قال ابن رجب ﵀ في «جامع العلوم والحكم»: والخلف في الوعد على نوعين: أحدهما: أن يَعِدَ ومن نيته أن لا يفي بوعده، وهذا أشر الخلف، ولو قال: أفعل كذا إن شاء الله تعالى، ومن نيته أن لا يفعل، كان كذبا وخلفا، قاله الأوزاعي. الثاني: أن يعد ومن نيته أن يفي، ثم يبدو له فيخلف من غير عذر له في الخلف.، والله أعلم. اهـ
وقال ﵀: وقد أمر الله بالوفاء بالعهد، فقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]، وفي «الصحيحين» عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به» (١) وفي رواية: «إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة، فيقال: ألا هذه غدرة فلان» (٢)، وخرجاه أيضا من حديث أنس بمعناه (٣). وخرج مسلم من حديث أبي سعيد، عن النبي ﷺ ، قال: «لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة» (٤).
والغدر حرام في كل عهد بين المسلم وغيره، ولو كان المعاهد كافرًا، ولهذا
стр. 5882
في حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ : «من قتل نفسا معاهدا بغير حقها لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما» خرَّجه البخاري (١).
وقد أمر الله تعالى في كتابه بالوفاء بعهود المشركين إذا أقاموا على عهودهم، ولم ينقضوا منها شيئا. وأما عهود المسلمين فيما بينهم، فالوفاء بها أشد، ونقضها أعظم إثما. ومن أعظمها: نقض عهد الإمام على من تابعه، ورضي به، وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، فذكر منهم: ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه ما يريد وفَى له، وإلا لم يفِ له» (٢)، ويدخل في العهود التي يجب الوفاء بها، ويحرم الغدر فيها: جميع عقود المسلمين فيما بينهم إذا تراضوا عليها من المبايعات والمناكحات، وغيرها من العقود اللازمة التي يجب الوفاء بها، وكذلك ما يجب الوفاء به لله مما يعاهد العبد ربه عليه من نذر التبرر ونحوه. اهـ
стр. 5883
١٤٨٥ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
يستفاد من الحديث تحريم سب المسلم، وأنَّ ذلك سبب من أسباب الفسوق، ويحرم قتله بغير حق.
وقوله: «وقتاله كفر»، ذكر العلماء أنه كفرٌ دون كفر، مالم يستحل ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠].
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، فأثبت الأُخُوَّةَ الإيمانية مع وجود القتل.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
стр. 5884
١٤٨٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
الظن: هو ما يخطر بالنفس من التجويز المحتمل للصحة والبطلان، فيحكم به ويعتمل عليه، هكذا فسره ابن الأثير في «النهاية».
وقال الخطابي ﵀: المراد التهمة، ومحل التحذير، والنهي إنما هو عن التهمة التي لا سبب لما يوجبها. اهـ
وقال النووي ﵀: والمراد التحذير من تحقيق التهمة والإصرار عليها، وتقررها في النفس دون ما يعرض ولا يستقر؛ فإنَّ هذا لا يكلف به كما في الحديث: «تجاوز الله عن أمتي ما حدَّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» (٢)، ونقله عياض عن سفيان. اهـ (٣)
стр. 5885
١٤٨٧ - وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
يستفاد من ا لحديث فائدة عظيمة وهي أنَّ كل من تولَّى مسؤولية صغيرة أو كبيرة؛ فهو مؤتَمَنٌ عليها؛ فإنْ أدَّى الأمانة، وأطاع الله عزوجل فيها فقد أفلح، وإن غشَّ وخان فقد عرَّض نفسه لسخط الله عزوجل، نسأل الله العافية.
١٤٨٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اللهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (٢)
الأدب المستفاد من الحديث
يستفاد من الحديث أنه يجب على ولي الأمر أن يرفق بالمسلمين، وأن ييسر عليهم أمورهم، وإنْ لم يفعل فالأمر عليه شديد، وإن رفق بهم فسيرفق الله به.
وفي الحديث الآخر: «من ولَّاه الله شيئًا من أمور المسلمين، فاحتجب دون حاجتهم، وخلَّتهم، وفقرهم؛ احتجب الله دون حاجته يوم القيامة» أخرجه أبو داود، والترمذي من حديث أبي مريم الأزدي ﵁. (٣)
стр. 5886
١٤٨٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ؛ فَلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
في الحديث تحريم ضرب الوجه، سواء كان في الخصومة أو الحدود، فلا يجوز ضربه؛ لأن الوجه ضعيف، وفيه المحاسن، وأكثر الحواس، وقد تقدم هذا الحديث مع ذكر بعض الأحكام المتعلقة به في [باب حد الشارب] من [كتاب الحدود].
١٤٩٠ - وَعَنْهُ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْصِنِي قَالَ: «لَا تَغْضَبْ»، فَرَدَّدَ مِرَارًا، وَقَالَ: «لَا تَغْضَبْ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (٢)
الأدب المستفاد من الحديث
في الحديث أنه يجب على المسلم أنْ لا يغضب، قيل: المقصود منه أن يجتنب أسباب الغضب. وقيل: المراد أن لا ينفذ غضبه بفعل ما أمره غضبه بفعله. وقد قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. (٣)
стр. 5887
١٤٩١ - وَعَنْ خَوْلَةَ الأَنْصَارِيَّةِ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
في هذا الحديث دلالة على أنَّ المسلم لا يجوز له أن ينفق ماله إلا فيما أذن الله فيه، فنعمة المال التي خوَّلها الله الإنسان لا تُشكر إلا بذلك، فإذا صرف الإنسان ماله فيما لم يأذن به الله فذلك إضاعة المال التي نهى عنها الشرع، وبالله التوفيق.
١٤٩٢ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِيه عَنْ رَبِّهِ قَالَ: «يَا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (٢)
الأدب المستفاد من الحديث
في هذا الحديث تحريم الظلم، سواء ظلمه لنفسه، أو الناس، وقد تقدم الكلام على ذلك عند الحديث رقم (١٤٨٠).
стр. 5888
١٤٩٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الغِيبَةُ؟»، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «ذِكْرُك أَخَاك بِمَا يَكْرَهُ»، قِيلَ: أَفَرَأَيْت إنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْته، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
بيَّن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنَّ الغيبة ذكر الإنسان أخاه بما يكره في حال غيبته، وبيَّن ﵊ أنَّ الإنسان إذا ذكر أخاه بما ليس فيه؛ فإنَّ ذلك بُهتان، وفي الحديث: «ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال» أخرجه أبو داود (٣٥٩٧)، من حديث ابن عمر ﵄، بإسناد صحيح.
وقد بيَّن أهلُ العلم أنَّ ذكر مساوئ بعض الناس للنصح ليس من الغيبة، بل ذلك مشروع بالإجماع، وقد يجب ذلك في بعض الأحوال.
وقد جمع بعضهم الأمور التي تجوز فيها الغيبة نصحًا لله عزوجل، فقال:
الذم ليس بغيبة في ستة ... مُتَظَلِّمٍ ومُعَرِّفٍ ومُحَذِّر
ومُجاهِرٍ فسقًا ومُستَفْتٍ ومَنْ ... طلب الإعانة في إزالةِ مُنْكَر
والأدلة على هذه الأمور معروفةٌ مشهورة.
стр. 5889
١٤٩٤ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوَانًا، المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ: لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا -وَيُشِيرُ إلَى صَدْرِهِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (١)
الآداب المستفادة من الحديث
في هذا الحديث العظيم فوائد كثيرة، ففيه تحريم الحسد، وقد تقدم الكلام عليه في أول الباب، وفيه تحريم التباغض بين المسلمين، والتدابر بينهم، وهو الإعراض، والهجر، مأخوذ من أن يولي كل واحد صاحبه دبره. وفيه تحريم البيع على بيع أخيه، وقد ذكرنا ذلك في البيوع.
وفيه تحريم احتقار الرجل لأخيه المسلم، وفيه عِظَمُ حقِّ المسلم على المسلم في دمه، وماله، وعرضه.
стр. 5890
١٤٩٥ - وَعَنْ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «اللهُمَّ جَنِّبْنِي مُنْكَرَاتِ الأَخْلَاقِ، وَالأَعْمَالِ، وَالأَهْوَاءِ، وَالأَدْوَاءِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَاللَّفْظُ لَهُ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يسأل ربَّه أن يجنِّبَه مساوئ الأخلاق، وقد قال فيه ربُّه عزوجل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، فنحن أحقُّ أن نسأل الله عزوجل أن يجنبنا ذلك، وليس للإنسان حول ولا قوة على اجتناب المنكرات إلا بأن يوفقه الله لذلك، فعلينا أن نُكثِر من هذا الدعاء الذي دعا به النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
стр. 5891
١٤٩٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تُمَارِ أَخَاك، وَلَا تُمَازِحْهُ، وَلَا تَعِدْهُ مَوْعِدًا فَتُخْلِفْهُ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
في الحديث تحريم الجدال، والذي يحرم هو الجدال بالباطل، أو الذي يقصد به الظهور دون معرفة الحق؛ لقوله ﷺ : «ومن خاصم في باطل، وهو يعلمه لم يزل في سخط الله» أخرجه أبو داود عن ابن عمر ﵄.
و قال النبي ﷺ : «ما ضل قوم بعد هدًى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». أخرجه الترمذي عن أبي أمامة ﵁ بإسناد حسن.
وأما المِزاح فيُشرع منه ما كان بحق، بما لا يزري، ولا يكثر الإنسان منه.
قال الإمام ابن حبان ﵀ في كتابه «روضة العقلاء» (ص ٧٧): والمزاح على ضربين فمزاح محمود ومزاح مذموم فأما المزاح المحمود فهو الذي لا يشوبه مَا كره اللَّه ، ولا يكون بإثم، ولا قطيعة رحم، وأما المزاح المذموم فالذي يثير العداوة، ويذهب البهاء، ويقطع الصداقه، ويجريء الدنيء عليه، ويحقد الشريف به.
قال: وإن من المزاح مَا يكون سببا لتهييج المراء، والواجب على العاقل اجتنابه؛ لأن المراء مذموم في الأحوال كلها، ولا يخلو المماري من أن يفوته أحد
стр. 5892
رجلين في المراء، إما رجل هو أعلم منه؛ فكيف يجادل من هو دونه في العلم، أو يكون ذلك أعلم منه فكيف يماري من هو أعلم منه
ولقد سمعت حفص بن عمر البزار، يقول: سمعت إِسْحَاق بْن الضيف، يقول: سمعت جعفر بْن عون، يقول: سمعت مسعر بْن كدام يقول لابنه كدام:
إني نحلتك ياكدام نصيحتي ... فاسمع مقال أبٍ عليك شفيق
أما المزاحة والمراء فدعهما ... خلقان لا أرضاهما لصديق
إني بلوتهما فلم أحمدهما ... لمجاورٍ جارًا ولا لرفيق
والجهل يزري بالفتى في قومه ... وعروقه في الناس أي عروق
وأما إخلاف الوعد فهو من خِصال المنافقين كما تقدم.
وحديث الباب، وإن كان ضعيفًا، ففي الباب ما تقدم من أدلة، وأدلة أخرى تدل على ما قررناه، والله أعلم.
стр. 5893
١٤٩٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خَصْلَتَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ: البُخْلُ وَسُوءُ الخُلُقِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
فيه التحذير من البخل، وكذلك الحض على حسن الخلق، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في أحاديث متقدمة، وبالله التوفيق.
١٤٩٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «المُسْتَبَّانِ مَا قَالَا، فَعَلَى البَادِئِ مَا لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُومُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (٢)
الأدب المستفاد من الحديث
في الحديث دلالة على جواز مجازاة من ابتدأ الإنسان الأذية بمثلها، وأنَّ إثم ذلك عائد على البادي؛ لأنه المتسبب لكل ما قاله المجيب إلا أن يعتدي المجيب في أذيته بالكلام، فيختص به إثم عدوانه؛ لأنه إنما أُذِن له في مثل ما عُوقِب به، قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠] الآية.
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦] الآية. (٣)
стр. 5894
١٤٩٩ - وَعَنْ أَبِي صِرْمَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا ضَارَّهُ اللهُ، وَمَنْ شَاقَّ مُسْلِمًا شَقَّ اللهُ عَلَيْهِ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
في الحديث تحريم إلحاق الضرر بالمسلم، أو إلحاق المشقة به.
وفي الحديث الآخر: «لا ضرر ولا ضرار»، بل قال الله عزوجل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٨].
الآداب المستفادة من الحديثين
يُستفاد من الحديثين أنَّ المؤمن الكامل الإيمان لا يتصف بالأخلاق المذكورة، وهي: البذاءة، واللعن، والفُحش: وهو أقبح السب، واللعن: هو الطرد من رحمة الله، والمقصود أنه لا يلعن إنسانًا بعينه؛ إلا من مات على الكفر، أو عُلِم أنه سيموت عليه، فقد لعن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أُناسًا كانوا على الكفر، فأنزل الله عزوجل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨] الآية، فانتهى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ثم إنهم أسلموا.
جاء ذلك في البخاري (٤٠٦٩) عن ابن عمر ﵄، أنه سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر يقول: «اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا» بعد ما يقول «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد» فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨].
وفي رواية: يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨].
وأما اللعن بالوصف فجائزٌ لمن يستحق ذلك، كقوله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]، ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١]، وقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لعن الله السارق يسرق البيضة ... » الحديث.
стр. 5897
وما جاء في الأحاديث من لعن المعين فهو إما ضعيف، وإما محمول على معنى السب لا على معنى الطرد من رحمة الله والله أعلم، وهذا قول جمهور العلماء.
١٥٠٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إلَى مَا قَدَّمُوا». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
يستفاد من الحديث تحريمُ سب الأموات، وقد بيَّن العلماء أنه لا يدخل في ذلك جرح الرواة، وبيان حالهم، ولا جرح أهل البدع، والتحذير منهم، ومن كتبهم؛ نصيحة لله عزوجل.
١٥٠٣ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢)
الأدب المستفاد من الحديث
فيه تحريم النميمة، وهي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد، وهي من الذنوب العظيمة، ومن أسباب عذاب القبر، فقد مرَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بقبرين يعذب صاحباهما، فقال: «أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله» متفق عليه عن ابن عباس ﵄، فنسأل الله العافية.
стр. 5898
١٥٠٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ كَفَّ اللهُ عَنْهُ عَذَابَهُ». أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الأَوْسَطِ». (١)
١٥٠٥ - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا. (٢)
الأدب المستفاد من الحديثين
يستفاد من الحديثين فضيلة من دفع غضبه، وكظم غيظه، والحديث وإن كان ضعيفًا فيُغني عنه قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
وكظم الغيظ ودفع الغضب، هو معنى قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تغضب» كما تقدم، والله أعلم.
стр. 5899
١٥٠٦ - وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ خَبٌّ (١)، وَلَا بَخِيلٌ، وَلَا سَيِّئُ المَلَكَةِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفَرَّقَهُ حَدِيثَيْنِ، وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ. (٢)
الآداب المستفادة من الحديث
في الحديث تحذيرٌ للمسلم من أن يتصف بهذه الصفات، وهي: الخداع وهو معنى «خب»، وكذا البخل، وكذا سوء المَلَكَة، وهي الإساءة إلى ذوي ملكه من العبيد، والحيوانات، بالتقصير في حقهم، أو التجاوز في عقابهم.
وقد ورد في ذلك أدلة أخرى تدل على ذلك، كحديث: «من ضرب عبدًا له حدًّا لم يأته فكفارته أن يُعتِقه» أخرجه مسلم (١٦٥٧)، عن ابن عمر ﵄.
وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في العبيد: «إخوانكم خَوَلُكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس» أخرجه البخاري برقم (٣٠)، ومسلم برقم (١٦٦١) عن أبي ذر ﵁.
وقال في الذي ضرب غلامه ضربًا شديدًا ثم أعتقه: «لو لم تفعل للفحتك النار» أخرجه مسلم (١٦٥٩) عن أبي مسعود ﵁.
стр. 5900
وقال في الذي أساء إلى جمله: «ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؛ فإنه شكى إلي أنك تجيعه وتدئبه»، أخرجه أحمد (١٧٤٥)، وإسناده صحيح على شرط مسلم، وهو في «الصحيح المسند» (٥٦١)، والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
стр. 5901
١٥٠٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ تَسَمَّعَ حَدِيثَ قَوْمٍ، وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الآنُكُ (١) يَوْمَ القِيَامَةِ» يَعْنِي: الرَّصَاصَ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (٢)
الأدب المستفاد من الحديث
يستفاد من الحديث تحريم تسمع حديث قوم وهم لا يريدون أن يسمعه، وهذا من التجسس، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ولا تجسسوا».
ويدخل في ذلك السَّماع منهم بخفاء عن الرجل، وبغير خفاء، ولا يدخل في التحريم التسمع منه لإظهار باطله، لما في البخاري (١٣٥٥)، ومسلم (٢٩٣١) عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: انطلق رسول الله ﷺ وأبي بن كعب الأنصاري إلى النخل التي فيها ابن صياد، حتى إذا دخل رسول الله ﷺ ، النخل طفق يتقي بجذوع النخل، وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئا، قبل أن يراه ابن صياد، فرآه رسول ﷺ ، وهو مضطجع على فراش في قطيفة، له فيها زمزمة، فرأت أم ابن صياد رسول الله ﷺ ، وهو يتقي بجذوع النخل، فقالت لابن صياد: يا صاف - وهو اسم ابن صياد - هذا محمد. فثار ابن صياد، فقال رسول الله ﷺ : «لو تركته بين». والله أعلم.
стр. 5902
١٥٠٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ». أَخْرَجَهُ البَزَّارُ بِإِسْنَادِ حَسَنٍ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
في هذا الحديث فائدة جليلة، وهي أنه ينبغي للإنسان أن يشتغل بإصلاح نفسه، وأن ينظر إلى عيوب نفسه، وإذا رأى عيبًا في أخيه نصحه ولا يعيره بذلك، ففي الحديث الصحيح: «وإن امرؤٌ شتمك، وعيَّرك بما يعلم فيك فلا تشتمه، ولا تعيره بما تعلم فيه، فإنما وبال ذلك عليه» أخرجه أبو داود (٤٠٨٤)، عن جابر بن سليم ﵁، وهو حديث صحيح.
وقد صحَّ عن أبي هريرة ﵁ قال: «يبصر أحدكم القَذاة في عين أخيه، وينسى الجذع، أو الجذل في عينه معترضًا». (٢)
стр. 5903
ورُوي مرفوعًا، وهو غير محفوظ. (١)
وكل إنسان له عيوب؛ فعلى المسلم أن يسعى في إصلاح العيوب في نفسه وفي غيره، وليحذر المسلم من التشهير في حق أخيه، وكما قيل:
وَإِنْ تَجِدْ عَيْبًا فَسُدَّ الْخَلَلَا ... جَلَّ مَنْ لَا عَيْبَ فِيْهِ وَعَلَا
وقال الآخر:
وَمَنْ ذَا الَّذِي تُرضَى سَجَايَاهُ كُلُّهَا ... كَفَى الْمَرْء نُبلًا أَنْ تُعَدَّ مَعَايبُه
وليُعلَم أنَّ من ابتدع بالدين، وأحدث، وعاند؛ فإنه يجب إظهار عيوبه للناس، والتشهير به؛ ليحذروه، وبالله التوفيق.
стр. 5904
١٥٠٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ تَعَاظَمَ فِي نَفْسِهِ، وَاخْتَالَ فِي مِشْيَتِهِ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ». أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
في هذا الحديث تحريم العجب، والكبر، وأنه سبب لغضب الله، فدلَّ على أنَّ ذلك من كبائر الذنوب، وفي الحديث الآخر: «إنَّ الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحدٌ على أحد، ولا يبغي أحد على أحد»، أخرجه مسلم (٢٨٦٥)، عن عياض بن حمار ﵁.
وفي حديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين»، أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «بينما رجلٌ يمشي في حلة تعجبه نفسه؛ إذ خسف به في الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة».
стр. 5905
١٥١٠ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «العَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
في الحديث الحث على التأني، والحديث وإن كان ضعيفًا ففي «صحيح مسلم» عن ابن عباس، وأبي سعيد ﵃ قالا: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة» قالها لأشج عبد القيس.
قال الصنعاني ﵀ في شرح هذا الحديث: العجلة هي السرعة في الشيء، وهي مذمومة فيما كان المطلوب فيه الأناة، محمودة فيما يطلب تعجيله من المسارعة إلى الخيرات ونحوها، وقد يقال: لا منافاة بين الأناة والمسارعة؛ فإن سارع بتؤدة وتأنٍ، فيتم له الأمران، والضابط أنَّ خيار الأمور أوسطها. اهـ
стр. 5906
١٥١١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الشُّؤْمُ سُوءُ الخُلُقِ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
يستفاد من الحديث ذم الشؤم وهو التطير؛ فإنَّ التطير من الشيء ينافي التوكل الذي أمر الله به، قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣] ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٢٢] ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣].
قال الإمام العثيمين ﵀ في «القول المفيد» (١/ ٥٦٠): التطير في اللغة: مصدر تطير، وأصله مأخوذ من الطير; لأن العرب يتشاءمون أو يتفاءلون بالطيور على الطريقة المعروفة عندهم بزجر الطير، ثم ينظر: هل يذهب يمينا أو شمالا أو ما أشبه ذلك، فإن ذهب إلى الجهة التي فيها التيامن; أقدم، أو فيها التشاؤم; أحجم.
أما في الاصطلاح: فهي التشاؤم بمرئي أو مسموع، وهذا من الأمور النادرة; لأن الغالب أن اللغة أوسع من الاصطلاح; لأن الاصطلاح يدخل على الألفاظ قيودا تخصها، مثل الصلاة لغة: الدعاء، وفي الاصطلاح أخص من الدعاء، وكذلك الزكاة وغيرها.
стр. 5907
وإن شئت فقل: التطير: هو التشاؤم بمرئي، أو مسموع، أو معلوم.
بمرئي مثل: لو رأى طيرا؛ فتشاءم لكونه موحشا.
أو مسموع مثل: من هم بأمر فسمع أحدا يقول لآخر: يا خسران، أو يا خائب; فيتشاءم.
أو معلوم: كالتشاؤم ببعض الأيام أو بعض الشهور أو بعض السنوات; فهذه لا ترى ولا تسمع.
واعلم أن التطير ينافي التوحيد، ووجه منافاته له من وجهين:
الأول: أن المتطير قطع توكله على الله، واعتمد على غير الله.
الثاني: أنه تعلق بأمر لا حقيقة له، بل هو وهم وتخييل; فأي رابطة بين هذا الأمر، وبين ما يحصل له، وهذا لا شك أنه يخل بالتوحيد; لأن التوحيد عبادة واستعانة، قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾.
فالطيرة محرمة، وهي منافية للتوحيد كما سبق، والمتطير لا يخلو من حالين:
الأول: أن يحجم ويستجيب لهذه الطيرة ويدع العمل، وهذا من أعظم التطير والتشاؤم.
الثاني: أن يمضي لكن في قلق وهم وغم، يخشى من تأثير هذا المتطير به،
стр. 5908
وهذا أهون.
وكلا الأمرين نقص في التوحيد، وضرر على العبيد، بل انطلق إلى ما تريد بانشراح صدر وتيسير واعتماد على الله عزوجل ولا تسئ الظن بالله عزوجل. اهـ
١٥١٢ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُفَعَاءَ، وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
في هذا الحديث ذمٌّ لمن يُكثر اللعن، وبيان أنه لا يكون شفيعًا يوم القيامة، أي: لا يكون من المؤمنين الذين يشفعون لإخوانهم في الخروج من النار.
ومعنى قوله: «ولا شهداء»، أي: لا يكونون يوم القيامة شهداء على تبليغ الأمم رسلهم إليهم الرسالات.
وقيل: معناه: لا يُرزقون الشهادة. وهو ضعيف.
وقيل: لا يكون له ثواب الشاهد، أو الشهيد يوم القيامة.
والأول أقوى هذه الأقوال، والله أعلم.
стр. 5909
١٥١٣ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَسَنَدُهُ مُنْقَطِعٌ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
قد دلَّت الأحاديث الصحيحة على عدم جواز تعيير المسلم أخاه المسلم، كحديث جابر بن سليم عند أبي داود (٤٠٨٤)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «وإن امرؤٌ شتمك، وعيرك بما يعلم فيك، فلا تشتمه ولا تعيره بما تعلم فيه؛ فإنما وبال ذلك عليه».
وكقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» متفق عليه عن عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄.
فهذه الأدلة تغني عن حديث الباب.
стр. 5910
١٥١٤ - وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ القَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ، ثُمَّ وَيْلٌ لَهُ». أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
يستفاد من الحديث تحريم الكذب وإن كان ذلك لإضحاك الناس فقط، والكذب حرام سواء كان لذلك أو لغيره، وهو سبب للفجور، ولدخول النار -والعياذ بالله- كما في حديث ابن مسعود في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «وإياكم والكذب؛ فإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنَّ الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب حتى يُكتب عند الله كذَّابًا».
ولا يدخل في الكذب الصلح بين الناس؛ لحديث أم كلثوم ﵂ في «صحيح مسلم» (٢٦٠٥)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيرًا، ويَنْمِي خيرًا».
وقد حمل بعض أهل العلم هذا الحديث على المعاريض، منهم شيخ الإسلام ﵀ كما في «الفتاوى الكبرى» (٦/ ١٠٦ - ١٠٧).
стр. 5911
١٥١٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَفَّارَةُ مَنِ اغْتَبْته أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ». رَوَاهُ الحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
دلَّ الحديث على أنَّ من توبة المغتاب أن يستغفر لمن اغتابه، والحديث ضعيف؛ فلا يُشترط ذلك، والذي يُشترط في التوبة من الغيبة، هو الندم على فعله، والعزم على ألَّا يعود إلى ذلك الفعل.
وهل يشترط التحلل من أخيه الذي اغتابه؟
أما إن كان قد بلغه ذلك؛ فيُشترط عند أهل العلم؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم» أخرجه البخاري (٦٥٣٤)، عن أبي هريرة ﵁.
وأما إذا لم يبلغ الآخر الغيبة، فمنهم من اشترط ذلك؛ لعموم الحديث المتقدم، ومنهم من لم يشترط ذلك، بل قالوا: يكفيه التوبة والاستغفار، ويذكر أخاه بخير في المواطن التي ذكره فيها بسوء، وهذا القول رجحه شيخنا مقبل الوادعي ﵀، وهو الصحيح، إن كان ظلمه سيزول أثره بالثناء على من اغتابه، وإن كان أثر ظلمه بالغيبة لم يزل بالثناء عليه؛ فيجب عليه التحلل، والله أعلم.
стр. 5912
١٥١٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَبْغَضُ الرِّجَالِ إلَى اللهِ الأَلَدُّ الخَصِمُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
في الحديث بيان أنَّ الألد الخصم مبغوض عند الله عزوجل.
والألد هو الشديد الخصومة، وهذا محمول على من خاصم بباطل لدفع حقٍّ، أو لنصرة باطل، وأما من خاصم لنصرة الحق، أو لدفع الباطل؛ فليس بمذموم، وبالله التوفيق.
стр. 5913
بَابُ التّرْغِيبِ فِي مَكَارِمِ الأَخْلاقِ
١٥١٧ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلَى البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إلَى الجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالكَذِبَ، فَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
فيه منقبة عظيمة للصادق، وأنَّ الصدق سبب لدخول الجنة، ويشمل الصدق بالأقوال، والصدق بالأفعال، بأن يكون صادقًا في نيته، لا يريد بأعماله إلا الله .
وفي الحديث التحذير من الكذب، وأنه سبب للفجور، وللنار، والعياذ بالله.
١٥١٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢)
الأدب المستفاد من الحديث
تقدم الحديث مع الكلام عليه برقم (١٤٨٦).
стр. 5914
١٥١٩ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا، نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: «فَأَمَّا إذَا أَبَيْتُمْ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ» قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: «غَضُّ البَصَرِ وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
دل الحديث على عدم جواز الجلوس على الطريق إلا بإعطائه حقَّه، وحقُّه هو غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وفي حديث أبي طلحة في «صحيح مسلم» (٢١٦١) زيادة: «وحسن الكلام».
وجاء في حديث آخر خارج «الصحيح»: «وإرشاد السبيل» أخرجه أبو داود (٤٨١٦)، وابن حبان (٥٩٦) من حديث أبي هريرة ﵁، بإسناد حسن. (٢)
стр. 5915
١٥٢٠ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
في الحديث فضل عظيم للتفقه في الدين، وطلب العلم النافع، وقد قال الله عزوجل في كتابه الكريم: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١].
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].
وقال عزوجل: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤].
وفي الحديث الآخر: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة» أخرجه مسلم (٢٦٩٩)، عن أبي هريرة ﵁.
والأدلة الواردة في فضل العلم من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ كثيرة جدًّا.
وانظر كتاب: «جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البر ﵀.
стр. 5916
١٥٢١ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مِنْ شَيْءٍ فِي المِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
في هذا الحديث فضلٌ عظيم لحسن الخلق، و «حسن الخلق» لفظ جامعٌ يشمل حسن الخلق مع الله بالتوحيد، والعبادة، والاعتقاد الصحيح.
ويشمل حسن الخلق مع الناس بكف الأذى، وبذل الندى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وحسن الخلق مع الناس منه ما هو جِبِلِّي، ومنه ما هو مكتسب، فإذا رزق الله الإنسانَ حسنَ الخلق؛ فعليه أن يحمد الله على ذلك، وليعلم أنَّ ذلك من فضل الله عليه، وإن كان محرومًا من حسن الخلق فعليه أن يسأل ربَّه أن يوفقه لذلك، وقد كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في استفتاحه في الصلاة: «اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت»، أخرجه مسلم (٧٧١)، عن علي بن أبي طالب ﵁.
стр. 5917
١٥٢٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
١٥٢٣ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (٢)
الأدب المستفاد من الحديثين
في هذين الحديثين بيان أنَّ الحياء من الإيمان، وفي حديث عمران بن حصين ﵁ في «الصحيحين» (٣): «الحياء لا يأتي إلا بخير»، وعن أبي هريرة ﵁ عند أحمد (٢/ ٥٥١)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاءة من الجفاء، والجفاء في النار»، وهو في «الصحيح المسند» (١٤٢٨)، لشيخنا مقبل الوادعي ﵀.
وفي حديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين»: «والحياء شعبة من الإيمان» (٤)، وفي حديث ابن عمر ﵄ عند الحاكم (١/ ٢٢)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «الحياء والإيمان قُرِنا جميعًا، فإذا رُفع أحدهما رُفِع الآخر»، وهو في «الصحيح المسند» (١٧٥٢)، لشيخنا ﵀.
стр. 5918
والحياء هو كما عرَّفه ابن مفلح ﵀ في «الآداب الشرعية» (٢/ ٢٢٧): خلق يبعث على فعل الحسن، وترك القبيح. اهـ
وقال الكفوي ﵀ كما في «الكليات» (ص ٤٠٤): الحياء هو انقباض النفس عن القبيح مخافة اللوم، وهو الوسط بين الوقاحة التي هي الجرأة على القبائح، وعدم المبالاة بها، والخجل الذي هو انحصار النفس عن الفعل مطلقًا. اهـ
وقوله في حديث الباب: «فاصنع ما شئت» للتهديد، والله أعلم.
قلتُ: ويتفاوت الحياء بتفاوت الإيمان؛ لحديث ابن عمر ﵄، فالكافر لا حياء له، والمؤمن العاصي حياؤه أقل من حياء المؤمن الطائع، وبالله التوفيق.
تنبيه: الحياء يشمل ترك ما يقبح شرعًا، وترك ما يقبح عرفًا، إذا لم يخالف الشرع، وأما ترك الطاعة، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو شيئًا من سنة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأجل الناس؛ فهذا ليس بحياء، وإنما هو ضعف، وخور، وذل، وأما الخجل فهو يشمل ترك ما يقبح وما لا يقبح كما تقدم.
стр. 5919
١٥٢٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلَى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُك وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَك شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْت كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ اللهُ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (١)
الأدب المستفاد من الحديث
يُستفاد من الحديث أنَّ المؤمن المتمسك بالكتاب والسنة، والثابت على طاعة الله أحب إلى الله من المؤمن الضعيف العزيمة في أعمال الخير.
قال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (٤/ ٢٠٧٨): الْمُرَادُ مِنْ الْقَوِيِّ: قَوِيُّ عَزِيمَةِ النَّفْسِ فِي الْأَعْمَالِ الْأُخْرَوِيَّةِ؛ فَإِنَّ صَاحِبَهَا أَكْثَرُ إقْدَامًا فِي الْجِهَادِ، وَإِنْكَارِ الْمُنْكَرِ، وَالصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى فِي ذَلِكَ، وَاحْتِمَالِ الْمَشَاقِّ فِي ذَاتِ الله، وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِهِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا، وَالضَّعِيفُ بِالْعَكْسِ مِنْ هَذَا؛ إلَّا أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ الْخَيْرِ؛ لِوُجُودِ الْإِيمَانِ فِيهِ، ثُمَّ أَمَرَهُ ﷺ بِالْحِرْصِ عَلَى طَاعَةِ الله، وَطَلَبِ مَا عِنْدَهُ، وَعَلَى طَلَبِ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ فِي كُلِّ أُمُورِهِ؛ إذْ حِرْصُ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إعَانَةِ الله لَا يَنْفَعُهُ.
إذَا لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِنْ الله لِلْفَتَى ... فَأَكْثَرُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ
стр. 5920
وَنَهَاهُ عَنْ الْعَجْزِ وَهُوَ التَّسَاهُلُ فِي الطَّاعَاتِ وَقَدْ اسْتَعَاذَ مِنْهُ ﷺ .اهـ
ثم أمر -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالإيمان بالقدر، وعدم التسخط بقوله: «لو فعلتُ كذا؛ لكان كذا».
ويُستفاد من ذلك وجوب الصبر على البلاء، والإيمان بالقدر؛ فذلك يُهَوِّنُ على العبد ما أصابه من البلاء، وبالله العصمة والتوفيق.