Полный текст (2 437 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
على ظرفيته، فانتصب ظرفًا، وحقيقي وهو ما استعمل فاعلاً ومفعولاً ومبتدأ ومجرورًا كقوله تعالى: «هذا يوم لا ينطقون»، وقوله:
على حين عاتبت المشيب على الصبا ... ... ... ... ...
وفي البسيط: إن توسعت في الظرف لم تجز إضافته، لأنه اسم حينئذ والأسماء لا تضاف إلى الجمل. انتهى، وليس بصحيح، بل قد اتسع فيها، وأضيفت، ويجوز أن يضاف اسم الزمان إلى اسم زمان نحو: زرتك يوم إذ قدم زيد، وقد يقال بعد إذ، وقيل (إذ) بغير ما حملا على يومئذ، وساعتئذ، وإنما تذكر (ما) بعد (بعد) و (قبل) عند الإضافة إلى مذكور نحو:
стр. 1822
. ... ... ... بعدما ... أفنان رأسك كالثغام المخلس
وفي البسيط: لا يضاف إلى الزمان (أمس)، ولا (غد)، ولا معرفة، ولا مجاورة الأسماء كـ (مذ) إذا كانت اسمًا على رأي بعضهم، وأجاز سيبويه إضافتها إلى الجملة الاسمية فتقول: «ما رأيته مذ كان كذا» تريد: مدة كذا، ولا يبعد إضافتها إلى الجملة الاسمية، وهي فيه أولى فتقول: ما رأيته مذ يومان فيحذف الخبر، ولا يضاف، فأعمل فيه عامل ظاهر كـ (متى) في الشرط ولا المستمر كـ (أبدًا)، و (عوض) انتهى.
ويعني الاستمرار في الاستقبال، وشرط الجملة على ما دل عليه الاستقراء أن تكون خبرية مبتدأ مثبتة أو منسوخة الابتداء بـ (لا) التبرئة، أو (ما ولا) العاملتين عمل (ليس)، أو مصدرة بمتصرف ماضٍ أو مضارع أو بـ (لو) وهو قليل مثال ذلك:
... ... ... ... ... على حين التواصل غير دان
стр. 1823
وجئتك يوم لا حر ولا برد، وروى يوم لا حر ولا برد، والإضافة يوم لا حر ولا برد و:
... .... ... على حين ما هذا بحين تصابى
و:
... .... يوم لا ذو قرابة ... بمغنٍ ... ... ...
و:
على حين عاتبت ... ... ... ... ... ... ... ... ...
و:
أيوم لم يقدر
و «هذا يوم ينفع» و «يوم لا تملك» وهذا الظرف إن أضيف إلى جملة الابتداء فمذهب البصريين تحتم الإعراب، ومذهب الكوفيين جواز الإعراب والبناء.
стр. 1824
وإن أضيف إلى ماض جاز الإعراب والبناء، وإن أضيف إلى مضارع، فمذهب البصريين تحتم الإعراب، ومذهب الكوفيين جواز الإعراب والبناء، فإن كان المضارع عرض فيه البناء، بأن كان اتصل به نون الإناث، فيقتضي أن لا يكون فيه إلا البناء كالفعل الماضي، لأن اسم الزمان أضيف إلى مبني، ومن ذهب إلى أنه باق على إعرابه، وفرع على مذهب البصريين في المضارع، فلا يجوز عنده فيه إلا الإعراب وروى:
... ... .... ... على حين يستصبين كل حليم
ببناء (حين)، وهو مضاف إلى يستصبين، ومثال تصدير الجملة بـ (لو) قوله:
أيام لو يحتل وسط مفازة ... فاضت معاطشها بشرب سائح
ومما وقفنا عليه من أسماء الزمان المضاف إلى الجمل يوم، وأيام، وليلة، وليالي، وأزمان، وزمن، وعصر، وعشية، وغداة، وحين، وذكر الكسائي: أن العرب تختار التعريف إذا أضيف إلى يفعل، والبناء على الفتح إذا أضيف إلى غيرها من الجمل، ولا يجوز أن يعود من الجملة التي أضيفت إليها اسم الزمان ضمير على اسم الزمان.
قال ابن السراج: إن قلت: أعجبني يوم قمت فيه، امتنعت الإضافة؛
стр. 1825
لأن الجملة صفة، ولا يضاف موصوف إلى صفته، وقال الكوفيون: إن كان الضمير قبل تمام الجملة لم يجز أن يضاف إليها، نحو قوله تعالى: «واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله»، أو آخر الجملة جاز أن يكون مضافة، وأن تكون صفة على حسب ما يقدر، فإن عمل في الظرف الكلام، فالجملة صفة، وإن قدرته من كلام آخر كانت مضافًا إليها، لخلوها من الضمير، ومثال ما جاء فيه الضمير قوله:
وتسخن ليلة لا يستطيع ... نباحًا بها الكلب إلا هريرا
وقول الآخر:
مضت سنة لعام ولدت فيه ... وعشر بعد ذاك وحجتان
وقد تؤول هذا البيت، وأما قولك: أتيتك ليلة حرت، وأتيتك ليلة بردت؛ فإن جعلت الفعل لليلة نويت، أو للريح أضفت، وعلى هذا لا يجوز توكيد اليوم لعود العائد لا تقول: يوم قمت كله، ولا بعضه، ولا نفسه ولا أجمع، ولا يجوز أيضًا أن تتبعه لا تقول: يوم قمت البارد ولا باردا، إلا أن يكون على كلامين وهو قبيح، وهذه مسائل من هذا الفصل: لا يجوز إضافة الليل والنهار، والصباح والمساء، وأجروا السنة مجرى العام في إجازة الإضافة إلى الجمل.
стр. 1826
ولو جمعت السنة فقلت: السنين لم يجز أن تقول: قد عشنا سنىّ قحط الناس، ولا يقال: غدوة قام، ولا بكرة قام زيد وسحر، وأجاز الكسائي وقت يقوم، وخطة يقوم، وشرع يقوم، وتقول: أتيتك يوم لا زيد قائم، ولا عمرًا ضربت، ولا يجوز أن تضيف شيئا منها إلى إن وأخواتها سوى كأن فتقول: أتيتك كأنك أسد.
وأما (إن) فقال بعضهم: القياس أن تعربه، فتقول: هذا يوم إنك سائر، ولم أسمعه من العرب، ولا روى لي مضافًا، ولكنه قياس، وأما (الجزاء) فإنه يجوز فيه على خلاف الأصل فتقول: أزمان من يأتك تأته، وتقول: أتيك أزمان قام، ولا تقول: أحيان قام زيد، ولم يقولوا أحيان ذلك وقالوا: أزمان ذلك وما أضيف من هذه لا يكون مفسرًا لعدد، ولا يقع عليه (رب) فلا تقول: لك عشرون يوم قام عبد الله، ولا رب يوم قام عبد الله.
ويجوز أن تقول: أتيتك حين يوم قام زيد لاختلاف اللفظين، ويجوز خفضهما في حين يوم قام زيد، ولم أره مذ يوم قام زيد، ومذ يوم حين قام زيد، تنصبهما كأنهما واحد، وإضافة الثاني إلى الأول أحب إذا اختلف لفظهما من نصبهما جميعًا، وكذا أزمان حين قام زيد، إلا قولهم: أتيتك ليلة يوم قام زيد، لأن لليوم ليلة فمعناها مخالف لقولك: حين يوم قام.
وأما قولك: أتيتك يوم ليلة قام عبد الله، فهو شبيه بحين يوم قام، وتقول لقيته مذ يوم تعلم، وتقول: اليوم يوم يخرج زيد، برفعهما الأول: مبتدأ، والثاني خبره، وبنصب اليوم على أن اليوم خبر، وفتح (يوم) يخرج مبتدأ على مذهب من يجيز بناءه إذا أُضيف إلى المضارع.
وإن عطفت على الاسم المضاف إلى غير المحض اسمًا مثله جرى مجراه إن نصبًا فنصبًا، وإن خفضًا فخفضا نحو: أعجبني يوم قام عبد الله، ويوم قام زيد،
стр. 1827
ولك أن تخالف بينهما رفعًا ونصبًا، فإن اختلفا في الإضافة، وكان الأول غير محض نحو: هذا يوم قام زيد، ويوم قيام بكر، كان الأول على ما كان، والثاني على التقريب، فإن عكست كان في الثاني ما كان فيه، وأعربت الأول نحو: مذ يوم الفطر، ويوم صام الناس، ومقتضى مذهب سيبويه أن الظرف إذا كان بعده جملة، وكانت ماضية كانت اسمية أو فعلية، إذ جرت مجرى (إذ) «وإذ تليها الجملتان، وإذا كانت مستقبلة كانت الجملة فعلية، إذ جرت مجرى إذا»، وإذا لا تليها الجملة الفعلية.
وذهب أبو الحسن إلى جواز الاسمية والفعلية، إذا كانت الجملة مستقبلة، ومما ظاهره الاستقبال، وجاءت اسمية نحو قوله تعالى: «لينذر يوم التلاق يوم هم بارزون» والظاهر أن هذه الإضافة في هذا الباب تفيد التعريف، وفي البسيط: قد يقال لا تفيده، لأن الجمل نكرات، وقد يقال: إن الجمل مقدرة تقدير المصدر فتفيده، وقد أضيف إلى الجمل ألفاظ غير أسماء الزمان منها (آية) بمعنى علامة، ومذهب سيبويه أنه يجوز إضافتها إلى الفعل كما قال:
بآية تقدمون الخيل شعثًا ... ... ... ... ... ...
стр. 1828
وقوله:
بآية ما قالت ... ... ... ... ... ... ... ...
وذهب ابن جني أن ذلك على حذف (ما) المصدرية، وليست إضافة إلى الفعل كما جاء:
... ... ... ... .... ... بآية ما يحبون الطعاما
أي بآية حبهم، ومذهب سيبويه: أن إضافة (آية) إلى الفعل يطرد في الكلام وفي الشعر، ومذهب المبرد أن ذلك لا يطرد، وقال ابن مالك: تضاف إلى الفعل المتصرف مجردًا أو مقرونًا بـ (ما) المصدرية، وبما النافية نحو قوله:
стр. 1829
ألكنى إلى قومي السلام رسالة ... بآية ما كانوا ضعافًا ولا عزلا
وقال أبو ذؤيب:
بآية ما وقفت والريكا ... ب بين الحجون وبين السرر
أي بآية وقوفها، وجاء أيضًا إضافتها إلى الجملة الاسمية أنشد الفراء:
بآية الخال منها عند برقعها ... وقول ركبتها قض حين تثنيها
ولم يصرحوا قط بالمصدر، ولم يقولوا: بآية محبتكم، ومنها (لدن) نحو قوله:
لزمنا لدن سألتمونا وفاقكم ... ... ... ... ...
وقد فصل بين (لدن)، والفعل بأن في قوله:
وليت فلم تقطع لدن أن وليتنا ... ... ... ... ... ...
كما فصل بين حين والفعل بـ (أن) في قوله:
... ... ... .... ... على حين أن نالوا ... ...
وفي البديع: المعروف في (لدن) أن تضاف إلى المفرد، ومن زعم أنها تضاف إلى الجملة، فإنما استدل بقول الشاعر:
стр. 1830
وإن لكيزًا لم تكن رب عكة ... لدن صرحت حجاجهم فتفرقوا
ومنها (ريث) نحو قوله:
لا يزجر الرأي إلا ريث يبعثه ... ولا يشارك في آرائه أحدا
وقد تجيء بعدها (ما) زائدة أو مصدرية نحو قوله:
بمحياه حين يلقي ينال الس ... ؤال راجيه ريث ما يقضى
وريث مصدر راث يريث إذا أبطأ، وقال ابن أصبغ: أجاز أبو علي: إضافة المصدر إلى الفعل على حد إضافة أسماء الزمان إليه، ومنعه غيره، وفي كتاب الصفار للبطليوسي: المصدر إذا استعمل في معنى الزمان جاز أن يضاف إلى الفعل تقول: أتيتك ريث قام أي قدر بطء قيام زيد، لما كانت تخرج إلى الظرف من الزمان جاز فيها ما جاز في الزمان، وكذلك ما كان بهذه المنزلة، ومنها (ذو)، وتليها تسلم مضارع سالم للمخاطب تقول: اذهب بذي تسلم، واذهبي بذي تسلمين، واذهبا بذي تسلمان، واذهبوا بذي تسلمون، واذهبن بذي تسلمن، وفي (ذي) هذه قولان:
أحدهما: أنها موصولة على لغة طيئ، وأعربت في لغة بعضهم و (تسلم) صلة لذي، والمعنى اذهب في الوقت الذي تسلم فيه ثم اتسع، فحذف الجار، فصار تسلم ثم حذف الضمير، فلا إضافة في (ذي) ولا شذوذ، وإلى نحو هذا ذهب ابن الطراوة، وذهب الجمهور إلى أن (ذي) بمعنى صاحب، وهو
стр. 1831
مضاف إلى تسلم، والمعنى اذهب في وقت ذي سلامة، وحكى ابن السكيت القسم به قالوا: ولا بذي تسلم بما كان كذا، وفي البسيط: قيل التقدير: لا أفعل بحق سلامتك ومعناه القسم، وقيل المعنى: لا أفعل هذا مقترنًا بوقت ذي سلامة، فتكون (ذو) صفة لوقت، وقيل هو صفة لوقت المعنى: افعل متبركًا بما تسلم فيه والمعنى متبركًا بك.
وعلى هذه الأقوال لا تكون الباء ظرفية وقالوا: لا تفعل بذي تسلم، وكذا باقي الخطاب، وقالوا في الإثبات افعل، وأجاز قوم بناء ما أضيف إلى مبني، وذكروا ذلك في (غير)، و (بين)، و (دون)، و (مثل)، وتأول آخرون ما ادعوا من ذلك على أن الحركة فيها حركة إعراب لا حركة بناء، ويجوز حذف المضاف إذا كان الكلام مشعرًا به، فإن لم يكن مشعرًا به لم يجز حذفه إلا في ضرورة كقوله:
... ... ... .... ... قضى نحبه في ملتقى القوم هوبر
يريد: ابن هوبر، وإنما عرف هذا من غير البيت، وإذا حذف فله اعتباران:
أحدهما: وهو الأكثر في لسان العرب أن تجرى الأحكام على لفظ ما قام مقامه كقوله تعالى: «وسئل القرية التي كنا فيها» ويريد: أهل القرية، وأعاد الضمير على لفظ القرية.
والآخر: أن تجرى عليه الأحكام على المحذوف، فيراعى ما يعود عليه ومنه قوله
стр. 1832
تعالى: «أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج» تقديره: أو كذي ظلمات، فأعاد الضمير في يغشاه على المحذوف لا ما قام مقامه، ومما جاء فيه مراعاة الأمرين قوله تعالى: «وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا أو هم قائلون» تقديره: وكم من أهل قرية، فأعاد الضمير في أهلكناها، فجاءها على لفظ قرية، وأعاد الضمير في أوهم قائلون على أهل المحذوف، وإذا لم يستبد القائم مقام المحذوف بالنسبة في الحكم كان الحذف مقيسًا، نحو: «واسأل القرية» وإن استبد بنسبة الحكم إليه كان الحذف غير مقيس كقوله:
لا تلمني عتيق حسبي الذي بي ... ... ... ...
يريد: لا تلمني ابن أبي عتيق، وأجاز أبو الفتح: جلست زيدًا، على تقدير: جلوس زيد، وهذا مما لا ينبغي أن يجوز؛ إذ لا يتعين حذف جلوس لاحتمال إلى زيد، وأجاز الخليل أن تخلف المعرفة ما حذف من منكر إذا كان مثلاً نحو قوله: له صوت صوت حمار، فأعرب صوت الحمار صفة لصوت، و (صوت) نكرة وصوت الحمار معرفة، لكنه حذف مثل وروعى، وقال سيبويه: وهذا قبيح ضعيف، وفرع ابن مالك على مذهب الخليل فقال: وقد يخلفه في التنكير إن كان المضاف مثلاً مثاله: مررت برجل زهير شعرًا، وهذا زيد زهيرًا شعرًا تنعت
стр. 1833
بـ (زهير) وتنصبه حالا، لأن الأصل مثل زهير، ومثل زهير فحذف ونوى، وإن كان بلفظ المعرفة، ومنه تفرقوا أيادي سبا أي مثل أيادي سبا انتهى.
ومنع ذلك سيبويه قال في مسألة: «له صوت حمار، وله خوار خوار ثور» وإن كان معرفة لم يجز أن يكون صفة لنكرة كما لا يكون حالاً، انتهى.
وإذا كان المحذوف المضاف مؤنثًا، وكان مضافًا إلى مذكر، أو مذكرًا، وكان مضافًا إلى مؤنث، فيجوز اعتبار التذكير والتأنيث مثال ذلك: فقئ زيد وفقئت زيد، على مراعاة فقئت عين زيد، وجدعت هند، وجدع هند، على مراعاة جدع أنف هند، وقد يحذف اثنان متضايفان، ويستغنى بالثالث عنهما كقوله تعالى: «تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت» أي كدوران عين الذي يغشى، وقد يحذف ثلاثة متضايفات، وصفة، ويستغنى بالرابع نحو قوله:
ولا الحجاج عيني بنت ماء ... ... ... ... ... ...
يريد: ولا الحجاج صاحب عين مثل عيني بنت ماء، وقد يقام مقام محذوف مضاف إلى محذوف قائم مقامه رابع نحو قوله: (المتقارب)
أبيتن إلا اصطياد القلوب ... بأعين وجرة حينًا فحينا
التقدير: بمثل أعين ظباء وجرة، وقد يستغنى بمضاف إلى مضاف إلى مضاف
стр. 1834
إلى رابع عن الثاني والثالث مثاله قوله تعالى: «من أثر الرسول» أي من أثر حافر فرس الرسول، ويجوز الجر بالمضاف محذوفًا إثر عاطف متصل مسبوق بمضاف مثل المحذوف لفظًا ومعنى نحو: «ما كل سوداء تمرة، ولا بيضاء شحمة»، وما مثل أبيك وأخيك يقولون ذلك التقدير: ولا كل بيضاء، ومثل أخيك، أو منفصل بلا نحو قوله:
لم أر مثل الخير يتركه الفتى ... ولا الشر يأتيه الفتى وهو طائع
أي ولا مثل الشر قاله ابن مالك، وقال ابن عصفور: وقد [لا] يعرب المضاف إليه بعد الحذف بإعراب المضاف، وذلك إذا تقدم في اللفظ ذكر المحذوف نحو قولهم: «ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة»، فلم يشترط ابن عصفور العطف لا متصلاً، لا منفصلاً بلا، وليس هذا الحذف في هذا النوع مشروط بتقدم نفي، أو استفهام خلافًا لمن شرط ذلك، ومما جاء غير مشروط فيه ذلك قوله:
كل مثر في أهله ظاهر العز ... وذي غربة وفقير مهين
أي وكل ذي غربة قالوا: والجر في كل هذا مقيس، وربما جر دون عطف، حكى الكسائي عن العرب: «أطعمونا لحمًا سمينًا شاة ذبحوها»، وحكى
стр. 1835
الفراء عن العرب: «والله لو تعلمون العلم الكبيرة سنه الدقيق عظمه» يريد: لحم شاة وعلم الكبيرة سنه، وجاء في الشعر مثل هذا النثر قال:
الآكل المال اليتيم بطرا ... يأكل نارًا وسيصلى سقرا
وأجاز الكوفيون القياس على هذا، فأجازوا: يعجبني ضرب زيد أي: ضرب زيد، وقالوا: قالت العرب: «يعجبني الإكرام عندك سعد بنيه» (أي): إكرام سعد بنيه، ولم يجز البصريون ما أجازه الكوفيون من ذلك، بل حملوه على الشذوذ إن صح نقله، وقالت العرب: «رأيت التميمي تيم عدي وتيم قريش، ورأيت العبدي عبد مناف، بالنصب والخفض في كل قبيلة يكون فيها اشتراك، فقال أبو علي: كأنه قال: صاحب تيم عدي دل ذكر التميمي على ذكر صاحب، فأضمر للدلالة، وقال السيرافي: الخفض على إضمار (من) التقدير: من تيم عدي، ودل على (من) معنى النسب، لأنك إذا قلت: زيد تميمي، فكأنك قلت: من تميم، وقال أبو عبد الله محمد بن مسعود المعروف بابن أبي ركب: هو على إضمار مضاف تقديره (من) لفظ الأول أي تيمي عدي كأنهم استقبحوا تكرير الأول، فأغنى الأول عن الثاني».
وذهب الكوفيون إلى أن ياء النسب جر، ولذلك خفض عندهم تيم عدي، فـ (تيم) عندهم بدل من الياء، وهذه المسألة ليست مسطورة في شيء من كتب أصحابنا، وإنما هي مسطورة في كتب الكوفيين، وخرجها «أبو بكر بن الخياط، وابن شقير» بالنصب على إضمار أعني، ولا مانع من الرفع على إضمار (هو).
стр. 1836
قال ابن مالك: الجر على تقدير: أحد تيم عنده، حكاه الفارسي انتهى.
وقال أبو القاسم الزجاجي في المسائل الطبرية: يختار الكوفيون فيه الخفض على معنى زيد من سعد ثم تقول: سعد بكر على الترجمة، وليس يمتنعون من إجازة نصبه، فأما أصحابنا البصريون فلا يجيزون خفض هذا ألبتة. انتهى.
وأنشد الكوفيون:
إذا نزل الأزدي أزد شنوءة ... بأرض صعيد طاب منها صعيدها
بخفض (أزد شنوءة)، وقال السيرافي: ومن نصب أضمر أعنى وفيه قلق والرفع أقلق، قال: ولا يكون بدلاً، لأنه أعم من الأول وعلى قول (ابن أبي ركب) يكون بدلاً على حذف مضاف أي تيمي تيم عدي، وهذا نظير قوله:
رحم الله أعظما دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات
أي أعظم طلحة الطلحات، ومن الحذف قراءة ابن جماز «والله يريد الآخرة» بخفض الآخرة، قدره ابن
стр. 1837
مالك عرض الآخرة، والمضاف إليه يتنزل من المضاف منزلة التنوين، وهو من تمامه فالقياس يقتضي أن لا يجوز الفصل بينهما إلا على سبيل الضرورة إلا ما وقع فيه الفصل بين [المصدر وفاعله المجرور بالمفعول فيأتي فيه الخلاف، وفي الإفصاح: الفصل بالظرف بين] المضاف والمضاف إليه، قال سيبويه: لم يسمع إلا في الشعر، وأجازه يونس في الكلام في الظروف غير المستقبلة. انتهى.
فمتى جاء الفصل بالظرف والمجرور، فعند ابن مالك إن كان الظرف والمجرور متعلقين بالمضاف، فلا يختص عنده إلا بالضرورة قوى كقوله:
... ... ... ... ... ... كناحت يومًا صخرة بعسيل
وقول الآخر:
لأنت معتاد في الهيجا مصابرة ... ... ... ... ... ....
стр. 1838
قال: فهذا جائز في الاختيار، وإن لم يتعلقا به، فالفصل ضعيف نحو:
تسقى امتياحًا ندى المسواك ريقتها ... ... ... ... ... ...
و:
... ... ... ... بكف يوما ... يهودي ... ... ... ...
و:
هما أخوا في الحرب من لا أخا له ... ... ... ... ...
стр. 1839
وجاء الفصل بينهما بفاعل نحو:
... ... ... ... ولا نرعوى عن نقض أهواؤنا العزم
وبنداء نحو:
وفاق كعب بجير ... ... ... ... ... ... ...
وبنعت نحو:
... ... ... ... ... من ابن أبي شيخ الأباطح طالب
وبفعل ملغي نحو قوله:
стр. 1840
بأي تراهم الأرضين حلوا ... ... ... ... ...
وبالمفعول من أجله:
معاود جرأة وقت الهوادي ... ... ... ... ...
فالتقدير فيما مثلناه كـ (ناحت صخرة)، ومعتاد مصابرة، وندى ريقتها، وبكف يهودي، ونقض العزم أهواؤنا، ووفاق بجير، ومن ابن أبي طالب، وبأي الأرضين، ومعاود وقت، وقد جاء الفصل بينهما بالقسم في النثر، حكى الكسائي: «هذا غلام والله زيد»، وحكى أبو عبيدة عن العرب: «الشاة لتجتر فتسمع صوت والله ربها»، يريد: هذا غلام زيد والله، وتسمع صوت ربها والله، وأما الفصل بالمفعول بين المصدر والمخفوض كقراءة ابن عامر:
стр. 1841
«قتل أولادهم شركاؤهم» فقد جاءت نظائره في أشعار العرب، والصحيح جوازه، وإن كان أكثر النحاة يخصونه بالشعر.
وفي النهاية: أجاز الكوفيون الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف، وحرف الجر في الشعر، وفي الكلام ومنه قراءة ابن عامر، وسلك المتنبي هذه الطريقة فقال:
حملت إليه من لساني حديقة ... شفاها الحجا سقى الرياض السحائب
стр. 1842
فصل
المضاف إلى ياء المتكلم ليس مثنى، ولا مجموعًا على حد المثنى فيه أربعة مذاهب:
أحدها: مذهب الجمهور أنه معرب في الأحوال الثلاثة مقدر فيه الحركات الإعرابية لشغل آخره بالحركة التي تقتضيها ياء المتكلم.
الثاني: مذهب الجرجاني، وابن الخشاب، والمطرزي، وظاهر كلام الزمخشري أنه مبني.
الثالث: مذهب ابن جني أنه لا معرب، ولا مبني، إذ الاسم لا ينحصر عنده في معرب ولا مبني، بل له حالة ثالثة مثل هذا.
الرابع: ما ذهب إليه ابن مالك من أنه ظاهر الحركة الإعرابية حالة الجر مقدرة فيه حالة الرفع والنصب، ولا أعرف له سلفًا في هذا المذهب، ويقول في المثنى: قام غلاماي، ورأيت غلامي، ومررت بغلامي، والخلاف الذي في إعراب المثنى جار فيه إذا أضيف إلى الياء، وتقدم ذكر ذلك.
وتقول في الجمع الذي على حد التثنية هؤلاء ضاربي، ورأيت ضاربي، ومررت بضاربي اللفظ واحد، والخلاف فيه مضافًا إلى الياء كالخلاف مضافًا إلى غير الياء، وتقدم ذكر ذلك.
стр. 1843
وزعم أبو عمرو بن الحاجب، وتبعه ابن مالك أن هذا الجمع حالة الرفع إعرابه بالحرف المقدر، وكما أن الحركة تقدر كذلك الحرف يقدر، وقد بينا في الشرح للتسهيل أن هذا لا تحقيق فيه، وهذه الياء في (ضاربي)، وشبهه مفتوحة كقوله:
أودى بني وأودعوني حسرة ... ... ... ... ...
وفي الحديث: «أو مخرجي هم» وقراءة حمزة: «بمصرخي» بكسر الياء أجازها أبو عمرو بن العلاء، والفراء، وقطرب، وهي لغة بني يربوع، وقال الفراء: قرأ بها الأعمش، ويحيى بن وثاب قال: وزعم القاسم بن معن أنها صواب، وكان ثقة بصيرًا. انتهى.
стр. 1844
وقد رد هذه القراءة على حمزة جعفر الصادق، وقال أخالفك فيها، والفتح قراءة علي بن أبي طالب، وخير (حمزة) في (بمصرخي) بين الفتح والكسر بعد أن أراد أن يتركها.
وقال الكسائي كان نصير النحوي يحمل قراءة حمزة على اللحن، وكان أهل النحو يحسبونه من حمزة غلطًا.
وإذا أضفت المنقوص قلت: قاضي كما تقول: في جمع قاضون إذا أضيفت إلى الياء قاضي، وإذا أضفت المقصور قلت: عصاي في الأحوال الثلاثة والياء مفتوحة، وقد تكسر نحو: عصاي وتسكينها بعد ألف كقراءة نافع «ومحياي» في الوصل من إجراء الوصل مجرى الوقف، وإقرار ألف المقصور حالة الإضافة إلى الياء لغة أكثر العرب، وقد ذكر قبلها (ياء)، وإدغامها في الياء سيبويه عن ناس من العرب لم يعينهم، وحكاها عيسى بن عمر عن قريش، وهي في شعر أبي الأسود الدؤلي، والمنخل اليشكري.
стр. 1845
وعينها صاحب التمهيد، وابن مالك لهذيل، ولا يتحتم ذلك عندهم، بل يجيزون القلب والإقرار الذي عليه أكثر العرب، وهذا القلب لا يختص بحالة النصب، والجر، بل يجوز في حالة الرفع، ومن دعاء بعض العرب: يا سيدي ومولى، وقرئ «يا بشرى هذا غلام» وهدى، وعصى، ومحيى، ومثوى، وروى؛ فإن كانت الألف للتثنية لم تقلب حالة الرفع، فأما في لغة من استعمل المثنى بالألف رفعًا ونصبًا وجرًا، فيحتاج في جواز قلبها على هذه اللغة إلى سماع.
وأما (لدى) و (على)، و (إلى)، فأكثر العرب يقلب ألفها وتدغم فتقول: لدي، وعلي، وإلي، وبعضهم لا يقلب فيقول (لداى، وعلاى، وإلاى).
وإذا أضيفت إلى الياء غير مثنى، ولا مجموع على حده، ولا منقوص ولا مقصور نحو غلامي، وغلماني، وهنداتي، وظبيي، وغزوي، وولي، وعدوي، جاز فتح الياء وإسكانها، فقيل الأصل الفتح، وقيل الأصل: الإسكان وحذف الياء في مثل هذه قليل ومنه «فبشر عباد الذين» فيمن حذفها وصلا ووقفًا، وربما قلبت الياء ألفًا والكسرة قبلها فتحة نحو قوله:
... ... ... ... ... إلى وأما ويرويني النقيع
стр. 1846
يريد إلى أمي، فأجازه بعضهم، وفي النهاية: أجاز المازني في غير النداء إبدال ياء المتكلم ألفًا، فأجاز: قام غلاما ورأيت غلامًا ومررت بغلامًا يريد: غلامي حكاه ابن السراج في الأصول انتهى.
وقال ابن عصفور: وهذا في الضرورة: وربما استغنى بالفتحة عن الألف فتقول: جاء غلام، تريد: غلامًا أي غلامي، وأما (الضم) نحو: جاء غلام، وأنت تريد الإضافة، فأجازه أبو عمرو وغيره على قلة واستدلوا بقوله:
... ... ... ... ... ... ... .... وإنما أهلكت مال
يريد: مالي، ورده أبو زيد الأنصاري، وتأول ما استدل به أبو عمرو، وأما في النداء، فأطلق النحاة فيه خمسة أوجه: فتح الياء: يا غلامي، وإسكانها نحو
стр. 1847
يا غلامي، وقلب الياء ألفًا نحو: يا غلاما، وحذف الياء والاجتراء بالكسرة عن الياء نحو: يا غلام، وحذفها وضم ما قبلها نحو: يا غلام تريد: يا غلامي، وقرئ: «قل: رب احكم» بضم الياء بعد حذف ياء المتكلم يريد: يا ربي حذف حرف النداء وياء المتكلم.
وأجاز الأخفش: والمازني، والفارسي، حذف الألف المنقلبة عن الياء والاجتراء بالفتحة عنها فتقول: يا غلام تريد: يا غلاما، وقاسوا ذلك، ومنعه الأكثرون، وتختلف رتبة هذه الأوجه في الفصاحة، فأفصحها: يا غلام ثم يا غلاما ثم يا غلامي ويا غلامي، وأقلها: يا غلام.
وقال الأستاذ أبو علي: وهذا إذا لم يلبس يعني بالمنادي المقبل عليه، وقال ابن هشام اللخمي: يا غلام أقبل لا يجوز على مذهب الجماعة، إنما أجاز سيبويه الضم، فيما يزاد فيه الإضافة فيما كثر حتى إذا صممته علم أن المراد فيه الإضافة، وقال خطاب الماردي: والخامسة قليلة رديئة وهي: يا غلام بحذف الياء وبضم الميم، وأنت تريد: يا غلامي، وهذا قبيح، لأنه يلتبس المضاف بغيره، كقولك: يا غلام، إذا أردت يا أيها الغلام، وهذه لغة ذكرها أبو القاسم الزجاجي في كتابه، ولم ينص عليها بالضم، ولكن بعض شيوخنا كان يرويه بالضم، وذلك لا يصح، والصواب: يا غلام بالفتح، فحذف الألف المنقلبة عن الياء، كما حذف الياء في يا غلامي، وهي قليلة. لأن الألف خفيفة والياء ثقيلة، فجاز حذف الياء، وقبح حذف الألف انتهى.
стр. 1848
وقال ابن مالك في نحو: يا مكرمي مرادًا به الحال أو الاستقبال إضافته إضافة تخفيف، والياء في نية الانفصال فلا تحذف، ولا تقلب، ولاحظ لها في غير الفتح أو السكون، وهذا تقييد لما أطلقه النحويون، وإطلاقهم يقتضي جواز الحذف والاجتراء بالكسرة، والقلب إلى الألف، والحذف والبناء على الضم.
وفي المجالس لثعلب يا غلام أقبل تسقط الياء منه، ويا ضاربي أقبل لا تسقط الياء منه، وذلك فرق بين الاسم والفعل. انتهى.
وفي النهاية: من قال: يا غلام بضم الميم إنما يفعلون ذلك في الأسماء التي تغلب عليها الإضافة كقولك: يا رب ويا قوم، لأن هذا يضيفونه كثيرًا، كقوله تعالى: «ربنا أخرجنا» و «يا قومنا أجيبوا داعي الله»، فلما كانوا يضيفونه جعلوه معروفًا بالقصد، فبنوه على الضم، وهذه الضمة كهي في يا رجل إذا قصدت رجلاً بعينه، وقال أيضًا: اسم الفاعل المتعدي المضاف إلى ياء المتكلم إن كان ماضيًا، فإضافته محضة، فتجرى ياؤه مجرى يا غلامي في النداء فيجوز: يا ضارب في النداء، وإن كان حالاً أو مستقبلاً فلا يجوز حذف الياء في النداء، لأن الإضافة في نية الانفصال، فصارت الياء في التقدير اسمًا مستقبلاً فلا يجوز حذفها، وإذا أضفت ابنما وفمًا على لغة من أتبع حركة النون لحركة الميم وحركة الفاء لحركة الميم كسرت ما قبل الميم فتقول: جاء ابنمي ووضعته في فمي، ومن أجري غير ماض مجرى الصحيح، فقال غير ماض إلى أضاف إلى الياء لا تقول: ماضى، بل تقول: ماضي.
وإذا أضفت ما رفع وفيه الواو، ونصب وفيه الألف، وجرو فيه الياء إلى الياء فكحاله إذا أفردت عن الإضافة فتقول: أبي وأخي وحمي وهني، ومن أضاف ذو
стр. 1849
إلى الضمير فقياسه: ذي ويكون أصله: ذوى، وقالوا في فوك: في في الأحوال الثلاثة، ومن أثبت الميم فجعلها حرف الإعراب، أو جعله مقصورًا أضاف كنظيره فتقول: فمي بالتخفيف، وفمي بتشديد الميم، أو فماى، وقول من زعم أن ثبوت الميم مع الإضافة لا يجوز إلا في ضرورة الشعر ليس بصحيح، وأجاز الكوفيون أبي في (أبي) يبقون الواو ويدغمونها في ياء الإضافة، فتصير (أبي)، ولا يجيز ذلك البصريون إلا في الشعر، وقد تبع الكوفيون المبرد، وابن مالك، وزادا إجازة أخي في (أخي) قال ابن مالك ولم أجد شاهدًا على أخي لكن أجيزه قياسًا على أبي كما أجازه المبرد انتهى، وقد جمع أخ وأب بالواو والنون فإذا أضفت إلى الياء قلت: أبي وأخي.
стр. 1850
باب المجزوم
أدوات الجزم حروف وأسماء، فمن الحروف، لام الطلب، وتشمل الأمر، والدعاء نحو قوله تعالى: «لينفق ذو سعة من سعه» و «ليقض علينا ربك» وأكثر النحاة يعبر عنها بلام الأمر، وحركتها الكسر، وفتحها عن الفراء لغة سليم، وعنه أيضًا تفتح بفتحة الفاء بعدها، فعلى هذا قيل: إن انكسر ما بعدها نحو: لتئذن، أو انضم نحو: لتكرم زيدًا، فلا تفتح، بل تكسر، وعنه أيضًا ما نص عليه في سورة النساء وهو قوله: وبنو سليم يفتحون اللام إذا استؤنفت فيقولون: ليقم زيد يجعلون اللام منصوبة في كل جهة كما نصبت تميم لام (كي)، إذ قالوا: جئت لآخذ حقي، يريد أنهم لا يفتحون إلا إذا لم يكن قبلها واو، أو فاء، أو ثم، ويجوز تسكينها مع ثلاثتها، وليس بضعيف، ولا قليل مع ثم، خلافًا لمن زعم ذلك، بل الأكثر التسكين مع الواو والفاء، وقال خطاب الماردي: إسكانها مع ثم في ضرورة الشعر، ولا يجوز في الكلام، وإن كان حمزة قد قرأ «ثم ليقطع» بسكون اللام؛ لأنه لم يكن له علم بالعربية انتهى.
وإذا أُسند الفعل إلى غير الفاعل المخاطب لزمت اللام نحو: ليقم زيد وليضرب خالد، ولتفن بحاجتي، ولأغن بها، وقال تعالى: «ولنحمل خطياكم» وفي الحديث «قوموا فلأصل لكم» وقال الشاعر:
стр. 1851
وجدت أمن الناس قيس بن عثعث ... فإياه فيما نالني فلأحمد
ودخولها على فعل المتكلم مفردًا، أو مشاركًا فيه قليل، والصحيح أنه لا يجوز حذف لام الأمر إلا في الشعر خلافًا، للمبرد، إذ منع ذلك أيضًا في الشعر وخلافًا للكسائي، إذ أجاز حذفها بعد الأمر بالقول كقوله تعالى: «قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة» أي ليقيموا الصلاة، وخلافًا لمن أجاز ذلك بعد قول غير أمر نحو: قلت لزيد يضرب عمرًا، أي ليضرب، فإذا كان مسندًا للفاعل المخاطب فلغتان: إحداهما قالوا: رديئة قليلة وهي إقرار تاء الخطاب واللام نحو: لتقم.
وزعم الزجاجي: أنها لغة جيدة، والثانية وهي اللغة الجيدة الفصيحة أن يكون عاريًا من حرف المضارعة، واللام، فإن كان ما بعد حروف المضارعة متحركًا أقر على حركته نحو: دحرج، وبع، وقم، وعد، وهب، وإن كان ساكنًا، وماضيه على وزن أفعل، فالأمر منه أفعل بقطع الهمزة، أو على غير وزنه اجتلبت له همزة الوصل مكسورة في غير الثلاثي، وفي الثلاثي الذي ثانيه مكسور أو مفتوح نحو: انطلق، واضرب، واركب، ومضمومة إن كان مضمومًا نحو: اقتل إلا إن
стр. 1852
نقل إلى فاء الكلمة حركته، فتذهب الهمزة نحو: سل، وشذ إقرارها مع النقل نحو: اسئل وشذ في الكلام: خذ، وكل، ومر وتقدم الكلام عليها في التصريف في باب الحذف، وعلى الأمر إذا كان عاريًا عن اللام، أهو معرب، أو مبني في باب البناء، وعلى همزة الوصل ما أصلها، وما أصل حركتها في همزة الوصل ويلزم آخره ما يلزم المجزوم نحو: اضرب، واضربي، واضربا، واضربوا، واضربن، واغز، وارم، واخش.
ومن إبدال الهمزة في يقرأ ألفًا، وفي يوضؤ واوًا، وفي يقرئ ياء، فلك إثباتها نظرًا إلى أصلها فتقول: اقرا، واوضوا، واقرى، ولك حذفها نظرًا إلى ما آلت إليه فتقول: اقر، واوض، واقر.
ولا يجوز الفصل بين لام الأمر وما عملت فيه، لا بمعمول الفعل ولا بغيره، ويجوز تقديم معمول معمولها عليها إذا كان يجوز تقديمه على فعل الأمر العاري من اللام نحو: زيدًا ليضرب خالد، وفعل الأمر للمخاطب بغير لام إذا عطف فعل بعده ارتفع على الاستئناف نحو: اضرب زيدًا أو ليضرب، ويركب خالد، ويجوز في النثر جزمه عطفًا على توهم أن الأول باللام، ويجوز تقديم منصوبه عليه تقول: زيدًا اضرب، وقال قوم: تنصب زيدًا بفعل مضمر، ودليلهم دخول الفاء عليه فتقول: زيدًا فاضرب، وقالوا: الأمر والنهي لا يتقدم منصوبهما عليهما، لأن لهما الابتداء.
(لا): في الطلب يشمل النهي والدعاء نحو: لا تضرب زيدًا، و «ربنا لا تؤاخذنا» وهي أصل بنفسها خلافًا لمن زعم أن أصلها لام الأمر زيد عليها ألف، فانفتحت اللام لأجلها، وخلافًا للسهيلي، إذ زعم أنها (لا) التي للنفي،
стр. 1853
وأن الجزم في الفعل بلام الأمر مضمرة قبلها، حذفت كراهة اجتماع لامين في اللفظ، وإذا بني الفعل للمفعول جاز دخول (لا) هذه عليه سواء أكان لمتكلم أو غائب أو مخاطب نحو: لا أخرج، ولا تخرج ولا يخرج زيد، وإذا بني لفاعل، فالأكثر أن يكون للمخاطب ويضعف للمتكلم نحو قوله:
لا أعرفن ربربا حورا مدامعها ... ... ... ... ....
وللغائب نحو: لا يخرج زيد، ولا يفصل بين (لا) هذه ومعمولها إلا إن كان بالفضلة نحو: لا اليوم تضرب زيدًا، فقيل يجوز في قليل من الكلام، وقيل يختص بالضرورة، وقد يجوز بالنهي عن الفعل المقصود به في الحقيقة، إلى ما يلزمه نحو قولهم: «لا أرينك هنا».
واللام، ولا الطلبيتان يخلصان المضارع للاستقبال، وهل يجوز حذف الفعل بعد (لا) الطلبية في كلام ابن عصفور، وشيخنا أبي الحسن الأبذي ما يدل على جواز حذفه، إذ دل عليه الدليل، وتعبته (لا) قالا كقولك: اضرب زيدًا إن أساء، وإلا فلا «أي فلا تضربه» ويحتاج ذلك إلى سماع من العرب، والأمر لا يدل إلا على طلب إدخال الماهية في الوجود، لا على فور، ولا تكرار، والنهي يلزم منه العموم.
وصيغة الطلب تأتي لمعانٍ أخر بالقرينة نحو: الإذن، والتهديد، والتعجيز، والتأديب، والتسخير، والاستهزاء، والتكوين، وغير ذلك وليس ذلك على سبيل الاشتراك، خلافًا لمن زعم ذلك، بل على سبيل المجاز فلا يصار إلى ذلك إلا بقرينة.
стр. 1854
(لم ولما): وهي مركبة من لم، و (ما) عند الأكثرين، وبسيطة عند بعض النحاة، ومذهب سيبويه: أنهما يصرفان لفظا الماضي إلى المضارع دون معناه، ومذهب المبرد أنهما يصرفان معنى المضارع إلى الماضي دون لفظه، وتنفرد (لم) بمصاحبة أدوات الشرط نحو: إن لم تقم أقم، وهي موضوعة لمطلق الانتفاء فلا تدل على أن ذلك منقطع عن زمان الحال، ولا متصل به، بل قد تجيء في المنقطع نحو: قوله تعالى: «لم يكن شيئا مذكورا»، وفي المتصل نحو قوله تعالى: «ولم أكن بدعائك رب شقيا» وتنفرد (لما) بوجوب الاتصال للنفي بزمان الحال نحو: لما يقم زيد، يدل على انتفاء القيام إلى زمن الإخبار، ولذلك لا يحسن أن تقول: لما يقم زيد ثم قام بل تقول: لما يقم زيد، وقد يقوم أو لا يقوم، واختلف عبارة أصحابنا، فبعضهم يقول (لما) لنفي الماضي المتصل بزمان الحال، وبعضهم يقول لنفي الماضي القريب من زمان الحال، وقيل: كونها للماضي القريب من الحال ليس شرطًا بل غالبًا، فعلى هذا قد لا يكن للمتصل بالحال، ولا القريب منه، وقيل (لم) لنفي الماضي المنقطع، و (لما) لنفيه متصلاً بزمان الحال هذا المعنى الذي لهما بحق الأصالة، وقد توضع (لم) موضع (ما) فينفى بها الحال، وتنفرد لما أيضًا بجواز حذف مجزومها إذا دل على حذفه دليل نحو: قاربت المدينة ولما، تريد: ولما أدخلها، وهذا أحسن ما
стр. 1855
يخرج عليه قراءة من قرأ: «وإن كلا لما» خرجته على حذف الفعل المجزوم لدلالة قوله تعالى: «ليوفينهم ربك أعمالهم» أي لما ينقص من عمله ثم حكى عن أبي عمرو بن الحاجب تخريجه على حذف الفعل ثم وجدت تخريجه على حذف الفعل لمحمد بن مسعود الغزني قال في كتابه البديع: لما قد يحذف فعله لقيام الدليل نحو: جئت ولما، أي ولما تجيء، قال الله تعالى: «وإن كلا لما» «أي لما يوفوا» ثم استأنف فقال: «ليوفينهم» فحذف «يوفوا» لدلالة ما قبله عليه؛ لأن قبله «وإنهم لفي شك» وإنما جاز حذف فعله؛ لأنه يقوم بنفسه بسبب أنه مركب من (لم) و (ما)، وكأن، ما عوض من المحذوف. انتهى.
ويجوز ذلك في (لم) في الشعر نحو: «أحسن إليك وإن لم» تريد وإن لم تحسن، ولا يجوز الفصل بينها، وبين معمولها إلا في الشعر، وأجاز الفراء: لم إن تزرني أزرك، تجزم بلم، فتكون قد فصلت بين لم ومعمولها بالشرط، أو تجزم على جواب الشرط، ولا يصلح دخول الفاء عليه، وأبطل هشام هذا، وقياس (لما) على (لم) واضح، ولا يجوز لم يقم زيد، ولا يجلس عمرو وقال ابن عصفور: وهو من أقبح الضرائر فلا يقاس عليه في الشعر.
ويجوز تقديم معمول مجزومها الفضلة عليها نحو: زيدًا لم أضرب وعمرًا لما
стр. 1856
أضرب، وقد تلغى (لم) في الشعر فلا تجزم حملاً على (ما)، وقيل حملاً على (لا).
وحكى اللحياني عن بعض العرب أنه ينصب بـ (لم)، وقد تخرج على ذلك قراءة من قرأ: «ألم نشرح لك صدرك» بنصب الحاء، وتنفردان دون لام الطلب، ولا في الطلب بجواز دخول همزة الاستفهام عليها، وأكثر مع (لم) وتكون استفهامًا حقيقة عن الفعل المنفي بهما، فإذا قال: ألم يقم زيد، وألما يقم زيد، فمعناه السؤال عن انتفاء قيام زيد فيما مضى، والأكثر إذا دخلت عليهما أن يكون الاستفهام على سبيل التقرير، والتقرير هو التوقيف على ما يعلم المخاطب ثبوته، ولذلك الكلام معه موجب حتى إنه يعطف عليه صريح الموجب نحو قوله تعالى: «ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك» وهو تارة يخلص للتقرير، وتارة تنجر معه معان منها التذكير نحو قوله تعالى: «ألم يجدك يتيما فآوى» والتهديد والتخويف نحو قوله تعالى: «ألم نهلك الأولين» والإبطاء: «ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله»، والتنبيه «ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء»، والتعجب: «ألم تر إلى الذين تولوا قومًا غضب الله عليهم»، والتوبيخ: «أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر».
والواو والفاء المتوسطة بين الهمزة، ولم، ولما تعطف الجملة التي بعدها على الجملة التي قبل الهمزة، ولا يجوز تقديمها على الهمزة بخلاف غيرها من أدوات
стр. 1857
الاستفهام نحو: هل ومتى، تقول: وهل فمتى، وذهب الزمخشري في أحد قوليه إلى تقدير معطوف عليه بين الهمزة ولم، أو لما حذف وعطف عليه، وقدر في كل موضع ما يناسب فتقدر في: «أولم يسيروا» أمكثوا ولم يسيروا، وفي «أفلا تعقلون» أجهلوا فلا يعقلون.
وأدوات الشرط وهي كلم وضعت لتعليق جملة بجملة، وتكون الأولى سببًا، والثانية متسببًا، ولذلك عند جمهور أصحابنا لا تكون إلا في المستقبل، وهذه الكلم حرف، واسم، الحرف: (إن) و (إذ ما) في مذهب سيبويه، خلافًا للمبرد في أحد قوليه، وابن السراج، والفارسي في زعمهم أن (إذ ما) اسم ظرف زمان، و (إن) أم الأدوات، ولا تشعر بزمان يكون فيه توقف حصول الجزاء على حصول الشرط من لفظها، و (إذ ما) على مذهب سيبويه كذلك، ويجزم بها في الكلام، خلافًا لمن خص ذلك بالشعر وجعلها كـ (إذا) معناها كـ (معناها).
стр. 1858
ولا تحمل (إن) على (لو)، فيرتفع ما بعدها خلافًا لزاعم ذلك، وإثبات ما أثر في الحديث يمكن تأويله، والاسم ظرف، وغير ظرف، فغير الظرف: من وما، ومهما، فـ (من) لتعميم أولي العلم من ملك، وإنسان، وشيطان، و (ما) دالة على الإبهام، وتعم، وكلاهما مبهمة في أزمان الربط، و (مهما) بمعنى (ما)، فقيل إنها بسيطة، ووزنها: فعلى وألفها إما للتأنيث: وإما للإلحاق وزوال التنوين للتأنيث، ويختار فيها البساطة.
وقال الخليل: هي مركبة من (ما) و (ما) الأولى التي للجزاء والثانية التي تزاد بعد الجزاء استقبحوا التكرير، فأبدلوا من الألف الأولى هاء، وجعلوها كالشيء الواحد، وذهب الأخفش، والزجاج، والبغداديون إلى أنها مركبة من (مه) بمعنى اسكت، وما الشرطية قالوا: وقد تستعمل (مه) مع (من) التي هي شرط، وأجاز سيبويه أن تكون (مه) أضيف إليها (ما)، ولا يجوز إلا على أن تكون (ما) شرطية، ولا تخرج عن الاسمية خلافًا لمن زعم أنها تكون حرفًا بمعنى (إن) ذكر ذلك خطاب، والسهيلي، إذ زعم أنها تكون حرفًا، ولا تخرج عن الشرطية خلافًا لمن زعم أنها قد تكون استفهامًا مستدلاً بقوله:
стр. 1859
مهما لي الليلة مهما ليه ... ... ... ....
ولا دليل فيه لاحتمال أن تكون (مه) بمعنى انكفف، وما هي الاستفهامية، وانفردت (مهما) من (من وما)، بأنها لا يدخل عليها حرف الجر، ولا يضاف إليها فلا تقول: على مهما تكن أكن، ولا جهة مهما تقصد أقصد.
وقد وهم ابن عصفور، فزعم أنه يدخل عليها حرف الجر، ولا تقع (ما) ولا (مهما) ظرفي زمان، خلافًا لزاعم ذلك، وذكر أبو العباس محمد الحلواني أن من الجوازم (مهمن)، وقال قطرب لم يحمل الجزم بها عن فصيح.
والظرف ظرف زمان، وظرف مكان، فظرف الزمان متى وأيان، أما (متى) فلتعميم الأزمنة، ولا تفارق الظرفية فتكون شرطًا نحو: متى تقم أقم، ولا تهمل حملاً على إذا، خلافًا لزاعم ذلك، واستفهامًا نحو: متى القيام فتكون خبرًا، ويليها الماضي والمستقبل، قال المبرد: متى وأين يكون جوابهما معرفة ونكرة، وكيف لا يكون جوابها إلا نكرة، انتهى.
ولا تجيء بعد (متى) (ما) إلا في الشرط، فيجوز: متى ما تقم أقم، وزعم الكوفيون أنها تكون بمعنى وسط في لغة هذيل تقول: جعلته في متى الكيس «أي في وسطه»، وزعموا أيضًا أنها تكون حرف جر بمعنى من: أخرجه متى كمه أي من كمه، ولا يعرف ذلك البصريون، وقد تقدم الكلام على ذلك في حروف
стр. 1860
الجر، و (أيان): لتعميم الأوقات كـ (متى)، وقيل تستعمل في الأزمنة التي تقع فيها الأمور العظام، والجزم بها محفوظ، خلافًا لمن زعم أن الجزم بها غير محفوظ، ولم يحفظ سيبويه الجزم بها، لكن حفظه أصحابه، وسليم تكسر همزتها فتقول: إيان، وتكون استفهامًا، فتقع خبرًا نحو قوله تعالى: «أيان مرساها»، ويستفهم بها عن المستقبل لا عن الماضي كقوله: «وما يشعرون أيان يبعثون».
وأما (إذا) فتقدم الكلام عليها في باب الظرف، ونحن نذكر هنا مزيدًا فنقول: إذا ظرف زمان فيه معنى الشرط غالبًا، قيل: واتفقوا على أنه للاستقبال، وزعم بعضهم أنه يكون للحال، وجعل منه قوله تعالى: «والنجم إذا هوى» وأصلها أن لا تكون شرطًا، إذ الشرط في لسان العرب ما يمكن وقوعه غالبًا، وإذا في الغالب تدل على المعلوم وقوعه، ومع دلالتها على الظرفية تدل على ارتباط إحدى الجملتين بالأخرى.
وقيل بل حصول الفعلين بحسب الاتفاق لا بحسب الارتباط؛ إذ لو لوحظ فيها معنى الشرط جيء بالفاء نحو قوله تعالى: «وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا»، ولا يجوز إن يقم زيد ما ضربته، والفرق
следующие страницы →