التراب، أو يطرح التراب على الماء. انتهى.
ولا يكفي ذر التراب على المحل دون خلطه بالماء؛ لظاهر حديث الباب، وكذا حديث عبد الله بن مغفل: «وعفروه الثامنة بالتراب»، والتعفير هو: التمريغ، ومعناه: مَرِّغوه بالتراب، أي: اغسلوه بالتراب. (١)
مسألة [٧]: هل يقوم الصابون، والأشنان مقام التراب .
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٢٧٩): ولا يقوم الصابون، والأشنان مقام التراب على الأصح، وكذلك ما أشبههما. اهـ
قال ابن دقيق العيد ﵀ في «إحكام الأحكام» (١/ ٣١): قوله: «بالتراب» يقتضي تعينه، وفي مذهب الشافعي ﵀ قول، أو وجه: أن الصابون، والأشنان، والغسلة الثامنة، يقوم مقام التراب، بناء على أن المقصود بالتراب زيادة التنظيف، وأن الصابون، والأشنان يقومان مقامه في ذلك، وهذا عندنا ضعيفٌ؛ لأن النص إذا ورد بشيء معين احتمل معنى يختص بذلك الشيء، لم يجز إلغاء النص، واطراح خصوص المعين فيه.
قال عبد الله البسام ﵀ في «توضيح الأحكام» (١/ ١٣٥): يتعين التراب، ولا يجوز غيره من المزيلات؛ لأمور:
١) يحصل بالتراب من الإنقاء ما لا يحصل بغيره من المزيلات والمطهرات.
٢) ظهر في البحوث العلمية أنه يحصل من التراب خاصَّة إنقاءٌ لهذه النجاسة ما
стр. 72
لا يحصل من غيره.
٣) أنَّ التراب هو مورد النص في الحديث؛ فالواجب التقيد بالنص، ولو قام غيره مقامه؛ لجاء نص يشمله ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤].
مسألة [٨]: ما الحكم إذا تعدد الولوغ ؟
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٢٧٩): ولو ولغ كلبان، أو كلب واحد مرات في إناء، ففيه ثلاثة أوجه لأصحابنا، الصحيح: أنه يكفيه للجميع سبع مرات، والثاني: يجب لكل ولغة سبع، والثالث: يكفي لولغات الكلب الواحد سبع، ويجب لكل كلب سبع. انتهى.
قلتُ: الذي صححه النووي ﵀ هو الصحيح، وذلك كما لو ولغ الكلب مرة واحدة في الإناء، وأطال الولوغ فيه. (١)
مسألة [٩]: إذا ولغ الكلب في ماءٍ ليس في إناء .
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١٧٢): قوله: «في إناء أحدكم» مفهومه يخرج الماء المستنقع مثلًا، وبه قال الأوزاعي مطلقًا، لكن إذا قلنا بأنَّ الغسل للتنجيس يجري الحكم في القليل من الماء دون الكثير. انتهى.
وقال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٢٧٩): ولو ولغ الكلب في ماء كثير بحيث لم ينقص عن قلتين لم ينجسه.
стр. 73
قلتُ: هذا مبني على مذهب الشافعية، والحنابلة، أنَّ الماء إذا لم يبلغ القلتين ينجس بمجرد ورود النجاسة عليه، والصحيح كما تقدم أنه لا ينجس إلا بالتغير، والله أعلم.
مسألة [١٠]: إذا لعق، أو لحس شيئًا جامدًا .
قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ٥٨٧): لو ولغ الكلب في إناءٍ فيه طعام جامد، أُلقيَ ما أصابه، وما حوله، وبقي الباقي على طهارته السابقة، وينتفع به كما كان، كما في الفأرة تموت في السمن ونحوه. قاله أصحابنا. انتهى. (١)
مسألة [١١]: هل ينجس ما في الإناء تبعًا للإناء ؟
• ذهبت المالكية إلى عدم نجاسته، وهو مذهب البخاري؛ لأنهم يقولون بطهارة لعابه.
• وذهبت الشافعية، والحنابلة، والحنفية إلى نجاسته، وهو قول أبي عبيد، والليث؛ لأنهم يرون أنَّ النجاسة إذا وردت على الماء القليل نجسته، وإن لم تغيره.
• وجعله بعض أهل العلم مظنة للنجاسة، كالزهري، والثوري، وابن مسلمة، وابن الماجشون. قال الزهري: إذا ولغ في الإناء ليس له وضوء غيره؛ يتوضأ به.
وقال الثوري: هذا هو الفقه بعينه، يقول تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة:٦]، وهذا ماء، وفي النفس منه شيء، يتوضأ به، ويتيمم. قال ابن الملقن: ووافقه ابن مسلمة وابن الماجشون.
стр. 74
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الصواب أنَّ الذي في الإناء لا ينجس؛ إلا إذا تغير ولكنه صار مظنة للنجاسة؛ فوجب اجتنابه. (١)
مسألة [١٢]: هل يغسل الإناء بالماء الذي فيه .
• في المسألة قولان: فمن ذهب إلى أنَّ العلة تعبدية محضة، أجاز غسل الإناء بالماء الذي فيه، ومن ذهب إلى التعليل بالنجاسة لم ير غسل الإناء بالماء الذي فيه.
والقول الثاني هو الراجح؛ لأن الماء مظنة للتنجس؛ لقلته، ولأنَّ الإناء لا يغسل إلا بإراقة ما فيه، ولو جاز الغسل بالماء الذي فيه؛ لأمر بذلك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولأنَّ أبا هريرة ﵁ وهو راوي الحديث ثبت عنه بإسناد صحيح الأمر بإراقته. أخرجه الدارقطني في «سننه» (١/ ٦٤)، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٣]: بقية أجزاء الكلب .
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٢٧٩): واعلم أنه لا فرق عندنا بين ولوغ الكلب، وغيره من أجزائه، فإذا أصاب بوله، أو روثه، أو دمه، أوعرقه، أو شعره، أو لعابه، أو عضوٌ من أعضائه شيئًا طاهرًا في حال رطوبة أحدهما؛ وجب غسله سبع مرات، إحداهن بالتراب. اهـ
وعند الشافعية وجه: أنه يغسل مرة. ذكره في «شرح المهذب» (٢/ ٥٨٦)،
стр. 75
وقال: وهذا الوجه متجه، وقوي من حيث الدليل. اهـ
وهو مذهب الحنابلة أيضًا كما في «المغني» (١/ ٧٨).
قلتُ: وهذا القول هو الراجح؛ لعدم وجود دليل يدل على التسبيع في غير اللعاب، ولأنَّ حديث ميمونة المتقدم يدل على عدم التسبيع، والله أعلم.
مسألة [١٤]: نجاسة غير لعاب الكلب هل تغسل سبعًا ؟
• ذهب أحمد، والحنابلة إلى التسبيع في بقية النجاسات قياسًا على نجاسة الكلب، واستدلوا بقول ابن عمر: أُمِرنا بغسل الأنجاس سبعًا. وبقياسها على لعاب الكلب.
• وذهب الجمهور، وهو رواية عن أحمد، ووجه عند الحنابلة إلى عدم وجوب التعدد، والاقتصار على المكاثرة حتى تذهب النجاسة.
ويدل على ذلك حديث أنس في «الصحيحين» (١) في قصة بول الأعرابي في المسجد، فأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بذنوب من ماء، فأهريق عليه، وحديث أسماء بنت أبي بكر في «الصحيحين» (٢)، أنها سألت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن دم الحيض يصيب الثوب؟ فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تَحُتُّهُ ثم تقرصه، ثم تنضحه بالماء، ثم تصلي فيه».
وهذا القول هو الراجح، وأما حديث ابن عمر، فقد قال الإمام الألباني ﵀ في «الإرواء» (١/ ١٨٦ - ١٨٧): لم أجده. ثم قال: ولا أعلم حديثًا، مرفوعًا، صحيحًا
стр. 76
في الأمر بغسل النجاسة سبعًا، اللهم إلا الإناء الذي ولغ فيه الكلب. اهـ
قلتُ: وأما قياسهم على لعاب الكلب فلا يصح؛ لأنَّ العدد والتتريب فيه تعبدي لا يقاس عليه. (١)
مسألة [١٥]: هل غسل الإناء على الفور ؟
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١٧٢): قوله «فليغسله» يقتضي الفور، لكن حمله الجمهور على الندب، والاستحباب؛ إلا لمن أراد أن يستعمل ذلك الإناء. اهـ. (٢)
مسألة [١٦]: إراقة ما في الإناء .
قال ابن الملقن ﵀ في «شرح العمدة» (١/ ٣٠٧): لو لم يُرِد استعمال الإناء، سُنَّتْ إراقته على الأصح عند الشافعية، وقيل: يجب؛ لظاهر الرواية التي أسلفناها؛ لأن الأمر المطلق يقتضي الوجوب على المختار، وهو قول أكثر الفقهاء، والأول قاسه على سائر النجاسات؛ فإنه لا يجب إراقتها بلا خلاف.
قلتُ: تقدم بيان أن رواية: «فليرقه» شاذة، غير محفوظة، وعلى هذا فحكم ما في الإناء كحكم سائر النجاسات.
مسألة [١٧]: لعاب الخنزير .
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٢٧٩): وأما الخنزير فحكمه حكم الكلب
стр. 77
في هذا كله، هذا مذهبنا، وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الخنزير لا يفتقر إلى غسله سبعًا، وهو قول الشافعي، وهو قوي في الدليل. اهـ
قلتُ: هذا الحكم مبني على أنَّ الخنزير نجس، وهو قول جمهور أهل العلم، وقد نقله بعضهم إجماعًا، ولا يصح؛ فإنَّ مذهب مالك: طهارة الخنزير ما دام حيًّا، كما في «شرح المهذب» (٢/ ٥٦٨). وهو رواية عن أحمد كما في «الإنصاف» (١/ ٢٩٤)؛ لعدم وجود دليل صحيح، صريح على نجاسته، وأما قوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام:١٤٥]؛ فإنَّ قوله ﴿رِجْسٌ﴾ معناه: مستقذر، مستخبث، وليس بصريح في النجاسة، ويدل على ذلك قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الحمر الأهلية: «إنها رجس»، وقد كانوا يركبونها ويمسونها، ولو كان المراد بـ ﴿رِجْسٌ﴾: النجس؛ لكان ذلك متجهًا للحم كلحم الحمر، لا إلى الحيوان قبل موته، والأصل في الأشياء الطهارة، ولا يخرج عن ذلك إلا بدليل صحيح، صريح، و الله أعلم.
وقد قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ٥٦٨): وليس لنا دليل واضح على نجاسة الخنزير في حياته.
ثم استدركت فقلت: ظهر لي، والله أعلم نجاسة الخنزير حيًّا وميتًا؛ لأن قوله تعالى: ﴿رِجْسٌ﴾ من الألفاظ المشتركة، واللفظ المشترك إذا لم يوجد دليل يبين المراد منه، وأمكن حمله على جميع معانيه؛ حمل عليها. ولأن الضمير يعود غالبًا على أقرب مذكور، ولأن حمل الضمير على اللحم دون الخنزير؛ يعود على التخصيص
стр. 78
بالخنزير بعدم الفائدة؛ لأن كل ما ذبح على غير طريقة شرعية؛ فلحمه رجس، وكذلك سائر السباع، سيكون لها نفس الحكم؛ فلم يبق لتخصيص الخنزير فائدة، وكذلك فإن الخنزير يأكل النجاسة والأنتان، ويلازم ذلك، فهو أسوأ حالًا من الجلالة.
وعلى ما تقدم فلعاب الخنزير نجسٌ، ولكن لا يلزم أن يغسل سبع مرات كما جاء في الكلب، بل الصحيح أنه يجزئ غسلة واحدة كما هو الأصل في إزالة النجاسات، وليس مع من قال بسبع غسلات إلا القياس على لعاب الكلب، وهو قياس فاسد الاعتبار؛ لأن العلة تعبدية، وليست ظاهرة المعنى حتى يقاس عليها، ولأنه يحتمل أن يوجد في لعاب الكلب معنى خاص استحق من أجله ذلك، وليس موجودًا في غيره. وبالله التوفيق.
стр. 79
٩ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ -فِي الهِرَّةِ-: «إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ» أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم سؤر الهرة .
• ذهب جمهور أهل العلم إلى طهارة سؤرها، واستدلوا بحديث أبي قتادة الذي في الباب.
قال الترمذي ﵀ -بعد إخراجه لحديث أبي قتادة-: وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والتابعين، ومن بعدهم مثل: الشافعي، وأحمد، وإسحاق، لم يروا بأسًا بسؤر الهرة.
• وذهب أبو حنيفة إلى كراهة سؤرها، وقال: إنه نجس. واستدل بما ورد عنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال: «الهرة سبع»، وبحديث ابن عمر، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سئل عن الماء، وما ينوبه من السباع والدواب؟ فقال: «إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء»، وقد تقدم أنَّ الحديث صحيح.
стр. 80
وأجيب عن الحديث الأول: بأنه ضعيفٌ؛ في إسناده: عيسى بن المسيب، وقد أُنْكِرَ عليه هذا الحديث، كما في «الميزان»، وعيسى ضعيفٌ.
ومع ذلك فقد أجاب عن دليلهم الأول، والثاني الشوكاني، فقال: وأجيب بأنَّ حديث الباب مصرح بأنها ليست بنجس، فيخصص به عموم حديث السباع، بعد تسليم ورود ما يقضي بنجاسة السباع، وأما مجرد الحكم عليها بالسبعية، فلا يستلزم أنها نجس؛ إذ لا ملازمة بين النجاسة، والسبعية. انتهى.
قال ابن عبد البر ﵀ في «التمهيد» (١/ ٣٢٥): لا أعلم لمن كره سؤر الهرة حجة أحسن من أنه لم يبلغه حديث أبي قتادة، وبلغه حديث أبي هريرة في الكلب، فقاس الهر على الكلب، وقد فرقت السنة بين الهر، والكلب في باب التعبد. انتهى.
قلتُ: وقد صحَّ عن ابن عمر ﵄ عند عبد الرزاق (١/ ٩٨)، وأبي عبيد (٢١٦)، وغيرهما أنه كره سؤر الحمار، والكلب، والهر.
وصحَّ أيضًا عن أبي هريرة ﵁ عند عبدالرزاق (١/ ٩٩)، وأبي عبيد (٢١٧)، وغيرهما أنه قال: يغسل منه مرة. وجاء ذلك عن الحسن، وابن سيرين، كما في كتاب «الطهور» (٢٨٠ - ٢٨١).
قال أبو عبيد ﵀ في كتاب «الطهور»: وليس يصح عن واحد من أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيه كراهة، إنما كان ذلك يروى عن أبي هريرة، وابن عمر، ثم جاء عنهما جميعًا خلاف ذلك من الرخصة. اهـ
стр. 81
قلتُ: الأثران ثابتان كما في الطهور لأبي عبيد (٢٠٩، ٢١١) وإسنادهما صحيحان.
تنبيه: إذا أكلت الهرة نجاسة؛ فلا يحكم بطهارة سؤرها مع بقاء تلك النجاسة في فمها، ولكن الحكم بالنجاسة لتلك العين، لا لفمها؛ فإن زالت العين فقد حكم الشارع بأنها ليست بنجس. «السبل» (١/ ٥٥).
стр. 82
ذِكْرُ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: سؤر السِّبَاع .
قال ابن الأثير ﵀ في «النهاية» (٢/ ٣٣٧): هو ما يفترس الحيوان، ويأكله قهرًا، وقسرًا، كالأسد، و الذئب، والنمر، ونحوها. اهـ
قال أبو عبيد ﵀ في كتاب «الطهور» (ص ٢٨٦): وقد اختلف الناس في ذلك، فكان مالك بن أنس، ومن وافقه من أهل الحجار لا يرون بسؤرها بأسًا، وأما سفيان، وأهل العراق من أصحاب الرأي؛ فإنهم يكرهون ذلك، ولكل واحد من الفريقين حجة، فمذهب الكارهين -فيما أحسب- ما روي عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من النهي عن أكل لحومها، فرأوا أنها أنجاس لذلك، ثم ذكر أنهم أيضًا ربما قاسوه على سؤر الكلاب، وذكر أنَّ حجة المترخصين قياسها على سؤر الهرة. انتهى بتصرف.
وقد قال بقول مالك: الحسن، وعطاء، والزهري، ويحيى الأنصاري، وربيعة، وأبوالزناد، والشافعي، وابن المنذر، وغيرهم.
وقد استدلوا بأدلة ضعيفة، أذكرها للتنبيه عليها، منها:
١) حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سئل عن الحياض التي بين مكة، والمدينة، تردها السِّباع، والكلاب، والحمر، وعن الطهارة فيها؟ فقال: «لها ما حملت في بطونها، ولنا ما غبر طهور»، وإسناده ضعيف. أخرجه ابن ماجه (٥١٩)، والدارقطني (١/ ٣١)، والبيهقي (١/ ٢٥٨) وفي إسناده: عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم، وقد أجمعوا على ضعفه.
стр. 83
٢) حديث جابر ﵁، أنه قال: سئل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنتوضأ بما أفضلت الحُمُر؟ قال: «نعم، وبما أفضلت السباع كلها» أخرجه الشافعي كما في «المسند» (١/ ٢٢)، وفي إسناده: إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، وهو متروك. وله إسناد آخر عند الشافعي في «الأم» (١/ ٦)، وفي إسناده: إبراهيم بن أبي يحيى، وهو كذاب، وقد قال بقول سفيان، وأهل الرأي: أحمد، والحنابلة، وأقوى ما استدلوا به هو حديث القلتين.
وقد أجاب عنه الشوكاني ﵀ في «النيل» (١/ ٧٢)، فقال: ويمكن حمل حديث القلتين المتقدم على أنه إنما كان كذلك؛ لأن ورودها على الماء مظنة لإلقائها الأبوال، والأزبال عليه. اهـ
قلتُ: وكذا فإنها تأكل النجاسات، والميتة، فربما سقط منها في الماء أثناء شربها، وكذا فإنَّ من السباع الكلب، ولعابه نجس.
والراجح -والله أعلم- هو مذهب مالك، والشافعي، ومن معهما؛ لأن الأصل في الأشياء الطهارة، ولا يحكم بنجاستها إلا بدليل صحيح، صريح. (١)
مسألة [٢]: سؤر الحمار، والبغل .
• اختلف في هذه المسألة كالاختلاف السابق؛ إلا أنَّ أحمد في هذه المسألة له رواية بطهارة سؤرهما.
واستدل القائلون بنجاسة سؤرها بحديث أنس بن مالك ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن الحمر الأهلية يوم خيبر، وقال: «إنها رجس» متفق عليه. (٢)
стр. 84
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٦٨): والصحيح عندي طهارة البغل، والحمار؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يركبها، وتُرْكَب في زمنه، وفي عصر الصحابة، فلو كان نجسًا؛ لبَيَّنَ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذلك، ولأنهما مما لا يمكن التحرز منهما لمقتنيهما، فأشبه السِّنَّور، وقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الحمر: «إنها رجس»، أراد أنها محرمة، كقوله تعالى في الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام ﴿رِجْسٌ﴾، ويحتمل أنه أراد لحمها الذي كان في قدروهم؛ فإنه نجس؛ لأن ذبح ما لا يحل أكله لا يطهره. انتهى.
مسألة [٣]: سؤر ما يؤكل لحمه .
قال أبو بكر بن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١/ ٢٩٩): أجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم أنَّ سؤر ما يؤكل لحمه طاهرٌ، يجوز شربه، والتطهر به. انتهى.
مسألة [٤]: سؤر الخيل .
قال أبو عبيد ﵀ في «الطهور» (ص ٢٩١): الأمر فيها سهل؛ لأنَّ أهل العراق يرخصون أكل لحمها. اهـ
قلتُ: الخيل مباحة الأكل عند الجمهور، خلافًا للحنفية، والمالكية، فعلى هذا فهي تدخل في المسألة السابقة.
قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١/ ٣١٣): وكان ابن عمر (١)، والحسن، وابن سيرين، والحكم، وحماد لا يرون بسؤر الفرس بأسًا. انتهى.
стр. 85
١٠ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ المَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ؛ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
قوله: جاء أعرابي.
قال ابن الملقن ﵀ في «شرح العمدة» (١/ ٦٩٣): لم أرَ أحدًا ممن تكلم على المبهمات سمَّاه، وقد ظفرت به بحمد الله ومَنِّهِ في «معرفة الصحابة» لأبي موسى الأصبهاني؛ فإنه روى من حديث سليمان بن يسار، قال: اطلع ذو الخويصرة اليماني، وكان رجلًا جافيًا ... ، فذكره.
قلتُ: هو مرسلٌ، والسند إلى سليمان لم يذكره للنظر في حاله؛ فعلى هذا فهو ضعيفٌ، ولا يثبت تسمية هذا الأعرابي، ثم رأيت الحافظ ابن حجر قال في «الفتح» (حديث: ٢٢٠): هو مرسلٌ، وفي إسناده أيضًا مبهمٌ، بين محمد بن إسحاق، وبين محمد بن عمرو بن عطاء. اهـ
فهذه علة أخرى مع علة الإرسال.
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: بول الآدمي .
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ٥٤٨): فأما بول الآدمي الكبير؛
стр. 86
فنجسٌ بإجماع المسلمين، نقل فيه الإجماع ابن المنذر، وأصحابنا، وغيرهم، ودليله الأحاديث السابقة -وقد كان ذكر منها حديث الأعرابي- مع الإجماع.
وأما بول الصبي الذي لم يطعم؛ فنجسٌ عندنا، وعند العلماء كافة، وحكى العبدري، وصاحب «البيان» عن داود أنه قال: هو طاهرٌ، دليلنا عموم الأحاديث، والقياس على الكبير، وثبت أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نضَحَ ثوبه من بول الصبي، وأمر بالنضح منه، فلو لم يكن نجسًا لم ينضح. انتهى. (١)
ومما يدل على نجاسة البول حديث ابن عباس ﵄ في «الصحيحين» (٢): أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرَّ بقبرين يعذبان، فقال في أحدهما: «كان لا يستتر من بوله»، وحديث: «استنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه». (٣)
مسألة [٢]: غائط الآدمي .
نقل النووي الإجماع على نجاسته في «شرح المهذب» (٢/ ٥٤٩)، وقال: ولا فرق بين غائط الصغير، والكبير بالإجماع. انتهى.
مسألة [٣]: هل يتعين الماء لتطهير الأرض .
• استدل جمهور العلماء بحديث الباب على أنه يتعين لتطهير الأرض أن يكون بالماء، وقالوا: لو كان يحصل التطهير بالجفاف؛ لما حصل التكليف بطلب الماء.
стр. 87
• وذهب أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وأبو يوسف إلى أنَّ النجاسة إذا أُزِيلت بالشمس، أو الريح، حتى ذهب أثرها، صار المحل الذي وقعت فيه النجاسة طاهرًا. وهو قول للشافعي، وقول لمالك، وقولٌ في مذهب أحمد.
• ورجح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٨٠)، وأبو البركات ابن تيمية، وابن القيم كما في «إغاثة اللهفان» (١/ ١٧٢).
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٧٥): الرَّاجِحُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ النَّجَاسَةَ مَتَى زَالَتْ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ؛ زَالَ حُكْمُهَا؛ فَإِنَّ الْحُكْمَ إذَا ثَبَتَ بِعِلَّةِ زَالَ بِزَوَالِهَا، لَكِنْ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ فَسَادِ الْأَمْوَالِ، كَمَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهَا. اهـ
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (١/ ٣٦٢): وهذا هو الصواب لما يلي:
١) أنَّ النجاسة عين خبيثة، نجاستها بذاتها، إذا زالت عاد الشيء إلى طهارته.
٢) أنَّ إزالة النجاسة ليس من باب المأمور، بل من باب اجتناب المحظور، فإذا حصل بأي سببٍ كان، زالَ الحكم؛ ولهذا لا يشترط لإزالة النجاسة نية، فلو نزل المطر على الأرض المتنجسة، وزالت النجاسة طهرت، والجواب على ما استدل به الحنابلة: أنه لا ينكر أنَّ الماء طهور، وأنه أيسر شيء تطهر به الأشياء، لكن
стр. 88
إثبات كونه مطهرًا لا يمنع أن يكون غيره مطهرًا، وأما بالنسبة لحديث أنس، وأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بأن يصب عليه الماء فلأجل المبادرة بتطهيره؛ لأن الشمس لا تأتي عليه مباشرة حتى تطهره، بل يحتاج ذلك إلى أيام، والماء يطهره في الحال، والمسجد يحتاج إلى المبادرة بتطهيره؛ لأنه مصلى الناس. انتهى. (١)
مسألة [٤]: هل يشترط حفر الأرض، وإلقاء التراب عند تطهيرها .
• ذهب الحنفية إلى اشتراط ذلك، إذا كانت الأرض صلبة، واستدل لهم بما أخرجه أبو داود في «سننه» (٣٨١) بإسناد صحيح إلى عبد الله بن معقل، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أنه قال: «خذوا ما بال عليه من التراب، فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماءً».
لكن قال أبو داود: هو مرسلٌ؛ ابن معقل لم يدرك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
قلتُ: وقد جاء الأمر بالحفر من حديث ابن مسعود، وواثلة بن الأسقع، وأنس ابن مالك، وكلها منكرة، لا يصح منها شيء. (٢)
• وذهب الجمهور إلى عدم اشتراط الحفر، بل يكفي نضح الماء عليه، سواءٌ كانت الأرض رخوة، أو صلبة.
واستدلوا بحديث الباب، وهو الصحيح، والله أعلم.
стр. 89
مسألة [٥]: غُسالة النجاسة .
قال الحافظ ابن حجر ﵀ -في شرحه لحديث الأعرابي -: وفيه أنَّ غسالة النجاسة الواقعة على الأرض طاهرة، ويلتحق به غير الواقعة؛ لأنَّ البلة الباقية على الأرض غسالة نجاسة، فإذا لم يثبت أنَّ التراب نقل، وعلمنا أنَّ المقصود التطهير، تعين الحكم بطهارة البلة، وإذا كانت طاهرة، فالمنفصلة أيضًا مثلها؛ لعدم الفارق. انتهى «الفتح» (٢٢١).
قلتُ: في هذه المسألة ثلاثة أوجه عند الشافعية، والحنابلة، والصحيح في مذهب أحمد، والشافعي، هوالطهارة، وهو قول مالك؛ خلافًا لأبي حنيفة.
والراجح ما ذكره الحافظ ﵀، لكن محل هذا الخلاف فيما إذا انفصلت غير متغيرة، أما إذا انفصلت متغيرة؛ فهي نجسة بالإجماع.
نقل الإجماع النووي في «شرح مسلم» (٣/ ١٩٤)، وابن قدامة في «المغني» (٢/ ٥٠٣ - ٥٠٤) «تنقيح التحقيق» (١/ ٩٠).
стр. 90
مَسَائِلُ مُلْحَقَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالبَابِ
مسألة [١]: أبوال، وأرواث الحيوانات .
• في هذه المسألة ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: طهارة بول، وأرواث الحيوانات التي يؤكل لحمها دون غيرها، وهو قول: عطاء، والنخعي، والثوري، وأحمد، ومالك، كما في «المغني» (٢/ ٤٩٢)، و «المجموع» (٢/ ٥٤٩)، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٥٤١ - وما بعدها)، واستدلوا بما يلي:
١) حديث أنس ﵁ في «الصحيحين» (١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر العرنيين أن يشربوا من أبوالها، وألبانها.
٢) حديث جابر بن سمرة في «صحيح مسلم» (٣٦٠): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سئل: أيصلى في مرابض الغنم؟ فقال: «نعم».
٣) طواف النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالبيت الحرام على بعير كما في «الصحيحين» مع إمكان أن يبول البعير، وكذا الحمام ملازمٌ للمسجد الحرام، فلو كان ذرقه نجسًا؛ لأمر الناس بإزالته، وتطهيره، قال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج:٢٦].
٤) الأصل في الأشياء الطهارة، ولا يحكم بنجاسته إلا بدليل.
стр. 91
٥) واستدلوا بحديث: «لا بأس ببول ما يؤكل لحمه»، وهو حديث ضعيفٌ جدًّا، جاء من حديث جابر بن عبد الله، والبراء بن عازب، أخرجهما الدارقطني (١/ ١٢٨)، وفي إسناد الأول: عمرو بن الحصين، وهو متروك، ويحيى بن العلاء، وهو كذاب، وفي إسناد الثاني: سوار بن مصعب، وهو متروك.
المذهب الثاني: نجاسة بول، وأرواث جميع الحيوانات، ما أُكِل، وما لم يؤكل، وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور، والحنفية، ورواية عن أحمد، ورجحه ابن حزم، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «استنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه»، وبقوله: «وأما أحدهما؛ فكان لا يستنزه من البول»، فقالوا: كلمة «البول» تعم جميع الأبوال.
وأُجيب: بأنَّ (أل) عهدية، والمراد به: بول الآدمي. ويؤيده أنَّ في بعض روايات الحديث الثاني «من بوله».
واستدلوا بالقياس على الآدمي؛ فإن مأكوله، ومشروبه يصير نجسًا، مع أنَّ أكله أطيب من أكل الحيوانات، وهذا القياس معارض للنصوص؛ فهو فاسد الاعتبار.
المذهب الثالث: طهارة جميع الأبوال، والأرواث، عدا بول، وغائط الآدمي، وهو قول الشعبي، والنخعي، وحكاه الإسماعيلي وغيره عن ابن وهب، وهو قول الظاهرية عدا ابن حزم، ورجحه الشوكاني.
قال الشوكاني في «النيل» (١/ ٩٢): والظاهر طهارة الأبوال، والأزبال من كل حيوان يؤكل لحمه، تمسكًا بالأصل، واستصحابًا للبراءة الأصلية، والنجاسة
стр. 92
حكم شرعي، ناقل عن الحكم الذي يقتضيه الأصل، والبراءة، فلا يقبل قول مدعيها إلا بدليل يصلح للنقل عنهما، ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليلًا لذلك.
ثم قال: و الذي يتحتم القول به في الأبوال، والأزبال هو الاقتصار على نجاسة بول الآدمي، وزبله. انتهى.
قلتُ: وهذا القول قد استدل له أيضًا بحديث ابن عمر ﵄ في «البخاري»، قال: كانت الكلاب تبول، وتقبل، وتدبر في المسجد في زمان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك.
وقد قدمنا في مسألة [حكم لعاب الكلب] ذكر أقوال العلماء في توجيه هذا الحديث.
والراجح في هذه المسألة هو المذهب الأول؛ لعموم حديث: «استنزهوا من البول»، وخُصَّ منه ما يؤكل لحمه بالأدلة المتقدمة؛ ولأنَّ الإنسان كرَّمه الله على الحيوانات، وبوله، وغائطه نجس، فكذلك الحيوانات أبوالها، وأرواثها نجسة؛ إلا ما خُصَّ بدليل كالحيوانات التي يؤكل لحمها كما تقدم، والله أعلم. (١)
стр. 93
١١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا المَيْتَتَانِ: فَالجَرَادُ وَالحُوتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالطِّحَالُ (١) وَالكَبِدُ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ ضَعْفٌ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: ميتة الحوت، والجراد .
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ٥٦١): أما حكم المسألة، فالسمك والجراد إذا ماتا طاهران بالنصوص، والإجماع، قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة:٩٦]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل:١٤].
стр. 94
وثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته»، وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵁، قال: غزونا مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سبع غزوات نأكل الجراد. متفق عليه (١)، وسواءٌ عندنا الذي مات بالاصطياد، أو حتف نفسه، والطافي من السمك وغير الطافي، وسواء قُطِع رأس الجراد، أم لا، وكذا باقي ميتات البحر، إذا قلنا بالأصح في الجميع، أنها حلال، فميتتها طاهرة. اهـ
قال عبد الله البسَّام في «توضيح الأحكام» (١/ ١٤٦): الحديث دليل على أنَّ السمك، والجراد إذا ماتا في ماء؛ فإنه لا ينجسه، قليلًا كان الماء، أو كثيرًا، ولو تغير طعمه، أو لونه، أو ريحه؛ فإنه لم يتغير بنجاسة، وإنما تغير بشيء طاهر، وهذا وجه سياق الحديث في باب المياه. انتهى.
مسألة [٢]: حكم الطحال، والكبد .
يدل حديث الباب على طهارتهما؛ لأنه أحل أكلهما، ولو كانا نجسين لما أحل أكلهما، وقد نقل النووي في «شرح المهذب» (٢/ ٥٦٠) الإجماع على طهارتهما.
стр. 95
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: ميتة غير الجراد، والحوت، والآدمي .
نقل النووي في «شرح المهذب» (٢/ ٥٦٢) الإجماع على نجاستها.
قلتُ: ويدل عليه قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا دُبِغ الإِهاب؛ فقد طَهُر» (١)، وجلد الميتة هو جزء منها، وقوله: «فقد طَهُر» يدل على أنه نجس، والله أعلم.
مسألة [٢]: ميتة الآدمي .
أما ميتة المسلم، فقد قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٣٧١): فأما الحي؛ فطاهرٌ بإجماع المسلمين.
ثم قال: وأما الميت، ففيه خلاف للعلماء، وللشافعي فيه قولان، الصحيح منهما: أنه طاهرٌ. اهـ
وما صححه الإمام النووي ﵀ هو الصحيح، وهو مذهب أحمد، ومالك، وداود، كما في «شرح المهذب» (٢/ ٥٦٣)، ويدل عليه عموم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ المسلم لا ينجس».
وخالف أبو حنيفة، فقال: ينجس. وهو رواية عن أحمد، ومالك، وقول للشافعي، ومما استدلوا به: أن زنجيًّا سقط في بئر زمزم، فمات، فأمر ابن الزبير، وابن عباس أن ينزح الماء منها. وقد أنكر النووي هذه القصة في «المجموع»
стр. 96
(١/ ١١٦)، وقال: إنَّ هذا الذي زعموه باطلٌ لا أصل له.
قال الشافعي: لقيت جماعة من شيوخ مكة، فسألتهم عن هذا، فقالوا: ما سمعنا هذا.
وروى البيهقي وغيره عن سفيان بن عيينة إمام أهل مكة، قال: أنا بمكة منذ سبعين سنة، لم أرَ أحدًا، لا صغيرًا، ولا كبيرًا يعرف حديث الزِّنْجِي الذي يقولونه، وما سمعت أحدًا يقول: نزحت زمزم.
والقول الأول هو الراجح، وقد رجحه البخاري في «صحيحه»، وقد صح عن ابن عباس أنه قال: لا تنجسوا موتاكم؛ فإن المؤمن ليس بنجس حيًّا، ولا ميتًا. أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٦٧) عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس به.
وجاء عن ابن عمر ﵄ أنه حنط ابنًا لسعيد بن زيد. أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٢٥) عن نافع، عنه. وقال سعد بن أبي وقاص: لو كان نجسًا ما مسسته. أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٦٨) عن يحيى بن سعيد القطان، عن الجعيد بن عبدالرحمن، عن عائشة بنت سعد، عن أبيها به. وهذا إسنادٌ صحيح، رجاله ثقات.
وهذه الآثار علَّقها البخاري في «صحيحه»، وهي صحيحة.
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١٢٥٣): وقيل تعلق هذا الأثر، وما بعده بالترجمة من جهة أن المصنف يرى أنَّ المؤمن لا ينجس بالموت، وأنَّ غسله إنما هو للتعبد؛ لأنه لو كان نجسًا لم يطهره الماء، والسدر، ولا الماء وحده. اهـ
стр. 97
وأما الكافر، فقد قال ابن الملقن في «شرح العمدة» (٢/ ١٨): وأما الكافر؛ فحكمه في الطهارة، والنجاسة حكم المسلم، هذا مذهبنا، ومذهب الجماهير من السلف، والخلف.
قلتُ: ويدل عليه حديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين» (١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ربط ثمامة بن أُثال في المسجد قبل أن يسلم. وحديث عمران بن حصين في «الصحيحين» (٢): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- استعمل مزادة امرأة مشركة هو، وأصحابه.
وكذلك إباحة ذبائح أهل الكتاب، وإباحة نسائهم في قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة:٥].
وقد خالف في هذه المسألة بعض الظاهرية، فقالوا: إن المشرك نجس العين، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨].
والجواب عن هذا الاستدلال: بأن النجاسة ههنا محمولة على النجاسة المعنوية، وهو خُبْثُ، ونجاسة معتقده، جمعًا بين هذا الدليل، وبين الأدلة المتقدمة، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن المؤمن لا ينجس» (٣)، وقالوا: مفهومه أنَّ الكافر ينجس.
стр. 98
وأُجيب عن ذلك: بأنَّ المراد بالحديث أنَّ المؤمن طاهر الأعضاء؛ لاعتياده مجانبة النجاسة، بخلاف المشرك؛ لعدم تحفظه عن النجاسة.
واستدلوا بمرسل الحسن، أنَّ وفد ثقيف لما أتوا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ضُرِبت لهم قبة في مؤخرة المسجد؛ لينظروا إلى صلاة المسلمين، فقال الصحابة: يا رسول الله، أتنزلهم المسجد، وهم مشركون؟ فقال: «إنَّ الأرض لا تنجس، إنما ينجس ابن آدم». أخرجه عبد الرزاق (١٦٢٠)، وأبو داود في «المراسيل» (١٧)، وإسناده صحيح إلى الحسن، ولكن مراسيل الحسن ضعيفة، من أضعف المراسيل كما جزم بذلك الذهبي في «الموقظة».
واستدلوا بأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بغسل آنية المشركين، كما في حديث أبي ثعلبة الخشني في «الصحيحين». (١)
وأجاب عنه الشوكاني في «السيل» (١/ ٣٦)، فقال: المراد بأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالغسل أن يزيلوا منها أثر ما يحرم أكله، وشربه، ولا ملازمة بين التحريم، والنجاسة.
وأما حكم ميتة الكافر؛ فقيل: إنَّ مفهوم حديث: «إنَّ المؤمن لا ينجس» يدل على نجاسته في حال موته.
ولا يُعلَم دليلٌ يعارض هذا المفهوم؛ فلذلك فميتة الكافر تعتبر نجسة، وقد نقل القرطبي في «المفهم» (٢/ ٦٢٩) عن بعض المتأخرين أنه نقل الاتفاق على
стр. 99
نجاسة الكافر الميت.
وهذا الاتفاق ليس بصحيح؛ فالأشهر في مذهب الحنابلة كما في «الإنصاف» (١/ ٣١٨)، وكذا في مذهب الشافعية كما في «المجموع» (٢/ ٥٦٢) القول بطهارته كالمسلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «الاختيارات» (ص ٢٢): ولا ينجس الآدمي بالموت، وهو ظاهر مذهب أحمد، والشافعي، وأصح القولين في مذهب مالك. اهـ
قلتُ: ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٧٠].
وقد أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عليًّا أن يدفن والده، وأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بقتلى المشركين يوم بدر، فسحبوا إلى طوي من أطواء بدر، ولو كانوا نجسين؛ لأمر بعدم مباشرة أجسامهم، فالذي يظهر -والله أعلم- هو عدم نجاسة الآدمي مطلقًا، وبالله التوفيق. (١)
стр. 100
١٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الآخَرِ شِفَاءً». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (١)، وَأَبُودَاوُد، وَزَادَ: «وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ». (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: ميتة ما ليس له نفس سائلة .
اسْتُدِلَّ بحديث الباب على أنَّ ما ليس له نفس سائلة؛ فميتته طاهرة؛ لأنها لو كانت نجسة، ما أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بغمسها في الشراب، وقد جاء في ذلك حديث صريح، ولكنه ضعيفٌ، فأخرج الدارقطني، والبيهقي من حديث سلمان الفارسي ﵁، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «يا سلمان، كلُّ طعام، وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم، فماتت فهو حلال أكله، وشربه، ووضوؤه».
وهو حديث ضعيفٌ جدًّا، فيه: علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، وفيه: بقية بن الوليد، وقد تفرد به عن شيخه: سعيد بن أبي سعيد الزبيدي، وهو مجهول، وقد ضُعِّفَ أيضًا.
قال الحافظ ﵀ في «التلخيص» (١/ ٣٨): واتفق الحفاظ على أنَّ رواية بقية
стр. 101
عن المجهولين واهية.
قلتُ: واكتفى العلماء عن هذا الحديث الضعيف بحديث الباب.
قال ابن عبد البر ﵀ في «الاستذكار» (٢/ ١٢٢ - ١٢٣): وقد يكون من الميتة ما ليس بنجس، وهو كل شيء ليس له دم سائل، مثل: الزنبور، والعقرب، والجعلان، والصَّرَّار، والخنفساء، وما أشبه ذلك، والأصل فيه حديث رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم ... »، فذكر حديث الباب.
وقال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (١/ ٥٩): ثم عدي هذا الحكم إلى كل ما لا نفس له سائلة، كالنحلة، والزنبور، والعنكبوت، وأشباه ذلك؛ إذ الحكم يعم بعموم علته، وينتفي بانتفاء سببه، فلما كان سبب التنجيس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته، وكان ذلك مفقودًا فيما لا دم له سائل انتفى الحكم بالتنجيس؛ لانتفاء علته. انتهى.
مسألة [٢]: حكم الطعام والشراب الذي وقع فيه الذباب .
قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١/ ٢٨٢ - ٢٨٣): وقال عوام أهل العلم: إنَّ الماء لا يفسد بموت الذباب، والخنفساء، وما أشبه ذلك فيه، هذا قول مالك ابن أنس، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وروي معنى هذا القول عن النخعي، والحسن، وعكرمة، وعطاء.
ثم قال: ولا أعلم أحدًا قال غير ما ذكرتُ؛ إلا الشافعي في أحد قوليه، والقول الذي يوافق السنة، وقول سائر أهل العلم أولى به. انتهى بتصرف.
قلتُ: وقال بنجاسة ميتة ما لا نفس له سائلة ابن حزم ﵀ في «المحلى» (١٣٦).
стр. 102
١٣ - وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا قُطِعَ مِنَ البَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيِّتٌ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَاللَّفْظُ لَهُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: العضو المنفصل من حيوان حَي، غير السمك والجراد، والآدمي .
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ٥٦٢): العضو المنفصل من حيوان حي، كألية الشاة، وسنام البعير، وذيل البقرة، واليد، وغير ذلك، نجسٌ بالإجماع.
ثم استدل بحديث أبي واقد الذي في الباب، ثم قال: قال الترمذي: والعمل
стр. 103
عليه عند أهل العلم. انتهى.
ونقل الاتفاق أيضًا شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٩٨)، والواقع وجود خلاف شاذ كما في «الإنصاف» (١/ ٩٣).
مسألة [٢]: العضو المنفصل من السمك، والجراد، والآدمي .
قال النووي ﵀: وأما العضو المُبان من السمك، والجراد، والآدمي، كَيَدِهِ، ورجله، وظفره، ففيها كلها وجهان، أصحها طهارتها. اهـ «شرح المهذب» (٢/ ٥٦٣).
وما صححه النووي ﵀ هو الصحيح؛ لأنَّ الحياة إذا فارقت السمك، أو الجراد، أو الآدمي؛ فإنه طاهر، فكذلك إذا فارقت بعضه؛ فإنه طاهر، وهو قول الحنابلة أيضًا. (١)
مسألة [٣]: إذا أُبِيْنَ من الحيوان شعره، أو صوفه ؟
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (١/ ٢٤١): إذا جُزَّ شعر، أو صوف، أو وبر من مأكول اللحم؛ فهو طاهرٌ بنصِّ القرآن، وإجماع الأمة.
وقوله: (بنص القرآن) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل:٨٠].
وقال أيضًا: وإذا جُزَّ الشعر، والصوف، والوبر، والريش من حيوان لا يؤكل، فاتفق أصحابنا على أنَّ له حكم شعر الميتة؛ لأن ما أُبِيْنَ من حي فهو ميت.
стр. 104
قلتُ: وللحنابلة رواية وافقوا فيها الشافعية، كما في «الإنصاف» (١/ ٩٣)، ولهم رواية بطهارته، ورواية أنَّ النجاسة من النجس، والطهارة من الطاهر.
قلتُ: والراجح هو طهارته؛ لأن الشعر، والصوف لا تحله الحياة، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٩٨)، ومثله على الصحيح أيضًا القرن، والظلف، والظفر؛ فإنها طاهرة، ورجح ذلك شيخ الإسلام أيضًا كما في «الفتاوى» (٢١/ ٩٧). (١)
مسألة [٤]: شيئان مستثنيان من عموم الحديث المتقدم .
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: ولكن استثنى العلماء رحمهم الله تعالى مسألتين:
الأولى: الطريدة، وهي الصيد يطرده الجماعة، فلا يدركونه، فيذبحونه، لكنهم يضربونه بأسيافهم، أو خناجرهم، فهذا يَقُصُّ رجله، وهذا يقصُّ يده، وهذا يقص رأسه حتى يموت، وليس فيها دليل عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، إلا أنَّ ذلك فعل الصحابة ﵃.اهـ
قلتُ: في المغني لابن قدامة ﵀ (١٣/ ٢٨١): قال أحمد: حدثنا هشيم، عن منصور، عن الحسن، أنه كان لا يرى بالطريدة بأسا، كان المسلمون يفعلون ذلك في مغازيهم، وما زال الناس يفعلونه في مغازيهم. واستحسنه أبو عبد الله. قال: والطريدة الصيد يقع بين القوم، فيقطع ذا منه بسيفه قطعة، ويقطع الآخر أيضًا،
стр. 105
حتى يؤتى عليه وهو حي. قال: وليس هو عندي إلا أن الصيد يقع بينهم، لا يقدرون على ذكاته، فيأخذونه قطعا. اهـ
الثانية: المسك وفأرته، ويكون من نوعٍ من الغزلان، يسمى غزال المسك، يقال: إنهم إذا أرادوا استخراج المسك؛ فإنهم يركضونه، فينزل منه دمٌ من عند سُرَّتِهِ، ثم يأتون بخيط شديد، قوي، فيربطون هذا الدم النازل ربْطًا قويًّا من أجل أن لا يتصل بالبدن، فيتغذى بالدم، فإذا أخذ مُدَّةً؛ فإنه يسقط، ثم يجدونه من أطيب المسك رائحة، وهذا الوعاء يسمى فأرة المسك، والمسك هو الذي في جوفه، فهذا انفصل من حي، وهو طاهر على قول أكثر العلماء. انتهى. (١)
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٥٥٣٢):
وَالْمَشْهُورُ أَنَّ غَزَالَ الْمِسْكِ كَالظَّبْيِ لَكِنْ لَوْنُهُ أَسْوَدُ، وَلَهُ نَابَانِ لَطِيفَانِ أَبْيَضَانِ فِي فَكِّهِ الْأَسْفَلِ، وَأَنَّ الْمِسْكَ دَمٌ يَجْتَمِعُ فِي سُرَّتِهِ فِي وَقْتٍ مَعْلُومٍ مِنَ السَّنَةِ؛ فَإِذَا اجْتَمَعَ وَرِمَ الْمَوْضِعُ فَمَرِضَ الْغَزَالُ إِلَى أَنْ يَسْقُطَ مِنْهُ، وَيُقَالُ: إِنَّ أَهْلَ تِلْكَ الْبِلَادِ يَجْعَلُونَ لَهَا أَوْتَادًا فِي الْبَرِّيَّةِ تَحْتَكُّ بِهَا لِيَسْقُطَ. وَنَقَلَ ابن الصَّلَاحِ فِي «مُشْكِلِ الْوَسِيطِ»: أَنَّ النَّافِجَةَ فِي جَوْفِ الظَّبْيَةِ كَالْإِنْفَحَةِ فِي جَوْفِ الْجَدْيِ.
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْدِيٍّ الطَّبَرِيِّ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهَا تُلْقِيهَا مِنْ جَوْفِهَا كَمَا تُلْقِي الدَّجَاجَةُ الْبَيْضَةَ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهَا تُلْقِيهَا مِنْ سُرَّتِهَا؛ فَتَتَعَلَّقُ بِهَا إِلَى أَنْ تَحْتَكَّ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمِسْكَ طَاهِرٌ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْبَدَنِ
بَابُ الآنِيَةِ
١٤ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
١٥ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الَّذِي يَشْرَبُ فِي إنَاءِ الفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ (٢) فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: حكم الأكل، والشرب في آنية الذهب، والفضة .
حديثا الباب يدلان على تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة.
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» حديث (٢٠٦٥): قال أصحابنا: انعقد الإجماع على تحريم الأكل والشرب، وسائر الاستعمالات في إناء ذهب، أو فضة؛ إلا ما حُكي عن داود في تحريم الشرب فقط، ولعله لم يبلغه حديث تحريم الأكل، وقولٌ قديم للشافعي، والعراقيين، فقال بالكراهة دون التحريم، وقد رجع عنه، وتأوله أيضًا صاحب «التقريب» (٤)، ولم يحمله على ظاهره. انتهى بتصرف.
стр. 108
وقال الحافظ ﵀ في «الفتح» شرح حديث رقم (٥٦٣٢): ونقل ابن المنذر الإجماع على تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة؛ إلا عن معاوية بن قرة، أحد التابعين، فكأنه لم يبلغه النهي. اهـ
ثم ذكر مذهب الشافعي في القديم، ثم رجوعه عنه.
مسألة [٢]: حكم استعمال الذهب، والفضة في غير الأكل والشرب .
• ذهب الجمهور إلى تحريم استعمالهما في غير الأكل والشرب، قال القرطبي ﵀ كما في «الفتح» (٥٦٣٥): في الحديث تحريم استعمال أواني الذهب، والفضة في الأكل والشرب، ويلحق بهما ما في معناهما، مثل التطيب، والتكحل، وسائر وجوه الاستعمالات، وبهذا قال الجمهور، وأغربت طائفةٌ شَذَّت، فأباحت ذلك مطلقًا، ومنهم من قصر التحريم على الأكل والشرب، ومنهم من قصره على الشرب؛ لأنه لم يقف على الزيادة في الأكل. انتهى.
وقد تقدم نقل النووي للإجماع على تحريم الاستعمال، وكذا نقله ابن عبد البر، ولا يصح نقل الإجماع.
• قال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (١/ ٦٣): والحق ما ذهب إليه القائل بعدم تحريم غير الأكل والشرب فيهما؛ إذ هو ثابت بالنص، ودعوى الإجماع غير صحيحة، وهذا من شؤم تبديل اللفظ النبوي بغيره؛ فإنه ورد بتحريم الأكل والشرب فقط، فعدلوا عن عبارته إلى الاستعمال، وهجروا العبارة النبوية، وجاءوا بلفظ عام من تلقاء أنفسهم. اهـ
стр. 109
• وقال الشوكاني ﵀ في «النيل» (١/ ١١٦): ولا شك أنَّ أحاديث الباب تدل على تحريم الأكل والشرب، وأما سائر الاستعمالات فلا، والقياس على الأكل والشرب قياس مع الفارق، وأما حكاية النووي للإجماع على تحريم الاستعمال فلا تتم مع مخالفة داود، والشافعي، وبعض أصحابه، والحاصل أنَّ الأصل الحِل، فلا تثبت الحرمة إلا بدليل يسلمه الخصم، ولا دليل في المقام بهذه الصفة، فالوقوف على ذلك الأصل المعتضد بالبراءة الأصلية هو وظيفة المنصف الذي لم يخبط بسوط هيبة الجمهور، ولاسيما وقد أيد هذا الأصل حديث: «ولكن عليكم بالفضة، فالعبوا بها لعبًا»، أخرجه أحمد، وأبو داود، وشهد له ما سلف أنَّ أم سلمة جاءت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. والحديث في البخاري. انتهى بتصرف.
قلتُ: والحديث: «ولكن عليكم بالفضة، فالعبوا بها لعبًا»، أخرجه أحمد (٢/ ٣٣٤)، وأبو داود (٤٢٣٦)، وغيرهما، من حديث أبي هريرة، وفيه: أسيد بن أبي أسيد البراد، وفيه ضعفٌ، قال الدارقطني: يعتبر به. كما في «التهذيب».
• وقال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (١/ ٦٢): والصحيح أنَّ الاتخاذ، والاستعمال في غير الأكل، والشرب ليس بحرام؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن شيء مخصوص، وهو الأكل، والشرب، ولو كان المحرم غيرهما؛ لكان النبي ﷺ أبلغ الناس، وأبينهم في الكلام- لا يخص شيئًا دون شيء، بل إن تخصيصه الأكل والشرب دليل على أن ما عداهما جائز؛ لأن الناس ينتفعون بها في غير ذلك.
стр. 110
قال: ولو كانت حرامًا مطلقًا؛ لأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بتكسيرها؛ لأنها إذا كانت محرمة في كل الحالات ما كان لبقائها فائدة، ويدل على ذلك أنَّ أم سلمة، وهي راوية الحديث كان عندها جلجل من فضة، جعلت فيه شعيرات من شعر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فكان الناس يستشفون بها، فيشفون بإذن الله، وهذا في «صحيح البخاري»، وهذا استعمال في غير الأكل والشرب. انتهى.
مسألة [٣]: اتخاذ الآنية من الذهب، والفضة دون استعمال .
• ذهب جمهور أهل العلم إلى تحريم اتخاذها، قياسًا على تحريم استعمالها، كما في «شرح المهذب» (١/ ٢٥٢).
• وذهب الشافعي في رواية عنه إلى جواز اتخاذها، وهو قول من تقدم أن رجحوا جواز استعمالها، ويدل عليه حديث أم سلمة السابق في المسألة السابقة، والله أعلم.
وهو قول أبي حنيفة، وأحمد في قول، كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٨٦). (١)
مسألة [٤]: استعمال الآنية من نفائس المعادن، كالياقوت، واللؤلؤ، والجواهر في الأكل، والشرب، وغيرهما .
قال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (١/ ٦٣): ثم هل يلحق بالذهب والفضة نفائس الأحجار، كالياقوت، والجواهر؟ فيه خلافٌ، والأظهر عدم إلحاقه، وجوازه على أصل الإباحة؛ لعدم الدليل الناقل عنها. انتهى.