رطل بالعراقي.
وقال أيضًا (١/ ٣٧): واتفق القائلون بتحديد الماء بالقِرَبِ على تقدير كل قربة بمائة رطل بالعراقي، لا أعلم بينهم في ذلك خلافًا، ولعلهم أخذوا ذلك ممن اختبر قِرب الحجاز، وعرف أنَّ ذلك مقدارها.
والخمسمائة رطل بالعراقي يساوي بالصاع (٧٥، ٩٣) صاعًا، كما في «توضيح الأحكام» (١/ ١٢٢).
قلتُ: وهذا من باب التقريب لا التحديد. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث المتقدمة
مسألة [١]: الماء القليل والكثير إذا خالطته النجاسة ؟
قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١/ ٢٦٠): أجمع أهل العلم على أنَّ الماء القليل، أو الكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيرت النجاسةُ الماءَ طعْمًا، أو لونًا، أو ريحًا، أنَّه نجسٌ ما دام كذلك، ولا يجزئ الوضوء والاغتسال به.
قال: وأجمعوا على أنَّ الماء الكثير، مثل: الرجل (٢) من البحر، أو نحو ذلك، إذا وقعت فيه نجاسة، فلم تغير له لونًا، ولا طعمًا، ولا ريحًا، أنه بحاله في الطهارة
стр. 37
قبل أن تقع فيه النجاسة. اهـ
قلتُ: ففي كلام ابن المنذر ﵀ ثلاث صور:
١) الماء الكثير إذا خالطته النجاسة، وغيَّرت أحد أوصافه؛ فإنه نجسٌ ما دام كذلك.
٢) الماء الكثير إذا خالطته النجاسة، ولم تُغَيِّر أحدَ أوصافه؛ فإنه طهورٌ.
٣) الماء القليل إذا خالطته النجاسة، وغيرت أحدَ أوصافه؛ فإنه نجسٌ.
وهذه الثلاث الصُّور مُجْمَعٌ عليها.
وعلى هذا فحديث أبي سعيد الخدري في أول الباب -أعني قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الماء طهور لا ينجسه شيء» - مخصوصٌ بالإجماع بالصورة الأولى، والثالثة.
وقد نقل الإجماع أيضًا: الإمام البيهقي كما تقدم، ونقله أيضًا غير واحد من أهل العلم. «شرح المهذب» (١/ ١١٠).
وبقيت صورةٌ رابعة، وهي محل الخِلاف، وهي:
مسألة [٢]: إذا كان الماء قليلا، وخالطته النجاسة، ولم يتغير .
• قال النووي ﵀ في «شرح المهَذَّب» (١/ ١١٢): حكى ابن المنذر، وغيره فيها سبعة مذاهب للعلماء .... ، ثم ذكرها.
قلتُ: وأقوى هذه الأقوال قولان، فلنرجح بينهما.
стр. 38
القول الأول: إن كان الماء قُلَّتين فأكثر لم ينجس، وإن كان دون القلتين نجس، وهذا مذهب الشافعي، وأحمد في رواية، وإسحاق، وأبي عبيد.
واستدلوا بأدلة كثيرة، منها:
١) حديث ابن عمر في القلتين، الذي في هذا الباب.
٢) حديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين»، (١) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده».
قالوا: فنَهاهُ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن غمسِ يده، وعَلَّلَهُ بخشية النجاسة، ويُعْلَمُ بالضرورة أنَّ النجاسة التي قد تكون على يده، وتخفى على غيره، لا تغير الماء، فلولا تنجيسه بحلول نجاسة لم تغيره، لم ينهه.
٣) حديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين» (٢): «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم؛ فليغسله سبعًا»، وفي لفظ لمسلم: «فلْيُرقْهُ». فالأمر بالإراقة والغسل دليلُ النجاسة.
٤) «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، رواه الترمذي (٢٥١٨)، عن الحسن بن علي ﵄ مرفوعًا بإسناد صحيح. (٣)
القول الثاني: أن الماء كثِيْرُهُ، وقليلهُ لا ينجس؛ إلا بالتَّغّيُّر.
стр. 39
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (١/ ١١٣): حَكَوْهُ عن ابن عباس، (١) وابن المسيب، والحسن البصري، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء، وعبدالرحمن بن أبي ليلى، وجابر بن زيد، ويحيى بن سعيد القطَّان، وعبدالرحمن ابن مهدي، قال أصحابنا: وهو مذهب مالك، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وداود. قال ابن المنذر ﵀: وبهذا المذهب أقول. واختاره بعض الشافعية. انتهى بتصرف يسير.
قلتُ: وهذا القول هو رواية عن أحمد، وقول للشافعي، كما في «المغني» (١/ ٣٩).
واستدلوا بأدلة منها:
١) حديث أبي سعيد ﵁ الذي في الباب: «إنَّ المَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ».
٢) حديث أنس بن مالك ﵁ في «الصحيحين»، (٢) وأبي هريرة ﵁ في «البخاري» (٢٢٠)، أن أعرابيًّا بال في المسجد، فأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِذَنُوبٍ من ماء، فأُهْرِيْقَ عليه.
قالوا: في هذا الحديث دلالةٌ على أنَّ الماء إذا غلب على النجاسة، ولم يظهر شيء منها، فقد طهرها، وأنها لا تضره ممازجتها له، إذا غلب عليها، وسواء كان قليلًا، أو كثيرًا.
стр. 40
وهذا القول هو الراجح، وقد رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والشوكاني، والصنعاني، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين.
وقال ابن القيم ﵀ في «إعلام الموقعين» (١/ ٣٩١ - ٣٩٢): الذي تقتضيه العقول، أنَّ الماء إذا لم تغيره النجاسة لا ينجس؛ فإنه باقٍ على أصل خلقته، وهو طيبٌ؛ فيدخل في قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف:١٥٧]، وهذا هو القياس في المائعات جميعها إذا وقع فيها نجاسة فاستحالت بحيث لم يظهر لها لون، ولا طعم، ولا ريح. اهـ. (١)
وأما الرد على أدلة القول الأول، فهو كما يلي:
١) أما استدلالهم بمفهوم حديث القُلَّتين؛ فقد قال الشوكاني ﵀ في «السيل الجرار» (١/ ٥٥): وأما ما كان دون القلتين، فلم يقل الشارع إنه يحمل الخبث قطعًا، وبتًّا، بل مفهوم حديث القلتين يدل على أن ما دونهما قد يحمل الخبث، وقد لا يحمله، فإذا حمله فلا يكون ذلك إلا بتغير بعض أوصافه، فيقيد مفهوم حديث القلتين بحديث التغير المجمع على قبوله، والعمل به كما قيد منطوقه بذلك. اهـ
٢) ٣) وأما دليلهم الثاني والثالث، فقد قال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (١/ ٤١): وأحاديث الاستيقاظ، والماء الدائم، والولوغ، ليست ورادة لبيان
стр. 41
حكم نجاسة الماء، بل الأمر باجتنابها تعبدي، لا لأجل النجاسة، وإنما هو لمعنى لا نعرفه، كعدم معرفتنا لحكمة أعداد الصلوات، ونحوها. اهـ
قلتُ: والنهي عن البول في الماء الدائم، وعما ولغ فيه الكلب يحتمل أن يكون ذلك لتقذره، أو لتنجسه حالًا، أو مآلًا، ولكن ذلك مقيد بالتغير، وأما حديث الاستيقاظ فقد علل بعلة أخرى قوية كما سيأتي بيانه حيث ذكره الحافظ إن شاء الله تعالى.
٤) حديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ... »، وما أشبهه، قال الشوكاني في «السيل» (١/ ٥٦): وليس فيها إلا الإرشاد إلى الورع، والتوقف عند الاشتباه، وتوقي المشتبهات، وليس ما نحن بصدده من ذلك القبيل؛ لورود الشريعة الواضحة الطاهرة في شأنه، وليس في مخالفتها بمجرد الشكوك، والوسوسة؛ إلا الإثم على فاعل ذلك.
مسألة [٣]: هل غَيْرُ الماءِ مِنَ المائعاتِ ينجس بورود النجاسة عليه ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٤٤): فيه ثلاث روايات:
• إحداهن: أنه ينجس بالنجاسة، وإن كثر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال وقد سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال: «إن كان مائعًا فلا تقربوه»، (١) رواه أحمد، وأبو داود من حديث أبي هريرة ﵁. وهذا قول الشافعية كما في البيان (١/ ٤٢).
• والثانية: أنها كالماء، لا ينجس منها ما بلغ القلتين؛ إلا بالتغير.
стр. 42
• والثالثة: ما أصله الماء، كالخل التمري يدفع النجاسة؛ لأن الغالب فيه الماء، ومالا فلا، والأُولى أولى.
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: هكذا رجح المؤلف الرواية الأُولى، وهي: القول بنجاسته، وإن كثُرَ، للحديث المذكور، وهذا الحديث مُعَلٌّ، فقد وهم فيه معمر ابن راشد، والصواب فيه أنه من حديث ميمونة بلفظ: سئل عن فأرة وقعت في سمن، فماتت، فقال: «ألقوها وما حولها، وكلوه»، رواه البخاري، وقد حكم على معمر بالوهم غير واحد من الحفاظ، منهم: البخاري، وأبو حاتم، وعلى هذا فالراجح - والله أعلم- هي الرواية الثانية، وهي أن حكم المائعات كحكم الماء، إلا أنها إذا تغيرت بوقوع النجاسة فيها؛ فهي نجسة، وإلا فلا، ولا عبرة بالتحديد بالقلتين كما تقدم في الماء.
وقد قال بهذا من الصحابة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود ﵃.
قال صالح بن أحمد في «مسائله» كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٩٧): ثنا أبي، ثنا وكيع، ثنا النضر بن عربي، عن عكرمة، قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فسأله عن جَرٍّ فيه زيت، وقع فيه جرذٌ؟ فقال ابن عباس: خذه وما حوله، فألقه، وكل. قلت: أليس جالَ في الجرِّ كله؟ قال: إنه جال وفيه الروح، فاستقر حيث مات. وإسناده حسن.
وأما أثر ابن مسعود، فأخرجه أيضًا صالح بن أحمد في «مسائله» كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٩٧)، ولكن في سنده: حمران بن أعين، وهو ضعيف.
стр. 43
وهذا القول هو مذهب الزهري، وأبي ثور، ورواية عن مالك، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٨٩، ٥٠٤ - )، و «الاختيارات الفقهية» (ص ٥)، وهو اختيار ابن القيم.
وهو اختيار الإمام البخاري كما في «الفتح» (٥٥٣٨)، والإمام أبي محمد بن حزم كما في «المحلَّى» (١٣٦) إلا أنه استثنى السمن فحكم بنجاسته، وإن كان ألف ألف قنطار؛ أخذًا بظاهر الحديث المتقدم.
وهذا القول رجَّحهُ الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (١/ ٤٨).
مسألة [٤]: الماء المشَمَّس .
قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث أبي سعيد ﵁: «إِنَّ الماءَ طَهور» يدخل في عموم هذا الحديث: الماء المشَمَّس؛ فإنه طهور، ومباح، ولا يكره عند الجمهور، وإنما كرهه الشافعي، فقال: ولا أكرهه إلا من جهة الطِّبِ؛ لما روي عن عائشة ﵂، قالت: دخل عليَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقد سَخَّنْتُ له ماءً في الشمس، فقال: «لا تفعلي يا حميراء؛ فإنه يورث البرص».
قلتُ: أما الحديث فموضوعٌ، انظر الكلام عليه في «الإرواء» (١٨).
وأما أهل الطب، فقد قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٢٩): وحُكِيَ عن أهل الطب أنهم لا يعرفون لذلك تأثيرًا في الضرر.
مسألة [٥]: الماء الْمُسَخَّن .
ويدخل في عموم الحديث المتقدم الماءُ المسَخَّن بشيء طاهر، وقد دخل
стр. 44
الحمام غير واحد من الصحابة ﵃.
قاله شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٣٠١).
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٢٧): وممن رأى الوضوء بالماء المسخن: عمر وابنه، وابن عباس، وأنس ﵃، (١) وهو قول أهل الحجاز، وأهل العراق جميعهم، غير مجاهد، ولا معنى لقوله.
قلتُ: لكن إنْ اشتد حرُّهُ حتى منعه من إسباغ الوضوء، فقد كرهه أهل العلم. (٢)
وأما إذا كان الماء المسخن سُخِّنَ بنجاسة؛ فالجمهور أيضًا على أنه يستعمل بغير كراهة، ولكن إذا تطاير من أجزاء النجاسة شيء، فخالطت الماء، فغيرته؛ فإنه يصبح نَجِسًا؛ إلا أن تكون النجاسة قد استحالت، والله أعلم. (٣)
مسألة [٦]: التطهر بماء زمزم ؟
ويدخل في عموم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الماء طهور»: ماء زمزم؛ فإنه طهور، ويستعمل في الوضوء، والاغتسال بلا كراهة عند الجمهور.
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (١/ ٩١): ودليلنا النصوص الصريحة، الصحيحة، المطلقة في المياه بلا فرق، ولم يزل المسلمون على الوضوء منه بلا إنكار. اهـ
стр. 45
وقد كره بعض أهل العلم استعماله في إزالة النجاسة؛ لحديث أبي ذر في «صحيح مسلم» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنها مباركة، إنها طعامُ طُعم». (١)
تنبيه: ثبت في «الصحيحين» (٢) عن ابن عمر ﵄، أنَّ الناس نزلوا مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على الحِجْر، أرض ثمود، فاستقوا من آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يهريقوا ما استقوا، ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تَرِدُها الناقة.
وفي رواية للبخاري (٣٣٧٨): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من آبارها، ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجَنَّا منها، واستقينا، فأمرهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء.
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (١/ ٩٢): فاستعمال ماء هذه الآبار المذكورة في طهارة، وغيرها، مكروه، أو حرام؛ إلا لضرورة؛ لأنَّ هذه سنة صحيحة لا معارض لها، فيمنع استعمال آبار الحجر إلا بئر الناقة، ولا يحكم بنجاستها؛ لأنَّ الحديث لم يتعرض للنجاسة، والماء طهور بالأصالة. اهـ
قلتُ: لا حاجة إلى التردد بين التحريم، والكراهة؛ فالحديث نَصٌّ في تحريمه.
وقد جزم ابن القيم في «زاد المعاد» (٣/ ٥٦٠) بعدم الجواز، والنهي يقتضي الفساد؛ فعلى هذا فلا تصح الطهارة به. (٣)
стр. 46
٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (١)
وَلِلْبُخَارِيِّ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ». (٢)
وَلِمُسْلِمٍ: «مِنْهُ» (٣).
وَلِأَبِي دَاوُد: «وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الجَنَابَةِ». (٤)
قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ».
الرواية المشهورة هي برفع اللام، قال القرطبي ﵀ في «المفهم» (١/ ٥٤٢): وإنما جاء: «ثم يغتسلُ» على التنبيه على مآل الحال، ومعناه: أنه إذا بال فيه قد يحتاج إليه، فيمتنع عليه استعماله؛ لما وقع فيه من البول، وهذا مثل قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يضرب أحدكم امرأته ضرب الأمة، ثم يضاجعُها»، (٥) فنهاه عن ضربها؛ لأنه يحتاج إلى مضاجعتها في ثاني حال؛ فتمتنع عليه لما أساء من عشرتها، فيتعذر عليه المقصود لأجل الضرب، وتقدير اللفظ: (ثم هو يضاجعها)، و (ثم هو يغتسل). انتهى بتصرف يسير.
قد ضبطه بعضهم بالجزم: «ثم يغتسلْ»، وأنكره القرطبي في «المفهم»
стр. 47
(١/ ٥٤١)، وبعضهم بالنصب: «ثم يغتسلَ»، وأنكره النووي في «شرح مسلم» (٣/ ١٩١)، والقرطبي في «المفهم» (١/ ٥٤١) ودافع عليهما بعضهم، وعلى كل حال؛ فالمشهور الثابت في «الصحيحين» هي رواية الرَّفع، وتقدم بيان معناها.
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم اغتسال الجنب في الماء الدائم .
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٢٨٣): قال العلماء من أصحابنا وغيرهم: يكره الاغتسال في الماء الراكد، قليلًا كان، أو كثيرًا، وكذا يكره الاغتسال في العين الجارية.
قال: وهذا كله على كراهة التنزيه لا التحريم. انتهى
قال الشوكاني ﵀ في «نيل الأوطار» (١/ ٦٧): وينظر ما القرينة الصارفة للنهي عن التحريم.
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: لا أعلم قرينة تصرف النهي من التحريم، وظاهر كلام ابن حزم في «المحلَّى» أنه يقول بالتحريم. (١)
مسألة [٢]: هل يرتفع الحدث إذا اغتسل في الماء الدائم ؟
• ذهب ابن حزم في «المحلَّى» (١٥٠) إلى أنه لا يرتفع مطلقًا.
وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٣٥): إن كان الماء قلتين فصاعدًا،
стр. 48
ارتفع حدثه، ولم يتأثر به الماء؛ لأنه لا يحمل الخبث.
وقال: إذا انغمس الجنب، أو المحدث فيما دون القلتين، ينوي رفع الحدث، صار مستعملًا، ولم يرتفع حدثه.
وقال الشافعي ﵀: يصير مستعملًا، ويرتفع حدثه؛ لأنه إنما يصير مستعملًا بارتفاع حدثه فيه.
ثم استدل ابن قدامة ﵀ على ما ذهب إليه بحديث: «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ».
قلتُ: الراجح أنَّ حدثه يزول، سواءٌ كان الماء قلتين، أو أكثر، أو أقل، وكذلك يزول به الحدث بعد صيرورته مستعملًا، ما دام الماء طاهرًا لم يتغير بنجاسة.
وأما الحديث؛ فقد حمل الجمهور النهي الذي فيه بسبب صيرورته مستعملًا، وهذا غير صحيح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٦): ونهيه عن الاغتسال في الماء الدائم قد يكون لما فيه من تقذير الماء على غيره، لا لأجل نجاسته، ولا لصيرورته مستعملًا؛ فإنه قد ثبت في «الصحيح» عنه أنه قال: «إن الماء لا يجنب». (١) انتهى.
وقال الشوكاني ﵀ في «النيل» (١/ ٥٢): وأُجيب عن الاستدلال بحديث الباب بأنَّ علة النهي ليست كونه يصير مستعملًا، بل مصيره مستخبثًا بتوارد
стр. 49
الاستعمال، فيبطل نفعه. انتهى.
وسيأتي الكلام على الماء المستعمل قريبًا إن شاء الله.
مسألة [٣]: حكم التَّبَول في الماء الدائم .
• قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٢٨٢): وإنْ كان الماء كثيرًا، راكدًا، فقال أصحابنا: يكره ولا يحرم، ولو قيل: يحرم. لم يكن بعيدًا؛ فإن النهي يقتضي التحريم على المختار عند المحققين، والأكثرين من أهل الأصول.
قلتُ: جنح النووي ﵀ إلى التحريم، وهو الصحيح، وقد ذهب إلى ذلك الحنابلة، والظاهرية، وذلك لدلالة حديث أبي هريرة: «لا يبولن أحدكم» الحديث.
وكذلك حديث جابر في «صحيح مسلم» (٢٨١)، قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يُبَال في الماء الراكد.
• وقد ذهب مالك إلى الكراهة، سواء كان قليلًا، أو كثيرًا.
• والمشهور عند الشافعية أن النهي للتحريم إذا كان قليلًا، وللتنزيه إذا كان كثيرًا. (١)
تنبيه: إذا كان الماء مستبحرًا، كثيرًا جدًّا، فقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على خروجه من المسألة السابقة.
стр. 50
والواقع أنَّ ابن حزم قد خالف كما في «المحلَّى» رقم (١٥٠)، والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: حكم التغوط في الماء الدائم .
قال الإمام النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٢٨٢): وَالتَّغَوُّط فِي الْمَاء كَالْبَوْلِ فِيهِ وَأَقْبَح، وَكَذَلِكَ إِذَا بَالَ فِي إِنَاء، ثُمَّ صَبَّهُ فِي الْمَاء، وَكَذَا إِذَا بَالَ بِقُرْبِ النَّهَرِ، بِحَيْثُ يَجْرِي إِلَيْهِ الْبَوْل، فَكُلّه مَذْمُومٌ، قَبِيْحٌ، مَنْهِيٌّ عَنْهُ عَلَى التَّفْصِيل الْمَذْكُور، وَلَمْ يُخَالِف فِي هَذَا أَحَد مِنْ الْعُلَمَاء؛ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ دَاوُدَ بْن عَلِيّ الظَّاهِرِيّ أَنَّ النَّهْي مُخْتَصّ بِبَوْلِ الْإِنْسَان بِنَفْسِهِ، وَأَنَّ الْغَائِط لَيْسَ كَالْبَوْلِ، وَكَذَا إِذَا بَالَ فِي إِنَاء، ثُمَّ صَبَّهُ فِي الْمَاء، أَوْ بَالَ بِقُرْبِ الْمَاء، وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ خِلَاف إِجْمَاع الْعُلَمَاء، وَهُوَ أَقْبَح مَا نُقِلَ عَنْهُ فِي الْجُمُود عَلَى الظَّاهِر، وَاللهُ أَعْلَم. اهـ
قلتُ: وقد تابع داود على قوله صاحبُه ابن حزم الظاهري، وهو قول ضعيفٌ جدًّا. (٢)
مسألة [٥]: حكم التبول في الماء الجاري .
قال الإمام النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٢٨٢): فَإِنْ كَانَ الْمَاء كَثِيرًا جَارِيًا لَمْ يَحْرُم الْبَوْل فِيهِ؛ لِمَفْهُومِ الْحَدِيث، وَلَكِنَّ الْأَوْلَى اِجْتِنَابه، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا جَارِيًا فَقَدْ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابنَا: يُكْرَه. وَالْمُخْتَار: أَنَّهُ يَحْرُم؛ لِأَنَّهُ يُقَذِّرهُ، وَيُنَجِّسهُ
стр. 51
عَلَى الْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب الشَّافِعِيّ، وَغَيْره، وَيَغُرّ غَيْره فَيَسْتَعْمِلهُ مَعَ أَنَّهُ نَجِسٌ.
قلتُ: وما اختاره النووي من تحريم البول في الماء القليل الجاري، مفهوم حديث الباب يرُدُّه؛ ولذلك قال الصنعاني في «سبل السلام» (١/ ٤٨): قلت: بل الأولى خلافه -يعني أنه ليس بمحرم- إذ الحديث في النهي عن البول فيما لا يجري، فلا يشمل الجاري، قليلًا كان، أم كثيرًا، نعم، لو قيل بالكراهة؛ لكان قريبًا. انتهى. (١)
فائدة: استدل بعض الحنابلة بهذا الحديث أعني: قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يبولن أحدكم .... » الحديث على أنَّ الماء إذا بلغ قلتين، وأكثر ينجس إذا خالطه بول الآدمي، وعذرته، وإن لم يغيره، وخصصوا منطوق حديث القلتين بحديث الباب، وهذا القول رواية عن أحمد.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٥٦): والرواية الثانية أنه لا ينجس ما لم يتغير كسائر النجاسات، اختارها أبو الخطاب، وابن عقيل، وهذا مذهب الشافعي، وأكثر أهل العلم، لا يفرقون بين البول، وغيره من النجاسات؛ لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث». (٢)
قال: وحديث أبي هريرة لابد من تخصيصه، بدليل ما لا يمكن نزحه، فيقاس عليه ما بلغ القلتين، أو يُخَصُّ بخبر القلتين؛ فإنَّ تخصيصه بخبر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أولى من تخصيصه بالرأي، والتحكم من غير دليل، ولأنه لو تساوى الحديثان لوجب
стр. 52
العدول إلى القياس على سائر النجاسات. اهـ
قلتُ: الصحيح قول الجمهور، وهذا الذي قرره ابن قدامة مبنيٌّ على أنَّ الحديث المذكور فيه النهي عن البول في الماء الدائم؛ لأنه يتنجس، وليس في الحديث هذا التعليل.
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ كما في «الدرر السَّنِيَّة» (٣/ ٧٠): قولهم: إن الماء الكثير ينجسه البول، والعذرة؛ لنهيه ﵇ عن البول فيه. فيقال لهم: الذي ذُكِرَ النهي عن البول إذا كان راكِدًا، وأما نجاسة الماء، وطهارته، فلم يتعرض لها، وتلك مسألة أخرى يستدل عليها بدليل آخر. انتهى المراد.
وقال المعلمي ﵀ في «التنكيل» (٢/ ١٨): والصواب أنَّ هناك عدة علل إذا خُشِيَت واحدة منها تحقق النهي:
الأولى: التنجيس حالًا، بأن يكون الماء قليلًا جدًّا، تغيره البولة الواحدة.
الثانية: التنجيس مآلًا: وذلك أنه لو لم يُنهَ عن البول في الماء الراكد؛ لأوشك أن يبول هذا، ثم يعود فيبول، ويتكرر ذلك، وكذلك يصنع غيره، فقد يكثر البول حتى يغير الماء؛ فينجسه.
الثالثة: التقذير حالًا.
الرابعة: التقذير مآلًا.
الخامسة: فشو الأمراض. انتهى بتصرف.
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: حكم تطهر الرجل بفضل المرأة .
• اختلف العلماء في هذه المسألة على مذاهب:
الأول: جواز التطهر بفضل المرأة ما لم تكن حائضًا، أو جنبًا، صحَّ هذا عن ابن عمر في «موطأ مالك» (١/ ٥٢)، وهو مذهب الشعبي، ومالك، والأوزاعي، واستنثى الأخيران الجواز في حالة عدم وجود الماء.
الثاني: جواز التطهر بفضل وضوء المرأة، ما لم تخل به، وهذا القول ثبت عن ابن عمر وعبد الله بن سرجس ﵃ عند عبد الرزاق (١/ ١٠٧، ١٠٨)، وهو قول أحمد، وإسحاق.
الثالث: المنع من التطهر بفضل المرأة، وهذا القول صحَّ عن عبد الله بن سرجس ﵁ أخرجه الدارقطني (١/ ١١٧) بإسناد صحيح، وهو مذهب ابن المسيب، والحسن البصري.
стр. 55
الرابع: جواز التطهر بفضل المرأة دون كراهة.
قال ابن عبد البر ﵀ في «الاستذكار» (٣/ ١٣٣): وعلى هذا القول فقهاء الأمصار، وجمهور العلماء.
قلتُ: الخلاف في هذه المسألة مبني على أحاديث الباب، صحةً، وفهمًا.
وقد ذهب الخطابي في «المعالم» (١/ ٣٦) إلى الجمع بينها، فقال: تُحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء، وأحاديث الجواز على ما بقي من الماء.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: أو يُحمل النهي على التنزيه، جمعًا بين الأدلة. انتهى من «الفتح» (١٩٣).
ورجَّح الصنعاني ذلك في «السُّبل» (١/ ٥١)، واستحسنه الشوكاني في «نيل الأوطار» (١/ ٥٧).
وهو ترجيح الشيخ مقبل، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما، وهو الراجح فيما يظهر لنا، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: حكم تطهر المرأة بفضل الرجل .
قال الإمام النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٣١٩): وأما تطهير المرأة بفضل الرجل فجائزٌ بالإجماع. اهـ
قال الحافظ ﵀ في «فتح الباري» (١٩٣): وفيه نظر أيضًا، فقد أثبت
стр. 56
الخلاف فيه الطحاوي.
قلتُ: كلام الطحاوي الذي أشار إليه الحافظ هو في «شرح المعاني» (١/ ٢٤).
والراجح في المسألة هو ما رجَّحناه في المسألة التي قبلها جمعًا بين الأدلة، وهو قول من تقدم ذكره، والله أعلم.
مسألة [٣]: تطهر الرجل وامرأته من إناء واحد جميعًا .
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٣١٩): وأما تطهير الرجل، والمرأة من إناء واحد؛ فهو جائزٌ بإجماع المسلمين.
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١٩٣): ونقل الطحاوي، ثم القرطبي، والنووي الاتفاق على جواز اغتسال الرجل، والمرأة من الإناء الواحد، وفيه نظر؛ لما حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة أنه كان ينهى عنه، وكذا حكاه ابن عبد البر عن قوم، وهذا الحديث حُجَّةٌ عليهم. اهـ
ويعني الحافظ بالحديث: حديث ابن عمر الذي في البخاري (١٩٣)، أنه قال: كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جميعًا.
وأما الأثر عن أبي هريرة، فأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٦)، وابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٢٩١)، ولا يثبت؛ فإنَّ الراوي عن أبي هريرة: أبو سهلة، وهو لا يعرف، ولم أجد من ذكره إلا الذهبي في «الكنى» ولم يتكلم عليه بشيء.
стр. 57
مسألة [٤]: الماء المستعمل في الوضوء أو الاغتسال .
• استدل بحديث الصحابي المبهم، من ذهبَ إلى أنَّ الماء المستعمل مسلوب الطهورية، وإن كان طاهرًا في نفسه، وهذا القول هو مذهب أحمد في المشهور عنه، ورواية عن مالك، والأوزاعي، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة في المشهور عنهما أيضًا.
ومما استدلوا به أيضًا:
١) حديث أبي هريرة في «صحيح مسلم»، (١) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم، وهو جنب»، قالوا: ولولا أنه يفيد معنى فيه، لم ينه عنه.
٢) وقال بعضهم: إنَّ الماء المستعمل لابد أن يصحبه من عَرَقِ الجسم؛ فهو ماء مضاف.
٣) وقال بعضهم: إنَّ الخطايا تخرج مع غسل الأعضاء في الوضوء.
• وذهب جمع من أهل العلم إلى أنَّ المستعمل ما زال مطهرًا، وهو قول الزهري، ومالك، والأزواعي في أشهر الروايتين عنهما، وأبي ثور، وداود.
قال ابن المنذر ﵀: وروي عن (علي، وابن عمر، وأبي أمامة)، (٢) وعطاء، والحسن، ومكحول، والنخعي، أنهم قالوا فيمن نسي مسح رأسه، فوجد في لحيته بللًا: يكفيه مسحه بذلك البلل.
стр. 58
قال ابن المنذر ﵀: وهذا يدل على أنهم يرون المستعمل مطهرًا. قال: وبه أقول.
وهذا القول هو رواية عن أحمد، اختارها ابن عقيل، وأبو البقاء، والشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀.
قال ﵀ في «الإنصاف»: وهو أقوى في النظر.
واستدل هؤلاء بما يلي:
١) دخوله في عموم الماء في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الماء طهور لا ينجسه شيء». «الأوسط» (١/ ٢٨٧).
٢) حديث ابن عباس ﵄ في هذا الباب: «إن الماء لا يجنب».
وهذا القول هو الراجح، وهوترجيح الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ مقبل الوادعي رحمة الله عليهم أجمعين.
وأما الرد على أدلة المذهب الأول:
١) فأما استدلالهم بحديث النهي عن الاغتسال بفضل المرأة، فقد قال الشوكاني ﵀ في «الدراري المضيئة» (ص ٢٠): ولو كانت العلة الاستعمال، لم يختص النهي بمنع الرجل من الوضوء بفضل المرأة، وبالعكس، بل كان النهي سيقع من الشارع لكل أحدٍ عن كل فضل. اهـ
وأجاب عن هذا الاستدلال في «النيل» (١/ ٥٢)، فقال: وأجيب عن حديث
стр. 59
النهي عنِ التَّوَضُّؤ بفضل وضوء المرأة بمنع كون الفضل مستعملًا، ولو سُلِّم؛ فالدليل أخصُّ من الدعوى؛ لأن المدعى خروج كل مستعمل عن الطهورية، لا خصوص هذا المستعمل، وبالمعارضة بما أخرجه .... ، ثم ذكر حديث ابن عباس ﵄ الذي في الباب بلفظيه.
٢) استدلالهم بحديث النهي عن الاغتسال في الماء الدائم تقدم الجواب عليه في المسألة رقم [٢] تحت حديث رقم (٥).
٣) وأما استدلالهم بمخالطة العرق، فقد أجاب عنه ابن حزم في «المحلى» (١٤١)، فقال: وهذا غثٌّ جدًّا، وحتى لو كان كما قالوا، فكان ماذا؟ ومتى حرم الوضوء، والغسل بماء فيه شيء طاهر لا يظهر له في الماء رسم.
٤) وأما استدلالهم بخروج الخطايا مع الماء المتوضأ به، فقد قال ابن حزم: وما علمنا للخطايا أَجْرَامًا تحل في الماء. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم الكلب، ولعابه .
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة مذاهب:
• المذهب الأول: نجاسة لعاب الكلب، وطهارة شعره، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد في رواية، ورجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، واستدلوا بأدلةٍ:
١) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث الباب: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب ... »، الحديث. قالوا: وكلمة: «طهور» لا تستعمل في الحقيقة الشرعية إلا ويراد بها رفع حدث، أو نجس، ولا حدث ههنا، فتعين النجس، وقد اعترض على هذا الاستدلال بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣]، وبقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب». (١)
وأجاب الحافظ ابن حجر ﵀ على هذا الاعتراض، فقال: والجواب أنَّ ألفاظ الشرع إذا دارت بين الحقيقة اللغوية، والشرعية، حُمِلَت على الشرعية؛ إلا إذا قام دليل.
٢) واستدلوا كذلك بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فليغسله سبعًا»، فالأمر بغسله، والتغليظ فيه يدل على نجاسة لعاب الكلب.
стр. 62
٣) استدلوا بزيادة: «فليرقه»، ولولا أنه نجس؛ لكان فيه إسرافًا، وإضاعة للمال، وقد تقدم بيان أنَّ هذه الزيادة شاذة.
٤) قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١٧٢): وقد ثبت عن ابن عباس التصريح بأنَّ الغسل من ولوغ الكلب بأنه رجس. رواه محمد بن نصر المروزي بإسناد صحيح، ولم يصح عن أحد من الصحابة خلافه.
• المذهب الثاني: نجاسة لعاب الكلب مع شعره، وسائر أجزائه، وهو مذهب الشافعي، وأحمد في المشهور عنه، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي عبيد، ورواية عن مالك، وعزاه الصنعاني في «السُّبل» (١/ ٥٢) للجمهور من أهل العلم، وكذلك الشوكاني (١/ ٦٩)، واستدلوا على ذلك بأدلة المذهب الأول، وقاسوا بقية بدنه على لعابه، فقالوا:
إذا كان لعابه نجسًا، وهو عرق فمه، ففمه نجس، والعرق جزء متحلب من البدن؛ فجميع عرقه نجس؛ فجميع بدنه نجس؛ لأن العرق جزء من البدن.
واستدلوا أيضًا بحديث ميمونة في «مسلم» (٢١٠٥)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخرج جرو كلب من بيته، ثم نضح مكانه بالماء.
• المذهب الثالث: طهارة لعابه، وشعره، وسائر جسده، وهو مذهب مالك في المشهور عنه، وداود، والزهري، وسفيان الثوري، وابن المنذر، وابن عبد البر، والبخاري، وهو رواية عن أحمد كما في «الإنصاف»، واستدلوا بأدلة:
стр. 63
١) حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، «أنَّ رجلًا ممن كان قبلنا سقى الكلب بخُفِّهِ فغفر الله له»، متفق عليه بمعناه. (١)
قال الحافظ ﵀: واستدل به المصنف على طهارة سؤر الكلب؛ لأن ظاهره سقي الكلب فيه -أي: بِخُفِّهِ- ولم يؤمر بغسله سبعًا.
٢) حديث ابن عمر ﵄ في «البخاري» (١٧٤)، قال: كانت الكلاب تبول، وتُقْبل، وتُدْبِر في المسجد في زمن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك.
٣) حديث عدي بن حاتم ﵁ في «الصحيحين» (٢)، وفيه: إباحة صيد الكلب المعلم، وقبله قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤].
٤) قالوا: والأمر بالغسل للتعبد، لا للنجاسة؛ لأنه لو كان للنجاسة لاكتفى بما دون السبع.
وقد أُجيب عن هذه الأدلة بما يلي:
١) حديث أبي هريرة ﵁.
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١٧٢): وتعقب بأن الاستدلال به مبني على أنَّ شرع من قبلنا شرعٌ لنا، وفيه اختلافٌ، ولو قلنا به؛ لكان محله فيما لم ينسخ، ومع إرخاء العنان لا يتم الاستدلال به أيضًا؛ لاحتمال أن يكون صبه في شيء فسقاه، أو
стр. 64
غسل خُفَّه بعد ذلك، أو لم يلبسه بعد ذلك.
قلتُ: ويجاب أيضًا بأنَّ المأمور بغسله هو الإناء؛ لاستخدامه في الأكل، والشرب، والطهارة، ونحو ذلك.
وأما النعل فليس مأمورًا بغسله، ولا هو في معنى ما ذُكر.
٢) حديث ابن عمر ﵄.
أجاب بعضهم عليه: بأنه قد أُجْمِع على أن أبوال الكلاب نجسة، قاله ابن المنير كما في «الفتح» (١٧٢)، والبيهقي كما في «شرح المهذب» (٢/ ٥٦٨)، والشوكاني في «النيل» (١/ ٧٠).
لكن قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (١٧٢): وتعقب بأنَّ من يقول: إن الكلب يؤكل، وأنَّ بول ما يؤكل لحمه طاهر، يقدح في نقل الاتفاق؛ لاسيما وقد قال جمعٌ بأن أبوال الحيوانات كلها طاهرة إلا الآدمي، وممن قال به: ابن وهب، حكاه الإسماعيلي، وغيره عنه.
ثم قال الحافظ ﵀: والأقرب أن يقال: إن ذلك كان في ابتداء الحال على أصل الإباحة، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد، وتطهيرها، وجعل الأبواب عليها. انتهى.
وقال البيهقي ﵀ في «الكبرى» (١/ ٢٤٣): كأنَّ ذلك كان قبل أمره بقتل الكلاب، وغسل الإناء من ولوغه، أو كأنَّ عِلْمَ مكان بولها خفي عليهم، فمن
стр. 65
علمه وجب عليه غسله. اهـ
قال ابن التركُماني ﵀: وأظهر هذين التأويلين أنَّ الشمس كانت تجفف تلك الأبوال؛ فتطهر الأرض. اهـ، وهذا التأويل اختاره شيخ الإسلام، وصححه الإمام ابن عثيمين كما في «مجموع فتاواه» (١١/ ٢٤٧).
٣) إباحة صيد الكلب المعلم.
أجاب عنه الشوكاني فقال: إنَّ إباحة الأكل مما أمسكن لا تنافي وجوب تطهير ما تنجس من الصيد، وعدم الأمر؛ للاكتفاء بما في أدلة تطهير النجس من العموم، ولو سلم؛ فغايته الترخيص في الصيد بخصوصه. اهـ «النيل» (١/ ٦٩ - ٧٠).
٤) قولهم: إنَّ الأمر بالغسل للتعبد.
أجاب عنه الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (١/ ٥٢)، فقال: وأجيب عنه بأنَّ أصل الحكم الذي هو الأمر بالغسل معقول المعنى، ممكن التعليل، بأنه للنجاسة، والتعبد إنما هو في العدد فقط.
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الثلاثة المذاهب قوية، وأقواها -والله أعلم- هو المذهب الأول.
وأما الرد على أدلة المذهب الثاني:
١) فقياسهم عَرَق البدن على عرق الفم وهو اللعاب لا يلزم منه نجاسة ظاهره، وهو الشعر، وإنما غاية ذلك أن يدل على نجاسة باطنه، وما ظهر من جلده إذا كان عليه رطوبة.
стр. 66
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٦١٨): وأما إلحاق الشعر بالريق فلا يمكن؛ لأنَّ الريق متحلل من باطن الكلب، بخلاف الشعر؛ فإنه نابت على ظهره. اهـ
٢) وأما حديث ميمونة، فَنَضْحُ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ليس بصريح على أنه فعلَ ذلك من أجل نجاسة شعره، بل يحتمل أنه رأى في الأرض رطوبة قد مسَّت جلد الكلب، أو حصل عرق منه لاصق الأرض. (١)
مسألة [٢]: هل الحكم السابق مخصوص في كلب دون كلب .
• ذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّ الحكم السابق عام في جميع الكلاب، لا فرق في ذلك بين المأذون في اقتنائه، وما لا يجوز اقتناؤه، ولا بين البدوي، والحضري؛ لعموم الأدلة المتقدمة.
• وذهب مالك في رواية عنه إلى عدم وجوب الغسل فيما يجوز اقتناؤه.
والصحيح قول الجمهور، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين ﵀. (٢)
مسألة [٣]: حكم الغسل سبع مرات .
• ذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب غسل الإناء سبع مرات، وهو مذهب
стр. 67
مالك، والشافعي، وأحمد، واستدلوا بحديث الباب.
• وعن مالك رواية بأن الغسل سبع مرات، على سبيل الندب، لا الوجوب.
• وأما الحنفية، فلم يقولوا بوجوب السبع، واستدل لهم بأمور:
١) حديث أبي هريرة ﵁ عند الدارقطني (١/ ٦٥)، مرفوعًا في الكلب يلغ في الإناء، أنه يغسل ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا.
وهذا الحديث ضعيفٌ باتفاق الحفاظ؛ فإن في إسناده: عبد الوهاب بن الضحاك، وهو متروك.
٢) ومما استدل لهم به: أنَّ أبا هريرة -وهو رواي الحديث- أفتى بثلاث غسلات. أخرجه الطحاوي (١/ ٢٣) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، عن عطاء، عن أبي هريرة به. فثبت بذلك نسخ السبع، والعبرة بما رأى الراوي، لا بما رواه.
وأُجيب عن هذا: بأنَّ الصحيح عند جمهور العلماء، والأصوليين أنَّ العبرة بما روى الراوي لا بما رآه.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «فتح الباري» (١٧٢): وتعقب بأنه يحتمل أن يكون أفتى بذلك لاعتقاده ندبية السبع، لا وجوبها، أو كان نسي ما رواه، ومع الاحتمال لا يثبت النسخ، وأيضًا فقد ثبت أنه أفتى بالغسل سبعًا، ورواية من روى موافقة فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد، ومن حيث النظر، أما النظر فظاهرٌ، وأما الإسناد فالموافقة وردت من طريق:
стр. 68
حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عنه، وهذا من أصح الأسانيد، وأما المخالفة، فمن رواية عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عنه، وهو دون الأول في القوة بكثير. اهـ
قلتُ: رواية حماد بن زيد عند أبي عبيد في الطهور (٢٠٤)، والدارقطني في «سننه» (١٨٣)، وإسنادها صحيح.
٣) ومما استدل لهم به: أنَّ العذرة أشد نجاسة من سؤر الكلب، ولم يقيد بالسبع، فيكون الولوغ كذلك من باب الأولى.
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١/ ٣٦٣): وأجيب بأنه لا يلزم من كونها أشد منه في الاستقذار أن لا يكون أشد منها في تغليظ الحكم، وبأنه قياس في مقابلة النص، وهو فاسد الاعتبار. اهـ. (١)
مسألة [٤]: حكم التتريب .
• ذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب التتريب، واستدلوا بحديث الباب، وقد خالف الحنفية، فلم يقولوا بوجوب التتريب قياسًا على بقية النجاسات، ووافقهم ههنا المالكية، فلم يقولوا بالتتريب؛ لأنه لم يقع في رواية مالك، قال القرافي -وهو مالكي المذهب-: قد صحت فيه الأحاديث؛ فالعجب منهم كيف لم يقولوا بذلك!.
стр. 69
• ومنهم من لم يقل بالتتريب؛ لاضطراب الروايات فيه كذا زعم وقد تقدم أنَّ الروايات ليست مضطربة، بل بعضها راجح، والأخرى مرجوحة. (١)
مسألة [٥]: موقع التتريب .
قال الإمام النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٢٧٩)، بعد أن ذكر اختلاف الروايات: وفيها دليل على أنَّ التقييد بالأُولى، وبغيرها ليس على الاشتراط، بل المراد إحداهن، وأما رواية: «وعَفِّروه الثامنة بالتراب»، فمذهبنا، ومذهب الجماهير أنَّ المراد: اغسلوه سبعًا، واحدة منهن بالتراب، مع الماء، فكأن التراب قائم مقام غسلة، فسميت غسلة لهذا، والله أعلم. انتهى
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: تقدم أنَّ الراجح من الروايات هي رواية: «أولاهن»، فالأَولى أن يجعل التتريب في الأُولى، ولكنه ليس على الاشتراط فيما يظهر، كما قال النووي؛ لحديث عبد الله بن مغفل في «صحيح مسلم» (٢٨٠)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فاغسلوه سبعًا، وعفروه الثامنة بالتراب»، ولكن تأويل النووي لرواية: «وعفروه الثامنة بالتراب»، فيه نوع من التكلف، والتعسف.
وقد أشار إلى ذلك ابن دقيق العيد، فقال في «شرحه للعمدة» (١/ ٢٩): إنه قال بها الحسن البصري، وقيل: لم يقل بها غيره، ولعله يراد بذلك من المتقدمين، والحديث قوي فيها، ومن لم يقل به احتاج إلى تأويله بوجهٍ فيه استكراه.
стр. 70
قال ابن الملقن ﵀ في «شرحه للعمدة» (١/ ٣١٣ - ٣١٤) بعد قول ابن دقيق العيد (من المتقدمين)، قال: أي لأنه رواية عن مالك، وأحمد بن حنبل. اهـ
قلتُ: القائل بأنه لم يقل بها غير الحسن هو ابن عبدالبر كما في «التمهيد» (٢/ ٢٠٥).
قال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (١/ ٥٤): قلت: لا يخفى أن إهمال المصنف لذكرها، وتأويل من قال بإخراجها من الحقيقة إلى المجاز، كل ذلك محاماة على المذهب، والحق مع الحسن البصري. انتهى.
وقال الإمام الشوكاني ﵀ في «نيل الأوطار «(٢٠): وأما قول ابن عبد البر: لا أعلم أحدا أفتى بأن غسلة التراب غير الغسلات السبع بالماء غير الحسن فلا يقدح ذلك في صحة الحديث وتحتم العمل به، وأيضا قد أفتى بذلك أحمد بن حنبل وغيره، وروي عن مالك أيضا، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر. وجواب البيهقي عن ذلك بأن أبا هريرة أحفظ من غيره فروايته أرجح وليس فيها هذه الزيادة، مردود بأن في حديث عبد الله بن مغفل زيادة وهو مجمع على صحته، وزيادة الثقة يتعين المصير إليها إذا لم تقع منافية. (١)
مسألة [٦]: كيفية إضافة التراب .
قال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (١/ ٥٢ - ٥٣): ومن أوجبه -يعني التراب- قال: لا فرق بين أن يخلط الماء بالتراب حتى يتكدر، أو يطرح الماء على
стр. 71
التراب، أو يطرح التراب على الماء. انتهى.
ولا يكفي ذر التراب على المحل دون خلطه بالماء؛ لظاهر حديث الباب، وكذا حديث عبد الله بن مغفل: «وعفروه الثامنة بالتراب»، والتعفير هو: التمريغ، ومعناه: مَرِّغوه بالتراب، أي: اغسلوه بالتراب. (١)
مسألة [٧]: هل يقوم الصابون، والأشنان مقام التراب .
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٢٧٩): ولا يقوم الصابون، والأشنان مقام التراب على الأصح، وكذلك ما أشبههما. اهـ
قال ابن دقيق العيد ﵀ في «إحكام الأحكام» (١/ ٣١): قوله: «بالتراب» يقتضي تعينه، وفي مذهب الشافعي ﵀ قول، أو وجه: أن الصابون، والأشنان، والغسلة الثامنة، يقوم مقام التراب، بناء على أن المقصود بالتراب زيادة التنظيف، وأن الصابون، والأشنان يقومان مقامه في ذلك، وهذا عندنا ضعيفٌ؛ لأن النص إذا ورد بشيء معين احتمل معنى يختص بذلك الشيء، لم يجز إلغاء النص، واطراح خصوص المعين فيه.
قال عبد الله البسام ﵀ في «توضيح الأحكام» (١/ ١٣٥): يتعين التراب، ولا يجوز غيره من المزيلات؛ لأمور:
١) يحصل بالتراب من الإنقاء ما لا يحصل بغيره من المزيلات والمطهرات.
٢) ظهر في البحوث العلمية أنه يحصل من التراب خاصَّة إنقاءٌ لهذه النجاسة ما
стр. 72
لا يحصل من غيره.
٣) أنَّ التراب هو مورد النص في الحديث؛ فالواجب التقيد بالنص، ولو قام غيره مقامه؛ لجاء نص يشمله ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤].
مسألة [٨]: ما الحكم إذا تعدد الولوغ ؟
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٢٧٩): ولو ولغ كلبان، أو كلب واحد مرات في إناء، ففيه ثلاثة أوجه لأصحابنا، الصحيح: أنه يكفيه للجميع سبع مرات، والثاني: يجب لكل ولغة سبع، والثالث: يكفي لولغات الكلب الواحد سبع، ويجب لكل كلب سبع. انتهى.
قلتُ: الذي صححه النووي ﵀ هو الصحيح، وذلك كما لو ولغ الكلب مرة واحدة في الإناء، وأطال الولوغ فيه. (١)
مسألة [٩]: إذا ولغ الكلب في ماءٍ ليس في إناء .
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١٧٢): قوله: «في إناء أحدكم» مفهومه يخرج الماء المستنقع مثلًا، وبه قال الأوزاعي مطلقًا، لكن إذا قلنا بأنَّ الغسل للتنجيس يجري الحكم في القليل من الماء دون الكثير. انتهى.
وقال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٢٧٩): ولو ولغ الكلب في ماء كثير بحيث لم ينقص عن قلتين لم ينجسه.
стр. 73
قلتُ: هذا مبني على مذهب الشافعية، والحنابلة، أنَّ الماء إذا لم يبلغ القلتين ينجس بمجرد ورود النجاسة عليه، والصحيح كما تقدم أنه لا ينجس إلا بالتغير، والله أعلم.
مسألة [١٠]: إذا لعق، أو لحس شيئًا جامدًا .
قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ٥٨٧): لو ولغ الكلب في إناءٍ فيه طعام جامد، أُلقيَ ما أصابه، وما حوله، وبقي الباقي على طهارته السابقة، وينتفع به كما كان، كما في الفأرة تموت في السمن ونحوه. قاله أصحابنا. انتهى. (١)
مسألة [١١]: هل ينجس ما في الإناء تبعًا للإناء ؟
• ذهبت المالكية إلى عدم نجاسته، وهو مذهب البخاري؛ لأنهم يقولون بطهارة لعابه.
• وذهبت الشافعية، والحنابلة، والحنفية إلى نجاسته، وهو قول أبي عبيد، والليث؛ لأنهم يرون أنَّ النجاسة إذا وردت على الماء القليل نجسته، وإن لم تغيره.
• وجعله بعض أهل العلم مظنة للنجاسة، كالزهري، والثوري، وابن مسلمة، وابن الماجشون. قال الزهري: إذا ولغ في الإناء ليس له وضوء غيره؛ يتوضأ به.
وقال الثوري: هذا هو الفقه بعينه، يقول تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة:٦]، وهذا ماء، وفي النفس منه شيء، يتوضأ به، ويتيمم. قال ابن الملقن: ووافقه ابن مسلمة وابن الماجشون.
стр. 74
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الصواب أنَّ الذي في الإناء لا ينجس؛ إلا إذا تغير ولكنه صار مظنة للنجاسة؛ فوجب اجتنابه. (١)
مسألة [١٢]: هل يغسل الإناء بالماء الذي فيه .
• في المسألة قولان: فمن ذهب إلى أنَّ العلة تعبدية محضة، أجاز غسل الإناء بالماء الذي فيه، ومن ذهب إلى التعليل بالنجاسة لم ير غسل الإناء بالماء الذي فيه.
والقول الثاني هو الراجح؛ لأن الماء مظنة للتنجس؛ لقلته، ولأنَّ الإناء لا يغسل إلا بإراقة ما فيه، ولو جاز الغسل بالماء الذي فيه؛ لأمر بذلك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولأنَّ أبا هريرة ﵁ وهو راوي الحديث ثبت عنه بإسناد صحيح الأمر بإراقته. أخرجه الدارقطني في «سننه» (١/ ٦٤)، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٣]: بقية أجزاء الكلب .
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٢٧٩): واعلم أنه لا فرق عندنا بين ولوغ الكلب، وغيره من أجزائه، فإذا أصاب بوله، أو روثه، أو دمه، أوعرقه، أو شعره، أو لعابه، أو عضوٌ من أعضائه شيئًا طاهرًا في حال رطوبة أحدهما؛ وجب غسله سبع مرات، إحداهن بالتراب. اهـ
وعند الشافعية وجه: أنه يغسل مرة. ذكره في «شرح المهذب» (٢/ ٥٨٦)،
стр. 75
وقال: وهذا الوجه متجه، وقوي من حيث الدليل. اهـ
وهو مذهب الحنابلة أيضًا كما في «المغني» (١/ ٧٨).
قلتُ: وهذا القول هو الراجح؛ لعدم وجود دليل يدل على التسبيع في غير اللعاب، ولأنَّ حديث ميمونة المتقدم يدل على عدم التسبيع، والله أعلم.
مسألة [١٤]: نجاسة غير لعاب الكلب هل تغسل سبعًا ؟
• ذهب أحمد، والحنابلة إلى التسبيع في بقية النجاسات قياسًا على نجاسة الكلب، واستدلوا بقول ابن عمر: أُمِرنا بغسل الأنجاس سبعًا. وبقياسها على لعاب الكلب.
• وذهب الجمهور، وهو رواية عن أحمد، ووجه عند الحنابلة إلى عدم وجوب التعدد، والاقتصار على المكاثرة حتى تذهب النجاسة.
ويدل على ذلك حديث أنس في «الصحيحين» (١) في قصة بول الأعرابي في المسجد، فأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بذنوب من ماء، فأهريق عليه، وحديث أسماء بنت أبي بكر في «الصحيحين» (٢)، أنها سألت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن دم الحيض يصيب الثوب؟ فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تَحُتُّهُ ثم تقرصه، ثم تنضحه بالماء، ثم تصلي فيه».
وهذا القول هو الراجح، وأما حديث ابن عمر، فقد قال الإمام الألباني ﵀ في «الإرواء» (١/ ١٨٦ - ١٨٧): لم أجده. ثم قال: ولا أعلم حديثًا، مرفوعًا، صحيحًا