← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

على قصاص الشعر، وقد تقدم تضعيفه. وقصاص الشعر أول منبته فالساجد عليه لا يصل إلى الأنف قالوا: وحكم الأنف والجبهة في الحديث حكم العضو الواحد ولو كانا عضوين لكان العدد ثمانية فدل ذلك على أن الأمر بالأنف إنما هو بحكم التبع والتمام كما قالوا في الاكتفاء بمسح بعض الرأس عن كله. وقد يورد على من قال ذاك القول بقول أبي حنيفة فأكثر ما فيه أن الجبهة والأنف عضو واحد فإن اقتصر على بعضه أجزأه فلم كان ذلك البعض الجبهة دون الأنف والله أعلم. الثالثة: تمكين الوضع للجبهة والأنف من غير حائل لما في حديث أبي حميد من قوله: (مكن جبهته الأرض) وهو يقتضي أكثر من الإمساس والمباشرة. قال الأصحاب: والأولى أن يسجد على جبهته كلها فإن اقتصر على ما يقع عليه الاسم منها أجزأه مع أنه مكروه كراهة تنزيه هذا هو الصواب الذي نص عليه الشافعي في "الأم" وقطع به جمهور الأصحاب وحكى ابن كج والدارمي وجهًا أنه يجب وضع جميعها وهو شاذ ضعيف. ولو سجد على جانب الجبهة أو على خده أو صدغه أو مقدم رأسه أو على أنفه ولم يضع شيئًا من جبهته على الأرض ولم يجزئه بلا خلاف ونص عليه في "الأم". والصحيح من الوجهين أنه لا يكفي في وضع الجبهة الإمساس بل يجب أن يتحامل على موضع سجوده بثقل رأسه وعنقه حتى تستقر جبهته فلو سجد على قطن أو حشيش أو شيء محشو بهما وجب أن يتحامل حتى يظهر أثره فإن لم يفعل لم يجزئه وقال إمام الحرمين: عندي أنه يكفي إرخاء رأسه ولا حاجة إلى التحامل والمذهب الأول.

стр. 1962

الرابعة: فإن حال دون الجبهة حائل بأن سجد على كفه أو طرف كمه أو عمامته وهما متحركان بحركته في القيام أو القعود أو غيرهما لم تصح صلاته لأنه منسوب إليه فإن سجد على شيء من ذلك وهو طويل جدًّا لا يتحرك بحركته فوجهان؛ الصحيح أنه تصح صلاته. وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يجوز السجود على كور العمامة وحكى عن شريح: أنه كان يسجد على برنسه حكاه عنهم ابن الصباغ في "شامله". فأما من منع ذلك كما حكيته عن الأصحاب فيحتج في ذلك بحديث خباب بن الأرت: شكونا إلى رسول الله ﷺ شدة الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا. روى أصله مسلم، وزيادة: وجوهنا وأكفنا عند البيهقي. ومعنى: لم يشكنا لم يُزل شكوانا. وعن علي قال: إذا كان أحدكم يصلي فليحسر العمامة عن جبهته. وعن نافع: أن ابن عمر كان إذا سجد وعليه العمامة يرفعها حتى يضع جبهته بالأرض. وعن عبادة بن الصامت أنه كان إذا قام إلى الصلاة حسر العمامة عن جبهته. ذكره عنهم أبو بكر بن أبي شيبة بأسانيده، وقال: ثنا حماد بن خالد عن معاوية بن صالح عن عياض بن عبد الله القرشي قال: رأى النبي ﷺ يسجد على كور العمامة فأومأ بيده أن ارفع عمامتك فأومأ إلى جبهته. وذكر عن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم أنه كان يحب للمعتم أن ينحي كور العمامة عن جبهته. وعن وكيع عن سفيان عن الزبير بن عدي عن إبراهيم قال: أبرز جبيني أحب إليّ.

стр. 1963

وعن ابن أبي عدي عن أشعث عن محمد أنه كره السجود على كور العمامة. وعن وكيع عن يزيد بن إبراهيم عن ابن سيرين مثله. وعن وكيع عن جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال: أبرز جبيني أحب إليّ. وعن ابن مهدي عن حماد بن سلمة عن هشام عن أبيه في المعتم قال: يمكن جبهته من الأرض. وعن وكيع عن ابن علاثة أن عمر بن عبد العزيز قال لرجل: لعلك فيمن يسجد على كور العمامة. وعن ابن فضيل عن حصين عن هلال بن يساف عن جعدة بن هبيرة أنه رأى رجلًا يسجد وعليه مغفرهُ وعمامته وقد غطى بهما وجهه فأخذ مغفره وعمامته فألقاه من خلفه. وأما من لم بذلك بأسًا فقد ذكره ابن أبي شيبة بأسانيده عن عبد الرحمن بن يزيد وسعيد بن المسيب والحسن وبكر المزني ومكحول والزهري. وقال ثنا مروان بن معاوية عن أبي ورقاء قال: رأيت ابن أبي أوفى يسجد على كور عمامته. وعن أبي معاوية عن الأعمش عن مسلم قال: رأيت عبد الرحمن بن يزيد يسجد على عمامة غليظة الأكوار قد حالت بين جبهته وبين الأرض. وقال المانعون من ذلك من أصحابنا: فإذا سجد على كور عمامته أو كمه أو نحوهما فسجوده باطل فإن تعمده مع علمه بتحريمه بطلت صلاته وإن كان جاهلًا أو ساهيًا لم تبطل لكن يجب إعادة السجود هذا كله إذا لم يكن له في ترك المباشرة

стр. 1964

بالجبهة عذر، فإن كان على جبهته جراحة وعصبها بعصابة وسجد على العصابة أجزأه ذلك وصحت صلاته ولا إعادة عليه لأنه إذا سقطت الإعادة مع الإيماء بالرأس للعذر فهاهنا أولى. قال صاحب "الحاوي" والمستظهري: فيه وجه مخرج من مسح الجبيرة أن عليه الإعادة والمذهب أنه لا إعادة وبه قطع الجمهور. قال أبو الفتح: وقد ذكر ابن أبي شيبة ثنا ابن علية عن أيوب عن محمد قال: أصابتني شجة فعصبت عليها عصابة فسألت عبيدة: أسجد عليها؟ قال: لا والمشهور الترخيص في مثل ذلك لذوي الأعذار لا سيما إذا اشتدت، قال الله تعالى ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ وممن وجدنا عنه الترخيص في ذلك روى أبو بكر عن جرير عن منصور عن فضيل عن إبراهيم قال: صلى عمر ذات يوم بالناس الجمعة في يوم شديد الحر فطرح طرف ثوبه بالأرض فجعل يسجد عليه ثم قال: يا أيها الناس إذا وجد أحدكم الحر فليسجد على طرف ثوبه. قال أبو بكر: وثنا بشر بن المفضل عن غالب عن بكر عن أنس قال: كنا نصلي مع النبي ﵇ في شدة الحر فإذا فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن وجهه من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه. وحدثنا شريك عن حسين عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى في ثوب واحد يتقي بفضوله حر الأرض وبردها. وذكر عن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم أنه قال: إذا كان حر أو برد فليسجد على ثوبه. قال: حدثنا عيسى بن يونس عن عبد الله بن مسلم قال: رأيت مجاهدًا في مسجد الحرام في يوم حار بسط ثوبه يسجد عليه.

стр. 1965

ثنا زيد بن حباب عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم قال: قلت لعطاء بن يسار: أسجد على ثوبي؟ قال: ثيابي مني. قال ثنا غندر عن أشعث عن الحسن: أنه كان لا يرى بأسًا أن يسجد الرجل على الثوب. أنا عبد الوهاب بن عطاء عن ابن جريج عن عطاء قال: أسجد على ثوبي إذا آذاني الحر فأما على ظهر رجل فلا. السابعة: اختلف أصحابنا في وضع اليدين والركبتين والقدمين على قولين مشهورين نص عليهما الشافعي في "الأم"، قال ﵀ ورضي عنه: كمال السجود أن يسجد على جبهته وأنفه وراحتيه وركبتيه وقدميه وإن سجد على جبهته دون أنفه كرهت ذلك له وأجزأه وإن سجد على بعض جبهته دون جميعها كرهت ذلك ولم يكن عليه إعادة. قال: وأحب أن يباشر براحتيه الأرض في الحر والبرد ولا أحب هذا في ركبتيه بل أحب أن تكونا مستورتين بالثياب وأحب وإن لم يكن الرجل متخففًا أن يفضي بقدميه إلى الأرض ولا يسجد منتعلًا. قال الشافعي (١): وفي هذا قولان: أحدهما: أن عليه أن يسجد على جميع أعضائه التي أمر بالسجود عليها فمن قال بهذا قال: (إن ترك عضوًا منها لم يوقعه الأرض وهو يقدر على إيقاعه لم يكن ساجدًا كما) إذا ترك جبهته فلم يوقعها الأرض وهو يقدر وإن سجد على ظهر كفيه لم يجزئه وكذا إن سجد على حروفهما وإن ماسّ الأرض ببعض يديه أصابعهما أو

стр. 1966

بعضهما أو راحتيه أو بعضهما أو سجد على ما عدا جبهته مغطيًا أجزأه وهكذا في الركبتين والقدمين. قال الشافعي: وهذا مذهب يوافق الحديث. والقول الثاني: أنه إذا سجد على جبهته أو على شيء منها دون ما سواها أجزأه هذا نصه ﵀. قال الشافعي والأصحاب: وإذا أوجبنا وضع هذه الأعضاء لم يجب كشف الركبتين والقدمين لكن يستحب كشف القدمين ويكره كشف الركبتين وفي وجوب كشف اليدين قولان الصحيح أنه لا يجب والثاني يجب كشف أدنى جزء من باطن كل كف. الثامنة: قول أبي إسحاق للبراء: (أين كان النبي ﷺ يضع وجهه إذا سجد؟ قال: بين كفيه) فيه الإشارة إلى طلب الاعتماد في السجود لأنه إذا جعلها عند منكبيه كان معتمدًا عليهما دون الوجه، وإذا جعلهما حيال وجهه كان معتمدًا عليهما وعلى وجهه وهو مما سبق من تمكين وضع الجبهة والأنف في السجود كما في حديث أبي حميد. التاسعة: في حديث طاوس عن ابن عباس ولا يكف شعره ولا ثيابه، وروي: ولا يكفت وهو بمعناه وقد تكسر الفاء من يكفت والمراد لا يجمع ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿ألم نجعل الأرض كفاتا﴾ أي: نجمع الناس في حياتهم وموتهم. واتفق العلماء على النهي أن يصلي الرجل مشمرًا ثوبه أو كمه أو نحوه أو معقوصًا شعره أو مردودًا شعره تحت عمامته أو ما أشبه ذلك، كل هذا مكروه كراهة تنزيه ولا إعادة على المصلي كذلك نقل الطبري في ذلك الإجماع ونقل ابن المنذر الإعادة فيه عن الحسن البصري كأنه يرى أن الشعر يسجد معه. مذهب الجمهور أن

стр. 1967

النهي مطلقًا لمن صلى كذلك سواء تعمده للصلاة أم لا. وقال الداودي: يختص النهي بمن فعل ذلك للصلاة وهو المختار الذي دلت عليه الآثار وكراهة ذلك معللة بأمرين ما تقدم من سجود الشعر مع الساجد ولهذا مثل فاعل ذلك بالذي يصلي وهو مكتوف كما جاء في حديث ابن عباس عند مسلم أنه رأى عبد الله بن الحارث يصلي ورأسه معقوص من ورائه فقام فجعل يحله فلما انصرف أقبل إلى ابن عباس فقال: ما لك ولرأسي! فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف ... ". ولما يشير إليه رفع المصلي ثوبه وشعره عن الأرض ومباشرتها بذلك من الكبر والترفع المذموم فاعله. وأيضًا فربما كان به في شغل في الصلاة لم تدع إليه ضرورة. العاشرة: ذكر في التجافي في السجود حديث ابن أقرم، قال الشافعي والأصحاب: يستحب أن يجافى مرفقيه عن جنبيه ويرفع بطنه عن فخذيه وتضم المرأة بعضها إلى بعض وقد تقدم في الركوع تفسير هذه اللفظة وذهب بعض السلف إلى أن حكم النساء في ذلك التربع وذكر عن أبي حنيفة تخييرهن بين التجافي والانضمام وحكم الفرائض والنوافل في ذلك سواء. الحادية عشرة: الأمر بالاعتدال في السجود يريد به استواء الاعتماد على الرجلين والركبتين واليدين وسائر أعضاء السجود ولا يأخذ عضو من الاعتدال أكثر من الآخر فيكون الاعتماد عليه أكثر وبالتساوي يحصل العدل فيكون ممتثلًا لقوله: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم"، وإذا فرش ذراعيه فرش الكلب كان الاعتماد عليها دون الوجه وهذا أدب متفق على استحبابه، فلو تركه كان مسيئًا مرتكبًا لما نهي عنه نهي تنزيه قالوا: والحكمة فيه أنه أنسب إلى التواضع وأبلغ في تمكين الجبهة

стр. 1968

والأنف من الأرض، وأبعد من هيئات الكسالى، فإن المنبسط يشبه الكلب ويُشعِر حاله بالتهاون بالصلاة وقلة الاهتمام بها والإقبال عليها، وكذلك النهي عن افتراش السبع ولا شك في كراهة هذه الهيئة ولفظ الحديث هنا "ولا يبسطن أحدكم ذراعيه بسط الكلب" فأتى بمصدر يبسط على هيئته ووقع في "صحيح مسلم": "ولا يبسط انبساط الكلب" بالمصدر هناك من انبسط كأنه قال بسط فانبسط انبساطًا ومثله قوله تعالى: ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتًا﴾ كأنه قال: أنبتكم فنبتم نباتًا وقوله تعالى. ﴿فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتًا حسنًا﴾ والأمر في حديث سعد بوضع اليدين ونصب القدمين من ذلك. الثانية عشرة: ذكر في باب إقامة الصلب إذا رفع رأسه من السجود حديث البراء بن عازب قال: كانت صلاة النبي ﷺ إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع وإذا سجد وإذا رفع رأسه من السجود قريبًا من السواء. فيه بيان الطمأنينة في هذه الأركان بالفعل كما سبق بيانها بالقول لا سيما على رواية من رواه في الأركان كلها وكذلك هو عند مسلم فهذه المقاربة المذكورة ربما اقتضت أن بعض تلك الأركان أطول من بعض إلا أن التفاوت بينها ليس بكثير ولعله في القيام وجلوس التشهد على أن البخاري قد رواه فقال فيه: ما خلا القيام والقعود. فأما على رواية الترمذي فقد لا يحتاج إلى تأويل وأما على رواية من ذكر الأركان كلها فإنه قد ثبت أنه كان يطيل القيام ويقرأ فيه بالستين إلى المائة ويذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يتوضأ ثم يرجع فيجده قائمًا في الركعة الأولى فيحتمل أن يكون ذلك الطول كان في أول الأمر ثم كان التخفيف بعد. الثالثة عشرة: فيه إقامة الصلب من السجود وهو مقصود الباب وقد تقدم

стр. 1969

الكلام فيه في أبواب الركوع في حديث "لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها يعني صلبه في الركوع والسجود" بما يغني عن الإعادة هنا ويكفي من ذلك ما في حديث أنس كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا حتى يقول القائل قد نسي وذكر في الرفع من السجود مثله. فقد وقع أيضًا البيان في حديثي البراء وأنس بطمأنينة الرفع من الركوع والرفع من السجود قولًا وفعلًا. الرابعة عشرة: ذكر في كراهية أن يبادر الإمام بالركوع والسجود حديث البراء: لم يحن رجل منا ظهره حتى يسجد رسول الله ﷺ فنسجد الحديث، فيه متابعة المأموم إمامه وأن فعله ذلك يكون عقيب فعله من غير فصل لما تقتضيه الفاء من التعقيب بلا مهلة وكذلك قوله: إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا الحديث، قال أبو بكر الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل يسئل: متى يكبر من خلف الإمام؟ ومتى يركع؟ فذكر الحديث. إذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا ثم قال: يتبعه في كل شيء يصنعه كلما فعل شيئًا فعله بعده. قال أبو الفتح: قال الفقهاء بوجوب ذلك في تكبيرة الإحرام والسلام قالوا: إن شرع في تكبيرة الإحرام قبل فراغ الإمام منها لم تنعقد صلاته وكذلك في السلام فإن سلم قبله بطلت صلاته إلا أن ينوي المفارقة (١) ففيه خلاف مشهور وإن سلم معه فلا تبطل على الصحيح. وأما في الركوع وغيره فإن قارنه أو سبقه فقد أساء ولكن لا تبطل صلاته واختلف قول مالك في ذلك: فروي عنه أن عمل المأموم كله مع عمل الإمام ركوعه وسجوده ورفعه وخفضه ما خلا الإحرام والتسليم فإنه لا يكون إلا بعد عمل الإمام وبعقبه، وروي عنه مثل ذلك ما خلا الإحرام والقيام من اثنتين والسلام.

стр. 1970

وقد روي عن مالك: أن الأحب إليه أن يكون عمل الأموم في ذلك كله بعد عمل الإمام وبعقبه. قال أبو عمر: هذا أحسن. قال أبو الفتح: ووجه تحسين هذا وما قدمنا حكايته عن الأثرم عن أحمد أن الفاء ظاهرة في التعقيب، ثم تحتمل بعد ذلك تعقيب الشروع بالشروع أو تعقيب التمام بالشروع، والثاني أولى إذ هو الحقيقة وقد حملوها على ما هو الأولى من تعقيب التمام بالشروع في تكبيرة الإحرام إجماعًا فكان الأحسن اطّراد ذلك في جميع الأركان فمن خرج عن ذلك طولب بالدليل. الخامسة عشرة: ذكر في كراهة الإقعاء حديث علي وفي الرخصة فيه حديث ابن عباس وقد تقدم تفسيره بالوجهين فذهب قوم إلى أن أحاديث النهي ناسخة لأحاديث الإباحة قال الإمام: لعل ابن عباس لم يعلم ما ورد من الأحاديث الناسخة التي فيها النهي عن الإقعاء والذي اختاره القاضي وآخرون أن اختلاف الحكم فيه تابع لاختلاف التفسير كما قدمنا فأحد نوعيه هو المكروه أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض كإقعاء الكلب. والثاني: أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين وهذا مراد ابن عباس بقوله: سنة نبيكم وقد نص الشافعي في البويطي والإملاء على استحبابه في الجلوس بين السجدتين وقد روي عن جماعة من السلف فعله قالوا: وكذا جاء مفسرًا عن ابن عباس من السنة أن تمس عقبيك أليتيك وللشافعي نص آخر في الجلوس بين السجدتين من أن السنة فيه الافتراش وهو أشهر عنه وأما جلسة التشهد الأول وجلسة الاستراحة فسنتهما الافتراش وجلسة التشهد الآخر سنتها التورك وسيأتي لهذا مزيد بيان.

стр. 1971

السادسة عشرة: قوله: (إنا لنراه جفاء بالرجل) كان أبو عمر بن عبد البر يقوله بكسر الراء وإسكان الجيم ويقول: من ضم الجيم وفتح الراء فقد غلط، يريد والذي اختاره الأكثرون ما رده أبو عمر قالوا: وهذا الذي يصلح أن ينسب له الجفاء. السابعة عشرة: ذكر في الاعتماد في السجود حديث "استعينوا بالركب"، قال صاحب "التتمة": إذا كان يصلي وحده وطول السجود ولحقه مشقة بالاعتماد على كفيه وضع ساعديه على ركبتيه لحديث أبي هريرة هذا. وقال ابن العربي: لما شكوا إليه المشقة قال: يكفيكم الاعتماد على الركب راحة. الثامنة عشرة: حديث مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة والصحيح عندنا استحبابها مطلقًا لصحة أحاديثها وبها قال مالك بن الحويرث وأبو قتادة وأبو حميد وجماعة من الصحابة وهو مذهب داود ورواية عن أحمد. وقال آخرون: لا تستحب، ذكر عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبي الزناد ومالك والثوري وأصحاب الرأي. وهي جلسة لطيفة جدًّا وفي التكبير أوجه أصحها أنه يرفع مكبرًا ويمد التكبير إلى أن يستوي قائمًا والسنة فيها أن يجلس مفترشًا وأن تكون عقيب السجدتين في كل ركعة يعقبها قيام سواء الأولى والثالثة، والفرائض والنوافل. التاسعة عشرة: ذكر حديث أبي هريرة: (ينهض على صدور قدميه) وقد اختلف العلماء في كيفية النهوض إلى الركعة الثانية وسائر الركعات فالذي ذهب إليه الشافعي أنه يستحب أن يقوم معتمدًا على يديه وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر ومكحول وعمر بن عبد العزيز والقاسم بن عبد الرحمن ومالك وأحمد وقال أبو حنيفة وداود: يقوم غير معتمد بيديه على الأرض بل يعتمد على صدور قدميه وإليه

стр. 1972

ذهب ابن مسعود وحكاه ابن المنذر عن علي والنخعي والثوري واحتجوا بحديث الباب وذكروا حديث أبي شيبة عن زياد بن زيد عن أبي جحيفة عن علي قال: من السنة إذا نهض الرجل في الصلاة المكتوبة من الركعتين الأوليين لا يعتمد بيديه على الأرض إلا أن يكون شيخًا كبيرًا لا يستطيع. رواه البيهقي. وعن ابن عمر: أن النبي ﷺ نهى أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة. وعن وائل بن حجر في صفة صلاة النبي ﷺ : وإذا نهض نهض على ركبتيه واعتمد على فخذيه رواهما أبو داود. وذكروا في ذلك آثارًا عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن الزبير وأبي سعيد أنهم يقومون على صدور أقدامهم في الصلاة. واحتج الشافعي ومن قال بقوله بحديث مالك بن الحويرث مرفوعًا: وإذا رفع رأسه عن السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ثم قام. رواه البخاري. وقالوا: هو أبلغ في الخشوع والتواضع وأعون للمصلي وأحرى أن لا ينقلب. * * *

стр. 1973

٩٩ - باب ما جاء في التشهد حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي ثنا عبيد الله الأشجعي عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد عن عبد الله بن مسعود قال: علمنا رسول الله ﷺ إذا قعدنا في الركعتين أن نقول: "التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". قال: وفي الباب عن ابن عمر وجابر وأبي موسى وعائشة. قال أبو عيسى: حديث ابن مسعود قد روي عنه من غير وجه وهو أصح حديث روي عن النبي ﷺ في التشهد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق. حدثنا أحمد بن محمد بن موسى أنا عبد الله بن المبارك عن معمر عن خصيف قال: رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت: يا رسول الله إن الناس قد اختلفوا في التشهد قال: "عليك بتشهد ابن مسعود". * * *

стр. 1974

١٠٠ - باب منه أيضًا ثنا قتيبة ثنا الليث عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير وطاوس عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا القرآن فكان يقول: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله". قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن غريب صحيح وقد رَوَى عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي هذا الحديث عن ابن الزبير نحو حديث الليث بن سعد. وروى أيمن بن نابل المكي هذا الحديث عن أبي الزبير عن جابر وهو غير محفوظ وذهب الشافعي إلى حديث ابن عباس في التشهد. * الكلام عليه من وجوه: الأول من حيث الإسناد: وكلا الحديثين مخرج في الصحاح، فأما حديث ابن مسعود فعند الجماعة كلهم من حيث أبي وائل عن عبد الله إلا الترمذي فذكره من حديث الأسود عنه ولفظه عن البخاري: كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ قلنا: السلام على جبريل وميكائيل السلام على فلان وفلان فالتفت إلينا رسول الله ﷺ فقال: "إن الله هو السلام فإذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". وللبخاري أيضًا قال: كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده السلام على فلان وفلان فقال النبي ﷺ : "لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام". ولمسلم نحوه.

стр. 1975

قال الترمذي: وقد روي عنه يعني عن ابن مسعود من غير وجه. وأخبرني أبو عمرو محمد بن محمد عن أبي الحسين بن السراج إجازة إن لم يكن سماعًا أنا ابن بشكوال أنا أبو محمد بن غياث أنا ابن عبد البر أنا الطلمنكي أنا محمد بن أحمد مفرج قال: قرأت على أبي الحسن محمد بن أيوب الصموت بمصر قلت: سمعت أحمد عمرو بن عبد الخالق البزار يقول: وسئل عن أصح حديث في التشهد؟ فقال: هو عندي والله أعلم حديث ابن مسعود وروي عنه نيف وعشرون طريقًا فمن ذلك ما روى بريدة عن عبد الله بن مسعود وعبيدة السلماني وأبو عبد الرحمن السلمي ومسروق بن الأجدع وعمرو بن ميمون والأسود بن يزيد وعلقمة بن قيس وأبو عبيدة وأبو معمر وأبو وائل وعمير بن سعد وأبو الأحوص؛ فرواه عن أبي وائل: منصور والأعمش وعاصم ومغيرة وحماد بن أبي سليمان وحصين بن عبد الرحمن وفضيل بن عمرو وجامع بن أبي راشد والحكم بن عتيبة هؤلاء رووه عن أبي وائل عن عبد الله عن النبي ﷺ . ولا أعلم يروى عن النبي ﷺ أشهر وأثبت من حديث عبد الله، ولا أصح أسانيد، ولا أشهر رجالًا، ولا أشد تظاهرًا بكثرة الأسانيد واختلاف طرقها، وإليه أذهب، وربما زدت. وأما حديث ابن عباس فرواه مسلم في "صحيحه" وهو عند معرف بالألف واللام في السلام، وقد رواه الجماعة إلا البخاري واختلفوا في تعريف السلام. وأما حديث ابن عمر فروينا من طريق أبي داود ثنا نصر بن علي حدثني أبي ثنا شعبة عن أبي بشر سمعت مجاهدًا يحدث عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ في التشهد: "التحيات لله الصلوات الطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته -قال: قال ابن عمر: زدت فيها وبركاته- السلام علينا وعلى عباد الله

стр. 1976

الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله -قال ابن عمر: زدت فيها وحده لا شريك له- وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. قال أبو الفتح: رجاله متفق عليهم في الصحيحين وقد رواه عن ابن عمر أيضًا عبد الله بن دينار، رويناه من طريق الدارقطني (١) ثنا أبو بكر الشافعي ثنا محمد بن علي بن إسماعيل السكري ثنا خارجة بن مصعب بن خارجة. قال الدارقطني: وحدثني أحمد بن محمد بن أبي عثمان الغازي أبو سعيد النيسابوري نا أبو العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي ثنا خارجة بن مصعب بن خارجة ثنا مغيث بن بديل ثنا خارجة بن مصعب عن موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد: "التحيات الطيبات الزاكيات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله ثم يصلي على النبي ﷺ . هذا لفظ ابن أبي عثمان. قال الدارقطني: وموسى بن عبيدة وخارجة ضعيفان. وقد رواه مالك عن نافع عن ابن عمر موقوفًا بلفظ آخر. ولا علة لهذا الحديث تمنع من القول بصحته فيما أعلم إلا ما قيل في سماع أبي بشر جعفر بن أبي وحشية من مجاهد، وما يأتي ذكره من الخلاف على ابن عمر. فأما الكلام على سماع أبي بشر من مجاهد، فقد ذكره ابن أبي حاتم (٢) في "مراسيله" عن محمد بن حموية بن الحسن قال: سمعت أبا طالب قال: قال أحمد

стр. 1977

ابن حنبل قال يحيى ......... عن شعبة. وقد روينا من طريق ابن عدي (١): ثنا عبد الوهاب بن أبي عصمة ثنا أبو طالب أحمد بن حميد: سألت -يعني أحمد بن حنبل- عن حديث شعبة عن أبي بشر قال: سمعت مجاهدًا يحدث عن ابن عمر عن النبي ﷺ في التشهد: التحيات؟ فأنكره، وقال: لا أعرفه. قلت: روى نصر بن علي عن أبيه (قال: سمعت مجاهدًا). قال: قال يحيى: كان شعبة يضعف حديث أبي بشر عن مجاهد، قال: ما سمع منه شيئًا. إنما (٢) -ابن عمر يرويه عن أبي بكر الصديق ﵁ علمنا [التشهد، ليس فيه النبي ﷺ ]. قال أبو الفتح: وقد ذكره أبو بكر بن في "مصنفه" كذلك قال: ثنا الفضل بن دكين عن سفيان عن زيد العمي عن أبي الصديق الناجي عن ابن عمر: أن أبا بكر كان يعلمهم التشهد على المنبر كما يعلم الصبيان في الكتاب: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. فأما سماع أبي بشر عن مجاهد فقد روى البخاري في كتاب البيوع في "صحيحه" حديث: "إن من الشجر شجرة كالرجل المؤمن ... " عن أبي الوليد عن أبي عوانة عن أبي بشر عن مجاهد عن ابن عمر الحديث، ففيه القول من البخاري

стр. 1978

بتصحيح حديث أبي بشر عن مجاهد. وأما الخُلْف، فيجوز أن يكون ابن عمر روى ذلك عن النبي ﷺ ، ورواه عن أبي بكر، وحدث به على الوجهين، وقد قال الدارقطني (١) عقيب تخريجه إياه في "سننه" عن أبي بكر بن أبي داود عن نصر بن علي، كما أخرجه أبو داود: هذا إسناد صحيح، تابعه على رفعه ابن أبي عدي عن شعبة ووقفه غيرهما. وقد روي من وجه آخر، قال ابن أبي حاتم في "علله" (٢): سمعت أبي وذكر حديثًا به عن حيوة بن شريح عن بقية عن الزبيدي عن الزهري عن سالم عن ابن عمر. أن النبي ﷺ كان يسلم تسليمتين؟ فقال أبي: هذا حديث منكر. وأما حديث جابر فروينا من طريق النسائي أنا محمد بن عبد الأعلى ثنا المعتمر سمعت أيمن يقول: حدثني أبو الزبير عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن: "بسم الله وبالله التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أسأل الله الجنة وأعوذ بالله من النار". وأخرجه ابن ماجه أيضًا من حديث أيمن وقد رواه عن أيمن جماعة غير المعتمر والصحيح فيه أنه من رواية أبي الزبير من طريق ابن عباس فقد قال الدارقطني. في أيمن ليس بالقوي خالف الناس ولو لم يكن إلا حديث التشهد مع ما سبق فيه من قول الترمذي: غير محفوظ، ابن عساكر في "تاريخه" في ترجمة أيمن. قرأت بخط أبي عبد الرحمن النسائي: لا نعلم أحدًا تابع أيمن على هذا الحديث يعني حديث

стр. 1979

التشهد وخالفه الليث في إسناده، وأيمن لا بأس به والحديث خطأ وبالله التوفيق (١). وقال الحاكم: حديث أيمن بن نابل المكي عن أبي الزبير جابر أن رسول الله ﷺ كان يقول في التشهد: "بسم الله وبالله" وأيمن بن نابل ثقة مخرج حديثه في صحيح البخاري فلم يخرج هذا الحديث إذ ليس له متابع على أبي الزبير من وجه يصح. وقد توبع أيمن عليه فيما حكاه الدارقطني أيضًا في "علله" فقال: يرويه الثوري وابن جريج وأيمن بن نابل عن أبي الزبير عن جابر وخالفهم ليث بن سعد وعمرو بن الحارث روياه عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير وطاوس عن ابن عباس. ورواه عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي وزكريا بن خالد شيخ لأهل الكوفة يروي عنه قيس بن الربيع وغيره عن أبي الزبير عن طاوس وحده عن ابن عباس. وحديث ابن عباس أشبه بالصواب من حديث جابر. قول الدارقطني: عبد الرحمن بن حميد رواه عن أبي الزبير عن طاوس وحده مخالف لما ذكره الترمذي من قوله عن عبد الرحمن أنه رواه نحو حديث الليث وهو قد ساق حديث الليث عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير وطاوس ومن أثبت مقدم على من نفى إلا أن يكون الترمذي أراد بقوله نحو حديث الليث في أنه من طريق ابن عباس لا من طريق جابر. وقد رواه مسلم كما قال الدارقطني: فقال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة يحيى بن

стр. 1980

آدم ثنا عبد الرحمن بن حميد حدثني أبو الزبير عن طاوس عن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن. وأما قول الترمذي في حديث ابن عباس: إنه غريب مع تصحيحه إياه، فالظاهر أن فكذلك هو في الكتب الخمسة وغيرها. فقد كان هذا الاستغراب صحيحًا لولا أن الدارقطني ذكر أن عمرو بن الحارث تابع الليث عليه فيكون على هذا عزيزًا لا غريبًا، وهي رتبة الغرابة التي أشار إليها توهمه أن الليث انفرد به عن أبي الزبير بين الغريب والمشهور. * وأما حديث أبي موسى فروينا من طريق مسلم ثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد وأبو كامل الجحدري ومحمد بن عبد الملك الأموي واللفظ لأبي كامل قالوا ثنا أبو عوانة عن قتادة عن يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله الرقاشي قال: صليت مع أبي موسى الأشعري صلاة فلما كان عند القعدة قال رجل من القوم: أقرت الصلاة بالبركة والزكاة قال: فلما قضى أبو موسى الصلاة وسلم انصرف فقال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا فأرم القوم ثم قال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا فأرم القوم قال: لعلك يا حطان قلتها قال: ما قلتها ولقد رهبت أن تبكعني بها فقال رجل من القوم: أنا قلتها ولم أرد بها إلا الخير فقال أبو موسى: ما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم إن رسول الله ﷺ خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا فقال: "إذا صليتم فأقيموا صفوفكم ثم ليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا وإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين يجبكم الله فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم" فقال رسول الله ﷺ : "فتلك بتلك وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد يسمع الله لكم فإن الله تعالى قال على لسان نبيه سمع الله لمن حمده وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع

стр. 1981

قبلكم" قال: رسول الله ﷺ "فتلك بتلك، وإذا كان عند القعدة فليكم من أول قول أحدكم التحيات الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". وأما حديث عائشة فلم نره مرفوعًا وإنما روينا من طريق يحيى بن يحيى في "موطئه" عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها كانت تقول إذا تشهدت: التحيات الطيبات الصلوات الزاكيات لله أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين السلام عليكم. ورويناه بالإسناد المذكور إلى مالك عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد أنه أخبره أن عائشة زوج النبي ﷺ فذكره بعينه. وفي الباب مما لم يذكره عن سمرة بن جندب روينا من طريق أبي داود قال ثنا محمد بن داود بن سفيان قال: ثنا يحيى بن حسان قال: ثنا سليمان بن موسى أبو داود قال: ثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب قال: حدثني خُبيب بن سليمان عن أبيه سليمان بن سمرة عن سمرة بن جندب: أما بعد أمرنا رسول الله ﷺ إذا كان في وسط الصلاة أو حين انقضائها: "فابدأوا قبل التسليم فقولوا: التحيات والطيبات والصلوات والملك لله ثم سلموا على اليمين ثم سلموا على قارئكم وعلى أنفسكم". قال أبو داود: سليمان بن موسى كوفي الأصل كان بدمشق وقد رواه الطبراني أيضًا من حديث محمد بن إبراهيم هو ابن خُبيب بن سليمان بن سمرة عن جعفر بن سعد فتابع محمد بن إبراهيم سليمان بن موسى وسليمان ثقة روى عنه مروان

стр. 1982

ابن محمد الطاطري ووثقه وقال أبو حاتم: محله الصدق مستقيم الحديث صالح الحديث. وفيه عن عمر بن الخطاب روينا عن الدارقطني ثنا عبد الله بن سليمان بن أبي (١) شعيب ثنا محمد بن وزير الدمشقي قال: ثنا الوليد بن مسلم أخبرني ابن لهيعة أخبرني جعفر بن ربيعة عن يعقوب بن الأشج أن عون بن عبد الله بن عتبة كتب لي في التشهد عن ابن عباس وأخذ بيدي فزعم أن عمر بن الخطاب أخذ بيده فزعم أن رسول الله ﷺ أخذ بيده فعلمه التحيات لله الصلوات الطيبات المباركات لله. قال الدارقطني: هذا إسناد حسن وابن لهيعة ليس بالقوي. وذكر الطبراني في "معجمه الأوسط" (٢) من حديث علي قال: نا إبراهيم يعني الوكيعي نا عبد الرحمن بن صالح الأزدي ثنا عمرو بن هاشم ثنا أبو مالك الجنبي عن عبد الله بن عطاء، قال: حدثني البهزي (٣)، قال: سألت الحسين بن علي عن تشهد علي فقال: هو تشهد النبي ﷺ ، فقلت: حدثني بتشهد علي عن تشهد رسول الله ﷺ . فقال: "التحيات لله والصلوات والطيبات والغاديات والرائحات والزاكيات والناعمات والسابغات الطاهرات لله".

стр. 1983

قال: لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن عطاء إلا عمرو. وذكر من حديث ابن الزبير: نا بكر -هو ابن سهل- نا عبد الله بن يوسف نا ابن لهيعة نا الحارث بن يزيد قال: سمعت أبا الورد يقول: سمعت عبد الله بن الزبير يقول: إن تشهد النبي ﷺ : "بسم الله وبالله خير الأسماء، التحيات لله الصلوات الطيبات، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرًا ونذيرًا، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، اللهم اغفر لي واهدني". هذا في الركعتين الأوليين. قال: لا يروى هذا الحديث عن عبد الله بن الزبير إلا بهذا الإسناد، تفرد به ابن لهيعة (١). الوجه الثاني في غريبه، وفيه مسائل: الأولى: سمي التشهد لما فيه من الشهادتين. الثانية: التحيات جمع تحية قال الأزهري: عن الفراء هي الملك وقيل: البقاء الدائم وقيل السلامة وتقديره السلامة من الآفات لله قال: وقيل التحية العظمة (٢) روي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وقاله ابن المنذر وآخرون.

стр. 1984

قال ابن قتيبة: إنما قيل التحيات بالجمع لأنه كان لكل واحدٍ من ملوكهم تحية يحيى بها فقيل لنا قولوا التحيات لله أي الألفاظ التي تدل على الملك مستحقة لله تعالى وحده. وقال يعقوب: التحية الملك قال زهير بن جناب الكلبي (١): ولكل ما نال الفتى قد نلته إلا التحية يريد إلا الملك. الثالثة: الصلوات قيل المراد به العبادات قاله الأزهري: وقيل الرحمة وقيل الأدعية حكاهما البغوي وقيل: المراد الصلوات الشرعية وقيل الصلوات الخمس وهو اختيار ابن المنذر في آخرين. قال صاحب "المطالع": تقديره الصلوات لله ومنه أي هو المتفضل بها وقيل المعبود بها. الرابعة: الطيبات قيل معناه الطيبات من الكلام الذي هو الثناء على الله تعالى حكي عن الأزهري وغيره وقال الخطابي: معناه ما طاب وحسن من الكلام فيصلح أن يثنى به عليه ويدعي به دون ما لا يليق وقال ابن بطال وغيره: معناه الأعمال الصالحة. الخامسة: سلام عليك أيها النبي قال الأزهري: وفيه قولان: أحدهما: معناه

стр. 1985

اسم السلام أي: اسم الله عليك. والثاني: معناه سلم الله عليك تسليمًا وسلامًا ومن سلم الله عليه سلم من الآفات كلها. السادسة: السلام علينا الضمير فيه يعود على الإمام والمأمومين والملائكة وغيرهم. السابعة: وعلى عباد الله الصالحين العباد جمع عبد روينا عن القشيري في "رسالته" قال: سمعت أبا علي الدقاق يقول: ليس شيء أشرف من العبودية ولا اسم أتم للمؤمنين من الوصف بالعبودية ولهذا قال الله تعالى لنبيه ﷺ ليلة المعراج وكانت أشرف أوقاته ﷺ في الدنيا ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا﴾ وقال تعالى: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾. والصالحون جمع صالح قال أبو إسحاق الزجاج: هو القائم بما عليه من حقوق الله تعالى وحقوق العباد. الوجه الثالث في شيء من العربية وغيرها وفيه مسألتان: الأولى: وقع في حديث ابن مسعود والصلوات الطيبات بواو العطف، ووقع في حديث ابن عباس بغير واو فقيل: الواو مراده محذوف وهو جائز نحو قوله: كيف أصبحت؟ كيف أمسيت؟ مما يزرع الود في فؤاد الكريم يريد كيف أصبحت وكيف أمسيت ونحو قوله: ضربًا طلخفا في الطلى سخيتا يريد ضربًا طلخفا سخيتا، والطلخف الشديد، والسخيت دونه في الشدة. وقال آخر:

стр. 1986

ما لي لا أسقى على علاتي ... صبائحي غبائقي قيلاتي (١) يريد أقاتل عنهن كما أقاتل عن أمهاتي. وهذا يجوز إذا فهم المعنى؛ هذه طريقة من أخذ بتشهد ابن عباس. وأما من أخذ بحديث ابن مسعود فيقول: واو العطف تقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه فتكون كل جملة ثناء مستقلًا، وإذا سقطت واو العطف كان ما عدا اللفظ الأول صفة له فتكون جملة واحدة في الثناء والأول أبلغ فكان أولى وزاد بعضهم في تقريره بأن قال: لو قال: والله الرحمن والرحيم، لكانت أيمانًا متعددة، تتعدد بها الكفارة، ولو قال: والله الرحمن الرحيم لكانت يمينًا واحدة وتعدد الثناء في هذا صريح وليس هو في الأول كذلك فهو أولى. الثانية: السلام اسم من أسماء الله تعالى الحسنى وهو السالم من النقائص وصفات الحدث وقيل: المسلِّم عباده وقيل المسلم عليهم في الجنة كما قال ﴿سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين﴾ ومعناه في قوله: السلام عليك أيها النبي وفي سلام الصلاة السلامة والنجاة فيكون مصدرًا كاللذاذ واللذاذة كما قال تعالى: ﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ وقيل السلام عليك أي الانقياد إليك والتسليم لأمرك، قال تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾. اختلف الأصوليون في العموم هل له صيغة أم لا فذهب الشافعي وغيره إلى الأول خلافًا للمرجئة وآخرين.

стр. 1987

وعباد الله جمع معرف الإضافة وقد دل هنا على العموم لقوله ﵍: "فإنكم إذا قلتم ذلك أصابت كل عبد صالح لله في السماء أو في السماء والأرض" فأدخل فيه الكل حتى الملائكة فاقتضى أن للعموم صيغة وأن هذا الجمع من صيغته خلافًا لمن منع من ذلك. الوجه الرابع في الفوائد والمباحث: وفيه مسائل: الأولى: أصح الأحاديث الوادرة في التشهد حديث عبد الله بن مسعود كما تقدم وإلى القول به ذهب الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والكوفيون وأحمد بن حنبل وإسحاق وداود وأهل الحديث. قال أبو عمر: كان أحمد بن خالد بالأندلس يختاره ويميل إليه ويتشهد به. وذهب آخرون إلى حديث ابن عباس منهم الليث والشافعي والذي اختاره مالك من ذلك ما رويناه من طريق يحيى بن يحيى في "موطئه" عن مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه سمع عمر بن الخطاب وهو على المنبر يعلم الناس التشهد يقول: قولوا: التحيات لله الزاكيات لله الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله. وكلها حسن عند أهل العلم متفق على جوازه وممن نقل الإجماع على الجواز في الكل القاضي أبو الطيب الطبري وإنما اختلفوا في الأفضل كما ذكرنا أو التسوية فقد كان أبو عمر يقول الاختلاف في التشهد وفي الأذان الإقامة وعدد التكبير على الجنائز وما يقرأ وما يدعا به (١) فيها وعدد التكبير في العيدين ورفع الأيدي في ركوع الصلوات وفي السلام من الصلاة واحدة أو اثنتين وفي وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة وسدل اليدين

стр. 1988

وفي القنوت وتركه وما كان مثل هذا كله اختلاف مباح كالوضوء واحدة واثنتين وثلاثًا إلا أن فقهاء الحجاز والعراق الذين تدور عليهم وعلى أتباعهم الفتوى يتشددون في الزيادة على أربع تكبيرات على الجنائز ويأبون من ذلك وهذا لا وجه له لأن السلف كبروا سبعًا وثمانيًا وستًّا وخمسًا وأربعًا وثلاثًا وقال ابن مسعود: كبر ما كبر إمامك، وبه قال أحمد بن حنبل وهم يقولون أيضًا إن الثلاث أفضل من الواحدة السابغة (١)، وكل ما وصفت لك قد نقلته الكافة من الخلف عن السلف ونقله التابعون عن السابقين نقلًا لا يدخله غلط ولا نسيان لأنها أشياء ظاهرة معمول بها في بلدان الإسلام زمنًا بعد زمن يعرف ذلك علماؤهم وعوامهم من عهد نبيهم ﷺ إلى هلم جرًّا، فدل على أن ذلك مباح كله وسعة ورحمة وبخير والحمد لله. قال أبو الفتح: وبلغني عن بعض من أدركته من الفضلاء ممن ينتحل مذهب الشافعي ﵀ نحوًا من كلام أبي عمر هذا ويرى أن الكلف مخير في نحو ما ذكرناه وكان كثيرًا ما يقنت في الوتر وربما قنت في الصبح وكذلك كان يفعل في كثير مما يجري هذا المجرى. الثانية: في الترجيح بين ما ذكرناه من أنواع التشهد والذي اختاره الكوفيون حديث ابن مسعود كما ذكرنا لصحته الراجحة على صحة غيره ولما تقدم من زيادة الثناء، والذي اختاره الشافعي ومن نرع منزعه الأخذ بحديث ابن عباس زعموا لما فيه من زيادة: المباركات وتأنسوا في ذلك بموافقتها لقوله تعالى: ﴿تحية من عند الله مباركة طيبة﴾ ولقوله فيها (كما يعلمنا السورة من القرآن) ورجحه البيهقي بأن النبي ﷺ علمه ابن عباس وأقرانه من أحداث الصحابة فيكون متأخرًا على تشهد ابن مسعود وأقرانه ويلزمهم في ذلك ترجيح ما رجحه مالك من وجه تعليم عمر ذلك

стр. 1989

الناس على المنبر بحضرة الصحابة ولم ينكر، ومثل هذا لا يكون إلا بتوقيف وهو بيقين بعد تعليم ابن عباس فتأخر التعليم فيما ذهب إليه مالك أظهر وزيادة المباركات يقابلها عند مالك (الزاكيات)، إلا أن أصحابنا تمسكوا بالحديث المرفوع الثابت وأصحاب مالك تمسكوا بأثر عن عمر غير أنه جارٍ على أصل مالك في ترجيحه عمل أهل المدينة لكن لم يسلم له عمل أهل المدينة في ذلك، لما ذكر ابن أبي شيبة: نا الفضل بن دكين عن سفيان عن زيد العمي عن أبي الصديق الناجي عن ابن عمر: أن أبا بكر كان يعلمهم التشهد على المنبر كما يعلم الصبيان في الكتاب: التحيات لله والصلوات الطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وهذا يوافق بحديث ابن مسعود، فترجح بكل اعتبار، ويشهد له في عمل أهل المدينة ما ذكر (١) عن ابن علية عن أبي المتوكل: سألنا أبا سعيد عن التشهد، فذكر نحوه سواء، قال أبو سعيد: كنا لا نكتب شيئًا إلا القرآن والتشهد. وحكى الرافعي وجهًا غريبًا في مذهب الشافعي أن الأفضل أن يقول التحيات المباركات الزاكيات والصلوات الطيبات لله ليكون جامعًا لها كلها. الثالثة: وقع في حديث جابر الذي ذكرناه: باسم الله وبالله في أول التشهد وقد صححه الحاكم ولا وجه لتصحيحه لما سبق (٢) وقد ذكر أن عليًّا وابن عمر ذهبا لذلك حكاه الشيخ أبو حامد قال: ولم يقل به غيرهما يعني من المتقدمين وقد ذكر ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر قال: في التشهد باسم الله وعن

стр. 1990

وكيع عن إسحاق بن يحيى عن المسيب بن رافع قال: سمع ابن مسعود رجلًا يقول في التشهد: بسم الله فقال: إنما يقال هذا على الطعام وهذا موافق لما سبق عن ابن مسعود. وروى وكيع عن مسعر عن حماد عن سعيد بن جبير أنه كان يقول في التشهد باسم الله. وقال أبو علي الطبري وغيره من الأصحاب: يستحب أن يقول في أوله بسم الله وبالله. وقطع الجمهور بأنه لا يستحب التسمية ولم ينقل عن الشافعي لعدم ثبوت الحديث فيها. الرابعة: وأما أقل التشهد فقال الشافعي وأكثر الأصحاب: أقله التحيات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وقال جماعة: وأن محمدًا رسوله نقله الرافعي عن جماعة، وقال البغوي: وأشهد أن محمدًا رسوله، قال: ونقله ابن كج والصيدلاني فأسقطا قوله (وبركاته) وقالا: وأشهد أن محمدًا رسول الله، وقد وجد في نص الشافعي في كتاب "الأم" كذلك. وقال ابن سريج: أقله: التحيات لله سلام عليك أيها النبي سلام على عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسوله. وأسقط بعضهم في حكاية عن ابن سريج لفظ السلام الثاني وأسقط بعضهم الصالحين فقال: السلام عليك أيها النبي وعلى عباد الله، واختار الحليمي والصحيح الأول لأنه تكرر في الأحاديث ولم يسقط في شيء من الروايات الصحيحة فيجب الإتيان به، ولهذا قال الشافعي والأصحاب يتعين لفظ التحيات لثبوتها في جميع الروايات بخلاف المباركات وما بعدها.

стр. 1991

ومما سقط منه لفظة (وأشهد) رواية أبي موسى فيقرب الحال في إسقاطها للمقتصر على الأقل وأما إسقاط الصالحين لأن الشرع فيه لم يرد بالسلام على كل العباد بل خص الصالحين. وكذلك إسقاط (علينا) لاحتمال عدم دخول التشهد في الصالحين. وحاصل ما ذكرناه أن في قوله (ورحمة الله وبركاته) ثلاثة أوجه أصحها وجوبهما والثاني حذفهما والثالث وجوب الصالحين دون الثاني. وفي علينا والصالحين ثلاثة أوجه: أصحها وجوبهما، والثاني حذفهما، والثالث وجوب الصالحين دون علينا. وفي الشهادة الثانية ثلاثة أوجه أحدها وأشهد أن محمدًا رسول الله والثاني وهو الأصح وأن محمدًا رسول الله والثالث وأن محمدًا رسوله. هذا مذهب الشافعي، وقد خالفه في هذا الاقتصار على بعض ألفاظ التشهد غيره، وهو عند أصحاب الشافعي معلل بأن هذا القدر المقتصر عليه هو الثابت في جميع الروايات، ويرد عليه: أن الزائد في بعضها زيادة ثقة فيجب قبولها لتوجه الأمر إليها، والعمل بها لثبوتها. الخامسة: اختلف النقل من رواة الحديث والفقه من أصحاب الشافعي في تعريف السلام في الموضعين أو (١) تنكيره في الموضعين أو تعريفه في الأول وتنكيره في الثاني واتفق الأصحاب على أن جميع هذا جائز لكن الألف واللام أفضل لكثرته في الأحاديث والمنقول عن الشافعي ولزيادته فيكون أحوط ولموافقته سلام التحلل من الصلاة قال شيخنا الحافظ أبو الفتح القشيري ﵀: السلام معرف في تشهد ابن مسعود، ومنكر في حديث ابن عباس، والتعريف أعم. قال أبو الفتح اليعمري:

стр. 1992

قد ثبت التعريف في حديث ابن عباس أيضًا في الصحيح. السادسة: اختلف العلماء في وجوب التشهد وفي حكم صلاة من لم يتشهد في صلاته، فقال الشافعي (١) فيما حكاه عنه أبو عمر: من ترك التشهد الأخير ساهيًا أو عامدًا فعليه إعادة الصلاة إلا أن يكون الساهي قريبًا فيعود إلى تمام صلاته ويتشهد ويصلي على النبي ﷺ قال: ويغني التشهد والصلاة على النبي ﷺ في آخر الصلاة عن التشهد قبله ولا يغني عنه ما كان قبله من التشهد فالتشهد الأخير فرض عندنا وكذلك الجلوس له وفيه خلاف بين العلماء سنذكره فيما يأتي إن شاء الله في باب ما جاء في الرجل يحدث في التشهد فذلك الموضع أمسُّ به من هذا. ومن الحجة لأصحابنا ما رويته عن أبي الحسن الدارقطني في سننه قال: ثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد قال: ثنا أبو عبيد الله المخزومي سعيد بن عبد الرحمن ثنا سفيان بن عيينة عن الأعمش ومنصور عن شقيق بن سلمة عن ابن مسعود قال: كنا نقول قبل أن يفرض التشهد السلام على الله السلام على جبريل وميكائيل، فقال رسول الله ﷺ : "لا تقولوا هكذا فإن الله هو السلام ولكن قولوا التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". قال الدارقطني: هذا إسناد صحيح وكذلك قال البيهقي أيضًا (٢). واستدل أصحابنا من هذا الحديث بوجهين: الأول: قوله قبل أن يفرض التشهد فدل على أنه فرض.

стр. 1993

والثاني: قوله قولوا ولم يعارضه مثله والله أعلم. قال أبو عمر: لم يقل أحد في حديث ابن مسعود هذا بهذا الإسناد ولا بغيره قبل أن يفرض التشهد إلا ابن عيينة. السابعة: قال أصحابنا يكره أن يزيد في التشهد الأول على لفظ التشهد والصلاة على النبي ﷺ والآل ........ (١) فيكره أن يدعو فيه أو يطوله بذكر آخر وستأتي أحكام هذه المسألة في باب ما جاء في مقدار القعود في الركعتين الأوليين. الثامنة: والصلاة على النبي ﷺ كذلك فرض في التشهد الأخير عندنا، وفي وجوبها على الآل وجهان حكاهما إمام الحرمين والغزالي قولين الصحيح المنصوص وبه قطع الجمهور من الأصحاب لا يجب والثاني يجب. فأما وجوب الصلاة على النبي ﷺ فمنقول عن عمر وابن عمر وابن مسعود وأبي مسعود البدري وأبي أسيد وأبي حميد الساعدي. ورواه البيهقي وغيره عن الشعبي وهو أحد الروايتين عن أحمد بن حنبل. وقال مالك وأبو حنيفة وأكثر العلماء: هي مستحبة لا واجبة حكاه ابن المنذر عن مالك وأهل المدينة وعن الثوري وأهل الكوفة وأهل الرأي وجماعة من أهل العلم. قال ابن المنذر: وبه أقول، وقال إسحاق: إن تركها عمدًا لم تصح صلاته وإن تركها سهوًا رجوت أن تجزئه واحتج لكل طائفة بما سنذكره عند الكلام على حديث كعب بن عجرة في الصلاة على النبي ﷺ من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى. وأما الصلاة على النبي ﷺ عقيب التشهد الأول، ففيه قولان مشهوران: القديم لا تشرع، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق وحكي عن عطاء والشعبي

стр. 1994

والنخعي والثوري. والجديد الصحيح تشرع. وحكى المحاملي طريقين أحدهما هذا والثاني تسن. وأما الصلاة على الآل فيه ففيها طريقان: أحدهما: لا يشرع. والثاني: أنه مبني على وجوبها في التشهد الأخير؛ فإن لم يوجبها لم يشرع هنا، وإلا فقولان كالصلاة على النبي ﷺ . التاسعة: فيما يستحب من ذلك وأقل ما يجزئ منه، فأما ما يستحب من ذلك فقال الشافعي والأصحاب: الأفضل أن يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. قال بعضهم: وينبغي أن يجمع ما في الأحاديث الصحيحة من ذلك فيقول: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. وأما أقل الصلاة فقال الشافعي والأصحاب: هو أن يقول: اللهم صل على محمد فلو قال صلى الله على محمد فوجهان حكاهما صاحب "الحاوي" قال: هما كالوجهين في قوله: (عليكم السلام) والصحيح أنه يجزئه ونص الشافعي في "الأم" على أنه لو قال: (صلى الله على رسول الله) أجزأه. قال صاحب "التهذيب": وفي هذا دليل على أنه لو قال: اللهم صل على النبي أو على أحمد أجزأه وكذا قطع الرافعي بأنه لو قال صلى الله على رسوله أجزأه

стр. 1995

قال: وفي وجه يكفي أن يقول صلى الله عليه والكناية ترجع إلى قوله في التشهد وأشهد أن محمدًا رسول الله. وقال القاضي حسين في "تعليقه": لا يجزئه أن يقول: اللهم صلّ على أحمد أو النبي بل تسميته محمدًا ﷺ واجبة ويشترط أن يأتي بالصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد، وأما الصلاة على الآل فأقل ذلك أن يقول وآله. العاشرة: بيان آل النبي ﷺ المأمور بالصلاة عليهم وفيهم ثلاثة أوجه لأصحابنا: الصحيح في المذهب أنهم بنو هاشم وبنو المطلب وهذا هو الذي نص عليه الشافعي. والثاني: أنهم عترته الذين ينسبون إليه ﷺ وهم أولاد فاطمة ﵃ ونسلهم أبدًا حكاه الأزهري وآخرون وهو الصحيح. والثالث: أنهم كل المسلمين التابعين له ﷺ إلى يوم القيامة حكاه القاضي أبو الطيب الطبري عن بعض الأصحاب واختاره الأزهري وآخرون وهو قول سفيان الثوري وغيره من المتقدمين ورواه البيهقي عن جابر بن عبد الله واحتج القائلون بهذا بقول الله تعالى: ﴿أدخلوا آل فرعون﴾ والمراد جميع أتباعه كلهم. واحتج الأولون بقوله ﵇: "إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد" وسيأتي الكلام عليه في كتاب الزكاة أبسط من هذا إن شاء الله تعالى. الحادية عشرة: لفظ التشهد متعين فلو أبدله بمعناه لم تصح صلاته وإن كان قادرًا على لفظه بالعربية، فإن عجز أجزأته ترجمته وعليه التعلم، وحكى القاضي أبو الطيب وجهًا أنه لو قال أعلم أن لا إله إلا الله بدل أشهد أجزأه لأنه بمعناه والصحيح المشهور أنه لا تجزئه كسائر الكلمات وينبغي أن يأتي بالتشهد مرتبًا فإن ترك الترتيب نظر، إن غيره تغييرًا مبطلًا للمعنى لم تصح بلا خلاف وتبطل صلاته وإن لم يغير

стр. 1996

فطريقان المذهب صحته وهو المنصوص في "الأم" والثاني في صحته وجهان وقيل قولان. الثانية عشرة: وتكره القراءه في التشهد لأنه ركن لم تشرع فيه القراءة كالركوع والسجود. الثالثة عشرة: والدعاء عقيب التشهد الآخر عندنا مستحب وله أن يدعو بما أحب من أمور الدنيا والآخرة من الأدعية المأثورة وغيرها ويكفي من ذلك قوله ﵇: "ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه". رواه البخاري ومسلم في حديث ابن مسعود. قال أصحابنا: والدعاء بأمور الآخرة أفضل، وقال الشافعي: أحب ذلك لكل مصلٍّ، وأرى أن تكون زيادته إن كان إمامًا أقل من قدر التشهد والصلاة على النبي ﷺ فيه قليلًا للتخفيف عمن خلفه وإن لم يزد على التشهد والصلاة على النبي ﷺ كرهت ذلك ولا إعادة عليه ولا سجود سهو.

стр. 1997

١٠١ - باب ما جاء أنه يخفي التشهد ثنا أبو سعيد الأشج ثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال: من السنة أن يخفي التشهد. قال أبو عيسى: حديث ابن مسعود حديث حسن غريب والعمل عليه عند أهل العلم. * الكلام عليه: أخرجه أبو داود عن أبي سعيد الأشج كذلك غير أنه سمى أبا سعيد ولم يكنه، ويونس بن بكير روى له مسلم واستشهد به البخاري، وابن إسحاق مشهور الحال. وقد أخرج الحاكم في "المستدرك" هذا الحديث وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم، وساقه الحاكم من غير هذه الطريقة وذكر له شاهدًا صحيحًا من حديث عائشة قالت: نزلت هذه الآية في التشهد ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ قال الشيخ محيي الدين: وقد أجمع العلماء على الإسرار بالتشهدين وكراهة الجهر بهما.

стр. 1998

١٠٢ - باب ما جاء كيف الجلوس في التشهد ثنا أبو كريب ثنا عبد الله بن إدريس أنا عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر قال: قدمت المدينة، قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله ﷺ فلما جلس يعني للتشهد افترش رجله اليسرى ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى ونصب رجله اليمنى. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة وابن المبارك.

стр. 1999

١٠٣ - باب منه أيضًا ثنا محمد بن بشار ثنا أبو عامر العقدي ثنا فليح بن سليمان المدني حدثني عباس بن سهل الساعدي قال: اجتمع أبو حميد وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة فذكروا صلاة النبي ﷺ فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ، إن رسول الله ﷺ جلس يعني للتشهد فافترش رجله اليسرى وأقبل بصدر اليمنى على قبلته ووضع كفه اليمنى على ركبته اليمنى وكفه اليسرى على ركبته اليسرى وأشار بأصبعه يعني السبابة. قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح، وبه يقول بعض أهل العلم وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. قالوا: يقعد في التشهد الأخير على وركه واحتجوا بحديث أبي حميد وقالوا يقعد في التشهد الأول على رجله اليسرى وينصب اليمنى. * الكلام عليه: حديث وائل أخرجه ابن ماجه عن علي بن محمد عن عبد الله بن إدريس به ولفظه: رأيت رسول الله ﷺ قد حلق بالإبهام والوسطى ورفع التي تليها يدعو بها في التشهد. وحديث أبي حميد تقدم وتقدم الكلام عليه. وفي الباب مما لم يشر إليه حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان إذا قعد للتشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى وعقد ثلاثة وخمسين وأشار بأصبعه السبابة، وفي رواية وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام. رواه مسلم.

стр. 2000

وفيه عن عبد الله بن الزبير قال: كان رسول الله ﷺ إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه وفرش قدمه اليمنى ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى وأشار بأصبعه السبابة ووضع إبهامه على أصبعه الوسطى. رواه مسلم. وعند أحمد وأبي داود فيه: ولم يجاوز بصره إشارته. قال أبو داود: ولا يجاوز. وللنسائي: كان رسول الله ﷺ إذا جلس في الثنتين أو في الأربع يضع يديه على ركبتيه ثم أشار بأصبعه. وفيه عن خفاف بن إيماء بن رحضة الغفاري عند الإمام أحمد عن مقسم عن رجل من أهل المدينة قال: صليت في مسجد غفار فلما جلست في صلاتي افترشت فخذي اليسرى ونصبت صدر قدمي اليمنى ووضعت يدي اليمنى على فخذي اليمنى ونصبت أصبعي السبابة، قال: فرآني خفاف بن إيماء بن رحضة الغفاري وكانت له صحبة مع رسول الله ﷺ وأنا أصنع ذلك فلما انصرفت من صلاتي قال: أي بني لم نصبت أصبعك هكذا؟ قال فقلت له: رأيت الناس يصنعون ذلك قال: فإنك قد أصبت إن رسول الله ﷺ كان إذا صلى صنع ذلك فكان المشركون يقولون إنما يصنع هذا محمد بأصبعه يسحر بها وكذبوا إنما كان رسول الله ﷺ يصنع ذلك يوحد بها ربه . وفيه غير ذلك. وأما أقوال العلماء في ذلك فمذهبنا أنه يستحب أن يجلس في التشهد الأول مفترشًا وفي الثاني متوركًا، فإن كانت الصلاة ركعتين جلس متوركًا. وقال مالك: يجلس فيهما متوركًا وجلوس المرأة كالرجل سواء عند مالك. وقال أبو حنيفة والثوري: يجلس فيهما مفترشًا. وقال أحمد: إن كانت
следующие страницы →