← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ابن ذُهْل بن ثعلبة، الذُّهلي، البكري، وقيل: الهُذَلي، أبو المغيرة، كذا قال الحافظُ عبدُ الغني، في "كماله". وقوله: "وقيل: الهُذلي"، ليس بشيء، وقد خالفه ابن الكلبي في هذا النسب، والنفس إلى ما قال ابن الكلبي أمْيَل، قال: "سِماك بن حرب بن علقمة ان هند بن قيس بن عمر بن سَدوس بن شَيْبان بن ذُهْل بن ثعلبة". أخو محمَّد وإبراهيم ابنَيْ حَرْب، سَمعَ جابر بن سَمرة، والنعمان بن بشير وأنس بن مالك، وغيرهم ... وقال: "أدركت ثمانين مِن أصحاب النبي ﷺ وكان قد ذَهَبَ بصري، فدعوتُ الله فرد على بصري". ورَوى عنه حمادُ بنُ سلمة أنه سمعه يقول: "ذهب بصري فرأيت إبراهيم - خليل الرحمن ﷺ - في المنام، فمسح يده على عيني، فقال: ائْتِ الفُرات، فاغْتَمسْ فيه، وافتح عينيك في الماء، ففعلت، فرد الله عليَّ بصري". روى عنه إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، ومالك بن مِغْوَل، والثوري، وشعبة، وزائدة، وزهير، في خلق كثير. وقال البخاري: عن علي: "له نحو مائتي حديث". وقد اختُلِف في حاله: فقال أحمد: "سِماكُ أصلحُ حديثًا من عبد الملك بن عُمير"، وقال أبو حاتم: "صدوق"، وقال أبو بكر بن عياش: "سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول: عليكم بعبد الملك بن عمير، وسماك"، وثقه يحيى بن معين، وقيل له: ما الذي عِيبَ عليه؟ قال: أسند أحاديث لم يُسْنِدها غيرُه". وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خِراش: "في حديثه لين"، وقال أحمد

стр. 37

-مرّةً-: "مضطرب الحديث"، وقال ابن حبان -وقد ذكره في كتاب "الثقات"-: "كان يخطئ كثيرًا". وقال أحمد بنُ عبد الله العِجْلي: "هو تابعيّ جائز الحديث، إلَّا أنَّه كان يُخطئ في حديث عِكْرِمة، وربما وصَلَ الشيء عن ابن عباس، وكان الثوري يُضعِّفه بعض الضعف، وكان جائز الحديث، لم يترك حديثَهُ أحدٌ، ولم يرْغَبْ عنه، وكان عالمًا بالشعر وأيام الناس، وكان فصيحًا". وقال النسائي: "إذا انفرد بأصل لم يكن له حجة؛ لأنّه كان يلَقِّن فيتلقَّن، وربما قيل له: عن ابن عباس". وقال العقيلي: "أبنا عبدُ الله بن أحمد قال حدثني أبي قال: ثنا الحجاج قال: قال شعبة: كانوا يقولون لسماك: عِكْرمة عن ابن عباس، فيقول: نعم. قال شعبة: فكنت لا أفعل ذلك به". وذكره أبو الحسن بن القطان (١) فقال: هذا أكثر ما عيب به سِماك، وهو قبول التلقين، وإنه لَعَيْبٌ تسقط الثقة بمَنْ يتَصف به، وقد كانوا يفعلون ذلك بالمحدِّث تجربةً لحفظه وضبطِهِ وصدقِهِ، فربّما لقَّنوه الخطأ، كما فعلوا بالبخاري حين قَدِمَ بغداد، وبالعُقَيلي أيضًا، فالحافظ الفَطِنُ يفطن لما رُمِيَ به من ذلك، فيصنع ما صنعا، وقصة البخاري مشهورة، وقصة العُقَيلي ذكرها مَسْلَمة بن القاسم -عند ذكره أبا جعفر محمَّد بن عمرو بن موسى بن حماد بن مدرك العقيلي- قال: "كان مكيًّا ثقة، جليل القدر، عظيم الخطر، عالمًا بالحديث، ما رأيت أحدًا مِن أهل زماننا أعرف بالحديث مِنْه، ولا أكثر جمعًا، وكان كثير التأليف، عارفًا بالتصنيف، وكان كل مَنْ أتاه مِن أصحاب الحديث يقرأ عليه، قال: "اقْرَأ من كتابك"؛ وكان يُقرأ عليه، لا

стр. 38

يخرج أصله، فأنكرنا ذلك عليه، وتكلّمنا في أمره، فقلنا: إما أنْ يكون مِن أحفظ الناس، أو مِن أكذب الناس، فاجتمعْتُ مع نَفَر من أصحاب الحديث، فاتفقنا على أنْ نكتب له أحاديث مِن أحاديثه ونزيد فيها وننقص، ونقرأها عليه، فإنْ هو علم بها وأصْلحها من حفظه، عرفنا أنّه أوثق الناس، وأحفظهم، وإنْ لم يَفْطَن للزيادة والنقصان، عَلِمْنا أنه مِن أكذب الناس. فاتفقنا على ذلك، فأخذنا أحاديث من روايته، فبدَّلْنا فيها ألفاظًا، وزدنا ألفاظًا، وتركنا منها أحاديث صحيحة، ثم أتينا بها مع أصحاب لنا من أهل الحديث، فقلنا له: أصلحكَ الله، هذه أحاديث مِن روايتك، أردنا سماعها وقراءتها عليك، فقال لي: اقرأ؛ فقرأتُها عليه، فلمّا أتتِ الزيادة والنقصان فَطِنَ لذلك، فأخَذَ مني الكتاب، وأخَذَ القلمَ فأصلحها مِن حفظه، وألحق النقصان، وضَرَبَ على الزيادة، وصححها كما كانت، ثم قرأها علينا، فانصرفنا مِن عنده وقد طابت أنفسنا، وعلمنا أنَّه مِن أحفظ الناس". "ورُوي عن قتادة -مِن غير وجه-: "إذا رأيت أنْ يَكْذِبَ صاحبُك فلقنه". وعن ابنِ سيرين، وابنِ أبي ملَيْكة نحوه. وقال حمادُ بنُ زيد: "لقنت سلمةَ بنَ علقمة حديثًا فحدَّثَني به، ثم رَجَعَ عنه، وقال: "إذا سرَّك أنْ يَكذِب صاحبك فلقِّنه". وأخبار الناس في التلقين كثيرة، وسيأتي منها في هذا الكتاب -إن شاء الله- عند ذكر مَن رمِي به من الرواة ما فيه كفاية. فنقول: * من يَفْطَن لما يُرمى به مِن ذلك، ويرجع إلى الصواب، فهذا في رتبة "الثقة"، بل في رتبة "الحفظ والإتقان". * ومن لا يَفْطَن، ففي رتبة "الترك"، لا سيما إنْ أكثر ذلك مِنه.

стр. 39

* ومن جُهِلَت حاله: هل هو ممن يَفْطِن، أم لا؟ -كما ذُكِرَ عن سِماك-، فهذا "المستور" موقوف على تبيُّن حاله، فهذا مقتضى توقف البخاري عن سِماك، والله أعلم. وفي "كتاب الأثرم": "أن حديثَ سِماك مضطرب عن عكرمة". قلت: ليس هذا مِن حديثه عن عكرمة، فلعله أسلمُ مِن القَدَحِ. وتوفي سماك في خلافة هشام بن عبد الملك، سنة أربع وعشرين ومائة. وقد ذكر الترمذي حديث ابن عمر، وأسنده، لترجحه على ما عداه مِن أحاديث هذا الباب، كما هو الأكثر مِن عمله. وقوله: "وفي الباب عن أبي المليح، عن أبيه، وأبي هريرة، وأنس". فأمّا حديث أبي المليح: فرواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه مِن حديث شعبة عن قتادة عنه. وأمّا حديث أنس: فرواه ابن ماجه مِن حديث ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد عنه. وأمَّا حديث أبي هريرة: فذكره ابن عدي من حديث ابن سيرين وأبي سلمة عنه، وقال: "لا أعلمه رفعه إلا غسانَ بن عبيد الموصلي"، ثم قال: "وهذا بهذا الإسناد باطل". وقد وجدنا مما لم يذكره الترمذي في الباب، ما أخبرنا به أبو المعالي أحمد بن إسحاق -سماعًا- قال: أنبأ عبد السلام بن فتحة السرقول (١): أنبأ أبو منصور شهردار بن شيرويه الديلمي: أنبأ أحمد بن عمر البيع -سماعًا عليه- قال: ثنا أبو غانم

стр. 40

حُميد بن المأمون: أنبأ أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي -في كتاب "الألقاب"- أحمد بن الفرج: ثنا مكرم بن أحمد القاضي: ثنا يونس بن موسى بن كديم: ثنا ابن الحسن بن حماد الكوفي أبو محمَّد: ثنا عبد الله بن محمَّد العدوي قال: سمعتُ عمرَ بنَ عبد العزيز -على المنبر- يقول: حدثني عبادة بنُ عبدِ الله، عن طلحةَ بنِ عبيد الله قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول -على المنبر-: "لا يقبلُ اللهُ صلاةَ إمام حَكَمَ بغير ما أنزل الله، ولا يقبلُ الله صلاة عبد بغير طهور، ولا صدقة مِن غلول". ووجدنا أيضًا فيه حديثًا لأبي بكرة، مِن رواية الحسن عنه عن النبي ﷺ رواه ابن ماجه، وقد تكلَّم فيه ابن عدي أيضًا. وحديثًا لابن مسعود، مِن طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي السّفْر، عن الأسود عنه، قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: "لا يقبلُ اللهُ صلاة بغير طهور ولا صدقة مِن غلول، وابدأ بمن تعول". رواه الطبراني عن محمدِ بن عبدِ اللهِ الحضرمي: أنبأ عباد بن أحمد العَرْزَمي: ثنا عمي، عن أبيه، عن إسماعيل. وذكر أبو بكر بنُ أبي شيبة عن عَبِيدة بن حميد، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي روح قال: "صلَّى رسولُ الله ﷺ بأصحابه، فقرأ سورة (الروم) فتردد فيها، فلمَّا انصرف قال: "إنما يُلْبِس علينا صلاتنا قومٌ يحضرون الصلاة بغير طهور، مَن شَهِدَ الصلاةَ فَلْيُحْسِن الطهور". وقال ابن أبي شيبة أيضًا: ثنا عفان: ثنا وهيب: ثنا عبد الرحمن بن حرملة: أنَّه سَمعَ أبا ثِفال يُحدِّث قال: سمعتُ رباحَ بنَ عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حُوَيطب يقول: حدثتني جدَّتي أنها سمعت أباها يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ -

стр. 41

يقول: "لا صلاةَ لمن لا وُضوءَ له". فهذان حديثان أيضًا، لكن ليس فيهما ذكر "الغلول" (١). وأبو ثفال، اسمه: ثمامة بن وائل، ويُقال: ابن الحصين الشاعر. رَوَى عن رباح هذا وروى عنه عبد الرحمن بن حرملة الأسلَمي، وعبد العزيز الدَّراورْدِي، ذكره أبو أحمد الحاكم. وجدَّةُ رباح بن عبد الرحمن، ابنة لسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل، عن أبيها سعيد بن زيد. وفي الباب عن عُمر، وابن عمر، وعبد الله بن مسعود، موقوف. وقد ذكرنا أن حديثَ ابنِ عمر أخرجه مسلم، ولفظه عند مسلم: عن مصعب بن سعد قالت دَخَلَ عبدُ الله بنُ عمر على ابنِ عامر يعوده -وهو مريض- فقال: ألا تَدْعُو اللهَ لي يا ابنَ عمر؟ قال: إني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا تُقْبَلُ صلاة بغير طهور، ولا صدقة مِن غلول". وكُنتَ على البصرة. "الطهور": بضم الطاء، وهو اسم لفعل التطهير، هذا هو المشهور. واسم الماء: "الطهور" -بفتح الطاء- وكل ماء نظيف طهور، قاله ابن سِيدَه، وكذا قال الجوهري، كالسّحور، والفُطور، والوُقود. وذَهَبَ الخليل، والأصمعي، وغيرُهما، إلى أنَّه بالفتح فيهما. قال القاضي عياض: "ولم يَعْرِف الخليل الضمّ".

стр. 42

وحَكَى ابنُ قرقول في "المطالع": "الضم فيهما" (١). "والغلول": بضم الغين المعجمة. قال ابنُ سِيدَه: "غلَّ يَغُلُّ غُلولا، وأغلَّ: خان"، وخصّ بعضهم به الخون في الفيء، وأغَلَّه: خوّنه، وفي التنزيل: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾، والإغلال: السرقة، وفي الحديث: "لا إغلال، ولا إسلال" قال الإِمام أبو سليمان الخطابي: "فيه من الفقه: * أنّ الصلوات كلّها مفتقرة إلى الطهارة، وتدخل فيها صلاة الجنازة، والعيدين وغيرهما مِن النوافل كلِّها. * وفيه دليل أنّ الطواف لا يُجزئ بغير طُهور؛ لأنَّ النبي ﷺ سمّاه صلاة، فقال: "الطوافُ صلاةٌ؛ إلا أنّه أبيح فيه الكلام". قلت: المُشبَّه لا يَقْوى قُوَّة الشبه به مِن كل وجه، ومعلومٌ أنّ قولَه ﵇: "الطواف صلاة"، أي يُشْبه الصلاة، وقد نَبَّه على الفرقِ بينهما بجواز الكلام فيه، وكما أنّه يجوز فيه ما لا يجوز في الصلاة؛ فكذلك لا يُشْترطُ فيه كلُ ما يُشْترَطُ في الصلاة. ويَرِدُ على الخطابي. إباحتُه الكلامَ فيه، والمشي، وليس مما يُباح في الصلاة، وقد صَحّح بعضهم رَفْعَ الحديث الذي أشار إليه، وبعضُهم وَقَفَهُ، وسيأتي الكلام على هذه المسألة في موضعها -إن شاء الله-. قال الشيخ محيي الدين النووي -رحمه الله تعالى-: "هذا الحديثُ نص في وجوبِ الطهارة للصلاة، وقد أجمعت الأمةُ على أن الطهارةَ شرطٌ في صحّةِ الصلاةِ.

стр. 43

قال القاضي عياض: "واختلفوا، متى فُرِضَتْ الطهارة للصلاة؟ فذهب ابنُ الجَهم إلى أن الوضوءَ في أولِ الإِسلام كان سنة، ثم نَزَلَ فَرْضه في آية التيمم. وقال الجمهور: بل كان قبل ذلك فَرْضًا. قال: واختلفوا في أنّ الوضوء هل هو فرضٌ على كل قائم إلى الصلاة، أم على المحدث خاصة؟ فذهب ذاهبون مِن السلف إلى أنَّ الوضوءَ لكل صلاةٍ فرضٌ بدليل قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ...﴾ الآية. وذَهَب آخرون إلى أنّ ذلك كان ثمّ نُسخ. وقيل: الأمر به لكل صلاةٍ على النَّدْبِ. وقيل: بل لم يُشْرَع إلّا لمن أحْدَث، ولكن تجديده لكلّ صلاة مستحبّ، وطى هذا أجمع أهلُ الفتوى بعد ذلك، ولم يبق بينهم فيه اختلاف، ومعنى الآية عندهم: إذا قمتم مُحْدِثين. قلت: وسيأتي لهذا مزيدُ بيانٍ في حديث حُميد عن أنس: "كان يتوضأُ لكل صلاة" إن شاء الله تعالى. وقوله: "هذا الحديث نصّ في وجوب الطهارة للصلاة". ظاهرٌ لما يقتضيه مِن انتفاء القبول عن الصلاة، عند انتفاء شرطها، -وهو الطهارة-، فكذلك يقتضي مفهومُهُ وجودَ القبول، إذا وُجِدَ شرطُه، وهو المراد. والقبول موكول إلى علم الله تعالى ليس لنا بوجوده علم، فلا بدّ مِن الكلام على معنى القبول، فنقول: "القبول": ثمرةُ وقوعِ الطاعة مُجْزِئة، رافعة لما في الذمة. ولمّا كان الإتيان بالصلاة بشروطها مَظِنّة الإجزاء، الذي هو ثمرة القبول، عبّر

стр. 44

عنه بالقبول مجازًا، وقد تمسك به مِنْ لا يَرَى وجوب الوضوء لكل صلاة -وهم الجمهور-، إذ الطهور الذي تقام به الصلاة الحاضرة أعم مِن أنْ يكون قد أقيمت به صلاة أخرى، أو لم تُقَم. وكذلك أيضًا قوله ﵇: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ"؛ لأن نفي القبول ممتد إلى غاية الوضوء، ومعلوم أن ما بعد الغاية مغاير لما قبلها؛ فيقتضي ذلك قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقًا. ويدخل تحته الصلاة الثانية قبل الوضوء ثانيًا، وقد استدل جماعة من المتقدمين بانتفاء القبول على انتفاء الصحة، وفيه بحث ذكره شيخنا الإِمام الحافظ أبو الفتح القشيري. وسيأتي في الكلام على قوله ﵇: "لا تقبل صلاة أحدع إذا أحدث حتى يتوضأ"، إن شاء الله تعالى. وذهب بعض الفقهاء من المالكية إلى أن الطهارة شرط في وجوب الصلاة. وقال آخرون منهم: بل هي شرط في أدائها لا في وجوبها، وبنوا عليه الخلاف فيمن لم يجد ماء ولا ترابًا حتى خرج الوقت، هل عليه القضاء أو لا. وسيأتي تفصيل مذهبهم في ذلك، وقد تمسك بعضهم في وجوب الاغتسال على الكافر إذا أسلم بهذا الحديث؛ قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: هو مستحب عند الشافعي وأبي إسحاق القاضي. وقال مالك وابن القاسم وأحمد وأبو ثور: هو واجب، وهو الصحيح لقوله ﵇: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور". وقد أجمعت الأمة على وجوب الوضوء، فالغسل مثله، دليلًا بدليل، واعتراضًا باعتراض، وجوابًا بجواب. قلت: وقد خرج الترمذي عن قيس بن عاصم: أنه أسلم فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر.

стр. 45

وهناك يأتي الكلام على هذه المسألة، وما في حديث قيس هذا من الانقطاع، مستوفى، إن شاء الله تعالى. واختلف هل يجب الوضوء بالحدث وجوبًا موسعًا أو عند القيام إلى الصلاة أو بالأمرين، على ثلاثة أوجه. قال الشيخ محيي الدين: والأخير المختار عند أصحابنا، قال: وأجمعت الأمة على تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب، ولا فرق بين الصلاة المفروضة والنافلة، وسجود التلاوة والشكر وصلاة الجنازة، إلا ما حكي عن الشعبي ومحمد بن جرير الطبري من قولهما: تجوز صلاة الجنازة بغير طهارة وهذا مذهب باطل، وأجمع العلماء على خلافه. وأما سجود التلاوة فقد روى فيه أيضًا عن عثمان وسعيد بن المسيب: تومئ الحائض بالسجود. قال سعيد: وتقول: رب لك سجدت. وعن الشعبي جواز سجودها إلى غير القبلة، قال: ولو صلى محدثًا متعمدًا بلا عذر أثم ولا يكفر عندنا وعند الجماهير. وحكي عن أبي حنيفة ﵀ أنه يكفر لتلاعبه؛ هذا في غير المعذور، وأما المعذور كمن لم يجد ماءً ولا ترابًا ففيه أربعة أقوال للشافعي، أصحها عند أصحابه: يجب عليه أن يصلي على حاله وأن يعيد إذا تمكن من الطهارة. الثاني: يحرم أن يصلي ويجب القضاء. الثالث: يستحب أن يصلي ويجب القضاء. الرابع: يجب أن يصلي ولا يجب القضاء. وقال أبو العباس: فيه دليل لمالك وابن نافع على قولهما: أن من عدم الماء والصعيد لم يصل ولم يقض إن خرج وقت الصلاة؛ لأن عدم قبولها كعدم شرطها يدل على أنه ليس مخاطبًا بها حالة عدم شرطها؛ فلا يترتب شيء في الذمة فلا تقضى.

стр. 46

وعلى هذا فتكون الطهارة من شروط الوجوب، فهذا قول خامس. والمحكي عن ابن القاسم: يصلي ويقضي. وعن أشهب: يصلي ولا يعيد. وعن أصبغ: يصلي إذا قدر. وأبو الطاهر بن بشير يقول: سبب هذا الخلاف الخلاف في كون الطهارة شرطًا في الوجوب فتسقط الصلاة عمن تعذرت عليه، أو شرطًا في الأداء، فيقف الفعل على الوجود. وأما الصلاة في الحال دون الإعادة أو معها فمبنيان على الأخذ بالأحوط. وحكى ابن العربي عن القابسي قولًا سادسًا أنه يوميء إلى التيمم. وفي لفظه عند مسلم قول ابن عمر: وكنتَ على البصرة، فذكر ابن عمر لابن عامر هذا الحديث حين سأله الدعاء؛ على جهة الوعظ والتذكير حتى يخرج عما تعلق به من ولاية البصرة، وكأنه يشير له إلى أن الدعاء مع عدم التخلص من التبعات قد لا يجدي؛ كما لا تنفع صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول؛ وكذلك قال له: وكنت على البصرة ليشير له إلى الأمر الذي تعلقت به فيه الحقوق كثيرًا منها إلى أربابها أو مما أمكنه منها. وقال الخطابي: في قوله: "ولا صدقة من غلول" بيان إلى من سرق مالًا أو خانه ثم تصدق به لم يجزئه، وإن كان نواه عن صاحبه. وفيه دليل مستدل لمن ذهب إلى أنه إن تصدق به عن صاحب المال لم يسقط عنه تبعته، وإن كان طعامًا فأطعمه إياه لم يبرأ منه، ما لم يعلمه بذلك، وإطعام الطعام لأهل الحاجة صدقة ولغيرهم معروف وليس من باب أداء الحقوق ورد الظلامات.

стр. 47

٢ - باب ما جاء في فضل الطهور قال ثنا إسحاق بن موسى الأنصاري ثنا معن بن عيسى ثنا مالك بن أنس قال: وثنا قتيبة عن مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء أو مع آخر قطر الماء أو نحو هذا، فإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر الماء حتى يخرج نقيًّا من الذنوب". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح وهو حديث مالك عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة. وأبو صالح والد سهيل هو أبو صالح السمّان واسمه ذكوان. وأبو هريرة اختلفوا في اسمه، فقالوا: عبد شمس وقالوا: عبد الله بن عمرو هكذا قال محمد بن إسماعيل وهذا أصح. وفي الباب عن عثمان بن عفّان وثوبان وعمرو بن عبسة وسلمان والصنابحي وعبد الله بن عمرو. والصنابحي هذا الذي روى عن النبي ﷺ في فضل الطهور هو أبو عبد الله الصنابحي واسمه عبد الرحمن بن عسيلة وهو صاحب أبي بكر الصديق ولم يلق النبي ﷺ ، رحل إلى النبي فقبض النبي ﷺ وهو في الطريق، وقد روى عن النبي أحاديث. والصنابح بن الأعسر الأحمسي صاحب النبي ﷺ ويقال له

стр. 48

الصنابحي أيضًا وإنما حديثه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إني مكاثر بكم الأم فلا تقتتلنّ بعدي ... " (١). الحديث. قد حكم بصحته، وقد أخرجه مسلم (٢) وقال: ثنا سويد ثنا مالك وثنا أبو الطاهر عن ابن وهب عن مالك. وإسحاق بن موسى الأنصاري، أخرج له مسلم وغيره، وأبو حاتم وكان يطنب في صدقه وإتقانه. وسهيل بن أبي صالح لم يخرج له البخاري إلا استشهادًا، وقد أثنى الناس عليه، قال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل عن سهيل بن أبي صالح؟ قال: قال يحيى بن سعيد: محمد أحب إلينا وما صنع شيئًا، سهيل أثبت عندهم، وقال أحمد: ما أصلح حديثه، وقال يحيى بن معين: سهيل والعلاء قريب من السواء وليس حديثهما بحجة. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه وهو أحب إليّ من عمرو بن أبي عمرو وأحبّ إليّ من العلاء عن أبيه. قال أبو زرعة: لسهيل أشبه من العلاء وأبوه أشهر قليلًا. وقال أحمد (٣) بن عبد الله: سهيل بن أبي صالح ثقة وأخوه عباد ثقة. وقال أبو أحمد بن عدي: ولسهيل نسخ، روى عنه الأئمة وحدث عن أبيه وعن جماعة عن أبيه، وهذا يدل على ثقة الرجل كونه ميّز ما سمع من أبيه وما سمع

стр. 49

من غير أبيه عنه، وهو عندي ثبت لا بأس به مقبول الأخبار، وذكر الترمذي عن سفيان بن عيينة قال: كنا نعد سهيل بن أبي صالح ثبتًا في الحديث، وذكره العقيلي وحكى عن ابن المديني: سئل يحيى عن سهيل ومحمد بن عمرو؟ فقال: محمد أعلى منه وقد تقدم هذا عن أحمد. وقال ابن معين: صويلح وفيه لين. وسئل أحمد عن سهيل بن أبي صالح؟ فقال: صالح. وقال يحيى: ليس بالقوي في الحديث وليس بحجة، وقال مرة: ثقة. وقال أبو عبد الرحمن السلمي سألته يعني أبا الحسن الدارقطني: لم ترك محمد بن إسماعيل البخاري حديث سهيل بن أبي صالح في الصحيح؟ فقال: لا أعرف له فيه عذرًا، فقد كان أبو عبد الرحمن النسائي إذا مرّ بحديث سهيل قال: سهيل والله خير من أبي اليمان، ويحيى بن بكير وغيرهما وكتاب البخاري من هؤلاء ملآن (١). قال: قال النسائي: ترك البخاري إخراج حديث سهيل في كتابه وأخرج عن ابن بكير وأبي اليمان وفليح بن سليمان لا أعرف له وجهًا، ولا أعرف له فيه عذرًا. وقال بعض الحفاظ: روى عنه مالك ومالك هو المرجوع إليه في مشايخ المدينة. وقال محمد بن يحيى بن الحذاء في كتابه في "التعريف بمن ذكر في الموطأ": سهيل بن أبي صالح واسم أبي صالح ذكوان مدني مولى جويرية، سمع ابن المسيب وعطاء بن يزيد وأباه وعبد الله بن دينار.

стр. 50

سمع منه مالك والثوري وشعبة، توفي في أول خلافة أبي جعفر وكانت ولايته في ذي الحجة سنة ست وثلاثين إلى ذي الحجة سنة ثمان وخمسين. قال ابن معين: أبو صالح السمّان له بنون ثلاثة: سهيل وعباد وصالح وكلهم ثقة. وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، روى عنه أهل المدينة وأهل العراق قال: وقد أخرج لهم ثلاثتهم مسلم وقال النسائي: سهيل ثقة ورأى سهيل أنس بن مالك، وقال علي بن المديني: مات لسهيل أخ فوجد عليه فنسي كثيرًا من الحديث قال: ولعل هذا عذر البخاري في ترك إخراج حديثه لا سيما وهذا الخبر عن علي بن المديني من روايته مذكور في "تاريخه الكبير". وقال ابن حبان: يخطئ وهو عنده مذكور في كتاب "الثقات". وقال ابن أبي خيثمة: سمعت ابن معين يقول: لم يزل أصحاب الحديث يتقون حديثه. وسئل مرة أخرى فقال: ليس بذاك، ومرة أخرى فقال: ضعيف. وذكر له ابن القطان حديثًا فقال: وهذا مما أنكر على سهيل وعد مما ساء فيه حفظه وظهر أثر تغيره عليه وكان قد تغير. قلت: وفيما ذكرناه آنفًا في توثيق سهيل رواية مالك عنه وأنه الرجوع إليه في مشايخ المدينة وهذا لا يرد على البخاري، لأن مالكًا من أهل المدينة، وسهيل ليس من قدماء شيوخه وقد تبين أنه تغير حفظه بأخرة، فيكون مالك سمع منه قبل التغير، وكثيرًا ما يعرض في المتغيرين والمختلطين مثل هذا فيفرق هناك بين الراوي عنه قبل الاختلاط فيقبل، أو بعده فيرد، أو الجهالة بحالة الراوي متى كان سماعه فينبغي أن يتوقف عنه كما تقرر في الملقن والمستور ... (١).

стр. 51

أبوه ذكوان هو السمّان وهو الزيات كان يجلبها، قال البخاري: مولى جويرية الغطفاني مولى غطفان وقال مسلم: مولى جويرية بنت الأحمس الغطفاني امرأة من قيس. قال ابن الحذاء وكان من أهل الستار والتجمل، وكان أبو هريرة إذا نظر إليه قال: ما على هذا أن لا يكون من بني عبد مناف، توفي سنة إحدى ومائة، وقال ابن أبي حاتم: ذكوان أبو صالح الزيات روى عن سعد بن أبي وقاص مسألة واحدة وأبي عياش الزرقي وأبي سعيد الخدري وابن عباس وابن عمر وجابر وأبي هريرة وعائشة، ولم يسمع من أبي الدرداء شيئًا. روى عنه عطاء بن أبي رباح والزهري وحبيب بن أبي ثابت والحكم بن عتيبة والأعمش وزيد بن أسلم وعاصم بن بهدلة والقعقاع بن حكيم وعبد الله بن دينار وأبو حصين وابنه سهيل سمعت أبي يقول ذلك. حدثنا صالح عن أحمد بن حنبل قال: قال أبي: لم يرو منصور عن أبي صالح ذكوان، وروى عن أبي صالح باذام. أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل فيما كتب إليّ قال: قلت لأبي: أبو صالح ذكوان فوق عبد الرحمن بن يعقوب والد العلاء؟ فقال: أبو صالح من جلة الناس وأوثقهم، من أصحاب أبي هريرة، وقد شهد الدار يعني زمن عثمان وهو ثقة ثقة. أخبرنا ابن أبي خيثمة فيما كتب إليّ، قال: سألت يحيى بن معين عن أبي صالح الذي يروي عنه الأعمش، فقال: اسمه ذكوان السمّان مدني مولى غطفان ثقة، سمعت أبي يقول: أبو صالح ذكوان صالح الحديث يحتج بحديثه. سئل أبو زرعة عن أبي صالح السمّان ذكوان فقال: مدني ثقة

стр. 52

مستقيم الحديث. وقال محمد بن سعد: كان أبو صالح ثقة كثير الحديث، وكان يقدم الكوفة يجلب، فينزل في بني أسد فيؤم بني كاهل. وقال عاصم: أبو صالح عظيم اللحية وكان يخللها. وقال ابن إسحاق: قال أبو صالح: ما أحد يحدث عن أبي هريرة إلا وأنا أعلم صادقًا هو أم كاذبًا، وقال الأعمش عن أبي صالح: ما كنت أتمنى من الدنيا إلا ثوبين أبيضين أجالس فيهما أبا هريرة. أبو هريرة: قال أبو عمر: وهو أبو هريرة الدوسي صاحب رسول الله ﷺ ، ودوس هو ابن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن مالك بن نصر بن الأزد بن الغوث. قال خليفة بن خياط: هو عمير بن عامر بن عبد بن ذي السّرى بن طريف بن عتاب بن أبي صعب بن منبه بن سعد بن ثعلبة بن سُليم بن فهم بن غنم بن دوس، كذا نسب أبو عمر دوسًا وزاد فيه الرشاطي بين كعب ومالك: عبد الله. وقد اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا لا تشاء أن تجده في مكان إلا وجدته والمشهور فيه على ألسنة المحدثين: عبد الرحمن بن صخر، وكان تسميه بعبد الرحمن أو عبد الله التي استقرت عليه بعد الإسلام وأنه كني بأبي هريرة لأنه حمل هرة في كمه قال: فرآني رسول الله ﷺ فقال: "ما هذه؟ " قلت: هرة. فقال لي: "يا أبا هريرة". أسلم عام خيبر، قال أبو عمر: ثم شهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 53

ثم لزمه رغبة في العلم راضيًا بشبع بطنه فكانت يده مع يد رسول الله ﷺ وكان يدور معه حيث ما دار وكان من أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ ، يحضر ما لا يحضر سائر المهاجرين والأنصار، لاشتغال المهاجرين بالتجارة والأنصار بحوائطهم. وقد شهد له رسول الله ﷺ بأنه حريص على العلم والحديث، وقال له: يا رسول الله إني سمعت منك حديثًا كثيرًا وإني أخشى أن أنسى، قال: "ابسط رداءك" قال: فبسطت فغرف يده فيه ثم قال: "ضمه" فضممته فما نسيت شيئًا بعد. قال البخاري: روى عنه أكثر من ثمان مائة رجل من بين صاحب وتابع، واستعمله عمر على البحرين ثم عزله ثم أراده على العمل فأبى عليه ولم يزل يسكن المدينة وبها كانت وفاته سنة سبع وقيل ثمان وقيل تسع وخمسين وصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. روي له عن رسول الله ﷺ خمسة آلاف حديث وثلاثمائة حديث وأربعة وسبعون حديثًا. اتفقا على ثلاثمائة حديث وخمسة وعشرين، انفرد البخاري بثلاثة وتسعين ومسلم بثمانية وتسعين. وكان من أصحاب الصفة، وهو حليف أبي بكر الصديق. قال: وفي الباب عن ثوبان (١) وحديثه عند ابن ماجه من حديث سفيان عن

стр. 54

منصور عن سالم بن أبي الجعد عنه. وعن عثمان بن عفان وعمرو بن عبسة إلى آخره. حديث عثمان أخرجه البخاري (١) من حديث معاذ بن عبد الرحمن عن حمران، وأخرجه مسلم من حديث مسعر وشعبة عن جامع بن شدّاد عن حمران عنه. وحديث عمرو بن عبسة (٢) رواه ابن ماجه عن ابن أبي شيبة وبندار عن غندر عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن يزيد بن طلق عن عبد الرحمن بن البيلماني عنه. وحديث سلمان رواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الأعمش عن شقيق عن سلمة بن سبرة عنه، وعن قبيصة بن عقبة عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي عثمان عنه ولفظه: "من توضأ فأحسن الوضوء تحاتت خطاياه كما يتحات الورق". والصنابحي هو عبد الرحمن بن عسيلة من مراد منسوب إلى صُنابح بن زاهر بن عامر بن وثبان بن زاهر بن مُراد، كذا قال الكلبي فيما حكى عنه الرشاطي ثم قال: ويقال: إنه من طيء من بني عمر الغوث. قال ابن دريد: فاشتقاق صُنابح إن كانت النون زائدة فمن الصبح وهو الضوء.

стр. 55

وقال قوم: الصنابح العرق المتين، وإن كان كذلك فهو فعالك، كان الصنابحي مسلمًا على عهد رسول الله ﷺ وقصده فلما انتهى إلى الجحفة لقيه الخبر بموته ﷺ وهو معدود في كبار التابعين. روى عن أبي بكر وعمر وبلال وعبادة بن الصامت، وكان فاضلًا. قال عنه أبو عمر: وكان عبادة كثير الثناء عليه. وذكر أبو عمر عن ابن مسهر بسنده إليه قال: كتب إليّ ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير قال؛ قلت للصنابحي: هاجرت؟ قال: خرجت من اليمن فقدمنا الجحفة ضحى فمر بنا راكب فقلنا: ما وراءك؟ قال: قبض رسول الله ﷺ منذ خمس. قال أبو الخير: فقلت له: لم يفتك رسول الله ﷺ إلا بخمس (١). وحديثه (٢) ذكره مالك فقال: عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحي الحديث أن النبي ﷺ قال: "إذا توضأ العبد المؤمن" فذكره كذا هو في "الموطأ" وهو أبو عبد الله عبد الرحمن بن عُسيلة. قال الترمذي: سألت البخاري عنه، فقال: مالك بن أنس وهم في هذا الحديث فقال: عبد الله الصنابحي وهو أبو عبد الله الصنابحي واسمه عبد الرحمن بن عسيلة. وقد وافق مالكًا على تسميته كذلك أبو غسان محمد بن مطرف عن زيد بن أسلم في حديث لأبي داود من طريقه عن عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحي، قال: زعم أبو محمد: أن الوتر واجب، وكذلك قال زهير بن محمد عن زيد فذكره أبو

стр. 56

علي بن السكن حكاه ابن القطان. وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه فيمن روى عن الصنابحي هذا يزيد بن عبد الله وربيعة بن يزيد غير أن ربيعة يقول فيه عن عبد الله. وأما حديث عبد الله بن عمرو فذكر ابن أبي شيبة في المحافظة على الوضوء وفضله: حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن ليث عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "لن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن". وعن ابن عمر رواه الدارقطني من طريق ابن البيلماني عن أبيه عنه. قلت (١): وفي الباب أيضًا عن أبي أمامة ذكره النسائي من حديث شهر بن حوشب عنه ولم يذكرها الترمذي. وذكر الصنابح بن الأعسر للتفرقة بينه وبين الصنابحي. وقد ذكره أبو عمر وقال: له صحبة، معدود في أهل الكوفة من الصحابة روى عنه قيس بن أبي حازم لم يرو عنه غيره وليس هو الصنابحي، ذاك منسوب إلى قبيلة من اليمن. وهذا الصُنابح اسم لا نسب ونسبه في أحمس. وذاك تابعي وهذا له صحبة. وذاك معدود في أهل الشام وهذا كوفي. وحديث الصنابح الذي ذكره: "إني فرطكم على الحوض وإني مكاثر بكم الأمم" رواه ابن ماجه من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عنه.

стр. 57

قوله: (العبد المسلم والمؤمن) ها هنا الشك من أحد الرواة، وكذلك هي في (مع الماء أو مع آخر قطر الماء). ويحمل عليه التحري لبيان لفظ الحديث دون معناه، وهي مسألة ذهب الجمهور إلى جوازها. وما وقع في هذا الحديث (بطشتها يداه ومشتها رجلاه) فمعناه والله أعلم اكتسبتها قال أبو عمر: وفي رواية ابن وهب عن مالك لهذا الحديث زيادة ليست لغيره من الرواة عن مالك وذلك أنه زاد في هذا الحديث ذكر الرجلين فقال: "فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتهما رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء" وهكذا قال: مشتهما مثنى. وقوله: إن زيادة لفظة الرجلين لا يعرف عن مالك ولا (١) من طريق ابن وهب يعارضه ثبوتها في "صحيح مسلم" (٢) من حديث مالك من طريق سويد بن سعيد وابن وهب عنه وفيه: (مشتها رجلاه) بغير تثنية، وإن كان مسلم قد جعل اللفظ فيه لابن وهب دون سويد فإنه لا يحتمل مثل ذلك الانفراد بهذه الزيادة، ولو لم يكن عن سويد لبينها. وفي حديث الصُنابحي زيادة (فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى يخرج من أذنيه) وقد يستدل بهذا من يجعل الأذنين من الرأس وهو مما وقع الخلاف بين العلماء فيه وسيأتي. قال أبو عمر: وليس في هذه الأحاديث ذكر الرأس إلا في حديث الصنابحي وقد وقع في حديث عمرو بن عبسة: "فإذا غسل ذراعيه خرجت خطاياه من ذراعيه ورأسه، وإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من رجليه" كذا ذكره ابن أبي شيبة من

стр. 58

طريق ابن البيلماني عن أبيه عنه، فتضمن ذكر الرجلين الذي ذكر أبو عمر أنه ليس في حديث أبي هريرة الذي رواه مالك إلا من طريق ابن وهب عنه. وقد ذكره أبو عمر من طريق أبي داود وفيه: "ثم إذا مسحت برأسك خرجت خطاياك من أطراف شعرك، ثم إذا غسلت رجليك خرجت خطاياك من أطراف أنامل رجليك". وذكر ابن العربي كلامًا معناه: لم كانت خطايا الوجه من العين وحدها دون الفم والأنف؟ وأجاب بوجهين: الأول: أن العين ليس في خطاياها كبيرة بخلاف الفم والأنف ولا يخلو هذا من نظر، وهو أن الأنف أخف خطايا من العين وقد استدل بعض من لم يجز الوضوء بالماء المستعمل بهذا الحديث وقال: لأنه إذا حصل الوضوء به مرة خرجت الخطايا معه فوجب التنزه عنه لأنه ماء الذنوب. قال أبو عمر (١): وهذا عندي لا وجه له، لأن الذنوب لا تنجس الماء لأنها لا أشخاص لها تمازج الماء فتفسده وإنما معنى قوله: خرجت الخطايا مع الماء إعلام بأن الوضوء للصلاة عمل يكفر الله به الذنوب والسيئات عن عباده المؤمنين رحمة بهم وتفضلًا عليهم أعلموا بذلك ليرغبوا في العمل به. واختلف الفقهاء في الوضوء بالماء المستعمل الذي قد توضأ به مرة فقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما: لا يتوضأ به ومن توضأ به أعاد لأنه ليس بماء مطلق ويتيمم واجده لأنه ليس بواجد ماء قالوا: لما كان مع الماء الذي لم يستعمل كلا ماء وجب التيمم، وقال بقولهم في ذلك أصبغ وهو قول الأوزاعي. وأما مالك فقال: لا يتوضأ به إذا وجد غيره من الماء ولا خير فيه ثم إذا لم

стр. 59

يجد غيره توضأ به ولم يتيمم لأنه ماء طاهر لا ينضاف إليه شيء فوجب أن يكون مطهرًا بطهارته لأنه لا يضاف إلى شيء وهو ماء مطلق، واحتجوا بإجماع الأمة على طهارته إذا لم يكن في أعضاء المتوضيء نجاسة، وإليه ذهب محمد بن نصر المروزي. واختلف عن الثوري في هذه المسألة فروي عنه عدم الجواز وقال: هو ماء الذنوب وقد روي عنه خلاف ذلك أفتى فيمن نسي مسح رأسه قال: يأخذ من بلل لحيته فيمسح به رأسه، وقد روي عن علي وابن عمر وأبي أمامة وعطاء ابن أبي رباح والحسن البصري والنخعي ومكحول والزهري أنهم قالوا فيمن نسي مسح رأسه فوجد في لحيته بللًا أنه يجزئه أن يمسح بذلك البلل رأسه. وعند مالك والشافعي وأبي حنيفة ومن قال بقولهم: أن من فعل ذلك كمن لم يمسح رأسه لأنه ماء قد أدّي به فرض آخر كالجمار وشبههما. قال أبو عمر: الجمار مختلف في ذلك منها ورواية المدنيين من أصحاب مالك أنه طهور لكن كرهوه للخلاف فيه وقيل مشكوك فيه فيجمع بينه وبين التيمم، ثم اختلف في البداءة بالوضوء به قبل التيمم أو بالتيمم على قولين ذكره ابن شاس ومراعاة الخلاف مما استعمله المالكيون أكثر من غيرهم. وقال أبو العباس: قد استدل أبو حنيفة بهذا الحديث على نجاسة الماء المستعمل ولا دليل فيه وذكر نحوًا مما حكيناه عن أبي عمر فتلخص من هذا أن في الماء المستعمل ثلاثة مذاهب: * قول بالتنجيس وهو أضعفها مأخذًا لما روى الدارقطني وغيره من حديث أبي أمامة: "أن الماء لا ينجسه إلا ما غير ريحه أو طعمه" الحديث وفيه من حديث ثوبان أيضًا. * وقول بالطهارة دون الطهور وأقوى ما يستدل به من ذهب إليه تصرفهم في

стр. 60

لفظة طهور في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ وقوله ﵇: "وهو الطهور ماؤه" وما جاء من ذلك وأنها تقتضي زيادة على الطاهرية من حيث البنية؛ فإن فعولًا من الأبنية السالمة، ومن حيث المعنى فإنهم كانوا يعلمون طهارة ماء البحر وإنما سألوا عن جواز رفع الحدث، وقول جابر عنه ﵇: (فتوضأ وصب عليّ). وعن معاذ أن رسول الله ﷺ : "إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه"، وغير ذلك وما يؤخذ من قوله ﵇: "وجعل ترابها طهورًا" مما حسن به وقد كان ترابها طاهرًا قبل ذلك فالذي وقع الاختصاص به هو القدر الزائد من الطهورية على الطاهرية. وقول ببقائه على طهارته وطهوريته مع تنزه القائلين بطهوريته عن استعماله إذا وجد غيره على التفصيل المحكي عنهم آنفًا ويستدل له بعموم قوله ﵇ في بئر بضاعة: "أن الماء طهور لا ينجسه شيء"، وبما في معناه من حديث ابن عباس: "أن الماء لا يجنب" وغيره فريق (١) من الاحتجاج لقولهم والمعارضة لخالفتهم ما يطول ذكره وأصحابنا يفرقون في ذلك بين الأغسال المسنونة وما وقع عندنا فيجيزونه في الأول دون الثاني وكذلك ما بلغ القلتين وما لم يبلغهما وسيأتي ذلك عند ذكر حديث القلتين إن شاء الله. والذنوب التي تضمن الحديث تكفيرها هي الصغائر دون الكبائر. * * *

стр. 61

٣ - باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور حدثنا هناد وقتيبة ومحمود بن غيلان قالوا ثنا وكيع عن سفيان وحدثنا محمد بن بشّار ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن الحنفية عن علي عن النبي ﷺ قال: "مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم". قال أبو عيسى: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن. وعبد الله بن محمد بن عقيل هو صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه. قال أبو عيسى: وسمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم والحميدي يحتجون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل، قال محمد: وهو مقارب الحديث. قال أبو عيسى: وفي الباب عن جابر وأبي سعيد. حدثنا أبو بكر (١) محمد بن زنجويه البغدادي وغير واحد قالوا ثنا حسين بن محمد ثنا سليمان بن قرم عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "مفتاح الجنة الصلاة ومفتاح الصلاة الوضوء". هذا الحديث مخرج عند أبي داود في الطهارة وفي الصلاة عن عثمان بن أبي شيبة عن وكيع.

стр. 62

وابن ماجه عن علي بن محمد عنه. وزعم ابن العربي أن إسناد أبي داود هذا أصح من سند الترمذي، ولا وجه لهذا الترجيح، ومداره على ابن عقيل. ولم يصحح أبو عيسى حديث ابن عقيل هذا، وصححه في غير هذا الموضع وينبغي أن يكون حديثه حسنًا، وقد أثنى عليه قوم وتكلم فيه آخرون، فلنذكر من قاله وما الناس عليه ولنضم فيه ما انتهى إلينا. وهو عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، ومحمد (١) بن الحنفية ومحمد بن مسلم الزهري وعطاء بن يسار وأبا سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وحمزة بن أبي سعيد الخدري وفضالة بن أبي فضالة الأنصاري. روى عنه ابن عيينة وزهير بن معاوية وشريك والنخعي وابن عجلان وبشر بن المفضل ومحمد بن راشد والثوري وروح بن القاسم وفليح وزائدة ويعقوب القمي ومحمد بن علي الجعفي وعبيد الله بن عمرو الرقي وحماد بن سلمة وزهير بن محمد. قال الحاكم: كان أحمد وإسحاق يحتجان بحديثه. وقال أبو عمر بن عبد البر فيه: شريف عالم لا يطعن عليه إلا متحامل وهو أقوى من كل من ضعفه وأفضل. وقال أبو أحمد بن عدي (٢): حدثنا علي بن أحمد بن سليمان قال: ثنا أحمد

стр. 63

ابن سعد بن أبي مريم (١) قال سمعت يحيى بن معين يقول: عبد الله بن محمد بن محمد بن عقيل ضعيف الحديث. قال: وثنا ابن أبي بكر وابن حماد قالا ثنا عباس قال: سمعت يحيى يقول -وسئل عن حديث سهيل والعلاء وابن عقيل وعاصم بن عبيد الله، فقال: عاصم وابن عقيل أضعف الأربعة، العلاء وسهيل حديثهم قريب من السواء وحديثهم ليس بالحجج أو قريب من هذا تكلم فيه يحيى قال: يحيى: ومحمد بن عمرو أكثر ما يحتج من هؤلاء الأربعة، زاد ابن أبي بكر: وفليح وابن عقيل وعاصم بن عبيد الله ولا يحتج بحديثهم. حدثنا ابن حماد قال ثنا معاوية عن يحيى قال: عبد الله بن محمد بن عقيل ضعيف، ومن رواية ابن الدورقي عنه كذلك. وذكر عن يعقوب بن شيبة قال: سمعت علي بن المديني يقول: لم يدخل مالك في كتبه ابن عقيل يعني عبد الله بن محمد ابن عقيل ولا ابن أبي فروة. وقال السعدي: توقف عنه، عامة ما يروى عنه غريب. وقال عمرو بن علي: سمعت يحيى وعبد الرحمن جميعًا يحدثان عن ابن عقيل والناس يختلفون عليه. وقال يعقوب القمي عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: كنت أنطلق أنا ومحمد بن علي أبو جعفر ومحمد بن الحنفية إلى جابر بن عبد الله الأنصاري فنسأله عن سن رسول الله ﷺ وعن صلاته فنكتب ونتعلم منه. ومن رواية غيره عنه قال: كنت أختلف أنا وأبو جعفر إلى جابر بن عبد الله نكتب عليه في الألواح.

стр. 64

وذكر أبو أحمد من طريقه أحاديث منها الحديث المذكور "مفتاح الصلاة الطهور" فرواه عن الحسن بن سفيان ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي وأبو بكر بن أبي شيبة قالا ثنا وكيع كما ذكرناه. ثم قال عن ابن عقيل: له أحاديث وروايات، وقد روى عنه جماعة من المعروفين الثقات، وهو خير من ابن سمعان ويكتب حديثه. وقال ابن سعد: منكر الحديث لا يكتب حديثه وكان كثير العلم مات سنة خمس وأربعين ومائة. وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ يحدث على التوهم فيجيء بالخبر على غير سننه، فوجب مجانبة أخباره. وقال أبو معمر القطيعي: كان ابن عيينة لا يحمد حفظ ابن عقيل. وقال أبو حاتم: هو لين الحديث ليس ممن يحتج بحديته يكتب حديثه وهو أحب إليّ من تمام بن نجيح. وقيل ليحيى بن معين: عبد الله بن محمد بن عقيل أحب إليك أو عاصم بن عبيد الله؟ فقال: ما أحب واحدًا منهما في الحديث. وقال أبو عمر في موضع: وعبد الله بن محمد بن عقيل ليس بالحافظ عندهم. وفي الباب مما لم يذكره الترمذي حديث أنس: "مفتاح الصلاة الطهور والتكبير تحريمها" ذكره ابن عدي وضعفه بنافع بن هرمز. وفي الباب مما لم يذكره حديث ابن مسعود ذكر الطبراني في "معجمه الكبير" من حديث أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله.

стр. 65

وذكر أبو بكر البيهقي حديث علي هذا وقال: قال الشافعي في القديم: وكذلك روي عن عبد الله بن مسعود، وذكر بسنده عن شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: "مفتاح الصلاة التكبير وانقضاؤها بالتسليم". وذكر في الباب حديث جابر وأبي سعيد، وكلاهما عنده. أما حديث جابر ففي الباب ذكره، وأما حديث أبي سعيد فرواه في الصلاة عن سفيان بن وكيع عن محمد بن الفضيل عن أبي سفيان طريف السعدي عن أبي نضرة عنه. وقال: حديث علي أجود إسنادًا من حديث أبي سعيد، فإن مدار حديث أبي سعيد عن علي بن مسهر وعن أبي كريب محمد بن العلاء عن أبي معاوية الضرير جميعًا عن أبي سفيان السعدي به. أما قوله: (إن حديث علي أجود إسنادًا من حديث أبي سعيد)، فإن مدار حديث أبي سعيد على أبي سفيان عن أبي نضرة كذا هو عنده وعند ابن ماجه وعند أبي يعلى في "مسنده"، قال أبو يعلى: ثنا إسحاق يعني ابن إبراهيم ثنا حسان بن إبراهيم ثنا أبو سفيان، فذكره. وأبو سفيان قيل طريف بن شهاب ويقال طريف بن سفيان ويقال طريف بن سعد ويقال طريف الأشل، وإنما غير نسبه لئلا يعرف يروي عن الحسن وأبي نضرة، قال أحمد ويحيى: ليس بشيء. وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم. وقال عمرو بن علي: ما سمعت يحيى وعبد الرحمن يحدثان عن أبي سفيان السعدي بشيء. وقال أحمد بن حنبل: ليس بشيء، لا يكتب حديثه.

стр. 66

وقال ابن معين: ضعيف. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث ليس بقوي. وقال ابن عدي: روى عنه الثقات وإنما أنكر عليه في متون الأحاديث أشياء لم يأت بها غيره، وأما أسانيده فهي مستقيمة. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال ابن حبان: كان مغفلًا يهم في الأخبار حتى يقلبها ويروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات. فهذا وجه انحطاطه عن درجة حديث علي. أخبرنا أبو الفضل الموصلي بقراءة والدي عليه وأنا أسمع قال أنا ابن طبرزد. وأنا ابن عبد الباقي أنا الحسن بن علي الجوهري أنا أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد بن لؤلؤ الورّاق أنا حمزة بن محمد بن عيسى أنا نعيم بن حماد ثنا أبو معاوية ومحمد بن فضيل عن أبي سفيان عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "الوضوء مفتاح الصلاة والتكبير تحريمها والتحليل تسليمها، ولا تجزيء صلاة إلا بفاتحة الكتاب ومعها غيرها وفي كل ركعتين تسليم يعني التشهد" (١). وقد قال في حديث علي: إنه أجود شيء في الباب وأحسن، وذلك أن حديث جابر أيضًا في إسناده سليمان بن قرم عن أبي يحيى القتات. وأما سليمان بن قرم وإن كان أخرج له مسلم في صحيحه فهو أبو داود الضبي، يروي عن الأعمش وسماك.

стр. 67

قال يحيى: ليس بشيء، وهو ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بالمتين. وقال أبو زرعة: ليس بذاك. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن حبان: كان رافضيًّا غاليًا، وكان يقلب الأخبار، وهو سليمان بن معاذ الضبي البصري أيضًا. روى عنه أبو داود الطيالسي. وقال الدارقطني: وقد تبع أبا داود على ذلك البخاري فجعلهما رجلين وعقد ترجمتين لهما. وقال أبو حاتم الرازي: سليمان بن قرم وسليمان بن معاذ واحد وهو سليمان بن قرم بن معاذ. وأما أبو يحيى القتات فهو عبد الرحمن بن دينار، ويقال إن اسمه زاذان ويقال يزيد ويقال دينار، كوفي يروي عن مجاهد. ضعفه شريك ويحيى. ووثقه يحيى في رواية. وقال أحمد: رويت عنه أحاديث مناكير جدًّا. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن حبان: فحش خطؤه وكثر وهمه حتى سلك غير مسلك العدول في الروايات. فقد تبين بما قلناه أن ليس في الباب أمثل من حديث علي، فأقل مراتبه أن

стр. 68

يكون من قسم الحسن، وما عداه لا يعدو درجة الضعيف. وما حكاه أبو عيسى عن البخاري من قوله في ابن عقيل: مقارب الحديث، هو بكسر الراء وهو محمول عندهم على مقاربة الصحة. قال القاضي أبو بكر بن العربي: أصح شيء في هذا الباب وأحسن، حديث مجاهد عن جابر (١). قلت: وما قاله الترمذي أولى. قال الخطابي: في هذا الحديث بيان أن التسليم ركن للصلاة، كما أن التكبير ركن لها، وأن التحليل منها إنما يكون بالتسليم دون الحدث والكلام، لأنه عرفه بالألف واللام، وعينه كما عيّن الطهور وعرفه فكان ذلك منصرفًا إلى ما جاءت به الشريعة من الطهارة المعروفة، والتعريف بالألف واللام مع الإضافة يوحب التخصيص، كقولك فلان مبيته المساجد يريد أنه لا مبيت له يأوي إليه غيرها. وفيه دليل على أن افتتاح الصلاة لا يكون إلا بالتكبير دون غيره من الأذكار، وحاصل ما ذكره الإمام أبو سليمان أنه من باب حصر المبتدأ في الخبر وهو يقبل المنازعة مع قوته. والحنفي يخالفه في المسألتين معًا من الافتتاح بالتكبير ووجوب الانصراف بالتسليم وتعينه كذلك، وأما التحريم بالتكبير فقال الإمام أبو العباس القرطبي ﵀: واختلف في حكم التحريم فعامة أهل العلم على وجوبه إلا ما روي عن الزهري وابن المسيب والحكم والحسن والأوزاعي وقتادة في أنه سنة وأنه يجزيء الدخول في الصلاة بالنية وعامة أهل العلم على أنه لا يجزيء إلا بلفظ التكبير إلا أبا حنيفة وأصحابه، فإنهم يجيزون الدخول بلفظ فيه تعظيم لله.

стр. 69

وأجاز الشافعي الله الأكبر، وأجاز أبو يوسف الله الكبير. ومالك لا يجيز إلا اللفظ المعين الله أكبر المعهود في عرف اللغة والشرع لا سواه، واحتج لمذهب مالك في ذلك بحديث علي هذا، وقال: والألف واللام في التكبير والتسليم حوالة على معهود تكبيره ﷺ وتسليمه، ولم يرو عنه قط أنه قال في التكبير ولا في التسليم غير لفظين معينين وهما: الله أكبر والسلام عليكم. قلت: وقدمت من حديث عائشة ﵂ في "صحيح مسلم": أنه ﷺ كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، ففيه رد على من أجاز الدخول في الصلاة بالنية ممن حكينا عنه ذلك، وقولها في الحديث: "وكان يختم الصلاة بالتسليم" حجة على أبي حنيفة والأوزاعي والثوري ومن ذهب إلى جواز الانصراف بغير التسليم. وقولهم: أحرم بالصلاة والباء سببية ومعناه دخل بسبب الصلاة فيما يحرِّم عليه أفعال الصلاة كما فعلوا في الأمكنة والأزمنة من قولهم: أحرم إذا دخل في بلد حرام أو شهر حرام، وقال: قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا ... فدعا فلم أر مثله مقتولًا (١) أي: قتلوه في شهر حرام. وتحريمها التكبير أي المؤذن بالتحريم إذ هو أول أفعالها الظاهرة وأول أفعالها مطلقًا النية وبها التحريم.

стр. 70

فاستفدنا من ذلك مقارنة النية للتكبير كما ذهب إليه أصحابنا وفيه خلاف بين العلماء يأتي إن شاء الله. والتسليم هو حل ما كان منعقدًا أو حل ما كان حرامًا ولذلك قلنا: لا يكون إلا بنية ولا ينحل شرعًا ما كان منعقدًا إلا بقصد كما لم يرتبط إلا بقصد، ولأن السلام جزء من أجزائها، وقد روى عبد العزيز بن عبد الملك: أنه لا يكون الخروج عن الصلاة إلا بقرينة، كالخروج عن الحج وهذا لا يصح، فإن الخروج عن الحج يكون بفعل مقترن بالنية وهو الرمي والطواف. ويستدل لأبي حنيفة بما روى البيهقي من حديث أبي عوانة عن الحكم وعاصم بن ضمرة عن علي ﵁ قال: إذا جلس مقدار التشهد ثم أحدث فقد تمت صلاته. قلت: وهذا جار على أصولهم وأما عندنا فالحجة فيما روى لا فيما رأى، وروى أيضًا من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن عبد الرحمن بن رافع وبكر بن سوادة عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قضى الإمام الصلاة وقعد فأحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته ومن كان خلفه ممن أتم الصلاة". ورد الأول بعاصم بن ضمرة والثاني بعبد الرحمن بن زياد بن أنعم. وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطًا عند ذكر حديث عبد الرحمن هذا في موضعه في هذا الكتاب والتعريف بحال عبد الرحمن وما يعتذر به عن تضعيفه ومحله من الرد أو القبول إن شاء الله تعالى. وهل يتعدى السلام المعرف بالألف واللام أو لا؟ وهل تجزيء التسليمة الواحدة أو لا بد من اثنتين؟ يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.

стр. 71

٤ - باب ما يقول إذا دخل الخلاء ثنا قتيبة وهناد قالا ثنا وكيع عن شعبة عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك" قال شعبة: وقد قال مرة أخرى: "أعوذ بالله من الخبث والخبيث أو الخبث والخبائث". قال أبو عيسى: وفي الباب عن علي وزيد بن أرقم وجابر وابن مسعود. قال أبو عيسى: حديث أنس أصح شيء في الباب وأحسن. وحديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب، روى هشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن النضر بن أنس وقال سعيد عن زيد بن أرقم وقال معمر عن النضر بن أنس عن أبيه. حدثنا أحمد بن عبدة الضبي قال ثنا حماد بن زيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. * الكلام عليه: حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس هذا، أخرجه الشيخان في صحيحيهما ورواه البخاري في الطهارة ثنا آدم، وفي الدعوات عن ابن عرعرة كلاهما عن شعبة عنه. ومسلم في الطهارة ثنا يحيى بن يحيى قال ثنا حماد بن زيد وهشيم عنه قالا

стр. 72

ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير عن ابن علية عنه. وقد رواه أيضًا النسائي وابن ماجه. وحديث في رواه ابن ماجه، ورواه الترمذي في أواخر كتاب الصلاة وسيأتي الكلام عليك هناك. وحديث زيد بن أرقم رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث النضر بن أنس، ومن حديث القاسم بن عوف الشيباني عنه. فأما حديث النضر بن أنس فرواه أبو داود في الطهارة عن عمرو بن مرزوق عن شعبة عن قتادة عن النضر عن زيد. ورواه النسائي في اليوم والليلة عن ابن مثنى عن غندر وابن مهدي عن شعبة، وعن مؤمل بن هشام عن إسماعيل بن علية عن سعيد بن أبي عروبة عن شعبة عن قتادة عن قاسم بن عوف. وأما حديث قاسم بن عوف الشيباني المدني عن زيد فرواه النسائي في اليوم والليلة (١) عن إسماعيل بن مسعود عن يزيد بن زريع وعن هارون بن إسحاق عن عبدة بن سليمان جميعًا عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن القاسم. ورواه ابن ماجه (٢) في الطهارة عن جميل بن الحسن العتكي عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن هارون بن إسحاق عن عبدة جميعًا عن سعيد به. وقال الترمذي في كتاب "العلل" (٣): حدثنا محمد بن بشار ثنا محمد بن جعفر وابن مهدي ثنا شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم عن النبي

стр. 73

صلى الله عليه وسلم قال: "إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا دخل أحدكم الخلاء فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث". قال: سألت محمدًا عن هذا الحديث وقلت له: روى هشام الدستوائي مثل رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن القاسم بن عمرو الشيباني عن زيد بن أرقم يعني الحديث. وقد رواه معمر مثل ما روى شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن زيد فأي الروايات عندك أصح؟ قال: لعل قتادة سمع منهما جميعًا، ولم يقض في هذا بشيء. وقال البيهقي (١): قال الإمام أحمد: وقيل عن معمر عن قتادة عن النضر بن أنس عن أنس وهو وهم. وأما حديث قتادة عن زيد فمنقطع. وفي الباب مما لم يذكره: عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث الشيطان الرجيم" رواه ابن ماجه من حديث عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة. فأما عبيد الله فضعفه أحمد ويحيى. وأما علي فقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك.

стр. 74

وفيه أيضًا: عن عبد الله بن بريدة عن أبيه: كان إذا دخل الخلاء قال. اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس المخبث. رواه حفص بن عمر العدني عن المنذر بن ثعلبة عن علباء بن أحمر عن علي، وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه، ذكره ابن عدي (١) في باب حفص من كتابه، وقال: قد جمع بين صحابيين وما أظن رواه غير حفص هذا وهو غير ثقة. والخلاء بفتح الخاء والمد موضع قضاء الحاجة، وكذلك الكنيف بفتح الكاف وكسر النون وهو الساتر فأصلها من الخلوة والسترة، لأنه يقصد لذلك، والخلا مقصور. الحشيش والحشوش جمع حَش مفتوح الحاء وهو البستان لأنهم كانوا ينتابونها لذلك. قال الخطابي: الخبث بضم الباء جمع الخبيث، والخبائث جمع الخبشِة يريد ذكران الشياطين وإناثهم، وعامة أصحاب الحديث يقولون الخبث ساكنة الباء وهو غلط والصواب الخبث مضمومة الباء. قال ابن الأعرابي: أصل الخبث في كلام العرب المكروه، فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار. وهذا الذي أنكره الخطابي هو الذي حكاه أبو عبيد القاسم بن سلام وحسبك به جلالة. وقال القاضي أبو الفضل عياض: أكثر روايات الشيوخ بالإسكان، وقال أبو العباس: رويناه بالضم والإسكان. قلت: لا ينبغي أن يعد مثل هذا غلطًا، لأن فُعُلًا بضم الفاء والعين يسكن

стр. 75

عينه قياسًا، فلعل من سكنها سلك ذلك المسلك ولم يرد غير ذلك مما قد يخالف المعنى الأول. وقال الداودي: الخبث الشيطان والخبائث الشياطين ولذا يسكنون البَاء وقيل فيه إنه المكروه مطلقًا، وقيل الخبث الكفر والخبائث الشياطين قاله ابن الأنباري، وهو الخبائث: البول والغائط، وقد عبر عنهما في موضع آخر بالأخبثين في حديث مدافعة الأخبثين. وقوله: (إذا دخل الخلاء) يحتمل أن يراد به إذا أراد الدخول نحو قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أي إذا أردتم القيام، ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ أي إذا أردت القراءة، وكذلك وقع في "صحيح البخاري". ويحتمل أن يراد به ابتداء الدخول وينبني عليه من دخل ونسي التعوذ فهل يتعوذ أم لا؟ كرهه جماعة من السلف منهم ابن عباس وعطاء والشعبي فيحمل الحديث عندهم على المعنى الأول. واختار جماعة منهم ابن عمر وابن سيرين والنخعي أخذًا بقول عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه ولم يحتج هؤلاء إلى حمل الحديث على مجازه من العبارة: بالدخول عن إرادته. وقد نقل القولان معًا عن مالك، هذا كله في الكنف المتخذة في البيوت لا في الصحراء وهو ظاهر في لفظة: دخل، ومن قوله: إن هذه الحشوش محتضرة وهي محتضرة تأوي إليها الشياطين. وكذلك اختلفوا أيضًا في دخول الخلاء بالخاتم فيه اسم الله تعالى وسيأتي ذلك عند حديث ذكر أنس كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه.
следующие страницы →