Полный текст (2 437 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
أضرب، وقد تلغى (لم) في الشعر فلا تجزم حملاً على (ما)، وقيل حملاً على (لا).
وحكى اللحياني عن بعض العرب أنه ينصب بـ (لم)، وقد تخرج على ذلك قراءة من قرأ: «ألم نشرح لك صدرك» بنصب الحاء، وتنفردان دون لام الطلب، ولا في الطلب بجواز دخول همزة الاستفهام عليها، وأكثر مع (لم) وتكون استفهامًا حقيقة عن الفعل المنفي بهما، فإذا قال: ألم يقم زيد، وألما يقم زيد، فمعناه السؤال عن انتفاء قيام زيد فيما مضى، والأكثر إذا دخلت عليهما أن يكون الاستفهام على سبيل التقرير، والتقرير هو التوقيف على ما يعلم المخاطب ثبوته، ولذلك الكلام معه موجب حتى إنه يعطف عليه صريح الموجب نحو قوله تعالى: «ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك» وهو تارة يخلص للتقرير، وتارة تنجر معه معان منها التذكير نحو قوله تعالى: «ألم يجدك يتيما فآوى» والتهديد والتخويف نحو قوله تعالى: «ألم نهلك الأولين» والإبطاء: «ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله»، والتنبيه «ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء»، والتعجب: «ألم تر إلى الذين تولوا قومًا غضب الله عليهم»، والتوبيخ: «أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر».
والواو والفاء المتوسطة بين الهمزة، ولم، ولما تعطف الجملة التي بعدها على الجملة التي قبل الهمزة، ولا يجوز تقديمها على الهمزة بخلاف غيرها من أدوات
стр. 1857
الاستفهام نحو: هل ومتى، تقول: وهل فمتى، وذهب الزمخشري في أحد قوليه إلى تقدير معطوف عليه بين الهمزة ولم، أو لما حذف وعطف عليه، وقدر في كل موضع ما يناسب فتقدر في: «أولم يسيروا» أمكثوا ولم يسيروا، وفي «أفلا تعقلون» أجهلوا فلا يعقلون.
وأدوات الشرط وهي كلم وضعت لتعليق جملة بجملة، وتكون الأولى سببًا، والثانية متسببًا، ولذلك عند جمهور أصحابنا لا تكون إلا في المستقبل، وهذه الكلم حرف، واسم، الحرف: (إن) و (إذ ما) في مذهب سيبويه، خلافًا للمبرد في أحد قوليه، وابن السراج، والفارسي في زعمهم أن (إذ ما) اسم ظرف زمان، و (إن) أم الأدوات، ولا تشعر بزمان يكون فيه توقف حصول الجزاء على حصول الشرط من لفظها، و (إذ ما) على مذهب سيبويه كذلك، ويجزم بها في الكلام، خلافًا لمن خص ذلك بالشعر وجعلها كـ (إذا) معناها كـ (معناها).
стр. 1858
ولا تحمل (إن) على (لو)، فيرتفع ما بعدها خلافًا لزاعم ذلك، وإثبات ما أثر في الحديث يمكن تأويله، والاسم ظرف، وغير ظرف، فغير الظرف: من وما، ومهما، فـ (من) لتعميم أولي العلم من ملك، وإنسان، وشيطان، و (ما) دالة على الإبهام، وتعم، وكلاهما مبهمة في أزمان الربط، و (مهما) بمعنى (ما)، فقيل إنها بسيطة، ووزنها: فعلى وألفها إما للتأنيث: وإما للإلحاق وزوال التنوين للتأنيث، ويختار فيها البساطة.
وقال الخليل: هي مركبة من (ما) و (ما) الأولى التي للجزاء والثانية التي تزاد بعد الجزاء استقبحوا التكرير، فأبدلوا من الألف الأولى هاء، وجعلوها كالشيء الواحد، وذهب الأخفش، والزجاج، والبغداديون إلى أنها مركبة من (مه) بمعنى اسكت، وما الشرطية قالوا: وقد تستعمل (مه) مع (من) التي هي شرط، وأجاز سيبويه أن تكون (مه) أضيف إليها (ما)، ولا يجوز إلا على أن تكون (ما) شرطية، ولا تخرج عن الاسمية خلافًا لمن زعم أنها تكون حرفًا بمعنى (إن) ذكر ذلك خطاب، والسهيلي، إذ زعم أنها تكون حرفًا، ولا تخرج عن الشرطية خلافًا لمن زعم أنها قد تكون استفهامًا مستدلاً بقوله:
стр. 1859
مهما لي الليلة مهما ليه ... ... ... ....
ولا دليل فيه لاحتمال أن تكون (مه) بمعنى انكفف، وما هي الاستفهامية، وانفردت (مهما) من (من وما)، بأنها لا يدخل عليها حرف الجر، ولا يضاف إليها فلا تقول: على مهما تكن أكن، ولا جهة مهما تقصد أقصد.
وقد وهم ابن عصفور، فزعم أنه يدخل عليها حرف الجر، ولا تقع (ما) ولا (مهما) ظرفي زمان، خلافًا لزاعم ذلك، وذكر أبو العباس محمد الحلواني أن من الجوازم (مهمن)، وقال قطرب لم يحمل الجزم بها عن فصيح.
والظرف ظرف زمان، وظرف مكان، فظرف الزمان متى وأيان، أما (متى) فلتعميم الأزمنة، ولا تفارق الظرفية فتكون شرطًا نحو: متى تقم أقم، ولا تهمل حملاً على إذا، خلافًا لزاعم ذلك، واستفهامًا نحو: متى القيام فتكون خبرًا، ويليها الماضي والمستقبل، قال المبرد: متى وأين يكون جوابهما معرفة ونكرة، وكيف لا يكون جوابها إلا نكرة، انتهى.
ولا تجيء بعد (متى) (ما) إلا في الشرط، فيجوز: متى ما تقم أقم، وزعم الكوفيون أنها تكون بمعنى وسط في لغة هذيل تقول: جعلته في متى الكيس «أي في وسطه»، وزعموا أيضًا أنها تكون حرف جر بمعنى من: أخرجه متى كمه أي من كمه، ولا يعرف ذلك البصريون، وقد تقدم الكلام على ذلك في حروف
стр. 1860
الجر، و (أيان): لتعميم الأوقات كـ (متى)، وقيل تستعمل في الأزمنة التي تقع فيها الأمور العظام، والجزم بها محفوظ، خلافًا لمن زعم أن الجزم بها غير محفوظ، ولم يحفظ سيبويه الجزم بها، لكن حفظه أصحابه، وسليم تكسر همزتها فتقول: إيان، وتكون استفهامًا، فتقع خبرًا نحو قوله تعالى: «أيان مرساها»، ويستفهم بها عن المستقبل لا عن الماضي كقوله: «وما يشعرون أيان يبعثون».
وأما (إذا) فتقدم الكلام عليها في باب الظرف، ونحن نذكر هنا مزيدًا فنقول: إذا ظرف زمان فيه معنى الشرط غالبًا، قيل: واتفقوا على أنه للاستقبال، وزعم بعضهم أنه يكون للحال، وجعل منه قوله تعالى: «والنجم إذا هوى» وأصلها أن لا تكون شرطًا، إذ الشرط في لسان العرب ما يمكن وقوعه غالبًا، وإذا في الغالب تدل على المعلوم وقوعه، ومع دلالتها على الظرفية تدل على ارتباط إحدى الجملتين بالأخرى.
وقيل بل حصول الفعلين بحسب الاتفاق لا بحسب الارتباط؛ إذ لو لوحظ فيها معنى الشرط جيء بالفاء نحو قوله تعالى: «وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا»، ولا يجوز إن يقم زيد ما ضربته، والفرق
стр. 1861
بين (إن)، و (إذا) أن (إن) لا تدل على الزمان بحسب الوضع، بل بحسب الالتزام لكن قد يقصد بها الزمان مجازًا، وعلى ضعف تقول: «إن احمر البسر فائتني».
و (إن) إنما تدخل على المشكوك، أو المعلوم المبهم زمانه كقوله تعالى: «أفإين مت فهم الخالدون»، ولا يلزم في (إذا) اتفاق الفعلين في وقوع زمانهما بخلاف (متى) تقول: إذا زرتني اليوم أزورك غدًا، ولا يجوز: متى زرتني اليوم أزورك غدًا، وإذا استعملت (إذا) شرطًا، فالجمهور على أنها مضافة للجملة بعدها، وضمنت الربط بين ما يضاف إليه وغيره، والعامل فيها جواب الشرط، والمنصور أنها ليست مضاف إليها، والعامل فيها الفعل الذي يليها.
والمشهور أنه لا يجزم بها إذ ذاك إلا في الشعر لا في قليل من الكلام، ولا في الكلام إذا زيد بعدها (ما) خلافًا لزاعم ذلك، ولا تقتضي العموم فليست كأسماء الشرط، وقيل تقتضيه، فهي مثل كلما تقتضي التكرار، و (إذا) لا تجيء زائدة خلافًا لأبي عبيدة.
وظرف المكان (أين وحيثما)، وهما لتعميم الأمكنة، ولا يخرجان
стр. 1862
عن الظرفية، وتكون (أين) شرطًا، واستفهامًا، ولا تكون (حيثما) إلا شرطًا، و (أنى) تكون شرطًا، وذكرها الثاني في ظروف المكان للعموم بمعنى (متى)، وبمعنى (أين)، وقيل لتعميم الأحوال، وتكون أيضًا استفهامًا بمعنى: متى، ومعنى (كيف) وبمعنى (أين).
وقال الفراء: (أنى) مشاكلة لمعنى (أين)، إلا أن (أين) للمواضع خاصة، وتصلح لغير ذلك، فإن قال قائل: «أنى لك هذا» فكأنه قال: من أي الوجوه، ومن أي المذاهب أصبته، وقد فرق بينهما الكميت قال:
تذكر من أني ومن أين شربه ... ... ... ... ... ...
وفي (أنى) معنى يزيد على (أين)، فـ (أين) لك هذا يقصر عن أنى لك هذا، لأن المعنى: من أين لك هذا، فهو بمعناه مع حرف الجزاء، ألا ترى أنها أجابت «هو من عند الله» ولو قالت: هو عند الله، لم يفد ذلك المعنى، وجواب أين لك هذا غير جواب (أنى) لك هاذ انتهى من الغرة.
стр. 1863
وأما (أي) فبحسب ما تضاف إليه، إن أضيفت إلى ظرف مكان كانت ظرف مكان نحو: أي جهة تجلس؟ أجلس معك، أو إلى ظرف زمان كانت ظرف زمان، أو إلى مفعول كانت مفعولاً، أو إلى مصدر كانت مصدرًا، وهي لتعميم أوصاف الشيء، والأوصاف مشتركة فلذلك يلزم أن تضاف لفظًا أو معنى إلى الموصوف.
والجمهور على أنه لا يجزم بكيف، خلافًا للكوفيين، وقطرب و (كيف) تكون استفهامًا، و (متى) لتعميم الأحوال، وإذا تعلقت بجملتين فقالوا: تكون للمجازاة من حيث المعنى لا من حيث العمل، وقصرت على أدوات الشرط، بكونها لا يكون الفعلان معها إلا متفقين نحو: كيف تجلس أجلس ومع الأدوات قد يكون الفعلان متفقين نحو: متى تجلس أجلس، ومختلفين نحو: متى تجلس أركب، وسيبويه يقول: يجازي بـ (كيف)، والخليل: يقول: الجزاء بها مستكرة، وكثير من النحاة منعوا الجزاء بها، والمسبب عن صلة الذي: أجاز الكوفيون جزمه نحو: كل رجل يأتيني أكرمه، وكذا لو دخل على هذه النكرة (أن)، وما ورد من ذلك حمله البصريون على الضرورة.
وأدوات الشرط تقتضي جملتين تسمى أولاهما شرطًا والثانية جزاء وجوابًا:
стр. 1864
والأولى مصدرة بمضارع غير دعاء مثبت أو منفي بـ (لا)، أو بـ (لم) أو بماضٍ عارٍ من قد، ومن حرف نفي، ومن جمود، ومن دعاء.
وأكثر ما يكون فعل الشرط ظاهرًا، وقد يكون مضمرًا قبل معموله مفسرًا بفعل من جنس المضمر نحو: «وإن أحد من المشركين استجارك»، التقدير: وإن استجارك أحد من المشركين استجارك، وقد يفسر من المعنى نحو: ما قد رووا في «إن خير فخير»، أي إن وقع خير فالجزاء خير، ويشذ كونه مضارعًا غير مصحوب بلم نحو: إن زيد يقم أقم معه.
ووقع في كتاب سيبويه ما يدل على جواز مثل هذا، لكنهم حملوه على الجواز في الشعر، ولا يتقدم الاسم إلا في (إن)، فيجوز بشرط مضى فعل الشرط، وكونه مصحوبًا بـ (لم)، ووافقنا على ذلك الكسائي، وفي نقل وافقنا عليه الفراء.
وأجاز الكسائي تقديمه على فعل الشرط بعد (من) وأخواته نحو: من زيد يضربه أضربه، وأجاز الكسائي إضمار (كان) بعد (من)، ومنعه الفراء.
ومن الكوفيين من منع ذلك في المرفوع، وأجازه في المنصوب والمجرور نحو: من زيدًا يضرب أضربه، ومن بزيد يمرر أكرمه، ومنهم من قال: لا يجوز تقديم المرفوع إلا فيما لا يمكن من أسماء الشرط أن يعود عليه مضمر نحو: متى، وأما ما يمكن فلا يجوز تقديم الاسم لا تقول: من هو يضرب زيدًا أضربه، ويجوز متى زيد يقم أقم معه، وهذا مذهب أبي علي صاحب المهذب.
стр. 1865
وأجاز الكسائي الفصل بين (من) والفعل بالعطف على من، وبالتأكيد ومنع ذلك الفراء، وهو الذي تقتضيه قواعد البصريين، وإذا ولى الأداة اسم مرفوع، فهو على إضمار الفعل يفسره الفعل بعده من لفظه كما تقدم، أو من معنى الكلام نحو:
لا تجزعي إن منفس أهلكته ... ... ... ... ... ...
تقديره: إن هلك منفس، وأجاز الكسائي ارتفاعه على الابتداء، والجملة في موضع جزمكما كان ذلك في جملة الجزاء، وذكره سيبويه بشرط أن يكون الخبر فعلاً فأما قوله:
فإن أنت لم ينفعك ... ... ... ... ... ... ...
стр. 1866
فقيل: أنت مبتدأ، وقيل فاعل بفعل محذوف يفسره المعنى، تقديره: فإن هلكت، لما حذف الفعل انفصل الضمير، وقال السهيلي: أنت في موضع نصب، وهو مما وضع فيه ضمير الرفع موضع ضمير النصب كما قالوا: لم يضربني إلا إياه، وضعوا المنصوب موضع المرفوع.
وجملة الجزاء إن صدرت بجملة اسمية لزمتها الفاء، أو إذا الفجائية نحو: إن زارنا زيد، فنحن نزوره، وقال تعالى: «وإن تصبهم سيئه بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون» و «وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون».
والسماع في الربط بـ (إذا)، ورد في (إن) من أدوات الشرط الجازمة، والنصوص متضافرة على الربط بـ (إذا) في الجملة الاسمية مطلقًا مع أدوات الشرط، وكذا جاء جواب إذا بإذا الفجائية، وذهب محمد بن مسعود إلى أنه لا يربط بـ (إذا)، وأن ما ورد من ذلك إنما هو على حذف الفاء أي فإذا هم يقنطون. انتهى.
وشرط الجملة الاسمية الداخلة عليها (إذا)، أن لا تكون طلبية، فلا يجوز إن عصى زيد إذا ويل له، وتقول: فويل له، ولا إن أطاع إذا سلام عليه، وتقول: فسلام عليه، وأن لا يدخل عليها أداة نفي، فلا يجوز: إن قام زيد إذا [ما] قام عمرو قائم، ويجوز: فما عمرو قائم، وأن لا تدخل (إن) على ما كانت جملة اسمية، فلا يجوز: إن قام زيد إذا إن عمرًا قائم، ويجوز: إن قام زيد فإن عمرًا قائم.
стр. 1867
وإن كانت (إذا) تدخل على (إن) في غير الشرط، ولا يجوز أن يجمع بين الفاء، وإذا في الشرط، وإن كن جائزًا في غيره نحو: خرجت فإذا الأسد، وكون (إذا) تربط جملة الجواب بجملة الشرط هو مذهب الخليل وسيبويه، وزعم الأخفش أن ذلك هو على حذف الفاء، والفاء هي التي تربط، ولا يجوز حذف الفاء من الجملة الاسمية عند سيبويه إلا في الشعر، وأجاز المبرد حذفها في الكلام، وجاء حذفها، وحذف المبتدأ في الشعر نحو قوله
... .... ... ... ... ... ... من ينكع العنز ظالم
فهو ظالم، وفي محفوظي قديمًا أن المبرد منع من حذف الفاء في الضرورة، وأنه زعم في البيت الذي استدل به على جواز حذف الفاء، وهو قوله:
من يفعل الحسنات الله يشكرها ... ... ... ...
стр. 1868
إن الرواية «فالرحمن يشكرها»، وإن صدرت بجملة غير اسمية، فإن كان صدرها يصلح لدخول أداة الشرط عليه انجزم، إن كان مضارعًا ورفعه ضرورة.
وقال ابن الأنباري في: إن تزرني أزرك: الاختيار الجزم، وإنما يحسن الرفع إذا تقدم ما يطلب الجواب قبل (إن) كقولهم: طعامك إن تزرنا نأكل، تقديره: طعامك نأكل إن تزرنا، وقال الفراء: وأجابوا الشرط بالفاء، وقالوا: إن تزرنا فأزورك، واستغنى عن الفاء إن كان ماضيًا، وإن لم يصلح لزمته الفاء، وموضع ذلك أن يكون الفعل جامدًا كقوله تعالى: «إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا فعسى ربي»، أو طلبًا كقوله تعالى: «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله».
стр. 1869
والطلب يشمل الأمر، والنهي، والتخصيص، والعرض، والدعاء، والاستفهام أو شرطًا، نحو: إن تأتني فإن تحدثني أكرمك، أو ماضيًا مقرونًا بـ (قد) لفظًا كقوله تعالى: «إن يسرق فقد سرق أخ له» أو تقديرًا نحو: «إن كان قميصه قد من قبل فصدقت»، وفي التحقيق ليس هذا جواب الشرط، أو منفيًا بغير (لا) و (لم) نحو: إن قام زيد فما يقوم عمرو، أو قلت: يقوم عمرو، أو مضارعًا مصحوبًا بـ (قد) نحو: إن يقم زيد فقد يقوم عمرو، أو بحرف تنفيس نحو قوله تعالى: «من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه» أو تعجبًا نحو: إن أحسنت إلي فما أحسنك، أو قسمًا نحو: إن تلزمني فوالله لأكرمنك، أو مصدرًا برب نحو قوله:
فإن أمس مكروبًا فيا رب قينة
أو بنداء نحو: إن أتاك راج فيا أخا الكرم لا تهنه، وفي التقدير: هي داخلة على جملة الطلب، وفصل بينهما بالنداء، فإن جاء من هذه محذوف الفاء، فبابه على الضرورة.
وزعم بعض النحاة أنه يجوز حذفها في حال السعة إذا كان فعل الشرط ماضيًا في اللفظ حملاً على: إن آتيتني آتيك، وجعل من ذلك قوله تعالى: «وإن أطعتموهم إنكم لمشركون»، وزعم أن هذه الفاء اللاحقة هي فاء السبب الكائنة في الإيجاب نحو: قولك يقوم زيد، فيقوم عمرو، فكما يربط بها عند التحقيق يربط بها عند التقدير، وزعم بعضهم أنها عاطفة جملة على جملة، فلم تخرج عن العطف، وإذا رفع المضارع الواقع جوابًا للشرط المضارع فعله غير الداخل عليه (لم)، فإن كان قبله ما يمكن أن يطلبه نحو قوله (الرجز)
إنك إن يصرع أخوك تصرع
стр. 1870
أو لم يكن نحو: إن تأتيني آتيك، فالأولى عند سيبويه في الأولى أن تكون على التقديم، والتأخير، وفي الثانية أن يكون على حذف الفاء أي فآتيك، وجوز العكس سيبويه، وقال المبرد: هما على حذف الفاء فيهما.
وقيل: إن كانت الأداة اسم شرط بالمضارع المرفوع على إضمار الفاء فإن كانت غير اسم شرط، فعلى التقديم والتأخير، وإذا تقدمت الهمزة على أداة الشرط الذي فعله، وفعل جزائه مضارعان نحو: أإن تأتني آتك؟ فكما لو لم تدخل الهمزة، وذهب يونس إلى أنه يبنى على أداة الاستفهام، وينوي به التقديم، إن تأتني آتيك، ولا يجوز عنده جزمهما، ولا أن يجزم الأول ويرفع الثاني نحو: إن تأتني آتيك إلا في الشعر.
فلو كان الحرف (هل)، فالقياس جريان الخلاف كالهمزة، وأجاز الفراء في الثاني الجزم والرفع نحو: هل إن ترزني أزرك وأزورك؟ وأجاز الكسائي دخول الفاء
стр. 1871
فتقول: فأزورك، فإن تقدم (ما) على (إن)، فأجاز الفراء فيه الجزم والرفع نحو: ما إن تزرني أزورك وأزرك، وأبطل الفراء دخول الفاء في الفعل إذا تقدمت (ما)، بخلاف (هل)، وحكم (لا) النافية حكم (ما) في هذه المسألة.
وإذا كن فعل الشرط ماضيًا، وفعل الجزاء مضارعًا نحو: إن قام زيد يقوم عمرو، فجزمه فصيح، وزعم بعضهم أنه لا يجيء في الكلام الفصيح إلا مع كان. وظاهر كلام سيبويه، ونصوص الجماعة على أن ذلك لا يختص (بكان)، وأما (رفعه) فذهب بعض أصحابنا إلى أنه أحسن من الجزم، ونصوص الأئمة على جواز مجيئه في الكلام، خلافًا لبعض من عاصرناه، فإنه قال: لا أعلمه جاء في الكلام وإذا جاء، فقياسه الجزم، لأنه أصل العمل تقدم أو تأخر.
واختلف المتقدمون في تخريجه، فذهب سيبويه إلى أنه على التقديم والتأخير، وجواب الشرط محذوف، وذهب الكوفيون والمبرد إلى أنه على حذف الفاء، وهو الجواب، وذهب غير هؤلاء إلى أنه وهو الجواب، وليس على حذف الفاء، ولا على نية التقديم، وإذا قرن المضارع بالفاء، ارتفع على إضمار مبتدأ، فإن تقدمه ما يعود عليه فهو كقوله تعالى: «ومن عاد فينتقم الله منه» أي فهو ينتقم منه وكقوله تعالى: «فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا» أي فهو لا يخاف.
وسواء أكان فعل الشرط ماضيًا أم مضارعًا، وإن لم يتقدمه ما يعود عليه كان المحذوف ضمير الأمر نحو: إن قام زيد فيقوم عمرو أي: فهو أي الأمر والشأن يقوم
стр. 1872
عمرو، ومنه قوله تعالى: «أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى» في قراءة من كسر همزة (إن)، ورفع (فتذكر) أي فهو أي الأمر والشأن تذكر، وقال الفراء: وأجابوا الشرط بالفاء فقالوا: إن تزرني فأزورك، ليدلوا على اتصال الجواب بالأول، وإن كان ينجزم بالإتباع له انتهى.
ولو قيل ربط الجملة الشرطة بالمضارع له طريقان أحدهما بجزمه، والآخر بالفاء ورفعه لكان قولاً، وقد قررناه في الشرح، فينظر هناك، وذكر بعض أصحابنا الاتفاق على أن: أداة الشرط عاملة الجزم في فعل الشرط، وشذ المازني، فعنه في قول إنه مبني هو، وفعل الجزاء، وعنه في قول إنه معرب وفعل الجزاء مبني.
والمختار أن الأداة هي الجازمة لفعل الجواب، وهو مذهب المحققين من البصريين، وعزاه السيرافي إلى سيبويه، وذهب الأخفش إلى أنه مجزوم بفعل الشرط، وقيل الجزم بالأداة وفعل الشرط معًا، ونسب هذا إلى سيبويه، والخليل والأخفش، وذهب الكوفيون إلى أنه انجزم على الجوار كما ينجر الاسم على الجوار، وإذا كان لفعل الشرط معمول غير مرفوع نحو: إن تضرب زيدًا أضربه
стр. 1873
فلا يجوز تقدمه على الأداة فلا تقول: زيدًا إن تضرب أضربه، ولا: خيرًا متى تفعل تثب عليه: هذا مذهب البصريين والفراء.
وأما معمول فعل الجواب فلا يتقدم على الأدلة قيل باتفاق، فلا يجوز: خيرًا إن تزرنا تصب، فإن رفعت الفعل فقلت: خيرًا إن تزرنا تصيب، جاز ذلك، ومذهب الأخفش يقتضي جواز ذلك؛ لأنه يجيز تقديم الجواب على الشرط، ويتقدم على الجواب المجزوم ويفسر، وإن كان طالب رفع نحو: إن تزرنا خيرًا تصب، وإن تأتنا زيدًا تضربه، وإن تفعل زيد يفعل، تقديره: يفعل زيد يفعل، ففسر فعل الجواب المجزوم رافعًا لزيد هذا مذهب سيبويه.
واختلف النقل عن الفراء، فعنه في المسألة الأولى المنع مطلقًا إلا إن كان فعل الجواب مرفوعًا، فيجوز على التقديم، أو على حذف الفاء، وقيل عنه إن كان المعمول مجرورًا جاز تقديمه على الجواب، وإن كان صريحًا لم يجز، وأجاز الكسائي تقديمه عليه كائنًا ما كان، وأما المسألة الثانية، فأجازها سيبويه ومنعها الكسائي والفراء.
стр. 1874
فصل
مذهب البصريين أن أداة الشرط لها صدر الكلام، ولذلك لا يجيزون تقديم شيء من معمولات فعل الشرط، ولا فعل الجواب عليها، وإنما تقع مستأنفة أو مبنية على ذي خبر ونحوه، ومذهب جمهور البصريين أنه لا يجوز تقديم الجواب على الشرط، ومذهب الكوفيين، وأبي زيد، والأخفش، والمبرد جواز ذلك، ومذهب المازني أنه إن كان ماضيًا فلا يجوز تقديمه نحو: قمت إن قام زيد، وقمت إن يقم زيد.
وإن كان مضارعًا جاز نحو: أقوم إن قام زيد، وأقوم إن يقم زيد، ومذهب بعض البصريين أنه يجوز إن كان فعل الشرط ماضيًا نحو: أقوم إن قمت، أو كانا معا ماضيين نحو: قمت إن قمت، وثمرة الخلاف تظهر في صور من التركيب.
وإذا فرعنا على مذهب جمهور البصريين، فإن تقدم ما يشبه الجواب كان دليلاً على حذف الجواب، ويلزم غذ ذاك أن يكون فعل الشرط ماضي اللفظ، أو مقرونًا بـ (لم)، ولا يكون مضارعًا بغير (لم) إلا في الشعر، وأجاز الكوفيون سوى الفراء حذف جواب الشرط، وفعل الشرط مستقبل قياسًا على المعنى، فأجازوا:
стр. 1875
أنت ظالم إن تفعل، وإذا كان غير ماض مع (ما) أو من، أو (أي) صرن موصولات في سعة الكلام، ولها ما للموصولات من جواز تقديم العامل فيها، وحكم الضمير، وشروط الصلة، وأما في الشعر فيجوز الجزم نحو: آتي من يأتني، في مذهب سيبويه، ومنعه عامة الكوفيين، وكذا باقي الأدوات الاسمية، ولا خلاف في جواز: أتيتك إن تأتني على قبح.
وإذا أُضيف إلى (من وما وأي) ظرف زمان، صارت موصولات عند سيبويه، والجرمي، والمازني إلا في الشعر، فيجوز أن يبقى اسم شرط، وأجاز أبو إسحاق الزيادي ذلك في الكلام نحو: أتذكر إذ من يأتنا نأته، ويتعين وصلهن بعد (ما) النافية نحو: ما من يأتينا نعطيه، لا بعد (لا)، فيجوز أن يكون شرطًا، وبعد (هل) نحو: هل من يأتينا نأتيه، لا بعد الهمزة فيجوز أن يكون شرطًا نحو: أمن يأتينا نأته خلافًا ليونس، وقد تقدم، فإن تقدم عليهن كان وأخواتها جاز الوصل نحو: كان من يأتينا نأته، والشرط فيجزم، وهو على إضمار مبتدأ وهو ضمير الأمر أو (إن) فالوصل ولا يجوز الجزم إلا في الشعر، ويكون اسم (إن) ضمير الشن محذوفًا، أو لكن المخففة، أو إذا المفاجأة
стр. 1876
فالوصل وهو أحسن نحو: لكن من يزورني أزوره، ومررت بزيد فإذا من يأتيه يحسن إليه، ويجوز الشرط على إضمار المبتدأ جملة الشرط خبره.
وهذا عقد في الوصل والشرط، فالداخل عليه هذه الأداة عامل معنوي، فيجوز أن يكون الاسم موصولاً، واسم شرط مبتدأ خبره جملة الشرط لا هي وجملة الجزاء معًا، خلافًا لبعضهم: أو لفظي عامل في الجمل مما لا يعقل نحو: كان وأخواتها، و (ما) الحجازية ولا العاملة تعين الوصل إلا فيما صح فيه إضمار الشأن فيجوز الوصل، ولا يكون في أفعال المقاربة، وقيل يجوز في عسى، أو مما يعلق كـ (ظننت)، وأعملتها في الأول جاز نحو: ظننت زيدًا من يأتيه يعطيه، ومن يأته يكرمه، أو لم تعملها فيه، فالظاهر من قول المبرد أنه لا يجوز الشرط، ومن نقل غيره أنه يجوز، ويعلق عنها، أو في غير عامل في الجملة الابتدائية فعلا فلا يصح دخوله، أو حرفًا عاملاً في الأفعال، فلا يصح دخوله لا على حرف الشرط، ولا على اسمه، ولا إن كان موصولاً، أو عاملاً في الأسماء كحروف الجر: فإن تعلقت بفعل أجنبي عن الشرط والجزاء رجعت إلى الأصل نحو: أتصدق على من يسأل وأدعوا من يسمع فيجيب، فإذا كان المجرور في موضع خبر محذوف، فمن جعل العامل فعلاً، أو اسم فاعل، منع الشرط، ومن جعله نفس الخبر أجاز نحو: زيد في أي مكان تكون يكون، أو في مكان يكن تكن.
وإن تعلق بالجزاء بطل الشرط نحو: بمن تمر به أمر، أو بفعل الشرط جاز بقاء الشرط، فإن شغلت كلا من الفعلين بضمير نحو: بمن تمرر أمرر به
стр. 1877
فالوصل والشرط، ولا بد لحرف الشرط الداخل على اسم الشرط إذ ذاك من إضمار، فمن إضمار فعل يتعلق به التقدير: بمن تمرر به أمرر به.
وإن حذفت الضمير منها تعلق بأحدهما، فإن كان بالفعل الذي يليه فالجزم أو بالفعل المقدر جزاءً فالوصل، وحذفه من هذا ضعيف، ويضعف إن اختلف نحو: بمن تمر اترك، وكحرف الجر الاسم الذي يضاف إلى اسم الشرط، فإن عمل فيه الجزاء رفعت أو الشرط جزمت أو غير ذلك فلا بد أن تكون جملة، فإن شاركت الشرط في معناه فلا يدخل على جملة الشرط كـ (إذ)، و (لما) و (لو)، و (إن)، وإن لم تشارك وشأنه أن يغير لفظ ما تدخل عليه إلى لفظ آخر كالنهي، واعتمد عليه صرف جواب الشرط إلى نفسه، أو معتمدًا على غيره، فالشرط على ما كان عليه، أو شأنه أن لا يغير، وهو مخصوص ببعض الجمل أو أكثرها نحو: المختص بالجمل الابتدائية. كـ (أن وأخواتها) إذا كفت، ولام الابتداء ولكن الخفيفة، وما التميمية، وأما، ولولا، والظروف المضافة إلى الجمل نحو: إذ، وإذا، وحيث، ونحو المختصة بالفعلية كالظروف غير اللازمة للإضافة إذا أضيفت نحو: حين، ويؤم، ونحوه.
فالمختصة بالاسمية الوجه أن لا تدخل عليها، فإن دخلت كانت موصولة، ويصير الفعل إلى الصلة، وأجاز المبرد في هذا كله أن تدخل على الشرط، وقد أجازه سيبويه على ضعف، وأحسن ما يجوز ذلك فيه في الأسماء المبتدأة، ثم يحمل عليه (إن)، فإن كان مما يجوز الإضمار بعده مبتدأ جاز الشرط مطلقًا، والمضاف إلى الفعلية بمنزلة ما تقدم، ويجوز فيه ما جاز في تلك على ضعف، وغير المخصوص دخوله عليه، وذلك أفعال نحو: قال، وسمع، وجميع أفعال الحكاية، وحروف كالحروف العاطفة، وكحرف الاستفهام، وهو الألف وحده، أما أسماء ولا، فلا تدخل على الشرط، وتقدم خلاف يونس في الهمزة إذا دخلت على الشرط، وبمنزلة ألف الاستفهام في هذا لا غير العاملة.
стр. 1878
وأما (ما) التميمية، فجوزها المبرد، وأبو علي، وأما الحجازية إذا ألغيت بسبب أن، فينبغي أن لا تدخل؛ لأنها عاملة لولا أن فهي (كأن).
ويجوز حذف جواب الشرط لقرينة نحو: قوله تعالى: «وإن كان كبر عليك إعراضهم» الآية تقديره: فافعل، و «أئن ذكرتم» أي تطيرتم، ويكثر حذفه إذا دخل عليه ما ينوب منابه، كجواب القسم، وكـ (تقديم) ما يدل عليه نحو قولك: أنت ظالم إن فعلت، ويجوز حذف الشرط لدلالة المعنى مثبتًا نحو: إن خيرًا فخير، ومنفيًا بلا نحو:
... ... ... ... وإلا يعل مفرقك الحسام
تقديره: وإلا تطلقها، وحذف فعل الجواب، وحذف فعل الشرط، لا أحفظه إلا في (إن) وحدها، وقول ابن عصفور، وشيخنا أبي الحسن الأبذي: أنه لا يجوز حذف فعل الشرط في الكلام إلا بشرط تعويض (لا) من الفعل المحذوف، ليس بشيء.
стр. 1879
وأما حذف فعل الشرط، وفعل الجزاء معًا، وإبقاء (إن). فقيل هو مختص بالضرورة، وقال ابن الأنباري: وإنما صارت أم الجزاء؛ لأنها بغلبتها عليه تنفرد، وتؤدي عن الفعلين فيقول الرجل: لا أقصد فلانًا، لأنه لا يعرف حق من يقصده فتقول له: زره وإن، يراد: وإن كان كذلك فزره، فتكفي (إن) من الشيئين، ولا يعرف ذلك في غيرها من حروف الشرط، انتهى.
وقال بعض أصحابنا يقال: أتفعل هذا، فتقول: أنا أفعله، وإن أي: وإن لم تفعله، أفعله، ولا يجوز حذف أدوات الشرط لا إن ولا غيرها، وقد جوز ذلك بعضهم في إن قال: ويرتفع الفعل بحذفها صفة أو تقدرها لا تعمل، مثاله صفة قوله تعالى: «أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصبتكم مصيبة الموت تحبسونهما» ومثاله مقدرة لا تعمل قوله
وإنسان عيني يحسر الماء تارة ... ... ... ...
أي إن يحسر الماء، وهذا قول ضعيف، ولا تبنى القواعد الكلية بالمحتملات البعيدة الخارجة عن الأقيسة، وقال ابن مالك: وقد يسد مسد الجواب خبر ما قبل الشرط، قال كقوله تعالى: «وإنا إن شاء الله لمهتدون» انتهى.
وليس الخبر سادًا مسد الجواب، بل الجواب محذوف، وإذا توالى شرطان فصاعدًا بغير عاطف، فالجواب للسابق، ويحذف جواب المتأخر لدلالة جواب
стр. 1880
المتقدم عليه، ويكون ما حذف جوابه بصيغة الماضي في الفصيح، وقد جاء بالمضارع نحو قوله:
إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا ... منا معاقل عز زانها كرم
والشرط الثاني عند بعضهم تقييد الأول تقييده بالحال الواقعة موقعه، فكأنه قال في هذا البيت: إن تستغيثوا بنا مذعورين، وعند بعضهم يجعله متأخرًا في التقدير فكأنه قال: إن تستغيثوا بنا تجدوا منا معاقل عز وإن تذعروا، فأول الشرط يصير أخيرًا سواء كانت مترتبة في الوجود أم غير مترتبة مثال ذلك: إن أعطيتك إن وعدتك إن سألتني فعبدي حر.
ومثال غير المترتبة: إن جاء زيد إن أكل إن ضحك فعبدي حر، فالسؤال أول، ثم الوعد، ثم الإعطاء، والضحك أول ثم الأكل ثم المجيء، واختلفت أقوال الفقهاء في هذه المسألة، فمنهم من أجاب بما ذكرنا وهو الصحيح، وبه ورد السماع، ومنهم من جعل الجواب للأخير، وجواب الثاني الشرط الثالث وجوابه، وجواب الشرط الأول الشرط الثاني وجوابه.
فإذا وقع الأول ثم الثاني، ثم الثالث عتق العبد، وكأن الفاء عنده محذوفة، ولا يلزم على هذا المذهب مضي فعل الشرط، ومنهم من قال: يلزم العتق بحصولها كلها، ولا يلتفت إلى تقديم فعل منها وتأخيره، وإذا توسط بين الشرط والجزاء مضارع بعد حرف عطف، فإن كان لا يجوز حذفه، [فليس فيه إلا الرفع نحو: إن يكن زيد يقوم ينم عمرو، وإن كان مما يجوز حذفه] ووقع صفة فالرفع نحو: إن يأتني رجل يعرف الفقه أولاً، وهو مرادف لما قبله أو نوع منه نحو: إن
стр. 1881
تقصدني تعمد إلي أكرمك، وإن تأتني تمش أكرمك، فيجوز الحال فترفع، وهي حال مؤكدة في الأولى، ومبينة في الثانية، والجزم على أنه بدل من الأول بدل شيء من شيء، وفي الثانية بدل اشتمال، وإن كان غير مرادف، ولا نوعًا من الفعل فالرفع على الحال نحو: إن يأتني زيد يضحك أكرمه، و (مهما) لا تزاد بعدها (ما) فلا تقول: مهما ما تفعل أفعل، وإذ، وحيث يشترط في الجزم بهما اتصالهما بما على مذهب الجمهور، وذهب الفراء إلى أن ذلك ليس بشرط، وأنه يجوز الجزم بهما دون (ما) و (من)، و (أنى) لا يزاد ما بعدها، وأجاز ذلك الكوفيون، و (إن)، و (أين)، و (متى)، و (أيان)، وكيف تجوز زيادة (ما) بعدهن خلافًا لمن زعم أنها لا تلحق (أيان)، و (أي) يجوز زيادة ما بعدها إن لم تضف إلى ضمير، ولحاق (ما) لهذه الأدوات إن وليها مضارع، أو ماضٍ لفظًا نحو: إن ما قمت قمت أو تقديرًا نحو قوله:
... ... ... ... ... ... ... يا هوذ يا هوذ إما فادح دهما
وإذا كان الشرط والجزاء بفعلين، فالأحسن أن يكونا مضارعين ثم أن يكون الأول ماضيًا، والثاني مضارعُا ثم ماضيين بـ (لم)، أو بدونها أو أحدهما بـ (لم)، والآخر بدونها تمثيل ذلك: إن يقم أقم، إن قمت أقم، إن قمت لم أقم، إن قمت قمت، إن لم تقم لم أقم، إن لم تقم أقم، إن تقم لم أقم، إن لم تقم قمت، فهذه تراكيب ثمانية تجوز في الكلام، والتاسع أن يكون الأول مضارعًا والثاني ماضيًا نحو: إن تقم قمت، وإن تقم لم أقم، ولا يجوز ذلك إلا في الشعر وأجازه
стр. 1882
الفراء في الاختيار، وتبعه ابن مالك، واستنتج من كلام سيبويه ضعفه، وقبحه، والشرط والجزاء لا بد من استقبالها خلافًا للمبرد في (كان) إذا كانت شرطًا، أنها تبقى على مضيها لفظًا ومعنى، وخلافًا لمن يزعم أن الماضي لفظًا ومعنى مصحوبًا بالفاء، و (قد) أو بالفاء وحدها هو جواب الشرط نحو قوله تعالى: «وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك»، و «وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت» أي فقد كذبت.
ولا تجيء (إن) بمعنى (إذ)، ولا بمعنى (إذا) خلافًا لزاعمي ذلك، واسم الشرط إن كان ظرفًا، أو أريد به المصدر كان في موضع نصب، والعامل فيه فعل الشرط، وإن كان غير ذلك، وفعل الشرط لازم، فمبتدأ نحو: من يقم أقم له، وخبره الفعل، وقد تقدم هذا، أو متعد لم يأخذ مفعوله، وهو مسند إلى ظاهر نحو: من يضرب زيدًا أضربه، أو إلى متكلم نحو: من أضرب تضربه، أو إلى مخاطب نحو: من تضرب أضربه، فمفعول بفعل الشرط أو إلى ضمير غائب عائد على اسم الشرط نحو: من يضرب أضربه، فمبتدأ أو على غيره نحو: هند من تكرم أكرمه فمفعول، أو آخذه تقديرًا نحو: «من يشأ الله يضلله» أو لفظًا والفاعل سببي لاسم الشرط، والمفعول أجنبي نحو: من تضرب أخوه زيدًا أضربه، فمبتدأ فقط، أو ضميره نحو: من تضربه أخوه أضربه، أو سببي نحو: من يضرب أخوه غلامه أضربه.
فالمسألتان من الاشتغال، أو الفاعل أجنبي، والمفعول ضمير اسم الشرط،
стр. 1883
أو سببي منه: من يضربه زيدًا أضربه، ومن يضرب زيد أخاه أضربه فالمسألتان من الاشتغال، أو مضمر يعود على اسم الشرط متصلاً فلا يجوز إلا أن يكون مخاطبًا نحو: من يضربك أضربه، أو غائبًا عائدًا على غير اسم الشرط نحو: هند من يضربها أضربه فالرفع بالابتداء فقط، أو منفصلاً، ولاسم الشرط في فعله ضمير، أو سببي منصوب أو مجرور، فالمسألة من الاشتغال نحو: من لم يضربه إلا هو أضربه، ومن لم يضرب أخاه إلا هو أضربه، ومن لم يمرر به إلا هو أمرر به، وإن لم يكن فاسم الشرط مبتدأ.
وهذه مسائل من هذا الباب إذا دخل حرف النفي على فعل الشرط نفاه، فتعلق الحكم عليه منفيًا نحو: من لا يكرمني أكرمه، علق وجود الإكرام على انتفاء الإكرام قالوا إلا في المشيئة والإرادة والرؤية والظن، فإن النفي يتسلط على متعلق ذلك مثاله: من لا يرد أن أكرمه أهنه قالوا معناه: من يريد إلا أكرمه أهنه، ومنه «ما شاء الله كان وما لا يشاء لا يكون» المعنى: وما يشاء أن لا يكون لا يكن، دخلت (لا) على يشاء في اللفظ، وهو في المعنى داخلة على متعلق المشيئة، قيل: وكثير من أهل الكلام لا يجيزون ذلك والصحيح جوازه.
جواب الشرط كـ (خبر المبتدأ)، فلا يكون إلا بما يفيد لو قلت: إن لم تقم نقم لم يجز، فإن دخله معنى أخرجه إلى الإفادة جاز نحو: إن لم تطعني فقد عصيتني أراد به التنبيه على العقاب كأنه قال: وجب عليك ما وجب على العاصي، إذا عطفت على فعل الشرط بالواو، وتكررت أداة الشرط نحو: إن آتك، وإن أدخل دارك فعبدي حر، عتق بالفعلين كليهما، أو بواحد منهما أو لم تكررها نحو: إن آتك وأدخل دارك عتق بفعل الفعلين معًا، ولا يبالي بأيهما بدأ بالفاء أو بـ (ثم)، عتق بفعل الفعلين إذا بدأ بالأول، وسواء أكرر الأداة، أم لم يكرر، أو بـ (أو) عتق بفعل الفعلين، أو بأحدهما كرر الأداة، أو لم يكررها.
الشرط الذي لا يقتضي التكرار لو انفرد إذا ربط بالفاعل ما يقتضي التكرار،
стр. 1884
وأمكن تكراره، وكان مناسبًا، نحو قولك: كلما أجنبت جنابة منك، فإن اغتسلت في الحمام، فأنت طالق، فإن أجنب ثلاثًا، [واغتسل لكل جنابة طلقت ثلاثًا، فإن أجنب ثلاثًا] واغتسل واحدة، فزعم أبو يوسف أنها تطلق ثلاثًا، وقال الفراء: قول أبي يوسف غلط.
وإن لم يكن مناسبًا نحو: كلما دعوتني، فإن سقط هذا الحائط فعبد من عبيدي حر، فإن دعاه ثلاث دعوات، وسقط الحائط فيه عتق ثلاثة أعبد، ولا يلزم في غير المناسب التكرار هذا مذهب الفراء، وأصول البصريين تقتضي التكرار في المربوط بالفاء على ما يقتضي التكرار إذا كان الفاعل قابلاً سواء أكان مناسبًا أم غير مناسب.
ولا يمكن أن يكون فعل الشرط إلا مما يمكن فيه التكرار إذا كان بعد كلما ومتعلقها، وكلما في هذا منصوب على الظرف، والعامل محذوف يدل عليه جواب الشرط وتقديره: أنت طالق كلما كان كذا، وما هي المصدرية التوقيتية، ولا تأتي إلا بمعنى العموم، وكل الداخلة عليها لتأكيد العموم، و (ما) التوقيتية شرط من جهة المعنى منتصبة على الظرف، وزعم ابن عصفور، وشيخنا أبو الحسن الأبذي أن كلما مرفوعة بالابتداء في هذه المسائل و (ما) نكرة موصوفة، والعائد على الموصوف محذوف، وجملة الشرط والجزاء في موضع الخبر، قالا: ولا يجوز فيه غير الابتداء، فالتقدير: كل وقت أجنبت فيه منك جنابة، فإن اغتسلت في الحمام بعده، فعبدي حر، لا بد من ذلك لتربط الصفة بالموصوف، والخبر بالمخبر عنه، وتكون جملة الشرط والجزاء مستحقة بكل جنابة أجنبتها ناسب فعل الشرط أو لم يناسب، وهذا الذي ذهب إليه حكاه صاحب البسيط، ولم يعين قائله، وقال أيضًا: وقيل: إنها شرطية بمنزلة (لما) مع الماضي، ورد كونها شرطية بمنزلة
стр. 1885
(لما)، وقال: كلما تأتني أكرمتك على رأي سيبويه (ما) مصدرية بمنزلتها: فيما يدوم لي أدوم لك، ومقصود بها الحين أي: أزمان إتيانك أكرمتك، ثم أدخلت كلا على المصدر بتأويل الزمان، فاكتسب منها الزمان، فانتصب على ذلك. انتهى.
وأقول: المستقر من لسان العرب أن (كلما) هذه التي تقتضي التكرار لا يليها إلا فعل ماضي اللفظ، والعامل فيها متأخر فعل ماض أيضًا، ومن ادعى غير هذا من التركيب يحتاج إلى أن يستدل بسماع من العرب فأما قوله:
وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي
فمتأول، وإذا كان قبل الشرط فعل، وبعده فعل ليس جوابًا، فإن حملت على الأول فالرفع مثاله: تؤجر إن أمرت بمعروف وتثاب، أو على الثاني فالرفع والجزم مثاله: تؤجر إن أمرت بمعروف، وتنهي عن منكر فالجزم في (وتنهي) عطفًا على محل أمرت، والرفع على الاستئناف، وأجاز الكوفيون النصب، لأن من مذهبهم جواز: إن يقم زيد ويقوم عمرو أخرج.
وإذا أتيت بأفعال بعد فعل الشرط من معناه، فإن عطفتها بالواو نحو: تحسن وتكرم أباك، وتصل رحمك، وتأمر بمعروف، وتنه عن منكر، فالله يثيبك، فالجواب مستحق بالمجموع، وإن لم تعطفها، فإبدال بداء ليس فيها إبطال، وإن
стр. 1886
كانت ليست من معنى فعل الشرط لزم أن ترتفع فالأول على الحال، والباقي عطف عليه مثاله: إن تحسن إلى زيد، وتهين خالدًا، وتسيء إلى بكر، وإذا دخل على اسم الشرط حرف جر، وتعلق بالجواب حرف جر، فإن اختلف العامل أو الحرف، فلا يجوز حذف ذلك الضمير وعامله نحو: بمن تمرر انزل عليه، وبمن تمرر انزل به على زيد، أي بسببه، وإن اتحدا نحو: بمن تمرر امرر به، فلا يجوز حذف به إلا قليلاً، وذلك بخلافه في الموصول، فإنه كثير فصيح نحو: مررت بالذي مررت، تريد: مررت به.
стр. 1887
باب في أدوات يحصل بها التعليق
وليست من أدوات الشرط، وهي (أما، ولما، ولو، ولولا)، أما (أما) فحرف بسيط مؤول من حيث التقدير باسم شرط قدرها الجمهور بـ (مهما) يكن من شيء، وقال بعض أصحابنا: حرف إخبار يتضمن معنى الشرط فإذا قلت: أما زيد فمنطلق، فالأصل إن أردت معرفة حال زيد، فزيد منطلق، حذفت أداة الشرط وفعل الشرط، وأنيبت مناب ذلك (أما)، وذهب ثعلب إلى أن (أما) جزاء، وهي (أن ما)، حذف فعل الشرط بعدها، ففتحت همزتها مع حذف الفعل، وكسرت مع ذكره، وإذا فتحت بقيت الأسماء بعدها معرفة، فإن كان ما بعد الفاء ليس معمول أعملوه فيه اكتفاء بما ظهر عما ترك.
وإن كان لا يعمل فيه كان حينئذ معمولاً للفعل المحذوف، وقريب من قول ثعلب قول الفراء أجاز: أما زيدًا فقد ضربت زيدًا، وأما (زيدًا) فقد قام زيد على معنى: مهما أكرمت زيدًا فقد ضربت زيدًا، ومهما ذكرت زيدًا فقد قام زيد. انتهى.
وكثيرًا ما تأتي للتفصيل، ولما ضمنت معنى الشرط احتيج إلى الفاء، وهي فاء خرجت عن بابها، فليست عاطفة مفردًا على مفرد، وليست رابطة بين جملتين، ولا يلي (أما) هذه الفاء، ولا يفصل بينهما بجملة إلا إن كانت الجملة دعاء، بشرط أن يتقدم الجملة فاصل بينهما، وبين (أما) نحو: أما اليوم - رحمك
стр. 1888
الله - فالأمر كذا، ويفصل بينهما بالمبتدأ نحو: أما زيد فمنطلق، وبالخبر نحو: أما قائم فزيد، وأما في الدار فعمرو، وفي كتاب البطليوسي الصفار أن الفصل بينهما بالخبر قليل، وبمعمول لما بعدها من مفعول به نحو: «فأما اليتيم فلا تقهر» وقولهم: أما العسل فأنا شراب، وأما زيدًا فلن أضرب، ومفعول له نحو: أما العلم فعالم، أو مصدر: أما ضربا فاضرب، أو ظرف: أما اليوم فأقوم، أو مجرور: أما بزيد فامرر، وبالحال: أما مسرعًا فزيد ذاهب.
وأما الفصل بالشرط كقوله تعالى: «فأما إن كان من المقربين فروح» فمذهب سيبويه: أن الجواب لأما لا للشرط، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب أما عليه، ولذلك لزم مضي فعل الشرط، ومذهب الفارسي في أحد قوليه: أن الجواب هو للشرط، لا (لأما)، وجواب (أما) محذوف، وقوله الآخر كمذهب سيبويه، ومذهب الأخفش: أن الفاء وما بعدها جواب لأما، وللشرط معًا، والأصل: مهما يكن من شيء فإن كان من المقربين فروح، ثم أنيبت (ما) مناب (أما)، فصار: فأما إن كان من المقربين فروح، ثم قدمت أن والفعل الذي بعدها، فصار: فأما إن كان من المقربين ففروح، فالتقت فاءان، فأغنت إحداهما عن الأخرى فصار: فروح.
стр. 1889
ولا يجوز أن يتقدم الفاء أكثر من اسم واحد لو قلت: أما زيد طعامه فلا تأكل لم يجز، واتفقوا على تجويز أن يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها في الجملة، واختلفوا في شروط ذلك، بأن يقدر حذف (أما) وحذف الفاء فما جاز للذي قدر بعد حذفها أن يعمل فيه عمل، وما لا امتنع، فلا يجوز عندهم: أما زيد فأنا رجل ضارب، ولا أما زيدًا فإني ضارب، ويجوز: أما زيد فأنا ضارب، وذهب المبرد، وابن درستويه، إلى أن ما بعد إن يعمل فيما قبل الفاء، فأجازا: أما زيدًا فإني ضارب، وحكى عن المبرد رجوعه إلى مذهب سيبويه، وفي البسيط: يجوز عند المبرد أن يتقدم ما بعد الفاء عليها إلا إن كان المعمول مع عامله نفسه، لا يصح أن يتقدم فلا يجوز: «أما درهما فعندي عشرون»، بخلاف أما زيدًا فإني ضارب؛ فإنه قبل دخول (إن) يجوز نحو: زيدًا أنا ضارب، وقيل يجوز ذلك في الظرف والمجرور نحو: أما اليوم فإني ذاهب.
وأجاز الفراء إعمال ما بعدها فيما قبلها إذا كان داخلاً لمعنى الاستئناف وفيه معنى الابتداء، وأما لغير ذلك فلا يجوز، فيجوز عنده: أما زيدًا فإني ضارب، وكذلك في أخواتها، وفي كل ما يدخل على الابتداء نحو: أما زيدًا فليتني ضارب، وأما عمرًا فلعلي قاتل، وأجاز أيضًا: أما زيدًا فلأضربن وإلا كان لا يجيز: زيدًا لأضربن، قال والرفع في هذا كله الوجه القياس.
стр. 1890
ولا يجوز عند الفراء: أما القميص فإن تلبس خير لك، ويجوز عنده: «أما زيدًا فما أعلمني به»، ولا يجوز: أما زيدًا فما أظرفه، وفي بعض شروح الكتاب: أجاز الكوفيون: أما زيدًا فما أ؛ سن، ولا يجيز الكوفيون زيدًا لأضربن، ولا بك لأمرن، فعلى هذا لا يجوز: أما زيدًا فلأضربن، وأما بك فلأمرن، وأجاز هشام ذلك في المجرور قال: لأن (أما) يسوغ ذلك، ولا يجوز عند المبرد: أما زيدًا فما أنا بضارب.
وأجازوا أن تعمل (أما) في الظرف والمجرور، والحال بما فيها من معنى الفعل، ولا تعمل في الأسماء الصريحة، وأجاز الكوفيون ذلك، وتقدم تمثيل الفراء بشيء من ذلك، وقد تقدمت مسائل في (أما) في باب الحال تطالع هناك، ويجوز إبدال ميمها الأولى ياء قالوا: أيما وجاء حذف الفاء في الشعر نحو قوله:
فأما القتال لا قتال لديكم
وفي الكلام مع حذف ما بعد الفاء قال الله تعالى: «فأما الذين اسودت وجوههم أ: فرتم بعد إيمانكم» تقديره فيقال لهم: أكفرتم.
(لما): التعليقية حرف عند سيبويه تدل على ربط جملة بأخرى ربط السببية، وعبر عنه بعضهم بحرف وجود لوجود، والذي تلقيناه من أفواه الشيوخ حرف وجوب لوجوب.
стр. 1891
وذهب ابن السراج، وابن جني، والفارسي: إلى أنه ظرف زمان بمعنى حين، والصحيح مذهب سيبويه، ويليها فعل مثبت لفظًا ومعنى، أو مضارع منفي بـ (لم)، ويجوز زيادة (أن) بعد (لما) قبل الماضي قال الله تعالى: «فلما أن جاء البشير» وجواب (لما) فعل ماضي لفظًا ومعنى، أو منفي بـ (ما) أو مضارع منفي بـ (لم)، أو جملة اسمية مقترنة بـ (إذا) الفجائية، قال تعالى: «فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون» وجاءت مصدرة بـ (ليس) قال:
حديث أناسي فلما سمعته ... إذا ليس فيه ما يبين فأعقل
وزعم ابن مالك: أن جوابها الماضي قد يقرن بالفاء، وبجملة اسمية مقرونة بالفاء، وبمضارع، ولم يقم دليل واضح على ما ادعاه، ويجوز حذف جواب (لما) للدلالة عليه قال تعالى: «فلما ذهبوا به» الآية أي فعلوا به ما أجمعوا عليه، وأوحينا إليه، والكوفيون يجعلون الواو زائدة، والجواب أوحينا، ويجوز
стр. 1892
أن يختلف متعلق الفعلين: الفعل الذي بعد لما، وفعل الجواب تقول: ما أحسنت إلى أمس أكرمتك اليوم، ويكثر تأخر الجواب وقد يجوز: أكرمتك لما أكرمتني.
(لو) حرف امتناع لامتناع هذه عبارة شيوخنا في ابتداء التعلم، وعبارة سيبويه «لما كان سيقع لوقوع غيره» يعني أنه يقتضي فعلاً ماضيًا كان يتوقع ثبوته لثبوت غيره، والمتوقع غير واقع، قال الأستاذ أبو علي: (لو) ليست موضوعة للدلالة على الامتناع، بل مدلولها ما نص عليه سيبويه من أنها تقتضي لزوم جوابها الشرط فقط. انتهى.
وعند المحققين: أنه لا يليها إلا ماضي المعنى سواء أكان بلفظ الماضي أو المضارع قال تعالى: «أن لو نشاء أصبناهم»، أو منفي بـ (لم)، وزعم قوم أن استعمالها في المضي غالب، وأنها تستعمل بمعنى (إن) للشرط في المستقبل، وكونها بمعنى (إن) ذكره النحاة في غير موضع، وتعقب ذلك ابن الحاج ناقدًا على ابن عصفور، إذ زعم أن (لو) تجيء بمعنى (إن)، وقال: هذا خطأ، والقاطع بذلك أنك لا تقول: لو يقوم زيد فعمرو منطلق كما تقول: إن لا يقم زيد فعمرو منطلق وتأول قوله:
... ... ... .... ... ... ... ولو باتت بأطهار
стр. 1893
انتهى، وإذا دخلت على المستقبل، فزعم قوم أن الجزم بها لغة مطردة، وزعم قوم منهم ابن الشجري أنه يجوز الجزم بها في الشعر، و (لو) عند البصريين لا يليها إلا الفعل، ولا يليها اسم على إضمار فعل إلا في ضرورة الشعر نحو قوله:
أخلاي لو غير الحمام أصابكم ... ... ... ....
أو في نادر كلام كما جاء: «لو ذات سوار لطمتني». وذهب أبو الحسن علي بن فضال المجاشعي: إلى أنه يجوز أن يليها الفعل ظاهرًا أو مضمرًا، ومنه ظاهر قوله تعالى: «قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي» حذف الفعل فانفصل الضمير، وزعم ابن مالك أنه يجيء بعد (لو) جملة اسمية من مبتدأ وخبر، وهو نحو قوله:
стр. 1894
لو بغير الماء حلقى شرق ... ... ... ... ....
وقوله:
لو في طهية أحلام لما اعترضوا ... ... ... ... ... ... ...
وهو مذهب الكوفيين، وتأول ذلك غيرهم من النحاة، ولم يجيزوا: لو زيد قائم وقول أبي الطيب:
فلو قلم ألقيت في شق رأسه ... ... ... ... ...
لحن، وتلى (لو): أن قال تعالى: «ولو أنهم صبروا» فمذهب سيبويه أن: أن ومعمولها في موضع رفع على الابتداء، ولا يحتاج إلى خبر لانتظام المخبر
стр. 1895
عنه، والمخبر بعد (أن)، وذكر ابن هشام الخضراوي: أن مذهب سيبويه والبصريين أن الخبر محذوف، وذهب الكوفيون، وتبعهم المبرد، والزجاج والزمخشري، وجماعة إلى أنه في موضع رفع على الفاعل تقديره: ولو ثبت أنهم، وزعم السيرافي، والزمخشري أن خبر (أن) هذه لا يكون إلا فعلاً وهم وخطأ فاحش قال تعالى: «ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام».
وقال الشاعر:
ولو أنها عصفورة لحسبتها ... ... ... ... ... ...
وجواب (لو) فعل مجزوم، أو ماض مثبت، أو منفي (بما) قال الله تعالى: «ولو سمعوا ما استجابوا لكم»، وقل دخول اللام على (ما) نحو قوله:
لو أن بالعلم تعطي ما تعيش به ... لما ظفرت من الدنيا بثفروق
والماضي المثبت أكثر ما يجيء باللام، وقد يجيء بلا (لام)، قال الله تعالى: «لو شئت أهلكتهم من قبل»، وتجيء (إذن) قبل الجواب نحو: لو زرتني
следующие страницы →