← Акыда

Акыда · id 16618

لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية

السفاريني

Полный текст (799 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وأراد بقوله: (ولا تك بدعيا) أي لا تكن ممن إعتقد إعتقاد أهل البدع في أصول الدين من الإثنتين وسبعين فرقة، فإنها في النار كما أخبر النبي المختار ﷺ : فمنهم الخوارج (١) والمرجئة (٢) والقدرية (٣)

стр. 177

والرافضة (١) والجهمية (٢) والمعتزلة (٣) وهذه الفرق تتشعب منها الإثنتان وسبعون فرقة (٤) واللَّه تعالى أعلم. وقول الناظم ﵀ ورضي عنه (لعلك) أيها الأثري المقتفي لنظمي ونثري إن تمسكت كالشرع القويم من الكتاب العزيز القديم وبما صح عن النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم والسلف الصالح القويم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين المعول عليهم في سائر الأزمان وجانبت أهل البدع ولم تركن إلى أهوائهم وما انتحلوه وابتدعوه من دعاويهم ودعواهم ومباينة اعتقادهم ومجانبة فسادهم وإفسادهم. (تفلح): أي تفوز بالدرجات العالية والنعيم المقيم في عرصات الآخرة وجنات النعيم. والفلاح: من الكلمات الجامعة لخيري الدنيا والآخرة. قيل: إنه عبارة عن أربعة أشياء: بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعز بلا ذل، وعلم بلا جهل.

стр. 178

قالوا: فلا كلمة في اللغة أجمع للخيرات من كلمة الفلاح (١). وكذلك النصيحة فإنها كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له ويقال إنها من وجيز الأسماء ومختصر الكلام (٢). فال الخطابي: (٣) وليس في كلام العرب كلمة مفردة تستوفي بها العبارة عن معنى هذه الكلمة. كما قالوا في الفلاح: إنه ليس في كلامهم كلمة أجمع لخيري الدنيا والآخرة منه أي الفلاح (٤) انتهى. ومفهوم كلام (المصي) (٥) رحمه اللَّه تعالى أن لا فلاح لأهل البدع أصلا لأنه ترجى لمن أقتفى الآثار ونهج نهج الأتباع وجانب الأشرار وخالف أهل الإبتداع الفلاح ومن لا يكون كذلك فلا يرجى له الفلاح ولا يتوقع له الخلاص ولا النجاح.

стр. 179

ولما طلبت أم بشر بن غياث المريسي (١) الخبيث المعتزلي من الإمام الشافعي (٢) ﵁ أن ينهاه عن هواه قال له أخبرني عما تدعو اليه أكتاب ناطق؟ أم فرض مفترض، أم سنة قائمة؟ أم وجوب عن السلف البحث فيه، والسؤال عنه؟ قال بشر: ليس فيه كتاب ناطق ولا فرض مفترض ولا سنة قائمة ولا وجوب عن السلف البحث فيه، والسؤال عنه إلا أنه لا يسعنا خلافه. فقال له الإمام الشافعي ﵁: أقررت على نفسك بالخطأ فأين أنت عن الكلام في الفقه والأخبار يواليك الناس عليه فلم يفعل فلما خرج بشر عن عند الشافعي قال الشافعي ﵁: هذا رجل لا يفلح (٣) فجزم له بعدم الفلاح. وكذلك قال سيدنا الإمام أحمد (٤) ﵁: عليكم بالسنة والحديث وما ينفعكم وإياكم والخوض والمراء (٥) فإنه لا يفلح عن أحب الكلام. وقال ﵁ في علماء أهل البدع عن المتكلمة: لا أحب لأحد أن

стр. 180

يجالسهم ولا يخالطهم ولا يأنس بهم فكل من أحب الكلام لم يكن آخر أمره إلا إلى البدعة. فإن الكلام لا يدعوهم الى خير فلا أحب الكلام ولا الخوض فيه ولا الجدال. عليكم بالسنن والفقه الذي تنتفعون به ودعوا الجدال وكلام أهل الزيغ والمراء. أدركنا الناس وما يعرفون هذا ويجانبون أهل الكلام وقال ﵁: من أحب الكلام لم يفلح عاقبة الكلام لا تؤول إلى خير أعاذنا اللَّه وإياكم من الفتن وسلمنا وإياكم من كل هلكة (١) (٢). تنبيه: قد أكثر السلف ﵃ في ذم الكلام والخوض فيه والتقصي عن دقائقه والتدقيق فيما يزعمون أنه قضايا برهانية وحجج قطعية يقينية، وقد شحنوا ذلك بالقضايا المنطقية والمدارك الفلسفية والتخيلات الكشفية والمباحث القرمطية، وكان أئمة الدين مثل الإمام مالك (٣) وسفيان (٤) وابن المبارك (٥) وأبى يوسف (٦)

стр. 181

والشافعي (١) وأحمد (٢) وإسحق (٣) والفضيل (٤) بن عياض وبشر الحافي (٥) يبالغون في ذم الكلام وفي ذم بشر المريسي (٦) وتضليله. حتى إن هارون الرشيد خامس خلفاء بني العباس قال يومًا: بلغني أن بشر المريسي يقول: إن القرآن مخلوق وللَّه عليَّ إن أظفرني اللَّه لأقتلنه قتلة ما قتلها أحد (٧) فأقام بشر متواريًا أيام الرشيد نحو من عشرين سنة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللَّه روحه في كتابه: شرح العقيدة الأصفهانية: "هذه التأويلات التي ذكرها ابن فورك (٨) ويذكرها

стр. 182

الرازى (١) في كتابه تأسيس التقديس وغيره ويوجد منها في كلام غالب المتكلمة من عبد السلام الجبائي (٢) وعبد الجبار (٣) وأبي حسن البصري (٤) وغيرهم هي بعينها التأويلات التي ذكرها بشر المريسي ورد عليه الإمام عثمان بن سعيد الدارمي (٥)

стр. 183

أحد مشاهير أئمة السنة من علماء السلف في زمن البخاري (١) في المائة الثالثة في كتابه الذي سماه: رد عثمان بن سعيد على الكاذب العنيد فيما افترى على اللَّه في التوحيد. فحكى هذه التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي بكلام يقتصي أنَّ المريسي أقعد بها وأعلم بالمعقول والمنقول من هؤلاء المتأخرين الذين اتصلت اليهم من جهته (٢). وقد أجمع أئمة الهدى على ذم الفرقة المريسية وأكثرهم كفروهم وضللوهم وذموا الكلام و (أهله) (٣) بعبارات رادعة وكلمات جامعة. قال أبو الفتح نصر المقدسي (٤) في كتابه "الحجة على تارك المحجة" بإسناده عن الربيع (٥) بن سليمان قال سمعت الإمام محمد بن إدريس الشافعي يقول:

стр. 184

"ما رأيت أحدًا إرتدى بالكلام فأفلح (١) ولما كلمه حفص الفرد من أهل الكلام قال: لأن يبتلي اللَّه العبد بكل ما نهى اللَّه عنه خلا الشرك باللَّه خير له من أن يبتلى بالكلام (٢). وقال حكمي في أصحاب الكلام إن يصفعوا وينادى بهم في العشائر والقبائل هذا جزاء من ترك السنة وأخذ في الكلام (٣). وعن عبد الرحمن (٤) بن مهدي قال: دخلت على الإمام مالك (٥) بن أنس ﵁ وعنده رجل يسأله عن القرآن والقدر فقال للرجل لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد (٦) لعن اللَّه عمرًا فإنه إبتدع هذه البدعة من الكلام ولو كان الكلام علمًا لتكلم به الصحابة والتابعون ﵃ كما تكلموا في الأحكام والشرائع

стр. 185

ولكنه باطل يدل على باطل (١). وقال الإمام محمد بن الحسن (٢) صاحب أبي حنيفة النعمان (٣) بن ثابت سمعت أبا حنيفة ﵁ يقول: لعن اللَّه عمرو بن عبيد فإنه مبتدع (٤) فهل يكون أشد من هذا الإنكار من هؤلاء الأئمة الكبار. وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي (٥) سمعت علي بن الحسين (٦) القاضي يقول:

стр. 186

حدثني ابن فهم (١) حدثني ابن زنجوية (٢) حدثني الإمام أحمد بن حنبل (٣) قال: كنت في مجلس أبي يوسف (٤) القاضي حين أمر ببشر المريسي فجر برجله فأخرج قال ثم رأيته بعد تلك فى المجلس فقيل له على ما فعل بك رجعت إلى المجلس؟ فقال: لست أضيع حظي من العلم لما فعل بي بالأمس (٥)، قال في طبقات الحنفية (٦): أخذ بشر المريسي الفقه عن أبي يوسف وبرع فيه ونظر في الكلام والفلسفة. قال الصيمري (٧) فيما جمعه ومن أصحاب أبي يوسف خاصة: "بشر بن غياث المريسي وله تصانيف وروايات كثيرة عن أبي يوسف، وكان من أهل العلم غير أنه رغب الناس عنه في ذلك الزمان لاشتهاره بعلم الكلام وخوضه في ذلك (٨). وقالوا في ترجمته هو المعتزلي المتكلم مولى زيد بن الخطاب (٩) قالوا وكان

стр. 187

أبو يوسف يذمه قال: وهو عندي كأبرة الرفا طرفها دقيق ومدخلها ضيق وهي سريعة الإنكسار (١) ثم نفاه من بغداد فاختفى بالبصرة أيام الرشيد كما أشرنا إليه سابقًا. قال العلامة شهاب الدين ابن خلكان (٢) فى تاريخه وفيات الأعيان: بشر بن غياث بن أبي كريمة المريسي الفقيه الحنفي المتكلم من موالي زيد بن الخطاب ﵁ أخذ الفقه عن القاضي أبي يوسف الحنفي إلا أنه اشتغل بالكلام وجرد (٣) القول بخلق القرآن وحكى عنه ذلك أقوال شنيعة وكان مرجئًا وإليه تنسب الطائفة المرجئة، وكان يقول إن السجود للشمس والقمر ليس بكفر ولكن علامة للكفر. قال: وكان يناظر الإمام الشافعي ﵁، وكان لا يعرف النحو فيلحن لحنًا فاحشًا، ويقال إن أباه كان يهوديًا صباغًا بالكوفة وروى الحديث عن حماد بن سلمة (٤)، وسفيان ين عيينة (٥)، وأبي يوسف القاضي وغيرهم (٦)، وتوفى فى

стр. 188

سنة ثمان عشرة ومائتين ببغداد أو البصرة والأول أصح (١). وأما عمرو بن عبيد الذي لعنه أبو حنيفة ومالك ﵄ فهو عمرو بن عبيد بن باب المتكلم الزاهد مولى بنى عقيل كان جده باب من سبي كابل من جبال السند وهو رفيق واصل بن عطاء (٢) إمام أهل الإعتزال مولى بني منبه وقيل مولى بنى مخزوم كان واصل أحد الأئمة البلغاء المتكلمين في علم الكلام وغيره وكان يلثغ بالراء فيجعلها غينا قال أبو العباس المبرد (٣) في كتابه الكامل: كان واصل بن عطا أحد الأعاجيب وذلك أنه كان ألثغ قبيح اللثغة في الراء فكان يخلص كلامه من الراء ولا يفطن لذلك لإقتداره على الكلام وسهولة ألفاظه (٤). وهو أول المعتزلة، وعمرو بن عبيد رفيقه، ولما ظهر الإختلاف فقالت الخوارج بتكفير مرتكبي الكبيرة وبخلوده في النار. وقالت الجماعة: مرتكبو الكبيرة مؤمنون وان فسقوا بالكبائر وهم في مشيئة اللَّه تعالى يجوز أن يعفو عنهم إبتداء ويدخلهم الجنة ويجوز أن يعذب من شاء منهم ثم

стр. 189

يخرجهم من النار ويدخلهم الجنة، فلا يخلد في النار أحد من أهل الكبائر إذا مات على الإسلام (١) فخرج واصل بن عطاء عن الفريقين وقال: إن الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر منزلة بين منزلتين فطرده الحسن (٢) عن مجلسه وقال: اعتزلنا فاعتزل عنه وجلس إليه عمرو بن عبيد فقيل لهما ولأتباعهما معتزلة (٣). وقيل أول من سماهم بهذا الاسم قتادة (٤) بن دعامة السدوسي البصري الأكمه كان تابعيًا عالمًا كبيرًا. قالوا إنه دخل مسجد البصرة فإذا بعمرو بن عبيد ونفر قد اعتزلوا من حلقة الحسن البصري وحلقوا وارتفعت أصواتهم فأمهم وهو يظن أنها حلقة الحسن فلما صار معهم عرف أنها ليست هي فقال: إنما هؤلاء المعتزلة، ثم قام عنهم فمنذ يومئذٍ سموا المعتزلة (٥). وكان قتادة هذا مع فضله ومعرفته يرمى بالقدر (٦) واللَّه أعلم.

стр. 190

وكانت ولادة واصل بن عطاء سنة ثمانين للهجرة بالمدينة المنورة على صاحبها الصلاة والسلام، ومات سنة إحدى وثلاثين ومائة وكانت ولادة عمرو بن عبيد سنة ثمانين من الهجرة أيضا، وتوفي سنة أربع وأربعين ومائة وهو راجع إلى مكة بموضع يقال له مران ولهذا قال أبو جعفر (١) المنصور ثاني خلفاء بني العباس يرثي عمرا (٢) ولم يسمع بخليفة رثى من دونه سواه حيث يقول: صلى الإله عليك من متوسد ... قبرا مررت به على مران قبرا تضمن مؤمنا متحنفا ... صدق الإله ودان بالعرفان لو أن هذا الدهر أبقى صالحًا ... أبقى لنا عمرًا أبا عثمان (٣).

стр. 191

ومران موضع بين البصرة ومكة المشرفة على ليلتين من مكة (١) واللَّه تعالى الموفق. ولما أمر الناظم رحمه اللَّه تعالى ورضي عنه بالتمسك والإعتصام بحبل اللَّه واتباع الهدى الذي شرعه اللَّه تعالى على لسان نبيه محمد ﷺ من كتاب اللَّه وسنة رسول اللَّه وحذر من إرتكاب البدع والأهواء ليفوز بالفلاح والتقوى أعقب ذلك مبينا وموضحًا للأصلين العظيمين والحصنين الحصينين فقال: (ودن) أمر من دان يدين يقال: دنته بكسر الدال المهملة وسكون النون دينا: جازيته فالدين لغة الجزاء والإسلام والعادة والعبادة والمواظب من الأمطار والطاعة والذل والحساب والقهر والغلبة. والإستعلاء والسلطان والملك والحكم والسيرة والتدبير والتوحيد واسم لجميع ما يتعبد اللَّه به والملة وغير ذلك (٢). والدين اصطلاحًا: "وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى ما هو خير لهم بالذات (٣) لما يتعرف به العباد من أمري المعاش والمعاد ويتعرفون منه أحكام عقائدهم وأفعالهم وأقوالهم وما يترتب عليه صلاحهم في الدارين وذلك الموضوع بالوضع الإلهي من حيث أنه منقاد له ومطاع له ومجازي عليه دين: وهو لغة الجزاء كما تقدم آنفًا ومنه قولهم: كما تدين تدان، وبيت الحماسة (٤):

стр. 192

ولم يبق سوى العدوان ... دناهم كما دانوا وباعتبار أنه طريق موصل إلى المقصود شريعة: فعيلة بمعنى مفعولة وهي مورد الشاربة. والطريقة إلى الماء شُبّه بها الدين لأنه طريق إلى ما هو سبب الحياة الأبدية. وباعتبار أنه مجتمع عليه: ملة بكسر الميم وهي لغة الإجتماع من إجتماع الرماد والجمر. ومراد الناظم رحمه اللَّه تعالى بقوله: (ودن) أى تعبد واهتد بكتاب اللَّه المنزل على رسول اللَّه ﷺ الذي هو القرآن العظيم والذكر الحكيم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. فحلل حلاله وحرم حرامه وأتبع محكمه وآمن بالمتشابه منه أي اعتقد ذلك واجزم به جزمًا محكمًا تكن مؤمنًا مسلمًا. ودن بالسنة: وهي فى اللغة الطريقة والسيرة والعادة (١). واصطلاحا: ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة (٢). ومن ثم قال: (التي أتت) أى جاءت وثبتت عن سيدنا محمد رسول اللَّه ﷺ الذي أرسله على حين فترة من الرسل وقلة من الدين، وقد طبق الظلم والجهل والكفر الأرض برحبتها والأمم بجملتها والفرق على اختلاف دعوتها فأرسله رحمة للعالمين وحجة على الظالمين وقطع معذرة المتعنتين، وهداية للغافلين ومنجاة للمتقين

стр. 193

فهدى به من الضلالة وعلم به من الجهالة وأغنى به بعد القلة وأعز به بعد الذلة ففتح به أعينا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا وجعل العز والفلاح لمن والاه والذل والصغار والخيبة على من عاداه، وحصر النجاة فى إتباع سبيله والربح فى اقتفاء دليله ومن ثم قال: إذا أنت دنت اللَّه تعالى ومرت إليه متبعًا لكتابه وسنة رسوله ﷺ (تنج) (١) من جميع الآفات وتسلم من الهلكات، وتتنزه عن البدع والأهواء فتسلم من غضب اللَّه وعذابه ودخول دار سخطه وانتقامه، وعقابه. (وتربح): زائدًا عن النجاة الفوز والفلاح والخلود فى دار النعيم وجوار الكريم. والربح: بالكسر والتحريك وكسحاب (٢) اسم لما يربحه الإنسان وأصله الفاضل عن رأس المال فكان هذا المتبع لكتاب اللَّه المستن بسنة رسول اللَّه ﷺ رأس ماله النجاة من عذاب اللَّه وربحه الخلود في دار القرار، فى قصور وحور، وأزهار وأنهار في أمن وأمان ونعيم ورضوان ورب غير غضبان. تتمة في بعض ما ورد من مدح الإتباع وذم الإبتداع: قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ. . .﴾ [آل عمران: ٣١]. وقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وقد روى عن أبي الحجاج مجاهد بن جبر (٣) المكي وهو من كبار التابعين وإمام

стр. 194

المفسرين أنه قال فى قوله تعالى ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾: البدع والشبهات (١). وقال : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]. قال الإمام الشافعي ﵁ فى كتاب الرسالة -واللَّه أعلم- إلى ما قال اللَّه والرسول (٢). وقال أبو عبد اللَّه ميمون بن مهران الجزري (٣) وهو من فقهاء التابعين في هذه الآية: الرد إلى اللَّه إلى كتابه والرد إلى الرسول إذا قبض إلى سنته (٤). وأخرج الترمذي وصححه وأبو داود وابن ماجه (٥)

стр. 195

وابن حبان (١) في صحيحه عن العرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول اللَّه ﷺ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا يا رسول اللَّه كأنها موعظة مودع فأوصنا قال: "أوصيكم بتقوى اللَّه والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها كالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" (٢). قال الحافظ ابن رجب في شرح الأربعين النووية (٣) هذا إخبار منه ﷺ بما وقع في أمته بعده من كثرة الإختلاف في أصول الدين وفروعه وفي الأقوال والأعمال والإعتقادات وهذا موافق لما روى عنه من افتراق أمته على بضع وسبعين فرقة وأنها كلها في النار إلا فرقة واحدة، وهي ما كان على (٤) ما هو عليه وأصحابه

стр. 196

وكذلك هنا فى الحديث أمر ﷺ عند الإفتراق والإختلاف بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده. والسنة هي الطريقة المسلوكة كما تقدم فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الإعتقادات والأعمال والأقوال وهذه هي السنة الكاملة. وإن كان كثير من المتأخرين يخص اسم السنة بما يتعلق بالإعتقادات لأنها أصل الدين والمخالف فيها على خطر عظيم (١). وروى الطبراني فى الكبير بإسناد جيد عن أبي شريح الخزاعي ﵁ قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ فقال: "أليس تشهدون أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه قالوا: بلى قال: إن هذا القرآن طرفه بيد اللَّه وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا (٢) ". ورواه الطبراني أيضًا والبزار (٣) من حديث جبير بن مطعم ﵁ وفيه قال: كنا مع النبي ﷺ بالجحفة فذكره (٤).

стр. 197

وروى البيهقي عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "من تمسك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد" (١). ورواه الطبراني من حديث أبي هريرة ﵁ باسناد لا بأس به إلا أنه قال: فله أجر شهيد (٢). وفي الصحيحين وغيرهما عن أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق ﵄ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (٣). وفي صحيح مسلم وسنن ابن ماجة وغيرهما من حديث جابر ﵁ قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم. ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى ويقول: أما بعد: فإن خير الحديث كتاب اللَّه، وفي

стр. 198

لفظ أصدق الحديث كتاب اللَّه وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة. وفي لفظ كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (١). وزاد البيهقي (٢) وكل ضلالة في النار (٣). وأخرج الإمام أحمد في المسند والبزار والطبراني في معاجمه الثلاثة وبعض أسانيدهم رواته ثقات عن أبي برزة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى" (٤). وأخرج الطبراني بإسناد حسن من حديث أنس (٥) ﵁ قال:

стр. 199

قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته" (١) ورواه أيضًا ابن ماجة وابن أبي عاصم (٢) فى كتاب السنة من حديث ابن عباس ﵄ ولفظه: قال رسول اللَّه ﷺ : "أبى اللَّه أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته" (٣). ورواه ابن ماجة أيضًا من حديث حذيفة ﵁ ولفظه قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يقبل اللَّه لصاحب بدعة صومًا ولا صلاة ولا صدقة ولا حجًا ولا عمرة ولا جهادًا ولا صرفًا ولا عدلًا يخرج من الإسلام كما يخرج الشعر من العجين" (٤).

стр. 200

وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك ﵁: "من رغب عن سنتي فليس مني" (١). وعن عمرو بن عوف ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال لبلال بن الحارث يومًا: "اعلم يا بلال، قال ما أعلم يا رسول اللَّه؟ قال: إعلم أن من أحيا سنة من سنتي أميتت بعدي كان له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي اللَّه ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئًا" رواه الترمذي وابن ماجة كلاهما من طريق كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده. وقال الترمذي: حديث حسن (٢). وقال الحافظ المنذري (٣) وكثير بن عبد اللَّه وإن كان متروك الحديث واهيا فللحديث شواهد (٤).

стр. 201

وروى نحوه أبو داود، والدارمي (١) من حديث أبي هريرة ﵁ ولفظه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا" (٢). وقال سيدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: يهدم الإسلام زلة العالم وجدال المنافق بالكتاب وحكم الأئمة المضلين (٣). وقال ﵁: إنه سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب اللَّه (٤). وقال رجل لابن عباس ﵄ أوصني فقال: عليك بتقوى اللَّه والإستقامة اتبع ولا تبتدع (٥).

стр. 202

وقال ابن عباس أيضًا إن أبغض الأمور إلى اللَّه البدع (١). وفي حديث: "ما من أمة تحدث في دينها بدعة إلا أضاعت مثلها من السنة" (٢). (فالتمسك بالسنة أحب إليَّ من أن أحدث بدعة) (٣). وقال ابن عمر ﵄: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة (٤). والكلام والنصوص في ذلك كثير من أن تحصى في مثل هذا المختصر.

стр. 203

فصل في مسألة الكلام يعني القرآن العظيم والذكر الحكيم المنزل على النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، قال الناظم قدس اللَّه روحه ونور ضريحه (وقل) أيها السني المتبع للآثار والسلف الصالح (غير مخلوق) ولا محدث (١) (كلام مليكنا) أي مالكنا ومالك الخلق أجمعين. ومن أسمائه تعالى الملك وهو التام الملك الجامع لأصناف المملوكات والملك الخاص الملك. وقد يسمى بعض المخلوقين ملكا إذا إتسع ملكه إلا أن الذي يستحق هذا الإسم هو اللَّه تعالى لأنه مالك الملك، وليس ذلك لغيره لأنه الملك الحق الذي يتصرف في الأمر والنهي في الدنيا والآخرة على الإطلاق، وقيل هو الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل شيء ويحتاج إليه كل شيء وهو يوصف بالملك والمالك والمليك وكلها في القرآن (٢) كما في تحفة الودود للعلامة أبي بكر بن أبي داود (٣) الحنبلي تلميذ المحقق ابن القيم. والتحفة هذه كتاب جليل ذكر فيه أدلة أوراد والده الصالح المسماة بالدر المنتقى

стр. 204

المرفوع في أوراد اليوم والليلة والأسبوع، وهو كتاب جليل في بابه وإنما عرفته هذا التعريف لموافقته الناظم في الكنية وكنية الأب (١) وأن كلا منهما حنبلي. إذا علمت ذلك فدن اللَّه تعالى وطعه وتعبده باعتقاد قدم (٢) القرآن العظيم والذكر الحكيم الذي هو كلام اللَّه المنزل على رسول اللَّه ﷺ . (بذلك): أي كون كلام اللَّه غير مخلوق بل قديم (٣).

стр. 205

(دان) أى تعبد وأطاع (الأتقياء) جمع تقي من الوقاية، يقال: وقاه فاتقى فالوقاية فرط الصيانة (١). فالتاء من التقوى مبدلة من الواو لأن أصلها من الوقاية وتقديرها يوتقى فقلبت وأدغمت فلما كثر استعمالها توهموا أن التاء من نفس الكلمة فقالوا اتقى يتقي بفتح الياء فيهما وربما قالوا: اتقى يتقي مثل رمى يرمي. والتقوى في الشرع: اسم لمن يقي نفسه عما يضره في الآخرة وله ثلاث مراتب (٢): الأولى: التوقي عن العذاب المخلد بالتبري عن الشرك وعليه قوله تعالى ﴿إِوَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦]. الثانية: التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر عند قوم وهو

стр. 206

المتعارف بالتقوى في الشرع وهذا المعني بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ [الأعراف: ٩٦]. الثالثة: أن ينزه عما يشغل سره عن الحق ويتبتل إليه بشراشره (١). وهذا هو التقوى على الحقيقة المطلوب بقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. وقد أخرج الترمذي وابن ماجة من حديث عبد اللَّه بن يزيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس" (٢). وقال أبو الدرداء ﵁: تمام التقوى أن يتقي اللَّه العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حرامًا حجابًا بينه وبين الحرام (٣). وقال الحسن (٤) ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام.

стр. 207

وقال الثوري: (١) إنما سموا متقين لأنهم اتقوا ما لا يتقى (٢). (وأفصحوا) بقولهم: القرآن كلام اللَّه قديم (٣) غير مخلوق. قال الإمام موفق الدين ابن قدامة (٤) في صدر كتابه: "البرهان في حقيقة القرآن" (٥): مذهب أهل السنة والجماعة والذي كان عليه رسول اللَّه ﷺ والصحابة الكرام والتابعون لهم بإحسان ومن بعدهم من أئمة أهل الإسلام أن القرآن كلام اللَّه القديم وحبله المتين وكتابه المبين نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين بلسان عربي مبين، وهو سور وآيات وحروف وكلمات، منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، من قرأه وأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، نزله اللَّه تنزيلًا، ورتله ترتيلًا، وسماه قولًا ثقيلًا، ووعد على تلاوته أجرًا جزيلًا، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٣]. وشهد اللَّه وملائكته بإنزاله على رسوله ﷺ وحض على تدبره وترتيله وآجرنا على أحكامه وتفصيله، ونص على تشريفه وتفضيله، وعجز الخلق عن الإتيان بمثله أو تبديله.

стр. 208

قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. وقال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦]. وهو هذا الكتاب العربي الذي هو مائة وأربعة عشرة سورة أولها الفاتحة وآخرها المعوذتان، مكتوب في المصاحف متلو في المحاريب مسموع بالآذان متلو بالألسن، له أول وآخر وأجزاء وأبعاض. والدليل على أن هذا هو القرآن: الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فإن اللَّه تعالى تحدى الخلق بالإتيان بمثله في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ. . .﴾ [الإسراء: ٨٨]. وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤]. ثم قال: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣]. وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣]. والتحدي إنما وقع بالإتيان بمثل هذا الكتاب بغير إشكال لأن ما في النفس لا يدري ما هو ولا يسمى سورًا ولا حديثًا فلا يجوز أن يقال فأتوا بحديث مثل ما في نفس الباري ولأن المشركين إنما زعموا أن النبي ﷺ افترى هذا القرآن أو تقوله، فرد اللَّه عليهم دعواهم فتحداهم بالإتيان بمثل ما زعموا أنه مفترى ومتقول دون غيره. وهذا واضح لا شك فيه والكتاب العزيز مملوء من مثل هذا فلا نطيل بذكره.

стр. 209

وأما السنة فقول النبي ﷺ وسكوته، أما قوله فكثير جدًّا كقوله ﷺ : "هذا القرآن مأدبة اللَّه فتعلموا مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل اللَّه وهو النور المبين والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه، لا يعوج فيقوم ولا يزيغ فيستعتب ولا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد، فاتلوه فإن اللَّه يأجركم على تلاوته لكل حرف عشر حسنات، ألا إني لا أقول ألم حرف ولكن ألف عشر ولام عشر وميم عشر (١) " رواه أبو عبيد (٢) في فضائل القرآن. وقال ﷺ : "إن الذي يقرأ القرآن وهو يشتد عليه فله أجران" (٣). وقال ﷺ : "أعربوا القرآن" (٤).

стр. 210

وقال: لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم (١). وقال من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات ومن قرأه فلحن فيه فله بكل حرف حسنة (٢) حديث صحيح فهذه الأخبار وأضعاف أضعافها تدل دلالة واضحة على أن النبي ﷺ ما أراد بالقرآن سوى هذا الكتاب المنزل عليه الذي يعرف المسلمون قرآنا. ولم يرد ما تزعم هذه الطائفة أنه معنى في النفس لا يظهر للشخص ولا ينزل ولا له أول ولا آخر ولا يدري ما هو لا سور ولا آيات ولا حروف ولا كلمات. وأما سكوته ﷺ فإنه لو كان القرآن ما قالوا لوجب على النبي ﷺ بيانه وتعريفه

стр. 211

فإنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه بالاتفاق، وما أشد حاجة الأمة إلى معرفة القرآن الذي فيه ذكرهم وشرفهم. قال أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] أي شرفكم (١). وقال بعضهم (٢) في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]. هو القرآن. (فإن كل الأمة) (٣) لم تسمع من النبي ﷺ فكيف لا يحتاج المسلمون إلى معرفة القرآن الذي شرفهم اللَّه به وجعله بشيرًا ونذيرًا ومناديًا وداعيًا إلى الهدى وحجة ونورًا وبرهانًا وشفاء ورحمة ومعجزة لنبيه ﷺ ومعرفًا للأحكام من الحلال والحرام والصلاة والزكاة والحج والصيام وسائر الأحكام. وأمر النبي ﷺ بتبليغه والإنذار به. فهذا مما لا يجوز للنبي ﷺ أن يهمل بيانه ولا يكتمه عن أمته سيما وقد أمره اللَّه بالتبليغ وفرضه وتوعده على تركه فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]. وقال: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤]. وقال مخبرًا عن النبي ﷺ : ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]. أي ومن بلغه القرآن. وأيضًا لو ساغ للنبي ﷺ السكوت عن بيان القرآن فكيف ساغ له إيهام أمته أن

стр. 212

القرآن غير ما هو قرآن بما تلاه من الآيات التي فيها ذكر القرآن بأنه هو هذا الذي نقرأه. والأخبار التي رويناها عنه ﷺ ليضل أمته بذلك عن الصواب ويعتقدوا غير الحق ويصيروا معتقدين غير الصواب فلو كان الأمر كما زعموا لكان ﷺ هو المضل لأمته والمغوي لهم والداعي إلى صراط الجحيم والمانع من الصراط المستقيم. ولا شك أن اعتقاد مثل هذا كفر باللَّه العظيم، فهذه أدلة قاطعة في أن القرآن هو ما يعتقده المسلمون قرآنًا لا غير. وأما الإجماع: فإن أصحاب رسول اللَّه ﷺ ما كانوا يعتقدون القرآن سوى هذا الذي نعتقده قرآنًا دلت على ذلك أقوالهم وأحوالهم فإنهم سموا (١) حروفه وآياته وكلماته وأجزاءه وذكروا قراءته واستماعه على نحو ما ذكرناه عن النبي ﷺ . قال الصديق الأعظم أبو بكر ﵁: "إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه" (٢). وسئل علي ﵁ عن الجنب يقرأ القرآن قال: لا ولا حرف (٣). وروي عنه أنه قال: من كفر بحرف من القرآن فقد كفر به كله (٤).

стр. 213

ونصوص الصحابة في ذلك كثيرة جدًّا تخرج عن حد الإحصاء كل ذلك يدل دلالة ظاهرة واضحة على أن القوم ما اعتقدوا قرآنًا سوى هذا الذي هو حروف منظومة وآيات معلومة وكذلك من بعدهم من أهل الإسلام وكلامهم في هذا كثير جدًّا. قال الإِمام الموفق في البرهان: وما علمت أحدًا جحد كون هذا قرآنًا سوى هذه الطائفة ثم إنهم قد أجمعوا مع المسلمين على أنهم متى تلو آية قالوا: قال اللَّه كذا وقول اللَّه هو كلامه. وأجمع المسلمون على أن القرآن يقرأ ويسمع ويحفظ ويكتب وهذه الصفات لا تعلق لها بما لم ينزل إلينا مما لم ندر ما هو، وأجمعوا على أن القرآن أنزل على محمد ﷺ وأنه معجزته التي تحدى بها اللَّه تعالى الخلق الإتيان بمثله فعجزوا عنه، وأجمعوا على أن في القرآن ناسخًا ومنسوخًا, ولا تعلق لذلك بالكلام النفسي، وأجمعوا على أن من جحد سورة من القرآن أو آية أو كلمة أو حرفًا متفقا عليه أنه كافر (١). قال أبو نصر السجزي: (٢) هذه حجة قاطعة على أنه حروف وأجمع المسلمون على أن القرآن لم ينزل على النبي ﷺ جملة واحدة وإنما نزل نجومًا في ثلاث وعشرين سنة، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا

стр. 214

جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٢ - ٣٣]. انتهى ملخصًا (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللَّه روحه في قاعدة له في بيان أن القرآن كلام اللَّه ليس شيء منه كلامًا لغيره، لا جبريل ولا محمد ﷺ ولا غيرهما (٢) قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ. . .﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٢]. فإن الضمير في قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ﴾ عائد على ما في قوله ﴿بِمَا يُنَزِّلُ﴾ والمراد به القرآن كما يدل عليه سياق القرآن وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ فيه إخبار اللَّه بأنه أنزله لكن ليس في هذه اللفظة بيان أن روح القدس نزل به ولا أنه منزل منه. ولفظ الإنزال في القرآن قد يرد مقيدًا بالإنزال منه كنزول القرآن، وقد يرد مقيدًا بالإنزال من السماء، ووواد به العلو فيتناول نزول المطر من السحاب ونزول الملائكة من عند اللَّه وغير ذلك، وقد يرد مطلقًا فلا يختص بنوع من الإنزال، بل ربما تناول الإنزال من رؤوس الجبال كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ. . .﴾ [الحديد: ٢٥]. والإنزال من ظهور الحيوان كإنزال الفحل الماء وغير ذلك. فقوله: ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ بيان لنزول جبريل به من اللَّه فإن روح القدس هنا جبريل بدليل قوله تعالى: ﴿. . . مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ

стр. 215

عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧]. وهو الروح الأمين في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]. وفي قوله: الأمين دلالة على أنه مؤتمن على ما أرسل به لا يزيد فيه ولا ينقص منه. فإن الرسول الخائن قد يغير الرسالة، كما قال في صفته في الآية الأخرى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠]. وفي قوله: ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١١٤] دلالة على أمور: منها بطلان قول من يقول إنه كلام مخلوق خلقه في جسم من الأجسام المخلوقة كما هو قول الجهميين (١) الذين قالوا بخلق القرآن من المعتزلة (٢) والنجارية (٣) والضرارية (٤) وغيرهم. فإن السلف كانوا يسمون كل من نفى الصفات وقال إن
следующие страницы →