١٥٢١ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مِنْ شَيْءٍ فِي المِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
في هذا الحديث فضلٌ عظيم لحسن الخلق، و «حسن الخلق» لفظ جامعٌ يشمل حسن الخلق مع الله بالتوحيد، والعبادة، والاعتقاد الصحيح.
ويشمل حسن الخلق مع الناس بكف الأذى، وبذل الندى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وحسن الخلق مع الناس منه ما هو جِبِلِّي، ومنه ما هو مكتسب، فإذا رزق الله الإنسانَ حسنَ الخلق؛ فعليه أن يحمد الله على ذلك، وليعلم أنَّ ذلك من فضل الله عليه، وإن كان محرومًا من حسن الخلق فعليه أن يسأل ربَّه أن يوفقه لذلك، وقد كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في استفتاحه في الصلاة: «اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت»، أخرجه مسلم (٧٧١)، عن علي بن أبي طالب ﵁.
стр. 5917
١٥٢٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
١٥٢٣ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (٢)
الأدب المستفاد من الحديثين
في هذين الحديثين بيان أنَّ الحياء من الإيمان، وفي حديث عمران بن حصين ﵁ في «الصحيحين» (٣): «الحياء لا يأتي إلا بخير»، وعن أبي هريرة ﵁ عند أحمد (٢/ ٥٥١)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاءة من الجفاء، والجفاء في النار»، وهو في «الصحيح المسند» (١٤٢٨)، لشيخنا مقبل الوادعي ﵀.
وفي حديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين»: «والحياء شعبة من الإيمان» (٤)، وفي حديث ابن عمر ﵄ عند الحاكم (١/ ٢٢)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «الحياء والإيمان قُرِنا جميعًا، فإذا رُفع أحدهما رُفِع الآخر»، وهو في «الصحيح المسند» (١٧٥٢)، لشيخنا ﵀.
стр. 5918
والحياء هو كما عرَّفه ابن مفلح ﵀ في «الآداب الشرعية» (٢/ ٢٢٧): خلق يبعث على فعل الحسن، وترك القبيح. اهـ
وقال الكفوي ﵀ كما في «الكليات» (ص ٤٠٤): الحياء هو انقباض النفس عن القبيح مخافة اللوم، وهو الوسط بين الوقاحة التي هي الجرأة على القبائح، وعدم المبالاة بها، والخجل الذي هو انحصار النفس عن الفعل مطلقًا. اهـ
وقوله في حديث الباب: «فاصنع ما شئت» للتهديد، والله أعلم.
قلتُ: ويتفاوت الحياء بتفاوت الإيمان؛ لحديث ابن عمر ﵄، فالكافر لا حياء له، والمؤمن العاصي حياؤه أقل من حياء المؤمن الطائع، وبالله التوفيق.
تنبيه: الحياء يشمل ترك ما يقبح شرعًا، وترك ما يقبح عرفًا، إذا لم يخالف الشرع، وأما ترك الطاعة، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو شيئًا من سنة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأجل الناس؛ فهذا ليس بحياء، وإنما هو ضعف، وخور، وذل، وأما الخجل فهو يشمل ترك ما يقبح وما لا يقبح كما تقدم.
стр. 5919
١٥٢٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلَى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُك وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَك شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْت كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ اللهُ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
يُستفاد من الحديث أنَّ المؤمن المتمسك بالكتاب والسنة، والثابت على طاعة الله أحب إلى الله من المؤمن الضعيف العزيمة في أعمال الخير.
قال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (٤/ ٢٠٧٨): الْمُرَادُ مِنْ الْقَوِيِّ: قَوِيُّ عَزِيمَةِ النَّفْسِ فِي الْأَعْمَالِ الْأُخْرَوِيَّةِ؛ فَإِنَّ صَاحِبَهَا أَكْثَرُ إقْدَامًا فِي الْجِهَادِ، وَإِنْكَارِ الْمُنْكَرِ، وَالصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى فِي ذَلِكَ، وَاحْتِمَالِ الْمَشَاقِّ فِي ذَاتِ الله، وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِهِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا، وَالضَّعِيفُ بِالْعَكْسِ مِنْ هَذَا؛ إلَّا أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ الْخَيْرِ؛ لِوُجُودِ الْإِيمَانِ فِيهِ، ثُمَّ أَمَرَهُ ﷺ بِالْحِرْصِ عَلَى طَاعَةِ الله، وَطَلَبِ مَا عِنْدَهُ، وَعَلَى طَلَبِ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ فِي كُلِّ أُمُورِهِ؛ إذْ حِرْصُ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إعَانَةِ الله لَا يَنْفَعُهُ.
إذَا لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِنْ الله لِلْفَتَى ... فَأَكْثَرُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ
стр. 5920
وَنَهَاهُ عَنْ الْعَجْزِ وَهُوَ التَّسَاهُلُ فِي الطَّاعَاتِ وَقَدْ اسْتَعَاذَ مِنْهُ ﷺ .اهـ
ثم أمر -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالإيمان بالقدر، وعدم التسخط بقوله: «لو فعلتُ كذا؛ لكان كذا».
ويُستفاد من ذلك وجوب الصبر على البلاء، والإيمان بالقدر؛ فذلك يُهَوِّنُ على العبد ما أصابه من البلاء، وبالله العصمة والتوفيق.
١٥٢٦ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ بِالغَيْبِ رَدَّ اللهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ القِيَامَةِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ. (١)
١٥٢٧ - وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ نَحْوُهُ. (٢)
الأدب المستفاد من الحديث
يُستفاد من الحديث فضيلة من ردَّ عن عرض أخيه بالغيب، كما صنع معاذ بن جبل ﵁ عند أن سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بتبوك: «ما فعل كعب بن مالك؟» فقال رجلٌ: حبسه بُرداه والنظر في عطفيه. فقال معاذ بن جبل ﵁: بئسما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا. متفق عليه.
ولا يجوز لمسلم أن يستمع الغيبة، ولا ينكر ذلك، فقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه؛ فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» أخرجه مسلم عن أبي سعيد ﵁.
стр. 5923
١٥٢٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إلَّا رَفَعَهُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (١)
الآداب المستفادة من الحديث
يُستفاد من الحديث أنَّ الصدقة لا تنقص المال؛ فإنَّ الله عزوجل يبارك لصاحب الصدقة في ماله، ويدفع عنه الآفات، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩].
ويُستفاد منه أنَّ الذي يعفو عمن أساء إليه؛ فإنَّ الله تعالى يجعل له عِزًّا، وعظمة في القلوب، ويُستفاد منه أن المتواضع يزيده الله رفعة.
ففي الحديث حثٌّ على الصدقة، والعفو، والتواضع، وهذه من مكارم الأخلاق، نسأل الله عزوجل أن يوفقنا لذلك.
стр. 5924
١٥٢٩ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ سَلَامٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ وَصِلُوا الأَرْحَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلَامٍ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
فيه فضلٌ عظيم لمن جمع خِصال الخير المذكورة في الحديث، وأنَّ ذلك سببٌ لدخول الجنة، فينبغي للمسلم أن يحرص على جمع هذه الخصال في نفسه، نسأل الله عزوجل أن يوفقنا وجميع المسلمين لذلك، والله المستعان.
стр. 5925
١٥٣٠ - وَعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» ثَلَاثًا قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «للهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
بيَّن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنَّ الدين هو النصيحة لله، وذلك بتوحيده، وإخلاص الأعمال له ، والاعتقاد الصحيح به، وبأمور الغيب، والنصيحة لرسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وذلك باتِّبَاع هديه، وبالإيمان برسالته، والنصيحة للقرآن بالعمل به، وباعتقاد أنه كلام الله غير مخلوق.
والنصيحة لولاة الأمر بطاعتهم في طاعة الله، وعدم الخروج عليهم، وإرشادهم للخير، وتحذيرهم من الشر مع الاحترام والتقدير، والسمع والطاعة.
والنصيحة لعامة المسلمين بتعليمهم الخير، والعلم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وغير ذلك. فنسأل الله عزوجل أن يجعلنا من عباده الناصحين.
стр. 5926
١٥٣١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ الجَنَّةَ تَقْوَى اللهِ وَحُسْنُ الخُلُقِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
في الحديث الحث على تقوى الله، وحسن الخلق، وأنَّ ذلك سبب لدخول الجنة، وتقوى الله هو أن يُطاع الله فيما أمر بفعله، وفيما نهى عنه باجتنابه؛ ابتغاء وجه الله .
وقد جاءت الأدلة المتكاثرة من الكتاب والسنة أنَّ من اتقى الله فجزاؤه الجنة، وكذلك من أحسن خلقه.
فنسأل الله عزوجل أن يرزقنا التقوى، وحسن الخلق، وبالله التوفيق.
стр. 5927
١٥٣٢ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّكُمْ لَا تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ لِيَسَعْهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الوَجْهِ وَحُسْنُ الخُلُقِ». أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
فيه الحث على معاملة الناس بالأخلاق الحسنة، وقد تأثر كثير من الناس بحسن خلق رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ فأسلموا، وينبغي للداعي إلى الله أن يدعو الناس بأعماله كما يدعوهم بأقواله، وكثيرٌ من الناس يتأثرون بالفعل أكثر من تأثرهم بالقول، وكما قيل:
لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليحسن النطق إن لم يحسن الحال
بل قال ربُّنَا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩].
وقال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢].
стр. 5928
١٥٣٣ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «المُؤْمِنُ مِرْآةُ المُؤْمِنِ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
المراد من الحديث أنَّ المؤمن لأخيه المؤمن كالمرآة التي ينظر فيها وجهه، فيرى عيوبه فيها، فكذلك المؤمن يطلع أخاه على ما فيه من عيب، وينبهه على إصلاحه، ويرشده إلى ما يزينه عند مولاه تعالى، وإلى ما يزينه عند عباده، وهذا داخلٌ في النصحية.
وفي الحديث الآخر: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» وشبَّك بين أصابعه. متفق عليه عن أبي موسى الأشعري ﵁.
стр. 5929
١٥٣٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «المُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَهُوَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ الصَّحَابِيَّ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
قال الصنعاني ﵀ في «السبل» (٤/ ٢٠٨٧): فِيهِ أَفْضَلِيَّةُ مَنْ يُخَالِطُ النَّاسَ مُخَالَطَةً يَأْمُرُهُمْ فِيهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَيُحْسِنُ مُعَامَلَتَهُمْ؛ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الَّذِي يَعْتَزِلُهُمْ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى الْمُخَالَطَةِ، وَالْأَحْوَالُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَزْمَانِ، وَلِكُلِّ حَالٍ مَقَالٌ، وَمَنْ رَجَّحَ الْعُزْلَةَ فَلَهُ عَلَى فَضْلِهَا أَدِلَّةٌ. اهـ
قلتُ: ولكن إذا خالط؛ فلا يكون ذلك مع ارتكابه المعاصي، والمداهنة فيها، وإنما يكون للنصح والإنكار، وفي وقت لا يشارك فيه في معصية الله.
стр. 5930
١٥٣٥ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اللهُمَّ حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
فيه الحث على سؤال الإنسان من ربه أن يرزقه حسن الخلق؛ فهو من فضل الله يهب ذلك لمن يشاء، وقد كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يكرر الدعاء في ذلك كما تقدم في حديث قطبة ﵁.
стр. 5931
بَابُ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ
الذِّكر: مصدر ذَكَرَ، وهو ما يجري على اللسان، والقلب، والمراد به هنا ذكر الله.
والدُّعاء: مصدر دعا، وهو الطلب، وهو قسمان:
دعاء مسألة: وهو أن يسأل ربه أن يرزقه شيئًا، أو أن يدفع عنه شيئًا.
والآخر دعاء العبادة: وهو الانقياد لله بالطاعة، وسُمِّي دعاءً؛ لأنه يتضمن سؤال الله رضوانه، والجنة، والاستعاذة من النار.
١٥٣٩ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا قَعَدَ قَوْمٌ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرُوا اللهَ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ القِيَامَةِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ. (١)
الأدب المستفاد من الأحاديث
في الأحاديث المذكورة الحث على ذكر الله، وبيان أنَّ له فضلًا عظيمًا.
ومثلها حديث أبي الدرداء عند الترمذي (٣٣٧٧)، وغيره أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ألا أنبئكم بأفضل أعمالكم، وأرفعها في درجاتكم، وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إنفاق الذهب، والوَرِق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «ذكر الله».
وفي «الترمذي» (٣٣٧٥)، عن عبدالله بن بسر أنَّ رجلًا جاء إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال: يا رسول الله، إنَّ شرائع الإسلام قد كثرت عليَّ، فَمُرْنِي بشيء أتشبث به. فقال: «لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله»، وإسناده حسن.
وكقوله: «سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ».
وكقوله: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله».
فينبغي للمؤمن أن يحمد الله على تيسير الله لنا باب الحسنات، والمغفرة بهذه الكلمات الخفيفة على اللسان التي تسبب رضوان الله، ونيل مغفرته، ورحمته، وعلى المؤمن أن يُكثِرَ من الذكر بهذه الأذكار ما استطاع.
نسأل الله عزوجل أن يعينناعلى ذكره، وشكره، وحسن عبادته.
стр. 5937
١٥٤٦ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إنَّ الدُّعَاءَ هُوَ العِبَادَةُ». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. (١)
١٥٤٧ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِلَفْظِ: «الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَةِ». (٢)
١٥٤٨ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ رَفَعَهُ: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ مِنَ الدُّعَاءِ». وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ. (٣)
الأدب المستفاد من الأحاديث
في الأحاديث المتقدمة فضل الدعاء، وبيان أنَّ الدعاء هو العبادة؛ وذلك لأنَّ الدعاء يشمل المسألة، ودعاء العبادة.
وقد تقدم بيان ذلك في أول الباب؛ وعليه فلا يجوز لإنسان أن يُدعو أحدًا غير الله؛ فإنَّ دعاء غير الله يُعتبر شركًا، قال الله عزوجل: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف:٥]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
стр. 5938
١٥٤٩ -
وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الدُّعَاءُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ لَا يُرَدُّ». أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
في هذا الحديث بيان أن من أوقات إجابة الدعاء، بين الأذان والإقامة، فَيُسْتَحَبُّ تَحَرِّي هذا الوقت بالدعاء، وكذلك الأوقات الأُخرى التي وردت الأدلة بأنها من أوقات الإجابة، مثل الدعاء في آخر الليل، وفي السجود، وفي ساعة الجمعة وغيرها.
١٥٥١ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا مَدَّ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ لَمْ يَرُدَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. (١)
وَلَهُ شَوَاهِدُ، مِنْهَا:
١٥٥٢ - حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد، وَغَيْرِهِ، وَمَجْمُوعُهَا يَقْضِي بِأَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ. (٢)
الآداب المستفادة من الأحاديث
يُستفاد من هذه الأحاديث استحباب رفع اليدين عند الدعاء، وقد تواتر فعل ذلك عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فيستحب رفع اليدين؛ إلا أن يكون موضعًا تحرَّى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عدم الرفع فيه.
стр. 5941
وأما مسح الوجه باليدين عَقِبَ الدعاء فالحديث ضعيفٌ لا يصلح للعمل به، فالمسح على الوجه عقب الدعاء من البدع، ولو كان من هدي النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لَنُقِل إلينا في حديث صحيح.
ودلَّ حديث سلمان أنَّ رفع اليدين في الدعاء من أسباب الإجابة.
ومن أسباب الإجابة، وآداب الدعاء أنْ يثني على الله بين يدي الدعاء، وأن يدعو على وضوء، وأن يكون مستقبلًا القبلة، وكل ذلك فعله رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
стр. 5942
١٥٥٣ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ القِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
فيه استحباب كثرة الصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقد دلَّ على ذلك حديث أبي هريرة، وعبدالله بن عمرو بن العاص ﵃ عند مسلم (٤٠٨)(٣٨٤)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من صلى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليها بها عشرًا».
ورَوَى البخاري في «الأدب المفرد» (٦٤٣)، عن أنسٍ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من صلَّى عليَّ واحدة صلَّى الله عليه بها عشرًا، وحطَّ عنه عشر خطيئات»، وهو في «الصحيح المسند» لشيخنا ﵀.
وفي الحديث: «البخيل من ذُكِرت عنده؛ فلم يُصَلِّ عليَّ».
أخرجه الترمذي (٣٥٤٦)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٥٥، ٥٦)، وأحمد (١/ ٢٠١)، من حديث الحسين بن علي ﵄، وهو حديث حسن.
стр. 5943
١٥٥٤ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ العَبْدُ: اللهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ خَلَقْتنِي، وَأَنَا عَبْدُك، وَأَنَا عَلَى عَهْدِك وَوَعْدِك مَا اسْتَطَعْت، أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْت، أَبُوءُ لَك بِنِعْمَتِك عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
يُستفاد من الحديث الحث على الاستغفار بهذا الدعاء العظيم، وقد بيَّن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنَّ من مات بعده؛ دخل الجنة، ففي الحديث: «من قالها من النهار مُوقِنًا بها، فمات من يومه قبل أن يُمسي؛ فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل و هو موقنٌ بها، فمات قبل أن يصبح؛ فهو من أهل الجنة».
стр. 5944
١٥٥٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُ هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ حِينَ يُمْسِي، وَحِينَ يُصْبِحُ: «اللهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك العَافِيَةَ فِي دِينِي، وَدُنْيَايَ، وَأَهْلِي وَمَالِي، اللهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنِ رَوْعَاتِي، وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِك أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي». أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
يُستفاد من الحديث أنَّ هذا الذكر العظيم يستحب أن يحافظ عليه في الصباح، والمساء كما كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصنع؛ فإنَّ فيه سؤال الله العافية في جميع أمور العبد، ومن عافاه الله فقد أكرمه.
وفيه سؤال الله عزوجل الحفظ في بدنه ودنياه.
ومعنى قوله: «أن أُغتال من تحتي»، أي: أن يُخسَف به في الأرض، أو يُقتَل بأمرٍ مِنْ تَحته خفية.
وفيه سؤال الله عزوجل بأن يستر عوراته، وهي جمع عورة، وهي ما قبح منه، وأن يُؤَمِّنَ روعاته، أي: مخاوفه في الدنيا والآخرة.
فعلى المسلم أن يحافظ على هذا الذكر العظيم؛ لِمَا جمع من معاني عظيمة، وجليلة، وبالله التوفيق.
стр. 5945
١٥٥٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «اللهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِك، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِك، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِك، وَجَمِيعِ سَخَطِك». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
في هذا الحديث العظيم استعاذة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من زوال النعمة، ويشمل النعمة العامة، وهي نعمة المال، والصحة، والنعمة الخاصة وهي نعمة الدين، والاستقامة.
وفيه الاستعاذة من تحول العافية، ويشمل أيضًا العافية من المصائب، والأسقام، والعافية من الفتن.
وفيه الاستعاذة من فجاءة النقمة، ولا يكون ذلك إلا بذنوب يؤاخذ الله بها العبد.
فنسأل الله عزوجل أن يوفقنا لطاعته، وأن يسددنا لما فيه صلاحنا في الدنيا والآخرة.
стр. 5946
١٥٥٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «اللهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ العَدُوِّ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
يُستفاد من الحديث أنه ينبغي للمسلم أن يتعوذ من غلبة الدين، وأن يحذر من كثرة الديون ما استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ فإنَّ الإنسان إذا غرم حَدَّثَ فكذب، ووعد فأخلف، كما قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
ويُستفاد منه أيضًا الاستعاذة من غلبة العدو، ومن شماتة الأعداء؛ فإنَّ ذلك عقوبة من الله ، فنسأل الله حسن العافية.
ومعنى: «غلبة الدَّيْن»، أي: كثرته، بحيث يغلبه عن القضاء.
ومعنى: «غلبة العدو»، أي: قهر العدو، بأن يظلمني في مالٍ، أو عِرْضٍ، أو بدنٍ، سواء كان عدوًّا كافرًا، أو مسلمًا.
ومعنى: «شماتة الأعداء»، أي: فرح العدو بالضُرِّ الذي يقع بالإنسان.
стр. 5947
١٥٥٨ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَقُولُ: اللهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّك أَنْتَ اللهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدِ، فَقَالَ: «لَقَدْ سَأَلَ اللهَ بِاسْمِهِ الَّذِي إذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
من أسباب إجابة الدعاء تقديم الثناء على الله بين يدي الدعاء، ومن ذلك ما جاء في هذا الحديث من تقديم الدعاء بهذا الثناء العظيم الذي تضمن الاسم الأعظم، وهو (الله) في سياق التوحيد.
وأما إذا قلنا (الله) بدون سياق التوحيد، فيقتضي أن جميع الأدعية التي فيها (اللهم) يكون فيها الاسم الأعظم.
ويدل على ذلك أنَّ هذا الاسم (الله) في سياق التوحيد، هو الذي وجد في الحديثين اللذين تضمنا الاسم الأعظم، أحدهما: حديث بريدة الذي بين أيدينا، والثاني: حديث أنس عند ابن ماجه (٢/ ١٢٦٨)، أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سمع رجلًا يقول: اللهم إني أسألك بأنَّ لك الحمد، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، المنان،
стр. 5948
بديع السموات والأرض، ذو الجلال والإكرام. فقال: «لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب»، وهو حديث حسن، وقد حسنه الإمام الوادعي ﵀ في «الصحيح المسند» (١٠١).
وكذلك إذا تأملت بعض الأحاديث التي فيه أن الدعاء مستجاب؛ تجد فيها اسمه سبحانه (الله) في سياق التوحيد، مثل دعاء سيد الاستغفار، ومثل دعوة ذي النون ﵇.
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الاسم الأعظم هو (الحي القيوم).
ويرد ذلك حديث بريدة، فليس فيه هذان الاسمان، وأيضًا فإن هذين اسمان، وفي الحديث «الاسم الأعظم»، فتقديم الدعاء بمثل هذين الثناءين العظيمين سبب لإجابة الدعاء، ومن ذلك تقديم الدعاء بـ (يا ذا الجلال والإكرام)؛ لحديث: «ألظوا بياذا الجلال والإكرام» أخرجه أحمد (٣٣٢)، عن ربيعة بن عامر بإسناد حسن.
стр. 5949
١٥٥٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا أَصْبَحَ يَقُولُ: «اللهُمَّ بِك أَصْبَحْنَا وَبِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِك نَحْيَا، وَبِك نَمُوتُ، وَإِلَيْك النُّشُورُ» وَإِذَا أَمْسَى قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، إَلَّا أَنَّهُ قَالَ: «وَإِلَيْك المَصِيرُ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
يستفاد من الحديث المحافظة على هذا الذكر في الصباح والمساء كما كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقوله.
وفيه -أعني هذا الدعاء- تفويض الأمور كلها إلى الله ، فكل شيء يحصل للإنسان، أو يفعله الإنسان؛ فكله بحول الله، وقوته، ومشيئته ، وبالله التوفيق.
стр. 5950
١٥٦٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
قال النووي ﵀ (٢٦٨٨): وأظهر الأقوال في تفسير الحسنة في الدنيا أنها العبادة والعافية، وفي الآخرة الجنة والمغفرة. وقيل: الحسنة تعم الدنيا والآخرة. اهـ
وقد كان هذا الدعاء من أكثر ما يدعو به النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لأنه من جوامع الدعاء، فقد جمع خير الدنيا والآخرة.
وفي «سنن أبي داود» (١٤٨٢)، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يدعو بجوامع الدعاء، ويترك ما سوى ذلك. وهو في «الصحيح المسند» لشيخنا الوادعي ﵀.
стр. 5951
١٥٦١ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي، وَخَطَئِي وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرَتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ المُقَدِّمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
فيه تواضع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وخشيته، فقد كان يدعو لنفسه بالمغفرة مع أنَّ الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فنحن أولى بأنْ ندعو بهذا الدعاء العظيم.
واختلفوا في قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي»:
فقيل: قاله تواضعًا.
وقيل: عدَّ على نفسه فوات الكمال ذنوبًا.
وقيل: أراد ما كان سهوًا.
وقيل: ما كان قبل النبوة.
وقيل: إنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد يقع في خطإٍ صغير، وتكون العصمة من كبائر الذنوب، ومن صغارها الخسيسة، ولكن الله يعصمه من الإقرار عليها؛ فالأنبياء معصومون من الكبائر، ومن الإقرار على الصغائر، وهذا هو الصحيح، والله أعلم. (٢)
عَمَلٍ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَيْته لِي خَيْرًا». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ. (١)
الأدب المستفاد من هذه الأحاديث
هذه الأحاديث التي تقدمت كلها من جوامع الدعاء، فينبغي للمسلم أن يحفظها، وأن يدعو الله بها؛ اقتداءً بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لأنَّ الدعاء سبب حصول الخير، والهدى، والرشاد، وعلى المسلم أن يُكثر من هذه الأدعية، ولا يتعجل استجابة الدعاء؛ فإنَّ ذلك سببٌ لعدم الإجابة، قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل»، أخرجه البخاري (٦٣٤٠)، ومسلم (٢٧٣٥) عن أبي هريرة ﵁.
وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثمٌ ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله إحدى ثلاث: إما أن تُعَجَّل له دعوته، وإما أن يُدفع عنه من السوء مثلها، وإما أن تُدَّخَر له في الآخرة»، أخرجه أحمد (٣/ ١٨)، عن أبي سعيد الخدري ﵁، بإسناد صحيح.
وعلى المسلم إذا دعا ربَّه أن يُحسِن الظن بالله، ويرجو منه الإجابة، ففي
стр. 5954
«الصحيحين» عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي».
وعلى المسلم أن يدعوَ بقلبٍ حاضرٍ، غير ساهٍ ولا لاهٍ، وأن يجتنب ما يمنع إجابة الدعاء، كالأكل الحرام، والملبس الحرام، وتَعَجُّل الإجابة، وقطيعة الرحم، والبغي، والاعتداء في الدعاء، وبالله التوفيق.
стр. 5955
١٥٦٦ - وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ». (١)
الأدب المستفاد من الحديث
إنَّ من فضل الله على عباده أن يأجرهم، ويثيبهم الثواب الجزيل، والأجر العظيم على أعمال يسيرة، ففي هذا الحديث أنَّ من قال: «سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الله العَظِيمِ» ثقَّل الله بها موازينه يوم القيامة؛ فعلى المسلمين أن يحمدوا الله على هذا الخير، وأن يبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن يَفْنَى العمر، ويندم الإنسان حيث لا ينفع الندم.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:٩ - ١١].
وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠].
وقد ختم الحافظ ﵀ هذا الكتاب المفيد بهذا الحديث؛ اقتداءً بالبخاري