← История

История · id 166

الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور

شافع بن علي

Полный текст (185 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور تأليف شافع بن علي الكاتب العسقلاني المصري (٦٤٩ هـ - ٧٣٠ هـ) نسخة مكتبة البودليان (أكسفورد) رقم ٤٢٤ تحقيق الأستاذ الدكتور عمر عبد السلام تدمري

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ التعريف بالمؤلّف هو ناصر الدين شافع بن علي بن عباس بن إسماعيل بن عساكر بن شافع ابن رافع بن عبد الظاهر بن نشوان بن عبد الظاهر السعدي، الرواحي، الزنباعي. هكذا ذكر نسبه - مطوّلا - المؤرّخ «ابن الجزري» نقلا عن كراسة كتبها «شافع» بخطّه، وفيها مولده، فهو، إذن، ينتسب إلى جدّهم الأعلى «روح بن زنباع» الجذامي، الفلسطيني، الأمير على جند فلسطين في عهد «يزيد بن أبي سفيان»، المتوفّى سنة ٨٤ هـ (١). ونسبة المؤلّف: الكناني، العسقلاني، المصري. ولد ليلة الجمعة الخامس والعشرين من ذي الحجّة سنة ٦٤٩ هـ. (١٢٥٢ م). كان أبوه يعرف بالمولى القاضي نور الدين علي. وجدّه يعرف بالخطيب الفقيه عماد الدين أبي الفضل خطيب قلعة الجبل، ونائب دار العدل الصالحية النجمية الأيوبية. أمّا هو فعرف بسبط القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، ووصف ب: القاضي، الإمام، العالم، الفاضل، الكامل، الأديب. روى عن الشيخ جمال الدين بن مالك، وغيره. روى عنه الشيخ أثير الدين أبو حيّان، والشيخ علم الدين البرزالي، وجمال الدين إبراهيم الغانمي، وغيره من الطلبة. له النظم الكثير، والنثر الكثير، وكتب الخطّ المنسوب فأحسن وأجاد. وباشر كتابة ديوان الإنشاء بمصر زمانا إلى أن أضرّ. ويعود الفضل للأمير سيف الدين _________ (١) تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، للذهبي - بتحقيقنا - طبعة دار الكتاب العربي، بيروت - (حوادث ووفيات ٨٠ - ١٠٠ هـ) ص ٦١ - ٦٣ رقم ٢٨.

стр. 3

بلبان الرومي الظاهري بتقديمه لخدمة السلطان، حيث عوّل عليه في المكاتبات، سرها وجهرها، مع صغر سنّه وكبر قدر وسنّ من في ديوان الإنشاء (١). وكان كثير المحاضرت ويعنى بأخبار الناس والتأريخ وفنّ الأدب والنحو والترسّل والنظم. أصيب في وقعة حمص سنة ٦٨٠ هـ. بسهم نشّاب خالط دماغه، وفقد منه بصره، وبقي أعمى خمسين عاما حتى مات في شهر شعبان سنة ٧٣٠ هـ. وقد خلّف نحو العشرين خزانة ملأى بالكتب الأدبية النفيسة، إذ كان جمّاعة للكتب في حياته، وكان «شهاب الدين البوتيجي الكتبي بالقاهرة» يخبر أنه كان إذا لمس الكتاب وجسّه قال: هذا الكتاب الفلاني وهو لي ملكته في الوقت الفلاني، وكان إذا أراد أيّ مجلّد، قام إلى خزانة وتناوله منها كأنه الآن وضعه هناك بيده. زاره المؤرّخ «شمس الدين محمد بن عبد الله الجزري» في داره بالقاهرة سنة ٧١٣ هـ. فكتب عن لقائه ما نصّه: «طلعت إلى عنده إلى داره، فلما دخلت عليه قام قائما وهو يومئذ ضرير (٢). وكان تحته طرّاحة صغيرة لا تقع لأحد غيره، فشالها من تحته وقال: لا بدّ أن تضعها تحتك، فحلفت بالله تعالى أني ما أفعل. وقال لي: عندي خبر مجيئك القاهرة، ولي مدّة أشتهي مجيئك إلى عندي، وقد وقعت على رخيص. وأخرج دراهم وزعق لعبده حتى يشتري شيئا، فحلفت أنه ما يشتري شيئا فأذوقه (٣)، وقلت له: ما قصدي إلاّ رؤيتك وفوائدك. فقال: كان تاريخك الذي عند الأمير نجم الدين ابن المحفدار له عندي مدّة، [فقلت]: ونحن نستفيد من فوائدك. وكنت أخذت معي كرّاسة بيضاء حتى أكتب من نظمه شيئا، فحلف أنه ما يكتب إلاّ في ورق من عنده حتى أكون أذكره بذلك، فقمت وجئت إليه بعد أيام فوجدته قد خلّى ابن حماه قد كتب لي كرّاسة فيها نسبه ومولده وشيء (٤) من نظمه ونظم غيره، وحلّفني أنّ مدّة مقامي بالقاهرة لا أنقطع عنه أكثر من يومين والثالث أكون عنده، فسألته عن سبب عماه فقال: في وقعة حمص سنة ثمانين دخلت أنا وشمس الدين ابن قريش رفيقي أحد كتّاب الإنشا إلى بستان وجمعة كبيرة، فما كان إلاّ ساعة _________ (١) الفضل المأثور، ورقة ٢٤ ب. (٢) في أصل النص: «ضريرا». (٣) في أصل النص: «شي فادوقه». (٤) في أصل النص: «وشيا».

стр. 4

والتتر قد دخلوا إلينا، فوقع في رأسي سهم نشّاب فاختلط دماغي ووقعت بين القتلى، وقتل كل من كان في البستان. فلما كان في الليل قمت ومشيت. ووقع لي من أوصلني إلى العسكر ومرضت وعميت، وأبقى (١) عليّ السلطان الشهيد الملك المنصور جامكيّتي التي كانت لي في الديوان، والراتب فأنا أتناوله إلى الآن» (٢). ومن شعر «شافع» بعد عماه: أضحى وجودي برغمي في الورى عدما ... إذ ليس لي فيهم ورد ولا صدر عدمت عيني ومالي فيهم أثر ... فهل وجود ولا عين ولا أثر (٣) وله وقد ليم على الاستكثار من شراء الكتب: وما شغفي بالكتب إلاّ لأنها ... تسامرني من غير غيّ ولا ضجر وأحسن من ذا أنها في صحابتي ... تجنّب تكليفي وتقنع بالنظر وله يذكر ميله إلى فنّ النحو: لقد ضاق صدري من مقاساة من غدا ... يطالع لي أو سامر همّه فكري وعمري لولا النحو والميل نحوه ... لما كنت محتاجا لزيد وعمرو ويبدو أن زوجته احتاجت إلى المال بعد وفاته، وكانت تعرف ثمن كل كتاب من كتبه، فبقيت تبيع منها إلى سنة ٧٣٩ هـ. حيث غادرت القاهرة بعدها. مؤلفاته: اجتمع المؤرّخ «صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي» بالمؤلّف في سنة ٧٢٨ هـ. بالقاهرة، وتبادلا إنشاد الشعر، والكتابة النثرية، وطلب منه «الصفدي» إجازة بجميع مرويّاته من كتب الحديث وأصنافها، ومصنّفات العلوم على اختلافها، وغير ذلك من قراءة أو سماع أو إجازة أو مناولة أو وصيّة، وصدّر استدعاءه المؤرّخ في مستهلّ جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة بقوله: _________ (١) في أصل النص: «وأبقا». (٢) النص في: تاريخ حوادث الزمان وأنبائه ووفيات الأكابر والأعيان من أبنائه، لابن الجزري - مخطوط كوبريلي ١٠٣٧ - وقد قمت بتحقيقه ويصدر عن دار المكتبة العصرية، صيدا - بيروت، رقم الترجمة ٤٥٢. (٣) الوافي بالوفيات، للصفدي ١٦/ ٨٢، أعيان العصر، له (مصوّر) ج ١/ ٤٢١، الدرر الكامنة، لابن حجر ٢/ ١٨٥، المنهل الصافي، لابن تغري بردي ٦/ ١٩٧.

стр. 5

«المسؤول من إحسان سيّدنا الشيخ الإمام العالم المفيد القدوة، جامع شمل الأدب، قبلة أهل السعي في تحصيله والدّأب: أخي المعجزات اللائي أبدت طروسه ... كأفق به للنيّرات ظهور وما ثمّ إلاّ الشمس والبدر في السما ... وذاك شموس كلّه وبدور البليغ الذي أثار أوابد الكلم من مظانّ البلاغة، وأبرز عقائل المعاني تتهادى في تيجان ألفاظه، فجمع بين صناعة السحر والصياغة. . .» إلى أن قال: لا زال في هذا الورى فضله ... يسير سير القمر الطالع حتى يقول الناس إذا أجمعوا ... ما مالك الإنشا سوى «شافع» فأجابه المؤلّف برسالة نثريّة، مؤرّخة بيوم الأحد خامس عشر صفر. ذكر فيها أسماء مصنّفاته، وهي: ١ - الأحكام العادلة فيما جرى بين المنظوم والمنثور من المفاضلة. ٢ - الإشعار بما للمتنبّي من الأشعار. ٣ - الإعراب عمّا اشتمل عليه البناء الملكي الناصري بسرياقوس من الإغراب. ٤ - إفاضة أبهى الحلل على جامع قلعة الجبل. ٥ - تجربة الخاطر المخاطر في مماثلة فصوص الفصول وعقود العقول. (ممّا كتب به عن القاضي الفاضل في معنى السعيد ابن سناء الملك). ٦ - حسن (١) المناقب السريّة المنتزعة من السيرة الظاهرية. ٧ - الدّرّ المنتظم في مفاخرة السيف والقلم. ٨ - ديوان شعره. ٩ - الرأي الصائب في إثبات ما لا بدّ منه للمكاتب. ١٠ - سيرة السلطان الملك الأشرف. ١١ - شنف الآذان في مماثلة تراجم قلائد العقيان. (مناظرة الفتح بن خاقان). _________ (١) كلمة «حسن» لم ترد في الوافي بالوفيات، ولا في أعيان العصر، وهي مثبتة على النسخة الخطّيّة في المكتبة الأهلية بباريس رقم ١٧٠٧ (وفي مكتبتي نسخة مصوّرة عنها)، وقد حقّقها ونشرها عبد العزيز خويطر في الرياض سنة ١٩٧٦.

стр. 6

١٢ - شوارد المصايد فيما لحلّ الشعر من الفوايد. ١٣ - عدّة الكاتب وعمدة المخاطب. ١٤ - الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور. (وهو كتابنا هذا) وسمّاه: سيرة السلطان الشهيد الملك المنصور المتضمّنة جزءا التي حسنتها على ألسنة الرعايا متردّدة. ١٥ - قراضات الذهب المصرية في تقريظات الحماسة البصرية. ١٦ - قلائد الفرائد وفرائد القلائد فيما للشعراء العصريين الأماجد. ١٧ - ما ظهر من الدلائل في الحوادث والزلازل. ١٨ - ما يشرح الصدور من أخبار عكا وصور. (وهو نظم). ١٩ - مخالفة المرسوم في الوشي المرقوم. ٢٠ - المساعي المرضيّة في الغزوة الحمصيّة. (انظر آخر الصفحة ٥٨ ب من المخطوط) (١). ٢١ - المقامات الناصرية. ٢٢ - مماثلة سائر ما حلّ من الشعر وتضمين الآي الشريفة والأحاديث النبوية في المثل السائر. ٢٣ - مناظرة ابن زيدون في رسالته. ٢٤ - نظم الجواهر في سيرة مولانا السلطان الملك الناصر. (وهي منظومة متضمّنة أجزاء متعدّدة) (٢). وقد أضاف الدكتور «شاكر مصطفى» إلى قائمة مصنفاته «التاريخية» كتاب: نظم السلوك في تواريخ الخلفاء والملوك وقال إنّ «ابن الفرات» اعتمده في مواضع كثيرة من تاريخه (٣). وهو تاريخ إسلاميّ مختصر ينتهي إلى سنة ٨٠٦، _________ (١) حيث قال المؤلف: «وقد أفردت لها (أي موقعة حمص سنة ٦٨٠ هـ). جزءا مستقلاّ برسم الخزانة العالية المولوية السلطانية». (٢) انظر: الوافي بالوفيات ١٦/ ٧٧ - ٨٥، وأعيان العصر ١/ ٤١٨ - ٤٢٥. (٣) انظر: تاريخ الدول والملوك، لابن الفرات (مخطوط فيينا) ج ٣ / ورقة ١٦٨ أ، وج ٤ / ورقة ١٦٥ أ، وفيه يقول: «وقال القاضي ناصر الدين شافع بن علي سبط القاضي ناصر الدين شافع بن علي سبط القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر في تأليفه «نظم السلوك في تواريخ الخلفاء والملوك»، وقال بعض أهل التاريخ إن. . .».

стр. 7

ويستند إلى ابن الأثير، وابن أبي طيّ، وابن ميسّر، وابن واصل، وابن عبد الظاهر. وأضاف الدكتور «شاكر» بقوله: «وثمّة شك في نسبة هذا التاريخ إلى سبط عبد الظاهر المتوفى سنة ٧٣٠ بسبب امتداده إلى سنة ٨٠٦، وصاحب «كشف الظنون» يعزوه إلى عبد الرحمن بن محمد (أو ابن علي) بن أحمد البسطامي الحنفي المتوفّى سنة ٨٤٣، ولكن النصّ الواضح لدى ابن الفرات المتوفى ٨٠٧ (قبل البسطامي بكثير) وانتهاء هذا التاريخ سنة ٨٠٦ يشكّك بدوره في نسبته إلى البسطامي. فهل كان الكتاب في الأصل من عمل شافع، ثم زاد فيه البسطامي قرنا آخر أو بعض القرن ونسبه إلى نفسه؟» (١). مصادر ترجمة المؤلف ١ - الوافي بالوفيات، للصفدي - ج ١٦/ ٧٧ - ٨٥ رقم ٩٧. ٢ - أعيان العصر، للصفدي - (مصوّر) ج ١/ ٤١٨ - ٤٢٥. ٣ - نكت الهميان في نكت العميان، للصفدي - ص ١٦٣. ٤ - فوات الوفيات (٢)، لابن شاكر الكتبي - ج ٢/ ٩٣ - ٩٥ رقم ١٨٧. ٥ - تذكرة النبيه، لابن حبيب الحلبي - ج ٢/ ٢٠٨، ٢٠٩. ٦ - درّة الأسلاك، لابن حبيب الحلبي - (المصوّر) ج ٢/ ٢٦٥. ٧ - السلوك، للمقريزي - ج ٢ ق ٢/ ٣٢٧. ٨ - الدرر الكامنة، لابن حجر - ج ٢/ ١٨٤ - ١٨٦ رقم ١٩٢٢. ٩ - النجوم الزاهرة، لابن تغري بردي - ج ٩/ ٢٨٤، ٢٨٥. ١٠ - الدليل الشافي، لابن تغري بردي - ج ١/ ٣٤٠ رقم ١١٦٩. ١١ - المنهل الصافي، لابن تغري بردي - ج ٦/ ١٩٦ - ١٩٨ رقم ١١٧٢. ١٢ - حسن المحاضرة، للسيوطي - ج ١/ ٥٧١. ١٣ - حوادث الزمان وأنبائه، لابن الجزري (مخطوط) - رقم الترجمة ٤٥٢. _________ (١) التاريخ العربي والمؤرّخون - د. شاكر مصطفى - طبعة دار العلم للملايين، بيروت ١٩٩٠ - ج ٣/ ١١٩. (٢) وفيه وفاة المؤلّف سنة ٧٣٣ هـ. وهو غلط.

стр. 8

١٤ - كشف الظنون - لحاجّي خليفة - ص ١٢٦٠. ١٥ - إيضاح المكنون - للبغدادي - ج ١/ ١٢ و ٣٥ و ٩٩ و ٢٢٧ و ٢٩٤ و ٤٤٩ و ٢/ ٣٤ و ٥٨ و ٩٥ و ٢٢٢ و ٢٣٩ و ٤٢٠ و ٤٤٦ و ٤٧٢ و ٥٣٧ و ٥٦١ و ٦٥٨ و ٦٦٠. ١٦ - فهرس المخطوطات المصوّرة للطفي عبد البديع - ج ٢/ ١١٦. ١٧ - معجم المؤلّفين، لكحّالة - ج ٤/ ٢٨٩. ١٨ - القاموس الإسلامي، لأحمد عطيّة الله - ج ٤/ ١٤. ١٩ - التاريخ العربي والمؤرّخون، للدكتور شاكر مصطفى - ج ٣/ ١١٨، ١١٩. Brockelmann - S , ١١ / ٤٢ - ٢٠ أهمّيّة الكتاب ومادّته يكتسب هذا الكتاب أهمّيّته من كونه مصدرا أساسيا لحقبة من أهمّ الحقب التاريخية في صراع الشرق والغرب، إذ تؤرّخ لفترة من الحروب الصليبية، ولصفحة من العلائق بين المماليك وكلّ من الفرنج والتتار والأرمن وغيرهم، وذلك من خلال التأريخ لسيرة السلطان المنصور قلاوون. ولكون مؤلّفه مؤرّخا معاصرا، ومشاركا في مجريات بعض الأمور التي نطالعها بين طيّات كتابه. يضاف إلى هذا وذاك أنه يؤرّخ لسيرة السلطان قلاوون مؤسّس الأسرة التي حكمت دولة المماليك أكثر من مائة عام. وهو لم يحصر كتابه ضمن إطار الإثنتي عشرة سنة فقط، وهي المدّة التي قضّاها قلاوون في الحكم (٦٧٨ - ٦٨٩ هـ / ١٢٧٩ - ١٢٩٠ م). بل يؤرّخ لقلاوون منذ أن كان في الرابعة عشرة من عمره حين اختصّه لنفسه السلطان الأيوبي الملك الصالح نجم الدين أيوب، الذي استنابه أبوه السلطان الكامل محمد على مصر سنة ٦٢٥ هـ / ١٢٢٩ م. كما يؤرّخ لسيرته في عهد السلطان الظاهر بيبرس، مرورا بعهد شجر الدّرّ، والملك عزّ الدين أيبك التركماني، وتزويج الملك السعيد ابن الظاهر بيبرس من ابنته، وسلطنة الملك السعيد بعد وفاة أبيه الظاهر، ثم سلطنة أخيه بدر الدين سلامش، حتى تولّى هو السلطنة. ما يعني أنّ الكتاب يؤرّخ لنحو خمس وستين سنة. ولم يقف المؤلّف بكتابه عند وفاة قلاوون سنة ٦٨٩ هـ / ١٢٩٠ م، بل زاد

стр. 9

على ذلك سنة أخرى (٦٩٠ هـ / ١٢٩١ م). وهي التي تمّ فيها فتح عكا وصور وصيدا وبيروت وتحريرها من الفرنج الصليبيين، على يد السلطان الأشرف خليل ابن قلاوون. وفي الكتاب مجموعة من نصوص المعاهدات والمراسلات السلطانية والمكاتبات التي تعتبر من وثائق عصر الحروب الصليبية، بعضها انفرد به المؤلّف ولا توجد في أيّ مصدر آخر، وبذلك تتوفّر لدى المهتمّين بدراسة الوثائق مادّة جديدة، كما يجد المعتنون بالآداب نثرا ونظما وشعرا كميّة تضاف إلى المتوفّر من أدبيّات عصر المماليك، ومن ذلك ما كتب المؤلّف من إنشائه يبشّر بالنصر على التتار في وقعة حمص سنة.٦٨٠ هـ / ١٢٨١ م (١). وما أنشده ممتدحا السلطان قلاوون بنصره في الوقعة. رغم إصابته هو بسهم نشّاب جرح جسمه وقلبه، بقصيدة مطلعها: نجحت مساعي سيفك البتّار ... بالحدّ في دم أرمن وتتار (٢) وكتابته لمنشور باستقرار الأمير سنقر الأشقر بصهيون (٣)، وكتاب موادعة السلطان قلاوون لخضر ابن السلطان الظاهر ونزوله من الكرك (٤)، وكتابة جواب على كتاب خضر ابن الظاهر باستدعاء الأمير علاء الدين الحرّاني (٥). والتهنئة بفتح طرابلس، نثرا وشعرا (٦)، ورثاء السلطان قلاوون عند وفاته (٧). والتهنئة شعرا بفتح عكا وصور وصيدا (٨). وهي نصوص لا توجد عند غيره. ومن الأخبار التي انفرد بها المؤلّف في الكتاب خبر وجود مكاتبين نصحاء للسلطان قلاوون داخل طرابلس الشام وهي تحت حكم الفرنجة الصليبيّين. ومحاولة الفرنج التنكّر بزيّ التتار لإيهام المسلمين وخداعهم (٩). ومحاججته بنفسه لرسول فرنجة طرابلس بشأن عرقة القريبة منها (١٠). ووصفه لحصن المرقب (١١)، ما يعني أنه رآه قبل أن يفقد بصره في سنة ٦٨٠ هـ. وفتواه للسلطان الأشرف خليل بفسخ الهدنة مع الفرنج في عكا (١٢). _________ (١) الفضل المأثور، ورقة ٥٢ ب، ٥٣ أ. (٢) الفضل المأثور، ورقة ٥٧ أ، ب. (٣) الفضل المأثور، ورقة ٦٤ أ. (٤) الفضل المأثور، ورقة ١٠٠ ب، ١٠١ أ. (٥) الفضل المأثور، ورقة ١٠٢ ب. (٦) الفضل المأثور، ورقة ١١٣ ب. (٧) الفضل المأثور، ورقة ١٢٠ ب. (٨) الفضل المأثور، ورقة ١٣٤ ب. (٩) الفضل المأثور، ورقة ٤٩ أ. (١٠) الفضل المأثور، ورقة ١٠٩ أ. (١١) الفضل المأثور، ورقة ١٠٥ ب، ١٠٧ أ. (١٢) الفضل المأثور، ورقة ١٢٨ ب، ١٢٩ أ.

стр. 10

وصف المخطوط وتحقيقه توجد من المخطوط نسخة فريدة في مكتبة البودليان بإكسفور، رقم ٤٢٤، وتتألّف من ١٣٦ ورقة، وهي في الأصل نسخة خزائنية برسم الخزانة العالية للسلطان المنصور قلاوون، مسطرتها ٢١ × ١٤.٥ سم. في الصفحة ١٣ سطرا، وفي السطر ١١ كلمة، وهي بخط الثلث، جيّدة واضحة، ذهبت الأرضة بقليل من الكلمات في الصفحة الأولى. وهي قليلة الحواشي، إلاّ أنّ النصّ يحتوي على كثير من الأخطاء والأغلاط النحوية واللّغويّة. وقد تركتها كما وردت للحفاظ على لغة الكتاب، ونبّهت إلى الأغلاط وصوابها في الحواشي. وقابلت مادّة الكتاب على عدّة مصادر، وأوضحت أماكن الاختلاف، مع شرح الألفاظ والمصطلحات، والتعريف بأعلام الأشخاص والأماكن. وفي الكتاب فقرات ومواضيع لها عناوين، وفقرات ومواضيع كثيرة أخرى من غير عناوين، قمت بوضع عناوين لها بين حاصرتين []، أمّا الكلمات التي وردت في الأصل على الهامش أو بين السطور فقد وضعتها في أماكنها بالمتن بين قوسين (). وألحقت بآخر الكتاب عدّة فهارس، ليكتمل بذلك هذا العمل. ويسعدني أن أقدّم هذا الكتاب محقّقا لأول مرة لينضمّ إلى تراث أمّتنا الخالد والله الموفّق. ١٨ جمادى الثاني ١٤١٨ هـ / ٢٠ تشرين الأول ١٩٩٧ م. عمر عبد السلام تدمري طرابلس المحروسة

стр. 11

الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور سيف الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين أبي الفتح قلاون خلّد الله سلطانه برسم الخزانة العالية المولويّة المخدومية المالكيّة الشهابيّة عمّرها الله تعالى ببقائه خدمة المملوك المنصوري شافع بن علي الكاتب (٦٤٩ - ٧٣٠ هـ) استفاد منه أحمد بن علي لطف الله (به)

стр. 12

ورقة غلاف الكتاب «الفضل المأثور»

стр. 13

الورقة الثانية من «الفضل المأثور»

стр. 14

الورقة ٣٧ من «الفضل المأثور»

стр. 15

الورقة الأخيرة من «الفضل المأثور»

стр. 16

المطالعات في آخر «الفضل المأثور»

стр. 17

[مقدمة المؤلف] / ٢ أ / بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وما توفيقي إلاّ بالله الحمد لله الذي أعزّ الإسلام وأهله بأعزّ سلطان. وجبلهم منه بمن وقف عند أمر الله فلم يتجاوز في حكمه العدل وفي اقتداره الإحسان. وخوّلهم خير ملك يكبره العيان. ويتنزّه في منظره ويتمتّع بمخبره كلّ إنسان. وأراد بهم خيرا فولي عليهم خيارهم فقرن الاقتتان، من جميل خلقه وخلقته بالإقتان. وجعلهم رعيّة لخير راع لم يزالوا من عنايته بأعزّ مكان. وعمّهم بفيض إنعامه حتى غدى (١) المقلّ بسوابغها وهو ذو إمكان. نحمده على جزيل الامتنان. ونشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له الرحيم الرحمن. ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي محى (٢) (الله) (٣) بدين مبعثه سائر الأديان. صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة لا تزال حلية اللسان. وسلّم تسليما كثيرا. وبعد، فإنّ سير الملوك الصّيد نزهة من (. . .) (٤) وذكرى من اذّكّر، وعبرة لمن اعتبر. وأعوذ. . . . . . مثاله، ودليل على سداد الملك في أقواله / ٢ ب / وأفعاله، وهو عنوان سطور علاه، ودرج لا درج مودع ثمين حلاه، وشاهد بحزمه، وموضح قوّة عزمه، وسمير يؤنس بحديثه، وجليس يستفهم منه (كنه) (٥) قديم (عزّ) (٥) سلطانه وحديثه. لا سيما إذا كان ملكا هماما، وسلطانا فضلت أيامه بالعدل والإحسان أياما فأيّاما. وجوادا إن استمطر كفّه كان غماما. وإن اعتبرت قلائد مننه اتّسقت نظاما. وإن ذكرت فروسّيته كانت أعلا (٦) من عنتر وعبسيّته، ومن البطّال (٧)

стр. 18

وفروسيّته. وإن تلمّحت آراؤه (١) ألفي الصواب مكتنفا بجوانبها، والسّداد محيطا بمذاهبها. كمولانا السلطان الملك المنصور، السيّد، الأجلّ، العالم، العادل، المؤيّد، المظفّر، سيف الدنيا والدين (سلطان الإسلام والمسلمين) (٢)، قامع الخوارج والمتمرّدين، محّيي العدل في العالمين، أبي الفتح قلاون الصالحي، خلّد الله ملكه، فإنه أتمّ الملوك خلقا وخلقا، وأحسنهم وجاهة ووجها طلقا، وأطوعهم باعا، وأجلّهم أوضاعا، وأكثرهم إقداما، وأثبتهم أقداما، وأشرفهم أياما، وأوفرهم من العدل / ٣ أ / والإحسان أقساما. وقد تدارك الله به الأمّة، وأوضح به سداد أحوالهم وقد كان أمرهم عليهم غمّة. فكان نصر الله فجاء هو والفتح المبين، وسببه إلاّ أنه السبب المتين. ملك أغاث الله إذ وافا (٣) ... به بعد ما كادت تزيغ قلوب وأتى ونيران الضغائن تصطلى ... وبها قلوب المخلصين تذوب فيه وقد أمّ الرعيّة أخمدت ... ولقد لها لولا سطاه لهيب وكنت قد باشرت خدمته كاتب إنشاء سفرا وحضرا، ووردا وصدرا، ومعاني وصورا، وآيات وسورا، وخبرا وخبرا، وتأثيرا وأثرا. وكتبت عنه سرّا وجهرا. وشهدت وقائعه برّا وبحرا. واطلعت على ما لم يطّلع عليه غيري بمشافهته. وعلمت من أحواله ما لم يعلمه إلاّ كاتب سرّه بوساطة مشاركته. وحضرت مهادنته وموادعته. وكتبت بما استقرّ منها، وحرّرت نسخ الأيمان له وعليه. وأوضحت من شكوكها مبهمه، فأوجب على ذلك أن أسطّره (عند المثول بين يديه) (٤) محاسن أيامه الزاهرة، وأن أثبّتها لتغدو على ألسنة الأقلام على الدوام والاستمرار سائره، وأنا أشرع وبالله التوفيق.

стр. 19

ذكر ابتداء أمر مولانا السلطان أجمع الناس قاطبة ممّن عاصرته أنّه لم يرد البلاد في جلبة من الجلبات أحسن منه ولا أكمل، ولا أبهى ولا أجمل، ولا أتمّ خلقة ولا خلقا، ولا أصوب صمتا ولا نطقا. ولهذا ازدحمت عليه عند وصوله وهو ابن أربعة عشر (١) سنة أرباب الرغبات، وبذلت فيه الألوف من الذهب وأجلّته عن الماآت. فكان الألفيّ قامة، والألفيّ قيمة، وإنّه لأعلى وأغلى، والبدريّ صورة، والبدريّ سعرا، وإنّ محلّه لأجلّ وأعلا (٢). كان، خلّد الله سلطانه، عظيم الوجه والجهه، مزهر اللّون فدونه الزهرة والحيهه، غليظ المنكبين، مخرزم العينين. تامّ القامة، لم يزل عليه للسلطنة علامه، مهاب الشخص، لا يرى المتبع في تمام خلق الله فيه من نقص. ارتجعه السلطان السعيد الشهيد الملك الصالح / ٤ أ / نجم الدين أيوب بن السلطان الملك الكامل ناصر الدين محمد بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب. واختصّه لنفسه، واختاره لعظيم جنسه، وادّخره ليومه من أمسه، وحدس فيه وراثة الملك فما خاب في حدسه. وكبر في دولة الملك الصالح المذكور على صغر سنّه، وظنّ فيه خيرا فكان عند حسن ظنّه. ولمّا توفي السلطان الملك الصالح إلى رحمة الله صارت خوجد اشيّة (٣) له تبعا، والتفّوا عليه مقتدين به فلا يقفون إلاّ إن وقف ولا يسعون إلاّ إن سعى. وقامت شجر الدّرّ (٤) أمّ خليل بعد سيّدها الملك الصالح وهو على حاله

стр. 20

من التعظيم، واستولى الفارس أقطاي خوجداشه وهو عنده في غاية التبجيل والتكريم. وملك الملك المعزّ عزّ الدين أيبك (١) التركماني الجاشنكير (٢) الصالحي وهو عنده بأعلا (٣) رتبه، وأسمى هضبه. وصار الملك لولده قاقان وهو بالمحلّ الأسنى من دولته، والمكانة العظمى من مملكته. وإلى الملك المظفّر سيف قطز (٤) / ٤ ب / المعزّي وهو المشار إليه، والمعوّل في عقد المشور وحلّه عليه. وما من خشداشيّته إلاّ من اعتقل، وعن رتبته من التعظيم إلى ما ينافيه نقل. إلاّ مولانا السلطان فإنه لم تمتدّ إليه يد انحطاط قدر في دولة من هذه الدول. ولا تخلّل عظم قدره خلل. بل لم يزل أميرا يستشار، وكبيرا إليه يشار. ثم جاءت دولة السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس (٥) الصالحيّ، فأخذه بكلتي يديه، واعتمد في استقرار ملكه عليه، وجعله رأس مشورة، وخير مبتدئه ومبتدأ خبره. واعتمد معه ما لم يعتمده ملك مع أمير، ولا سلطان مع مشير. ذكر الأمور التي اعتمدها الملك الظاهر معه منها: إنه لم يقدّم شيئا عند تمام ملكه على تكثير عدد إمرته، وأجناد رتبته، وجودة أقطاعه، وتوفير جملة أرزاقه المناسبة لكثرة / ٥ أ / أتباعه، وقدّمه على المئين (٦)، واعتمد منه على القويّ المكين. وأنزله منه منزلة الشقيق، والصديق الشفيق.

стр. 21

ومنها: إنه تولّى أمر زواجه بنفسه، واختار له من يناسب علوّ جنسه. وكان من أمراء دولة الملك الظاهر (الأمير) (١) سيف الدين كرمون، وكان هذا المذكور من مقدّمي تمانات (٢) التتار في أيام هولاكو (لعنه الله) (٣) وأجلّهم عنده قدرا، وأكبرهم إمرة وأمرا. وألحقهم بعظمه، وأوسمهم بوسمه. فقصد المذكور دار الإسلام، ووفد على الملك الظاهر بوجه وضّاح وثغر بسّام. فتلقّاه بما يليق بمثله، وأجلّه بما يناسب عظيم محلّه. وجعله من أكابر أمراء الطبلخانات وراى لعظم قدره وقدومه، فوفّر لديه حسان الحسنات، فرأى الملك الظاهر أن يناسب، فخطب لمولانا السلطان إبنه المذكور مشافها بخطبة خطبتها، مواجها لأبيها من غير واسطة، موردا شريف نسبته ونسبتها، فأجاب، / ٥ ب / ولدعاء رغبته استجاب. وقرّر بنفسه معه مهرها، وحمله من ماله عنه. ورأى أنّ ذلك تفضّلا من مولانا السلطان لا منه. ثم أمر مولانا السلطان بمنظرة الشرف الأعلى المعروفة بالكبّش فهيّئت (٤)، وبأحسن الزينة زيّنت. وبفساقيها فملئت (٥) جلاّبا. وبنواحيها فشحنت شرابا. ووقدت قرم العود، وفتّتت أكر العنبر فكان إلى السماء ما لدخانه من الصعود. ورشّ الناس بالماورد المطيّب بالمسك إلى أن ضمّخت أردانهم، ودارت هنابات المخلوطات من العطريّات إلى أن شملت ولم يخصّ بها أعيانهم، ووقدت الشموع في كثرتها، وعبّي السكريح أهراما فراقت بهجتها. كلّ ذلك من مال مولانا السلطان (بمباشرة) (٦) غلمانه وأستاداريّته (٧). وحضرت القضاة والقرّاء والوعّاظ والمدرسون (٨)، وتمّ العقد على أحسن الصّور. ومنها: إنه لما عزم مولانا السلطان / ٦ أ / على الدخول بهذه الزوجة أمر الملك الظاهر بضرب دهليز تحت قلعة الجبل بسوق الخيل يوم العرس، ومدّ فيه سماط من

стр. 22

مال الملك الظاهر. وحضرت الأمراء على طبقاتهم، وجاءت التقادم بأمر الملك الظاهر على قدر نفوسهم وهمّاتهم، لمولانا السلطان فقبلها، وبالجبر استقبلها. ومنها: إصطفاء الملك الظاهر له بأن جعله نسبا وصهرا، واختيار جهته (١) لولده الملك السعيد بركة قان إذ كان به أدرب وأدرى (٢). ذكر الصورة في زواج السلطان الملك السعيد بجهة (٣) مولانا السلطان لما عهد الملك الظاهر لولده المذكور بالملك والسلطان، وعوّل عليه في كفالة الرعيّة لما توسّمه فيه من العدل والإحسان. وتمّت بيعته، وسارت سمعته. وحلفت له العساكر مصرا وشاما، وأعمل شياع البيعة فيه / ٦ ب / ألسنة وأقلاما. رأى الملك الظاهر أن يحصنه بالزواج، ويحسنه بحسن الازدواج، واستخار الله له فخار، ودلّه على من لا فوق فخاره فخار. وهي جهة مولانا السلطان فخطبها بأحسن خطاب، ودعا صلتها بأتمّ عائد من سفرائه فأجاب، ولما حصلت الإجابه، وصادف الرأي الإصابه. وهيّأ الإيوان الكبير الذي بقلعة الجبل المجاور لجامعها كما وصفناه، وعبّيت فيه قصور الذهب والفضّة. والذهب المعرّم في الأطباق للنثار، وحضر الملك الظاهر والأمراء والقضاة كما وصف. وكان كاتب الصّداق الصاحب محيي الدين عبد الظاهر خالي. ونسخته من إنشائه، ﵀، وكان من أجلّ الكتّاب، وأبلغ ذوي الآداب، (وأفصح أرباب الخطبة والخطاب) (٤). ومن عشّه درجت، ومن بين يديه تخرّجت. وهو بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله موفّق الآمال لأسعد حركه، ومصدّق الفال لمن جعل / ٧ أ / عنده

стр. 23

أعظم بركه، ومحقّق الإقبال لمن أصبح نسيبه سلطانه وصهره ملكه. الذي جعل للأولياء من لدنه سلطانا نصيرا، وميّز أقدارهم (١) باصطفاء تأهيله حتى جازوا نعيما وملكا كبيرا. وأفرد فخارهم بتقرّب (٢) حتى أفاد شمس آمالهم ضياء (٣) وزاد قمرها نورا، وشرّف به وصلتهم حتى أصبح فضل الله بها عليهم عميما وإفضاله كثيرا (٤). مهيّئا أسباب التوفيق العاجلة والآجلة، وجاعل (٥) ربوع كل أملاك من الأملاك بالنور من الشموس (٦) والبدور والأهلّة آهلة. جامع أطراف الفخار لذوي الآثار (٧) حتى حصلت لهم النعمة الشاملة، وحلّت عندهم البركة الكاملة. نحمده على أن أحسن عند الأولياء بالنعمة الاستيداع، وأجمل بتأهّلهم (٨) الاستطلاع، وكمّل لاختيارهم الأجناس من العزّ والأنواع، وأتى (٩) آمالهم بما لم يكن في حساب أحسابهم من الابتداء بالتخويل والابتداع. ونشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له / ٧ أ / (شهادة حسنة الأوضاع، مليّة بتشريف الألسنة وتكريم الأسماع) (١٠)، ونصلّي على سيّدنا محمد الذي أعلا (١١) الله به الأقدار، وشرّف به الموالي والأصهار. وجعل كرمه دار النعم في كل دار (١٢)، وفخره على من استطلعه من المهاجرين والأنصار، مشرق الأنوار، صلّى الله عليه وعليهم صلاة زاهية الأزهار. يانعة الثمار. وبعد، فلو كان اتصال كلّ شيء بحسب المتصل به في تفصيله، لما (١٣) استصلح البدر شيئا من المنازل لحلوله، ولا الغيث (١٤) شيا من الرياض لهطوله،

стр. 24

ولا الذّكر الحكيم لسانا من الألسنة لترتيله (١). لكن، ليتشرّف (٢) بيت يحلّ به القمر، ونبت (٣) يزوره المطر، ولسان يتعوّذ بالآيات والسّور (٤). ولذلك تجمّلت برسول الله ﷺ أصهاره من أصحابه، وتشرّفت أنسابه (٥) بأنسابه، وتزوّج ﷺ منهم وتمّت لهم مزيّة الفخار، حتى رضوا عن الله ورضي (الله) (٦) عنهم. والمرتّب على هذه القاعدة (إفاضة) (٧) نور يشهده (٨) الوجود، وتقرير أمر / ٨ أ /) يقارن سعد الأخبية (منه) (٩) سعد السعود، وإظهار خطبة تقول الثريّا لانتظام (١٠) عقودها: كيف، (وإبرام وصلة يغبظ السيف المجوهر بها كلّ سيف. ونسج صهارة يتمّ بها إن شاء الله كلّ رأى سديد) (١١)، ويتّفق بها (كل) (١٢) توفيق تخلق الأيام (١٣) وهو جديد، ويختار لها (خير طالع وكيف لا يختار من الطوالع السعيد. وذلك بأنّ مراسيم من هو مفترض الطاعة أرادت تخصّ أكبر الأولياء بالإحسان المبتكر، وتفرده بالموهبة التي رهب بها منه الحدّ المنتضى ويعظم الجدّ المنتظر. وأن يرفع من قدره بالصّهارة مثلما رفعه النبيّ ﷺ بالصّهارة من قدر صاحبيه وظهريه أبي بكر وعمر) (١٤). فخطب إليه أسعد البريّة، وأعزّ من تحميها (١٥) السيوف المشرفيّة،

стр. 25

وأجلّ (١) من يسبل (عليها ستور الجلالة الحفيّة) (٢)، وتتجمّل بنعوتها العقود، وكيف (لا) (٣) وهي الدّرّة الألفيّة، فقال (المخطوب إليه) (٤): هكذا ترفع الأقدار وتزان، وهكذا يكون قران السعد وسعد القران (٥). وما أعظمها معجزة / ٨ ب / أتت الأولياء من لدنها سلطانا، وزادتهم مع إيمانهم إيمانا. وما أفخرها صهارة يقول التوفيق لسرعة إبرامها (٦): ليت، و (ما) (٧) أشرفها عبوديّة كرمت سلمانها بأن جعلته من أهل البيت. وإذ قد حصلت الاستخارة في رفع قدر (٨) المملوك، وخصّصته بهذه المزيّة التي تتقاصر (٩) عنها آمال أكابر الملوك. فالأمر لوليّ النعمة (١٠) في رفع درجات عبيده كيف يشا، والصدق (١١) بما يتفوّه به هذا الإنشا، وهو. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هذا كتاب مبارك تحاسدت رماح الخطّ وأقلام الخطّ على تحريره، وتنافست مطالع الأنواء (١٢) ومشارق الأنوار على إبداء (١٣) مسطوره، فأضاء نوره (١٤) بالجلالة فأشرق، وهطل نوّه بالإحسان فأغدق. وتناسبت فيه أجناس تجنيس الفضل فقال الاعتراف: هذا ما تصدق. وقال العرف: هذا ما أصدق. واحتفل بأمر هذا الكتاب أتمّ احتفال، واختير له أتمّ طوالع اليمن والإقبال. وكانت الوزارة / ٩ أ / يومئذ

стр. 26

معدوقة بالصاحب الوزير بهاء الدين (علي بن) محمد، وكان ممّن أعطى المنصب حقّه وزاد، وظهر من القعدد في صورة جرى فيها على المألوف من قعدد الوزارة المعتاد. فقام بشروط هذا العقد أتمّ قيام، وأمر بحضور القضاة والحكّام، والأمراء ذوي النقض والإبرام، والقرّاء والوعّاظ، وكاد لكثرة جمعهم أن يضيق بهم ما للملك من سعة المقام. وكان قد وقع الاختيار على قراءته، وتمام عقده عند صلاة الفجر على ما اقتضاه الطالع، فلم يتّفق أن قرئ إلاّ بعد الإسفار، وتبلّج وجه النهار، وما كان إلاّ ما سرّ، وما ضرّ، ولا خولفت عادة السعد بمخالفة الطالع، بلا حلا استحلا تلك القصور في ضوء الشمس وإن ذهب وقت الاختيار ومرّ. وكنت حامل هذا الكتاب إلا أنّي حطّيته واسترحت بما نابني من عموم فضله، ووصلني به الصدر محيي الدين من صلته، وما زلت منضويا إلى سابغ ظلّه. واقتضى لي التدريب في صنعة كتابة / ٩ ب / الإنشا أن أجرّب القريحة، وقد كانت من دأب الكدّ إذ لم أكن بعد تعلّقت بخدمتهم مستريحة، أن أنشئ (١) مثال ما أنشئ في هذا المعنى فأنشأت: الحمد لله الذي ألّف بين الحلبات من القدم فأحسن التأليف، وعارف بينها بما قدّر من الأزل فلم يكن عن نكرة ذلك التعريف، منوّه من اجتباه حسن الاختيار من حيث لا يحتسب، ومخوّل من اصطفاه من غدا به يزداد شرفا به حين ينتسب. ومعلي مكانة من خوطب بما لم يكن في أمله من الصّهارة حين خطب، ومريده بأهليّة التأهّل تنويها إلى تنويهه، ومتمّ نعمة من أخفق على رأسه لواء الحمد تنبيها إلى تنبيهه. جاعل وسيلة النكاح إلى مزيّة القرب أتمّ وسيله، وصلته بعائد علوّ الذي ما زال يوضح سبيله. نحمده على حسن تأهيله، وتضاعف مجده وتأثيله. ومزيّة قربه وقرب مزيّته، وصلاح تمامه وتمام صلاحيّته. / ١٠ أ / وتهيئة أسبابه وأسباب تهيئته (٢). ونشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له شهادة (من حكم له) (٣) صحيح الاعتقاد البادي من خلوص خطابه، وقضى له توحيده بجزيل ثوابه. الذي يجد نفعه إذا تديّر الفردوس وثوى به.

стр. 27

ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، الذي بعثه الله بما بهر به الألباب، وهدى به الأمّة إلى شريفي السّنّة والكتاب. صلى الله عليه ما ادلهمّ ظلام وانجاب. وعلى آله وصحبه السادة الأنجاب. وسلّم تسليما كثيرا. وبعد. فإنّ توخّي المناسبة فيما يعزم عليه اللبيب أولى وأتمّ، وملاءمة ما فيه مشاكلة عند ذوي حسن النظر من الأمر الأهمّ. ثمّ ولا شبهة ولا ريبة أنّ الجنسيّة علّة الضمّ. ومن رأي أرباب العقول التخيّر للنطف، وصرف الهمّة إلى الأليق وما كلّ من صرف صرف. ومن سداد ذوي النقد أن لا تجعل واسطة عقدها إلاّ الدرّة المتنافس في اقتنائها، والثمرة الزكيّة الأصل واجتنائها، وأن لا تودع الدّرّة إلاّ عند حافظها الأمين، ولا / ١٠ ب / يناول كتاب مجد مجدها إلاّ لمن تناوله باليمين. ولا يؤهّل لها إلاّ من ومن، ولا يعوّل في تلبّسها إلاّ على من هو عند حسن الظنّ. وكان من اللطف من اختاره الله لبلاده وعباده، وملّكه أقصى طارق الملك وتلاده، وحكّمه في رقاب الأمم، وبسط لسان حكمه في العرب والعجم، وفتح به ما استغلق من الحصون، وأباح بعزائمه من أرواح أعداء الله كلّ مصون. وسيّر ذكر عظم سلطانه في الأرض مثلا، وأوضح برعب سطواته سبلا فسبلا. وأخمد به ثائرة الطغيان، وأطفأ نائرة ذوي البغي والعدوان. وشاء الله فجعل بغزوة الناس أمّة واحدة، وحقّق عندهم أنّ الدين عند الله الإسلام فغدت بعظمته ما بين راكعة وساجده، مولانا السلطان الملك الظاهر السيّد الأجلّ، العالم، العادل، المؤيّد، المظفّر، المنصور، ركن الدنيا والدين، خلّد الله ملكه مدى الأيام، وأسّس قواعد ملكه على إحكام التشييد وتشييد الأحكام. / ١١ أ / ملك أنسى الله بزمانه كل زمان، وأذلّ بعزائمه من لم يدن ومن دان. وبسط يده فدهم الأعداء بما لم يكن لهم به يدان. وصوّب رأيه في كلّما يأتي ويذر، ولا شبهة في أنّ الملوك نقيّة الأذهان. ولا كذهنه الخارق، وحدسه الصادق، وفكره الفائق الرائق. ولما كان بهذه المثابة من حسن النظر، وهذه المكانة من شريف التأثير والأثر، أنعم النظر لولده وليّ عهده، والكافل الرعيّة لا أناط الله بعده من بعده، مولانا السلطان الملك السعيد ناصر الدنيا والدين، أمتع الله (من) (١) وكلّ منهما بالأسد وشبله، والفرض ونقله، والسيّد ونجله، في جهة (٢) يودعها ما تنتجه السلطنة من مقدّمات نسله

стр. 28

الطاهر، ونجله الزاهر، فعمد إلى أكبر أمراء دولته، وزعماء مملكته، ورأس مشوره، وواسطة عقد درره، وأجلّهم نوعا وجنسا، وأكثرهم بسلطنته الشريفة أنسا، وأتمّهم صورة ومعنى، وأعمرهم قلبا ومغنى. وأجلّهم خلقا وخلقا، / ١١ أ / وأشرفهم صداقة وصدقا. وأعلاهم من سلطنته محلاّ، وأمضاهم سيفا، وإذا كانت السيوف عاطلة كان هو السيف المحلاّ (١)، بجواهر اصطفائه، وأحسن السيوف ما كان محلاّ، وهو فلان، فخطب إليه عقيلته التي دلّ شرف إبائها وآيائها، المتلمّحان (بما لحسن النظر) (٢) في ثخانة خبائها. في أحسن الصّور، المحجّبة حتى عن الشمس و ﴿الشَّمْسُ﴾ لا ﴿يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ (٣). وركن إليه فها وإن لم تتساوى (٤) الرتب، وعوّل عليها وإن سمت (سلطنته) (٥) عن خطبة أمره من إليه خطب. وهل من أحصر كمن بثّ حديث الفخار فأحسن نثا وبثّا، ثمّ وليس الذّكر - (كما في محكم التنزيل) - كالأنثى (٦) إلاّ أنّ هذه قاربت وقارنت، وعيّنت وعاينت، وأذّنت وأذنت، وأهلّت وأهلّت. ولا شبهة في أن البيت بساكنه، والجوهر بحسن معادنه، والثوب بلابسه، والنور بقابسه. والجواد براكبه، والسيف بضاربه، والقلم بكاتبه. والمكتوب إليه بمكاتبه، واللواء بعاقده، والدّرّ بناقده، والعقد بثمينه، والذكر الحكيم / ١٢ أ / بمبينه. والقوس بباريها، والكتيبة بمباريها. وقد اقتضى هذا التفصيل جملة هذا التفصيل، وهذا التفريع إجلال هذا التأصيل، وهذا البكور إمتاع هذا الأصيل. وليس بأول مملوك رفع مالكه لا بل ملكه من قدره، ولا بأوّل مأمور نوّه أمره من ذكره. والأقدار على قدر معليها، والقيمة بحسب مغليها، والهدايا على قدر (٧) المهداة إليه في هذا المحلّ ولا أقول مهديها. وحين جرت الصدقات السلطانية على مألوف درر اقتنائه وإلفيّها، ومعهود عهاد سحب إندامه الدّارّة في كلّ دار ووليّها. أن يتلى ما يقضي بنفي التحريم بما للتحليل من إيجاب. وأن يجعل بسم الله الرحمن

стр. 29

الرحيم فاتحة هذا الكتاب، السعيد السعيديّ، وما زالت فاتحة أمّ الكتاب. [مكاتبة صاحب قيساريّة الروم للظاهر بيبرس] ونعود إلى ما كنّا فيه من أحوال مولانا السلطان فنقول: واستمرّت هذه الصّهارة، وكانت على مال (١) الملك إلى مولانا السلطان أتمّ أمارة. واتّفق ما اتّفق (٢) من دخول الملك الظاهر قيساريّة (الروم) (٣) بمكاتبات إليه من معين الدين سليمان البرواناه (٤) النائب بها ومراسلات وتوسّلات وتوصّلات، وتحيّلات وتنصّلات، فإنّ البرواناه هذا أنف التتار، وأراد من جورهم الفرار، ولاذ بظلّ الإسلام وبملكه استجار. وأراد أن يكون من المهاجرين عندما توافيه الأنصار. وتردّدت منه المكاتبات، ولانت (منه) (٥) بالمسكنة المخاطبات. فحملها الملك الظاهر على أهوالها، وأقدم، ولم يفكّر في (عقبى) (٦) تغريراته ولا سوء مآلها فعزم، وبما ألزمه البرواناه من إنجاده التزم. وقصد الشام بعساكر لو نزلت على الرمال لكثّرتها، أو الجبال لكوّرتها. فإنه ﵀ كان حسن النظر في أمر عساكره ممدّا له بالأنعام، مدرّا أرزاقهم إلاّ أنه الإدرار العام. وكان مولانا السلطان أمام جيشه يقدمه بأنوار طلعته، ويهديه وكفى بالمطايا في الإدلاج توقّد أشعّته. فحين وصلوا إلى / ١٣ أ / الفرات شاهدوا من ذلك البرّ جمعا من التتار، وشرذمة تكون عشرة آلاف من المغل الكفرة الفجّار. فلم يلبث مولانا السلطان أن رمى بنفسه مقحما إلى هؤلاء التتار، هول ذلك التيّار. وتبعته العساكر والملك الظاهر في الساقة، فوجدوا القوم قد استعدّوا للنضال صمّى النصال، فحمل مولانا السلطان عليهم أولا وثانيا، وكرّ وما فرّ، فيكون لعنان العنان

стр. 30

ثانيا. فجدلوا القوم عن آخرهم صرعى، وكانت النصرة بمولانا السلطان بحقّ أوّليّته عقلا وشرعا. ثم جدّ الملك الظاهر في السير في خراب من البلاد، وعدم أقوات لا تثبت معها القوّات لعدم الطارف والتلاد. ولم يزل إلى أن دخل قيساريّة الروم، وبلغ منها المروم. وجلس على كرسيّ آل سلجوق، وخطب باسمه على منابرها من غير عائق يعوق، وملكها ملك يمين، وتحكّم فيها تحكّم من لو شاء لقطع ممّن بها الوتين. إلاّ أنه أبقى أهلها على ما هم عليه، / ١٣ ب / وخرج منها وعينهم متطلّعة إليه. وكلّ ذلك برأي مولانا السلطان الذي ما خاب مستشيره، وقوّة جأش جيشه الذي ما خذل به أميره. وأمّا ابن البرواناه فإنّه لم يف بقوله، ولا ثبت لورود العسكر المصريّ وهوله. ورأى أنّ السلامة في ذهابه، وحسب حسابا فجاء حساب الزمان غير حسابه. فخرج منها قبل ورود العساكر الإسلامية خائفا يترقّب، وصار من المذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء بما أساء إلى كلّ وأذنب (١). [وفاة السلطان الظاهر بيبرس] وعاد الملك الظاهر إلى دمشق كما بدى (٢)، وسلك طريقه في استشارة مولانا السلطان التي وجد عليها هدى. فحلّ بدمشق وقد حلّت منيّته، وخابت في البقاء أمنيّته. فمرض أياما قلائل، ودرج بالوفاة إلى رحمة الله تعالى (٣).

стр. 31

[سلطنة الملك السعيد وليّ العهد] فقام مولانا السلطان بعده بحسن الخلف، وأخفى أمر وفاته / ١٤ أ / حتى كاد (أن) (١) يخفيها عن نفسه، وأظهر عن الخروج عن عهد الملك السعيد غاية الصّلف. ولمّ شمل العساكر المنصورة، والخزائن المعمورة. وأحضر الجميع إلى الديار المصرية موهما أنّ الملك الظاهر مريضا (٢) وفي محفّة استصحبها، وأمور كتمانيّة رتّبها، وأخلاق شرسة من ذوي التفقّر بهيبته هذّبها. ولمّا استقرّ شعار الملك بقلعة الجبل أخذ في تجديد اليمين للملك السعيد فجدّدت، وفي تأكيد أسباب ولاية عهده فأكّدت. وأحلّه منه محلّ الولد، ورعى فيه وصيّة والده ناويا أن لا ينقضها طول الأبد. وهاب مولانا السلطان من في قلبه مرض، وخافه من عرض له بعد وفاة الملك الظاهر غرض. واستقرّ الملك السعيد سلطانا مطاعا، وملكا مراعى. [خروج الملك السعيد إلى دمشق لمواجهة التتار] وأخذت أخبار التتار تقوى، ووارداتها تزداد من ذوي السرّ في المكاتبات والنجوى. وتحقّق أنّ سائرهم إلى البلاد سائر، (مكافأة) (٣) وحنقا على خفيّة نكاية

стр. 32

الظاهر. / ١٤ ب / فأشار مولانا السلطان بمعاجلة القوم، وخروج الملك السعيد في جيوش والده ليخلف أمسه في اليوم. فخرج وبرز على مسجد التبن، (١) وبه خيّم، وعلى قصد القوم حتّم، فأوهمته مماليك أبيه وحسّنت له مخالفته وتأبّيه. فعاد إلى القلعة، وما حمدت منه وقد رجع عن الصواب تلك الرجعة. وبلغ ذلك العدوّ فازداد طمعهم في البلاد، وساق أبغا بن هولاكو - لعنهما الله تعالى - إلى أن وصل إلى موضع المقتلة بمن حوله من السواد. وقربت الأخبار، وجاء من النوّاب بالشام أنواع الإنذار والإعذار. فصمّم مولانا السلطان على أن لا بدّ من الخروج ضربة لازم، وعزم عليه عزم اللبيب الحازم. فلم يسع الملك السعيد إلاّ الموافقة، وعزم، إلاّ أنها عزمة غير صادقة. ولم يزل إلى أن وصل إلى دمشق، ومولانا السلطان يكنفه بحسن دفاعه، ويحيط عنه الأذى بأوليائه من خوجداشيته وأشياعه. / ١٥ أ / فاستقرّ بقلعة دمشق المحروسة، وغدت به (بعد) (٢) وحشة أبيه مأنوسه. ومولانا السلطان يرفرف عليه بحفظ جناح أبوّته، وإن كانت بنوّته هي المأمورة من الله بحفظه، ويترك حظّه من الملك وإن كان من استحقاقه أكبر حظّه. وأمّا العدوّ، فإنّهم أحجموا، وفشلوا وما أقدموا، وخافوا وما حافوا، إلاّ أن الملك السعيد وافق من حوله من ذوي اللهو، وأرباب الزّهو، فانعكف وما اعتكف، واستمطر سحاب المكرم (الأكرم) (٣) وقد وكف. وما كفّ في تناوله ساعدا ولا كفّ. واحتجب عن الرأي وصوابه، والقول وجوابه. وصار مولانا السلطان والأمراء الصالحيّة يحضرون إلى الخدمة فلا يؤذن لهم ولا يعتذرون، ويرجعون ولا تسل كيف يرجعون. واستمرّ الحال على هذه الصورة، وصارت أوقات الملك السعيد على مثل ذلك مقصورة، لا بل محصورة. [غضب الأمراء من الملك السعيد لاستهتاره ولهوه] واتّفق أنّ مولانا السلطان وخوجداشيّته الأمراء الصالحيّة، وهم كالأمير علم

стр. 33

الدين سنجر (١) الحلبيّ، / ١٥ ب / والأمير بدر الدين بيسري الشمس، والأمير شمس الدين سنقر الأشقر (٢)، والأمير علاء الدين طيبرس الوزيري (٣)، والأمير عزّ الدين أيبك الأفرم، والأمير بدر الدين بيليك الأيدمري، والأمير بدر الدين بكتاش أمير سلاح (٤)، والأمير شمس الدين سنقر المسّاح، والأمير سيف الدين بلبان المستعربي، والأمير شجاع الدين طغريل الشبلي، كلّ هؤلاء كانوا أمراء صالحيّين جالسين بدركاه (٥) القصر الأبلق (٦) الظاهري بدمشق المحروسة قبل العصر وقت الخدمة وهم ميمنة وميسرة، ومعهم من الأمراء الناصرية والظاهرية جملة كبيرة. ومماليك الملك السعيد، بأعلا (٧) هذا القصر عنده في رقص ورهج يسمع من بعيد، فكيف من قريب. واتّفق أنّ أحد مغاني العرب الشعراء الذين في الخدمة سكر وعربد، فأنزل، وخرج من باب القصر وهو يتمايل، وكاد (أن) (٨) يتعلّق بمولانا السلطان فما مكّن، وحصلت أنفة من مثل ذلك / ١٦ أ / وتغيّر ظهر على مولانا السلطان وعلى أولئك. فقام منصرفا من الخدمة بغير دستور، وتبعته الأمراء وتسايروا، (وتساوروا) (٩) وتشاوروا، وما تساوروا. فلمّا بلغ الملك السعيد انصرافهم على هذه الصورة، وظهور قضيّتهم التي كان في الظّنّ أنها مستورة. وأنّ سبب هذه القضيّة أحد شعرائهم ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾ (١٠)، فجرأته بغيبة ذهنه على الأمراء لا بل هم الملوك الحاضرون. فبادر الملك السعيد قاصدا القلعة، وشارع مستدركا فارط تلك الشناعة لا بل الشنعة. وحضر مولانا السلطان هو والأمراء المذكورون ثاني هذا اليوم إلى قلّة قلعة

стр. 34

دمشق، وطلبوا إذنا فأذن لهم، فحين حلّوا في منازلهم من الملك السعيد، وتمكّن مولانا السلطان من القول ولم يزل متمكّنا من قريب وبعيد. قال للملك السعيد: إنّما أخرجناك ليشيع بين الأعداء قوّة سلطانك، وظهور برهانك. لا أن نتفرّج في / ١٦ ب / الشام، ولا أن يسير عنّا ما يحطّ من قدر الإسلام. وحيث قد حللنا بهذه الأرض فلا بدّ لحلولنا من تأثير، ولا مندوحة أن يعتمد ما يحمد معه عاقبة (١) هذا المسير. فقال الملك السعيد: وما الرأي؟ قال مولانا السلطان: الرأي أن نتوجّه أنا والأمير بدر الدين - يعني بيسري - بالعساكر المصرية والشاميّة، ونفتح قلعة الروم، ونغار (٢) على سيس (٣). فأمّن الملك السعيد على قوله، ورجع إلى قوّته في الرأي وحوله، وتقدّم إلى العساكر المنصورة بالتّوجّه صحبتهما، وشكر الله وللناس علوّ همّتهما، ورسم، فكتبت مثالا مطلقا عن الملك السعيد. [الكتاب بمسير العساكر إلى قلعة الروم وسيس] ومثاله إنّا قد تقدّمنا (٤) المجلسان العاليان فلان وفلان بالعساكر المصرية والشامية لفتح قلعة الروم والإغارة على بلاد سيس، فعند وقوف كلّ من النوّاب بالبلاد الشامية يبادر (إلى) (٥) امتثال أوامرهما، / ١٧ أ / والمسير صحبتهما من الجبليّة وغيرهم، وإحضار ما يستدعيانه من آلات الحصار، والحذر من مخالفة ذلك. وكتب إلى الملك المنصور صاحب حماه بالمسير صحبتهما بعسكره. وفارقا دمشق متوجّهين لهذه المصلحة بهممهم المستنصحة (٦).

стр. 35

[الخلاف بين أمراء الملك السعيد بدمشق] واستقرّ الملك السعيد بدمشق، وعنده الأمير علم الدين سنجر (الحلبي) (١) الكبير، والأمير شمس الدين سنقر الأشقر، فإنهما كانا قد اعتقلا وأخرجا، وسافرا معه بلا أقطاع، وهذا أكبر أدلّة سوء التصرّف. وتأخّر عنده من مماليك والده جماعة، كالأمير شمس الدين سنقر التكريتي، وحسام الدين لاجين الزيني، وعزّ الدين أيدمر الدوادار الظاهري، والسّقسيني، وجماعة من الظاهرية، أمراء وغير أمراء. وكان سيف الدين كوندك السّعيدي نائب السلطنة إذ ذاك، فحصل بينه وبين المذكورين تنافس، وانضمّ إلى كوندك جماعة من الأمراء السلاح داريّة الظاهرية التتار، وصاروا قبيلتين. مستعربة وتتار. وقامت / ١٧ ب / بينهم الفتن، وتغايرت المحن. وقصدت المستعربة منهم أن يبطش بكوندك، ووقفوا له في الدّهاليز السلطانية، وطلبوه على لسان الملك السعيد، فقام وتوجّه إلى داره قاعة رضوان بقلعة دمشق، فعظم ذلك عليهم. وتردّدت الرسل إليه وإليهم، فلم يوافق على الحضور إلى الملك السعيد، ولا جاوبهم إلاّ من بعيد. فلما اشتدّ امتناعه عليهم، وأكبّت عليه السلاح داريّة الظاهرية إكباب مستهون لا مستهول كلّما يجرّه ذلك إليهم، فعند ذلك طلب الملك السعيد الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، وسيّره إليه منكرا عليه، فأبدى إعذارا، وإنكار أحوال في مثلها لا يمارى. وخرج من قلعة دمشق إلى الشرف الأعلا (٢) منزل الأمير شمس الدين سنقر الأشقر بإشارته إلى أن يأمن على نفسه، ويتوسّط الأمير شمس الدين بينه وبين أبناء جنسه. فما كان إلاّ أن استقرّ، ريثما غرّ، ثمّ فر، وساء وما سرّ، وأضرأ وضرّ. وركب هو وعصبته وبات بين البساتين. / ١٨ أ / وأظهر أنّ ذلك خوف وهلع وهول وجزع. فعزم من عند الملك السعيد على الركوب إليه وإلى من معه، فلم يره الأمير شمس الدين والأمير علم الدين مصلحة، وأنّ استجلابهم بالحسنى قضيّة مترجّحة (٣).

стр. 36

[مفارقة كوندك للسلطان] ورسم، فكتبت كتابا عن الملك السعيد إلى سيف الدين كوندك مضمونه التأمين، فما أخذه باليمين، ولا ألوى على مضمونه بحكم ما دلّه على هلاكه من الحدس والتخمين. وداخله الشكّ إلاّ أنه أزال الشكّ باليقين. وما كان منه وبين القرار إلاّ أنّ خرجت إليه أثقاله، وأمّته بحصول خزانته في القبضة أمواله. ثم سار يطوي الأرض بالطول والعرض، والسّنّة من نجاته وبمن معه والفرض. قاصدا مولانا السلطان وقد كان راجعا بالعساكر المنصورة من وجهته، وآتيا من فورته. [مكاتبة الملك السعيد إلى قلاون بشأن كوندك] ورسم فسرّح الطائر حاملا بطائق كتبتها إلى مولانا السلطان، مضمونها: / ١٨ ب / «إنّ الأمير سيف الدين كوندك كان قد حصل بينه وبين الصبيان خصومة أوجبت غضبه وخروجه بجماعة من السلاح داريّة، فإذا وصل يسكّن خاطره، ويحضره في الأمان والدّعه». وأطلعت الطيور مسرعه، وعاد الجواب على أجنحتها بالسّمع والطاعه، وأنه يبذل في رضاه أو غضبه إن لم يرض جهد الاستطاعه. فلمّا وصل سيف الدين كوندك قال وأطال، وبلغ غرضه من نجاة نفسه بالصحيح والمحال. وجاء كتاب مولانا السلطان بأنه حاضر معه إلى الأبواب السعيدية، إلاّ أنه بعد أن ملأ سمعيه، ونقل ما عزم الملك السعيد ومن حوله في حقّ مولانا السلطان عليه. وهو - خلّد الله سلطانه - يصدّق ويكذّب، ويصعّد فكره ويصوّب، إلى أن وصل إلى القابون، وكاتب: هل يكون الدخول بتطليب أو ترتيب، أو لا ترتيب؟ (فأجيب) (١) وقد فهم عنه وهم أحدثه كوندك بأن لا تثريب،

стр. 37

وأن / ١٩ أ / يكون الدخول مطلّبا (١)، وبالترتيب الأول مرتّبا. وأنه في باكر يخرج لملتقاه على العادة. فلما كان من باكر ركب للملتقى، فلم يزل إلى أن فارق عمارة دمشق، فأوقف وأشير عليه أن لا يتعدّى، وخوّف ممّن يتعدّى. رجع من الطريق، وكانت ساعة قضت إلى الساعة بالتفريق. وكان مولانا السلطان قد ركب في العساكر، وسارعن المنزلة، فلما بلغه رجوع الملك السعيد كثر وهمه، وقوي على ما قاله كوندك عزمه. وعاد إلى المنزلة التي فارقها فنزلها بالعساكر، وضرب مشوارا فيمن معه من أمراء الحلّ والعقد، فما كان منهم إلاّ من هو لنصح كوندك شاكر (٢). ذكر ما ترتّب على هذه الرجعة للملك السعيد من المفاسد وأقام مولانا السلطان بالمنزلة التي رجع إليها لما رجع الملك السعيد عن الملتقى، والعساكر المنصورة طائعة / ١٩ ب / لأمره، منضوية إلى علوّ قدره. عالمة أنّ المصلحة في موافقته، والسلامة مقرونة بمرافقته. هذا والرسل إليه متردّدة، (والكتب بما يلين أعطافه متودّده) (٣)، وهو يأبا (٤) إلاّ أن يخرج إليه الملك السعيد، وأنه لا بدّ من تلقّيه كعادة الملوك معه إذا قدم من قريب أو بعيد. فلمّا طالت الإقامة، وحصلت السّآمة، وسمجت الملامة، وظهرت للصدق على ما قاله كوندك علامه (وأيّ علامه) (٥)، رحل مولانا السلطان بالعساكر المنصورة ونزل بالكسوة، وحال بين الملك السعيد وبين مصر بما للأنفة من قسوة. فاختبط رأي الملك السعيد، ورأى من حوله من مقيمي هذه الفتنة، وضعفت منهم المنّة. هذا، وكوندك مع مولانا السلطان يغريه، ويجتهد فيما من الغرض يبديه. وكان قد رسم له الملك السعيد قبل التحويل بأن يتوجّه إلى حلب يكون بها أمير أربعين فارس (٦).

стр. 38

وكتبت منشوره في قطع الثلثين، وهي عادة صاحب المائة فارس. وسيّر إليه قرينه الخلعة المزركشة، / ٢٠ أ / والشاش الكافوريّ، وهو تناقض بيّن، وتفاوت وجه الهلع فيه متعيّن. فلبس التشريف ولم يقبل المنشور ولا رضي أن يتوجّه بل لاذ بخذلانه من الانتماء إلى مولانا السلطان بالمنصور. واقتضى رأي الملك السعيد ومن حوله أن ينادي بالنفقة، وعبّيت الدنانير المألّفة (١) بالإيوان بقلعة دمشق، فما كانت لمن نفر بالمؤلّفة. ولم يحضر أحد إلاّ من لا يؤبه إليه، ولا يعوّل عليه. فلما لم تتمّ هذه الحيلة، ولا أفادت جلب شرذمة كثيرة ولا قليلة، عقد الرأي على أن يركب الملك السعيد ويتوجّه من طريق الكرك ويسبق القوم ويحصل بقلعة الجبل، وظنّوا أنّ ذلك من أعظم الحيل، فركب ليلا، وركبنا معه، وأمامه الخزانة على الهجن، فلم يجد سبيلا إلى الذهاب، وكاد يزك مولانا السلطان أن يأخذ الخزانة لولا أسرعت في العود والإياب. وعدنا من ليلتنا إلى دمشق، وأخذ مولانا السلطان في الرحيل قاصدا الديار المصرية في سكون وهدوء وتؤده، / ٢٠ ب / في رواح وغدوّ. [توسّط والدة الملك السعيد لدى قلاون] ولمّا استمرّ ذلك من مولانا السلطان حصل الرأي على أن تخرج والدة الملك السعيد إليه، وتدخل دخول الحريم عليه. فركبت في المحفّة السلطانية وفي خدمتها عدّة من المماليك، فأدركت مولانا السلطان وهو سائر في الأمراء الأكابر والعساكر، فحين أقبلت ترجّل مولانا السلطان هو والأمراء الأكابر. وقبّلوا لها الأرض ومشوا ميمنة وميسرة، وكانوا قد قربوا من المنزلة، وضربت على المحفّة خيمة وجلسوا بين يديها. وغضّوا الأبصار عن النظر وإن كانت محجّبة إليها. وأخذت في استعطافهم بكل طريق، وحدّثتهم بما لعظمتهم يليق. وممّا قالته: إن كان لكم غرض في الملك فخذوه ودعوني وولدي ننضوي إلى جهة تختارونها (ولا تؤذوني فيه) (٢). فحلف مولانا السلطان: إنّ هذا لم يكن من غرضنا، ولا من شفاء

стр. 39

مرضنا، ولا لنا ميل إلى ملك ولدك، ولا أن نؤذيك في فلذة كبدك. وأخذ في إقامة عذره، بما حصل في حقّه وحقّ خوجداشيّته في علوّ قدرهم وقدره. وأخبرها بما ذكره كوندك من أخذ / ٢١ أ / إقطاعاتهم، والعزم على اعتقالهم مع خلوص طاعاتهم. وأنّ رجوعه عن ملتقاهم أكّد عندهم صحّة ذلك، وسلك هو في سوء الظنّ مسالك وأيّ مسالك. وإنّا أقمنا هذه المدّة على أن يستدرك الفارط بملتقانا فما استدرك. ثم وسيّرنا إليه هذا الأمير ركن الدين أباجي الحاجب بشروط يحلف عليها فما حلف والشرط أملك. وبالجملة، فها نحن مقيمون بهذه المنزلة، إلى غد آخر النهار لتعودي إليه بشروطنا، وهي: إنّ من كان أميرا من مماليك والده يخرج ويمشي مع الأمراء، ومن كان مقدّما يمشي مع المقدّمين، ومن كان مفرديا يمشي مع المفاردة، ونحن نتولاّ (١) وظائف خدمته بنفوسنا وأولادنا. فالتزمت لهم ذلك، والتفتت إلى مولانا السلطان وقالت: يا بي لر (٢) كان الشهيد - تعني الملك الظاهر ﵀ قد أوصاني بأنّه إذا حصلتم في ضائقة تقولي لفلان - تعنيه - بأمارة ما كنّا داخلين الروم وأخرجت له من عبّي جوجكنانه (٣). وقلت له: هذه مخبّية (٤) لك في عبّي منذ يومين / ٢١ ب / فهو يساعدكم. فقال لها مولانا السلطان: أمارة صحيحة إلاّ ما أساعدكم على نفسي، وقطع خبزي وحبسي. وعادت فأخبرت ولدها بشروطهم فوافق، إلاّ أنّ مماليك أبيه لم يوافقوا، وكادوا أن يقيموا فتنة، والفتنة أكبر من القتل، وإليها تسابقوا. وأمّا مولانا السلطان ومن معه فإنّه وفى بشرط الإقامة إلى أن فات وقتها ورحل، وعن تلك المنزلة إلى أخواتها انتقل (٥). ذكر ما اعتمد ممّا لم يتمّ وفي غضون (توجّه) (٦) مولانا السلطان قاصدا مصر بلغ الملك السعيد أنّ

стр. 40

الأمير الحاجّ علاء الدين طبرس الوزيري، وهو من أجلّ الأمراء قدرا، وأنوههم ذكرا، وأوسعهم صدرا، وأعلاهم محلاّ، وأسدّهم عقدا وحلاّ، وأوفاهم عهدا، وأبذلهم في الوقوف عند الإيمان جهدا، بلغه أنه أبى عليهم المرافقة، (وأنف وفاء بعهد الظاهر والسعيد الموافقة) (١). فاعتقدها الملك السعيد فرصة تنتهز، وموعدة تنتجز، فرسم بكتاب إليه مضمونه: / ٢٢ أ / «إنّه قد بلغنا حسن عهده، ووقوفه من الأيمان عند حدّه، وإنه لم يطع القوم، ولا سام على مالنا من سوم، وقد شكر الله ونحن له هذا الوفا، واصطفيناه لنفسنا وحقّ له الاصطفا، وانتدبناه لشفاء ما عرض من مرض غرض فكان مصطفى هذا الشفا. وفوّضنا إليه نيابة سلطنتنا، وعوّلنا عليه في تدبيرها، واعتمدنا على علوّ همّته وجميل تأثيرها. فالمجلس العالي يتلقّى هذه الولاية بالقبول، وليجهد في تبليغ الأمل والسّول، وقد كتبنا إلى أمراء العشرات ومقدّمي الحلقة وأجنادها لكلّ كتابا بمفرده وأمرناهم أن يجيبوا داعيه، وأن لا تكون أذنه لغير أمره ونهيه واعيه. فليعلم ذلك وليجهد في ردّ من خرج عن الوفاء، واقتفى في مخالفة عهده سوء الاقتفاء. ونحن من ورائه جاهدون، ولمرادفته مجتهدون. وقد أصدرناها ورجلنا في الركاب، وتلبية داعيه سابقة لمخاطبة هذا الخطاب في العساكر الشامية ومن استجدّيناه من الأجناد. وما ثمّ - نحمد الله - عاقة عن إنجاده، / ٢٢ ب / ومتابعة اجتهاده. فيهتمّ بما ندبناه إليه، وما عوّلنا فيه عليه. والله يجعل تبليغ المرام طوع يديه». وكتبت الكتب كما شرح، وجاءت في عدّة أخراج، وحملت على جملة من خيل البريد، وأكّد في إخفائها عن الجاهل، وهيهات تكتم في الظلام مشاعل. فلم يسع البريديّة المتوجّهين بها مع سيء التدبير في كتابتها في غير مطلقات. وشهرة كثرتها بالإخراج الموسيقات. إلاّ أن أحضروها إلى مولانا السلطان برمّتها، ومثّلوها بين يديه بهيئتها، ففكّ ختم بعضها، ووقف على تنويهها وغضّها. وأمر فغسلت عن آخرها، ومحيت آيات الاستنصار من دفاترها. واسترسل مولانا السلطان في سيره، وجدّ في النزول والرحيل آمنا من ضرر الكيد وضيره.
следующие страницы →