Полный текст (2 437 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
الكوفيين في أنه ينصب الفعل بعد الفاء جوابًا للترجي، وفي الجازم أربعة مذاهب:
أحدها: أن الأمر والنهي وباقيها ضمن معنى الجزم، فيجزم فضمن: ائتني معنى إن تأتني، ونسب هذا إلى الخليل وسيبويه، وقال به ابن خروف، وابن مالك.
الثاني: أن هذه الأشياء نابت مناب الشرط، أي حذفت جملة الشرط، وأنيبت هذه في العمل منابها، ونظير ذلك قولهم: ضربا زيدا ناب (ضربا) عن اضرب على أصح القولين ونيابتها مناب الشرط، هو مذهب الفارسي، والسيرافي، وصححه ابن عصفور.
والثالث: أنه مجزوم بلام مقدرة.
الرابع: أنه مجزوم بشرط مقدر قبلها دل عليه ما قبله، وهو الذي نختاره، وقال به أكثر المتأخرين، وإذا قصد بالفعل الوصف، أو الحال، أو الاستئناف جاز رفعه نحو: ليت لي مالاً أنفق منه، فأنفق في موضع الوصف، وليت زيدًا يقوم يزورنا فـ «يزورنا» في موضع الحال، ويحتمل الاستئناف، وإذا دل على الأمر بما صورته صورة الخبر، سواء أكان اسمًا نحو: حسبك ينم الناس أم فعلا نحو: اتقي الله امرؤ فعل خيرًا يثب عليه، أم اسم فعل نحو: نزال أكرمك، وعليك زيدًا
стр. 1682
يحسن إليك، ومكانك تسترح جاز جزم الفعل على الجواب كما في الأمر، وحسبك مبتدأ خبره محذوف أي حسبك السكوت، ولا يظهر، والجملة متضمنة معنى اكفف، وزعمت جماعة منهم ابن طاهر أنه مبتدأ بلا خبر، لأنه في معنى ما لا يخبر عنه، قال بعض أصحابنا: ولو قيل إنه اسم فعل مبني، والكاف للخطاب، وضم، لأنه قد كان معربًا، فحمل على قبل وبعد، ويا حكم لم يبعد عندي.
وقال بعض أصحابنا: الفعل الخبري لفظًا الأمري معنى لا ينقاس، ولم يسمع منه إلا الذي ذكرناه، والشرط المقدر بعد النهي لا بد أن يكون منفيًا، وإلا لم يجزم الجواب مثاله: لا تدن من الأسد تفلت منه، التقدير: إلا تدن من الأسد يأكلك التقدير: إن تدن من الأسد يأكلك، وقد نسب هذا الكوفيين، وقال الجرمي: يجوز على رداءة، وقال الأخفش: يجوز الجزم لا على أنه جواب، بل حملاً على اللفظ الأول، لأنه مجزوم، وإذا دخل الاستفهام على النفي، وأريد به التقرير، وضمن معنى الشرط، قدر فعل الشرط غير منفي نحو قولك: ألا تصحبنا تنج من الشر أي لتصحبنا، وإن قدرته استفهامًا محضًا ضمن معنى الشرط كان تقدير فعل الشرط منفيًا نحو: ألا تصحبنا لا تنل خيرًا، تقديره: إن لا تصحبنا لا تنل خيرًا.
وينصب المضارع أيضًا بعد الواو والفاء الواقعتين بين شرط وجزاء أو بعدهما، وزاد بعضهم بعد (أو) والكوفيون بعد ثم: مثال ذلك بين الشرط وجزائه، إن تأتني فتحدثني أحسن إليك، وكذلك إن جعلت مكان الفاء (الواو) أو (أو) أو (ثم) على من أجاز ذلك.
وسواء أكان فعلا الشرط والجزاء مجزومين، أو ماضيين، أو كانت جملة الجزاء اسمية، أو بالفعل الداخل عليه الفاء، أو كان الجزاء محذوفًا مثال ذلك: إن تزرني
стр. 1683
فتحسن إلي فأنا أزورك أو فأحسن إليك أو ... لئن كنت مقتولاً ويسلم عامر
أي فلا يدعني قومي صريحا لحرة، ومثال ذلك بعد الشرط والجزاء قوله تعالى: «وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله» [قرئ بالرفع والنصب والجزم، وكذلك (الواو)، و (أو)، و (ثم) في مذهب من أجاز ذلك وقوله تعالى: «وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر» وقرئ] بالثلاثة، والأحسن التشريك في الجزم، إذا كان قبله، أو بعده مجزوم، وإذا ارتفع فهو على إضمار مبتدأ، وإذا كانت جملة الجزاء اسمية، فالرفع وجه الكلام، ويجوز الجزم والنصب، ولم يذكر سيبويه فيه النصب، وإذا عطفت مضارعًا بعد الفعل المنصوب بعد فعل الجزاء جاز في المضارع الرفع على الاستئناف، والنصب عطفًا على المنصوب، والجزم على موضع المنصوب مثاله: إن تأتني أحسن
стр. 1684
إليك وأزورك، وأكرم أخاك، فيجوز في أكرم النصب، وهو ظاهر، والرفع على الاستئناف، والجزم على موضع وأزورك، وأجاز سيبويه النصب بعد أفعال الشك، قال: وتقول: حسبته شتمني فأثب عليه، إذا لم يكن الوثوب واقعًا. ومعناه: أن لو شتمني لوثبت عليه، وإن كان الوثوب قد وقع، فليس إلا الرفع، وذهب غيره إلى أنه من الواجب الذي لا ينقاس النصب فيه إن جاء، ولا يجوز النصب بعد إنما، إن كان المعنى على الحصر، وأجازه بعضهم، وحمل عليه قوله تعالى: «إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون» على قراءة من نصب «فيكون» فلو كان الحصر بـ (إلا)، أو كان الفعل واجبًا خاليًا من أداة الشرط، فلا يجوز النصب إلا اضطرارًا نحو: ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا، وقوله:
... ... ... ... ... ... ... وألحق بالحجاز فأستريحا
стр. 1685
وقد تؤول (فأستريحا) ونحوه على أن الألف فيه بدل من النون الخفيفة الواقعة في غير القسم.
واختلفوا في الفعل الواجب، إذا كان سببًا لما بعده نحو: زيد يأتي الأمير لا يقطع اللص، وربطت الفرس لا ينفلت، وأوثقت العبد لا يفر؛ فذهب الخليل، وسيبويه، والبصريون إلى أنه يرفع، ولا يجوز الجزم فيه، وذهب الكوفيون إلى جواز رفعه، وجزمه، وحكى الفراء: أن العرب ترفع هذا، وتجزمه قال: وإنما أجزم؛ لأن تأويله: إن لم أربطه انفلت، وقال ابن عصفور: الجزم ضرورة، ولا يقاس عليه في الشعر، وليس من شرطه أن يكون الفعل منفيًا بـ (لا)، بل يجيز الكوفيون أن يكون مثبتًا نحو: زيد يأتي الأمير يفلت اللص، تقديره: إن يأت الأمير يفلت اللص، فأما الجزم على مذهب من أجازه فعلى لحظ معنى الشرط والجزاء، وإن لم يكن بأداة الشرط والجزاء، ولا من الأشياء السابق ذكرها، وأما الرفع فلم أر أحدًا تعرض له لتخريجه، ومعنى الكلام يقتضي أنه متعلق بما قبله، والمعنى ربطت الفرس لئلا ينفلت فهو مفعول من أجله حذفت منه اللام، ثم اتسعت العرب في ذلك فحذفت (إن)، فارتفع الفعل، ويجوز إظهار (أن) وإضمارها بعد حرف عطف به مصدر مقدر على مصدر صريح، أو على اسم غير مصدر مثال ذلك:
للبس عباءة وتقر عيني ... ... ... ....
стр. 1686
التقدير: وأن تقر عيني أي: وقرة عيني، وقولك: لولا زيد ويحسن إلي لهلكت أي؛ وإحسانه، وجاء العطف بالواو كما مثلنا وبالفاء نحو قوله:
لولا توقع معتر فأرضيه ... ... ... ... ....
وبـ (أو) نحو قوله تعالى: «إلا وحيا أو من ورآي حجاب أو يرسل» وبـ (ثم) نحو قوله:
إني وقتلى سليكا ثم أعقله ... ... ... ....
стр. 1687
ولا يجوز ذلك في غير هذه الحروف لو قلت: عجبت من قيامك بل تقعد أو من قيامك لا تقعد لم يجز، ولا يجوز أن تحذف (أن) في غير ما تقدم ذكره، بل يجب إظهارها هذا مذهب جماعة منهم متأخرو أصحابنا.
وذهب جماعة إلى أنه يجوز حذفها في غير تلك المواضع، واختلفوا، فذهب أكثرهم إلى أنه إذا حذفت وجب رفع الفعل، وهو مذهب أبي الحسن، وذهب أبو العباس إلى أنه إذا حذفت (أن) بقى عملها.
واختلفوا في القياس على ما حذفت منه (أن) فقاس عليه بعضهم، وهو مذهب الكوفيين، ومن وافقهم من البصريين والصحيح قصر ما حذف من ذلك على السماع، ولا يرفع، ولا ينصب بعد الحذف إلا ما سمع.
стр. 1688
فصل
تزاد باطراد (أن) بعد (لما)، التي هي حرف وجوب لوجوب، نحو قوله تعالى: «فلما أن جاء البشير»، ولا تفيد غير التوكيد، وزعم الزمخشري، والأستاذ أبو علي على أنه ينجر مع التوكيد معنى آخر، وهو أن الجواب يكون بعقب الفعل الذي يلي (أن) فيه، فينبه على السبب والاتصال، وما ذهبا إليه لا يعرفه كبراء النحويين، وبعد القسم الذي يليه (لو) نحو: والله أن لو فعلت، وهذا مذهب سيبويه، ونص قوله، وذهب ابن عصفور إلى أنها في ذلك رابطة، والجواب (لو) وما دخلت عليه، والصحيح ما ذهب إليه سيبويه.
وبعد (حتى) تقول: قد كان ذلك حتى أن كان كذا، وتزاد بغير اطراد بعد (كاف) التشبيه نحو:
... ... ... ... ... ... كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم
و (أن) الزائدة حرف بسيط ثنائي الوضع، لا أن، أصله ثلاثي، فهي أن المشددة خففت خلافًا لبعضهم، ويكون أيضًا -أن- مفسرة لمضمون الجملة السابقة، وشرطها: أن تكون الجملة قبلها مضمنة معنى القول، فإن كانت بصريح القول فالحكاية لما بعدها، وقد أجاز بعضهم أن تكون بعد صريح القول.
стр. 1689
وحمل عليه قوله تعالى: «ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن أعبدوا الله»، وأن يكون ما بعدها كلامًا غير متعلق بما قبلها فلا يكون نحو قوله تعالى: «وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين»، ونحو قوله كتبت إليه بأن قم.
ولا يجوز أن يتقدم معمول ما بعدها على الجملة المفسرة، وأن هذه تفسير الجملة الاسمية، والجملة الفعلية، ولا تختص بجملة الأمر، ومن ذلك قولهم: كتبت إليه أن افعلن وأرسل إليه أن ما أنت وذا.
وأجاز سيبويه في أن ما أنت وذا: أن تكون مخففة من الثقيلة، ومنع ذلك ابن الطراوة: وكون (أن) تأتي للتفسير هو مذهب البصريين، وذهب الكوفيون إلى أن التفسير ليس من معاني (أن)، وهي عندهم الناصبة للفعل.
وتفيد التفسير غالبًا (أي) فتكون تفسيرًا لصريح القول، ومضمنة ولغيرها، وللجملة وللمفرد نحو: قال زيد قولاً أي اضرب زيدًا، وكتبت إليه أي قم، ورأيت رجلاً أي تميمًا.
وإن وقعت بين مترادفين، فالثاني هو الأشهر نحو: هذا الغضنفر أي الأسد، وهي إذ ذاك حرف عطف عند الكوفيين، وتبعهم صاحب المستوفي، وصاحب المفتاح، وخرج بعض أصحابنا ذلك على أنه عطف بيان، وإذا كان بعد (أن) الصالحة للتفسير مضارع مثبت جاز رفعه، على أن تكون
стр. 1690
تفسيرية، ونصبه على أن تكون مصدرية، أو منفي بـ (لا) جاز ذلك، والجزم على النهي، و (أن) تفسيرية، ولا تكون (أن) للمجازاة خلافًا للأصمعي، والكوفيين، وجعلوا من ذلك:
أتغضب أن أذنا قتيبة حزتا ... ... ... ....
وتأوله الخليل على أنها ناصبة للفعل، والمبرد على أنها المخففة من الثقيلة، ولا تكون (أن) نفيًا خلافًا لبعضهم وحمل عليه قوله تعالى: «أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم» قال: أي لا يؤتى.
وذهب بعضهم إلى أنها تكون بمعنى إذ مع الفعل الماضي، قال: نحو قوله تعالى: «بل عجبوا أن جاءهم» وقيل: ومع المضارع، نحو قوله تعالى: «أن تؤمنوا بالله ربكم» أي إذا آمنتم و (أن) تكون بمعنى لئلا نحو: ربطت الفرس أن تنفلت، وذهب أبو علي، وابن أبي العافية إلى أنها تكون مخففة من إن المكسورة الهمزة نحو: ما روى في الحديث: «قد علمنا أن كنت لمؤمنًا» فعندهما أن (أن) لا تكون إلا مفتوحة، ولا يلزم اللام، وذهب الأخفش الصغير، وابن الأخضر إلى أنه لا يجوز فيها إلا الكسر، وتلزم اللام، وعليه أكثر نحاة بغداد وتقدم ذلك في باب ... إن-.
стр. 1691
باب المجرور
الجر يكون بحرف أو بإضافة، وبتبعية، والحرف أحادي، وثنائي، وثلاثي، ورباعي.
الأحادي (الباء)، و (اللام)، و (الكاف)، و (التاء)، و (الواو)، و (م)، وهمزة القطع وهمزة الاستفهام، فالباء حركتها الكسر، وحكى أبو الفتح عن بعضهم أن حركتها الفتح مع الظاهر نحو: مررت بزيد، ولم يذكر لها سيبويه معنى غير الإلصاق، قال أصحابنا: لا تكون إلا بمعنى الإلزاق، والاختلاط حقيقة أو مجازًا إذا لم تكن زائدة، وقد ينجر معها معانٍ أخر، فـ-للإلزاق- حقيقة وصلت هذا بهذا، ومجازًا نحو: مررت بزيد، التزق المرور بمكان قرب زيد، وذكر أصحابنا أن المعاني التي تنجر مع الإلصاق ستة أنواع منها: النقل، ويعبر عنه بالتعدية كقوله تعالى: «ذهب الله بنورهم»، ويكون الفعل قبلها لازمًا، ومتعديًا نحو: صككت الحجر بالحجر أصله: صك الحجر الحجر، فالإلصاق في هذا واضح، والسببية نحو: مات زيد بالجوع، والاستعانة نحو: كتبت بالقلم، وخضت الماء برجلي، وأدرج ابن مالك هذا في السببية،
стр. 1692
ومثل السببية بقوله تعالى: «فأخرج به من الثمرات» و «ترهبون به عدو الله» والمصاحبة، ويصلح معها (مع) والحال نحو: وهبتك الفرس بسرجه أي مع سرجه، أو مسرجًا، والظرفية وهي التي يصلح مكانها (في) نحو: زيد بالبصرة، والقسمية نحو: بالله لأقومن، ألزقت فعل القسم المحذوف بالمقسم به فهذه الستة التي ذكرها أصحابنا، وذكر ابن مالك، أنها تأتي للتعليل: قال: وهي التي تحسن غالبًا في موضع اللام كقوله تعالى: «إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل» ولم يذكر أصحابنا هذا، وكأن السبب والتعليل واحد، وذكر أيضًا أنها تكون للبدل قال: وهي التي يصلح مكانها بدل، نحو قوله:
فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا ... ... ... ... ...
أي بدلهم، وذكر هذا المعنى بعض أصحابنا عن بعض المتأخرين، قال: والصحيح أن معناها السبب، ألا ترى أن التقدير: هذا مستحق بذلك؛ أي بسببه، وذكر ابن مالك أنها تأتي للمقابلة، وهي الداخلة على الأثمان،
стр. 1693
والأعواض، ثم اشتريت الفرس بألف، وقد تسمى باء العوض، وذكر ابن مالك أنها تكون بمعنى من التبعيضية كقوله:
... ... ... .... ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرج
أي من برد، وقال: ذكر ذلك في التذكرة للفارسي، وهو مذهب كوفي، تبعهم فيه الأصمعي، والقتبي في قوله:
شربن بماء البحر ... ... ... .... ... ... ... ... ... ....
стр. 1694
وتأوله ابن مالك على التضمين أي: روين بماء البحر، وذهب الكوفيون إلى أن الباء قد تأتي بمعنى (عن)، وذلك بعد السؤال نحو:
فإن تسألوني بالنساء ... ... ... ... ... ... ...
أي عن النساء، وقال الأخفش: ومثله: «فسئل به خبيرا» واستدل ابن مالك لهذا بقوله تعالى: «ويوم تشقق السماء بالغمام» أي عن
стр. 1695
الغمام، وكان الأستاذ أبو علي يتأول فيقول: اسأل بسببه خبيرًا، وبسبب النساء أي لتعلموا حالهن، وذهب الكوفيون أيضًا إلى أن الباء تكون بمعنى (على)، واستدل ابن مالك لذلك، بقوله تعالى: «من إن تأمنه بقنطار». وقولك: مررت به أي على قنطار، ومررت عليه كما قال: «هل آمنكم عليه» و «لتمرون عليهم».
وزعم بعض النحويين، ومنهم ابن هشام: أن الباء تدخل حيث يراد التشبيه نحو: لقيت بزيد الأسد، ورأيت به القمر أي لقيت بلقائي إياه الأسد أي شبهه، والصحيح أنها ليست للسبب أي بسبب لقائه، وبسبب رؤيته، وزعم أيضًا أنها تدخل على ما ظاهره أن المراد به غير ذات الفاعل، أو ما أضيف إلى ذات الفاعل نحو قوله:
... ... ... ... ... ... ولم يشهد الهيجا بألوث معصم
فظاهره أن فاعل يشهد غير ألوث معصم، والفاعل في الحقيقة هو ألوث معصم قيل: والصحيح أن الباء في (بألوث معصم) للاستعانة، وزعم ابن مالك أن باء الجر، قد تكف (بما) ويليها الفعل، وتحدث (ما) الكافة في الباء معنى التقليل، فتصير بمعنى ربما، فمعنى (بما) في قول الشاعر:
فلئن صرت لا تحير جوابًا ... لبما قد ترى وأنت خطيب
стр. 1696
ربما، والصحيح أن (الباء) للسبب، وأن (ما) بعدها مصدرية لا كافة، وقد بينا ذلك في الشرح، وتكون الباء زائدة، وتقدم في باب كان زيادتها في مواضع.
فأما «وكفى الله» فـ (ذهب) سيبويه أنها زائدة في الفاعل، ولذلك يجوز: كفى بالله شهيدا، كما قال:
... ... ... ... ... ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيًا
وأجاز ابن السراج هذا، وأجاز وجهًا آخر، وهو أن يكون فاعل (كفى) ضميرًا يعود على المصدر المفهوم من (كفى) كأنه قال: كفى هو أي الاكتفاء بالله، فالباء ليست زائدة.
وقيد الأستاذ أبو جعفر بن الزبير زيادة الباء في (كفى) بأن تكون بمعنى
стр. 1697
حسب، فإن كانت بمعنى (وقى) لم تزد في فاعله كقوله تعالى: «وكفى الله المؤمنين القتال» و: «فسيكفيكهم الله» وتزاد في أفعل في التعجب، وفي فعل فيه نحو: أحسن بزيد، ورحب بالزور، وفي مواضع لا تنقاس كزيادتها في المبتدأ مخصوصًا، بحسبك درهم أي حسبك، وذكروا أنها زيدت في: «وهزي إليك بجذع النخلة» وفي: «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة» وفي: «فليمدد بسبب»، وفي: «تنبت بالدهن»، و: «يذهب بالأبصار»، و: «ومن يرد فيه بإلحاد بظلم».
وقوله:
... ... ... ... ... وما ينبغي بعد ابن قيس بشاهد
وقوله:
فلما رجت بالشرب هز لها العصا ... ... ... ....
стр. 1698
وقوله:
... ... ... ... ... أودي بنعلي وسرباليه
قال ابن مالك: وكثرت في مفعول (عرف) وشبهه، وقلت زيادتها في مفعول ذي مفعولين نحو:
... ... ... ... ... تسقى الضجيع ببارد بسام
وقال الفراء: تقول العرب: هزه وهز به، وخذ الخطام، وبالخطام، ورأسه، وبرأسه، ومده، ومد به، ,منه: «فليمدد بسبب» انتهى.
فأما قوله:
ألم يأتيك والأنباء تنمى ... بما لاقت لبون بني زياد
стр. 1699
فقيل الباء في (بما) زائدة، وهي فاعل (يأتيك)، وخرج هذا على الإعمال، توارد على ما يأتيك، وتنمى فأعمل الثاني، وأما قوله:
فكفى بنا فضلاً على من غيرنا ... حب النبي محمد إيانا
فقيل الباء في (بنا) زائدة، وهو المفعول، والفاعل (حب) أي فكفينا حب النبي، وخرج هذا على أن (بنا) الباء زائدة في الفاعل، و (حب) بدل، وقيل
стр. 1700
زائدة في: «بأبيكم المفتون» وفي:
... ... ... ... ... ... .... لا يقرأن بالسور
وفي:
... ... ... ونرجو بالفرج
وفي:
ضمنت برزق عيالنا أرماحنا ... ... ... ... ....
стр. 1701
وفي:
أتى بي الدهر بما أتى به
أي ما أتى به، وفي:
فأصبحن لا يسألنه عن بما به ... ... ... ... ... ...
خرجه ابن جني على زيادة الباء، أي عن ما به، وزعم الأخفش أنها زائدة في خبر المبتدأ في قوله تعالى: «جزاء سيئة بمثلها» أي مثلها، وزيدت في الخبر في قوله:
... ... ... .... ... فمنعكها بشيء يستطاع
وقد تؤول أكثر هذه المواضع، وذكر ابن مالك أن الباء تزاد عوضًا وأنشد:
ولا يواسيك فيما ناب من حدث ... إلا أخو ثقة فانظر بمن تثق
قال: أراد من تثق به، زاد الباء قبل (من) عوضًا انتهى وقد تأولناه في الشرح على غير الزيادة.
стр. 1702
(اللام)
حركتها الكسر في المشهور، إلا مع المضمر غير (الياء) فالفتح عند أكثر العرب نحو: لنا، ولك، وله، ولها، ولكما، ولكم، ولكن، ولهما، ولهم، ولهن، ,خزاعة تكسر مع المضمر، كالمظهر إلا مع الياء، فاتفقوا على الكسر نحو لي، وتفتح مع المستغاث به غير المعطوف على غيره.
وحكى أبو عمرو، ويونس، وأبو عبيدة، وأبو الحسن، أنهم سمعوا تفتحها مع الظاهر على الإطلاق، فيقولون: المال لزيد، وحكى اللحياني عن بعض العرب غير معين أنهم يكسرونها مع المضمر يقولون: المال له، وهو قليل جدًا.
وحكى مكي بن أبي طالب عن بني العنبر أنهم يفتحونها مع الفعل وحكاه ابن مالك عن بني العنبر، وعكل، وقال أبو زيد: سمعت من يقولك «وما كان الله ليعذبهم» بفتح اللام، وحكى المبرد عن سعيد بن
стр. 1703
جبير أنه قرأ: «وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال» بفتح اللام.
ومعاني اللام: الملك نحو: المال لزيد، وشبه الملك: أدوم لك ما تدوم لي.
والتمليك: وهبت لزيد، وشبه التمليك: «والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا»، والاستحقاق: الجلباب للجارية، والنسب: لزيد عم هو لعمرو خال، والتعليل: «لتحكم بين الناس»، والتبليغ: قلت لك، وبينت لك، وأذنت له، واستجبت له، وفسرت له، والتبيين بعد أسماء الأفعال، والمصادر التي شبهها: «هيهات هيهات لما توعدون»، و: «هيت لك»، وسقيا لك، وبعد أحب وشبهه في تعجب، أو تفضيل مبينة للمفعول نحو: ما أحب زيدًا لعمرو، «والذين آمنوا أشد حبا لله» والتعجب نحو:
ولله عينا من رأى من تفرق ... ... ... ... ...
وللصيرورة: «فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا»
стр. 1704
أو موافقة في: «القسط ليوم القيامة»، وعند: «بل كذبوا بالحق لما جاءهم» أي عندما جاءهم، وإلى: «سقناه لبلد ميت»، وبعد: «أقم الصلاة لدلوك الشمس». وعلى: «يخرون للأذقان» ومن:
... ... ... ... ... ... ونحن لكم يوم القيامة أفضل
أي منكم انتهت هذه المثل مقتضية من شرح ابن مالك للام، وكونها للاستحقاق عبارة سيبويه، وعبر عن هذا المعنى الفارسي: بالتحقيق، وقال المبرد: معنى اللام جعل الأول لاصقًا بالثاني، وقال أصحابنا معناها العام الاستحقاق، وينجر مع ذلك أنواع أن تكون للسبب، وللقسم الذي فيه معنى التعجب نحو:
لله يبقى على الأيام ذو حيد ... ... ... ... ...
стр. 1705
وللاستغاثة، ولتقوية عمل العامل، وكونها للصيرورة، ويقال أيضًا: للعاقبة والمآل، وهو مذهب الأخفش، وكونها بمعنى (على)، أو (مع)، أو (بعد)، أو (من)، أو (في)، أو (إلى)، أو للتعليل هو مذهب الكوفيين، والقتبي.
وما استدلوا به تأوله أصحابنا، وتجيء اللام مقوية لعمل العامل، ولم يذكر سيبويه زيادة اللام، وتابعه أبو علي، وذهب المبرد إلى زيادتها في: «ردف لكم»، وفي: «للرؤيا تعبرون» ثم تأوله على معنى التضمين في ردف، وفي البخاري: ردف بمعنى قرب، وقيل هي زائدة في: لا أبالك،
стр. 1706
ويا بؤس للحرب، وفي ضربت لزيد، والذي يجوز أن ما يتعدى لواحد يجوز دخول اللام على مفعوله أن تتقدم، أو كان فرعًا في العمل: «فعال لما يريد» ويقاس على هذين، وما سوى هذين قصرت زيادته على السماع.
(الكاف)
حرف جر لا خلاف، فاعلمه في ذلك إلا ما ذهب إليه صاحب (المشرق): أنها تكون اسمًا أبدًا؛ لأنها بمعنى (مثل)، وسيأتي خلاف الأخفش في كونها تخرج عن الحرفية إلى الاسمية في الكلام لا في الضرورة، وحركتها الفتح ومعناها التشبيه، ويتعلق بالكون المطلق الذي تتعلق سائر الحروف به، خلافًا للأخفش، وتعبه ابن عصفور في بعض تصانيفه، أنها لا تتعلق بشيء لا ظاهر، ولا محذوف، وتجر الظاهر، وشذ جرها الضمير الغائب نحو:
وأم أوعال كها أو أقربا
والمخاطب في قول الحسن: أناكك، والمتكلم في قول الحسن، ما أنت كي، وقول الشاعر:
وإذا الحرب شمرت لم تكن كي ... ... ... ... ...
стр. 1707
والكاف في (كي) مكسورة، وقال سيبويه: (كي) و (كي) خطأ، وجاء في شعر معزو لأبي محمد اليزيدي:
شكوتم إلينا مجانينكم ... ونشكو إليكم مجانيننا
فلولا المعافة كنا كهم ... ولولا البلاء لكانوا كنا
وقد أدخلت العرب على ضمير الرفع المنفصل، وعلى ضير النصب المنفصل الكاف قالت: ما أنا كأنت ولا أنت كأنا، وقال:
... ... ... ... ... ولم يأسر كإياك آسر
وفي البسيط: وقد ورد أيضًا في ضمير الرفع في قولهم: أنت كأنا، وأنت كـ (هو)، وأنكره الكوفيون.
وفي الواضح: أجاز سيبويه وأصحابه: أنت كي، وأنا كك، وضعفه الكسائي، والفراء، وهشام.
وقال الفراء: ومن لم يقل: مررت بي وزيد على اختيار قال مختارًا: أنت كـ (أنا) وزيد، وأنا كأنت وزيد. انتهى.
стр. 1708
وزعم الكوفيون، والأخفش، أنها تجيء بمعنى (على)، وحكى الأخفش عن بعض العرب أنه قيل له: كيف أنت فقال: [كـ (خير)، وحكى الفراء كيف أصبحت فقال:] كـ (خير) يريد على خير، وعلى هذا خرج الأخفش قولهم: كن كما أنت وأول (كخير) على حذف مضاف أي: كـ (صاحب خير) و (كما أنت) على زيادة (ما)، و (أنت) في موضع جر كقولهم: ما أنا كأنت كما زادوها في قوله:
كما راشد تجدن أمرا
أو على أن (ما) كافة، و (أنت) مبتدأ محذوف الخبر تقديره: كما أنت عليه، وقدره بعضهم (كما أنت كائنه) كما صرح بالخبر حين كفت (بما) في قوله:
... ... ... .... ... إليك كما بالحائمات غليل
وقيل: أنت خبر مبتدأ محذوف و (ما) موصولة أي كالذي هو أنت، وقيل (أنت) فاعل بفعل محذوف انفصل ضميره؛ أي كما كنت.
стр. 1709
واختلفوا هل تكون اسمًا في الكلام، أو يختص ذلك بضرورة الشعر، فذهب الأخفش، والفارسي، في ظاهر قوله: وتبعهما ابن مالك على أنها تكون اسمًا في الكلام، وقد كثر جرها بالحرف (الباء وعلى وعن)، وأضيف إليها، وأسند إليها فاعلة، ومبتدأة، ومفعولة، لكن كل هذا في الشعر، وذهب سيبويه إلى أن استعمالها اسمًا، إنما يجوز في ضرورة الشعر، وتجوز زيادة (ما) بعد الكاف، وهي باقية على عملها الجر، قال:
وننصر مولانا ونعلم أنه ... كما الناس مجروم عليه وجارم
стр. 1710
بخفض الناس، وزعم بعضهم أن (ما) تكون كافة للكاف، فتليها الجملة الاسمية، وتكون كما من حروف الابتداء كما قال:
لقد علمت سمراء أن حديثها ... نجيع كما ماء السماء نجيع
وهذا إنما يكون إذا قلنا أن (ما) المصدرية لا توصل بالجملة الاسمية أما إذا قلنا أنها توصل بها، فلا تكون (ما) كافة، بل مصدرية، والكاف جارة للمصدر المنسبك من (ما) وصلتها.
وقال سيبويه: وسألته عن قولهم: «هذا حق كما أنك هاهنا»، فزعم أن العامل في أن: الكاف، وما (لغو) إلا أنها لا تحذف كراهة أن يجيء لفظها كـ (لفظ) (كأن)، وزعم بعض النحويين أن (الكاف) قد تخرج عن التشبيه، ويحدث فيها معنى التعليل. قال ابن برهان في: «ويكأنه لا يفلح الكافرون»؛ أي أعجب، لأنه لا يفلح الكافرون، ومثل ذلك بعضهم بقوله تعالى: «ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة» وقال به ابن مالك، ومثل بقوله تعالى: «واذكروا كما هداكم». ونقل ذلك عن الأخفش
стр. 1711
في قوله تعالى: «كما أرسلنا فيكم رسولا» أي لما أرسلنا فيكم فاذكروني، وزعم الخليل: أن الكاف إذا لحقتها (ما) الكافة قد تجعلها العرب بمعنى (لعل) ويصير لها ما للفعل كما صيرت (ربما) للفعل، وجعل من ذلك قولهم: انتظرني كما آتيك قال: والمعنى لعلي آتيك. وجعل من ذلك قول الشاعر:
لا تشتم الناس كما لا تشتم
أي لعلك لا تشتم، وحكى سيبويه: كما أنه لا يعلم فتجاوز الله عنه أي أنه لا يعلم، وذهب الفراء إلى أن قولهم: «انتظرني كما آتيك»، و «لا تشتم الناس كما لا تشتم» الكاف فيهما للتشبيه، والكاف صفة لمصدر محذوف أي انتظرني انتظارًا صادقًا مثل إتياني لك؛ أي فلي بالانتظار كما أفي لك بالإتيان، وانته عن شتم الناس كـ «انتهائهم عن شتمك».
وفي النهاية: وقد كفوا الكاف (بما) كما كفوا (رب) فتليها الجملة الفعلية والاسمية تقول: زيد قاعد كما عمرو قاعد شبهت جملة بـ (جملة) بكونهما حاصلين في الوجود، وتقول: زيد قاعد كما أن عمرًا قائم، والمعنى قعود زيد لا محالة وقيام عمرو لا محالة، فالأولى فيها تشبيه جملة بجملة، وهذه توجب حصول الأمرين في الوجود، فهذا فرق ما بينهما، وتقول: زرني كما أزورك، فتحتمل (ما) أن تكون مصدرية «أي زرني كزيارتي إياك»، وأن تكون بمعنى لعل أي؛ لعلي أزورك.
وقال ابن مالك: ربما إذا حدث فيها معنى التعليل تنصب المضارع بها تشبيهًا بكي، وهذه مسألة تقدم الكلام فيها في نواصب المضارع، والمضارع جاء
стр. 1712
مرفوعًا في نحو قوله: كما لا تشتم، وقد تزاد (الكاف)، ولا ينقاس زيادتها، فقيل من زيادتها قوله تعالى: «ليس كمثله شيء» وقد تؤول، وفي قوله:
فصيروا مثل كـ (عصف) مأكول
وقوله:
وصاليات ككما يؤثفين
زيدت لتأكيد التشبيه، وقد زيدت خارجة عن معنى التشبيه في قوله:
لواحق الأقراب فيها كالمقق
المعنى فيها مقق أي طول، وحكى الفراء: أنه قيل لبعض العرب: كيف
стр. 1713
تصنعون الأقط؟ قال: كهين يريد هينا، ومن زيادتها قول بعضهم: كـ (مذ) أخذت في حديثك جوابًا لمن قيل له: مذكم لم تر فلانًا؟ تريد مذ أخذت، واختلفوا في المزيدة في (ككما يؤثفين) فقيل الثانية و (ما) مصدرية، وقيل الأولى والثانية اسم بمعنى (مثل) و (ما) موصولة أي مثل اللاتي يؤثفين، وضمير (يؤثفين) عاد على (ما) على المعنى.
(الواو)
تجر في القسم، وتدخل على كل مضارع ظاهر يحسن الحلف به، والواو أصل، وليست بدلاً من الباء في القسم، خلافًا لزاعمه، ولا يصرح بفعل القسم معها، خلافًا لابن كيسان، والواو تجر أيضًا بمعنى (رب) والجر بها نفسها عند الكوفيين، والمبرد، ومن وافقه، ولا يؤتي برب معها، والمشهور أن الجر بعدها هو بإضمار (رب) بعدها كما أضمرت بعد الفاء (وبل).
(التاء)
تجر في القسم، ولا تدخل إلا على اسم الله، وهي كثيرة في القرآن، وقالوا: أنها بدل من واو القسم، كما قالوا: تخمة وأصله: وخمة، وشذت في قولهم: ترب الكعبة، وتالرحمن وتحياتك.
(م) مثلثة الميم تدخل على اسم الله تعالى تقول: م الله لأفعلن وليست بدلاً من واو القسم، ولا أصلها من، ولا أصلها (أيمن) حذف منها حتى بقيت الميم خلافًا لزاعمي ذلك.
стр. 1714
همزة القطع
نحو: ألله لأفعلن، وهمزة الاستفهام نحو: ألله لأفعلن يذكران في باب القسم.
القسم الثاني: وهو الثنائي (من)، و (في)، و (عن)، و (مع) و (ها) و (كي). (من) ثنائية الوضع، لا ثلاثية، فأصلها (منا) حذفت منها الألف لكثرة الاستعمال، خلافًا للكسائي والفراء في دعواهما ذلك، ومن معانيها ابتداء الغاية في المكان نحو: خرجت من البصرة، ولا تكون لابتداء الغاية في الزمان عند البصريين، وقد كثر ذلك في كلام العرب نثرها ونظمها، وقال به الكوفيون والمبرد، وابن درستويه، وهو الصحيح، وتأويل ما كثر وجوده ليس بجيد.
وذهب ابن الطراوة إلى أنك إذا أردت الابتداء في الزمان والانتهاء في المكان، أتيت بـ (من) و (إلى) كما تكون في المكان، ولا بد من (من) إذا أردتهما، ولا يجوز ما أجازوه من: ما رأيته مذ يوم الجمعة إلى يوم الأحد ومثال دخولها لابتداء الغاية في غير المكان: قرأت من أول سورة البقرة إلى آخرها، وأعطيت الفقراء من درهم إلى دينار، وتقول: إذا كتبت كتابًا من فلان إلى فلان، وفي الحديث: «من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم».
فأما (من) بعد أفعل التفضيل، فذهب سيبويه إلى أنها لابتداء الغاية، ولا تخلو من التبعيض، وذهب المبرد، والأخفش الصغير إلى أنها لابتداء الغاية،
стр. 1715
ولا تفيد معنى التبعيض، وذهب ابن ولاد إلى أنها لا تكون بعد أفعل التفضيل لابتداء الغاية، وذهب سيبويه إلى أنها تكون غاية قال تقول: رأيته من ذلك الموضع تجعله غاية رؤيتك كما جعلته غاية حيث أردت الابتداء، يريد أن (من) دخلت على المحل الذي وقع فيه ابتداء الرؤية وانتهاؤها، ولذلك سماها غاية لما كان محيطًا بغاية الفعل، لأن الغاية هي مدى الشيء أي قدره، فيمكن أن يكون في: زيد أفضل من عمرو، كذلك أي ابتدأ التفضيل منه، وانتهى به، والتبعيض، ذهب الجمهور، والفارسي إلى أن (من) تكون للتبعيض نحو: أكلت من الرغيف، ويصلح مكانها بعض، وذهب المبرد، والأخفش الصغير، وابن السراج وطائفة من الحذاق، ومن أصحابنا السهيلي إلى أنها لا تكون للتبعيض، وإنما هي لابتداء الغاية، وأن سائر المعاني التي ذكروها راجع إلى هذا المعنى، وبيان الجنس، وكونها لهذا المعنى مشهور في كتب المعربين، ويخرجون عليه مواضع من القرآن، وقال به جماعة من القدماء، والمتأخرين منهم النحاس، وابن بابشاذ، وعبد الدائم القيرواني، وبان مضاء وأنكر ذلك أكثر أصحابنا، وانتهاء الغاية أثبت لها هذا
стр. 1716
المعنى الكوفيون، وتبعهم ابن مالك قال كقولهم: قربت منه فإنه مساوٍ لقولك: تقربت إليه، وقال الكوفيون: تقول العرب: شممت الريحان من الطريق، ورأيت الهلال من خلال السحاب، فـ (من) لابتداء الغاية، لأن الابتداء لم يكن من الطريق، ولا الرؤية من خلال السحاب، إنما ابتدأ من غيرهما، ويبين ذلك أنك تقول: شممت الريحان من داري من الطريق، ورأيت الهلال من داري من خلال السحاب، فـ (من) الأولى لابتداء الغاية، والثانية لانتهائها، وأنكر أصحابنا ورودها لهذا المعنى، وتأولوا ما استدلوا به، وذكر ابن مالك أنها تكون للتعليل نحو قوله تعالى: «يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق» و «من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل»، وأنها تكون للبدل كقوله تعالى: «أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة» و «لجعلنا منكم ملائكة»، وأنها تكون للمجاوزة ومنه قول العرب: حدثته من فلان أي: عن فلان، وللاستعلاء قال كقوله تعالى: «ونصرناه من القوم» أي: على القوم، قال: كذا قاله الأخفش قال: والأحسن أن يضمر الفعل أي معناه: منعناه بالنصر من القوم، وللفصل قال: وهي الداخلة على ثاني المتضادين نحو قوله تعالى: «والله يعلم المفسد من المصلح» وتدخل في المتباينين: لا نعرف زيدًا من عمرو،
стр. 1717
ولموافقة الباء قال نحو: قوله تعالى: «ينظرون من طرف خفي» قال يونس: أي بطرف خفي، وزعم الكوفيون، وتبعهم ابن مالك أنها تأتي لموافقة (في) وأنشد ابن مالك:
عسى سائل ذو حاجة إن منعته ... من اليوم سؤلاً أن ييسر في غد
أي في هذا اليوم، وهذا الذي ذكره ابن مالك من المعاني لم يذكره أصحابنا ويتأولون ما ظاهره ذلك، وزعم السيرافي، والأعلم، وابن طاهر، وابن خروف أن (من) إذا كان بعدها (ما) كانت بمعنى ربما، وزعموا أن سيبويه يشير إلى هذا المعنى في كلامه، وأنكر الأستاذ أبو علي وأصحابه ذلك، وردوه وتأولوا ما زعموه من ذلك.
وتنفرد (من) بجر ظروف لا تتصرف: كـ (قبل)، و (بعد)، و (عند)، و (لدي)، و (لدن)، و (مع)، و (عن)، و (على) اسمين مثال ذلك: «لله الأمر من قبل ومن بعد»، و (من) فيهما لابتداء الغاية، وزعم ابن مالك في شرحه للتسهيل أن من فيهما زائدة، وتقدمه إلى ادعاء زيادتها فيهما غيره من النحاة، ومن عند الله، ومن لديه، ومن لدنه، «هذا ذكر من معي» في قراءة من قرأ كذلك.
стр. 1718
. ... ... ... .... ... من عن يمين الحبيا نظرة قبل
غدت من عليه ... .... ... ... ... ... ... ...
و (عن) بعد دخول (من) بمعنى جانب، وعلى بمعنى (فوق) وهما اسمان حين دخول (من) عليهما عند البصريين، وزعم الفراء ومن وافقه من الكوفيين أن (عن) و (على) إذا دخل عليهما (من) باقيان على حرفيتهما لم ينتقلا إلى الاسمية.
стр. 1719
وزعموا أن (من) تدخل على حروف الجر كلها سوى (مذ) واللام، والباء و (في)، وتختص (من) في القسم بدخولها على الرب، ويجوز ضم ميمها في القسم فتقول: من ربي لأفعلن، وتأتي (من) زائدة، فعند الأخفش، والكسائي، وهشام يجوز أن تزاد في الواجب، وغير الواجب، وداخلة على المعرفة والنكرة، وعند بعض الكوفيين في الواجب وغير الواجب، ويشترط تنكير ما دخلت عليه، نحو ما رووا من قول العرب: قد كان من مطر، وقد كان من حديث فخل عني، وعند جمهور البصريين بشرط أن يكون ما قبلها غير واجب وما دخلت عليه أن يكون نكرة، وغير الواجب عندهم هو النفي، والنهي، والاستفهام، فأما النفي، فتزاد معه في سائر حروفه (لم)، و (لما) و (ما) و (لا) و (أن) و (لن) وذلك في المبتدأ نحو: ما من رجل قائم، ولا من رجل عندي، ولا امرأة، وفي الفاعل نحو: ما قام من رجل، ولم يقم من أحد، وفي اسم كان نحو: ما كان من زاد عندنا، وفي المفعول فيما يتعدى إلى واحد نحو: لم أضرب من أحد، وفي أول ظننت نحو: ما ظننت من أحد يفعل ذلك، وفي أول أعلمت نحو: ما أعلمت من أحد زيدًا مسافرًا، وفي ثاني أعطيت وفي أوله نحو: ما أعطيت من درهم أحدًا، وما أعطيت من أحد درهمًا، وفي ما لم يسم فاعله، نحو: ما ضرب من أحد، وأما النهي فنحو: لا يقم من أحد، ولا تضرب من أحد، ولا يضرب من
стр. 1720
أحد، وأما الاستفهام فليس عامًا في جميع أدواته، إنما يحفظ ذلك مع (هل) في جميع ما ورد في النفي نحو: هل في الدار من رجل، وقوله تعالى: «هل تحس منهم من أحد».
[وفي إلحاق الهمزة بـ (هل) في ذلك نظر، ولا أحفظه من لسان العرب] ولو قلت: كيف تضرب من رجل، أو كيف خرج من رجل، أو أين تضرب من رجل، أو متى يقوم من رجل لم يجز.
و (قلما) إذا كانت للنفي المحض جاز دخول من فتقول: قلما يأتيني من أحد في معنى: ما يأتيني من أحد، وتدخل مع المتسع فيه من ظرف، ومن مصدر، نحو: ما ضرب من ضرب شديد، وما سير من سير، وما صيم من يوم، وزعم بعض البصريين أنها تزاد في الشرط، بشرطها عند الجمهور من النكرة، تقول: إن زارني من رجل أكرمته، والصحيح المنع، وذهب لكذة الأصبهاني إلى أن (من) زائدة في قول الهذلي:
فما العمران من رجلي عدى ... وما العمران من رجلي فئام
وادعى أنه منحول، وليس من شعر الهذلي، ومن زائدة، ولا يقال: ما زيد من رجل الحرب، ولا ما الزيدان من رجلي الحرب، والصحيح أن (ما) في بيت الهذلي ليست بنافية، بل هي استفهامية على معنى التعظيم والتعجب، و (من) هي الداخلة على التمييز، فذلك نحو قول الشاعر:
يا سيدًا ما أنت من سيدٍ ... ... ... ... ....
следующие страницы →