قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب لا نعرف أحدًا رواه مثل هذا عن شريك، ثم قال: وروى همام عن عاصم هذا مرسلًا ولم يذكر فيه وائل بن حجر.
قال أبو الفتح: من شأن الترمذي التصحيح بمثل هذا الإسناد فقد صحح حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل: لأنظرن إلى صلاة النبي ﷺ فلما جلس للتشهد الحديث.
وأنما الذي قصر بهذا التصحيح عنده الغرابة التي أشار إليها وهي التفرد الذي وقع في طريقه وقد حصل فيه التفرد في موضعين: أحدهما: تفرد يزيد بن هارون به عن شريك كما صرح به النسائي وهو لا يحطه عن درجة الصحيح لجلالة يزيد وحفظه.
والثاني: تفرد شريك عن عاصم، فقد قال الترمذي: لا نعرف أحدًا رواه مثل هذا غير شريك وفي بعض النسخ: عن شريك كما ذكرناه فعلى رواية من رواه غير شريك تقتضي تفرد شريك به عن عاصم وكذا قال البخاري وغيره، وبه صار حسنًا فإن شريكًا لا يصحح حديثه منفردًا.
وأما قول الترمذي: وروى همام عن عاصم هذا مرسلًا ولم يذكر فيه وائل بن حجر فيقتضي هذا وما تقدم من تخريجه إياه عن شريك عن عاصم أن شريكًا وهمامًا روياه عن عاصم معًا وإنما اختلفا في الإرسال والإسناد، فأسنده شريك وأرسله همام وليس كذلك إنما رواه همام عن شقيق عن عاصم فأرسله كذلك ذكره أبو داود قال: قال همام: وثنا شقيق حدثني عاصم بن كليب عن أبيه عن النبي ﷺ وفي هذا المرسل مع علة الإرسال علة أخرى وهي الجهالة بشقيق هذا، وهو شقيق أبو ليث روى عنه همام بن يحيى لم يعرف بغير ذلك، فمرسله معلل بما ذكرنا ومسنده معلل بتفرد شريك.
وفي الباب مما لم يذكره عن أنس قال: رأيت رسول الله ﷺ كبر حتى حاذى
стр. 1927
بإبهاميه أذنيه ثم ركع حتى استقر كل مفصل منه في موضعه ثم انحط بالتكبير فسبقت ركبتاه يديه. رواه الدارقطني وقال: تفرد به المعلي بن إسماعيل وسيأتي في الكلام على فقه هذه الأحاديث عكس هذا.
وأما حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير" فرواه أبو داود وفيه: "وليضع يديه قبل ركبتيه" عن سعيد بن منصور عن عبد العزيز بن محمد وعن قتيبة عن عبد الله بن نافع نحو ما رواه الترمذي.
رواه النسائي عن قتيبة كذلك.
ورواه أيضًا عن هارون بن محمد بن بكار بن بلال عن مروان بن محمد عن عبد العزيز بن محمد كلاهما عن محمد بن عبد الله بن حسن وهو ابن حسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي ذكره ابن أبي حاتم وقال: لقي نافعًا وغيره وحدث عنه الدراوردي وغيره. مات سنة خمس وأربعين يعني ومائة وعمره خمس وأربعون سنة ولم يحكم عليه بأكثر من الغرابة من حديث أبي الزناد وقال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
قال: وقد روي عن عبد الله بن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة. قال: وعبد الله بن سعيد المقبري ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره.
قال أبو الفتح: عبد الله بن سعيد هذا يكنى أبا عباد، قال أبو أحمد: الحاكم ذاهب الحديث.
أنا أبو العباس الثقفي قال سمعت: عبيد الله بن سعيد يقول سمعت يحيى بن سعيد يقول: جلست إلى عبد الله بن سعيد مجلسًا فرأيت فيه يعني الكذب.
وقال أحمد بن حنبل: هو منكر الحديث متروك الحديث.
стр. 1928
وقال يحيى بن معين: ليس بشيء لا يكتب حديثه.
وقال أبو زرعة: هو ضعيف لا يوقف منه على شيء.
وقال أبو حاتم: ليس بقوي.
وقال ابن عدي: عامة ما يرويه الضعف عليه بين.
روى له الترمذي وابن ماجه وينبغي أن يكون حديث أبي هريرة هذا داخلًا في الحسن على رسم الترمذي لسلامة رواته من الجرح.
فعبد الله بن نافع هو الصائغ مدني فقيه كان يفتي بمذهب مالك وقد وثقه بعضهم.
ومحمد بن عبد الله بن حسن مستور الحال (١).
والمقبري روى عنه جماعة من الأعيان منهم الثوري وصفوان بن عيسى وابن فضيل وعبد الرحيم بن سليمان ومروان الفزاري وهشيم.
والمتابعة لحديث أبي الزناد بحديث ابن المقبري عن أبيه لم تخل من تقوية للحديث ولذلك ذكرها الترمذي وهو ممن يخرج حديثه كما ذكرنا وهي عند البيهقي وعللها بضعف عبد الله بن سعيد المقبري، وفيه مما ليس عند الترمذي حديث سعد بن أبي وقاص: كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بالركبتين قبل اليدين. رواه
стр. 1929
ابن خزيمة في صحيحه وهو ضعيف لضعف يحيى بن سلمة بن كهيل راويه من طريق مصعب بن سعد عن أبيه والمشهور عن مصعب عن أبيه نسخ التطبيق.
وحديث أبي حميد مخرج في "صحيح البخاري" ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من غير وجه.
قال الترمذي: وفي الباب عن ابن عباس ووائل بن حجر وأبي سعيد.
* * *
стр. 1930
[٨٦ - باب ما جاء في السجود على الجبهة والأنف]
أما حديث ابن عباس فمن طريق عكرمة عنه قال: قال رسول الله ﷺ ورأى رجلًا يصلي ما يصيب أنفه من الأرض فقال: "لا صلاة لن لا يصيب أنفه من الأرض ما يصيب الجبين".
رواه الدارقطني وقال: الصواب عن عكرمة مرسلًا.
وروى إسماعيل بن عبد الله المعروف بسمويه في فوائده عن عكرمة عن ابن عباس قال: "إذا سجد أحدكم فليضع أنفه على الأرض فإنكم قد أمرتم بذلك".
وحديث وائل قال: رأيت رسول الله ﷺ يسجد على الأرض واضعًا جبهته وأنفه في سجوده. رواه الإمام أحمد.
وحديث أبي سعيد قال: اعتكفنا مع رسول الله ﷺ فذكر الحديث وفيه قال: "من اعتكف فليرجع إلى معتكفه فإني رأيت هذه الليلة ورأيتُني أسجد في ماء وطين" وفي آخره: فلقد رأيته على أنفه وأرنبته أثر الماء والطين. رواه البخاري ومسلم وهذا لفظ البخاري.
وذكر في باب أين يضع جبهته إذا سجد حديث البراء من رواية أبي إسحاق قال: قلت للبراء بن عازب: أين كان النبي ﷺ يضع وجهه إذا سجد؟ قال: بين قال: وفي الباب عن وائل وأبي حميد.
وقال: في حديث البراء حسن غريب، وهو مما انفرد (١) الترمذي بإخراجه عن أصحاب الكتب.
стр. 1931
وحديث وائل بن حجر قال: رأيت رسول الله ﷺ يسجد على الأرض واضعًا جبهته وأنفه في سجوده، رواه الإمام أحمد وقد تقدم في الباب قبل هذا.
وحديث أبي حميد أن النبي ﷺ كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته الأرض ونحى يديه عن جنبيه ووضع يديه حذو منكبيه. رواه أبو داود.
وقد ذكر الترمذي حديث أبي حميد هذا مطولًا في صفة الصلاة وصححه وسيأتي إن شاء الله تعالى.
وفيه أيضًا عن أبي مسعود، ذكره ابن أبي شيبة عن أبي الأحوص عن سالم البراد: أتينا أبا مسعود الأنصاري فعلمنا صلاة رسول الله ﷺ فصلى، فلما سجد وضع كفيه قريبًا من رأسه.
* * *
стр. 1932
[٨٧ - باب ما جاء في السجود على سبعة أعضاء]
وذكر في باب ما جاء في السجود على سبعة أعضاء حديث العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب وجهه وركبتاه وكفاه وقدماه" وصححه.
وقد أخرجه مسلم.
وحديث ابن عباس أمر النبي ﷺ أن يسجد على سبعة أعظم، وصححه وقد أخرجه الشيخان.
وقال: وفي الباب عن أبي هريرة وأبي سعيد وجابر.
وقد ذكر النسائي في باب موضع السجود من حديث الزهري عن عطاء بن يزيد قال: كنت جالسًا إلى أبي هريرة وأبي سعيد يحدث أحدهما حديث الشفاعة والآخر ينصت فقال فيه: "أمر الله الملائكة والرسل أن تشفع فيعرفون بعلاماتهم، إن النار تأكل كل شيء من ابن آدم إلا موضع السجود ... " الحديث، وتقدم عن أبي سعيد الحديث في أثر الماء والطين على جبهته وأنفه ﵇ من أثر السجود.
وأما حديث جابر فروى النسائي عنه قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الظهر فآخُذُ قبضة من حصى في كفي أبرده ثم أحوله في كفي الأخرى فإذا سجدت وضعته لجبهتي.
وروى الدارقطني من حديث جابر أيضًا قال: رأيت النبي ﷺ يسجد بأعلى جبهته على قِصاص الشعر. وقد ضعف (١).
قِصاص الشعر أول منبته من مقدم الرأس مفتوح القاف ومكسورها ومضمومها مثلث ذكر عن ابن السكيت.
стр. 1933
[٨٨ - باب ما جاء في التجافي في السجود]
ومن باب التجافي في السجود ذكر حديث عبيد الله بن عبد الله بن أقوم الخزاعي عن أبيه قال: كنت مع أبي بالقاع من نمرة فمرت ركبة، فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي (١)، قال: فكنت أنظر إلى عفرتي إبطيه إذا سجد أرى (٢) بياضه.
قال: وفي الباب عن ابن عباس وابن بحينة وجابر وأحمر بن جزء وميمونة وأبي حميد وأبي مسعود وأبي أسيد بن سعد ومحمد بن مسلمة والبراء بن عازب وعدي بن عميرة وعائشة.
قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن أقرم حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث داود بن قيس، ولا يعرف لعبد الله بن أقرم عن النبي ﷺ غير هذا الحديث.
قال: وعبد الله بن أرقم الزهري صاحب النبي ﷺ هو كاتب أبي بكر الصديق ﵃.
قال أبو الفتح: داود بن قيس يعرف بالفراء، مدني قال فيه الشافعي: ثقة حافظ، ووثقه أيضًا أحمد ويحيى وغيرهما، وروى له مسلم، مات في خلافة أبي جعفر.
وعبيد الله بن عبد الله بن أقرم روى عن أبيه. روى عنه داود بن قيس، أخرج له أبو داود والنسائي، ووثقه الترمذي وابن ماجه، وحديثه هذا عنده وعند النسائي أيضًا، ورواته ثقات.
стр. 1934
وأما كان حسنًا؛ لمحل التفرد.
وحديث ابن بحينة: أنه ﵇ كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يرى بياض إبطيه. عند البخاري ومسلم.
وحديث جابر مثله سواء. رواه الإمام أحمد وصححه أبو زرعة.
وحديث ابن جزء قال: إن كنا لنأوي لرسول الله ﷺ مما يجافي مرفقيه عن إذا سجد. رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه. وإسناده صحيح.
وقوله: (لنأوي له) قال الخطابي: لنرق له.
وحديث ميمونة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سجد لو شاءت بهمة أن تمر بين يديه لمرت.
وفي رواية: خوى بيديه -يعني جنح- حتى يرى وضح إبطيه. رواه مسلم (١).
والوضح: البياض.
وحديث أبي حميد تقدم بعضه، وسيأتي عنده، وقد صححه، وهو يرويه في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم جماعة من أشار إليه الترمذي هنا، وفيه: ثم أهوى إلى الأرض ساجدًا، ثم قال: الله أكبر، ثم جافى عضديه عن إبطيه ... الحديث.
وقد رواه النسائي (٢) عن أبي حميد مختصرًا: كان النبي ﷺ إذا هوى إلى الأرض ساجدًا جافى عضديه عن إبطيه وفتح أصاج رجليه. مختصر.
وحديث ابن عباس قال: أتيت النبي ﷺ من خلفه فرأيت بياض إبطيه وهو
стр. 1935
مجخ قد فرّج بيديه. رواه أبو داود (١).
وعن البراء في السجود أحاديث، منها:
قال رسول الله ﷺ : "إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك". رواه مسلم.
ومنها: أنه وضع يديه واعتمد على ركبتيه، ورفع عجيزته، وقال: هكذا كان رسول الله ﷺ يسجد. رواه الإمام أحمد وأبو داود واللفظ له، والنسائي.
وروى الإمام أحمد عن البراء أنه وصف السجود، فقال: فبسط كفيه ورفع عجيزته، وخوى، وقال: هكذا سجد النبي ﷺ .
ومنها: كان رسول الله ﷺ يسجد على أليتي الكف. رواه الإمام أحمد.
ومنها: قال كان النبي ﷺ إذا سجد جخى. رواه النسائي.
ومنها: قال: كان رسول الله ﷺ إذا ركع بسط ظهره وإذا سجد وجه أصابعه قبل القبلة، فتفاج (٢). رواه البيهقي.
قال الأزهري: معنى اللفظين واحد، التجخية والتجفية.
وقال غيره: معناه جافى في ركوعه، وفي سجوده وتفاج.
وقال الجوهري: وفججت ما بين رجلي أفجهما فجًا إذا فتحت، يقال: يمشي مفاجًّا، وتفاجّ، يعني فعل ذلك من فتح رجليه.
стр. 1936
وحديث عدي بن عميرة؛ فرويناه من طريق الطبراني في "المعجم الكبير" (١) قال: نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني يحيى بن معين، قال الطبراني: وثنا معاذ بن المثنى نا علي بن المديني قالا: نا معتمر بن سليمان، قال: قرأت على الفضيل بن ميسرة عن أبي حريز أن قيس بن أبي حازم حدثه: أن عدي بن عميرة الكندي حدثه: أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد جافى حتى يرى بياض إبطيه.
فضيل بن ميسرة العقيلي أبو معاذ البصري، روى عن طاوس والشعبي وأبي حريز عبد الله قاضي سجستان.
روى عنه سعيد بن أبي عروبة وشعبة ومعتمر ويزيد بن زريع ويحيى القطان.
قال أحمد: ليس به بأس، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم الرازي: شيخ صالح.
روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه.
وأبو حريز قاضي سجستان هو عبد الله بن الحسين، روى عن قيس بن أبي حازم والحسن البصري وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والشعبي وعكرمة وغيرهم.
روى عنه الفضيل بن ميسرة وقتادة وعثمان بن مطر وسعيد بن أبي عروبة.
قال ابن معين: ضعيف، وقال أحمد: حديثه منكر، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه.
وحديث عائشة، أخرجه مسلم، وفيه: كان ينهى يعني النبي ﷺ أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وسيأتي فيما جاء في الاعتدال في السجود
стр. 1937
إن شاء الله تعالى.
وذكر ترجمة ابن أرقم عبد الله للفرق بينه وبين عبد الله بن أقرم راوي هذا الحديث.
وعبد الله بن أرقم بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي، أسلم عام الفتح وكتب للنبي ﷺ وكانت له فضائل جمة، منها: ما رويناه من طريق الطبراني في "المعجم الكبير" (١) وذكر نسبه كما ذكرنا، ثم قال: وأمه عمرة بنت الأرقم بن هاشم بن عبد مناف، كان قد عمي قبل وفاته، وكان كاتبًا للنبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃، قال: أنا مطلب بن شعيب الأزدي: ثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني عبد العزيز بن أبي سلمة عن عبد الواحد بن أبي عون قال: أتى النبي ﷺ كتاب رجل، فقال لعبد الله بن الأرقم: "أجب عني"، فكتب جوابه، ثم قرأه عليه، فقال: "أجبت وأحسنت، اللهم وفقه"، فلما ولي عمر كان يشاوره (٢).
وذكر أبو عمر أن أبا بكر استكتبه وعمر، واستعمله على بيت المال، وعثمان بعده.
وقال خليفة بن خياط: لم يزل عبد الله بن الأرقم على بيت المال خلافة عمر كلها، وسنين (٣) من خلافة عثمان، حتى استعفاه من ذلك فأعفاه. وذكر ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله بن الزبير: أن رسول الله ﷺ استكتب عبد الله بن الأرقم، فكان يجيب عنه الملوك، وبلغ من أمانته عنده أنه كان
стр. 1938
يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك، فيكتب ويأمره أن يطينه ويختمه، وما يقرؤه لأمانته عنده.
وروى ابن القاسم عن مالك قال: بلغني أنه ورد على رسول الله ﷺ كتاب فقال: "من يجيب عني"؟ فقال عبد الله بن الأرقم: أنا، فأجاب عنه، وأتى به إليه فأعجبه وأنفذه.
وكان عمر حاضرًا فأعجبه ذلك من عبد الله بن الأرقم فلم يزل له ذلك في نفسه يقول: أصاب ما أراده رسول الله ﷺ ، فلما ولي عمر استعمله على بيت المال.
وروى ابن وهب عن مالك قال: بلغني أن عثمان أجاز عبد الله بن الأرقم وكان له على بيت المال بثلاثين ألفًا فأبى أن يقبلها.
وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار: أن عثمان استعمل عبد الله بن الأرقم على بيت المال فأعطاه عثمان ثلاثمائة درهم فأبى عبد الله بن الأرقم أن يأخذها، وقال: إنما عملت لله وإنما أجري على الله.
وروى أشهب عن مالك: أن عمر بن الخطاب كان يقول: ما رأيت أحدًا أخشى لله من عبد الله بن الأرقم بمال.
وقال عمر لعبد الله بن الأرقم: لو كان لك مثل سابقة القوم ما قدمت عليك أحدًا.
وأما راوي الحديث عند الترمذي فعبد الله بن أقرم بن زيد الخزاعي، معدود في أهل المدينة، روى عنه ابنه عبيد الله.
* * *
стр. 1939
[٨٩ - باب ما جاء في الاعتدال في السجود]
قال: ثنا هناد ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر: أن النبي ﷺ قال: "إذا سجد أحدكم فليعتدل، ولا يفترش ذراعيه افتراش الكلب" وصححه.
وذكر في الباب عن عبد الرحمن بن شبل وأنس والبراء وأبي حميد وعائشة.
وأخرج فيه حديث أنس بسنده وصححه.
قال أبو الفتح: قد أخرجه الترمذي بسند حديث جابر هذا أربعة أحاديث في كتابه.
أحدها: حديث الباب وصححه.
والثاني: "ما على الأرض من نفس منفوسة -يعني اليوم- تأتي عليها مائة سنة ... " وحسنه.
والثالث: "يعذب ناس من أهل التوحيد ... " وصححه.
والرابع: "إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون ... " وحسنه.
ومثله روايته عن هناد عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن أنس قال: كان النبي ﷺ يكثر أن يقول: "يا مثبت القلوب ثبت قلبي ... " الحديث.
وهو عنده حسن، ولا يتوجه عليه الاعتراض في التفرقة بين التصحيح والتحسين في هذه الأحاديث حتى يستووا من حيث الشواهد والمتابعات، ومن حيث السلامة من العلل.
فأما حديث الباب في الاعتدال في السجود: طريق جابر فشواهده كثيرة من
стр. 1940
حديث ابن شبل وأنس والبراء وغيرهم، ثابت بعضها في الصحيح، كما سيأتي.
وما عداه فيأتي الكلام على كل منها في موضعه إن شاء الله تعالى، وحديث عبد الرحمن بن شبل قال: نهى النبي ﷺ عن نقرة الغراب وافتراش السبع، وأن يوطن الرجل المكان في المسجد، كما يوطن البعير.
رواه أبو داود -وهذا لفظه- والنسائي وابن ماجه.
وحديث أنس عن النبي ﷺ : "اعتدلوا في السجود، لا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب". رواه البخاري ومسلم.
وحديث البراء وأبي حميد تقدما في باب التجافي في السجود.
وحديث عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، فكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه، ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي جالسًا.
وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عقبة الشيطان، وكان ينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وكان يختم الصلاة بالتسليم. رواه مسلم.
* * *
стр. 1941
[٩٠ - باب ما جاء في وضع اليدين ونصب القدمين في السجود]
وذكر في باب ما جاء في نصب القدمين في السجود حديث وهيب عن محمد بن عجلان عن محمد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن أبيه: أن النبي ﷺ أمر بوضع اليدين ونصب القدمين مسندًا، ثم ذكر عن حماد بن مسعدة ويحيى بن سعيد وغير واحد أنهم رووه عن محمد بن عجلان عن محمد بن إبراهيم عن عامر بن سعد: أن النبي ﷺ ؛ مرسلًا. ورجحه على المسند.
وذكر أبو عيسى الخلف على محمد بن عجلان، ولم يذكر الخلف على وهيب في إسناده وإرساله، وقد ذكره الدارقطني فقال (١): يرويه ابن عجلان وقد اختلف عنه فرواه وهيب بن خالد، واختلف عن وهيب أيضًا، فقال عبد الرحمن بن المبارك ومعلي بن أسد عن وهيب بن خالد عن ابن عجلان عن محمد بن إبراهيم التيمي عن عامر بن سعد عن أبيه. وكذلك قال سريج بن يونس عن أبي خالد الأحمر عن ابن عجلان.
ورواه عفان عن وهيب عن ابن عجلان عن محمد بن إبراهيم التيمي عن عامر بن سعد مرسلًا.
وكذلك قال الأشج عن أبي خالد عن ابن عجلان.
قال: ورواه الدارمي عن معلي بن أسد عن وهيب عن ابن عجلان عن بكير بن عبد الله الأشج عن عامر بن سعد عن سعد.
قال أبو الفتح: وهذا مخالف لما رواه الترمذي عن الدارمي.
قال الدارقطني: وقال حمدان بن عمر بن معلي بن أسد عن وهيب عن ابن
стр. 1942
عجلان عن محمد بن عبد الله (١)، وبكر بن عبد الله فجمع بينهما. وأسنده عن سعد.
ورواه الدراوردي وأبو ضمرة وعلي بن غراب عن ابن عجلان عن محمد بن إبراهيم عن عامر بن سعد مرسلًا عن النبي ﷺ .
ورواه الثوري عن ابن عجلان عن بكير عن عامر بن سعد مرسلًا، والمرسل أشبه (٢).
ورواه محمد بن سليمان بن أبي داود عن زهير بن محمد عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة، ووهم فيه (٣)
وفي الباب مما سلم من الإعلال بهذا الإرسال حديث عائشة قالت: فقدت رسول الله ﷺ ذات ليلة فانتهيت إليه وهو ساجد وقدماه منصوبتان وهو يقول: "اللهم إني أعوذ بك برضاك من سخطك". الحديث رواه مسلم والنسائي ولم يذكره الترمذي ولا أشار إليه بذكر راويه من الصحابة.
* * *
стр. 1943
[٩١ - باب ما جاء في إقامة الصلب إذا رفع رأسه من الركوع والسجود]
* وذكر فيما جاء في إقامة الصلب إذا رفع رأسه من السجود حديث الحكم من طريقين عن ابن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال: كانت صلاة رسول الله ﷺ إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع وإذا سجد وإذا رفع رأسه من السجود قريبًا من السواء وصححه.
وقال: وفي الباب عن أنس.
وحديث البراء رواه البخاري ومسلم.
وحديث أنس من رواية ثابت عنه قال: إني لا آلو أن أصلي بكم كما كان رسول الله ﷺ يصلي بنا قال: فكان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا حتى يقول القائل: قد نسي وإذا رفع رأسه من السجدة مكث حتى يقول القائل: قد نسي. رواه البخاري ومسلم.
* * *
стр. 1944
[٩٢ - باب ما جاء في كراهية أن يبادر الإمام بالركوع والسجود]
* وذكر في باب ما جاء في كراهية أن يبادر الإمام بالركوع والسجود حديث أبي إسحاق عن عبد الله بن يزيد ثنا البراء وهو غير كذوب قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ فرفع رأسه من الركوع لم يحن رجل منا ظهره حتى يسجد رسول الله ﷺ فنسجد.
قال: وفي الباب عن أنس ومعاوية وابن مسعدة صاحب الجيوش وأبي هريرة.
صحح حديث البراء هذا وقد رواه البخاري ومسلم.
وحديث أنس قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه فقال: "أيها الناس إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف فإني أراكم أمامي ومن خلفي" ثم قال: "والذي نفس محمد بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا" قالوا: وماذا رأيت يا رسول الله قال: "رأيت الجنة والنار". رواه مسلم.
وأما حديث معاوية فرواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما من طريق محمد بن يحيى بن حبان عن ابن محيريز عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تبادروني بركوع ولا بسجود فإني مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت إني قد بدّنت" اللفظ لأبي داود.
وحديث ابن مسعدة صاحب الجيوش فقرأت على يعقوب بن أحمد الحلبي أخبركم عبد اللطيف بن يوسف أنا عبد الحق بن يوسف أنا عبد الواحد بن محمد بن فهد بن العلاف أنا علي بن عمر الحمامي أنا عبد الباقي بن قانع أنا محمد بن الحسين الأنماطي ثنا يحيى بن معين ثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج حدثني
стр. 1945
عثمان بن أبي سليمان عن ابن مسعدة صاحب الجيوش قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إني قد بدنت فمن فاته ركوعي أدركه في بطيء قيامي" أخرجه هكذا ابن قانع في "معجمه" (١) في باب عبد الله.
وحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار أو يجعل صورته صورة حمار" رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "لا تبادروا الإمام إذا كبر فكبروا وإذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين وإذا ركع فاركعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد". رواه مسلم (٢).
وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا أن لا نبادر الإمام بالركوع، وإذا كبر فكبروا وإذا سجد فاسجدوا. رواه ابن ماجه (٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة ثنا محمد بن عبيد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة.
وفي الباب مما لم يذكره عن أبي موسى قال ابن ماجه (٤): ثنا محمد بن عبد
стр. 1946
الله بن نمير ثنا أبو بدر شجاع بن الوليد عن زياد بن خيثمة [عن أبي إسحاق] عن دارم عن سعيد بن أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : "إني قد بدنت فإذا ركعت فاركعوا وإذا رفعت فارفعوا، وإذا سجدت فاسجدوا ولا ألفين رجلًا يسبقني إلى الركوع ولا إلى السجود".
* * *
стр. 1947
[٩٣ - باب ما جاء في كراهية الإقعاء بين السجدتين]
وذكر في كراهية الإقعاء في السجود حديث الحارث عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : "يا علي أحب لك ما أحب لنفسي وأكره لك ما أكره لنفسي، لا تقع بين السجدتين" وذكر تفرد الحارث به عن علي وضعفه بالحارث.
قال: وفي الباب عن عائشة وأنس وأبي هريرة.
حديث علي رواه ابن ماجه من حديث الحارث أيضًا وكذلك أبو داود.
وحديث عائشة قال ابن ماجه: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا يزيد بن هارون عن حسين المعلم عن بُديل عن أبي الجوزاء عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائمًا فإذا سجد فرفع رأسه لم يسجد حتى يستوي جالسًا وكان يفترش رجله اليسرى.
وحديث أنس عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رفعت رأسك من السجود فلا تقع كما يقعي الكلب، ضع أليتيك بين قدميك وألزق ظاهر قدميك بالأرض" رواه ابن ماجه من رواية العلاء أبي محمد وقد ضعفه بعض الأئمة،
وحديث أبي هريرة قال: نهاني رسول الله ﷺ عن نقرة كنقرة الديك وإقعاء كإقعاء الكلب والتفات كالتفات الثعلب. رواه الإمام أحمد والبيهقي وعنده: "أو إقعاء كإقعاء القرد" وهو من رواية ليث بن أبي سُليم.
وفيه مما لم يذكره: عن سمرة بن جندب قال: نهى رسول الله ﷺ عن الإقعاء في الصلاة.
وعن أنس أن النبي ﷺ نهى عن الإقعاء والتورك. رواهما البيهقي.
стр. 1948
[٩٤ - باب ما جاء في الرخصة في الإقعاء]
وذكر في الرخصة في الإقعاء حديث أبي الزبير أنه سمع طاوسًا يقول: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين. قال: هي السنة. فقلنا: إنا لنراه جفاء بالرجل: قال: بل هي سنة نبيكم ﷺ . وحسنه، وقال: قد ذهب إليه بعض أهل العلم والأكثر على خلافه، وقد صحح مسلم هذا الحديث، وقد ارتفعت عنه تهمة التدليس بتصريح ابن جريج بالإخبار وأبي الزبير بالسماع.
* * *
стр. 1949
[٩٥ - باب ما يقول بين السجدتين]
وذكر في باب ما يقول ما يقول بين السجدتين ثنا سلمة بن شبيب ثنا زيد بن حباب عن كامل أبي العلاء عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: "اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقني".
حدثنا الحسن بن علي الخلال ثنا يزيد بن هارون عن زيد بن حباب عن كامل أبي العلاء نحوه، واستغربه وقال: به يقول الشافعي وأحمد وإسحاق يرون هذا جائزًا في المكتوبة والتطوع.
وروى بعضهم هذا الحديث عن كامل أبي العلاء مرسلًا.
رواه أبو داود وعنده: وعافني بدل: وأجبرني ورواه ابن ماجه وعنده: وارفعني بدل: واهدني.
وفي الباب مما لم يذكره عن حذيفة أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: "رب اغفر لي رب اغفر لي"، رواه أبو داود وابن ماجه والنسائي.
* * *
стр. 1950
[٩٦ - باب ما جاء في الاعتماد في السجود]
وذكر في باب ما جاء في الاعتماد في السجود حديث أبي صالح عن أبي هريرة قال: اشتكى أصحاب النبي إلى النبي ﷺ مشقة السجود عليهم إذا انفرجوا فقال: "استعينوا بالركب" قال: لا نعرفه من حديث أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه من حديث الليث عن ابن عجلان وقد رواه سفيان بن عيينة وغير واحد عن سمي عن النعمان بن أبي عياش عن النبي نحو هذا، وكأن رواية هؤلاء أصح من رواية الليث. انتهى كلام الترمذي.
روى الإمام أحمد هذا الحديث من طريق ابن عجلان عن أبي صالح وزاد فيه: قال ابن عجلان: وذلك أن يضع مرفقه على ركبته إذ طال السجود وأعيا.
رواه أبو داود مجردًا عن تفسير ابن عجلان. وكما قال الترمذي في ترجيح رواية ابن عيينة ومن تابعه عن ابن عجلان عن سمي عن النعمان على رواية الليث.
قال الدارقطني: فإنه سثل عنه فقال: يرويه سُمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن واختلف عنه فرواه محمد بن عجلان عن سمي.
واختلف عن ابن عجلان فرواه يعقوب الإسكندراني وليث بن سعد ومحمد بن الزبرقان أبو همام ويحيى بن أيوب المصري وعبد الله بن جعفر المديني عن ابن عجلان عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة.
وخالفهم وهيب بن خالد رواه عن ابن عجلان عن سمي عن النعمان بن أبي عياش الزرقي مرسلًا عن النبي ﷺ وتابعه سفيان الثوري وسفيان بن عيينة وغيرهما رووه عن سمي عن النعمان بن أبي عياش كما قال وهيب عن ابن عجلان وهو الصواب، وقال ابن جريج: أخبرت عن سمي عن النعمان بن أبي
стр. 1951
عياش مرسلًا أيضًا.
وقال البخاري: إرساله أصح من وصله.
قال أبو الفتح: النعمان بن أبي عياش الزرقي تابعي ثقة مشهور روى له البخاري ومسلم وغيرهما.
* * *
стр. 1952
[٩٧ - باب ما جاء كيف النهوض من السجود]
وذكر في النهوض من السجود حديث أبي قلابة عن مالك بن الحويرث أنه رأى النبي ﷺ فكان إذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي جالسًا وصححه، وقد رواه البخاري (١).
وذكر (٢) فيه حديث خالد بن إلياس عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ ينهض في الصلاة على صدور قدميه وضعف خالد بن إلياس وذكر صالحًا مولى التوأمة ولم ينبه على تضعيفه، وقد تبعه في ذلك عبد الحق واعترض ابن القطان عليه في تضعيفه خالدًا دون صالح لكنه أنحى على صالح في التضعيف وليس كما ذكر بل هو أصلح حالًا من خالد ويجاب عن عبد الحق بأنه أخرج الحديث، والكلام عليه كل ذلك عن الترمذي ولم يرَ للزيادة عليه وجهًا، ويجاب عن الترمذي بأن التضعيف بضعف راوٍ واحد كاف، لا سيما وهو أشد الراويين ضعفًا فكان الاقتصار على ذكر خالد كافيًا في الرد. هـ.
الوجه الثاني: في الكلام على شيء من المفردات.
الأول: الآراب قال أبو القاسم الراغب: الأرب فرط الحاجة المقتضي للاحتيال في دفعه فكل أرب حاجة وليس كل حاجة أربًا ثم تستعمل تارة في الحاجة المفردة وتارة في الاحتيال وإن لم تكن حاجة كقولهم: فلان ذو أرب وأريب أي ذو احتيال وقد أرب إلى كذا أي احتاج إليه حاجة شديدة وقد أرب إلى كذا أربًا وإربةً وأربة
стр. 1953
ومأربة، قال : ﴿ولي فيها مآرب أخرى﴾، ولا أرب لي في كذا أي: ليس لي شدة حاجة إليه.
وقوله : ﴿أولى الإربة من الرجال﴾ كناية عن الحاجة إلى النكاح وهي الأربى للكراهية (١) المقتضية للاحتيال وسمي الأعضاء التي تشتد الحاجة إليها آرابًا الواحد إرب وذلك أن الأعضاء ضربان ضرب أوجد لحاجة الحيوان إليه كاليد والرجل والعين، وضرب للزينة كالحاجب واللحية.
ثم التي للحاجة ضربان ضرب لا تشتد الحاجة إليه، وضرب تشتد إليه الحاجة حتى لو توهم مرتفعًا لاختل البدن به اختلالًا عظيمًا وهي التي تسمى آرابًا، وروي أنه ﷺ قال: "إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه وكفاه وركبتاه وقدماه" ويقال: أرب نصيبه أي عظمه وذلك إذا جعله قدرًا يكون له فيه أرب ومنه أرب ماله أي كثر وأربت العقدة أحكمتها.
الثاني: القاع المستوي من الأرض، ونمرة موقف من مواقف عرفة، وفي الحديث أن عائشة كانت تنزل من عرفة بنمرة ثم تحولت إلى الأراك. فالأراك من مواقف عرفة من ناحية الشام، ونمرة من مواقف عرفة من ناحية اليمن ذكره أبو عبيد البكري.
الثالث: قوله: (فمرت رَكَبَة) مفتوح الراء والكاف والباء ثاني الحروف، قال الجوهري: والركب أصحاب الإبل في السفر دون الدواب وهم العشرة فما فوقها والجمع أركب قال: والركبة بالتحريك أقل من الركب والأركوب بالضم أكثر من الركب والركبان الجماعة منهم.
الرابع: قوله: (حتى رأينا عفرة إبطيه) يريد بياضها، قال الجوهري: والتعفير والتبييض والأعفر الرمل الأحمر والأعفر الأبيض وليس بالشديد البياض وشاة عفراء
стр. 1954
يعلو بياضها حمرة.
الخامس: الإقعاء روى البيهقي عن أبي عبيدة معمر بن المثنى أنه قال: الإقعاء هو أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب على ساقيه ويضع يديه بالأرض. وقال في موضع آخر: الإقعاء جلوس الإنسان على أليتيه ناصبًا فخذيه مثل إقعاء الكلب والسبع.
السادس: التجافي قال ابن الأثير: كان يجافي عضديه عن جنبيه للسجود أي: يباعدهما ومنه الحديث الاخر: "إذا سجدت فتجاف"، وهو من الجفاء البعد عن الشيء انتهى.
ومثله حديث البراء: كان إذا سجد جخّى وروي جخّ ومعناهما واحد قاله الأزهري قال: والتجخية التخوية وقال غيره: معناها جافى في ركوعه وسجوده.
وروي عن ميمونة أنه ﵇ كان إذا سجد خوَى بيديه حتى يرى وضح إبطيه.
السابع: قوله بدّنت كذا بفتح الدال المشددة وقد ذكر عن أبي عبيد بدُنت بضم الدال من غير تشديد وهو قول مرغوب عنه عندهم يقال: بدن الرجل يبدن بدنًا وبدانة إذا ضخم فهو بادن وقد بدّن تبدينًا إذا أسن وهو رجل بدن إذا كان كبيرًا. هـ.
قال الأسود (١):
هل لشباب فات من مطلب ... أم ما بكاء البدن الأشيب
وقال الآخر:
وكنت خلت الهم والتبدينا ... والشيب مما يذهل القرينا
стр. 1955
وفي الحديث: "إني قد بدنت فلا تبادروني بالركوع والسجود".
والوجه الثالث: في الفوائد والمباحث:
وفيه مسائل:
الأولى: وضع الركبتين قبل اليدين في السجود، قال أصحابنا: يستحب أن يقدم في السجود الركبتين ثم اليدين ثم الجبهة والأنف وحكاه القاضي أبو الطيب عن عامة الفقهاء: وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب والنخعي ومسلم بن يسار وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، قال: وبه أقول.
وقال الأوزاعي ومالك: يقدم يديه على ركبتيه، وهي رواية عن أحمد. وروي أيضًا عن مالك أنه يقدم أيهما شاء ولا ترجيح، وبحسب اختلاف الأحاديث في ذلك اختلفت المذاهب، ففي حديث وائل الذي ذكرناه: يضع ركبتيه قبل يديه وقال الخطابي: وهو أثبت من حديث تقديم اليدين وهو أرفق بالمصلي وأحسن في الشكل ورأي العين.
وكذلك في حديث أنس المذكور وفي حديث أبي هريرة الذي ذكرناه من طريق عبد الله بن سعيد المقبري.
وقد روى أبو داود والنسائي بإسناد جيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه".
وروى الدارقطني من حديث ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد يضع يديه قبل ركبتيه.
وعن ابن عمر: أنه كان يضع يديه قبل ركبتيه، وقال: كان رسول الله ﷺ -
стр. 1956
يفعل ذلك. رواه ابن خزيمة في "صحيحه" (١) وقال: ذكر الدليل على أن الأمر بوضع اليدين عند السجود منسوخ وأن وضع الركبتين قبل اليدين ناسخ.
وروى (٢) من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه عن أبيه عن سلمة عن مصعب بن سعد عن سعد قال. كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بالركبتين قبل اليدين.
قال أبو الفتح: لا ينبغي أن يصحح مثل هذا، فإن يحيى بن سلمة بن كهيل قال البخاري: في حديثه مناكير.
وقال ابن نمير: ليس ممن يكتب حديثه.
وقال ابن معين: ليس بشيء لا يكتب حديثه.
وقال النسائي: متروك الحديث.
والمشهور عن مصعب عن أبيه نسخ التطبيق.
قال أبو الفتح: قد ذكرنا مذاهب العلماء في هذه المسألة وما استدل به لكل
стр. 1957
فريق منهم.
قال الشيخ محيي الدين رحمه الله تعالى: ولا يظهر لي الآن ترجيح أحد المذهبين من حيث السنة. وليس الأمر عندي كما ذكر بل أحاديث وضع اليدين قبل الركبتين أرجح لما روينا من طريق الدارقطني (١): ثنا الحسين بن الحسين بن عبد الرحمن القاضي ثنا محمد بن أصبغ بن الفرج ثنا أبي ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي ثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد يضع يديه قبل ركبتيه. وقد ذكرنا عن ابن خزيمة تصحيح حديث ابن عمر في ذلك.
وبحديث الأعرج عن أبي هريرة وتقدم الكلام عليه وقد رويناه من طريق الدارقطني أيضًا ثنا أبو بكر بن أبي داود ثنا محمود بن خالد ثنا مروان يعني ابن محمد ثنا عبد العزيز بن محمد ثنا محمد بن عبد الله بن الحسن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سجد أحدكم فليضع يديه قبل رجليه ولا يبرك بروك البعير".
حدثنا أبو سهل بن زياد ثنا إسماعيل بن إسحاق ثنا أبو ثابت محمد بن عبيد الله ثنا عبد العزيز بن محمد عن محمد بن عبد الله بإسناده عن النبي ﷺ فذكره.
فحديث أبي هريرة هذا شاهد لحديث ابن عمر المصحح عن أبي خزيمة وهو شاهد حسن.
وأما حديث وضع الركبتين فقد ذكرنا تفرد شريك به وأنه لا يصلح للاحتجاج إذا انفرد وقد روي من حديث عبد الجبار بن وائل عن أبيه ولم يسمع من أبيه، ولد بعد موته.
стр. 1958
وفيه حديث أنس الذي رويناه من طريق الدارقطني ثنا إسماعيل الصفار ثنا العباس بن محمد ثنا العلاء بن إسماعيل العطار ثنا حفص بن غياث عن عاصم الأحول عن أنس قال: رأيت رسول الله ﷺ ، وفيه: ثم انحط بالتكبير فسبقت ركبتاه يديه. قال الدارقطني: تفرد به العلاء بن إسماعيل عن حفص بهذا الإسناد وأما حديث عبيد الله بن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه ولا يبرك بروك الجمل" فقد ذكرنا تضعيف عبيد الله بن سعيد والصحيح من ذلك حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: "وليضع يديه قبل رجليه"، كما ذكرناه من طريق أبي داود والنسائي والدارقطني.
وفي الباب حديث سعد بن أبي وقاص الذي صححه ابن خزيمة وجعله ناسخًا لوضع اليدين قبل الركبتين كما عكس أبو محمد بن حزم فجعل حديث أبي هريرة في وضع اليدين قبل الركبتين ناسخًا لا خالفه ولا يصلح شيء من ذلك أن يكون ناسخًا لغيره.
أما حديث سعد فلضعف يحيى بن سلمة، وأما حديث أبي هريرة فإن أبا محمد قال: لو كان فيه بيان وضع الركبتين قبل اليدين لكان ذلك موافقًا لمعهود الأصل في إباحة كل ذلك ولكان حديث أبي هريرة واردًا بشريعة زائدة رافعة للإباحة السابقة بلا شك ناهية عنها بيقين وليس تحت كلام أبي محمد هذا طائل وليس فيه أكثر من أن الدلالة القولية مقدمة على الدلالة الفعلية إذا تعارضتا.
فتلخص من هذا أن أحاديث وضع اليدين قبل الركبتين أرجح من حيث الإسناد وأصرح من حيث الدلالة إذ هي قولية ولما تعطيه قوة الكلام من التهجين في التشبيه بالبعير الذي ركبته في يده فلا يمكنه تقديم يده على ركبته إذا برك لأنها في الاتصال بيده كالعضو الواحد.
стр. 1959
الثانية: وضع الجبهة والأنف على الأرض في السجود كما دل عليه حديث أبي حميد الساعدي وقد صححه وتقدمت الأحاديث في ذلك.
وأما مذاهب العلماء في وجوب وضع الجبهة والأنف على الأرض فجمهور العلماء على وجوب وضع الجبهة وأن الأنف لا تجزيء عنها وقال أبو حنيفة هو مخير بينها وبين الأنف وله الاقتصار على أحدهما.
قال ابن المنذر: ولا يحفظ هذا عن غير أبي حنيفة.
وأما الأنف فالذي ذهب إليه الشافعي أنه لا يجب السجود عليه بل يستحب وذكر عن طاوس وعطاء وعكرمة والحسن وابن سيرين وذكر عبد الرزاق عن إسرائيل عن جابر قال: سألت الشعبي عن الرجل يسجد على طرف جبينه؟ قال: يجزئه. وبه يقول الثوري وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وأبو ثور.
وقال سعيد بن جبير والنخعي وإسحاق: يجب السجود على الأنف مع الجبهة وعن مالك وأحمد روايتان كالمذهبين واحتج لأبي حنيفة بحديث ابن عباس: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة وأشار بيده إلى أنفه واليدين والركبتين وأطراف القدمين رواه البخاري ومسلم.
واحتج لمن أوجبهما بحديث أبي حميد المذكور وما في معناه من حديث ابن عباس عند مسلم أنه ﵇ قال: "أمرت أن أسجد على سبع: الجبهة والأنف واليدين والركبتين والقدمين".
وحديث عكرمة عن ابن عباس: "لا صلاة لمن لا يصيب أنفه من الأرض ما يصيب الجبين" قد تقدم ذكره عن الدارقطني وقد أعله هو وغيره بأن الصحيح فيه الإرسال، وما في معناه من حديث وائل وغيره.
وأما من ذهب إلى إيجاب الجبهة فقط فاحتجوا بحديث العباس وأبي حميد
стр. 1960
وابن عباس المخرج عن البخاري ومسلم وما في معنى ذلك.
ولا خفاء بما في هذا الاستدلال من الضعف إذ السجود على الأنف في الأحاديث الثابتة التي اقتضته حكم زائد وشرع وارد ولا سبيل إلى رد ما قد ثبت ذلك فيه بما لم يثبت فيه وقد روي عن ابن عباس من طريق عبد الرزاق في "مصنفه"، قال: ثنا إبراهيم بن يزيد عن عمرو بن دينار عن طاوس، قال: سمعت ابن عباس يقول: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، ولا أكف شعرًا ولا ثوبًا" قال: جبهته، ثم يضع يده عليها، ثم يمره على أنفه، فاليدين، والركبتين، والقدمين.
فبين بهذه الإشارة من إمرار اليد على الأنف أنه مراده أيضًا.
وقد روي عن ابن عباس راوي هذا الخبر الذي: إذا سجدت فألصق أنفك بالأرض، وهو راوي الخبر الذي احتجوا به وراوي ما خالفه من إيجاب السجود على الأنف فكانت فتواه على أحد الخبرين مقوية له.
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال لمن رآه يصلي: أمسّ أنفك الأرض، وعن سعيد بن جبير: إذا لم تضع أنفك مع جبينك لم تقبل منك تلك السجدة.
وقال أبو محمد بن حزم: وبه يقول الشافعي.
ولم يقل الشافعي بإيجاب السجود على الأنف إلا أن صاحب "البيان" حكى عن الشيخ أبي زيد المروزي أنه حكى قولًا للشافعي أنه يجب السجود على الجبهة والأنف جميعًا وهذا غريب عند أصحابه جدًّا وإن كان الدليل يقتضيه والمشهور عن الشافعي المذكور في كتاب "الأم" وغيره أنه إن اقتصر الساجد على السجود على الجبهة أجزأه ذلك ونصه في كتاب "الأم": كرهت ذلك وأجزأه.
واحتج من لم يوجب الأنف بما ذكرناه من حديث جابر: يسجد بأعلى جبهته
стр. 1961
على قصاص الشعر، وقد تقدم تضعيفه.
وقصاص الشعر أول منبته فالساجد عليه لا يصل إلى الأنف قالوا: وحكم الأنف والجبهة في الحديث حكم العضو الواحد ولو كانا عضوين لكان العدد ثمانية فدل ذلك على أن الأمر بالأنف إنما هو بحكم التبع والتمام كما قالوا في الاكتفاء بمسح بعض الرأس عن كله.
وقد يورد على من قال ذاك القول بقول أبي حنيفة فأكثر ما فيه أن الجبهة والأنف عضو واحد فإن اقتصر على بعضه أجزأه فلم كان ذلك البعض الجبهة دون الأنف والله أعلم.
الثالثة: تمكين الوضع للجبهة والأنف من غير حائل لما في حديث أبي حميد من قوله: (مكن جبهته الأرض) وهو يقتضي أكثر من الإمساس والمباشرة.
قال الأصحاب: والأولى أن يسجد على جبهته كلها فإن اقتصر على ما يقع عليه الاسم منها أجزأه مع أنه مكروه كراهة تنزيه هذا هو الصواب الذي نص عليه الشافعي في "الأم" وقطع به جمهور الأصحاب وحكى ابن كج والدارمي وجهًا أنه يجب وضع جميعها وهو شاذ ضعيف.
ولو سجد على جانب الجبهة أو على خده أو صدغه أو مقدم رأسه أو على أنفه ولم يضع شيئًا من جبهته على الأرض ولم يجزئه بلا خلاف ونص عليه في "الأم".
والصحيح من الوجهين أنه لا يكفي في وضع الجبهة الإمساس بل يجب أن يتحامل على موضع سجوده بثقل رأسه وعنقه حتى تستقر جبهته فلو سجد على قطن أو حشيش أو شيء محشو بهما وجب أن يتحامل حتى يظهر أثره فإن لم يفعل لم يجزئه وقال إمام الحرمين: عندي أنه يكفي إرخاء رأسه ولا حاجة إلى التحامل والمذهب الأول.
стр. 1962
الرابعة: فإن حال دون الجبهة حائل بأن سجد على كفه أو طرف كمه أو عمامته وهما متحركان بحركته في القيام أو القعود أو غيرهما لم تصح صلاته لأنه منسوب إليه فإن سجد على شيء من ذلك وهو طويل جدًّا لا يتحرك بحركته فوجهان؛ الصحيح أنه تصح صلاته.
وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يجوز السجود على كور العمامة وحكى عن شريح: أنه كان يسجد على برنسه حكاه عنهم ابن الصباغ في "شامله".
فأما من منع ذلك كما حكيته عن الأصحاب فيحتج في ذلك بحديث خباب بن الأرت: شكونا إلى رسول الله ﷺ شدة الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا.
روى أصله مسلم، وزيادة: وجوهنا وأكفنا عند البيهقي.
ومعنى: لم يشكنا لم يُزل شكوانا.
وعن علي قال: إذا كان أحدكم يصلي فليحسر العمامة عن جبهته.
وعن نافع: أن ابن عمر كان إذا سجد وعليه العمامة يرفعها حتى يضع جبهته بالأرض.
وعن عبادة بن الصامت أنه كان إذا قام إلى الصلاة حسر العمامة عن جبهته.
ذكره عنهم أبو بكر بن أبي شيبة بأسانيده، وقال: ثنا حماد بن خالد عن معاوية بن صالح عن عياض بن عبد الله القرشي قال: رأى النبي ﷺ يسجد على كور العمامة فأومأ بيده أن ارفع عمامتك فأومأ إلى جبهته.
وذكر عن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم أنه كان يحب للمعتم أن ينحي كور العمامة عن جبهته.
وعن وكيع عن سفيان عن الزبير بن عدي عن إبراهيم قال: أبرز جبيني أحب إليّ.
стр. 1963
وعن ابن أبي عدي عن أشعث عن محمد أنه كره السجود على كور العمامة.
وعن وكيع عن يزيد بن إبراهيم عن ابن سيرين مثله.
وعن وكيع عن جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال: أبرز جبيني أحب إليّ.
وعن ابن مهدي عن حماد بن سلمة عن هشام عن أبيه في المعتم قال: يمكن جبهته من الأرض.
وعن وكيع عن ابن علاثة أن عمر بن عبد العزيز قال لرجل: لعلك فيمن يسجد على كور العمامة.
وعن ابن فضيل عن حصين عن هلال بن يساف عن جعدة بن هبيرة أنه رأى رجلًا يسجد وعليه مغفرهُ وعمامته وقد غطى بهما وجهه فأخذ مغفره وعمامته فألقاه من خلفه.
وأما من لم بذلك بأسًا فقد ذكره ابن أبي شيبة بأسانيده عن عبد الرحمن بن يزيد وسعيد بن المسيب والحسن وبكر المزني ومكحول والزهري.
وقال ثنا مروان بن معاوية عن أبي ورقاء قال: رأيت ابن أبي أوفى يسجد على كور عمامته.
وعن أبي معاوية عن الأعمش عن مسلم قال: رأيت عبد الرحمن بن يزيد يسجد على عمامة غليظة الأكوار قد حالت بين جبهته وبين الأرض.
وقال المانعون من ذلك من أصحابنا: فإذا سجد على كور عمامته أو كمه أو نحوهما فسجوده باطل فإن تعمده مع علمه بتحريمه بطلت صلاته وإن كان جاهلًا أو ساهيًا لم تبطل لكن يجب إعادة السجود هذا كله إذا لم يكن له في ترك المباشرة
стр. 1964
بالجبهة عذر، فإن كان على جبهته جراحة وعصبها بعصابة وسجد على العصابة أجزأه ذلك وصحت صلاته ولا إعادة عليه لأنه إذا سقطت الإعادة مع الإيماء بالرأس للعذر فهاهنا أولى.
قال صاحب "الحاوي" والمستظهري: فيه وجه مخرج من مسح الجبيرة أن عليه الإعادة والمذهب أنه لا إعادة وبه قطع الجمهور.
قال أبو الفتح: وقد ذكر ابن أبي شيبة ثنا ابن علية عن أيوب عن محمد قال: أصابتني شجة فعصبت عليها عصابة فسألت عبيدة: أسجد عليها؟ قال: لا والمشهور الترخيص في مثل ذلك لذوي الأعذار لا سيما إذا اشتدت، قال الله تعالى ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ وممن وجدنا عنه الترخيص في ذلك روى أبو بكر عن جرير عن منصور عن فضيل عن إبراهيم قال: صلى عمر ذات يوم بالناس الجمعة في يوم شديد الحر فطرح طرف ثوبه بالأرض فجعل يسجد عليه ثم قال: يا أيها الناس إذا وجد أحدكم الحر فليسجد على طرف ثوبه.
قال أبو بكر: وثنا بشر بن المفضل عن غالب عن بكر عن أنس قال: كنا نصلي مع النبي ﵇ في شدة الحر فإذا فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن وجهه من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه.
وحدثنا شريك عن حسين عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى في ثوب واحد يتقي بفضوله حر الأرض وبردها.
وذكر عن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم أنه قال: إذا كان حر أو برد فليسجد على ثوبه.
قال: حدثنا عيسى بن يونس عن عبد الله بن مسلم قال: رأيت مجاهدًا في مسجد الحرام في يوم حار بسط ثوبه يسجد عليه.
стр. 1965
ثنا زيد بن حباب عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم قال: قلت لعطاء بن يسار: أسجد على ثوبي؟ قال: ثيابي مني.
قال ثنا غندر عن أشعث عن الحسن: أنه كان لا يرى بأسًا أن يسجد الرجل على الثوب.
أنا عبد الوهاب بن عطاء عن ابن جريج عن عطاء قال: أسجد على ثوبي إذا آذاني الحر فأما على ظهر رجل فلا.
السابعة: اختلف أصحابنا في وضع اليدين والركبتين والقدمين على قولين مشهورين نص عليهما الشافعي في "الأم"، قال ﵀ ورضي عنه: كمال السجود أن يسجد على جبهته وأنفه وراحتيه وركبتيه وقدميه وإن سجد على جبهته دون أنفه كرهت ذلك له وأجزأه وإن سجد على بعض جبهته دون جميعها كرهت ذلك ولم يكن عليه إعادة.
قال: وأحب أن يباشر براحتيه الأرض في الحر والبرد ولا أحب هذا في ركبتيه بل أحب أن تكونا مستورتين بالثياب وأحب وإن لم يكن الرجل متخففًا أن يفضي بقدميه إلى الأرض ولا يسجد منتعلًا.
قال الشافعي (١): وفي هذا قولان:
أحدهما: أن عليه أن يسجد على جميع أعضائه التي أمر بالسجود عليها فمن قال بهذا قال: (إن ترك عضوًا منها لم يوقعه الأرض وهو يقدر على إيقاعه لم يكن ساجدًا كما) إذا ترك جبهته فلم يوقعها الأرض وهو يقدر وإن سجد على ظهر كفيه لم يجزئه وكذا إن سجد على حروفهما وإن ماسّ الأرض ببعض يديه أصابعهما أو