٤ - باب ما يقول إذا دخل الخلاء
ثنا قتيبة وهناد قالا ثنا وكيع عن شعبة عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك" قال شعبة: وقد قال مرة أخرى: "أعوذ بالله من الخبث والخبيث أو الخبث والخبائث".
قال أبو عيسى: وفي الباب عن علي وزيد بن أرقم وجابر وابن مسعود.
قال أبو عيسى: حديث أنس أصح شيء في الباب وأحسن.
وحديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب، روى هشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن النضر بن أنس وقال سعيد عن زيد بن أرقم وقال معمر عن النضر بن أنس عن أبيه.
حدثنا أحمد بن عبدة الضبي قال ثنا حماد بن زيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
* الكلام عليه:
حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس هذا، أخرجه الشيخان في صحيحيهما ورواه البخاري في الطهارة ثنا آدم، وفي الدعوات عن ابن عرعرة كلاهما عن شعبة عنه.
ومسلم في الطهارة ثنا يحيى بن يحيى قال ثنا حماد بن زيد وهشيم عنه قالا
стр. 72
ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير عن ابن علية عنه.
وقد رواه أيضًا النسائي وابن ماجه.
وحديث في رواه ابن ماجه، ورواه الترمذي في أواخر كتاب الصلاة وسيأتي الكلام عليك هناك.
وحديث زيد بن أرقم رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث النضر بن أنس، ومن حديث القاسم بن عوف الشيباني عنه. فأما حديث النضر بن أنس فرواه أبو داود في الطهارة عن عمرو بن مرزوق عن شعبة عن قتادة عن النضر عن زيد.
ورواه النسائي في اليوم والليلة عن ابن مثنى عن غندر وابن مهدي عن شعبة، وعن مؤمل بن هشام عن إسماعيل بن علية عن سعيد بن أبي عروبة عن شعبة عن قتادة عن قاسم بن عوف.
وأما حديث قاسم بن عوف الشيباني المدني عن زيد فرواه النسائي في اليوم والليلة (١) عن إسماعيل بن مسعود عن يزيد بن زريع وعن هارون بن إسحاق عن عبدة بن سليمان جميعًا عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن القاسم.
ورواه ابن ماجه (٢) في الطهارة عن جميل بن الحسن العتكي عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن هارون بن إسحاق عن عبدة جميعًا عن سعيد به.
وقال الترمذي في كتاب "العلل" (٣): حدثنا محمد بن بشار ثنا محمد بن جعفر وابن مهدي ثنا شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم عن النبي
стр. 73
صلى الله عليه وسلم قال: "إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا دخل أحدكم الخلاء فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث".
قال: سألت محمدًا عن هذا الحديث وقلت له: روى هشام الدستوائي مثل رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن القاسم بن عمرو الشيباني عن زيد بن أرقم يعني الحديث.
وقد رواه معمر مثل ما روى شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن زيد فأي الروايات عندك أصح؟
قال: لعل قتادة سمع منهما جميعًا، ولم يقض في هذا بشيء.
وقال البيهقي (١): قال الإمام أحمد: وقيل عن معمر عن قتادة عن النضر بن أنس عن أنس وهو وهم.
وأما حديث قتادة عن زيد فمنقطع.
وفي الباب مما لم يذكره: عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث الشيطان الرجيم" رواه ابن ماجه من حديث عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة.
فأما عبيد الله فضعفه أحمد ويحيى.
وأما علي فقال البخاري: منكر الحديث.
وقال النسائي: متروك.
стр. 74
وفيه أيضًا: عن عبد الله بن بريدة عن أبيه: كان إذا دخل الخلاء قال. اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس المخبث. رواه حفص بن عمر العدني عن المنذر بن ثعلبة عن علباء بن أحمر عن علي، وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه، ذكره ابن عدي (١) في باب حفص من كتابه، وقال: قد جمع بين صحابيين وما أظن رواه غير حفص هذا وهو غير ثقة.
والخلاء بفتح الخاء والمد موضع قضاء الحاجة، وكذلك الكنيف بفتح الكاف وكسر النون وهو الساتر فأصلها من الخلوة والسترة، لأنه يقصد لذلك، والخلا مقصور.
الحشيش والحشوش جمع حَش مفتوح الحاء وهو البستان لأنهم كانوا ينتابونها لذلك.
قال الخطابي: الخبث بضم الباء جمع الخبيث، والخبائث جمع الخبشِة يريد ذكران الشياطين وإناثهم، وعامة أصحاب الحديث يقولون الخبث ساكنة الباء وهو غلط والصواب الخبث مضمومة الباء.
قال ابن الأعرابي: أصل الخبث في كلام العرب المكروه، فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار.
وهذا الذي أنكره الخطابي هو الذي حكاه أبو عبيد القاسم بن سلام وحسبك به جلالة.
وقال القاضي أبو الفضل عياض: أكثر روايات الشيوخ بالإسكان، وقال أبو العباس: رويناه بالضم والإسكان.
قلت: لا ينبغي أن يعد مثل هذا غلطًا، لأن فُعُلًا بضم الفاء والعين يسكن
стр. 75
عينه قياسًا، فلعل من سكنها سلك ذلك المسلك ولم يرد غير ذلك مما قد يخالف المعنى الأول.
وقال الداودي: الخبث الشيطان والخبائث الشياطين ولذا يسكنون البَاء وقيل فيه إنه المكروه مطلقًا، وقيل الخبث الكفر والخبائث الشياطين قاله ابن الأنباري، وهو الخبائث: البول والغائط، وقد عبر عنهما في موضع آخر بالأخبثين في حديث مدافعة الأخبثين.
وقوله: (إذا دخل الخلاء) يحتمل أن يراد به إذا أراد الدخول نحو قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أي إذا أردتم القيام، ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ أي إذا أردت القراءة، وكذلك وقع في "صحيح البخاري".
ويحتمل أن يراد به ابتداء الدخول وينبني عليه من دخل ونسي التعوذ فهل يتعوذ أم لا؟ كرهه جماعة من السلف منهم ابن عباس وعطاء والشعبي فيحمل الحديث عندهم على المعنى الأول.
واختار جماعة منهم ابن عمر وابن سيرين والنخعي أخذًا بقول عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه ولم يحتج هؤلاء إلى حمل الحديث على مجازه من العبارة: بالدخول عن إرادته.
وقد نقل القولان معًا عن مالك، هذا كله في الكنف المتخذة في البيوت لا في الصحراء وهو ظاهر في لفظة: دخل، ومن قوله: إن هذه الحشوش محتضرة وهي محتضرة تأوي إليها الشياطين.
وكذلك اختلفوا أيضًا في دخول الخلاء بالخاتم فيه اسم الله تعالى وسيأتي ذلك عند حديث ذكر أنس كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه.
стр. 76
٥ - باب ما يقول إذا خرج من الخلاء
حدثنا محمد بن إسماعيل ثنا مالك بن إسماعيل عن إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: "غفرانك".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة.
وأبي بردة بن أبي موسى اسمه عامر بن عبد الله بن قيس، ولا نعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة.
الحديث أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث إسرائيل.
وأخرجه أبو داود عن عمرو الناقد عن هاشم بن القاسم، والنسائي عن أحمد بن نصر النيسابوري، وابن ماجه عن أبي بكر كلاهما عن يحيى بن أبي بكر كلاهما عن إسرائيل به.
وقوله: (حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل ... إلى آخره)، ثم قال: (ولا نعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة) أثبت له غرابة السند بتفرد إسرائيل فمن فوقه، وغرابة المتن لكونه لا يعرف في الباب إلا حديث عائشة.
ثم وصفه بعد ذلك بأنه حسن ولو لم تكن تلك الغرابة الراجعة إلى الإسناد لا عارض ذلك، وأما قوله: (لا يعرف في الباب إلا حديث عائشة) مع قوله في الحسن: (أنه يروي مثل ذلك الحديث أو نحوه من وجه آخر) فهذا قد يوهم منافاة الحسن الذي وصفه به على شرطه فيحتاج إلى الجواب عن ذلك؟ فنقول: لا يشترط
стр. 77
في كل حسن أن يكون كذلك، بل الذي يحتاج فيه إلى أن يروى نحوه من وجه آخر هو ما كان راويه في درجة المستور ومن لم تثبت عدالته ولا ارتقى إلى أن يدخل في الصحيح مع المتابعة رواية، فهناك يحتاج إلى تقويته بالمتابعات والشواهد لنقل مجموع ذلك إلى تلك الدرجة.
وأمّا هذا فقد كان من شأنه أن يكون من الصحيح، فإن إسرائيل المنفرد به متفق على إخراج حديثه عند الشيخين، وقد تقدم في الكلام على الشذوذ والمنفردات ما يوضح أن ما انفرد به الثقة ولم يتابم عليه لا يرتقي إلى درجة الصحاح حتى يكون مع الثقة في الرتبة العليا من الحفظ والإتقان، وإن لم يجاوز الثقة فحديثه هناك حسن، كما أن المستور مع التفرد لا يرتقي إلى درجة الحسن بل تفرده مردود. فكذلك هذا الحديث لو وجد شاهدًا له لما وقف عند مرتبة الحسن وربما لم يقف عندها، فقد أخرجه أبو حاتم بن حبان في صحيحه كما يأتي بيانه، وأكثر ما في الباب أن الترمذي في الموضع الذي شرط فيه في الحسن تقويته بالمتابعات عرّف بنوع منه وهو أكثره وقوعًا عنده لا بكل أنواعه وهذا نوع آخر منه مستفاد من كلامه وكلام الحاكم والمحاملي وغيرهم من أئمة هذا الشأن في الغرائب والشذوذ والانفرادات كما قلناه، وقد بقي علينا أن نعرف محل رواته من الثقة ليتبين ما ذكرناه فنقول:
محمد بن إسماعيل الذي رواه عنه هو ابن يوسف السلمي أبو إسماعيل الترمذي، سكن بغداد، سمع محمد بن عبد الله الأنصاري وأبا نعيم الفضل بن دكين والحسن بن سوار العنبري وعبد الله بن الزبير الحميدي وإسحاق الفروي وقبيصة بن عقبة في خلق يطول ذكرهم.
روى عنه أبو داود والترمذي والنسائي وأبو بكر بن أبي الدنيا وموسى بن هارون الحمّال وجعفر الفريابي وأبو علي الصواف ويحيى بن صاعد والمحاملي ومحمد بن
стр. 78
مخلد وإسماعيل الصفار ومحمد بن عمرو ابن البختري وأبو عمرو بن السماك وأحمد بن سلمان النجاد وأبو سهل بن زياد القطان وأبو علي بن خزيمة وأبو بكر الشافعي وآخرون.
قال النسائي: ثقة.
وقال الخلال: رجل معروف ثقة كثير العلم متفقه.
وأثنى عليه الخطيب وأبو العباس بن عقدة وغيرهم.
قال ابن سخبرة: مات في رمضان سنة ثمانين ومائتين ودفن عند قبر أحمد بن حنبل.
ومالك أبو غسان هو مالك بن إسماعيل بن درهم ويقال ابن زياد بن درهم النهدي الكوفي، سمع من حماد بن زيد وإسرائيل وغيرهم.
أخرج له الجماعة كلهم وأثنى عليه الأئمة ثناء حسنًا.
قال أبو حاتم: متقن ثقة، له فضل وصلاح وعبادة، وصحة حديث واستقامة، في ثناء أكثر من هذا.
وقال ابن نمير: محدث من أئمة المحدثين.
وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صحيح الكتاب، وكان من العابدين.
وقال ابن معين: ليس بالكوفة أتقن من أبي غسان وهو أجود كتابًا من أبي نعيم.
وقال مرة أخرى لأحمد بن حنبل: إن سرك أن تكتب عن رجل ليس في قلبك منه شيء فاكتب عن أبي غسان.
стр. 79
قال البخاري: مات سنة تسع عشرة ومائتين.
وأما إسرائيل وهو المنفرد بالحديث فهو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، سمع جده وعبد الملك بن عمير والمقدام بن شريح وغيرهم.
روى عنه وكيع وابن مهدي وابن أبي زائدة وغيرهم.
وثقه أحمد ويحيى وأبو حاتم، ولد سنة مائة ومات سنة ستين ومائة.
روى له الجماعة.
ويوسف بن أبي بردة يروي عن أبيه، يعد في أهل الكوفة.
روى عنه إسرائيل بن يونس وسعيد بن مسروق.
ذكره أبو حاتم بن حبان في الثقات.
وأبو بردة اسمه عامر وقيل غير ذلك ولي قضاء الكوفة فعزله الحجاج وجعل أخاه أبا بكر مكانه.
روى عن الزبير بن العوام وعوف بن مالك، وسمع أباه وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر والأغر المزني وعبد الله بن سلام وعائشة.
روى عن الشعبي وأبو إسحاق السبيعي وعبد الملك بن عمير وعمر بن عبد العزيز وثابت البناني ومحمد بن المنكدر وقتادة والقاسم بن مخيمرة وأبو حصين عثمان بن عاصم وسالم أبو النضر وعدي بن ثابت وبكير بن عبد الله بن الأشج وحميد بن هلال وعاصم بن بهدلة وأبو إسحاق الشيباني وأبو جناب يحيى بن [أبي] حية وجابر بن يزيد الجعفي ومحمد بن واصل وعمرو بن مرة وموسى الجهني وأبو حريز قاضي سجستان وطلحة بن مصرف وسيار أبو الحكم وإبراهيم السكسكي وأبو مجلز وجماعة يطول ذكرهم.
стр. 80
قال أحمد بن عبد الله العجلي: أبو بردة وأبو بكر ابنا موسى تابعيان ثقتان كوفيان.
وقال ابن سعد: توفي بالكوفة سنة ثلاث وأربعين، وكان ثقة كثير الحديث ويقال سنة أربع.
روى له الجماعة، وذكره ابن حبان أيضًا في الثقات.
فرواته إذن كلهم موثقون فلم يقصر به عن درجة التصحيح إلا التفرد الذي أشار إليه بالغرابة، فثبت بذلك كونه حسنًا غريبًا.
وقد أخرجه أبو حاتم بن حبّان في "صحيحه" من هذا الوجه قال: ثنا عمران بن موسى ثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا يحيى بن زياد نا إسرائيل فثبت بذلك ثقة رواته بما ذكرناه ولا يعترض على الترمذي بتصحيح ابن حبان، فقد يكون ابن حبان عد من متابعته على ما لو عدَّ عليه الترمذي لصححه به.
وقد ذكرنا في الباب أحاديث تأتي بعد هذا وهي شواهد له ولو كانت ضعيفة والأولى أن يكون الحديث صحيحًا لذلك والله أعلم.
قال الترمذي: وأبو بردة اسمه عامر بن عبد الله بن قيس وكذا قال الإمام أحمد.
وقال يحيى بن معين: اسمه الحارث حكاه عنهما أبو أحمد الحاكم.
قال: "ولا نعرف في الباب إلا حديث عائشة".
قل الحافظ المنذري (١): "وفي الباب حديث أبي ذر ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء؛ قال: "الحمد لله الذي أذهب عني
стр. 81
الأذى، وعافاني".
وحديث أنس بن مالك عن النبي ﷺ .. مثله (١).
وفي لفظ: "الحمد لله الذي أحسن إلي في أوله وآخره".
وحديث عبد الله بن عمر: أن النبي ﷺ يعني: كان إذا خرج- قال: "الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى فيّ قوته، وأذهب عني أذاه".
غير أن هذه الأحاديث أسانيدها ضعيفة. ولهذا قال أبو حاتم: أصح ما فيه حديث عائشة (٢).
قلت: وفي الباب أيضًا مما لم يذكره الترمذي ولا المنذري: حديث طاوس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم البراز؛ فليكرم (٣) قِبلة الله" ... الحديث وسيأتي في (باب الاستنجاء بالحجارة) وفيه؛ "ثم ليقل الحمد لله الذي أخرج عني ما يؤذيني، وأمسك علي ما ينفعني".
رواه الدارقطني مرسلًا (٤)، وبعضه مرفوعًا عن ابن عباس، وضعف مَن رفعه.
وحديث أبي ذر: ذكر ابن أبي حاتم (٥): أنه سأل أباه وأبا زرعة عنه وقال: قد روى شعبة عن منصور، عن الفيض (عن) (٦) ابن أبي حثمة، عن أبي ذر ... الحديث.
стр. 82
فقال أبو زرعة: وهم شعبة في هذا الحديث، ورواه الثوري فقال: عن منصور، عن أبي علي عبيد بن علي. وهو الصحيح وكان أكثر وهم شعبة في أسماء الرجال، وقال أبي: كذا قال سفيان، وكذا قال شعبة، والله أعلم أيهما الصواب.
والثوري أحفظ، وشعبة ربما أخطأ في أسماء الرجال، ولا ندرى هذا منه أم لا؟
وفي الباب مما لم يذكراه معًا: حديث سهل ابن أبي حثمة. ذكره ابن الجوزي في كتاب "العلل المتناهية" (١).
وهذه الأحاديث كلها تضمنت: حمد الله تعالى على خروج الأذى.
وحديث الباب عند الترمذي، تضمن الدعاء بالمغفرة، وهو غير الأول، غير أن التبويب تضمن ما يقول إذا خرج من الخلاء، فهي داخلة تحت التبويب، وإن لم تكن في معنى حديث الباب.
والغفران: مصدر، كالمغفرة، وإنما نصبه بإضمار "الطلب" و"المسألة" كأنه يقول: "اللهم إني أسألك غفرانك".
وقد قيل في تأويل ذلك، وفي تعقيبه الخروج من الخلاء بهذا الدعاء قولان:
" أحدهما: أنه قد استغفر مِن ترك ذكر الله مدة لبثه على الخلاء وكان ﷺ لا يهجر ذكر الله إلا عند الحاجة، فكأنه رأى هجران الذكر في تلك الحال تقصيرًا، وعده على نفسه ذنبًا؛ فتداركه بالاستغفار.
* وقيل معناه: التوبة من تقصيره في شكر النعمة التي أنعم الله بها عليه فأطعمه ثم هضمه ثم سهل خروج الأذى منه، فرأى شكره قاصرًا عن بلوغ حق هذه النعم، ففزع إلى الاستغفار منه، والله أعلم. قاله الخطابي (٢).
стр. 83
" ويحتمل وجهًا ثالثًا: أن يكون هذا خرج منه ﵇ مخرج التشريع والتعليم في حالتي الدخول والخروج، فحق من خرج سالمًا معاذًا مما استعاذ منه، من الخبث والخبائث، أن يؤدي شكر نعمة الله عليه، في إعاذته وإجابة سؤاله، وأن يستغفر الله تعالى، خوفًا أن لا يؤدي شكر تلك النعم حقها.
وهو قريب من تحميد العاطس على سلامته، مما قد كان يخشى منه حالة العطاس؛ ولما كانت حالة التخلي لقضاء الحاجة محظورًا فيها الذكر والتوجه إلى الله تعالى، حسن أن يكون الذكر والاستغفار، أول ما يصدر منه عند الخروج، كما كان ذلك آخر ما ختم به عند الدخول، ونحو من هذا ما مر بي عن بعض أهل العلم (١) في الأدعية المأثورة عند النوم إلى جنبه، والبداءة عند اليقظة بقول المستيقظ: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور" (٢).
وقال: فيه استحباب ختم الأعمال بالدعاء والتوجه، وافتتاحها بمثله.
وأنشد هذا القائل متمثلًا:
وآخر شيء أنت آخر هجعةً ... وأول شيء أنت عند هبوب
٦ - باب في النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول
حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتيتم الغائط، فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا".
стр. 84
قال أبو أيوب: فقدمنا الشام، فوجدنا مراحيض قد بنيت، مستقبل القبلة، فننحرف عنها ونستغفر الله.
وفي الباب عن عبد الله بن الحارث، ومعقل بن أبي الهيثم، ويقال: معقل بن أبي معقل، وأبي أمامة، وأبي هريرة وسهل بن حنيف.
قال: وحديث أبي أيوب، أحسن شيء في هذا الباب وأصح، وأبو أيوب اسمه: خالد بن زيد.
والزهري: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري.
قال أبو الوليد المكي: قال أبو عبد الله الشافعي: إنما معنى قول النبي ﷺ : "لا تستقبلوا القبلة بغائط، ولا بول، ولا تستدبروها"؛ إنما هذا في الفيافي، فأما في الكنف، فله رخصة في أن يستقبلها، وهكذا قال إسحاق.
قال أحمد بن حنبل: إنما الرخصة من النبي ﷺ في استدبار القبلة بغائط أو بول، فأما استقبال القبلة؛ فلا يستقبلها، كأنه لم ير في الصحراء ولا في الكنف أن يستقبل القبلة (١).
أما حديث أبي أيوب، فمخرج في الكتب الستة (٢).
وحديث عبد الله بن الحارث رواه الإمام أحمد وابن ماجه (٣).
وحديث معقل بن أبي معقل في "النهي عن استقبال القبلتين"؛ وسيأتي
стр. 85
الكلام على معقل، لذكره الخلاف واسم أبيه رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه (١).
وحديث أبي هريرة: "إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها" رواه مسلم (٢).
وحديث سهل بن حنيف ذكره الدارمي في "مسنده" (٣): ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن عبد الكريم، عن الوليد بن مالك من عبد القيس، عن محمد بن قيس -مولى سهل بن حنيف- عن سهل.
قال: عبد الكريم شبه المتروك.
وذكر ابن المديني أنه أيضًا: لا الوليد عن مالك، ولا محمد بن قيس، فإن هذا الحديث لا يروى إلا عن عبد الكريم، وأن محمد بن قيس لا يروى عنه شيء غير هذا الحديث، وقال: غريب من حديث سهل: أن رسول الله ﷺ نهى أن يُستقبل شيء من القبلتين بالغائط والبول.
وفي الباب مما لم يذكره:
حديث سلمان الفارسي، وهو عند مسلم (٤).
وفيه أيضًا (٥): ما ذكره أبو أحمد ابن عدي من حديث عمرو العجلاني.
стр. 86
وقال: في إسناده عبد الله بن نافع مولى ابن عمر، وهو ضعيف عندهم (١).
ومعقل المذكور، قال أبو عمر (٢): معقل بن الهيثم الأسدي يقال له: معقل بن أم معقل، ويقال له: معقل بن أبي معقل وكله واحد، يعد في أهل المدينة، مات في عهد معاوية، روى عن النبي ﷺ : "عمرة في رمضان تعدل حجة" (٣). وروى أن النبي ﷺ نهى عن استقبال القبلتين لبول أو غائط.
وقال ابن سعد: صحب النبي ﷺ وروى عنه.
روى له أبو داود وابن ماجه، والنسائي.
قال: (وأبو أيوب اسمه خالد بن زيد) وهو ابن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار.
وقيل: ابن عبد عوف بن جشم بن غنم بن مالك الأنصاري الخزرجي، يكنى أبا أيوب، شهد بدرًا والعقبة والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، نزل عليه رسول الله ﷺ حين قدم المدينة شهرًا حتى بنيت مساكنه ومسجده، روي له عن رسول الله ﷺ مائة وخمسون حديثًا، اتفقا منها على سبعة، وانفرد البخاري بحديث واحد، ومسلم بخمسة.
روى عنه البراء بن عازب، وجابر بن سمرة، والمقدام بن معد يكرب، وأبو أمامة الباهلي، وزيد بن خالد الجهني، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن يزيد الخطمي، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعطاء
стр. 87
ابن يزيد الليثي، وعبد الله بن حنين، وخلق سواهم، روى له الجماعة.
قال أبو عمر (١): وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين مصعب بن عمير.
وكان أبو أيوب الأنصاري مع علي بن أبي طالب في حروبه كلها، ثم مات بالقسطنطينية من بلاد الروم في زمن معاوية وكانت غزاته تلك تحت راية يزيد، هو كان أميرهم يومئذ، وكان سنة خمسين أو إحدى وخمسين من التاريخ.
وقيل: بل كان ذلك سنة اثنتين وخمسين -وهو الأكثر- في غزوة يزيد القسطنطينية.
قال: حدثنا سعيد بن نصر، قال: ثنا قاسم بن أصبغ، قال: ثنا محمد بن وضاح، قال: ثنا ابن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن أشياخه، عن أبي أيوب، أنه خرج غازيًا في زمن معاوية، فمرض، فلما ثقل قال لأصحابه: إذا أنا مت، فاحملوني، فإذا صاففتم العدو، فادفنوني تحت أقدامكم، ففعلوا ... وذكر تمام الحديث.
وقبر أبي أيوب: قرب سورها معلوم إلى اليوم، معظّم، يستسقون به، فيسقون.
قال: والزهري: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب، كذا قال؛ نسب عبيد الله إلى جده شهاب. وهو عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري.
قال ابن الحذاء (٢): "وشهد جده -عبد الله بن شهاب- أحدًا مع المشركين ثم أسلم بعدُ وكان اسمه في الجاهلية عبد الجان، فسماه رسول الله ﷺ عبيد الله وهو عبد الله الأصغر.
стр. 88
وقال الزبير (١): هما أخوان: عبد الله الأكبر، وعبد الله الأصغر ابنا شهاب، كان اسم عبد الله بن شهاب الأكبر عبد الجان فسماه رسول الله ﷺ عبد الله. كان من المهاجرين إلى أرض الحبشة، ومات بمكة قبل الهجرة إلى المدينة.
وأخوه عبد الله بن شهاب الأصغر، شهد أحدًا مع المشركين ثم أسلم بعدُ، وهو جد محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الفقيه.
قال ابن إسحاق: هو الذي شج رسول الله ﷺ في وجهه، وابن قميئة جرح وجنته، وعتبة كسر رباعيته.
وحكى الزبير عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد العزيز الزهري؛ قال: ما بلغ أحد الحلم من ولد عتبة بن أبي وقاص، إلا بخر أو هَتِم، لكسر عتبة رباعية رسول الله ﷺ .
وقيل: إن عبد الله بن شهاب الأصغر، هو جد الزهري من قبل أمه وأما جده من قبل أبيه، فهو عبد الله بن شهاب الأكبر، وأن عبد الله الأصغر، هو الذي هاجر إلى أرض الحبشة ثم قدم مكة فمات بها قبل الهجرة.
وقد روى أن ابن شهاب قيل له: أشهد جدك بدرًا؟ قال: شهدها من ذلك الجانب -يعني: مع المشركين- فالله أعلم أي جدَّيه كان؟
ومحمد بن مسلم يكنى: أبا بكر، مدني سكن الشام، سمع: أنس بن مالك وسهل بن سعد الساعدي وأبا الطفيل عامر بن واثلة، والسائب بن يزيد، وسنينًا أبا جميلة، وعبد الرحمن بن أزهر، وربيعة من عباد الديلي، ومحمود بن الربيع، -رجلًا من بَلِيِّ له صحبة- ورأى عبد الله بن عمر بن الخطاب وسمع عبد الله بن عامر بن ربيعة وعبد الله بن ثعلبة بن صعير، وأبا أمامة بن سهل بن حنيف، ومالك بن أوس
стр. 89
ابن الحكم وعمير أبي سلمة وأبي رُهم، والمسور، وأم عبد الله الدوسية على خلاف في عمرو بن أبي سلمة ومن بعده. وسمع من كثير وتمَّام ... انتهى.
ومن التابعين: سعيد بن المسيب وأبا سلمة بن عبد الرحمن وأخاه حميدًا وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وعبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية، وكثير بن العباس، ومحمد بن عباد بن جعفر، وحمزة بن عبد الله بن عمر، وحفص بن عاصم بن عمر، ومحمد بن النعمان بن بشير، وعبد الله بن كعب بن مالك، وعباد بن تميم، وأبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعمارة بن خزيمة بن ثابت، وسعيد بن جبير بن مطعم وعطاء بن يزيد، وعلقمة بن وقاص، وقبيصة بن ذؤيب، وأبا إدريس الخولاني، وخالد بن سعيد بن عمرو بن عثمان بن عفان، ونبهان -مولى أم سلمة- وعروة بن الزبير، وابنه يحيى، وعبد الله بن محيريز، وعبيد الله بن عبد الله بن عبد الله بن عتبة، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعمر بن عبد العزيز.
وروى عن أبان بن عثمان بن عفان، ولم يسمع منه، قاله ابن أبي حاتم؛ قال. ولا يصح حديث أبان بن عثمان في طلاق السكران (١).
روى عنه: عراك بن مالك وأخوه عبد الله بن مسلم، وبكير بن الأشج، ومنصور بن المعتمر، وعمرو بن شعيب، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وصالح بن كيسان، وسليمان بن موسى، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، ومعمر بن راشد، ويونس بن يزيد، وعقيل والأوزاعي، والزبيدي.
روى عبد الرزاق عن معمر؛ قال: قال عمر بن عبد العزيز لجلسائه: هل تأتون
стр. 90
ابن شهاب؟ قالوا: إنا لنفعل. قال: فأْتوه، فإنه لم يبق أحد أعلم بسنة ماضية منه. قال معمر: وإن الحسن وأضرابه لأحياء يومئذ (١).
وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال -عنه مرة-: ما رأيت أحدًا أحسن سوقًا للحديث منه.
وعن عبد الرحمن بن مهدي: سمعت مالك بن أنس يقول: حدث الزهري يومًا بحديث فلما قام، قمت فأخذت بعنان دابته، فاستفهمته، قال: تستفهمني؟ ما استفهمت عالمًا قط ولا رددت شيئًا على عالم قط. قال: فجعل عبد الرحمن بن مهدي يعجب، فيقول: فذيك الطوال وتلك المغازي؟!
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن أخي ابن وهب، قال: أنا عمي أنا الليث بن سعد؛ قال: قال ابن شهاب: ما استودعت قلبي علمًا نسيته.
وقال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول: بقي ابن شهاب وما له في الناس نظير.
وروى إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: الزهري ويحيى بن سعيد أثبت في القاسم بن محمد من عبد الرحمن ابن القاسم ومن أفلح بن حميد.
وكان يحيى بن سعيد القطان يقول: الزهري حافظ كان إذا سمع الشيء علقه.
وعن مكحول: ما بقي على ظهرها أعلم بسنة ماضية من ابن شهاب الزهري.
وذكر سعيد بن بشير عن قتادة: ما بقي على ظهر الأرض إلا اثنان: الزهري، وآخر، فظننا أنه يعني نفسه.
وقال أحمد بن حنبل: سمعت عبد الرحمن بن مهدي، عن وهيب؛ قال:
стр. 91
سمعت أيوب يقول: ما رأيت أعلم من الزهري، فقال له صخر بن جويرية: ولا الحسن؟ قال: ما رأيت أحدًا أعلم من الزهري.
وقال سفيان بن عيينة: سمعت عمرو بن دينار يقول: ما رأيت أحدًا أنص للحديث من الزهري، ولا رأيت أجود منه ما كانت الدنانير والدراهم عنده إلا بمنزلة البعر (١).
وقال أيضًا -مرة-: ما رأيت أحدًا أعلم من الزهري، ولقي رجالًا.
وعن سفيان: لم يكن أحد أعلم بسنة منه -يعني: الزهري-.
وحكى سفيان: قال لي أبو بكر الهذلي: لقد جالسنا الحسن وابن سيرين، فما رأينا أحدًا أعلم منه -يعني: الزهري-.
وقال علي بن المديني: لم يكن بالمدينة -بعد كبار التابعين- أعلم من ابن شهاب، ويحيى بن سعيد، وأبي الزناد، وبكير بن عبد الله بن الأشج.
وروى خالد عن سفيان؛ قال: كان الزهري أعلم أهل المدينة.
وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: قلت لإبراهيم بن موسى: ابن شهاب الزهري عندك فقيه؟ فقال: نعم فقيه، وجعل يفخم أمره.
وسمعت أبي يقول: الزهري أحب إلي من الأعمش، يحتج بحديثه وأثبت أصحاب أنس: الزهري.
سئل أبو زرعة، عن الزهري، وعمرو بن دينار، فقال: الزهري أحفظ الرجلين.
قال ابن الحذاء (٢): وذكر ابن أخي الزهري عنه: أنه أخذ القرآن في ثمانين ليلة.
стр. 92
وقال الزهري: ما استعدت حديثًا قط، وما استودعت حفظي شيئًا فخانني.
وفيما ذكرناه -قبل- في ترجمة الزهري هذه: أنه رأى عبد الله بن عمر.
قال ابن الحذاء (١): وروى عنه حديثين:
* وروى عن عبد الله بن ثعلبة؛ مسح النبي ﷺ على رأسه.
* وروى عن محمود بن الربيع الأنصاري: عقل عن النبي ﷺ مجة مَجّها من بئر في دارهم.
وكان الزهري كريمًا، سخيًّا جوادًا، وكان يقول الشعر، ذكره أبو عبيد الله محمد بن موسى بن عمران المرزباني في "معجم الشعراء" (٢) له.
وقال: وهو القائل لعبد الله بن عبد الملك بن مروان (٣):
أقول لعبد الله لما لقيته ... يسير بأعلى الرقتين مشرِّقًا
تبغ خبايا الأرض وادع مليكها ... لعلك يومًا أن تجاب وترزقا
في أبيات ذكرها.
وغيره يقول: الشعر لعمران بن أبي حدير أنشده الزهري متمثلًا.
وقال موسى بن عبد العزيز: كان ابن شهاب إذا أبي أحد من أصحاب الحديث أن يأكل طعامه، حلف أن لا يحدثه عشرة أيام (٤).
وقال مالك: ما رأيت أحدًا فقيهًا إلا واحدًا، قيل: من هو؟ وقال: ابن شهاب.
стр. 93
وقال عمرو بن دينار: جالست ابن عمر، وابن عباس وابن الزبير، وجابرًا فلم أر أنسق للحديث من الزهري (١).
وقال الأوزاعي: ما داهن ابن شهاب ملكًا من الملوك قط، إذا دخل عليه، ولا أدركت خلافة هشام أحدًا من التابعين أفقه منه.
وقال إبراهيم بن ربيعة (٢) عن أبيه: ما جمع أحد بعد رسول الله ﷺ ما جمع ابن شهاب. وفي رواية: ما وعى.
قال أبو عمر: كان من علماء التابعين، وفقهائهم، مقدمًا في الحفظ والإتقان والرواية والاتساع، إمامًا جليلًا من أئمة الدين.
وقد وقع في ترجمته من غرائب الجرح ما أنا ذاكره:
* فذكر البلخي في كتابه في "معرفة الرجال":
قال يحيى: وقد سئل عن الزهري: ليس بشيء (٣).
* وقال ابن المديني: قال سفيان بن حبيب: ثنا أبو جعفر الخطمي: إن الزهري قتل رجلًا فحدثت بذلك ابن عيينة، فقال: إيهًا؛ تولى السعاية، فعزر رجلًا فمات.
قال: ولم يرو لعلي حديثًا قط.
وكان مروانيًّا وحدث الوليد بن عبد الله (٤) عن قبيصة بن ذؤيب عن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه قال: إن النبي ﷺ قال: "لا تناشدوا الخلفاء".
стр. 94
فبلغ ذلك سعيد بن المسيب فقال: ما نرغب عن ذكره. ثم قال: أما سمع أخا خزاعة يقول:
يا ربِّ إني ناشدٌ محمدًا
قال ابن المسيب: فيناشد النبي، ولا يناشد الوليد؟ قال: وقدم على عمر بن عبد العزيز فأخرجه من عسكره من أجل هذا الحديث، ومن نقصه عليًّا.
قال ابن المديني: سمعت يحيى يقول: حديث يحيى بن أبي كثير أحسن من حديث الزهري.
وسمعت شيخنا الحافظ أبا الفتح محمد بن علي القشيري يقول: ذكر الزهري أن رجلًا -يعني: سلمة بن دينار- يروي عن سهل بن سعد، فقال: من أبي حازم هذا -لا أعرفه- فذكر ذلك لأبي حازم، فقال (١).
وأبو الوليد المكي الذي روى عن الشافعي، اسمه: موسى، ويعرف بالجارودي وكأنها نسبة إلى أبيه، فإنه ابن أبي الجارود.
والأصل في الغائط: المطمئن من الأرض، كانوا ينتابونه لقضاء الحاجة، ثم كنوا به عن الخارج.
والشام: إقليم مشهور، يُذَكّر ويُؤنَّث، ويقال بالهمزة وبغير همز.
وأما شأَم: بفتح الهمزة، فأباه أكثرهم إلا في النسب.
وقيل: سميت الشام بـ"سام بن نوح"، وذلك أنه أول من نزلها فجعلت "السين" شينًا، تغييرًا للفظ الأعجمي.
وقيل: سميت بذلك لكثرة قراها، وتداني بعضها من بعض، فشبهت بـ "الشامات".
стр. 95
وقيل: باب الكعبة مستقبل المطلع، فمن قابل طلوع الشمس كانت اليمين عن يمينه، والشام عن يده اليسرى.
وقيل: هو مأخوذ من اليد اليسرى، أو من الشؤم.
والمراحيض: جمع مرحاض.
قال ابن سِيدَه (١): والمرحضة والمرحاض: المغتسل، والمرحاض: موضع الخلاء وهو منه.
والمرحاض: خشبة يضرب بها الثوب إذا غسل.
والرُّحضاء: العرق، والرُّحضاء: الحمَّى بعرق.
وفي الحديث: دليل على المنع من استقبال القبلة واستدبارها وقد اختلف العلماء في ذلك:
* فمنهم من منع ذلك مطلقًا، أخذًا بظاهر هذا الحديث، وبما روى مسلم عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، قال: "إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها".
وبما روى مسلم أيضًا من حديث سلمان الفارسي؛ قال: أجل إنه نهانا أن نستقبل القبلة، وأن يستنجي أحدنا بيمينه.
وبما روى الإمام أحمد، وابن ماجه، عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي -وهو آخر من مات من الصحابة بمصر-: "لا يبولَنَّ أحدكم مستقبل القبلة".
وحديث معقل: أن النبي ﷺ نهى أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط.
وقد تقدمت الإشارة إلى هذه الأحاديث.
стр. 96
وإليه ذهب أبو أيوب، وممن نحى هذا المنحى: مجاهد بن جبير، وإبراهيم بن يزيد النخعي، وسفيان بن سعيد الثوري، وأهل الكوفة، وأبو ثور، وأحمد -في إحدى الروايتين عنه- وقالوا: إنما كان المنع لحُرْمَة القبلة، وهذا المعنى موجود في البنيان والصحراء، ولأنه لو كان الحائل كافيًا لجاز في الصحراء؛ لأن بيننا وبين الكعبة جبالًا وأودية، وغير ذلك من أنواع الحائل وتعليل ذلك باحترام الفناء ظاهر؛ لأنه معنى مناسب، ورد الحكم على وَفْقه فيكون علّة له.
وأقوى من هذا في التعليل بذلك، ما روي من حديث سراقة بن مالك (١)، عن رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم البراز فليكرم قبلة الله ولا تستقبلوا القبلة".
وهذا ظاهر قوي في التعليل.
وحديث سراقة هذا، ذكر ابن أبي حاتم (٢) أنه سأل أباه عن حديث رواه أحمد بن ثابت، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن سماك (٣)، عن سراقة.
* ومنهم من اختار ذلك مطلقًا في الصحراء والبنيان؛ واحتجوا بحديث ابن عمر الآتي في الباب بعد هذا.
وحديث جابر الآتي فيه أيضًا، وقوله فيه: قبل أن يُقبَض بعام يستقبلها.
وبحديث عائشة: لما بلغ رسول الله ﷺ قول الناس في ذلك، أمر بمَقْعدته، فاستقبل بها القبلة. ورأوا هذه الأحاديث وما أشبهها، ناسخة للأحاديث المتقدمة.
стр. 97
وهذا يحكى عن: عروة بن الزبير، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وأبي سليمان داود بن علي الأصبهاني (١).
* ومنهم من اختار ذلك في البنيان، (ورآه) (٢) في الصحراء محرمًا، وحمل حديث ابن عمر وجابر وما في معناهما، على التخصيص لحديث أبي أيوب، لا على النسخ.
والحمل على التخصيص أولى؛ إذ إعمال الحديثين أولى من إلغاء أحدهما، ولأنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر التخصيص، وليس هو هاهنا متعذرًا.
قالوا: الرخصة في استقبال القبلة للغائط والبول، في المنازل، والمنع من ذلك في الصحارى، وهذا المذهب يروى عن العباس بن عبد المطلب، وعبد الله بن عمر، والشعبي، ومالك بن أنس، والشافعي، وأحمد -في إحدى الروايتين عنه-، وإسحاق بن راهويه، واحتجوا في المنع بحديث أبي أيوب وما في معناه، وفي الإباحة بحديث جابر، وابن عمر وما في معناهما.
ومحمل النهي عندهم -حيث ورد- على حرمة المصلين من الملائكة- أي في الصحراء، لا على حرمة القبلة، وذكروا في ذلك عن عيسى بن أبي عيسى؛ قال: قلت للشعبي: عجبت لقول أبي هريرة ﵁ ونافع عن ابن عمر، قال: وما قالا؟ قلت: قال أبو هريرة: لا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها، وقال نافع عن ابن عمر: رأيت النبي ﷺ ذهب مذهبًا مواجه القبلة.
قال: أما قول أبي هريرة، ففي الصحراء إن لله خلقًا من عباده، يصلون في الصحراء، فلا تستقبلوهم، ولا تستدبروهم، وأما بيوتكم هذه التي تتخذونها
стр. 98
للنتن (١)، فإنه لا قبلة لها.
وذكر الدارقطني: أن عيسى بن أبي عيسى وهو الحناط، وهو عيسى بن ميسرة وهو ضعيف (٢).
وقد علل بغير ذلك.
* ومذهب رابع: لا يجوِّز الاستقبال؛ لا في الصحراء ولا في البنيان، ويجوز الاستدبار فيهما وهو أحد القولين عن أبي حنيفة وأحمد والمحكي عند الترمذي عن الشافعي.
واحتج هؤلاء بحديث سلمان: ليس فيه أكثر من قوله: أجل، لقد نهانا رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة بغائط أو بول.
قلت: لم أقف على هذا القول الرابع محكيًا عن مذهب الشافعي، في غير كتاب الترمذي، فقد قال الإمام الرافعي في كتابه في شرح "وجيز الغزالي" -رحمهما الله- عندما تكلم على آداب قضاء الحاجة: إن كان في بناء، أو بين يديه ساتر، فالأولى أنه لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها.
وإن كان في الصحراء ولم يستتر بشيء حرُم عليه استقبال القبلة واستدبارها، لما روى أنه ﷺ قال: "لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولكن شرقوا أو غربوا".
وروى أنه ﷺ قال: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها".
ولا يحرم ذلك في البناء -وإن كان الخبر مطلقًا- خلافًا لأبي حنيفة، وذلك لما روي عن ابن عمر؛ قال: رقيت السطح مرة، فرأيت رسول الله ﷺ جالسًا على
стр. 99
لَبِنَتين، مستقبلًا بيت القدس (١).
ومن استقبل بيت القدس بالمدينة، فقد استدبر الكعبة.
وعن جابر (٢)؛ قال: نهانا رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة بفروجنا ثم رأيته - قبل موته بعام- مستقبل القبلة (٣).
* ومذهب خامس: وهو جواز الاستدبار دون الاستقبال، في البنيان خاصة، وهو مروي عن الإمام أبي حنيفة.
* ومذهب سادس: وهو تحريم الاستقبال، والاستدبار للقبلتين. الكعبة وبيت المقدس، نقل عن النخعي وغيره.
* ومذهب سابع: أن تحريم الاستقبال والاستدبار في ذلك لأهل المدينة وما وراءها، من الشام والغرب لأنهم في التشريق والتغريب لا يستقبلون القبلة ولا يستدبرونها، وإليه ذهب البخاري.
* وبعضهم يشير إلى أن ذلك ممنوع في البنيان إذا كان للمتبرِّز عنه مندوحة.
وإن أحوجه البنيان إلى الاستقبال أو عكسه جاز هذا، أو معناه.
ومنهم من توقف.
وسبب المنع في الصحراء -فيما ذكره الأصحاب- أن الصحراء لا تخلو من مصلٍّ من ملك، أو جني، أو إنسي، وربما وقع بصره على عورته.
وأما في الأبنية: فالحشوش لا يحضرها إلا الشياطين، ومن يصلي يكون خارجًا عنها، فيحول البناء بينه وبين المصلَّى، وليس السبب مجرد احترام الكعبة.
стр. 100
وقد نقل ما ذكروه عن ابن عمر وعن الشعبي ﵄؛ انتهى ما ذكره (١).
وليس فيه التفرقة بين الاستقبال مطلقًا والاستدبار مطلقًا.
وفيه التصريح بالعلة، والتعليل بها لا يناسب هذا المذهب الرابع بوجه.
وقول الرافعي: "إن كان في بناء أو بين يديه ساتر، فالأولى أنه لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها".
قال الشيخ محيي الدين: قال جماعة من أصحابنا: هو مكروه، ولم يذكر الجمهور الكراهة.
والمختار: أنه إن كان عليه مشقة في تكلف التحرف عن القبلة فلا كراهة، وإن لم تكن مشقة فالأولى تجنبه، للخروج من خلاف العلماء، ولا تطلق عليه الكراهة، للأحاديث الصحيحة (٢)، والله أعلم.
قوله: "إن كان عليه مشقة فلا كراهة": يقتضي ثبوت الكراهة؛ حيث لا مشقة.
ثم قوله: "وإن لم تكن مشقة فالأولى تجنبه": لا يقتضي ثبوت الكراهة، حيث لا مشقة، ليفرق بين أولوية الفعل، وثبوت الكراهة في الترك، لا سيما وقد أتبع التجنب المطلوب، كونه متسببًا عن الخروج من خلاف العلماء، وربما يقتضي ذلك لا كراهة عنده لذاته فتأمله.
والحديث دلَّ على المنع من استقبال القبلة لغائط أو بول.
стр. 101
قال شيخنا الإمام أبو الفتح القشيري ﵀: هذه الحالة تتضمن أمرين:
* أحدهما: خروج الخارج المستقذر.
" والثاني: كشف العورة. فمن الناس من قال: المنع للخارج، لمناسبته لتعظيم القبلة عنده.
ومنهم من قال: المنع لكشف العورة.
وينبني على هذا الخلاف: "الخلاف في جواز الوطء مستقبل القبلة، مع كشف العورة؛ فمن علل بالخارج، أباحه، إذ لا خارج، ومن علل بالعورة منعه".
انتهى ما قاله (١).
وهو حسن، لو كان المعلل بكشف العورة موافقًا له على الحكم الذي أشار إليه؛ لكن ليس كذلك؛ فقد قال الشيخ محيي الدين ﵀: يجوز الجماع في الصحراء، والبنيان مستقبل القبلة، هذا مذهبنا، ومذهب أبي حنيفة، وأحمد، وداود.
واختلف فيه أصحاب مالك: فجوزه منهم ابن القاسم، وكرهه ابن حبيب.
والصواب: الجواز، فإن التحريم إنما يثبت بالشرع، ولم يرد فيه نهي، والله أعلم.
وكذلك أيضًا قالوا: إذا تجنب استقبال القبلة واستدبارها حال خروج البول والغائط، ثم أراد الاستقبال، أو الاستدبار حال الاستنجاء جاز (٢).
فهؤلاء المبيحون للوطء: هم المعللون بكشف العورة، كما حكى الرافعي عنهم،
стр. 102
فلا يحسن أن يورد هذا نقلًا ولكن يحسن أو يورد إلزامًا في المسألتين.
وأما ما حكاه الشيخ محيي الدين، من مذهب مالك، فيحتاج إلى تنقيح.
قال ابن شاس: وفي جواز الاستقبال والاستدبار -مع وجود الساتر- وإن لم تكن مراحيض ومنعهما، روايتان، سببهما: هل النهي لحرمة المصلين، أو لحق القبلة؟
وهل ينزل الوطء منزلة قضاء الحاجة، أو يجوز مطلقًا، مستقبلًا ومستدبرًا؟ قولان:
مدارهما: هل النهي للعورة، فيستويان؟ أو للخارج، فيفترقان؟
وحكى ابن سابق عن ابن حبيب: أنه لا يجوز في صحراء، ولا بنيان.
وهذا هو المسلك الذي سلكه شيخنا القشيري -رحمه الله تعالى- ولكنه أطلق في موضع التقييد، وفيما حكاه النووي عن ابن حبيب: الكراهة، وابن شاس يحكى عن ابن سابق عنه عدم الجواز.
وفي الأحاديث السابقة في الباب، حديث معقل:
"أن النبي ﷺ نهى أن نستقبل القبلتين"؛ قيل: أراد بالقبلتين: الكعبة وبيت المقدس.
ويحتمل أن يكون احترام البيت المقدس، إذ كان قبلة لنا مرة، أو يكون ذلك من أجل استدبار الكعبة، لأن من استقبله بالمدينة استدبر الكعبة.
وقد قال أصحابنا: لا يحرم استقبال بيت المقدس، ولا استدباره بالبول والغائط؛ لكن يكره.
فلو ثبت الحديث طولبوا بالفرق على التأويل الأول؛ لكن في إسناده أبو زيد
стр. 103
-مولى بني ثعلبة- راويه عن معقل، ولا تعرف له حال.
وفي معناه ما ذكره ابن عدي: من حديث عمرو بن العجلاني، ومداره أيضًا على: عبد الله بن نافع، وهو ضعيف عندهم.
وقوله: "ولكن شرقوا أو غربوا": محمول على محل يكون التشريق والتغريب فيه مخالفًا لاستقبال القبلة واستدبارها، كالمدينة التي هي مسكن رسول الله ﷺ وما في معناها من البلاد فلا يدخل تحته ما كانت القبلة فيه إلى المشرق.
وقول أبي أيوب: فننحرف عنها، ونستغفر الله: دليل على أنه لم يبلغه حديث ابن عمر وما في معناه، أو لم يره مخصصًا، وحمل ما رواه علي العموم.
وفي معنى الاستغفار في هذا المحل، أقوال رأيتها عن العلماء (١).
* فمنهم من يقول المراد نستغفر الله لباني الكنيف على هذه الصفة الممنوعة، وإنما حملهم على هذا التأويل أنه إذا انحرف عنها لم يفعل ممنوعًا، فلا يحتاج إلى الاستغفار.
* ومنهم من يقول: إنما استغفر لنفسه، قال شيخنا القشيري ﵀: ولعل ذلك لأنه بسبب موافقته البناء غلطًا أو سهوًا، فيتذكر، فينحرف ويستغفر الله.
قال: فإن قلت: فالغالط أو الساهي لم يفعل إثمًا، فلا حاجة به إلى الاستغفار.
قلت: أهل الورع والمناصب العلية في التقوى، قد يفعلون هذا، بناء على نسبتهم التقصير لأنفسهم مع التحفظ ابتداء (٢).
стр. 104
* وقيل: يستغفر الله من ذنوبه؛ فإن الذنب يذكر بالذنب (١).
* وقال القاضي أبو بكر بن العربي: يستغفر الله من الاستقبال الأول.
فإن أراد القاضي أبو بكر بـ "الاستقبال الأول" (٢) قبل أن تتخذ الكنف: فلم يكن النهي بلغهم.
وأيضًا فأبو أيوب، لا يرى الأحاديث العارضة لروايته ناسخة ولا مخصصة، فالأول وغيره عنده سواء.
وإن كان يريد "بالأول" أول الدخول: فليس في الحديث ما يدل على أنه كان أول دخوله جالسًا لقضاء الحاجة نحو القبلة، ثم انصرف عنها.
وإن كان يشير إلى ما قد يقع من ذلك على سبيل الغلط أو السهو، فكان ينبغي أن يبينه. انتهى ما ألفيته في ذلك عن سلف.
وكلهم جعلوا بين الانحراف والاستغفار رابطة.
* ولو قيل بأنه أخبر عن أمرين لا تعلق لأحدهما بالآخر، لم يكن به بأس، أخبر عن الانحراف، لمعتقده بقاء الحكم في الكنيف وغيره، وعن الاستغفار المسنون الذي ورد عنه ﵊: أنه "كان إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك".
٧ - باب ما جاء من الرخصة في ذلك
حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، قالا: ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، عن جابر بن عبد الله؛ قال: "نهى النبي ﷺ أن تستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام، يستقبلها".
стр. 105
وفي الباب عن أبي قتادة، وعائشة، وعمار؛ قال: "وحديث جابر في هذا الباب، حديث حسن غريب".
وقد روى هذا الحديث، ابن لهيعة عن أبي الزبير، عن جابر، عن أبي قتادة: أنه رأى النبي ﷺ يبول مستقبل القبلة.
قال: أنا بذلك قتيبة، قال: ثنا ابن لهيعة، وحديث جابر، عن النبي ﷺ أصح من حديث ابن لهيعة. وابن لهيعة ضعيف عند أهل الحديث؛ ضعفه يحيى بن سعيد القطان، وغيره.
حدثنا هناد، ثنا عبدة، عن عبيد الله بن عمر، عن محمد بن يحيى بن حبان, عن عمه واسع بن حبان، عن ابن عمر؛ قال: رقيت يومًا على بيت حفصة، فرأيت النبي ﷺ على حاجته، مستقبل القبلة ثم (١) مستدبر الكعبة.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
أما حديث ابن عمر: فمخرج في الكتب الستة (٢).
وأما حديث جابر فعند أبي داود، وابن ماجه أيضًا (٣).
وحديث عائشة: رواه الإمام أحمد، وابن ماجه (٤)، ولفظه: عن عراك، عن عائشة؛ قالت: ذكر لرسول الله ﷺ أن ناسًا يكرهون أن يستقبلوا القبلة بفروجهم، فقال: "أَوَقد فعلوا؟ حولوا مقعدتي، قبل القبلة".
стр. 106
قال أحمد (١): "أحسن ما روي في الرخصة حديث عراك -وإن كان مرسلًا- فإن مخرجه حسن".
قال الحافظ ضياء الدين، محمد بن عبد الواحد المقدسي: "سماه مرسلًا، لأن عراكًا لم يسمع من عائشة".
قال الحافظ أبو الحسين القرشي ﵀ (٢) -: "وفي سماع عراك من عائشة نظر، فإنه إنما يروي عن عروة عن عائشة".
وقال موسى بن هارون: "لا نعلم له سماعًا من عائشة، وقد أجرج مسلم (٣) عن عراك بن مالك الغفاري عن عائشة: أنها قالت: "جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات ... " الحديث.
قال أبو الفضل الحافظ حفيد أبي سعد الزاهد -في كلامه على هذا الحديث-: "هذا عندنا حديث مرسل"، واستدل بقول أحمد، وموسى بن هارون.
ولم يخرج البخاري لعراك عن عائشة، شيئًا.
وعراك بن مالك الغفاري المدني (٤) هذا، روى عن: عبد الله بن عمر، وأبي هريرة، ونوفل بن معاوية، وغيرهم.
روى عنه: سليمان بن يسار، وجعفر بن ربيعة، وابنه خُثيم بن عراك وغيرهم. وثقه الرازيان.
стр. 107
وقال عمر بن عبد العزيز: "ما رأيت أكثر صلاة منه".
وقال عبد العزيز بن عمر: "ما كان أبي يعدل بعراك أحدًا".
وقال الواقدي: "توفي بالمدينة في خلافة زيد بن عبد الله، روى له الجماعة".
قال أبو الحسين القرشي الحافظ -رحمه الله تعالى-: "وحديثه عن رجل عنها، لا يدل على عدم سماعه منها بالكلية، لا سيما وقد جمعهما بلد واحد، وعصر واحد، وهذا ومثله، محمول على السماع عند مسلم -رحمه الله تعالى- حتى يقوم الدليل على خلافه، كما نص عليه في مقدمة كتابه، فسماع عراك من عائشة ﵂ جائز ممكن، وقد ثبت سماعه من أبي هريرة وغيره من الصحابة".
وقال ابن أبي حاتم: "ساكت أبي عن حديث حماد، عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت عن عراك عن عائشة ... الحديث.
فقال إني لم أزل أقفو أثر هذا الحديث حتى كتبت عن إسحاق بن بكر بن مضر، عن (١) بكر بن مضر، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك، عن عروه، عن عائشة موقوف وهذا أشبه".
* وقول الإمام أحمد، في حديث عراك عن عائشة: إنه أحسن ما روي في الرخصة، لعله يريد: أحسن في الاستدلال، وأصرح في الرخصة وإلا فحديث ابن عمر مخرج في الكتب الستة -كما قلنا- ولا علة تلحقه فيما نعلم.
وفي حديث عراك ما تقدمت الإشارة إليه، من الخلاف في الاتصال، والراجح عدمه. ومما يعلَّل به أيضًا ما ذكره الترمذي في "العلل" (٢): أنه سأل البخاري عنه، فقال: هذا حديث فيه اضطراب، والصحيح عن عائشة قولها.
стр. 108
قلت: وقد رواه حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت، عن عراك.
وغيره يرويه عن خالد الحذاء،،، عن عراك، فسقط ابن أبي الصلت منه.
وذكر الترمذي في كتاب "العلل" -أيضًا- أن حديث جابر، عن أبي قتادة، غير محفوط (١).
وقال -في حديث جابر المخرَّج عنده هنا-: "إنه سأل محمدًا عنه، فقال: رواه غير واحد، عن محمد بن إسحاق (١).
فلعل غرابته عمن فوق محمد بن إسحاق فيه، وهي غرابة لا تنافي الحسن الذي وصفه به، فإنها ترجع إلى بعض الإسناد، وقد ذكر أن في بعض الحديث الذي وصفه بذلك، أحاديث عن قوم من الصحابة، سماهم، فلا يعترض عليه في وصفه بعد بالحسن، فهو حسن لمحل محمد بن إسحاق.
وأما أبان بن صالح (٢): فشيخ مكي، يروي عن: أنس، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، وغيرهم.
روى عنه: ابن عجلان، وابن إسحاق، والحارث بن يعقوب، وابن جريج، وغير واحد.
وثقه الرازيان، ويعقوب بن شيبة، ولم يخرج له مسلم، ولا البخاري، في الأصول، ولكن البخاري أخرج له استشهادًا (٣) -في باب هل على من لا يشهد الجمعة غسل، من النساء والصبيان- عن مجاهد (٤).
стр. 109
وفي "الجنائز" عن الحسن بن مسلم (١).
توفي سنة تسع عشرة ومئة، بعسقلان، وكان مولده سنة ستين. وقد ذكره الحافظ عبد الغني المقدسي، فقال: "روى [له] البخاري". وأطلق وذلك في العرف محمول على الاحتجاج، ولم يقع حديثه عند البخاري كذلك، فليعلم.
وزعم أبو عمر: أن حديث جابر لا يحتج به، لضعف أبان بن صالح، وعلله أيضًا بما خالف فيه ابن لهيعة، من سنده ومتنه، وليس ذلك بطائل.
أما أبان: فليس مضطربًا، فقد قلنا بتوثيقه عن غير واحد، وأما الاضطراب، فقد رجح الترمذي حديث أبان على حديث ابن لهيعة، والله أعلم.
وذكر أبو محمد ابن حزم: "أن عبد الرزاق أخطأ فيه، فرواه عن خالد الحذاء، عن كثير بن الصلت، لأن الحذاء لم يدرك كثيرًا قَط" (٢).
قد نبهنا على كون الحديث حسنًا، وكونه غريبًا، وعلى أن الجمع بينهما على هذه الصورة لا يتنافى لكن فيما ذكرته، من كونه حسنًا، أنه من رواية محمد بن إسحاق، وليس التحسين من عمل الترمذي في أحاديث ابن إسحاق مطردًا، فإنه تارة يصححها، وتارة يحسنها، فيحتاج إلى التنبيه على ما صححه منها في مواضعه، لم كان صحيحًا؟ وعلى ما حسنه في مواضعه، وهو أولى بالتنبيه، ما الذي قصر به عن التصحيح؟ وهو ربما صحح حديثه في غير ذلك الموضع.
فنقول: هنا قد حصل فيه مع رواية ابن إسحاق، تفرد أبان بن صالح به،
стр. 110
الذي كان لأجله غريبًا كما ذكر أبو عيسى، وقد تبين من حال أبان، أن أقصى ما يتفرد به، أن يكون حسنًا على ما سبق بيانه، فانضم إلى رواية ابن إسحاق من تفرد أبان، ما قصر به عن الصحة، وفيه مع ذلك الخلف الواقع في إسناده، هل هو من رواية جابر عن النبي ﷺ -أو من رواية جابر، عن أبي قتادة، عن النبي ﷺ .
على أن هذا الخلاف لا يضر؛ لأمرين:
* أحدهما: كون رواية أبي قتادة غير محفوظة، كما تقدم.
* الثاني: أن كلًّا من جابر وأبي قتادة صحابي، فسواء ثبت الثاني أو سقط.
وأما حديث أبي قتادة: فقد أعله بابن لهيعة، وقال: ضعفه يحيى القطان، وغيره.
فلنذكر ما حضر من ذكر ابن لهيعة، ليعلم حاله:
وهو (١) عبد الله بن لهيعة بن عقبة بن فرعان، أبو عبد الرحمن، الحضرمي الأعدولي -من أنفسهم- ويقال: الغافقي المصري، قاضي مصر.
سمع: عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن هبيرة السبائي، وأبا الزبير المكي، ومحمد بن المنكدر، وعمارة بن غزية، ويزيد بن أبي حبيب، ومشرح بن هاعان، وعمرو بن دينار، وعمرو بن شعيب، وأبا قبيل حيي بن هانئ، والحارث بن يزيد الحضرمي، ويزيد بن عمرو المعافري، وحبان بن واسع، وبكير بن عبد الله بن الأشج، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبا عُشّانة المعافري، وأبا الأسود محمد بن عبد الرحمن يتيم عروة، وصالح بن أبي عَريب، وأبا يونس مولى أبي هريرة، وأبا السمح درّاجًا، وسالمًا أبا النضر، وعياش بن عباس، وأبا صخر حميد بن زياد، وخالد بن أبي عمران.