبي طالب: اصبر على السير والإدلاج في السحر ... وفي الرواح على الحاجات والبكر (٢) باب: الصَّلاة من الإيمان أي: الصلاةُ جزءٌ من الإيمان. (وقول الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]) بالرفع لما قدمنا مرارًا أنَّه دليل فلا يدخل تحت الترجمة، ولا يستقيم إلَّا على طريقة جر الجواب. استدل بالآية على أن الإيمان أطلق على الصَّلاة فيها، وهذا الاستدلالُ بناءً على أن الآية نزلتْ لما شكّوا في صلاة طائفةٍ ماتوا قبل أن تحوَّل القبلة (يعني صلاتكم) فهذا وجه الدلالة كما صرّح به في الحديث بعده (عند البيت) قيل: صوابه: إلى البيت. أي: إلى بيت المقدس قبل التحوّل.

стр. 98

٤٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ المَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ، أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ «صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا صَلَاةَ العَصْرِ، وَصَلَّى ــ قلتُ: الصوابُ ما قاله البُخاريّ: عند البيت. فإن المراد به الكعبةُ الشريفة، علم لها بالغلبة. وغرضه: إنكم لما كنتم في مكّة وقبلتكم بيت المقدس الله لا يضيع ذلك وأنتم عند البيت، فإذا كنتم في المدينة مع البعد عن البيت من باب الأولى. ٤٠ - (عَمْرو بن خالد) بفتح العين في آخره واوٌ. ونَقَل القابسي عن أبي زيد المروزي عُمر. وهو وهمٌ؛ إذ ليس في شيوخ البُخاريّ عمر بن خالد عند أحدٍ من الأئمة. قال شيخ الإسلام: ولا يوجد في رجال الكتب الستة عمر بن خالد (زُهَير) بضم الزَّاي على وزن المصغر (أبو إسحاق) السَّبِيعي -بفتح السِّين وكسر الموحدة بعدها. والسَّبيعِ قبيلة من همدان، اسمه عمرو بن عبد الله، كثير الرّواية عن البراءِ. و (البَراءُ) -بفتح الباء والراء المخففة- هو ابن عازب، الصحابي المعروف الأوسي الأنصاري، يكنى أبا عمارة. أولُ مشاهدِهِ أحدٌ، وكان في غزوة بدر صغيرًا (كان أولَ ما قدم المدينهْ نَزَل على أجداده) انتصاب أولَ على أنَّه ظرف نزل، والأجداد هم الأنصار، لأنَّ هاشمًا تزوّج سلمى بنت زيد، وقيل: بنت عمرو بن زيد من ابني عدي بن النجار (وعلى أخواله) كلاهما صحيح؛ لأنَّ الأنصار بعضُهم أجدادٌ له من طرف الأم، وبعضهم أخوال، وذلك ظاهر. فلا مجاز لا في الأجداد ولا في الأخوال، لأنَّ كل واحد مستعمل في معناه الموضوع له لغةً. (قِبل البيت) بكسر القاف أي: تلك الجهة. قال أبو زيد: وأصلُه المقابلة مع المعاينة. (ستة عَشَر شهرًا أو سبعة عَشَر) الشَّك من البراء، وفي رواية مسلم: الجزمُ بالأول بدون الشَّك (وأنَّه أولَ صلاة صلاها صلاة العصر) بنصب أول على أنَّه مفعول مطلق لفعل مقدر، وقد جاء صريحُ الفعل في بعض الروايات. وصلاةَ العصر بالنصب بدل من الضمير، ويروى بالفتح على الخبرية. قال ابن مالك: الضمير في صلاها للقبلة أي: صلى إنهما.

стр. 99

مَعَهُ قَوْمٌ» فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ البَيْتِ، وَكَانَتِ اليَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وَأَهْلُ الكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ البَيْتِ، أَنْكَرُوا ذَلِكَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ فِي حَدِيثِهِ هَذَا: أَنَّهُ مَاتَ عَلَى القِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ ــ قلتُ: للصلاة، ولا ضرورة في الحذف، وإيصال الفعل على ما ذكره، والقبلة لا تحتاج إلى الذكر، فإن سياق الكلام وسباقه في شأنها. (فخرَجَ رجلٌ ممن صَلَّى معه) قال النووي: هذا عَبَّاد بن بشر بن وقش. وقيل: هو عباد بن نهيك (على مسجد) ويروى أهل مسجد هو مسجد بني حارثة. وأول صلاة صلَاّها الظهر في بني سلمة. وأول صلاة صلاها في مسجده العصر. كذا قاله شيخ الإسلام. وسيروي عن ابن عمر أن الذي جاء أهلَ قباء جاءهم في صلاة الصبح (وهم راكعون) جملة حالية. أي: حين جاء الرجل مخبرًا كانوا في الركوع، أو أريد بالركوع الصَّلاة إطلاقًا لاسم الجزء على الكل. وهذا صريحٌ في أن ما يروى أن تحويل القبلة وقع ورسول الله ﷺ في الصَّلاة ليس بسديد. وكذا ما يقال: إن رسول الله ﷺ كان في مسجد بني سلمة وقد صلّى الظهر ركعتين، فتحوَّل إلى الميزاب، فداروا كما هم أي: على حالهم لم يستأنفوا الصَّلاة، وذلك المسجد إلى الآن يُسمى ذا القبلتين. (أشهد بالله) قسمٌ مع المبالغة في الإشهاد بالله؛ لأنَّه بمثابة قسم آخر. وفيه دلالة على جواز الحَلف لتحقق المقام من غير منكر، وليس فيه نسخُ القطعي بالظني؛ لأنَّ الناسخ هو القرآن كما صرَّح به الراوي في بعض طرقه. والراوي مخبرٌ عن الواقعة. وما يقال: إن هذا الخبر أفاد العلم لأنَّه محفوف بالقرائن ممَّا لا وجه له. أما أولًا فلأنّ هذا ليس خبر الرسول ﷺ بل أخبر الراوي من عند نفسه عن فعل شاهدَهُ. وأمَّا ثانيًا فلأنّ وجود القرينة ممنوع فضلًا عن القرائن، وأي ضرورة في هذا الدعوى مع اتفاق الصّحابة على قبول خبر الواحد في الوقائع، وقد شاهدوا أن رسول الله ﷺ بعث الأحكام مع الآحاد إلى الأطراف والملوك. (وكان اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلِّي قِبَل بيت المقدس) لكونه موافقًا لهم في ذلك. وأهل الكتاب: عطف على اليهود عطف العام على الخاص. أو أُريدَ به النصارى بقرينة تقدم ذكر اليهود. وما يقال: إن النصارى لا يصلون إلى بيت المقدس فلا يَرِدُ؛ لأنهم يعظمون بيت

стр. 100

لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]. [الحديث ٤٠ - أطرافه في: ٣٩٩، ٤٤٨٦، ٤٤٩٢، ٧٢٥٢]. ٣٢ - بَابُ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ ٤١ - قَالَ مَالِكٌ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ ــ المقدس؛ لأنَّه مولد عيسى ومقتله على زعمهم (﴿لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]) فسّر الإيمان بالصلاة بقرينة سبب النزول كما قدمنا. فإن قلتَ: الكلام إنَّما وقع في صلاةِ مَنْ مات قبل تحوُّل القِبلة، فكيف أضاف إلى المخاطبين الأحياء؟ قلتُ: قدمنا أن قول البُخاريّ عند بيت المقدس معناه: لما كنتم بمكة عند البيت، وقِبلتكم بيتُ المقدس. ويندرج في ذلك الموتى والأحياء. قال ابن بَطّال: الآية تقطع حُجج الجهمية والمرجئة في قولهم: إن الأعمال لا تسمى إيمانًا. قلتُ: هم يقولون: إن الإيمان هو: القول المجرد لا يضرّ معه المعصية لقوله ﷺ : "من قال لا إله إلَّا الله حرَّمه الله على النَّار". ولا ينكرون إطلاق الإيمان على الصَّلاة وغيرها مجازًا. ويُقرون بأركان الإيمان من الزكاة والحج وغيرها على أنها مكملاتٌ وتوابع. باب حُسْن إسلام المرء حسن الشيء وصف قائم به بعد تمام الماهية. والمراد به هنا الشرط وهو الإخلاص في ذلك. وقيل: المراد: المراقبةُ وحسن العمل لقوله: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه" قلتُ: ذاك معنى آخر والذي عقد له الباب هو الأول. بدليل قوله: "إذا أسْلَمَ العبدُ فحسن إسلامُهُ يُكَفِّر الله عنه كلَّ سيئة" (٣) فإن مجرَّد الإيمان الخالص كافٍ في ذلك، ألا ترى إلى قوله: "إن الإسلام يَجِبُّ ما قبله". ٤١ - و (قال مالك): روى الحديثَ عن مالك تعليقًا، كأنه لم يكن على شرطه، وقد

стр. 101

الخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِذَا أَسْلَمَ العَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ القِصَاصُ: الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا". ــ أسنده البزار والدارقطني وزادا فيه: "إن الكافر إذا أسلم وحَسُن إسلامُهُ، تُكْتَبُ له في الإسلام كلُّ حسنةٍ عملها في الكفر". قيل: إنَّما حذف البُخاريّ تلك الزيادة؛ لأنها لم تكن على قانون الشرع. قلتُ: هذا كلام باطل، لأنَّ قانون الشرع إنَّما يؤخذ من الشارع، إذ لا دَخْل عندنا للحسن العقلي. فأيّ قانونٍ أعظمُ من الحديث الصَّحيح؟ وهل يتصوَّر حذف شيءٍ صَحَّ عن رسول الله ﷺ لا اشتباه في معناه؟ وتوافق هذه الزيادة حديثَ حكيم بن حزام حيث قال له: "أسلمت على ما أسلفت عليه من الخير" حين مسألة حكيم عن أشياء كان يتحنث بها في الجاهلية كما سيأتي في البُخاريّ. وأمَّا قول الفقهاء: لا تصحَّ العبادة بدون الإيمان. ذاك معنى آخر، ولا تلازم بين الصحة وحصول الثواب، فإن من صَلَّى ظانًّا أنَّه على وضوء -ولم يكن كذلك- ومات يحصلُ له الثواب، ولا صحة هناك. (زَلَفها) -بتخفيف اللام وتشديدها- أي: قدمها. وروى ابن الأثير: أزلفها. والكل من الزلفة وهي القُرْبة أي: قَدَّمها تقربًا إلى الله تعالى (إلى سبعمئة ضِعْفٍ) قال ابن الأثير: ضعفُ الشيء مِثْلَاه. يقال: إن أعطيتني درهمًا أعطيتُك ضِعْفَه أي: مِثْلَيْهِ. وقال الأزهري: ضعف الشيء ما زاد عليه في كلام العرب، أقلّه الواحد ولا حَصْرَ لأكثره، والظاهر أن مراد الحديث الكثرةُ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] بعد ذكره سبعمئة. وإليه أشار في بعض الروايات: "إلى سبعمئةٍ إلى ما شاء الله". والتحقيقُ أن الأقل عشرة أمثال لا ينقص عنه. لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وأمَّا نهايته فلا يعلمه إلَّا علَّامُ الغيوب. ألا ترى إلى ما رواه الشيخان: "من تصدَّق بعَدْلِ تمرةٍ من كسبٍ طيبٍ، فإن الله يُرَبّيه، كما يُرَبي أحدكم فُلُوَّهُ حتَّى

стр. 102

٤٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ: فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا". ٣٣ - بَابٌ: أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ ٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، ــ يكون مثل الجبل". وهذا التفاوت العظيم منشؤه تفاوت الأشخاص والأزمان والأماكن. ألا ترى أن صلاةً في المسجد الحرام بمئة ألفِ صلاةٍ في سائر المساجد، والسيئة بمثلها إلَّا أن يتجاوز اللهُ عنها، فلا يؤاخذ بها أصلًا. وفيه حجةٌ على المرجئة القائلين بأن المعصية لا تضرّ مع الإيمان، وعلى الخوارج والمعتزلة في وجوب عقاب العاصي الذي مات من غير توبة، على أن الخوارج قائلون بكفره، والمعتزلة بخلوده في النَّار، وإن لم يطلقوا عليه اسم الكافر. ٤٢ - (مَعْمَر): بفتح الميمين بينهما عين ساكنة (هَمَّام) بفتح الهاء وتشديد الميم. باب أحب الدين إلى الله أدومُهُ أحبّ: اسم التفضيل من بناء المفعول. أي: أشدّ محبوبيةً. وأراد بالدين: الطاعة. وإطلاق الدين عليها معروف. قال الشاعر: من القوم الرسول الله منهم ... لهم دانت رقاب بني معدٍ والدوام: طول الزمان. قال ابن الأثير: دام الشيء إذا طال زمانه. ومنه الماء الدائم، فليس شمول الأزمنة قيدًا فيه حتَّى يُحمل على الدوام العرفي. ٤٣ - (محمد بن المثني) بضم الميم وتشديد النون (هِشَام) بكسر الهاء (أبي) لفظ الأب

стр. 103

عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟» قَالَتْ: فُلَانَةُ، تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا، قَالَ: «مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا» وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَادَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ. [الحديث ٤٣ - طرفه في: ١١٥١] ٣٤ - بَابُ زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣] ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ ــ مضافٌ إلى ياء المتكلم، هو عروة بن الزُّبير، التَّابعي الجليل القَدْر، أحد الفقهاء السبعة (عن عائشة أن النَّبيَّ ﷺ دَخَل عليها وعندها امرأة) قالوا: هي الحولاء بنت تُوَيْتٍ بضم الفوقانية مصغر التوت مثناة في آخرها. من بني الأسد (فلانة) غير منون؛ لأنَّه كناية عن علم المرأة. (تذكّر من صلاتها) أي: بعض شأن صلاتها، قيل: فاعل تذكّر عائشة. وهو سهو ظاهر، بل الفاعل فلانةُ، ومعنى تذكّر أي: كثرة صلاتها، فسّره رواية البُخاريّ في كتاب الصَّلاة. "لا تنامُ بالليل". (قال: مَهْ) بفتح الميم وسكون الهاء، اسم فعل أي: كُفّ، وانزجرْ. ثم استأنف بقوله: (عليكم بما تطيقون) أي: الزموا واكتفوا بالذي في وُسْعكم من غير مشقة، لأنَّ الإكثار يستلزم المَلَلَ، وإذا كان مع المَلَلِ لا ثواب له. وقد بيَّنه بقوله: (فوالله لا يَمَلُّ اللهُ حتَّى تمَلُّوا) المَلَلُ والسآمة من الأعراض النفسانية وهو على الله محالٌ. والمراد لازمُهُ وهو الإعراض. فإن مَنْ ملَّ عن شيء أعرض عنه، وإنَّما ذكره بلفظ المَلَلِ مشاكلةٌ لما قبله. فإن قلتَ: الكلامُ مع النساء، فما وجهُ قوله: "عليكم"؟ قلتُ: الأصلُ في الأحكام الرجالُ. أجرى الكلام على ذلك القانون، ويدخل في الحكم النساءُ من باب الأولى، لأنَّ المَلَلَ إليهن أسرع، وسرّ المسألة أن الغرضَ من الطاعة ملاحَظة كبرياء الله تعالى وجلاله. وإذا ملَّ الإنسان فات ذلك. وقيل: معناه: إن الله لا يَملّ وإن مللتم. وهذا المعنى معلومٌ لكل أحدٍ إلَّا أنَّه ليس معنى الكلام لغة، ولا هو ملائم للمقام، لأنَّ غرضه الزجرُ عن العبادة مع المَلَلِ، فإنَّه لا فائدة فيه لأنَّه بيان كبرياء الله وتقديسه عن المَلَلِ. وقيل: معناه: إن الله لا يَمَلُّ مَلَلْتُم أنتم أم لم تَمَلّوا. وهذا قريبٌ من الأول. قال الكَرْمَاني: أقول: هذا صحيح؛ لأنَّ المؤمن أيضًا شأنه أن لا يملّ من العبادة. انظروا في هذا الكلام واعتبروا يا أولي الأبصار. باب زيادة الإيمان لم يذكر نقصانه، لأنَّ الزيادة تدل عليه، لأنَّ قابل أحد الضدين قابل للآخر. وفي بعضها مذكور (وقول الله تعالى) بالرفع؛ لأنَّه استئناف دليل على الترجمة. ويدل عليه قوله

стр. 104

[المدثر: ٣١] وَقَالَ: «اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ. ٤٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ ــ وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] إذ لا يصح عطفُه على المجرور. وقال بعض الشارحين: إنَّما غيّر الأسلوبَ؛ لأنَّ المراد منه ما يلزم منه وهو بيان النقصان. قلتُ: الحديث المسند في الباب من قضية اليهودي مع عمر، دليلٌ على أن الآية في كمال الإسلام، وتدل عليه بالمطابقة. ونَبَّهَ البُخاريّ على أن من ترك شيئًا من الكمال، كان إيمانه ناقصًا. ٤٤ - (مسلم بن إبراهيم): -على وزن اسم الفاعل- ضد الكافر (هشام) بكسر الهاء (قتادة) -بفتح القاف- أبو الخطَّاب بن دِعَامة السدوسي وُلد أكمه، تابعي جليل القدر (يُخْرَجُ من النَّار من قال لا إله إلَّا الله، وفي قلبه وزن شَعيرةٍ من خيرٍ) يُخْرجُ: بضم الياء على بناء المجهول. ويروى بفتح الياء على بناء الفاعل، والأول أحسنُ لقوله في الحديث الآخر: "أخْرِجوا من النَّار". فإن قلتَ: الإيمانُ معنى قائم بالمؤمن، فكيف يوزن؟ قلتُ: إما أن يجعل الله الأعراض في صورة الأجسام، أو يوزن ما سُطّر فيه من الصحيفة، كما دلَّ عليه حديث البطاقة كما سيأتي. فلا ضرورة إلى أن يقال: إنه على طريقة التشبيه والاستعارة. وفي الجمع بين قول: لا إله إلَّا الله وعمل القلب دلالة على أنَّه محله. وفيه إبطال قول من قال: إن الإيمان مجرَّد القول كالكراميّة. فإن قلتَ: ما المراد بالخير في الحديث؟ قلتُ: المرادُ به الإيمان بدليل وقوع الإيمان بدل خير في رواية حُميد عن أنسِ في حديث الشفاعة.

стр. 105

النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ أَبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «مِنْ إِيمَانٍ» مَكَانَ «مِنْ خَيْرٍ». [الحديث ٤٤ - أطرافه في: ٤٤٧٦ - أطرافه في: ٤٤٧٦ - ٦٥٦٥ - ٧٤١٠ - ٧٤٤٠ - ٧٥٠٩ - ٧٥١٠ - ٧٥١٦] ــ فإن قلتَ: هذا في أصل التصديق أو في الزائد عليه؟ قلتُ: المراد عمل القلب الزائد على أصل التصديق. والذي تدل عليه رواية حُميد عن أنس، فإنَّه روى أن رسول الله ﷺ قال في المرة الثالثة من الشفاعة "فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبةٍ من خَرْدَلٍ من إيمان، من النَّار، من النَّار، من النَّار. ثم قال في الرابعة: فأقول: يا رب ائذنْ لي فيمن قال: لا إله إلَّا الله. فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي، لأُخْرِجَنَّ منها مَنْ قال لا إله إلَّا الله" فإنَّه صريحٌ في أن المراد نفسُ التصديق أن قول: لا إله إلَّا الله بدون التصديق لا يُعتد به. قال بعض الشارحين: إنَّما ذكر قولَ لا إله إلَّا الله مع تصديق القلب، لأنَّ المسألة مختلَفٌ فيها؛ فعند بعض العلماء: التصديقُ القلبي لا يكفي في الخروج من النَّار، بل لا بُدَّ من القول والعمل أيضًا، وعليه البُخاريّ. والذي ذكرنا آنفًا في رواية البُخاريّ: من إخراج من قال: لا إله إلَّا الله. يَرُدُّ ما ذكره. (وفي قلبه وزن ذَرَّةٍ). الذَرَّةُ: النملة الصغيرة. وقيل: ما يدخُلُ في الكُوَّة من شعاع الشَّمس. قال ابن الأثير: قال ثعلب: وزن مئة نملةٍ وزن حَبَّةٍ (وقال أَبَان): يجوزُ صَرْفُهُ وعدم صرفهِ بناءِ على جواز زيادة الألف والنون، وعدم زيادتها. هو أبو زيد بن يزيد البصري. قال بعضُهم: إنَّما ذكره تعليقًا إما لضعفه أو لضَعْفِ شيخه. قلتُ: هذا قولٌ باطل؛ لأنَّ الكل متفقون على كون أَبَان ثقةَ. نَقَل الذهبي عن الإمام أحمد أنّ أبانَ بنَ يزيد ثقةٌ في كل مشايخه. وشيخه هنا: قتادةُ كلّهم صرَّحوا بأنه ثقة، بل إنَّما ذكره تعليقًا تقوية لما أسنده على دأبه في هذا الكتاب. وقيل: إنما أردفَ المسند بما علَّقه عن أبان، لأنَّ قتادةَ مُدَلسٌ. وفي رواية أبان التصريح بالسماع دون رواية هشام. قلتُ: هذا حَسَنٌ، إلَّا أن ما وقفنا عليه من النُّسَخ. وفي رواية هشام أيضًا ذكر السماع.

стр. 106

٤٥ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ، أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا، مِنَ اليَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ، لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] قَالَ عُمَرُ: «قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ، وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ». [الحديث ٤٥ - أطرافه في: ٤٤٠٧ - ٤٦٠٦ - ٧٢٦٨] ــ ٤٥ - (الحسن بن الصَبَّاح) بفتح الصاد وتشديد الموحدة (أبو العُميس) -بضم المهملة على وزن المصغر- عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود (آية في كتابكم تقرؤونها) آية: مبتدأ، وفي كتابكم تقرؤونها: وصفان له (لو علينا معشرَ اليهود نزلتْ) أي: لو نزلتْ علينا. والمذكور مفسر لذلك المقدّر، لأنَّ "لو" لا تدخل إلَّا على الفعل. والشرطية مع الجزاء خبر المبتدأ، وانتصاب معشرَ على الاختصاص (قد عرفنا ذلك اليومَ والمكان الذي نزلت فيه على النَّبيِّ ﷺ وهو واقفٌ بعرفة) هذا من الأسلوب الحكيم، وذلك أن السؤالَ لم يقع إلَّا عن الزمان. فأجاب بالزمان والمكان والأوضاع التي كان عليها رسول الله ﷺ . قوله (وهو واقفٌ بعرفةَ يوم الجمعة) أشار بعرفة إلى المكان. ويوم الجمعة إلى الزمان. وقد اشتبهَ هذا الموضع على بعضهم، فقال: فإن قلتَ: العرفةُ والجمعة يدلان على الزمان، فما الذي يدل على المكان؟ قلتُ: إما أن يقال: عُلم من عرفة أيضًا إما لأن زمان الوقوف بعرفة، إنَّما هو بعرفات، وإما لأن عرفة قد تُطلق على عرفات، فيُرادُ به كلا المعنيين على مذهب مَنْ جوز إعمال المشترك في معنييه. وهو الشَّافعي. وهذا كلُّه خبط؛ لأنَّ عرفة ليس اسم الزمان، بل هو مرادفُ عرفات. وقولهم: "يوم عرفة" معناه: يوم الوقوف بعرفة. وكيف يجوزُ أن يُراد به الزمان في قوله: وهو واقف بعرفة؟ هل يقول أحدٌ: قام فلان بالزمان، أو وقف بالزمان؟ قال الجوهري: لفظ عرفات لفظُ جمعٍ. وقال الفراء: ولا واحدَ له بصحة وقول النَّاس: نزلنا عرفةَ شبيهٌ بالمُولَّد، وليس بعربي محضٍ. قال الشارح المذكور آنفًا: فإن قلتَ: كيف طابق الجواب ويوم عرفة ليس يوم عيد؟

стр. 107

٣٥ - بَابٌ: الزَّكَاةُ مِنَ الإِسْلَامِ وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]. ــ قلتُ: إنَّما لم يجعلوا يوم النزول عيدًا؛ لأنَّه ثبت في الصَّحيح أن الآية نزلت بعد العصر. ولا يتحقق العيدُ إلَّا في أول النهار. ولهذا قال الفقيه: رؤيةُ الهلال بالنهار لليلة المستقبلة. قلتُ: قد فهم هذا أن المراد بالعيد في قول اليهودي: لاتخذناه عيدًا: العيد المصطلح وليس كذلك، بل المراد تعظيم ذلك اليوم كتعظيم السبت. وهذا كما روى الطّبرانيّ في "الأوسط" عن أنس أن جبريل جاء بالجمعة إلى رسول الله ﷺ وقال: "هذه الجمعة يعرضُها عليك ربُّك، لتكون لك عيدًا ولقومك بعدكَ". وليس المراد باليوم ذلك اليوم الذي نزلت فيه حتَّى يعتذر عنه بأنه كان بعد العصر، بل المراد أن يكون عيدًا إلى آخر الدهر، والذي يقطع دابر الشبهة ما رواه الطبري والطبراني: نزلتْ يوم عرفةَ ويومَ جمعة، وهما لنا عيدان. وكذا في رواية التِّرمذيِّ عن ابن عباس. وقياسُهُ على مسألة الفقه فاسدٌ، بل نظيره ما إذا شهِدوا بعد العصر: هذا يوم عيد، فإنَّه يحكم بكونه عيدًا. فإن قلتَ: لِمَ عَرَّف الجمعة؟ قلتُ: هو اسم حادث، وكانت العربُ تُسميه: يومَ العروبة، فهو مصدر في الأصل بمعنى الاجتماع، فلُوحِظَ فيه ذلك. وقد يجرد كما جاء في روايةٍ هنا. بابٌ: الزكاة من الإسلام الباب منوّنٌ، والزكاة من الإسلام: مبتدأ وخبر. والزكاة لغةً: النماءُ والطُهْرة. وفي الشرع: اسمُ المال المخرَجِ. وشرائطه وفروعُهُ مذكورة في الفروع (وقولُه تعالى) مرفوعٌ لأنَّه دليلُهُ. ويجوزُ الجر على الجِوَارِ (﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]). استدل الفقهاءُ بالآية على وجوب النيَّة (﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾) من عطف العام على الخاص إظهارًا لشرفهما. ويجوزُ أن يكون المراد بقوله: (﴿لِيَعْبُدُوا﴾): التوحيد. واكتفى من

стр. 108

٤٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، ــ الفروع بهما، لأنهما أُمّا العبادات، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. فانطوى المأموراتُ والمنهيات تحتها. ٤٦ - (إسماعيل) هو ابنُ أبي أويس ابن أخت مالك بن أنس (عن عَمّه أبي سُهَيل) -بضم السِّين على وزن المصغر- اسمه: نافعٌ (طلحة بن عُبَيد الله) -على وزن المصغر- التَّيميّ القريشي. يلاقي نسبه نسب رسول الله ﷺ في مرَّة بن كعب. ويقال له: طلحة الفيَّاض، قاله رسول الله ﷺ نَقَلَه ابنُ عبد البر، أحدُ العشرة المبشَّرة، أحدُ الستة أصحابُ الشورى من السابقين الأولين إلى الإسلام. قتل يوم الجَمَل جاءه سهمٌ غرب وقيل: قتله مروان بن الحكم. أول مشاهده أُحُدٌ، لم يشهد بدرًا وكان مسافرًا في التجارة في الشام. قاله ابن عبد البر وأبو الفضل المقدسي. وقيل: أرسله رسولُ الله ﷺ يتجسسُ الأخبار. فلما قدم ضَرَب له رسول الله ﷺ بسهم في القسمة. قال: وأجري قال: "وأجرك". وكان رسول الله ﷺ ظاهر من درعين يوم أحد، فأراد أن يصعد الصَّخرة فثقل عليه، حمله طلحة على ظهره حتَّى صعد، فلما صعد قال "أوجب طلحة"، وليس هو طلحة الطَلَحات، ذاك طلحة بن عُبيد الله بن خلف الخزاعي البصري. ليس له ذكرٌ في الكتب الستة. (جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ من أهل نَجْدٍ) قال الجوهري: كل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجدٌ (ثائر الرأس) بالرفع على الصفة، أو النصب على الحال، روايتان مشهورتان. وإنَّما صَحّ الحال، لأنَّ النكرة موصوفة. أي: ثائر شعر وأسه. من الثَوَران. وحاصلُة منتشر الشعر، تلوث بالغبار على دأب المسافر. (يسْمَع دَوِيُّ صوته ولا يُفقَه ما يقول) قال ابن الأثير: الدَّوِيُّ على وزن الصبي:

стр. 109

حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَصِيَامُ رَمَضَانَ». قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ــ صوتٌ ليس بالعالي كصوت النحل. بالرفع والنصب، تفريقًا على رواية النون، وبناء الفاعل في يسمعُ ويفقه، وروايةُ الياء وبناء المفعول فيهما (فإذا هو يَسْأَلُ عن الإسلام) إذا للمفاجأة، والمراد: شرائع الإسلام كما فصل في الجواب. ولم يذكر التوحيد، وقد سَبَق أن إيراد الإسلام في باب الإيمان يدل على اتحادهما صدقًا، وإن اختلفا مفهومًا (خمسُ صلواتٍ في اليوم واللبل) خبر مبتدأٌ أي: هي أو هو (قال: هل عليّ غيرُها قال: لا إلّا أن تطوّع) حَمَل أبو حنيفة الاستثناء على الاتصال كما هو الأصلُ، وحَمَلَهُ الشَّافعي على الانقطاع؛ فلا يجبُ عنده النوافل، بالشروع فيها. قال بعضهم: استدلالُ أبي حنيفة بالحديث مغالطة، لأنَّ الاستثناء فيه من قبيل قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]. أي: لا عليك بعد الفرائض إلّا التطوّع. وقد علم أن التطوع ليس بواجب. قلتُ: الأصلُ في الاستثناءِ الاتصالُ، وما ذكره أمر لا يعرفُهُ إلَّا آحاد العلماء. فكيف يُحمل عليه جوابُ السائل، على أن التقدير عند الحنفية إلَّا أن يشرع في التطوع لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. هذا وما ورد على الحنفية بأن إتمام النافلة واجب، فيكون استثناؤه من الفرض منقطعًا، ليس بواردٍ؛ لأنَّ المذكور في الحديث لفظُ "عليّ" وهو يدلُّ على اللزوم الشامل للفرض والوجوب والنفل، على أن التفرقة بين الواجب والفرض، وأيضًا التفرقةُ بين الواجب والفرض فيما طريقه ظني كأخبار الآحاد. والذي سمع من رسول الله ﷺ قطعي بلا خلاف، بل الجواب للشافعي قوله ﷺ : "الصائمُ المتطوع أميرٌ لنفسه" ونظائره. (وذكر له الزكاةَ) غير الأسلوب؛ لأنَّه لم يحفظ عبارته فيه، فأطلق الذكر؛ لأنَّه لازمه. (والله لا أزيدُ على هذا ولا أُنقص) اختلف العلماءُ فيما أشير إليه بهذا. قيل: أشار إلى كل ما

стр. 110

«أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ». [الحديث ٤٦ - أطرافه في: ١٨٩١ - ٢٦٧٨ - ٦٩٥٦] ــ سَمِعَهُ. والمعنى: لا أزيدُ على ما سمعتُ لا عملًا ولا إخبارًا، لا سيما إذا كان هذا السائل ضمام بن ثعلبة؛ فإنَّه كان رسول قومه لقوله في الرّواية الأخرى: وأنا رسول من ورائي بني سعد بن بكر. وقيل: كان هذا قبل مشروعية [فرائض] أخرى. وقيل: أورد المبالغة في التصديق، أو أُريد تغيير الأوصاف بأن يَجعَلَ الصبح أربعًا، أو الظهر ثلاثًا. والوجه هو الأول. فإن قلتَ: سيأتي في كتاب الصيام أنَّه قال: "والذي كرمك لا أتطوع شيئًا، ولا أنقص ممَّا فرض الله"؟ قلتُ: لا ينافي الوجه الأول؛ لأنَّه يخبر -بما يسمع- قومه، واستفاد بتقرير رسول الله ﷺ قوله: إن الاقتصار على الفرائض يوجب النجاة، وإن كانت النوافل توجب الفضيلة. قال النووي: وأمَّا النوافلُ فيُحتمل أنَّه كان قبل شرعها. وفيه بُعْدٌ، وأي معنى لقوله: "إلَّا أن تطوّع" إن لم تكن مشروعة، ولو سلَّم فقوله: "إلَّا أن تطوّع" عين المشروعية وهنا جواب آخر أحسن ممَّا تقدم كله. وهو أن يكون هذا إشارة إلى ما أخبر به من الواجبات. فإنَّها التي لا تقبل الزيادة والنقص بخلاف النوافل، فإنَّها قابلة للزيادة والنقصان. فإن قلتَ: لم يذكر الحج له. قلت: لم يكن واجبًا. فإن قلتَ: اختلفت الروايات ففي بعضها أيضًا ترك الصوم، وذكر في بعضها صلة الرحم، وفي بعضها أداء الزكاة، وفي بعضها أداء الخمس. قلتُ: الكل صحيح؛ لأنها زيادات الثقات. قال ابن الصلاح: منشؤه تفاوت الرواة في الحفظ، وقد قدمنا أن زيادة الثقة منه مقبوله. (أفلَحَ الرجلُ إن صَدَق) وفي بعض الروايات وفي مسلم: "أفلح وأبيه". واستشكل فإنَّه نَهَى عن الحلف بالآباء، كما سيأتي في البُخاريّ في حلف عمر بأبيه، وليس بمشكل؛ لأنَّه لم يرد به معنى الحلف، وهو تعظيم المحذوف به لبُعْدِ مقامه عن الحلف برجل مجهولٍ، بل هذا وأمثالُهُ كلمات تجري في المحاورة من غير قصد إلى معناه. والفلاح هو الفوز بالمطلوب. والهمزة فيه بمعنى التصيير أي: صار ذا فلاحٍ، أو دَخَل في الفلاح. فإن قلتَ: في رواية أبي هريرة في البُخاريّ ومسلم: "مَنْ سرَّه أن ينظر إلى رجلٍ من
следующие страницы →