← История

История · id 166

الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور

شافع بن علي

Полный текст (185 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

[مفارقة كوندك للسلطان] ورسم، فكتبت كتابا عن الملك السعيد إلى سيف الدين كوندك مضمونه التأمين، فما أخذه باليمين، ولا ألوى على مضمونه بحكم ما دلّه على هلاكه من الحدس والتخمين. وداخله الشكّ إلاّ أنه أزال الشكّ باليقين. وما كان منه وبين القرار إلاّ أنّ خرجت إليه أثقاله، وأمّته بحصول خزانته في القبضة أمواله. ثم سار يطوي الأرض بالطول والعرض، والسّنّة من نجاته وبمن معه والفرض. قاصدا مولانا السلطان وقد كان راجعا بالعساكر المنصورة من وجهته، وآتيا من فورته. [مكاتبة الملك السعيد إلى قلاون بشأن كوندك] ورسم فسرّح الطائر حاملا بطائق كتبتها إلى مولانا السلطان، مضمونها: / ١٨ ب / «إنّ الأمير سيف الدين كوندك كان قد حصل بينه وبين الصبيان خصومة أوجبت غضبه وخروجه بجماعة من السلاح داريّة، فإذا وصل يسكّن خاطره، ويحضره في الأمان والدّعه». وأطلعت الطيور مسرعه، وعاد الجواب على أجنحتها بالسّمع والطاعه، وأنه يبذل في رضاه أو غضبه إن لم يرض جهد الاستطاعه. فلمّا وصل سيف الدين كوندك قال وأطال، وبلغ غرضه من نجاة نفسه بالصحيح والمحال. وجاء كتاب مولانا السلطان بأنه حاضر معه إلى الأبواب السعيدية، إلاّ أنه بعد أن ملأ سمعيه، ونقل ما عزم الملك السعيد ومن حوله في حقّ مولانا السلطان عليه. وهو - خلّد الله سلطانه - يصدّق ويكذّب، ويصعّد فكره ويصوّب، إلى أن وصل إلى القابون، وكاتب: هل يكون الدخول بتطليب أو ترتيب، أو لا ترتيب؟ (فأجيب) (١) وقد فهم عنه وهم أحدثه كوندك بأن لا تثريب،

стр. 37

وأن / ١٩ أ / يكون الدخول مطلّبا (١)، وبالترتيب الأول مرتّبا. وأنه في باكر يخرج لملتقاه على العادة. فلما كان من باكر ركب للملتقى، فلم يزل إلى أن فارق عمارة دمشق، فأوقف وأشير عليه أن لا يتعدّى، وخوّف ممّن يتعدّى. رجع من الطريق، وكانت ساعة قضت إلى الساعة بالتفريق. وكان مولانا السلطان قد ركب في العساكر، وسارعن المنزلة، فلما بلغه رجوع الملك السعيد كثر وهمه، وقوي على ما قاله كوندك عزمه. وعاد إلى المنزلة التي فارقها فنزلها بالعساكر، وضرب مشوارا فيمن معه من أمراء الحلّ والعقد، فما كان منهم إلاّ من هو لنصح كوندك شاكر (٢). ذكر ما ترتّب على هذه الرجعة للملك السعيد من المفاسد وأقام مولانا السلطان بالمنزلة التي رجع إليها لما رجع الملك السعيد عن الملتقى، والعساكر المنصورة طائعة / ١٩ ب / لأمره، منضوية إلى علوّ قدره. عالمة أنّ المصلحة في موافقته، والسلامة مقرونة بمرافقته. هذا والرسل إليه متردّدة، (والكتب بما يلين أعطافه متودّده) (٣)، وهو يأبا (٤) إلاّ أن يخرج إليه الملك السعيد، وأنه لا بدّ من تلقّيه كعادة الملوك معه إذا قدم من قريب أو بعيد. فلمّا طالت الإقامة، وحصلت السّآمة، وسمجت الملامة، وظهرت للصدق على ما قاله كوندك علامه (وأيّ علامه) (٥)، رحل مولانا السلطان بالعساكر المنصورة ونزل بالكسوة، وحال بين الملك السعيد وبين مصر بما للأنفة من قسوة. فاختبط رأي الملك السعيد، ورأى من حوله من مقيمي هذه الفتنة، وضعفت منهم المنّة. هذا، وكوندك مع مولانا السلطان يغريه، ويجتهد فيما من الغرض يبديه. وكان قد رسم له الملك السعيد قبل التحويل بأن يتوجّه إلى حلب يكون بها أمير أربعين فارس (٦).

стр. 38

وكتبت منشوره في قطع الثلثين، وهي عادة صاحب المائة فارس. وسيّر إليه قرينه الخلعة المزركشة، / ٢٠ أ / والشاش الكافوريّ، وهو تناقض بيّن، وتفاوت وجه الهلع فيه متعيّن. فلبس التشريف ولم يقبل المنشور ولا رضي أن يتوجّه بل لاذ بخذلانه من الانتماء إلى مولانا السلطان بالمنصور. واقتضى رأي الملك السعيد ومن حوله أن ينادي بالنفقة، وعبّيت الدنانير المألّفة (١) بالإيوان بقلعة دمشق، فما كانت لمن نفر بالمؤلّفة. ولم يحضر أحد إلاّ من لا يؤبه إليه، ولا يعوّل عليه. فلما لم تتمّ هذه الحيلة، ولا أفادت جلب شرذمة كثيرة ولا قليلة، عقد الرأي على أن يركب الملك السعيد ويتوجّه من طريق الكرك ويسبق القوم ويحصل بقلعة الجبل، وظنّوا أنّ ذلك من أعظم الحيل، فركب ليلا، وركبنا معه، وأمامه الخزانة على الهجن، فلم يجد سبيلا إلى الذهاب، وكاد يزك مولانا السلطان أن يأخذ الخزانة لولا أسرعت في العود والإياب. وعدنا من ليلتنا إلى دمشق، وأخذ مولانا السلطان في الرحيل قاصدا الديار المصرية في سكون وهدوء وتؤده، / ٢٠ ب / في رواح وغدوّ. [توسّط والدة الملك السعيد لدى قلاون] ولمّا استمرّ ذلك من مولانا السلطان حصل الرأي على أن تخرج والدة الملك السعيد إليه، وتدخل دخول الحريم عليه. فركبت في المحفّة السلطانية وفي خدمتها عدّة من المماليك، فأدركت مولانا السلطان وهو سائر في الأمراء الأكابر والعساكر، فحين أقبلت ترجّل مولانا السلطان هو والأمراء الأكابر. وقبّلوا لها الأرض ومشوا ميمنة وميسرة، وكانوا قد قربوا من المنزلة، وضربت على المحفّة خيمة وجلسوا بين يديها. وغضّوا الأبصار عن النظر وإن كانت محجّبة إليها. وأخذت في استعطافهم بكل طريق، وحدّثتهم بما لعظمتهم يليق. وممّا قالته: إن كان لكم غرض في الملك فخذوه ودعوني وولدي ننضوي إلى جهة تختارونها (ولا تؤذوني فيه) (٢). فحلف مولانا السلطان: إنّ هذا لم يكن من غرضنا، ولا من شفاء

стр. 39

مرضنا، ولا لنا ميل إلى ملك ولدك، ولا أن نؤذيك في فلذة كبدك. وأخذ في إقامة عذره، بما حصل في حقّه وحقّ خوجداشيّته في علوّ قدرهم وقدره. وأخبرها بما ذكره كوندك من أخذ / ٢١ أ / إقطاعاتهم، والعزم على اعتقالهم مع خلوص طاعاتهم. وأنّ رجوعه عن ملتقاهم أكّد عندهم صحّة ذلك، وسلك هو في سوء الظنّ مسالك وأيّ مسالك. وإنّا أقمنا هذه المدّة على أن يستدرك الفارط بملتقانا فما استدرك. ثم وسيّرنا إليه هذا الأمير ركن الدين أباجي الحاجب بشروط يحلف عليها فما حلف والشرط أملك. وبالجملة، فها نحن مقيمون بهذه المنزلة، إلى غد آخر النهار لتعودي إليه بشروطنا، وهي: إنّ من كان أميرا من مماليك والده يخرج ويمشي مع الأمراء، ومن كان مقدّما يمشي مع المقدّمين، ومن كان مفرديا يمشي مع المفاردة، ونحن نتولاّ (١) وظائف خدمته بنفوسنا وأولادنا. فالتزمت لهم ذلك، والتفتت إلى مولانا السلطان وقالت: يا بي لر (٢) كان الشهيد - تعني الملك الظاهر ﵀ قد أوصاني بأنّه إذا حصلتم في ضائقة تقولي لفلان - تعنيه - بأمارة ما كنّا داخلين الروم وأخرجت له من عبّي جوجكنانه (٣). وقلت له: هذه مخبّية (٤) لك في عبّي منذ يومين / ٢١ ب / فهو يساعدكم. فقال لها مولانا السلطان: أمارة صحيحة إلاّ ما أساعدكم على نفسي، وقطع خبزي وحبسي. وعادت فأخبرت ولدها بشروطهم فوافق، إلاّ أنّ مماليك أبيه لم يوافقوا، وكادوا أن يقيموا فتنة، والفتنة أكبر من القتل، وإليها تسابقوا. وأمّا مولانا السلطان ومن معه فإنّه وفى بشرط الإقامة إلى أن فات وقتها ورحل، وعن تلك المنزلة إلى أخواتها انتقل (٥). ذكر ما اعتمد ممّا لم يتمّ وفي غضون (توجّه) (٦) مولانا السلطان قاصدا مصر بلغ الملك السعيد أنّ

стр. 40

الأمير الحاجّ علاء الدين طبرس الوزيري، وهو من أجلّ الأمراء قدرا، وأنوههم ذكرا، وأوسعهم صدرا، وأعلاهم محلاّ، وأسدّهم عقدا وحلاّ، وأوفاهم عهدا، وأبذلهم في الوقوف عند الإيمان جهدا، بلغه أنه أبى عليهم المرافقة، (وأنف وفاء بعهد الظاهر والسعيد الموافقة) (١). فاعتقدها الملك السعيد فرصة تنتهز، وموعدة تنتجز، فرسم بكتاب إليه مضمونه: / ٢٢ أ / «إنّه قد بلغنا حسن عهده، ووقوفه من الأيمان عند حدّه، وإنه لم يطع القوم، ولا سام على مالنا من سوم، وقد شكر الله ونحن له هذا الوفا، واصطفيناه لنفسنا وحقّ له الاصطفا، وانتدبناه لشفاء ما عرض من مرض غرض فكان مصطفى هذا الشفا. وفوّضنا إليه نيابة سلطنتنا، وعوّلنا عليه في تدبيرها، واعتمدنا على علوّ همّته وجميل تأثيرها. فالمجلس العالي يتلقّى هذه الولاية بالقبول، وليجهد في تبليغ الأمل والسّول، وقد كتبنا إلى أمراء العشرات ومقدّمي الحلقة وأجنادها لكلّ كتابا بمفرده وأمرناهم أن يجيبوا داعيه، وأن لا تكون أذنه لغير أمره ونهيه واعيه. فليعلم ذلك وليجهد في ردّ من خرج عن الوفاء، واقتفى في مخالفة عهده سوء الاقتفاء. ونحن من ورائه جاهدون، ولمرادفته مجتهدون. وقد أصدرناها ورجلنا في الركاب، وتلبية داعيه سابقة لمخاطبة هذا الخطاب في العساكر الشامية ومن استجدّيناه من الأجناد. وما ثمّ - نحمد الله - عاقة عن إنجاده، / ٢٢ ب / ومتابعة اجتهاده. فيهتمّ بما ندبناه إليه، وما عوّلنا فيه عليه. والله يجعل تبليغ المرام طوع يديه». وكتبت الكتب كما شرح، وجاءت في عدّة أخراج، وحملت على جملة من خيل البريد، وأكّد في إخفائها عن الجاهل، وهيهات تكتم في الظلام مشاعل. فلم يسع البريديّة المتوجّهين بها مع سيء التدبير في كتابتها في غير مطلقات. وشهرة كثرتها بالإخراج الموسيقات. إلاّ أن أحضروها إلى مولانا السلطان برمّتها، ومثّلوها بين يديه بهيئتها، ففكّ ختم بعضها، ووقف على تنويهها وغضّها. وأمر فغسلت عن آخرها، ومحيت آيات الاستنصار من دفاترها. واسترسل مولانا السلطان في سيره، وجدّ في النزول والرحيل آمنا من ضرر الكيد وضيره.

стр. 41

وأما الملك السعيد فإنه رحل بالعساكر الشامية ومن استخدمه وراء مولانا السلطان منزلة بمنزلة، وتابع أوّلة من منازله بآخرة، وآخرة بأوّلة. ذكر حسن تدبير مولانا السلطان في هذه الوجهة / ٢٣ أ / لم يدع مولانا السلطان بمنزلة ينزلها فرس بريد، ولا طير بطاقة يبدأ بها ولا يعيد، ولا مسافر يتوجّه فيخبر بما هو فيه، ولا يستطلع منه عن ظاهر أمر ولا خافيه. وما من منزلة إلاّ ويرد إلى الملك السعيد كتاب اسم مولانا السلطان أوّله، وتلوه أسماء الأمراء الذين في صحبته (١)، مثبوتة في ثلاثة أوصال مزدحمة تهويلا وإرعابا وإفهاما، أنه لم يبق معه أحد وإن عدر (. . .) (٢). وتلو هذه الأسماء ما مثاله: «يقبّلون الأرض، وينهون أنّ الهروب من قدّام السلطان طاعه، وقد علم كبر سنّهم وعجزهم، وهم متوجّهون إلى الانقطاع في بيوتهم، طائعين لمولانا السلطان خائفين من هيبته، فلا يظنّ مولانا السلطان فيهم غير ذلك، إلاّ أنهم حين وصلوا إلى القاهرة المحروسة وجدوا أبوابها قد سدّت، ووطأت (٣) سدّ المسالك عليهم قد استدّت». وكان نائب السلطنة بالديار المصرية إذ ذاك عن الملك السعيد الأمير علاء الدين أقطوان الشامي / ٢٣ ب / المهمنداري (٤) الظاهري. ومقدّم الجيش عزّ الدين أيبك الأفرم الصالحي. فحين رأى مولانا السلطان هذا التضييق، وتوعّر هذه الطريق، لم يقدّم شيئا على أخذ الخيول السلطانية من الإسطبلات، وترك المماليك الذين بالقلعة رجّالة لا يستطيعون الفرار ولا الثبات. وأغلقت قلعة الجبل فحوصرت، وإن لم تحمل الحصار، وخذلت حتى من المهاجرين والأنصار. وبطّق المماليك من القلعة إلى الملك السعيد بطاقة بخطّ الصدر الفاضل الرئيس تاج الدين ابن الأثير الحلبي (٥)، كاتب الإنشاء الشريف السلطاني، مضمونها:

стр. 42

«يا خوند (١) أدركنا، فقد أخذت الخيول السلطانية، ونحن محصورون بالقلعة». واستغاثوا وكرّروا الاستغاثة. ووقعت هذه البطاقة وهو على أمّ البارد (٢)، فعزم من هناك على التّوجّه إلى الكرك، وتأخّر عنه عسكر الشام صحبة الأمير عزّ الدين أيدمر الظاهري نائبه. ورحل الملك السعيد فنزل غيثا (٣) / ٢٤ أ / وانتقض ذلك العزم، ورأى مشيروه أنّ طلوع قلعة الجبل والحصول عليها غاية الحزم. وكان يزك (٤) مولانا السلطان محيط (٥) بالقلعة، فحين وصل له هذا الخبر أمر اليزكيّة أن تخلّي له (ليحصل في القلعة) (٦)، فحصل فيها، وتراءى للجيش المحاصر ظنّا منه أنه متى لاحت لهم بارقة منه بادر كلّ منهم زلّته بتلافيها، فما ألوى أحد عليه، ولا مدّ حتى ولا طرف (٧) إليه (٨). وأخبرني الصدر تاج الدين ابن الأثير (- رحمه الله تعالى -) (٩)، وكان بالقلعة محصورا معهم، أنّ الحاجّ علاء الدين طيبرس الوزيري طلع إلى القلعة المحروسة، واجتمع بالملك السعيد، وقال: قم وانزل معي لأردّ عليك ملكك، وأنه قام فتعلّق المماليك السلطانية بأذياله باكين، ومنعوه ما ندبه إليه شاكين، وفي الخذلان غير شاكّين. وهي حيلة من الأمير علاء الدين على طلب الدستور المشروط في أيمانه، المعدود من قوّة إيمانه. وحين نزل علاء الدين المذكور سأله مولانا السلطان / ٢٤ ب / أين كان؟ فأخبره بالصورة غير متلثّم، معربا غير معجم.

стр. 43

واتّفقت قضيّة خطرة سلّم الله منها، وهي أني كنت مع الملك السعيد في هذه الكرّة، وكان له دواداران (١)، أحدهما الأمير الإسفهسلاّر (٢) سيف الدين بلبان الرومي الظاهري، والآخر دونه في الرتبة، وهو الأمير عزّ الدين أيدمر الدوادر. وكان حظّي من الأمير سيف الدين الحظّ الأوفى الأوفر، ومحلّي من تقدمته المحلّ الأعلى الأكبر. فإنّه هو الذي ندبني لخدمة السلطان، وعوّل عليّ في سرّ المكاتبات وجهرها على صغر سنّي وكبر قدر وسنّ من في الديوان. وكان أيدمر لا يجسر عليّ، ولا ينظر في مكاتبة إليّ. فاتفق أن طلبني ونحن على منزلة رأس الماء، فأمرني في خلوة أن أكتب إلى الأمير جمال الدين آقش الكنجي نائب مصياف بإنفاذ أربعين من الفداوية الإسماعيلية ليسيّرهم إلى مولانا السلطان ومن معه من الأمراء، فامتنعت من الكتابة، فعزّ عليه امتناعي، وتغيّرت أوضاعه، ولم تتغيّر / ٢٥ أ / أوضاعي. وقال: أنا أشاور عليك السلطان. ونهض، فخرجت وراءه، ولم أترك معه منزلة من بعدها. ولم أجتمع به وإلى اليوم على قرب المدّة وبعدها. ولما وصلنا طلبني مولانا السلطان وهو راكب تحت القلعة للحصار، وحوله أمرا الحلّ والعقد، وهو منهم بمنزلة القطب من الدائرة، والقمر من الهالة الممتّعة به الأعين الناظرة. وقال بلسان الأمير بدر الدين بيسري: يا فلان، من كتب لنائب مصياف بطلب الفداوية؟ فقلت: ولا أحد. فأخرج مولانا السلطان الكتاب من صولقه (٣). فقلت: يا خوند، هذا خطّ أيدمر، الدوادار. وحكيت له صورة امتناعي، فشكر هو والأمراء. [خلع الملك السعيد من السلطنة] وكان قاضي القضاة تقيّ الدين بن رزين جالس (٤) تحت القلعة لإثبات محضر نظم بعدم أهليّة الملك السعيد ووجوب خلعه. / ٢٥ ب / ولمّا طال بالملك السعيد المطال، وضاق به المجال، وولّت عنه

стр. 44

رجال الحرب ويا لها من رجال، واشتدّت به الأوجال، وقال فلم يسمع له مقال، استقال وحقّ له أن استقال، وسيّر إلى مولانا السلطان يطلب منه الكرك وما فيها وهي جملة كبيرة. وكان والده الملك الظاهر قد ادّخرها هنالك وهي قريب الألف ألف دينار، فأجابه معلما أنه لم يكن ثمّ رغبة في الملك، ولا ضميرا مفسودا (١) يقضي له بالهلك. بل دفعا لضرر حاشيته، وطلبا للسلامة من أذى غاشيته، الذين استولوا على عقله، وحملوه على ما لا يليق في حقّ مثلهم من مثله. وكان الملك السعيد عندما حلّ بالقلعة قد كسّر أقفال الخزائن وأخذ منها جملة كبيرة، وفرّقها على مماليكه ليحصل عليها عند الخروج. فلمّا أذن له في الخروج جرّد مولانا السلطان من قعد على باب القلعة، وتتبّع الخارجين مملوكا مملوكا، وأخذ من كلّ منهم ما كان معه من الذهب عارية وإن / ٢٦ أ / ظنّ أنه مملوكا. وخرج الملك السعيد بعد أن أخذت علائمه بخطّه إلى كلّ قلعة في درج أبيض، ليكتب على خطّه بتسليمها. وحرج الملك السعيد إلى الكرك، وعلى يده كتب بتمكينه منها (٢). [سلطنة الملك العادل سلامش] وطلع مولانا السلطان (إلى) (٣) القلعة بنيّة الوفاء، وتدارك مرض القلوب الوجلة بالشفاء (٤). ونزل بدار النيابة، وأعمل رأيه الذي ما زال مقرونا بالإصابة. فرأى إقامة بدر الدين سلامش ولد الملك الظاهر عوض أخيه، وأن يقوم بشرط عهده فيه ويوفيه. إذ وضح العذر في خلع أخيه المذكور، وقصوره عن الملك باستيلاء حفدته على ما يتعلّق به من سائر الأمور. فأقيم ولقّب بالملك العادل،

стр. 45

وركّب بشعار الخلافة. وكان عمره إذ ذاك أحد عشر (١) سنة. فأنف الأمراء الكبار النضال لصغر سنّه، وأبوا إلاّ أن يكون مولانا السلطان لسدّ هذه الثلمة، إذ فنّ الملك من أكبر فنّه. فامتنع عليهم، ولم يمدّ يد مبايعته إليهم، وقال: أنا أتولّى أمر أتابكيّته، وأكون كفيله في رعيّته / ٢٦ ب / فقالوا: هذا أمر لا يغني عنّا عنا، ولا بدّ أن تكون وليس نرى كالآباء إبنا. والبركة مع الأكابر، والصغار والذّلّ في رأي الأصاغر. وما نأمن أن تقوى شوكة مماليك أبيه فيتعذّر علينا قطّها، وتعلو (٢) رتبته بالتمكين فيصعب علينا حطّها. فصمّموا، وعن سماع العذر تصامموا، وأبوا إلاّ أن يكون سلطانهم الذي له يدينون. وتألّبوا وتوثّبوا، واجتمعوا وتجمّعوا. [سلطنة المنصور قلاوون] فلما رأى عينها منهم، ورأى مشاهدة لا من روى عنهم، وافق حسما لمادّة الفتن التي أقبلت قطعها كقطع الليل، وجاءت كالسيل، وكادت أن تلحق الخيل بالخيل. وشرط عليهم شروطا ودخلوا تحتها، وألزمهم آدابا نجزها معهم وبتّها. وفي أثناء ذلك طلبني - خلّد الله سلطانه - وقد انتقل إلى دار الملك السعيد (التي) (٣) بقلعة الجبل، وفتح في أبوابها شبّاكا صار يجلس فيه للأتابكية، ونجلس من خارجه على مساطب نوقّع بين يديه. فحضرت إليه في القاعة المذكورة خلوة، وأمرني سّرا أن أكتب أسماء ملوك متعدّدة، فأبيت وقلت: كيف يمكن / ٢٧ أ / أن تكتب أسماء ملوك بقلعة ملك مستقّر الملك، وهذا لا يمكن. فعزّت عليه - خلّد الله ملكه - مخالفتي لأوامره، وتغيّر، وأمرني بالخروج، فخرجت من بين يديه، وقد عزّ عليه. ولحقني الأمير ركن الدين أباجي أمير حاجب واستوقفني، فقلت: ما يمكن أن أكتب إلاّ بحضور أمراء الحلّ والعقد، فعاد وشاوره، فأحضروا، وحضرت وكتبت، فأخذ القلم من يدي بعد التشاور، وعلّم على «المنصور»، ثم انفصلت عنه، وكتمت الأمر عن رفقتي إلى أن ظهر سلطانه، وقام بالدليل برهانه. كه زنبى مهرى حيدر زنبى روسيهم ... ميز ندروز وشبان برمر خود جامن سم (٤)

стр. 46

[مباشرة مهامّ السلطنة] ولما كان سنة ثمان وسبعين وستماية جلس مولانا السلطان على منبر الملك وسريره، وخورنقه (١) وسديره (٢). واستدعينا فإذا هو قد ملأ جوانبه بشخصه المنيف، وأقرّ العيون بمشاهدة نظره الشريف. وأمراء الحلّ والعقد مبسوطون (٣) / ٢٧ ب / الأكفّ لمبايعته، مجمعون على مشايعته. وأحضرت الختمات لتحليفهم فأخذنا في التحليف، وسارعت الأمراء للأمان من غير تكليف. وفي أثناء ذلك نادى مولانا السلطان كبيرنا الخال محيي الدين ابن عبد الظاهر، وناوله إضبارة ورق من يده، وقال: خذ ولديك واكتب على هذه العلائم، وهي العلائم التي كان الملك السعيد كتبها عند خروجه من القلعة، فقسّمناها، وكتبت كما في النفس وزيادة، وجهّز بها المتسلّمون. [مكاتبة الملوك بالسلطنة] ورسم - خلّد الله ملكه - فكتبنا إلى اليمن، وإلى الغرب، وإلى برّ سوداق، وإلى العراق، وإلى ماردين، وإلى سائر الملوك الفرنجيّة، المهادنين، والموادعين، والمكاتبين، بما منّ الله به من ملك مولانا السلطان، مبشّرين بما وهب الله الأمّة من شريفي الحسن والإحسان. واستبشار الرعيّة بنعمة الله فيه، ووثوقهم بقمع أعداء الله واستدراك الفارط بحسن تلافيه. وجهّزت الرسل إلى كلّ جهة بكتابها، وأكّد عليهم في أن يأتوا البيوت في الأدب / ٢٨ أ / من أبوابها. واستقرّ الحال، وحلف الجيش بكماله لمولانا السلطان بأفصح مقال، وأوكد تفصيل وإجمال.

стр. 47

وأخذ مولانا السلطان في مكافأة خوجدا شيّته بزيادة إقطاعاتهم الامتاع، بالملابس التي يحقّ لها الإمتاع. وألوف من الأموال من الورق والعين، وإعلاء الرتب التي كادت أن تكون بمثابة العين من الحاجب والحاجب من العين. ودانت له الرقاب، وأعمل إلى أبوابه الركاب. وجاءت إليه رسل الملوك بالهناء، ووفدت عليه بالهدايا والتحف فانثنى كلّ عن أبوابه بأحسن الثناء. وسار ذكر ملكه في العدوّ الأكبر التتار، وعلموا أنّهم وإن كان لهم الثار، لا بدّ وأن يجدّد لهم ثارا وأيّ ثار. فاستعدّوا واستجلدوا واستجدّوا، واستجاشوا وجيّشوا، وعلى من يستنجدوا به فتّشوا. [الأوضاع والعلاقات الخارجية عند سلطنة قلاوون] ملك مولانا السلطان والفرنج المخذولون بعكا، وصور، / ٢٨ ب / وعثليث، وصيدا، وبيروت، وحصن المرقب، وطرابلس الشام، وقد انقضت (مدّة) (١) هدنهم المستقرّة بينهم وبين الملك الظاهر، فظهر كلّ منهم في صورة المنافر. وكادوا يشفوا صدورهم وهيهات أن تشفى، وأن يخفوا نكاياتهم، وأبا (٢) تدقيق النظر في حركاتهم وسكناتهم أن تخفى. والملك السعيد بالكرك، ومماليكه تغار (٣) إلى باب غزّه، وحماته حنقون إذ قد بدّلوا ذلّة بعد عزّه. والأمير شمس الدين سنقر الأشقر قد شقّ العصا، وتسلطن بدمشق (٤). والتتار قد اختلفوا وتجمّعوا، وعلى قصد البلاد أجمعوا. والدنيا مختبطة، والآمال في العدوّان (٥) منبسطة. فقابل مولانا السلطان كلاّ

стр. 48

بما يجب لمثله، وتوجّه لأداء فرض حسم الداء ونفله. ولم يزل - خلّد الله سلطانه - حتى جمع الكلمة، ومحى (١) بنور طلعته ليالي الفتن المظلمة. وأرعب الأعداء، وسكن الدهماء، ويأتي ذكر ذلك مفصّلا. [خروج السلطان قلاوون لمواجهة التتار] كان القوم قد داخلهم الطمع، وغرّتهم الخدع، وبسط آمالهم ما بلغهم ما اتّفق للملك السعيد، وظنّوا أنها فرصة تنتهز، وموعدة تنتجز. فاجتمعوا على قصد البلاد وأجمعوا، وجاءت الأخبار بدخيلة أمرهم، وجليّة مكرهم، وصورة ما عليه صمّموا، وما له يمّموا، وما فيه تمّموا، إلا أنهم ما تمّموا، ولا سلّموا حتى ودّعوا. ولا أقول ما ودّعوا حتى سلّموا لا بل ولا سلّموا. ولمّا تأكّدت هذه الأخبار عند مولانا السلطان بكتب مكاتبيه، وقصّاد أخباره الذين لا يزالون لمشافهة أخبارهم مشافهيه. فإنّ مولانا السلطان ملك والمكاتبون ببلاد التتار منبثّون، ولغامض أخبارهم مكاتبون، كبغداد، وتوريز (٢)، والعراق، وسائر بلاد العجم، وماردين، والموصل، والروم، والكرج، وما من هذه البلاد وأكبارها (٣)، لا بل ونوّابها، [إلاّ] (٤) يطالعون بالأخبار أوّل (٥) بأوّل. ولهم رسوم جزيلة لا تنقطع عنهم، وأموال جمّة تحمل إليهم. لا جرم أنهم كانوا بما كان من العدوّ وما يكون منهم. فلم يكذّب مولانا السلطان خبرا، / ٢٩ ب / ولا اتّهم مخبرا. بل ساعد وتقدّم إلى العساكر المنصورة، فخرجت أوّل (٥) بأول، ولا شكّ فيما بلغه ولا تأوّل. وعندما تكمّل خروج العسكر خرج في الساقة، وبذل في تكملة العدّة والعديد الجهد والطاقة. فحين وصل إلى غزّة صحّت عنده الأخبار أنّ القوم عندما طار إليهم خبر عزم مولانا السلطان طارت أنفسهم شعاعا. ودخلوا مساكنهم جزعا وهلعا، ولم يكشفوا بالخسارة قناعا، فآثر التخفيف عن البلاد الشامية من نقل وطأت (٦) العساكر المنصورة التي ملأت الرحاب، وتسنّمت حتى الهضاب، وغصّت بها البراري والقفار. وكادت أن تكاثر عدد أمواج البحار.

стр. 49

فأقام بغزّة شهرين احترازا من أن يعنّ للقوم رأي ثاني (١)، أو حسّن لهم من هو لأعنّتهم إلى قصد البلاد الشامية ثاني (٢). [كتب السلطان بالاحتراز من التتار] ورسم - خلّد الله سلطانه - فكتبنا إلى الأمير شرف الدين عيسى بن مهنّا أمير آل فضل بحفظ المعابر، من كلّ عابر، وصيانتها حتى من الطير الطائر. وإلى الأمير شهاب الدين أحمد بن حجّي أمير آل مرا (٣) بأن لا / ٢٠ أ / يخرج في سنته إلى الحجاز. وإلى نائب الشام بأن تكون العساكر مهيّأة منجّزة مجهّزة. وكتبنا إلى سائر المكاتبين والنصحاء بأقاصي البلاد التتريّة: «أن قد خرجنا بنيّة الغزاة والجهاد، واستفتحنا ملكنا بما يكون بمشيئة الله تعالى من فتوح (ادّخر) (٤) لأيّامنا منه الطارف والتلاد. وخبا له ما استولت عليه يد العدوان من البلاد. على أنه ما كان قطّ فتوح إلاّ ونحن عنوان كتابه، ومفهوم خطابه، وإقليد بابه، والسابق إليه، والمتجاسر عليه، وقد علم ذلك كلّ من واجهناه (وجابهناه) (٥)، وقابلناه وواجهناه، وإنّما كان لمن سلف اللفظ ولنا المعنى، والبعيد ولنا الأدنى. وقد علم الله ذلك والناس، وتحقّقه من الأعداء سائر الأجناس. وما زال الملك من بين عينينا يتلمّح، ومن صفحات وجهنا يتصفّح، وقد كنّا والاسم لغيرنا، نذبّ عن الإسلام أيّ ذبّ، وندفع عن حوزته ما درج ودبّ، فكيف وقد أناط الله بنا أمور البلاد والعباد، وروى إلى ملكنا حتى التهايم والنجاد. وملكنا رقاب الأمم، / ٣٠ ب / وأنفذ سلطاننا في العرب والعجم. وقد علم الله نيّتنا وأعطانا على قدرها، واطّلع على شكرنا لنعمته، فخوّلنا على قدر شكرها. وكتابنا هذا ونحن مقيمون بالبلاد الشامية إلى أن ينقضي شتاها (٦)، وترتفع أنواها (٧)، وتحسم

стр. 50

أدواها (١). فإن حضر القوم فيها ونعمت، وإن لم يحضروا فنحن على عزم غزوهم، في عقر دارهم. وكم عزيمة لنا - بحمد الله - تمّت». إنّ الشجاع إذا لم يستزر زارا وسيّرت هذه الكتب إلى من هي له بهذا النبأ العظيم، وطويت ضلوع طرسها على فحوى هذا التفخيم. كلّ هذا بترتيب قريبي الصاحب فتح الدين (٢) صاحب ديوان إنشائه، فإنّه، خلّد الله سلطانه، ملك ديوان المكاتبات بيد (و) (٣) داداريه (٤) غلف الألسنة لا يحيرون جوابا، ولا يحسنون خطابا. فانتقاه من بين شيوخ على صغر سنّه بالنسبة إليهم، وقدّمه حتى على والده وعليهم. فإنه كان يعلم ميل الملك الظاهر إليه، وأنّ ما من غزوة له إلاّ وكان في جاليشها (٥) بين يديه. ونرجع إلى ما / ٣١ أ / كنّا فيه. ولم يخل مولانا السلطان إقامته بغزّة من مصلحة تعود على انتظام شمل الإسلام، وتقضي باجتماع الكلمة التي ظنّ تفرقتها من غلب عليه كاذب الأوهام. وهو ما تقدّم من حديث الملك السعيد وتجاسر من حوله، واعتقاد كلّ منهم أن يفيده ويعيده من جرّد قوّته وحوله. ذكر ما كتب به مولانا السلطان إلى الملك السعيد بالكرك رسم - خلّد الله سلطانه - فكتبت إلى المشار إليه ما مثاله، بعد ألقابه وتفخيمها، ومراعات (٦) منزلته وتعظيمها. «إنّه قد علم حنوّنا عليه وإشفاقنا، وحسن نظرنا في حقّه وحقّ مخلّفي أبيه حتى كدنا أن نخبّئهم (٧) في آماقنا. ومراعات (٨) أبيه الشهيد فيهم، وتنفيذ وصيّته في

стр. 51

ترقّيهم وتوقّيهم، ومثابرتنا على مصلحته، ومبادرتنا إلى تشييد ملكه ومملكته. واطّلع الله على نيّتنا ونيّته، وأضمرنا / ٣١ ب / له وفا، وأضمر لنا غدرا. فنهضت بيّنتنا بخاصّ دولته ونائبه، وما نهضت متمحّلات بيّنته. ثم كابرنا في ذلك مع وضوح الحق بعدم تلقّينا، ووافقنا والدته السّتر العصمى الخاتوني ووفينا شرطها، وكان الأولى به أن يوفينا. ولما كاد أن يستحكم الفساد، وأن تخلوا (١) من الأرواح والأجساد. لم نخفر ذمام البيت الظاهريّ بل أقمنا أخاه، وبلّغنا والدة الشهيد ما كان لنصحنا توخّاه. وتولّينا أمر تدبيره، وباشرنا رعاية لصغره مصلحة كبير الأمر وصغيره. وكادت القضيّة التي خشيت منه أن تبدو (٢) جذعة، والمخوفة ممّن حوله من فضلة سيفنا أن تبدو وكاسات غدرها مترعة. وأن يوتى على هذا (٣) العصابة الصالحية التي تعدّدت وقائع مناصرتها للإسلام، وطالت مدّة مدافعتها عنهم على تمادي الأيام. وإن تبدّلوا بمن لا يغني عن الإسلام عنّا، ولا يعني خمول ذكره بشهرة من أوسعه الإسلام وأهله ثنا. وجاء نبأ نصر الله والفتح، ووفى الدهر ما كان في ذمّته / ٣٢ أ / من ملكنا ولا نطيل الشرح. ولم نقدّم شيئا على الإحسان إليه، والحنوّ عليه. وحمايته ممّن كان في قلبه من أبيه ومنه مرض وأيّ مرض، ووقايته من عرض ربّما عرض من ذي عرض. وتمكينه من الكرك وأموالها الجمّة، ونعمتها، التي ما مثلها نعمة. وتمكين من اختاره من مماليك أبيه من التوجّه صحبته، وتوطينه ببقعة حفظت روحه ولا أقول صحّته. وتوفير خاطره مما للملك من دواعي الأوهام، وإراحة فكرته من مراعات (٤) حفظ البلاد والعباد التي لا ينهض بها كلّ راعي (٥). ولو لم يكن إلاّ قعقعة البريد، بمتجدّدات الأعداء التي تتجدّد في كل يوم جديد، فلم تجز عن ذلك كلّه إلاّ بدفائن لا تجدي عليه نفعا، وطلب أوتاد في ضعف لا تجلب إليه وترا من بلوغ غرض ولا شفعا. ودسائس مكاتبات لا تزال تحمل إلينا، ويعرض فساد تخيّل تحيّلها علينا. ومن فاته الكلّ كيف يطمع في البعض، ومن فارق الجنّى (٦) لا يغني عنه الغضّ. / ١٣٢ ب / وقد كان الأمر بيدك فما أحسنت في حفظ رأس ماله، ولا فكّرت في عاقبة مآله. وليس للمولى صديق ولا للمخذول ناصر، فتدارك نفسك قبل أن تقول في عدم مطاوعتنا: يا ليت،

стр. 52

وقصّر ذيل غاراتك، واكفف عادية من يغرّك بمجاراتك. ونحن الآن قد خرجنا وفي صحبتنا من آلات الحصار ما لا يثبت معه سهل (ولا) (١) جبل. ولا تفيد معه نكايات ولا حيل. ومعنا من العساكر ما ملأ الفضاء جيشها الكرّار، وأرعب زائر أسودها وهل مع زأر الأسد إلاّ الفرار؟ فإن وقفت عند حدّك المحدود. ودافعت عن يومك الموعود. وإلاّ فأنت الظالم على نفسك، والمؤآخذ في يومك بأمسك. والسلام». وجهّز إليه هذا الكتاب، وانتظر منه الجواب، فعاد جوابه وقد صدّر بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاِتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (٢)، وضمّنه بعد ذلك أعذارا ملفّقة، وأحوالا غير محقّقة. وسيّر صحبته رسولا فأعيد بجواب أمرّ من الأول، وأنكى عند من يتأوّل، وصدّر بقوله تعالى: ﴿اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ (٣). وتقدّمت أوامر مولانا السلطان بمضايقته وصار في أضيق من سمّ الخياط، وجرّد لذلك جندا حرموه بقبض أنفاسه الانبساط. ورحل - خلّد الله سلطانه - قاصدا مقرّ ملكه. ذكر وفاة الملك السعيد وبما اعتمد (مولانا) (٤) السلطان فيها من الوفاء واستمرّ الملك السعيد إلى أن وافاه زائر الحمام، وانقضت أيامه حتى من الأجل ومن ذا الذي دامت له الأيام. فكانت وفاته في سنة ثمانين وستماية بقلعة الكرك (٥).

стр. 53

فلمّا بلغ مولانا السلطان / ٣٢ ب / وفاته شقّ عليه أعظم مشقّه، ودمعت عيناه لما جبل عليه قلبه من رقّه. وجلس بالإيوان الكبير لتلقّي عزائه، واعتمد في ذلك اعتماد من فقد أعزّ أعزّائه. ولمّا توجّه مولانا السلطان إلى دمشق في هذه السنة بنيّة الغزاة والجهاد، وهجر بتهجيره (الرقاد) (١)، ووصل السّهاد، وصل من جهة والدة الملك السعيد من سأل مولانا السلطان في تمكينها، من إحضاره إلى دمشق ودفنه عند والده بتربته فأجاب سؤآلها، وتلقّى بالقبول أقوالها. فلما حضر أمر مولانا السلطان أمراء الدولة الكبير والصغير بالخروج بالشموع ليلا ومشيهم تحت تابوته. وخرج مولانا السلطان من قلعة دمشق إلى التربة المذكورة، وجلس بمحرابها، وبادر إلى هذه الحسنة واكتساب ثوابها. وحين رأى نعشه نهض له واقفا على قدميه، وأخذ يكفكف حفظا لناموس الملك دمع عينيه. وأمر الأمير عزّ الدين أيبك الأفرم الصالحيّ بأن يباشر مواراته / ٣٣ أ / بنفسه، فبادر إلى امتثال أوامره، وأنزل على والده هذا والقرآن يتلى، والوعّاظ تتكلّم بأحسن ما يكتب ويملى. وأمر مولانا السلطان فأنزلت والدته بدار الملك الزاهر تجاه المدرسة العزيزية (٢) بخدمها وحشمها، وبالغ مولانا السلطان في رعاية ذممها، وأحسن لها التسلية، وقابل نداءها بالتلبية، ورتّب لها ما يليق بمثلها من الإقامات. وأحضرها بالتعظيم والتبجيل أيام من مات. خلّد الله ملكه ما أكثر خيره، وأجزل برّه، وأوسع صدره، وأوفى ندره، وأوضح بشره. هذه الصورة في أمر الملك السعيد (٣). ذكر حديث الأمير شمس الدين سنقر الأشقر هذا الأمير شمس الدين سنقر الأشقر من أجلّ الأمراء الصالحين، وهو علائيّ

стр. 54

منسوب لعلاء الدين الساقي الصالحيّ، وهو الجامع / ٣٣ ب / بينه وبين مولانا السلطان في الخوجداشية. وقد تقدّم صورة حاله مع الملك السعيد، وأنه سافر معه وعاد بغير إقطاع. ولمّا أفضت الأتابكية إلى مولانا السلطان لم يقدّم شيئا على مصلحته، ولا أعلى رتبة أحد قبل إعلاء رتبته، وفوّض إليه أمر النيابة بالشام المحروس، وخوّله نعمها الجسيمة، وأمتعه بغرر منتزهاتها الوسيمة. وأنفذ فيها أمره، وأعلى بنيابتها ذكره. ولمّا بلغه سلطنة مولانا السلطان حدّثته نفسه بما لم يتمّ، وحسر لا بل حسر لثام الحياء ذاهلا عمّا به يلمّ. واعتقد أنّ ملك الشام تمّ لغير ملك مصر وسلطانها، وأنّ الإنفراد به في إمكان قوّتها وقوّة إمكانها، فتسلطن ولقّب نفسه بالكامل (١). وكان اتفاقه مع من غرّته العافية، وجرّته القافية، بالمسطبة الظاهرية بظاهر دمشق، فهناك حلف من حلف، وألّف ظنّا منه أنه الألفي وما كلّ من ألّف ألف. ثم ركب وهجم قلعة دمشق في عصبته وعصابته، وظن / ٣٤ أ / أنه قد ربح بجسارته لا بل بخسارته. فلمّا ولّى عن المسطبة المذكورة ظنّا منه أنه قد تولّى، وأنّ الأمر قد تمّ له وأنّه به الأولى. ساق أحد مماليك الأمير ركن الدين بيبرس الشالق الجمدار (٢) الصالحيّ، وهو عزّ الدين أيبك الخاصّ، وكان من مماليك الخال محيي الدين بن عبد الظاهر ابتاعه المذكور منه صغيرا فنبل حتى عظم قدره، وشاع بالشجاعة ذكره. وحضر إلى قلعة الجبل المحروسة عصر اليوم الثالث من ركوبه من دمشق المحروسة، وأخبر الصاحب فتح الدين بن عبد الظاهر صاحب ديوان المكاتبات بما تمّ، وبما ألمّ من ألم. وحكى لمولانا السلطان في الوقت وأخبره فخلع على أيبك المذكور خلعة

стр. 55

نفيسة ووصله بمال جسيم. وشكر له حسن مناصحته بألفاظ أرق من النسيم. وثبت مولانا السلطان لهذه الصدمة، وأظهر فيها حركة في سكون وهمّة وأيّ همّة. ثم طلب الكتّاب، فحضرنا بين يديه، وأمر على لسان كاتب سرّه الصاحب فتح / ٣٥ ب / الدين بن عبد الظاهر باستدعاء ورق الطير، وكان معي معدّا لمثل هذا المهمّ، محصّلا لوقوع مثل هذا الملمّ، فقلت: هو حاصل. فأملى على كاتب سرّه المذكور نسخة إلى سائر أمراء الشام ومقدّميها، ومفاردتها فأسرعت في تعليقها، وأعجلت القلم في توريقها. واتّفق أنّ مولانا السلطان قال للصاحب فخر الدين ابن لقمان، وكان من أكابر الكتّاب، وأجلّ الأصحاب. وله هجرة صالحيّة، ومكاتبة صاحبيّة. إلاّ أنّه كان قد خمل ذكره في هذا الزمان، وتقدّم عليه الصاحب فتح الدين بإصابة رأي السلطان، قال له: يا فخر الدين اكتبوا لكلّ الأمراء، فانتهز فرصة المشاكلة، وظنّ أنه ربّما قامت عن الفرض النافلة، فقال للسلطان: لعلّ مرسوم مولانا يبرز بحضور بعض كتّاب الجيش ليعرّفنا أسماء الأمراء ومنازلهم. فبدرته بإخراج دستوري وسكّتّه، لا بل بكّتّه، لا بل بكّيته، وفتحت الدستور وأوريته. ومولانا السلطان ينظر أمراء مصر والشام ميمنتها وميسرتها، فقال / ٣٦ أ / له مولانا السلطان: إذا لم تعرف سل من يعرف. وشرعنا في الكتابة إلى كلّ بما مثاله؛ بعد الألقاب (١): «إنّا قد بلغنا ما أنفق من وقته وساعته، وتولّت الملائكة الكرام الحفظة فضل إذاعته وإشاعته، من حديث سنقر الأشقر وتقفّزه، وتعاطيه وعدا لم يكن الله بمنجزه، وتسنّمه لذروة لا يستقرّ به قرارها، وتوثّبه على مملكة طال ما أجّجت ممّن سواه نارها، وتحقّقنا الصورة كما وقعت، والحالة كما توقّعت. وإنّ المجلس كان فيها مكرها لا بطل، وأنّه ما وسعه إلاّ الموافقة خوفا على نفسه وهو معذور، ومداراة للوقت ودخولا تحت القدر المقدور، وتيقّنا أنه معه صورة ومعنا معنّى، وأنه مصروف العنان إلى جهتنا تصريفا لا يثنى. كيف وما زلنا عليه بحسن المخالصة نثني ونثني. ونحن والله والله والله وتالله وتالله وتالله وبالله وبالله وبالله / ٣٦ ب / لم نشكّ في ودّه، ولا نرتاب في صحّة عقد عهده. ولا غيّرنا عليه مغيّر، ولا أثّر في قلبنا غير ما يعهده مؤثّر؛، فيشرح صدره، ويروّج سرّه. ويعلم أنه عمّا

стр. 56

قريب يترك المشار إليه، عمّا توثّب عليه. ويحصل الغرض بمشيئة الله تعالى وقدرته، ويجرينا على المألوف من نصرته. فيعلم ذلك ويطيب نفسا، ويقرّ عينا. والسلام». وجهّزت الملطّفات أوّل (١) بأوّل في الخفية صحبة قصّاد، ووصلت الأجوبة من كلّ بالحلف أنّما (٢) قاله مولانا السلطان من الغضب صحيح، وأنّه أوّل رأيه تبدوا (٣) لمولانا السلطان بادروا إليها، وكذا بالله كان. وكتب إلى الأمير شمس الدين سنقر الأشقر كتاب مثاله: «خلّد الله نعمة المقرّ الكريم الشمسي، ولا زال ممّاحيك عليه من الإنصاف يعرف الحقّ على نفسه، وبما اشتمل عليه من أتباعه يستعيذ من تزيين الشيطان الخروج عنه ومسّه. وبما ألفه / ٣٧ أ / من اجتماع الشمل على الذّبّ عن حوزة الإسلام لا يخرج إلى وحشة تفريقه عن أنسه. وبما ينبغي لمثل علوّ قدره من اتباع وضوح منهج الحقّ لا يركن إلى كيسه، أصدرناها إليه متضمّنة ما لا يسع إلاّ التأمين عليه عاتبة بل غائبة حاضرة، وفي النيابة عن إقامة الحجّة عن الألسن الغائبة. راجعة به عمّا ارتكبه ممّا لا يدوم، مغلية عليه ما سامه من شطط كان الأليق بمثله ولمثله لا يسوم. وهو ما ظهر فيه من ادّعاء ملك جهة لا تستقلّ بنفسها بل لمدّعيها تستقلّ ولا تنهض بالدفع عن حوزتها بمن حوته، وهيهات وكم جهد المقلّ، وهل هي إلاّ ضميمة للمملكة المصرية وجندها، ودخيلة تحت ذيل مناصرتها، وكم لها من منّة في جيدها، ومنضوية إلى أبجادها، ومترامية إلى إسعافها وإسعادها. وما بالعهد من قدم، وكم مرّة أخذت بيدها عندما زلّت بها القدم. وكم سامها ما سمته فأغلت سومها. وكم رام ما / ٣٧ ب / رمته فما لبث أن جاء تحت الذلّة وقد أسلم قومها. وإنك لتعلم ما نريد ومن نريد، وتعرف حقيقة ما قلناه من قريب وبعيد. وما زدت على أن فرّقت كلمة الإسلام، وأطمعت الأعداء لا بل أشمتّهم بتفريق ما كانوا عليه من الإلتآم. وجعلت لمن قبلك ذنوبا لم يجترحوها، وأوجبت عليهم مؤآخذات بأمور لم يقترحوها. على أنهم بما تحقّقناه برءاء منه لا محاله، غير مؤآخذين به بشهادة الله منّا إذ كانوا مغصوبين على ما رمت مناله. ثمّ ولو حاسبت

стр. 57

نفسك لما ارتكبت هذه الخطّة، ولا حططت بها مروءتك هذه الخطّة. ولا قمت في وجه حقّنا ببطالك، ولا جازيت إحسانا النقد بمماطلك. وأنت تعلم كيف سافرت مع الملك السعيد وكيف عدت وكيف قربت من خمولك في أيامه وما بعدت، وما أجدى رأيك عليه وعليك، وما ساقته مناصرتك إليه وإليك. وأنّه كان أعلى رتبتك الحرمان / ٣٨ أ / وأنجز الإحسان إليك وعد باللسان، فلم ألبث أن قلّدتك الشام، وقلّدت عنقك بالأيادي الجسام، وأجزلت لك النائب، وفارقتك على أنك النائب، فتطاولت إلى نقل اسمك، والخروج عن رسمك. وكأنّي بك تقول إنّا قد افترقنا نائبين (وتقاسمنا المملكة) (١)، وما وجه الأولوية، وإنّ كلا الذّمّتين بما انتقلت إليه مليّه. وهو تحيّل لا شبهة في فساده، وتحيّل لا نكر لعناده، وأين (من) (٢) وقع عليه الإجماع مصرا وشاما، وخطبه له أولو الحلّ والعقد نقضا وإبراما. وعهد إليه أمير المؤمنين ومدّ له كفّ مبايعته. وكلّ على دعوته أسرع مؤمّنين، وأفاض عليه شعاره العبّاسيّ فتبسّم به ثغر (كل) (٢) مملكه، وأتاه كتابه فتلقّاه باليمين. سالكا في القبول مسلكه. وهل السابق كاللاّحق بابتداعه، وهل المجمع عليه كالذي قنع من نفسه لنفسه بإجماعه. ولو كان ما تلبّس به لا بل لبّس واستغنى به، وكأنّه به وقد أفلس بولاية لولايتنا لكان أفضل / ٣٨ ب / للمتقدّم قول ليس عن دعواه ثاني، وحسبنا في إراقة دمه، ما جاء عن النبي ﷺ من قوله: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الثاني». هذا، وهي الخلافة المعظّمة، وإمرة المؤمنين المفخّمة، فكيف بفروعها المنحطّة عن قدرها، المندرجة تحت نهيها وأمرها. فخلّ عنك ما علّلت به (شره) (٢) نفسك، وتدارك بيوم رجوعك أمسك. واركب في سرجك، واسلك أوضح نهجك، ودع الإسلام وشمله الملتئم، والكلمة وتفرّدها الملتزم، واغمد سيف الفتنة من حيث سللت، وحلّ من مكان النيابة حيث حللت. وامح دعوى الكمال، بتلقّيك الكامل بيد تنصّلك. واجلب القلوب النافرة عنك، بما ألّف من قديم حسن توصّلك. ولا تظنّ بأنّ لمن حولك حول ولا قوّة لمناصرتك. ولا أنّ لهم نيّة في معاصرتك. وإنّما معك الصورة ومعنا المعنى، ولك من البعيد الشخص ولنا من القريب الأدنى. وإن كابرت

стр. 58

وبجمعك المفلول كاثرت، فسيأتيك / ٣٩ أ / بدعوانا الخبر اليقين، ولتعلمنّ نبأه بعد حين. ولا تعتقد أنّا لا نقيل عثرتك، ولا نغفر زلّتك. فو الله متى اعتذرت قبلنا عذرك، وعرفنا لك من الخوجداشية قدرك. وأقبلنا عليك، وأحسنّا مع الإساءة إليك. وأويناك حيث تحبّ وتختار، وأريناك بالموافقة على ما تحبّ أن تتديّره لصيانة نفسك المصونة منّا إن رجعت لمن عقبى الدار. وهذا كتابنا ينطق علينا بالحقّ. وقولنا شاهد علينا بما عوّدناه من صدق. وكفى بالله شهيدا. والسلام». وسيّر إليه الكتاب، فما أجاب ولا أناب، ولا باشر التنصل بنفسه ولا استتاب. بل صمّم على الخطا، ومدّ إلى المقارعة الخطا (١). فلمّا أيس من إذعانه، ورجوعه عن عدوانه، جهّزت إليه شرذمة من العساكر المنصورة، تقدّمها الأمير علم الدين سنجر الحلبي الكبير، وأكّد عليه مولانا السلطان في أن لا يجرّد سيفا حتى يعذر إليه، ولا يراق دم حتى يعرض الرجوع عليه. وكتب على يد الأمير علم الدين / ٣٩ ب / أمان من مولانا السلطان له، وسيّر معه خاتمه ومنديله، ومن مضمون الأمان: «إنّا لا نؤآخذه بما اعتمده، ولا ننقم عليه ولا نضمر له سوءا في اليوم ولا في ما بعده. ولا نحلف فيما التزمناه وعده، وإنه إن حضر إلينا كان بمنزلته وأعلا (٢)، لا يخاف غيلة ولا خديعة ولا مكرا، وهو الأليق بنا في حقّه والأولى. وإن اختار قلعة يتدبّرها أجبنا اختياره، وبلّغناه أوطاره، هذا أماننا، وو الله والله والله، وتالله وتالله وتالله، وبالله وبالله وبالله إنّا لموفون له إن أجاب ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ (٣). فأبا (٤) إلاّ السيف، وامتنع من قري ما لوفد عساكرنا من حقّ الضيف. وبرز وبارز، وركب في جيش مستعار، وارتكب لمحاربة إخوانه المسلمين عارا وأيّ عار. فحين طلع نجم صنجق مولانا السلطان الشريف كسفت شمسه، وخاب في اليوم أمسه. وهرعت الأمراء الشاميّون إلى صنجقنا فدخلت تحت ظلّه الممدود، وانتهت / ٤٠ أ / إلى حدّ التزامها المحدود.

стр. 59

وأمّا الأمير شمس الدين سنقر الأشقر فإنّه كان قد أعدّ قلعة صهيون لهروبه، ورأى حدّه نفس مكتوبنا وما كان أسعده لو جرى نحت مكتوبه. ففرّ منهزما، وأخلّ بما كان به لمن تابعه من الشرط ملتزما (١). ودخل الأمير علم الدين المشار إليه إلى دمشق فسدّ خللها، وأوضح سبلها، وأعاد حقّ مولانا السلطان منها إلى نصابه، وأعلن باسمه على منابرها وأنه الأولى به. واستقرّ سنقر الأشقر بصهيون، وصعب عليه بحصرها ما ظنّ أنه يهون. ذكر ما اتفق للأمير شمس الدين سنقر الأشقر بعد ذلك ولما خرج مولانا السلطان في السنة المذكورة للجهاد في أعداء الله التتار الذين كان أطمعهم الأمير شمس الدين سنقر الأشقر بخلفه، وحملهم على الحضور بعدم فكرته في عاقبة من / ٤٠ ب / تركه من خلفه. وحلّ بدمشق بالعساكر الإسلامية التي أعدّها، وتجاوزت في الكثرة حدّها، وسلّت سيوفا أمضت النصرة المضمونة من الله حدّها. جرّد أمامه وقد قويت الأخبار أنّ القوم واصلون لا محاله، وتأكّدت بصحّة مكاتبات النصحاء وأنّ ما منهم إقاله. ووصلت مكاتبات نائب الرحبة أنهم حوصروا من القوم بجيش كبير. وأنهم في ضيق (٢) من القاصد أن يسير معهم عسير. فلم يلبث مولانا السلطان عند سماع هذا الخبر المقلق إلاّ أن خرج للوقت مطلقا لاعنّة خيل الله وحقّ له أن يطلق. وبدأ فجرّد إلى الرحبة طائفة كبيرة من العساكر المنصورة. وأمر فكتبت عنه - خلّد الله ملكه - إلى الأمير شرف الدين عيسى بن مهنّا بالمسير والمصير إلى جهة الرحبة. وكتبنا إلى الملك المسعود خضر ولد الملك الظاهر بإنفاذ من عنده بالكرك من العسكر الظاهري، وإلى عربها بني عقبة في أن يحضروا وإلى / ٤١ أ / الديار المصرية بإرسال من تأخّر بها من العساكر، وإستادارية الأمراء والعرب بأن يحضروا إلى سائر الجهات. ولم يتأخّر

стр. 60

أحد عن فرض الله الجهاد، وحشر الناس وقد نادى لسان التناصر من كلّ واد بكل واد. وأعمل مولانا السلطان السير وقد بلغه أنّ القوم انتخبوا من الألف مائة، ومن المائة عشرة، وأنهم شتّوا بالأطاق (١) - ومعنى هذه اللّفظة الجبل الأبلق - وهو خارج الدّربندات (٢) وتشتيتهم فيه علامة على قصد البلاد. فلم يزل - خلّد الله ملكه - يحثّ السّير بنيّة الغزاة الصادقة، ويطوي المراحل في كلّ غاربة وشارقة. والأخبار من جهة النصحاء تتأكّد، والقصّاد منه وإليه تتردّد، إلى أن حلّ ركابه حمص، فلمّا بلغ التتار المخذولون (٣) هذا الاهتمام، وتفويق هذه السهام، وإعلان هذه الأعلام، وقدوم مولانا السلطان في أحسن هيئات الإقدام، علموا أنهم لا قدرة لهم بمصادمة هذا / ٤١ ب / الجيش الجرّار، ولا لهم استعداد يقابل هذا العزم الكرّار. وحصل لهم من الرعب ما ثبّط عزمهم، وثبّج حزمهم، وكاد أن يبدّد نظمهم. وكان المقدّم لهذا الجيش الحاضر به منكوتمر بن هولاكو. وسبب حضوره أنّ أخاه أبغا ملك التتار الآن، والقائم بأسّته، والمتولّي أمر سياسته، وقد تقدّم إليه، وقد ألحّ (عليه) (٤) في طلب مملكة بأن يجمع الجيوش من أدنى بلادهم وأقصاها، فتتبّع العساكر من التتار والكرج والروم والأعجام واستقصاها. وأن تفتح البلاد الشامية ويستملكها، وأن يستقطع كلّ أرض يسلكها. وما هو إلاّ أن غرّته العافية، وخيّل له قرب الأجل موافاة ما غدت له منيّته موافية. هذا، وأحواله عندنا يوما بيوم لابل ساعة بساعة، والمكاتبون بإنفاذ القصّاد باذلون في إعلامنا جهد الاستطاعة. وعند ما تحقّق مولانا السلطان الخبر، بادر لاقتفاء الأثر، فبينا نحن كذلك / ٤٢ أ / إذ ورد كتاب النائب بالرحبة، وبآخره ملطّفة قد ألحقت بعد ختم كتابه، متضمّنة أنّ التتار قد أحاطوا بالقلعة (٥) كما تقدّم.

стр. 61

ذكر ما انعقد عليه الرأي في هذه المنزلة ثم نقض كان مولانا السلطان قد عقد الرأي والمشور مع أمرائه في أن يرجع ويكون القتال بمرج الزنبقيّة ظاهر دمشق، وأنّ في ذلك مصالح، منها: القرب من دمشق وقلعتها لاحتمال عدم النصر - والعياذ بالله - ولا نكر، لأنّه قد جاء عن النبيّ ﷺ «لا تتمنّوا لقاء العدوّ فإنّهم ينصرون كما تنصرون» (١). واختلفت آراء الأمراء، فمنهم من أمّن على ذلك، ومنهم من قال: الرأي أن يقسّم الجيش قسمين، يتقدّم قسم، ويتأخّر قسم، فإذا خذل الأول أردفه الثاني، فقال - وهو الأمير علاء الدين طيبرس الوزيريّ -: ليس هذا برأي لأنّا إذا أخذنا حزمة نشّاب وسللناها سهما / ٤٢ ب / سهما وكسرناه تكسّر الجميع. وإذا أخذنا الجملة وأردنا كسرها لم تنكسر، ولا نلتقي الكلّ إلاّ بالكلّ، هذا، والرأي على الرجوع مستمّر. وما أكمل مولانا السلطان كلامه مع قريبي الصدر فتح الدين بن عبد الظاهر صاحب ديوان الإنشاء الشريف بأن يكتب إلى النائب بدمشق بما وقع عليه الرأي، وأن يخرج دهليزا (٢) وسوقيّة إلى مرج الزنبقيّة، حتى فرغت الكتاب كما أملاه مولانا السلطان. وعندما التفت الصدر فتح الدين إليّ بأن أكتب ناولته الكتاب مفروغا، وعندما ناولته وقدّمه لمولانا السلطان ليشمله خطّه الشريف عجب من سرعته، وأثنى على (علوّ) (٣) همّته، ولا أقول همّتي تضاؤلاّ عن علوّ رتبته. وسلّم الكتاب بعد ختمه للبريد. وأكّد مولانا السلطان على البريد في سرعة سيره، وانفصل بعد تقبيل الأرض. فأشار إلى الصدر فتح الدين بن عبد / ٤٣ أ / الظاهر بأن أعوّق البريديّ، فامتنع عليّ، فرسّمت عليه بعض مماليكنا. وأمر مولانا السلطان بتقويض الدّهليز. وركب مولانا السلطان بهذه النّيّة، ولم يزل إلى أن وصل إلى مفرق الطرق ما بين حمص ودمشق، فاجتمع

стр. 62

الأمراء والشيوخ من مقدّمي الحلقة الصالحيّة ورجعوا به عن ذلك الرأي في الرجوع، وصمّموا على قصد حمص، للمّ ما حصل لتلك البلاد عند الجفلة من الصّدوع. وأمر مولانا السلطان فكتب للأمير علم الدين سنجر الباشقردي الصالحيّ ما مثاله: «يا علم الدّين ما هو وقت دعوى الفروسية، وأن يغرّك من معك من العسكر الحلبي، فتحمل فيمن قبلك من التتار على كثرتهم، فتفسد الحرمة من غير بلوغ قصد، فيكون بينك وبين التتار مسافة يوم كامل، متأخّرا إلينا إلى أن نجتمع على أخذ هذا العدوّ المخذول». هذا نصّ (كلام) (١) مولانا السلطان / ٤٣ ب / وكتبت إليه به عنه، وعاد جوابه بالسمع والطاعة، وأنه لا خروج له عن السّنّة والجماعة. ذكر ما اعتمده مولانا السلطان في أيام إقامته بحمص أقام مولانا السلطان بحمص خمسة عشر يوما، وفي كلّ يوم يركب هو ومشايخ الصالحيّة وأمراء الحلّ والعقد، ويصعد هو وهم فوق تلّ هناك، وهو الذي بنيت عليه قبّة النصر، ويعقد الرأي هنالك. وفي كل يوم تركب العساكر المنصورة بكمالها ملبسة، معتلقة رماحها، شاكية سلاحها، ويتكوزرون وهو ينظر إليهم تدريبا وتمرينا، وتهذيبا وتأديبا. ذكر ما رآه مولانا السلطان أيضا في هذه المنزلة وما انعقد عليه الرأي قد تقدّم أمر من جرّد إلى الرحبة المحروسة من العساكر / ٤٤ أ / والعربان. ولمّا صحّت الأخبار في كثرة هذا العدوّ وتنوّع أعدائه، وقوّة استعدائه، عقد المشور، واقتضى الرأي مداواة الأخطر، وحفظ الأكثر من العدوّ الأكبر. بأن يحضر من جرّد إلى الرحبة إلى حمص، وأن يكتب إلى نائبها بأن يمسك خيله ريثما يلتقي الجمعان، ويتناصف الصّفّان. فحضر من كان هنا لك إلى هنا، وتكفّل (بحفظ) (٢) من رحلوا عنه إلاّ هنا، فحضروا وقويت شوكة الإسلام بحضورهم، واعتقد العدوّ أنها نجدة فحاروا في أمورهم.

стр. 63

ذكر احتفال المكاتبين بحقيقة أحوال القوم قد تقدّم حديث المكاتبين والمناصحين لله ولرسوله وللإسلام. ولمّا كان قبل ملتقى القوم ومولانا السلطان نازل بحمص، حضر قاصد (من) (١) ديار بكر من جهة، كبير جليل سلك الجهة، / ٤٤ ب / على يده ملطّف بعدد القوم وتفصيل جملتهم، وحصر عدّتهم، وأسماء مقدّمي تماناتهم (٢)، وأجناس تجنيسهم، وتلبيس شعارهم لرعاع رعيّتهم من العوام، وهي عادة تلبيس إبليسهم. وأخبر هذا القاصد أنه خاض القوم ميمنة وميسرة، وقلبا وجناحين، وأخبر أنهم في غاية الكثرة، وإنّما ساق منهم من عليه جنى الحين. وتضمّن الملطّف المذكور أنّ القوم مائة وعشرون ألف فارس (٣). وطابق هذا الخبر في العدّة ما كان أخبر به جلدر (٤) بهادر أمير أخور (٥) هولاكو الذي كان أمسك بعين تاب. ذكر الصورة في إمساك جلدر بهادر المذكور كان منكوتمر أخو أبغا طاغية هذا الجيش عندما قرب من البلاد الشاميّة وجدها خالية من العساكر والرعايا، وتجفيلهم استجرارا له، وإنهاكا لقوّته، وبعدا لمسافة عوده عند كسرته، / ٤٥ أ / صار يركب وينفرد عن جيشه في شرذمة يسيرة للصيد، وكم من رام أن يصطاد فاصطيد، وكانت أجناد عين تاب يركبون في كلّ يوم ويتخطّفون منفرد القوم، ويتداولون ذلك اليوم بعد اليوم، فيظفرون ويغنمون ويعودون. واتّفق أنهم ركبوا يوما وأبعدوا عن الحصن، فصادفوا منكوتمر المذكور

стр. 64

في قليل من القوم، ومعه هذا «جلدر بهادر». وكان أبغا قد سيّره معه ليستضيء برأيه فيما يأتي ويذر، ولا يخرج عن إشارته وردا وصدر. لأنه من كبار قومه، وشيوخ قور لقاي هولاكو أبيه بزعمه. فحين رأى جلدر بهادر أجناد عين تاب قال لمنكوتمر: أنج بنفسك ورح أنت ومنّا ومنهم لأنك إن قابلتهم وقاتلتهم وانتصرت عليهم فلا فخر، وإن خذلت كان عارا، ففرّ منكوتمر، ووقف جلدر بهادر ومعه بعض من كان مع منكوتمر، وتجاملوا وتصادموا، فعيّن بعض أجناد عين تاب على وتر قوس جلدر بهادر بسيفه فقطعه، / ٤٥ ب / وضربه آخر بدبّوس في رأسه فصرعه، وهرب من كان حوله، واشتغل أجناد عين تاب بالأهمّ من إمساك هذا الخصم الألدّ بما أبداه من صوله. وهم التتار لا حيلة لهم إلاّ النشّاب، ولا نفوذ لهم إلاّ ما يرسله ما لقسيّهم من قاب. لا يدرون ما المطاعنة بالرماح، ولا كيف يستقي بأشطانها ما للأجساد من أرواح. ولقد حمل بعضهم عليّ برمح ليس له سنان وطعنني عدّة طعنات بعد أن أثخنت بالجراح، فلم يؤثّر فيّ ذلك الطعان. ثمّ إنّ النائب بعين تاب عندما اقتنص جلدر بهادر سرّح الطائر الميمون بالبطائق، بطليعة هذا النصر العزيز، وأماير هذا التأييد الذي أبرزه الله (أعظم) (١) دليلا (٢) عليه قبل التبريز. وللوقت كتبت جواب البطائق حسب الأوامر الشريفة السلطانية بالاحتفاظ بالمذكور، وجهّز تحتها الأمير عزّ الدين أبو شامة الشهابي الحاجب على خيل البريد، وعلى يده مثال / ٤٦ أ / شريف بتسليمه له في القيد إن كان فيما للحياة من قيد، وأن يجهّز الجماعة الذين رموه إلى الأبواب العالية. فسلّم له، ووصل إلى دمشق المحروسة ومولانا السلطان بميدان القصر الأبلق يطارد الكره، ولا أقول يلعب، ويتمّرن على المدافعة وما زال في مثل ذلك يدأب. وهو رجل تامّ الخلقة، ضخم الجثّة، عريض الأكتاف، صغير الرأس. فاستؤذن مولانا السلطان عليه وهو منجمل في المطاردة، فوقف واستوقف، وألقى عصا جوكانه (٣) التي كانت لكرة مطاردته تتلقّف. وأحضر جلدر بهادر المذكور متوكّئا على من أحضره من ثقل قيده، ورأسه معصوبة من الضّربة التي صعّرت خدّيه في التراب،

стр. 65

وأرته من شدّة وقعتها العجب العجاب، وأمر بتقبيل الأرض فأبى من حمقه، ونهي فصمّم إياسا ممّا بقي من رمقه. وكان كثير الضحك، فعمد إليه الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار فألقى برأسه إلى الأرض، وأقامه من سجوده / ٤٦ ب / لتقبيل يد مولانا السلطان ليحصل على السّنّة والفرض. فقبّلها مرارا، ورأى ما هاله من حسن هيئة (١) مولانا السلطان وهيبته وجميل صورته. وعلم أنّ ذا الحقّ لا يمارى. ثم أمر مولانا السلطان بانصرافه إلى قلعة دمشق المحروسة وإنزاله في برج من أبراجها، وأن تحمل له الفرش والحكماء ويداوى، وأن يقرّر له من الإقامة كفايته وزيادة. وأحسن له - أحسن الله إليه - العادة في العيادة. ولمّا حضر مولانا السلطان إلى القلعة من الميدان استحضره واستخبره، فأخبر بمثل ما تضمّنه الملطّف الواصل من ديار بكر من العدّة والعدّة. وأملى عليّ قريبي الصدر فتح الدين صاحب ديوان الإنشاء الشريف مقدّمي القوم، حتى كان إملاؤه وملطّف ديار بكر لم يختلفا في مدّه. ولمّا عزم مولانا السلطان على التوجّه للقاء القوم جهّز المذكور إلى ديار مصر. ولمّا عاد بعد نصره إلى مقرّ ملكه أحسن إليه، وأفاض / ٤٧ أ / بملابس النعماء عليه. وأجرى رزقه، ووفّاه من الصدق في الأخيار حقّه. وأطلقه من الأسار، وصيّره بعد العبوديّة من الأحرار. إلى أن مات في خدمته، وأدركه ما فاته من الموت عند صرعته. ذكر الركوب للقاء العدوّ المخذول ولما كانت ليلة الخميس المسفر صباحها عن اليوم المبارك الرابع عشر من شهر رجب الفرد سنة ثمانين وستماية، بات مولانا السلطان والعساكر المنصورة على ظهر قوّضت الخيام، وتهيّئات القسيّ لاعتقال عوامل السهام. وتلمّظت (٢) السيوف في الأغماد حنقا، وشكت الرماح ببعدها عن أسنّتها بطول ليل انتظارها أرقا. وزرّرت الجواشن أطواقها على اسم التحصين، وحمى الحديد فظنّ في ظلامها أنه ومضان برق أو شعاع شمس بما أبداه صقالها من تحسين. وأسفر نجّاب

стр. 66

صبحها / ٤٧ ب / وعلى يده مخلّق (١) تملأ الدنيا بشائره، وأشرقت شمس يومها وقد جاء نصر الله والفتح الميمون طائره، فترتّبت الجيوش الإسلامية ميمنة وميسرة، وانضمّت جناحين لا تسأل في الإقدام نظرة إلى ميسرة. ونشرت الأعلام المحمّديّة، وأظلّت الراية السوداء العباسية. وبايع مولانا السلطان الله ورسوله، ورفع يديه مبتهلا بأن يبلّغه من نصر الدين المحمّدي سوله. ووقف وما في الموت شكّ لواقف، وأقدم من مماليكه في جمع متكاثف. وارتفعت الأصوات بتلاوة القرآن، واجتمع حول جواد مولانا السلطان من الفقراء والمشايخ الصلحاء الحاضرين من مصر وبغداد والبطايح والعراقين والشام جمع كبير مشاة. وتقدّمت الجاليشيّة، وأقبل القوم فغصّ الفضاء بكثرة جمعهم، وضاق وسعا عن وسعهم وارتفع عجاجهم، وهال ثجاجهم، وأمطرت غمامتهم السوداء مطر السّوء من سهامهم. وخطت وما / ٤٨ أ / تخطّت مرسلات نبل أقلامهم. ودارت سواقي عجل النيل، إلاّ أنها قرنت بالخطاء (من الخطأ) (٢) لا الصواب، وجاءت حور عين معاينتهم فدخلت على المستشهد بها من كلّ باب. وأخذ مولانا السلطان في تثبيت عساكره، واستجرار القوم من غير رهج وثوقا بالله ناصره. ثم إنّ التتار المخذولين صاروا كرديسا (٣) واحدا بعد الترتيب، وحملوا على الميسرة الإسلامية حملة رجل واحد فتراجعوا عنها كيما تخسر وثبتهم وتخيب. وعندما بلغ مولانا السلطان خبر الميسرة وتأخّرها، وتحيّرها وتتابعها، وأنّ التتار قد صاروا خلف صناجقه المنصورة أمر بلفّها، وتبطيل الكوسات (٤) وكفّ كفّها. ثم لم يزل مولانا السلطان على من بقي من القوم إلى أن هزمهم بإذن الله وقوّته، وشتّت شملهم بعظيم سطوته (٥).

стр. 67

واتّفق لمنكوتمر مقدّم هذا الجيش أمر عجيب. ذكر ما اتفق لمنكوتمر في هذا اليوم / ٤٨ ب / كان الملك المنصور صاحب حماة قد أهدى للمقرّ الحسامي طرنطاي نائب السلطنة المعظّمة فرسا جيّدا، قيل إنّ ثمنه خمسة عشر ألف درهم. وكان الأمير حسام الدين قد توغّل في المحاربة، فجرح فرسه، فطلب الفرس المهدى إليه، فلمّا أقبل ليركبه ساب من يد أمير أخوره، ولم يزل إلى أن وقف قدّام منكوتمر، فاستبشر به، وانثنى ليركبه. وكان منكوتمر هذا معؤجّ الرّقبة، أصور (١) خلقه، فحين انثنى ليركب جاءته نشّابة في عوجة عنقه. فأخذها وهرب على تلك الفرس. فكانت له نعشا أدناه من مصرعه. ورجعت به ولكن لا تسل كيف مرجعه، وخذل القوم بخذلانه، ولم يمت حتى أكل ما نقل لسانه، من شدّة الألم بأسنانه (٢). ذكر ما اتفق عند مواجهة القوم لما ركب مولانا السلطان للملتقى وقعت البطاقة / ٤٩ أ / من حصن الأكراد على جناح الطائر، مضمونها أنه قد وصل إليه الخبر من جوّا طرابلس الشام أنّ التتار المخذولين سيّروا جمعا كبيرا منهم إلى طرابلس ليخرجوا منه ويكونوا من وراء العساكر المنصورة عند مواجهتهم القوم باللقاء. ولما قرأها قريب المملوك

стр. 68

الصدر فتح الدين المذكور على مولانا السلطان أحضر أمراء المشور، وقرئت عليهم، فلم يلووا على ذلك، وقالوا: نحن إذا لقينا القوم ودارت بنا رحى الحرب الزّبون لم يبق يعرف لنا إقبال من إدبار. وأمر مولانا السلطان بتسريح الطائر بجوابها، مضمونه أن تثبت ولا تخرج من القلعة أنت والبحريّة (١) المجرّدون بها إن مرّوا به ويدعهم. غير أنه يسارع بتسريح الطائر مخبرا بمرورهم عليه لا غير، ويدعنا ولطف الله وإيّاهم. فلم يكن بأسرع من أن عادت الطيّر بأنّ جماعة خرجوا من الحصن بشعار التتار من السراقوجات (٢) وغيرها. / ٤٩ ب / وأنّ الخبر الصحيح ورد عليه من مكاتبي طرابلس النّصحاء أنّ الذين خرجوا ليسو (٣) تتارا بل فرنجا أرادوا التشويش والإبهام والإيهام. وأنهم لم يجسروا أن يبعدوا عن باب طرابلس. بل حيّلوا وتحيّلوا (٤). ففهم مولانا السلطان الصورة، وهو آخذ في شأنه من جهاد القوم، مكبّ على حملاته التي لم ير في أنف وسالف ما لها من يوم. ولما فرّ القوم لا يلوي أولهم على آخرهم، وانهزموا بين يديه كلمى قد أثّرت الجراحات في بواطنهم وظواهرهم، وعاد مولانا السلطان إلى منزلته وقد ظفر بيوم نصره الموعود المنزل من السماء بمحكم آيته. فبينما هو كذلك إذ عاد من كان من التتار قد ساق خلف الميسرة عندما خاتلتهم بالانحياز، واستجرّتهم لتريهم صدق الكرّة التي جعلها الله للمسلمين عليهم الحقيقة من المجاز. وكان هؤلاء القوم من التتار عشرة آلاف فارس أو يزيدون. وللوقت ركب مولانا السلطان في شرذمة يسيرة / ٥٠ أ / من مماليكه. ولم يكن عند ركوبه من هو من الأمراء واقف بين يديه، إلاّ الأمير سابق الدين بوزبا الساقي الظاهري، وعلم الدين زريق الجولاني (٥). وللوقت أمر مولانا السلطان فدقّت الكوسات، ونشرت الرايات، وأتت العساكر عند سماعها مسرعين، وعند إعلان بوقاتها باستدعائهم لإتمام إهلاك عدوّ الله سامعين مطيعين.

стр. 69

وعندما اجتمعت العساكر تحت الصناجق المنصورة، وغدت التتار بين مولانا السلطان وبين إعدام بقيّتهم محصورة دهشوا لما نابهم من هذه الحيرة، وعلموا أنهم لا خلاص لهم وقد أحاط بهم مولانا السلطان ضرره وضيره، ولّوا الأدبار، وفرّوا ولكن لم ينفعهم الفرار، لأنّ مولانا السلطان - خلّد الله ملكه - حدّ لهم فجدلهم، وعاج لهم فعاجلهم، وساق لهم فما صاقلهم، وغسل بماء السيف خبثهم. فطهّر منهم العباد والبلاد / ٥٠ ب / وساق أرواحهم الكافرة ولا غير الخزّي واللعنة زاد. وكانت هذه الطائفة التي أخّرها عمّن قتل من قومها ما فرغ ربّك منه من ساعة ذلك الأجل، وأمهلها ولم يهملها إلاّ ريثما قضته في أكدر عيش من الخوف والوجل. قد نزلوا السوق خلف الميسرة الإسلامية إلى المحلّ الذي عزمت الميسرة على الكرّة عليهم منها، واشتغلوا بكسب حمالة المسلمين واغتنام كسر سفرهم. وحملتهم نهمة الجوع على سوء عاقبة سفرهم، إلى رجب من صفرهم. وأطمعهم ما بلغهم من كثرة مال مولانا السلطان، وما صحبه من الخزائن التي ملئت بما يملأ العين من العين، وما الخبر كالعيان. ذكر غريبة اتفقت عند المصاففة لم يشعر مولانا السلطان والقسيّ من الجهتين متراسلة / ٥١ أ / برسل الموت من سهامها، والسيوف حاسرة بتجرّدها من الأغماد مدار لثامها. والعوامل من القبيلتين على الاندفاق في الصدور عامله، والصفوف حوامل وكم ولدت من عجيب حقود، هي على طلب التتار حامله، إلاّ وقد حضر بعض أجناد الحلقة، ومعه نشّابه فيها بطاقة مربوطة فحلّ رباطها، وشكر عن أداء نصحها جهادها ورباطها. وحين فضّ مولانا السلطان ختامها، وحسر لثامها، تقدّم الصدر فتح الدين صاحب الديوان فقراها، وأحسّ بحسّ الأداء قراها، ومضمونها: «يا سلطان الإسلام، قد بلغ التتار، أنّ بين يديك خزانة يقال لها خزانة دينار، على ماية بغل مايتا صندوق، في كل صندوق خمسة آلاف دينار عينا، وقد عيّنوا عليها، وعرفوا جهتها، فانصبّوا إليها، فخذ حذرك، والسلام». فشكر مولانا السلطان معار جناح هذا السهم المسرّح، / ٥١ ب / وأثنى على

стр. 70

مرسله ثناء من كنّا (١) وصرّح. وودّ لو عرفه ليجزيه عن هذه الحسنة عشر أمثالها، ويعامل نصيحته الإسلامية بما يقضي بإحلالها أعلا (٢) محالّ إجلالها. وتقدّم أمر مولانا السلطان إلى خزانة دينار ففرّغت، وأديرت أكياسها على خواصّ الأمراء مماليكه ولا أقول أكواسها، وجزم مولانا السلطان فيما من هذا الخبر عنّ، وجزم والجزم سوء الظنّ. وتقدّم مرسومه الشريف فكتبنا أسماء من تسلّم هذا المال، وأحسن الله تعالى بسعادة مولانا السلطان فيه وفي من تسلّمه العقبى والمآل. ذكر من جهّزه مولانا السلطان في أثر من لعلّه من التتار انهزم . ولما فرغ مولانا السلطان من قتالهم، وبلغ الغرض من إدبارهم باستقبالهم، تقدّم أمره إلى المجلس العالي الأمير بدر الدين بيليك / ٥٢ أ / الأيدمري الصالحي بأن يسوق في جماعة من العساكر المنصورة في أثر من لعلّه انهزم منهم، وأن لا ينفصل إلاّ بعد تطهير الأرض عنهم. ولم يزل الأمير بدر الدين إلى أن وصل إلى مقصبة على نهر، فبلغه أنهم أكمنوا في المقصبة مستقتلين، وأنّ كلاّ منهم فرّغ تركاشه (٣) وجثا على ركبتيه متقرّبين ومبعدين. وكان من المجرّدين صحبة المذكور جماعة من المماليك السلطانية الزّرّاقين (٤). فإنّ مولانا السلطان، خلّد الله ملكه، كان قد علّم جماعة من مماليكه إلى أن أجادوا، فأمرهم الأمير بدر الدين برمي قوارير النفط فمنهم من احترق. ومنهم من استجار من حرّ النار بما لبرد الماء من الغرق. وعاد الأمير بدر الدين. وأقام مولانا السلطان بحمص مكان الوقعة إلى أن جهّزت البشائر بكتبها، وسارت أنباء هذه النصرة في شرق البلاد وغربها. وبلغ مولانا السلطان أنّ أهل دمشق قد قلقوا عندما وصل إليهم بعض الأمراء

стр. 71

/ ٥٢ ب / الفارّين بين يدي الميسرة المنحازة ريثما كرّت، فكانت لها الكرّة وعادت فحمدت عاقبة العود بما نال (عين) (١) أعيانها من القرّة. فأكّد مولانا السلطان على الصدر فتح الدين في سرعة تجهيز طير البطائق ولا أسرع من الطير، وحثّ على أن يحثّ البريد تحتها السير. فأسرع الصدر فتح الدين إلى أن صار يسرّح الطير والبطائق مخلّقة بالزعفران من غير كتابه، ويضمّخ الطير فيأتي بأدلّ دلائل النصر عند داعي طايره المقابل بالإجابة. وكنت قد أنشأت قبل الركوب للمصافّ ما يكتب به في هذه البشرى تفاؤلا بيمنها، وتبرّكا بحسن طنّها. وهي: ما يكتب به بعد الألقاب «نوضح لعلمه أنّا لمّا ركبنا على إسم الله بنيّة الغزو والجهاد، وفارقنا الأهل والوطن (لا نلوي) (٢) على العود، وتوقا لحسن الجزاء يوم المعاد. / ٥٣ أ / ولم نزل نطوي المراحل (مستنجزين) (٢) ليوم النصر الموعود مجدّين لشهادة وقته المشهود. ونحن واثقون من الله بالنصر والظفر. متحقّقون أن سيبلغ أدنى الرعيّة وأقصاها من نصرنا خير خبر. وما من منزلة إلاّ ونجد مع ترادف أخبار القوم وقوّتها في نفوسها انبعاثا وانشراحا، ولا أدلجنا في مهمه إلاّ ورأينا مساءه بانبساط خاطرنا صباحا، وعندما حللنا بحمص أخذنا في الأهبة بالحزم، وحدّدنا ما لم يرثّ من العزم. وأدّنّا في الناس بالجهاد فأتوا من كلّ فجّ عميق، وأعلنّا بكلمة التوحيد فتتابعت خيل الله يقفو منهم الفريق الفريق. وجاء نصر الله والفتح، واقتدح زناد سيوف الله فأنار الوجود بذلك الاقتداح، بما لمشهور ما في الأعداء من قدح. وبلغنا عن القوم وبلغهم عنّا، وأقبلوا علينا صورة إلاّ أنّا أقبلنا عليهم (صورة) (٢) ومعنى. ولما كان / ٥٣ ب / يوم الخميس أقبل القوم وأقبلنا، إلاّ أنهم استدبروا من أمرهم ما استقبلنا، وشاهدوا من تنوّع قتالنا ما لم يكن لهم به يدان، ودانوا ودنّا إلاّ أنّا نصرنا بأشرف من به يدان، ورأينا جمعهم الملفّق فكانوا كالمثل المضروب بالذباب. الكثرة والتتان. ولم نلبث أن صدقناهم الحملة، فأتى كلّ مفرد من

стр. 72

جيوشنا على الجملة منهم فالجملة. فأخذوا في المخاتلة، ونحن نجدّ في المقاتلة. وعمدوا إلى المخادعة، ونحن لا نفتر في المقارعة، وجروا على عادتهم في تولّيهم الإدبار، أي أنهم انكسروا، وظنّوا أنه تجلب لهم ريح خديعة خسروا. وكانت عدّة القوم ماية ألف أو يزيدون، وجاءوا في أجناس محبّشة من تتار وفرنج وأرمن وأعجام وكرج من كل حدب ينسلون. وحمي الوطيس، وتنوّع فيهم القتل ما بين / ٥٤ أ / جريح وكسير وفطيس. وجدّ النضال، وقرعت النصال النصال، وطلبت الأوتار الأوتار. وغنّت السيوف الإسلامية بعرس النصر ولا غيّر رؤس أعداء الله التتار (النثار) (١). ولم يكن إلاّ كلمح البصر أو هو أقرب، أو جلسة خطيب ومن ألسن الخرصان (٢) على منابر العوامل أخطب. حتى محيت آثارهم، وهتكت عن أرواحهم من الأجساد أستارهم. وحيل بينهم وبين ما يشتهون، وظلموا أنفسهم بالتجاسر على بلاد الله (ولسان) (٣) النصر يتلو (٤) ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٥). ولم يبق العزم الإسلامي منهم فاتك (٦)، ولا من يقول لهمّتنا المؤيّدة: فاتك. وكانوا قد حملوا على الميسرة بجملتهم فما حمدوا عاقبة حملتهم، فكرّت عليهم أيّما كرّه، وأخذتهم وقد وثقوا بانحياز المسلمين عنهم على غرّه. وكتابنا هذا وقد أيّد الله الإسلام ونصره، وأظفره بأعدائه وأقدره، وجنود الله قد شفوا صدور السيوف من ظهور الملحدين، وعونه / ٥٤ ب / قد أيّدهم فأصبحوا على عدوّهم ظاهرين. فليأخذ حظّه من هذه البشرى بهذه النوبة التي ما سطر مثلها من النوب. وهذه النصرة التي وهبها الله فله الحمد فيما منها وهب. وليتقدّم بضرب البشائر، والتحدّث بنعمتها في كل مقيم وسائر. والله تعالى الموفّق بكرمه». [عودة السلطان المنصور إلى القاهرة] وعاد مولانا السلطان إلى دمشق وقد زخرفت بالأمتعة الثمينة، وزيّنت فكان

стр. 73

يوم دخوله إليها في الحقيقة يوم الزينة. وأقام بها ريثما استجمّ، ورحل قاصدا كرسيّ مملكته القاهرة وقد قدّر فقهّر، وقهر (١) فقدّر. ودخلها وقد هيّئت (٢) بدخوله، وزيّنت أتمّ زينة سرورا بحلوله. وقد حلّيت أخطاطها من ثمين الجواهر بأشرف الحلى، وملي من نفائس الأقمشة والأمتعة الملا. وحين حلّ بقلعة الجبل أفاض ملابس الخلع على من كان في خدمته من الأمراء والكتّاب، وأثاب كلاّ / ٥٥ أ / أحسن ما يثاب (٣). [ظهور أمر التتار اعتبارا من سنة ٦١٥ هـ] وانقضت هذه الغزوة على أحسن الصّور، وتكفّل الله تعالى أعانها بألطافه في الورد والصدر. وهي غزوة ما اتّفق مثلها في الإسلام، ولا جرت حتى ولا في الأوهام. فإنّ هذا العدوّ كان ظهور أمره في سنة خمس عشرة وستماية، وقصد العراق والعجم فأبادهم، وخرّب ديارهم، وعفّى آثارهم. وقصد بغداد وفيه جيش لا يردّ يد لامس بقتال، ولا يعرف ما للحرب من أوجال انقضاء الآجال. وهو اسم بلا جسم، وداء بلا حسم. وجمع بلا كثرة، وكثرة بلا جمع، وقوم لا يعرفون لأوامر الجهاد طاعة ولا سمع (٤). وممّا يسطع به عليهم أنه قيل لأحدهم: لم لا حملت على خصمك؟ فقال: القنطارية بيدي اليمنى، والطارقة بيدي اليسرى، واللكازات في رجلي كيف أعمل به أكضمه (٥)؟ ولما قصدوا حلب ودمشق كان الملك الناصر بن العزيز (٦) مشغولا بملاذّه

стр. 74

عن الفكرة / ٥٥ ب / في طارقهم، منهمكا على مأكله ومشربه ومتنزّهاته، مشغولا بمجلس خواصّه في الحسن ومطابقهم. على أنّ هولاكو كتب إليه مهوّلا عليه فيما حكى لي الصدر تاج الدين أحمد بن سعيد المشهور بابن الأثير كاتب درجه، وكان رفيقي بديوان الإنشاء بمصر، أنّ هولاكو كتب إليه: «وقد حضرنا إليك في جيوش لو نزلت على الجبال لنسفتها، أو وردت البحار لنزفتها، وهذه القرينتان فيهما من بلاغة الإبلاغ (وإبلاغ) (١) البلاغة ما لا عليه مزيد». ثمّ، والوقعة التي كانت على عين جالوت (٢) مع الملك المظفّر قطز مملوك الملك المعزّ مع أبغا نوين، كانوا تمانا واحدا. والتمان عشرة آلاف فارس. [مقتل المظفّر قطز] وكان الملك المظفّر قد خرج بالعسكر المصري والشام والجافل إليه، والشهارزة، والأكراد، وسائر العربان والعشير. وياليته عندما بها نجح (٣)، وعندما وازن نفسه معجبا بها جاء الحقّ لكنه نقص وما رجح، فإنه قتل / ٥٦ أ / بمنزله قصير الصالحية سنة سبع (٤) وخمسين وستماية، عند عوده.

стр. 75

[سلطنة الظاهر بيبرس] وفيها (١) تسلطن الملك الظاهر وتلقّب بالملك القاهر، ثم رجع عنها إلى الملك الظاهر (٢). [وقائع الظاهر بيبرس] ووقعة الملك الظاهر على كينوك (٣)، وهي وقعة أبلستين (٤)، كانوا خمسة
следующие страницы →