١١٢ - باب ما جاء في القراءة في الظهر والعصر
ثنا أحمد بن منيع ثنا يزيد بن هارون أنا حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الظهر والعصر بالسماء ذات البروج والسماء والطارق وشبههما.
وفي الباب عن خباب وأبي سعيد وأبي قتادة وزيد بن ثابت والبراء.
قال أبو عيسى: حديث جابر بن سمرة حديث حسن صحيح.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ في الركعة الأولى من الظهر قدر ثلاثين آية وفي الركعة الثانية خمس عشرة آية.
وروي عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى أن اقرأ في الظهر بأوساط المفصل.
ورأى بعض أهل العلم أن القراءة في صلاة العصر كنحو القراءة في صلاة المغرب يقرأ بقصار المفصل.
وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال: تعدل صلاة العصر بصلاة المغرب في القراءة.
وقال إبراهيم: تضاعف صلاة الظهر على صلاة العصر في القراءة أربع مرّات.
* الكلام عليه:
رواه أبو داود.
وفي الباب عن جابر بن سمرة ما رويناه من طريق مسلم ثنا محمد بن مثنى ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا شعبة عن سماك عن جابر بن سمرة قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الظهر بـ الليل إذا يغشى وفي العصر نحو ذلك وفي الصبح أطول من ذلك.
стр. 2067
ومن طريقه ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا أبو داود الطيالسي عن شعبة عن سماك عن جابر بن سمرة أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر بسبح اسم ربك الأعلى وفي الصبح بأطول من ذلك.
وحديث خباب رويناه من طريق البخاري قال: ثنا محمد بن يوسف ثنا سفيان عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن أبي معمر قلت لخباب بن الأرّت: أكان النبي ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم، قلت: بأي شيء كنتم تعلمون قراءته؟ قال: باضطراب لحيته.
وحديث أبي سعيد روينا من طريق مسلم ثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة جميعًا عن هثيم قال يحيى: أنا هشيم عن منصور عن الوليد بن مسلم عن أبي الصديق عن أبي سعيد قال: كنا نحزر قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة ألم تنزيل السجدة، وحزرنا قيامه في الركعتين الأخريين قدر النصف من ذلك، وحرزنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك ولم يذكر أبو بكر في روايته (ألم تنزيل) وقال: قدر ثلاثين آية.
ومن طريقه ثنا شيبان بن فروخ قال: ثنا أبو عوانة عن منصور عن الوليد أبي بشر عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية أو قال: نصف ذلك، وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر خمس عشرة آية وفي الأخريين قدر نصف ذلك.
ومن طريقه ثنا داود بن رشيد قال: ثنا الوليد يعني ابن مسلم عن سعيد وهو
стр. 2068
ابن عبد العزيز عن عطية بن قيس عن قزعة عن أبي سعيد الخدري قال: لقد كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يتوضأ ثم يأتي رسول الله ﷺ في الركعة الأولى مما يطولها.
وحديث أبي قتادة روينا من طريق البخاري ثنا أبو نعيم ثنا شيبان عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين يطول في الأولى ويقصر في الئانية ويسمع الآية أحيانًا وكان يقرأ في العصر بفاتحة الكتاب وسورتين وكان يطول في الأولى وكان يطول في الركعة الأولى من صلاة الصبح ويقصر في الثانية.
وروينا من طريق مسلم ثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: ثنا يزيد بن هارون أنا همام وأبان بن يزيد عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة ويسمعنا الآية أحيانًا ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب.
وحديث زيد بن ثابت روينا من طريق الطبراني في "معجمه الكبير" ثنا عبيد بن غنام قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ح وثنا الحسين بن إسحاق ثنا عثمان بن أبي شيبة قالا: ثنا وكيع عن كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن زيد بن ثابت أنه سئل عن القراءة في الظهر والعصر؟ فقال: كان رسول الله ﷺ يطيل القراءة ويحرك شفتيه.
وحديث البراء روينا عن النسائي أنا محمد بن إبراهيم بن صدران ثنا مسلم بن قتيبة ثنا هاشم بن البريد عن أبي إسحاق عن البراء قال: كنا نصلي خلف النبي ﷺ الظهر فنسمع منه الآية بعد الآيات من سورة لقمان والذاريات.
وفي الباب مما لم يذكره:
стр. 2069
روينا من طريق النسائي أنا محمد بن شجاع المروذي ثنا أبو عبيدة عن عبد الله بن عبيد قال: سمعت أبا بكر بن النضر قال: كنا بالطف عند أنس فصلى بهم الظهر فلما فرغ قال: إني صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الظهر فقرأ لنا بهاتين السورتين في الركعتين بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية.
وفيه ما روينا من طريق أبي داود ثنا محمد بن عيسى ثنا معتمر بن سليمان ويزيد بن هارون وهشيم عن سليمان التيمي عن أمية عن أبي مجلز عن ابن عمر أن النبي ﷺ سجد في صلاة الظهر ثم قام فركع فرأينا أنه قرأ تنزيل السجدة.
قال ابن عيسى: لم يذكر أميه أحد إلا معتمر وقد رواه عبد الرزاق عن ابن التيمي عن أبيه عن أبي مجلز: أن النبي ﷺ ، مرسل، وجودّه محمد بن عيسى فوصله وأسنده عن معتمر. ومحمد ثقة جليل حجة عند أهل العلم.
وفيه ما روينا من طريق أبي داود ثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا عثمان ثنا همام ثنا محمد بن جحادة عن رجل عن عبد الله بن أبي أوفى: أن النبي ﷺ كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم كذا هو عند أبي داود عن رجل لم يسمه وقد سمي: طرفة الحضرمي عند بعض الرواة.
وفيه ما روينا من طريق النسائي أنا هارون بن عبد الله ثنا ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان عن بكير بن عبد الله عن سليمان بن يسار عن أبي هريرة قال: ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان قال سليمان: كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر ويخفف الأخريين ويخفف العصر ويقرأ في المغرب بقصار المفصل ويقرأ في العشاء بوسط المفصل ويقرأ في الصبح بطوال المفصل.
وفيه عن عمران بن الحصين روينا في "المعجم الكبير" للطبراني حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري أنا عبد الرزاق أنا معمر عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن عمران
стр. 2070
ابن حصين أن النبي ﷺ صلّى بأصحابه الظهر فلما قضى صلاته قال: "أيكم قرأ سبح اسم ربك الأعلى" فقال بعض القوم: أنا يا رسول الله قال: "قد عرفت أن بعضكم خالجنيها".
وفيه من المراسيل والآثار غير ذلك:
ذكر عبد الرزاق عن الثوري عن زيد العمي عن أبي العالية قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ رمقوه في الظهر فحزروا قراءته في الركعة الأولى من الظهر تنزيل السجدة.
وروينا من طريق أبي نعيم في كتاب "الصلاة" عن سفيان بهذا السند وقال: حزر قراءة النبي ﷺ في الركعة الثلاث من الظهر ثلاثين آية.
وذكر عبد الرزاق أيضًا عن معمر عن قتادة عن مورق العجلي قال: كان ابن عمر يصلي بهم فيقرأ في الظهرق واقتربت.
قال معمر: وأخبرني شيخ لنا عن مورق قال: فقلنا له من أين علمت هذا؟ قال: ربما سمعت منه الآية.
ورواه أيضًا عن جعفر بن سليمان عن أبان عن مورق، وذكر عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقرأ في الظهر الذين كفروا وإنا فتحنا لك.
ورواه أيضًا عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر.
وذكر أيضًا عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: سمعت عبد الله بن عمر يقرأ في الظهر كهيعص.
وذكر أيضًا عن معمر عن قتادة أن ابن عمر كان يقرأ في الركعة الأولى من الظهر والذاريات.
стр. 2071
وقال عبد الرزاق: عن الثوري عن حصين بن عبد الرحمن قال: سألت إبراهيم كم تقرأ في الظهر في الركعة الأولى؟ قال: ثلاثين آية.
وذكر عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان عن أبان عن مورق العجلي قال: صلينا مع ابن عمر العصر فقرأ لنا بالمرسلات وعم يتساءلون.
وذكر عن معمر عن ثابت البناني قال: كان أنس يصلي بنا الظهر والعصر فربما أسمعنا من قراءته إذا السماء انفطرت وسبح اسم ربك الأعلى.
وذكر عن معمر عن قتادة قال: تقرأ في الركعتين الأوليين من العصر إذا السماء انشقت والسماء ذات البروج.
وذكر عن الثوري عن زياد بن الفياض قال: سأل تميم بن سلمة إبراهيم وأنا أسمع عن القراءة في العصر فقال: هي مثل الغرب.
وعن ابن جريج عن عطاء قال: قد كانت العصر تجعل أخف في القراءة من الظهر.
قال عبد الرزاق قال سفيان: وقت قراءة العصر والليل إذا يغشى وسبح اسم ربك الأعلى والتين والزيتون.
وذكر ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن علية عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي عثمان النهدي قال: سمعت من عمر نغمة من (ق) في صلاة الظهر.
قال: ثنا وكيع عن إسماعيل بن مسلم عن أبي المتوكل الناجي أن عمرًا قرأ في الظهر بقاف والذاريات.
قال: ثنا وكيع عن سيف عن مجاهد قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقرأ في الظهر بكهيعص.
стр. 2072
وقال: ثنا ابن إدريس عن هشام عن جميل بن مرة عن مورق العجلي قال: صليت خلف ابن عمر الظهر فقرأ بسورة مريم.
قال: ثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن إبراهيم قال: إني لأقرأ في الظهر بالصافات.
قال: ثنا محمد بن عبيد ثنا مسعر عن حمَاد قال: القراءة في الظهر والفجر سواء.
قال: ثنا وكيع عن سفيان عن مغيرة عن شباك عن إبراهيم قال: تضاعف الظهر على العصر أربع مرار.
قال: ثنا وكيع عن سفيان عن الأعمش عن إبراهيم قال: كانوا يعدلون الظهر بالعشاء والعصر بالمغرب.
قال: ثنا سهل بن يوسف عن عمرو عن الحسن أنه كان يسوي بين ركعات الظهر والعصر.
قال: ثنا إسحاق بن سليمان الرازي عن أبي جعفر عن الربيع عن أبي العالية قال: العصر على النصف من الظهر.
وروينا من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين في كتاب "الصلاة" له قال: ثنا أبو إسرائيل الملائي عن طلحة قال: قرأ إبراهيم في الظهر بالصافات والواقعة.
وقال: ثنا مالك بن مغول قال: أخبرني رجل عن إبراهيم قال: سمعته قرأ في الظهر بالطور.
стр. 2073
١١٣ - باب ما جاء في القراءة في المغرب
ثنا هناد ثنا عبدة عن محمد بن إسحاق عن الزهريّ عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن أمه أم الفضل قالت: خرج إلينا رسول الله ﷺ وهو عاصب رأسه في موضعه فصلى المغرب فقرأ بالمرسلات فما صلاها بعد حتى لقي الله.
قال: وفي الباب عن جبير بن مطعم وابن عمر وأبي أيوب وزيد بن ثابت.
قال أبو عيسى: حديث أم الفضل حديث حسن صحيح، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قرأ في المغرب بالأعراف في الركعتين كلتيهما.
وروي عن النبي ﷺ أنه قرأ في المغرب بالطور.
وروي عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى أن اقرأ في المغرب بقصار المفصل.
وروي عن أبي بكر أنه قرأ في المغرب بقصار المفصل.
وعلى هذا العمل عند أهل العلم وبه يقول ابن المبارك وأحمد وإسحاق، وقال الشافعي: وذكر عن مالك أنه كره أن يقرأ في صلاة الغرب بالسور الطوال نحو الطور والمرسلات.
قال الشافعي: لا أكره ذلك بل أستحب أن يقرأ بهذه السور في صلاة المغرب.
* الكلام عليه:
حديث ابن عباس واه البخاري ومسلم بلفظ آخر.
وحديث جبير بن مطعم روينا من طريق البخاري ثنا عبد الله بن يوسف أنا مالك عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ قرأ في المغرب بالطور. وأخرجه مسلم أيضًا.
стр. 2074
وحديث ابن عمر فروينا من طريق ابن ماجه ثنا أحمد بن بديل ثنا حفص بن غياث ثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: كان النبي ﷺ يقرأ في المغرلب ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾.
وحديث أبي أيوب ذكر أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" ثنا عبدة بن سليمان عن هشام عن أبيه عن زيد أو أبي أيوب أن النبي ﷺ قرأ في المغرب بالأعراف في الركعتين جميعًا.
ورويناه من طريق أبي العباس السراج في مسنده قال: ثنا أبو همام قال: ثنا محاضر بن الورع ثنا هشام عن أبيه عن زيد بن ثابت عن أبي أيوب عن النبي ﷺ بمعناه.
وحديث زيد بن ثابت رويناه من طريق البخاري ثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عروة بن الزبير عن مروان بن الحكم قال: قال لي زيد بن ثابت: ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل وقد سمعت النبي ﷺ يقرأ بطولى الطوليين.
وروينا من طريق النسائي: أنا محمد بن سلمة أنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن أبي الأسود أنه سمع عروة بن الزبير يحدث عن زيد بن ثابت أنه قال لمروان: أبا عبد الملك! أتقرأ في المغرب بقل هو الله أحد، وإنا أعطيناك الكوثر؟ قال: نعم، قال: فمحلوفه. لقد رأيت رسول الله ﷺ بأطول الطوليين: آلمص.
وروينا من طريق أبي داود ثنا الحسن بن علي أنا عبد الرزاق عن ابن جريج، فقال لي من قبل نفسه: المائدة والأعراف.
وذكره عبد الرزاق في "مصنفه" عن ابن جريج بسنده، قال يعني ابن جريج: قلت أنا لابن أبي مليكة: وما الطويلتان؟ فكأنه قال من قبل رأيه: الأنعام والأعراف.
стр. 2075
وفيه مما لم يذكره:
ما رويناه من طريق النسائي: أنا عمرو بن عثمان ثنا بقية وأبو حيوة عن ابن أبي حمزة نا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف، فرَّقها في ركعتين.
وقد ذكرنا في الباب قبله من حديث أبي هريرة حديثًا فيه: ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، من جهة النسائي.
وروينا من طريق البيهقي في "السنن الكبير" له، قال: وروينا عن جابر بن سمرة قال: كان النبي ﷺ يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: أنا أحمد بن سلمان الفقيه نا أبو قلابة الرقاشي نا أبي ثنا سعيد بن سماك بن حرب عن أبيه عن جابر بن سمرة بذلك.
سعيد بن سماك بن حرب عن أبيه، قال الرازي: متروك الحديث.
وفيه؛ قال ابن أبي شيبة: نا وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عامر عن عبد الله بن يزيد: أن النبي ﷺ قرأ في المغرب ﴿والتين﴾.
حدثنا أبو الأحوص عن سعيد بن مسروق عن الحارث بن زياد عن جابر بن عبد الله قال: أم معاذ قومًا في صلاة المغرب فمرّ به غلام من الأنصار وهو يعمد على بعير له، فأطال بهم معاذ، فلما رأى ذلك الغلام ترك الصلاة وانطلق في طلب بعيره فرفع ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال: "أفتان أنت يا معاذ! ألا يقرأ أحدكم في المغرب بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها"؟
وروينا من طريق النسائي: أنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ نا أبي نا حيوة -وذكر آخر- قالا؛ أنا جعفر بن ربيعة: أن عبد الرحمن بن هرمز: حدثه معاوية
стр. 2076
ابن عبد الله بن جعفر: حدثه أن عبد الله بن عتبة بن مسعود حدثه أن رسول الله ﷺ قرأ في صلاة المغرب بحاميم الدخان.
وفيه عن البراء بن عازب، وسيأتي في الباب بعد!
وروينا من طريق مالك في "موطأ يحيى بن يحيى" عنه عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك عن عبادة بن نسي عن قيس بن الحارث عن أبي عبد الله الصنابحي، قال: قدمت المدينة في خلافة أبي بكر الصديق، فصليت وراءه المغرب، فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة من قصار المفصل، ثم قام في الثالثة، [فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد أن تمس ثيابه] فسمعته قرأ بأم القرآن وبهذه الآية ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب﴾.
وذكر عبد الرزاق في "مصنفه" عن الثوري عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: صلى بنا عمر بن الخطاب صلاة المغرب فقرأ في الركعة الأولى بالتين والزيتون وطور سنين، وفي الآخرة ألم ترى ولإيلاف جميعهما.
وذكر عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن رجل سمع ابن عمر قرأ في المغرب بقاف والقرآن المجيد.
وذكر أيضًا عن محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة، قال: أخبرني صالح بن كيسان أنه سمع ابن عمر قرأ في المغرب: ﴿إنا فتحنا لك﴾.
وقال الترمذي: وروي عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى: أن اقرأ في المغرب بقصار المفصل.
وقد ذكر ذلك أبو بكر بن أبي شيبة فقال: أنا شريك عن علي بن زيد عن زرارة بن أوفى قال: أقرأني أبو موسى كتاب عمر: أن اقرأ بالناس في المغرب بآخر المفصل.
стр. 2077
وروينا من طريق أبي داود: نا عبيد الله بن معاذ: نا أبي نا قرة عن النزال بن عمار عن أبي عثمان النهدي أنه صلى خلف ابن مسعود المغرب فقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾.
قال: نا وكيع عن سفيان عن خالد بن عبد الله بن الحارث: أن ابن عباس قرأ الدخان في المغرب.
قال: نا وكيع عن شعبة عن أبي نوفل بن أبي عقرب عن ابن عباس قال: سمعته يقرأ في المغرب ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾.
قال: نا ابن عيينة عن عمرو بن مرة قال: سمعت ابن عمر يقرأ بقاف في المغرب.
حدثنا عبدة عن عبيد الله بن عمر عن نافع: أن ابن عمر قرأ مرة في المغرب بياسين.
حدثنا ابن عيينة عن ليث عن نافع عن ابن عمر: أنه قرأ في الغرب بياسين وعم يتساءلون.
حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن هشام عن الحسن قال: كان عمران بن الحصبن يقرأ في المغرب إذا زلزلت والعاديات.
حدثنا وكيع عن إسماعيل بن عبد الملك قال: سمعت سعيد بن جبير يقرأ في المغرب مرة: تنبئ أخبارها، ومرة تحدث أخبارها.
حدثنا وكيع عن محل، قال: سمعت إبراهيم يقرأ في الركعة الأولى من
المغرب لإيلاف قريش.
حدثنا وكيع عن ربيع قال: كان الحسن يقرأ في المغرب إذا زلزلت والعاديات لا
يدعها.
стр. 2078
حدثنا حارثة بن هشام نا سفيان عن نسير بن ذعلوق عن الربيع بن خثيم أنه كان يقرأ في المغرب بقصار المفصل، ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾.
حدثنا زيد بن الحباب عن الضحاك بن عثمان قال: رأيت عمر بن عبد العزيز يقرأ في المغرب بقصار المفصل.
روينا من طريق أبي داود قال: نا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد قال: نا هشام بن عروة: أن أباه كان يقرأ في صلاة المغرب بنحو مما تقرأون: والعاديات ونحوها من السور.
قال العلماء: واختلاف هذه الآثار يدل على التخيير في ذلك كله، وأن في الأمر سعة.
وأما الترتيب في الأفضل من القراءة بما طال من السور وبما قصر في الصلوات، فكما تقدم في باب القراءة في الصبح، هذا هو الشهور عن العلماء.
وما خالف ذلك من التطويل فلبيان الجواز.
ولا خلاف في جواز ذلك كله.
وأما ما ذكر من قراءة أبي بكر في الركعة الثانية من المغرب بعد الفاتحة بقوله تعالى: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا﴾ فمحمول على الدعاء والقنوت، لما كان فيه من أمر أهل الردة، والقنوت جائز عند حلول النوازل في كل الصلوات.
وذكر عن ابن عمر: أنه كان إذا صلى وحده قرأ في الأربع ركعات جميعًا في كل ركعة بأم القرآن وسورة، وكان يقرأ أحيانًا بالسورتين والثلاث في الركعة الواحدة من صلاة الفريضة. وسيأتي أحكام هذا الباب وما قبله في الباب التالي إن شاء الله تعالى.
стр. 2079
١١٤ - باب ما جاء في القراءة في صلاة العشاء
ثنا عبدة بن عبد الله الخزاعي ثنا زيد بن حباب ثنا حسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في العشاء الآخرة بالشمس وضحاها ونحوها من السور.
وفي الباب عن البراء بن عازب.
قال أبو عيسى: حديث بريدة حديث حسن، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قرأ في العشاء الآخرة بالتين والزيتون.
وقد روي عن عثمان بن عفان أنه كان يقرأ في العشاء بسور من أوساط المفصل، نحو سورة المنافقين وأشباهها.
وروي عن أصحاب النبي ﷺ والتابعين أنهم قرأوا بأكثر من هذا واقل، وكان الأمر واسعًا عندهم في هذا، وأحسن شيء في ذلك ما روي عن النبي ﷺ أنه قرأ بالشمس وضحاها والتين والزيتون.
حدثنا هناد نا أبو معاوية عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب: أن النبي ﷺ قرأ في العشاء الآخرة بالتين والزيتون.
قال: هذا حديث حسن صحيح.
* الكلام عليه:
حديث بريدة رواه الإمام أحمد والنسائي.
وحديث البراء أخرجه مسلم والبخاري بمعناه، وبه خالف أبا معاوية الليث بن سعد؛ فرواه عن يحيى عن عدي عن البراء: صليت مع رسول الله ﷺ المغرب فقرأ
стр. 2080
بالتين والزيتون.
ورويناه من طريق أبي العباس السراج من "مسنده" قال: نا قتيبة. بن سعيد نا الليث فذكره.
وفيه: عن أبي هريرة: ما رويناه من طريق البخاري قال: نا أبو النعمان قال: نا معتمر عن أبيه عن بكر عن أبي رافع: صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ: ﴿إذا السماء انشقت﴾ فسجد، فقلت له؟ فقال: سجدت خلف أبي القاسم ﷺ فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه.
وفيه: عن جابر: روينا من طريق مسلم: حدثني محمد بن عباد قال: نا سفيان عن عمرو عن جابر قال: كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ ثم يأتي فيؤم قومه، فصلى ليلة مع النبي ﷺ العشاء ثم أتى قومه فأمهم فافتتح بسورة البقرة فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده، وانصرف، فقالوا له: نافقت يا فلان! قال: لا والله ولآتين رسول الله ﷺ فلأخبرنه، فأتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إنا أصحاب نواضح نعمل بالنهار، وإن معاذًا صلى معك العشاء ثم أتى فافتتح بسورة البقرة! فأقبل رسول الله ﷺ على معاذ، فقال: "يا معاذ! أقتان أنت اقرأ بكذا واقرأ بكذا".
قال سفيان: فقلت لعمرو: إن أبا الزبير حدثنا عن جابر أنه قال: "اقرأ ﴿والشمس وضحاها﴾ و ﴿والضحى والليل إذا سجى﴾، ﴿والليل إذا يغشى﴾ و ﴿سبح اسم ربك الاعلى﴾ "!
فقال عمرو: نحو هذا.
ورواه البخاري.
وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج، قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: أخبرني
стр. 2081
علقمة بن وقاص قال: كان عمر بن الخطاب يقرأ في العشاء الآخرة بسورة يوسف، قال: وأنا في مؤخر الصف، حتى إذا جاء ذكر يوسف سمعت نشيجه، وأنا في مؤخر صفوف الناس.
وقال ابن أبي شيبة: نا ابن علية عن علي بن زيد بن جدعان عن زرارة بن أوفى عن مسروق بن الأجدع: أن عثمان قرأ في العشاء يعني العتمة بالنجم ثم سجد ثم قام فقرأ بالتين والزيتون.
قال: نا معاذ بن معاذ عن علي بن سويد بن منجوف ثنا أبو رافع، قال: صليت مع عمر العشاء فقرأ: ﴿إذا السماء انشقت﴾.
وذكر عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد قال: صلى بنا ابن مسعود صلاة العشاء الآخرة فاستفتح بسورة الأنفال حتى إذا بلغ ﴿نعم المولى ونعم النصير﴾ ثم قرأ في الركعة الثانية بسورة من المفصل.
قال ابن أبي شيبة: ثنا شريك عن علي بن زيد عن زرارة بن أوفى قال: أقرأني أبو موسى كتاب عمر إليه: أن اقرأ بالناس في العشاء بوسط المفصل. قال: نا معتمر عن عباد بن عباد، قال: حدثني هلال أنه سمع أبا هريرة يقرأ: ﴿والعاديات ضبحًا﴾ في العشاء. وقال: حدثني ابن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع أن ابن عمر كان يقرأ في العشاء بالذين كفروا والفتح.
قال: نا معتمر عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه: أنه كان يقرأ في العشاء بتنزيل السجدة فيركع بها.
وذكر عبد الرزاق عن محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة عن سلمة بن وهرام، قال: رأيت طاوسًا ما لا أحصي يقرأ في العشاء الآخرة بالبقرة وآل عمران.
قال ابن أبي شيبة ثنا زيد بن حباب قال: أخبرني الضحاك بن عثمان قال:
стр. 2082
رأيت عمر بن عبد العزيز ليقرأ في العشاء بوسط المفصل.
ذكر فوائد تتعلق بما سبق في هذه الأبواب:
الأولى: في حديث أبي سعيد الخدري في باب القراءة في الظهر والعصر: أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية ... الحديث.
ويستفاد منه القراءة مع الفاتحة في الركعتين الثالثة والرابعة من الصلاة الرباعية، والثالثة من صلاة المغرب.
وفي استحبابه عندنا قولان مشهوران، في الأصح منهما اختلاف، فقال بتصحيح الاستحباب الشيخ أبو حامد وصاحب "الحاوي" والمحاملي وغيرهم وإليه جنح أكثر العراقيين، وصححت طائفة عدم الاستحباب، قال النووي: وهو الأصح.
وممن صححه أبو إسحاق المروزي وإمام الحرمين والغزالي، قال الرافعي: وبه أفتى الأكثرون، وجعلوا المسألة من المسائل التي يفتى فيها بالقديم.
قال النووي: وليس قديمًا فقط معه نصان في الجديد.
الثانية: إذا قلنا بالسورة في الثالثة والرابعة تكون أخف من الأولى والثانية.
الثالثة: هل يطول الأولى على الثانية من كل الصلوات؟
فيه وجهان: أحدهما: لا يستحب.
والثاني: يستحب.
قال القاضي: أبو الطيب في "تعليقه": الصحيح أن تطويل الأولى من كل الصلوات مستحبة، ولكنه في الصبح أشد استحبابًا، قال: وهو قول الماسرجسي وعامة أصحابنا بخراسان، وبه قال النووي ومحمد بن الحسين.
стр. 2083
وقال أبو حنيفة: يستحب ذلك في الفجر خاصة، وممن قال باستحباب تطويل الأولى على الثانية من أصحابنا الحافظ أبو بكر البيهقي.
الرابعة: إذا قلنا بتطويل الأولى على الثانية؛ فهل يستحب تطويل الثالثة على الرابعة، فيه طريقان: نقل القاضي أبو الطيب الاتفاق على أنها لا تطول لعدم النص فيها، ولعدم المعنى، ويعني بالمعنى إدراك قاصد الجماعة.
قلت: هذا مرادهم بالمعنى، ويرد عليه أن مدرك الرابعة مدرك للجماعة؛ لقوله ﵇: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها"، ومن وجوه الإدراك هنا إدراك الجماعة.
ونقل الرافعي فيها الوجهين.
الخامسة: إذا قلنا تسن السورة في الأخريين؛ فهي مسنونة للإمام والمنفرد والمأموم، وفي المأموم وجه ضعيف بناء على أنه لا يقرأ السورة في السرية، حكاه المتولي.
السادسة: قال صاحب "التتمة": المتنفل بركعتين تسن له السورة، والمتنفل بأكثر إن كان يقتصر على تشهد واحد قرأ السورة في كل ركعة، وإن تشهد تشهدين؛ فهل تسن له السورة في الركعات المفعولة بين التشهدين؟ فيه وجهان بناء على القولين في الأخريين من الفرائض.
السابعة: المسبوق بركعتين من الرباعية، نص الشافعي أنه يأتي بهما بالفاتحة وسورتين.
وللأصحاب طريقان: أحدهما قاله أبو علي الطبري: إن في استحباب السورة له القولين لأنهما آخر صلاته. قال: وإنما فرعه الشافعي على قوله: تستحب السورة في كل الركعات.
стр. 2084
والطريق الثاني قاله أبو إسحاق: تستحب له السورة قولًا واحدًا، وإن قلنا: لا تستحب في الأخريين لأنه لم يقرأ السورة في الأوليين، ولا أدرك قراءة الإمام السورة فاستحب له لئلا تخلو صلاته من سورتين.
وهنا الطريق الثاني هو الصحيح عند الأصحاب.
الثامنة: لو قرأ السورة ثم قرأ الفاتحة أجزأته الفاتحة، ولا تحسب له السورة على المذهب وهو المنصوص في "الأم"، وبه قطع الأكثرون؛ لأنه أتى بها في غير موضعها.
وقد ذكر إمام الحرمين وغيره في الاعتدال بالسورة وجهان لأن محلها القيام وقد أتى بها فيه.
التاسعة: لو قرأ الفاتحة مرتين، وقلنا بالمذهب: أن الصلاة لا تبطل بذلك لم تحسب المرة الثانية عن السورة بلا خلاف، صرح به المتولي وغيره، قال: لأن الفاتحة مشروعة في الصلاة فرضًا، والشيء الواحد لا يؤدى به فرض ونفل في محل واحد.
العاشرة: قال الشيخ أبو محمد الجويني: لو ترك الإمام السورة في الأوليين؛ فإن تمكن المأموم يقرأها قبل ركوع الإمام حصلت له فضيلة السورة، وإن لم يتمكن لإسراع الإمام وكان يود أن يتمكن فللمأموم ثواب السورة، وعلى الإمام وبال تقصيره لقوله ﵇ في الأئمة: "فإن أصابوا فلكم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم" رواه البخاري من حديث أبي هريرة.
قال: وربما تأخر المأموم بعد ركوع الإكل، لقراءة السورة، وهذا خطأ لأن المأموم يتعين عليه فرض المتابعة إذا أهوى الإمام للركوع، فلا يجوز أن يشتغل عن الفرض بنفل.
الحادية عشرة: من قال: لا تستحب القراءة بعد الفاتحة في الثالثة والرابعة احتج بحديث أبي قتادة: كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة
стр. 2085
الكتاب وسورة، ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب.
وممن ذهب إلى ذلك مالك، وأجاب أصحابه عن حديث أبي سعيد بأنه تقدير وتخمين من أبي سعيد.
ولعله ﷺ كان يمد في قراءة الفاتحة حتى يقدر بذلك، قالوا: وهذا الاحتمال غير مدفوع فقد جاء عنه: أنه كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها.
وهذا يشهد بصحة هذا التأويل، وحديث أبي قتادة نص فهو أولى.
الثانية عشرة: قال أبو العباس القرطبي: وما ورد في كتاب مسلم وغيره من الإطالة فيما استقر فيه التقصير، أو من التقصير فيما استقرت فيه الإطالة كقراءته في الفجر بالمعوذتين كما رواه النسائي، وكقراءة الأعراف والمرسلات في المغرب؛ فمتروك.
وأما التطويل؛ فبإنكاره على معاذ، وأمر الأئمة بالتخفيف الفضل.
قال أبو الفتح: قد سبق فيما أسلفناه القول عمن قال من العلماء أن الأمر في ذلك محمول على التوسعة، وأن ما كان من ذلك من إطالة أو تقصير فبحسب الأوقات والأحوال، وإن كان ذلك معمول به ما لم يعلم الإمام من حال المأمومين إيثار التخفيف، وهو أولى من القول بأن ذلك مكروه، لأن إعمال الكل أولى من إلغاء البعض، ولأن القول بترك ذلك يحتاج إلى توقيف.
وأما ما تقدم من السنن والآثار في الأبواب السابقة يقتضي أن ذلك لم يزل معمولًا به، ويكفي من ذلك حديث ابن عباس عن أمه في قراءته ﵇ في المغرب بالمرسلات حين خرج عاصبًا رأسه في مرضه، وأنه ما صلاها بعد حتى لقي الله.
وقرأ ابن عمر بعده في المغرب (ق)، ومرة ياسين ومرة ﴿إنا فتحنا لك﴾ وقرأ
стр. 2086
ابن عباس فيها الدخان.
وقرأ عمر في العشاء الآخرة سورة يوسف.
وقال سلمة بن وهرام: رأيت طاوسًا ما لا أحصي يقرأ في العشاء الآخرة بالبقرة وآل عمران.
ففي أي حين ترك ذلك؟ وإنما يحمل في مثل هذا على السعة، والتحصيل السابق أولى.
الثالثة عشرة: في حديث ابن أبي أوفى: أنه ﵇ كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم. معناه: حتى يتكامل الناس ويجتمعوا.
وفي معناه ما في حديث أبي سعيد: أنه كان يطول في الركعة الأولى من الظهر بحيث يذهب المذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي النبي ﷺ وهو فيها، وهذا -والله أعلم لتوالي دخول الناس-.
وقد روي مثل ذلك عن عمر من إطالته الأولى من الصبح لانتظار الناس.
وقد اختلف أصحابنا في استحباب الانتظار على قولين، ولهم فيه تفاريع وتفاصيل مذكورة في كتب الفقه.
الرابعة عشرة: إذا ثبت ذلك من إطالة الركعة الأولى ليدرك المأمومين ويتلاحق المصلون؛ فهل يقاس عليه انتظار الإمام وهو راكع المريد للدخول في الصلاة ليلحقه قبل الرفع من الركوع أم لا؟
فنقول: قد أجرى الأصحاب الخلاف في الانتظار هنا على مطلقًا.
وأما القاضي ابن كج فإنه ذكر طريقة عن بعض الأصحاب الخلاف أن موضع
стр. 2087
القولين هو الانتظار في القيام، أما في الركوع فلا ينتظر قولًا واحدًا، وعلل بأن القيام موضع تطويل، والركوع ليس موضع تطويل.
قال أبو الفتح: أما الروايات في إطالة الركعة الأولى من صلاة الصبح وغيرها عن النبي ﷺ والصحابة بعده، أو من روى ذلك منهم فمعروفة مشهورة.
وأما انتظار الراكع الداخل في ركوعه؛ فلا نعلم في ذلك إلا أن البخاري قد ذكر في كتاب "القراءة خلف الإمام" كلامًا معناه أنه لم يرو عن أحد من السلف في ذلك شيء.
الخامسة عشرة: اختلفوا في المأموم هل يدرك فضيلة الجماعة وإن لم يدرك شيئًا من الركعات أو لا يدرك فضل الجماعة حتى يدرك ولو ركعة كما سبق، وينبني على هذا الخلاف الخلاف في انتظار الإمام في التشهد الأخير من أحسن بدخوله فيجري فيه على قول من قال بإدراك الفضل إن لم يدرك الركعة الخلاف السابق، ولا يجري على المذهب الآخر.
السادسة عشرة: انتظار الإمام الداخل في سائر الأركان من القيام والسجود وغيرهما، قطع الأكثرون بأنه لا ينتظره لأنه لا فائدة للداخل في انتظاره؛ لأنه بانتظاره إياه في الركوع يكون مدركًا للركعة، وفي التشهد يكون مدركًا للجماعة عند من يقول به.
وأما هنا فلا فائدة، وحكى إمام الحرمين عن بعضهم طرد الخلاف في سائر الأركان لإفادة الداخل بركة الجماعة.
السابعة عشرة: حيث قلنا: لا ينتظر، فلو انتظر ففي الكراهة أو البطلان خلاف أشار إليه الرافعي. والله أعلم.
стр. 2088
آخر المجلد الأول من التعليق على جامع الإمام أبي عيسى الترمذي رحمه الله تعالى، ورضي عنه، مما عنى جمعه وتعليقه الإمام العلامة أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس أبو الفتح اليعمري سامحه الله تعالى.
وافق الفراغ منه يوم الثلاثاء (١) المبارك (٢٤) من جمادى الاخرى سنة ١٢٣١.
الحمد لله رب العالمين على كل حال وصلى الله على سيدنا محمد وآله الكرام. [كاتبه المؤلف ﵀].
بلغت (٢) مقابلة هذا الجزء بحمد الله تعالى وإفضاله في شعبان سنة ١٢٣١.
كتبه محمد عابد وقد تم له المرور على جميع ما فيه، والحمد لله بنعمته وجلاله تتم الصالحات.
قال الحافظ أحمد بن عبد الرحيم العراقي في "ذيله" لهذا الشرح الجليل بخط الحافظ أبي الفتح اليعمري شرحه لبعض ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام، ولم يكمل شرحه لاخترام فجأه بقادح الحمام فشرع في البناء عليه من أول هذا الباب انتهى.
فظهر من هذا أن الباقي ما بين بابين باب ما جاء في القراءة خلف الإمام، باب ما جاء في ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة، باب ما جاء فيما يقول عند دخول المسجد، باب ما جاء إذا دخل أحدكم المسجد أن يركع ركعتين.
الجملة أربعة أبواب يسر الله ذلك بحوله وقوته ...
* * *