قال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية (١) قدس اللَّه روحه: "أما هذا الحديث -يعني الحديث الذي ذكره الغزالي فلا أصل له بل هو موضوع كذب باتفاق أهل العلم بالحديث ولم يروه أحد من أهل الحديث المعروفين بهذا اللفظ، بل الحديث الذي في السنن والمسانيد عن النبي ﷺ من وجوه أنه قال: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار".
وروي عنه أنه قال: هي الجماعة.
وفي لفظ آخر: "هي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" قال وضعفه ابن حزم (٢).
لكن رواه الحاكم في صحيحه ورواه أبو داود والترمذي (٣) وغيرهم قال وأيضًا لفظ الزندقة لا يوجد في كلام النبي ﷺ كما لا يوجد في القرآن.
وأما الزنديق الذي تكلم الفقهاء في توبته قبولًا وردًا فالمراد به عندهم المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر (٤). انتهي.
стр. 142
قلت: وقد ذكر الحديث الذي ذكره الغزالي الإمام الحافظ ابن الجوزي (١) في كتابه في الموضوعات (٢) وذكر أنه روي من حديث أنس ولفظه "تفترق أمتي على سبعين أو إحدى وسبعين فرقة كلهم في الجنة إلا فرقة واحدة قالوا يا رسول اللَّه من هم؟ قال: الزنادقة وهم القدرية".
أخرجه العقيلي (٣) وابن عدي (٤) ورواه الطبراني (٥) أيضًا.
قال أنس: "كنا نراهم القدرية" (٦).
قال ابن الجوزي: وضعه الأبرد بن الأشرس وكان وضاعًا كذابًا وأخذه منه ياسين الزيات فقلب اسناده وخلطه وسرقه عثمان بن عفان القرشي.
стр. 143
وهؤلاء كذابون متروكون فلا يعول على ما نقلوه ولا يلتفت إلى ما رووه (١) وباللَّه التوفيق.
الخاتمة
في ذكر بعض أشياء لا ينبغي لمن يريد الخوض في هذا العلم أن يجهلها منها:
مما ينبغي أن يعلم أن الأحكام الشرعية منها ما يتعلق بكيفية العمل وتسمى فرعية وعملية. ومنها ما يتعلق بالإعتقاد وتسمى أصلية واعتقادية والعلم المتعلق بالأولى علم الشرائع والأحكام لأنها لا تستفاد إلا من جهة الشرع. ولا يسبق إلى الفهم عند إطلاق الأحكام إلا إليها.
والمتعلق بالثانية علم التوحيد والصفات سمي بذلك لأنه أشهر مباحثه وأشرف مقاصده، وكان الصدر الأول رضوان اللَّه عليهم لصفاء عقائدهم ببركة صحبة النبي ﷺ وقرب العهد بزمانة وقلة الإختلافات والوقائع وتمكنهم من المراجعة إلى الثقات مستغنين عن تدوين العلمين وترتيبهما أبوابًا وفصولًا وتقرير مقاصدهما فروعًا وأصولًا إلى أن حدثت الفتن بين المسلمين والخروج والبغي على أئمة الدين وظهر اختلاف الآراء والميل إلى البدع والأهواء وكثرت الفتاوى والواقعات والرجوع إلى العلماء في المهمات فاشتغلوا بالنظر والإستدلال والإجتهاد والإستنباط وتمهيد القواعد والأصول وترتيب الأبواب والفصول وتكثير المسائل بأدلتها وإيراد الشبه بأجوبتها وتعيين الأوضاع والإصطلاحات وتبيين المذاهب والإختلافات. وسموا ما يفيد معرفة الأحكام العملية عن أدلتها التفصيلية بالفقه.
ومعرفة أحوال الأدلة إجمالًا في إفادتها الأحكام بأصول الفقه ومعرفة العقائد
стр. 144
عن أدلتها بالكلام، وبأصول الدين وبالتوحيد وإنما سموه بالكلام لأن عنوان مباحثه: كان قولهم الكلام في كذا وكذا أو لأن مسألة الكلام الذي هو القرآن كانت أشهر مباحثه، وأكثرها نزاعًا وجدلًا، حتى قتل بعض المتغلبة خلقًا كثيرًا من أهل العلم والسنة لعدم قولهم بخلق القرآن كالمأمون وأخيه المعتصم (١) والواثق (٢) ابن المعتصم ونال سيدنا الإمام أحمد ﵁ من ذلك أذى كثيرًا ولأنه يورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات وإلزام الخصوم كالمنطق والفلسفة فيما يزعم ذووه. ولأنه أول ما يجب من العلوم التي إنما يعلم ويتعلم بالكلام فأطلق عليه هذا الإسم لذلك ثم خص به ولم يطلق على غيره تمييزًا له عن غيره. ولأنه إنما يتحقق بالمباحثة وإدارة الكلام من الجانبين وغيره قد يتحقق بالتأمل ومطالعة الكتب، ولأنه أكثر العلوم خلافًا ونزاعًا فيشتد افتقاره إلى الكلام مع المخالفين والرد عليهم، ولأنه لقوة أدلته صار كأنه هو الكلام دون ما عداه من العلوم.
كما يقال لأقوى الكلامين هذا هو الكلام، ولأنه لإبتنائه على الأدلة القطعية المؤيد أكثرها بالأدلة السمعية أشد العلوم تأثيرًا في القلب وتغلغلًا فيه فسمي بالكلام المشتق من الكلم وهو الجرح وهذا هو كلام القدماء ومعظم خلافياته مع الفرق
стр. 145
الإسلامية خصوصًا المعتزلة ومن نحا منحاهم.
وأما تسميته بأصول الدين فالأصول جمع أصل ويطلق على أمور منها: ما ينبني عليه غيره، فسمي بذلك لابتناء الدين عليه بحسب أصله والمراد بالدين دين الإسلام. ويأتي تعريفه.
وأما تسميته بالتوحيد فلأنه يبحث به عن الذات الواجب الوجود، والصفات.
وكذلك يسمى بالعقائد مشتق من الإعتقاد الذي هو حكم الذهن الجازم.
ومنها ينبغي لكل طالب علم أن يتصور ذلك العلم بحده أو رسمه ليكون على بصيرة في طلبه وأن يعرف موضوعه ليمتاز عنده عما سواه مزيد امتياز فإنما تمايز العلوم بتمايز موضوعاتها، وأن يصدق بغاية مآله وإلا كان الطلب عبثًا، ولا بد أن يكون معتدًا بها بالنظر لمشقة التحصيل. وإلا ربما فتر جده، ولابد أن تكون مترتبة (١) على ذلك الشيء المطلوب، وإلا ربما زال اعتقادها بعد الشروع فيه فيصير سعيه في تحصيله عبثا في نظره.
إذا عرفت هذا فالفن المسمى بأصول الدين وبعلم العقائد وبعلم التوحيد والصفات وبعلم الكلام.
أما تعريفه: (٢) العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية أي العلم بالقواعد الشرعية الإعتقادية المكتسب من أدلتها اليقينية والمراد بالدينية المنسوبة إلى دين محمد ﷺ من السمعيات وغيرها سواء كانت من الدين في الواقع ككلام أهل الحق أو لا ككلام أهل البدع.
стр. 146
واعتبروا في أدلتها القين لعدم الإعتداد بالظن في الإعتقاديات (١) فدخل في التعريف علم علماء الصحابة فإنه كلام وأصول وعقائد وإن لم يكن يسمى في ذلك الزمان بهذا الإسم.
كما أن علمهم بالعمليات فقه وإن لم يكن ثَمّ هذا التدوين والترتيب. وذلك إذا كان متعلقًا بجميع العقائد بقدر الطاقة البشرية مكتسبًا من النظر في الأدلة اليقينية، أو كان ملكة تتعلق بها بأن يكون عندهم من المآخذ والشرائط ما يكفيهم في استحضار العقائد، وقال غير واحد حده: علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية ودفع الشبه -أي المنسوبة إلى دين سيدنا محمد ﷺ وإن لم تكن مطابقة للواقع لعدم إخراجنا الخصم عن أن يكون من علماء الكلام وإن خطأناه أو كفرناه (٢).
فيه بقوله ودفع الشبه على لطيفة وهي أن ليست القواعد الكلامية لأجل أن يؤخذ منها الإعتقادات الإسلامية، بل المقصود منها ليس إلا دفع شبه الخصوم فإنهم
стр. 147
طعنوا في بعض منها بأنه غير معقول فبينوا بالقواعد الكلامية معقولية ذلك البعض وإنما تؤخذ الإعتقادات الإسلامية من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية.
وأما موضوعه: فهو المعلوم من حيث يتعلق به إثبات العقائد الدينية تعلقًا قريبًا -أي بلا واسطة- وبعيدًا أي بواسطة لا ذات اللَّه للبحث عن صفاته وأفعاله العارضين له كما ظن بعضهم لأنا نبحث عن أمور أخرى في الكلام من غير ملاحظة استنادها الى ذات اللَّه تعالى وعروضها له (١) كالجواهر والأعراض فيبحث في هذا العلم عن أحوال الصانع من القدم والوحدة والقدرة والإرادة وغيرها ليعتقد ثبوتها له تعالى.
وأحوال الجسم والعرض من الحدوث والإفتقار والتركيب من الأجزاء وقبول الفناء ونحو ذلك ليعتقد تنزيهه تعالى عنها، فيثبت للصانع ما ذكر مما هو عقيدة إسلامية أو وسيلة إليها.
وكل هذا بحث عن أحوال المعلوم كإثبات العقائد الدينية وهو كالموجود إلا أنه أوثر على الموجود ليصح على رأي من لا يقول بالوجود الذهني ولا يعرف العلم بحصول الصورة في العقل وورى مباحث المعدوم والحال من مسائل الكلام.
وأما غايته: فهي أن يصير الإيمان والتصديق بالأحكام الشرعية متقنًا محكمًا لا تزلزله شبه المبطلين فيرقى من حضيض التقليل إلى ذروة الإيقان بسبب التمكن من الإستدلال.
ومن فوائده أيضًا: إرشاد الطالبين وإلزام المعاندين بإقامة الحجج والبراهين ونقض غبار شبه الخصوم عن قواعد الدين وصحة النية والإعتقادات الإسلامية التي يقع بها العمل في حيز القبول.
стр. 148
وفائدة جميع ذلك: الفوز بسعادة الدارين والظفر بما هو كمال في الكونين من انتظام المعاش في الدنيا بالمحافظة على العدل والمعاملة المحتاج إليها في إبقاء النوع الإنساني على وجه لا يؤدى إلى الفساد. وفي الآخرة النجاة من العذاب المرتب على الكفر وسوء الإعتقاد.
ومسائله: القضايا النظرية الشرعية الإعتقادية.
واستمداده: من الكتاب والسنة والتفسير والإجماع مع النظر الصحيح.
ومنها: أنه مما ينبغي أن يعلم أن أسباب العلم ثلاثة:
إحداها: الحواس السليمة، وهي السمع والبصر والشم والذوق واللمس. فكل حاسة منها -يُوقف- بمعنى يطلع على ما وضحت هي له- كالسمع للأصوات (والبصر للمبصرات) (١) والذوق للمطعوم والشم للروائح واللمس للملموسات من حرارة وبرودة ورطوية ويبوسة ونحو ذلك.
الثاني: الخبر الصادق من الكتاب المنزل والأحاديث عن النبي المرسل فإن معظم المعلومات الدينية مستفادة من الخبر الصادق.
الثالث: العقل لحكم الإستقراء.
ووجه الحصر أن السبب إن (٢) كان من خارج فالخبر الصادق وإلا فإن كان آلة غير المدرك فالحواس وإلا فالعقل فإن قيل السبب المؤثر في العلوم كلها هو للَّه تعالى لأنها بخلقه وإيجاده من غير تأثير للحاسة والخبر والعقل.
стр. 149
والسبب الظاهري كالنار للإحراق هو العقل لا غير وإنما الحواس والأخبار آلات وطرق للإدراك. والسبب المنفي في الجملة بأن يخلق اللَّه تعالى العلم معه بطريق جري المادة عند الأشاعرة ومن نحا نحوهم ليشمل المدرك كالعقل والآلة كالحس والطريق كالخبر لا ينحصر في الثلاثة بل ثم أشياء أخر مثل (١) الوجدان والحدس والتجربة ونظر العقل بمعنى ترتيب المباديء والمقدمات.
فالجواب أن هذا جرى على عادة مشايخ علماء الكلام ومحققيهم في الإقتصار على المقاصد والإعراض عن تدقيقات الفلاسفة (٢) واللَّه أعلم.
ومنها: العلم لا يحد في وجه والحق أنه كحد وهر صفة يميز المتصف بها تمييزًا جازمًا مطابقًا للواقع لا يحتمل النقيض.
وقد يراد به مجرد الإدراك جازمًا أو مع احتمال راجح أو مرجوح أو مساو على سبيل المجاز فيشمل الأربعة قوله تعالى -حاكيًا مقالة النسوة اللاتي قطعن أيديهن ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ [يوسف: ٥١] إذ المراد نفي كل إدراك.
وعلم اللَّه تعالى قديم ليس بضروري ولا نظري ولا يوصف تعالى بأنه عارف.
قال العلامة ابن حمدان (٣) في نهاية المبتدئين: علم اللَّه تعالى لا يسمى معرفة
стр. 150
حكاه القاضي (١) إجماعًا.
وعلم المخلوقات محدث وهو قسمان:
١ - ضرورى وهو ما يعلم من غير نظر كتصورنا معنى النار وإنها حارة.
٢ - نظري وهو ما لا يعلم إلا بنظر وهو عكس الضروري.
وتعريف العلم الضروري هو ما لزم نفس المكلف لزومًا لا يمكنه الخروج عنه (٢).
فائدة:
ما عنه الذكر الحكمى يعني المعنى الذي يعبر عنه بالكلام الخبري من إثبات أو نفي تخيله أو لفظ به.
إما أن حتمل متعلقه النقيض بوجه من الوجوه أو لا.
الثاني العلم والأول إما أن يحتمله عند الذاكر لو قدره في نفسه أولا.
الثاني: الإعتقاد فإن طابق لما في نفس الأمر فهو اعتقاد صحيح وإن لم يطابق ففاسد.
والأول وهو الذي يحتمل النقيض عند الذاكر لو قدره الراجح منه ظن،
стр. 151
والمرجوح وهم والمساوي شك (١) واللَّه تعالى أعلم.
وقد آن لنا أن نشرع في شرح القصيدة الفريدة والخريدة المفيدة.
فنقول:
* * *
стр. 152
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اعلم أني في جميع الكتب التي وقفت عليها مما هذه القصيدة مذكورة فيها لم أر من صدرها بالبسملة. وذلك لأني إنما وقفت عليها في ترجمة ناظمها وليس من عادة المترجمين ذكر البسملة في أول منظومات العلماء.
ويحتمل أن الناظم قدس اللَّه روحه لم يأت بها في أول منظومته إما لهضم نفسه بأن منظومته ليست من الأمور التي يهتم بها ويحتفل بشأنها فهي عنده ليست من أمر ذي بال (١).
أو يكون ترك البسملة لورود النهي عن الإتيان بها في الشعر فقد جاء عن الشعبي (٢) رحمه اللَّه تعالى منع ذلك.
وعن الزهري (٣) قال مضت السنة أن لا يكتب في الشعر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
стр. 153
وعن سعيد (١) بن جبير ﵀ جواز ذلك.
وتابعه على ذلك الجمهور واختاره غير واحد من أهل العلم ما لم يكن محرمًا أو مكروهًا.
وأما ما كان متعلقًا بالعلم كهذه المنظومة فتصديره بالبسملة محل وفاق (٢).
اقتداء بالكتاب العظيم وتأسيًا بالنبي الكريم وامتثالًا لقوله ﷺ : "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فهو أبتر" -أي ذاهب البركة-.
رواه الخطيب في كتابه "الجامع" (٣).
وفي رواية فهو أقطع. وفي أخرى أجذم.
وقد ذكر العلامة أبو بكر التونسي (٤) من المالكية إجماع علماء كل ملة على أن
стр. 154
اللَّه سبحانه افتتح جميع كتبه ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
والباء فيها للإستعانة أو المصاحبة متعلقة بمحذوف وتقديره فعلا خاصا مؤخرا أولى، واللَّه علم على الذات الواجب الوجرد المستحق لجميع الكمالات.
والرحمن المنعم بجلائل النعم كمية أو كيفية والرحيم المنعم بدقائقها كذاك. وقدّم الأول لأنه خاص باللَّه تعالى ولأنه أبلغ من الرحيم فقدّم عليه ليكون الرحيم له كالتتمة والرديف فإن قيل العادة تقديم غير الأبلغ ليترقى منه إلى الأبلغ كما فى قولهم عالم نحرير وجواد فياض.
فالجواب قد قيل إن الرحيم أبلغ وقيل هما سواء غير أنه قد خص كل منهما بشيء.
وقيل الرحمن أمدح والرحيم ألطف.
والحق أن الرحمن أبلغ لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى وإنما خولفت العادة لأنه أريد أن يردف الرحمن الذي تناول جلائل النعم وأصولها بالرحيم ليكون له كالتتمة والرديف كما تقدم لتناوله ما دق منها ولطف كما أشرنا اليه (١).
وقد ذكر العلامة جمال الدين ابن هشام (٢) في
стр. 155
المغني (١) "إن الحق قول الأعلم (٢) وابن مالك (٣) إن الرحمن ليس بصفة بل علم قال وبهذا لا يتجه السؤال وينبني على علميته أنه في البسطة ونحوها بدل لا نعت وأن الرحيم بعده نعت له لا نعت لاسم اللَّه. إذ لا يقدم البدل على النعت. قال وإنما يوضح أنه غير صفة مجيئه كثيرًا غير تابع نحو ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: ١ - ٢]، ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] انتهى.
ومن يقول أنه صفة يجيب عن ذلك بأن الموصوف إذا علم جاز حذفه وإبقاء صفته كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ. . .﴾ [فاطر: ٢٨]
стр. 156
أي نوع مختلف ألوانه كاختلاف السموات والجبال، وعلى المشهور في أنه صفة كالرحيم بحسب الأصل فمشتقان من رحم بجعله لازما بنقله إلى باب فعل بضم العين أو بتنزيله منزلة اللازم إذ هما صفتان مشبهتان وهي لا تشتق من متعد.
ورحمة اللَّه تعالى صفة قديمة قائمة بذاته تعالى تقتضي التفضيل والإنعام (١).
وأما تفسيرها برقة في القلب تقتضي الإنعام كما في الكشاف (٢) وغيره (فهذا) (٣) إنما يليق برحمة المخلوق، ونظير ذلك العلم فإن حقيقته المتصف بها تعالى ليست مثل الحقيقة القائمة بالمخلوق. بل نفس الإرادة التي يردون الرحمة إليها في حقه مخالفة لإرادة إلمخلوق إذ هي ميل قلبه إلى الفعل أو الترك.
وإرادته تعالى بخلاف ذلك.
وكذا رد الزمشخري (٤) لها في حقه تعالى إلى الفعل بمعنى الإنعام مع أن فعل العبد الإختياري إنما يكون لجلب نفع للفاعل أو دفع ضرر عنه. وفعله تعالى بخلاف ذلك فما فروا إليه فيه من المحذور نظير الذي فروا منه.
стр. 157
وبهذا يظهر أنه لا حاجة لدعوى المجاز في رحمته تعالى كما هو مذهب السلف إذ المجاز خلاف الأصل المقتضي لصحة نفي الرحمة عنه تعالى وضعف المقصود منها فيه كما هو شأن المجاز.
إذ يصح أن نقول لمن قال زيد أسد ليس بأسد، وليست جرأته كجرأته.
والحاصل أنّ الصفة تارة تعتبر من حيث هي هي، وتارة من حيت قيامها به تعالى، وتارة من حيث قيامها بغيره تعالى، وليست الإعتبارات الثلاثة متماثلة إذ ليس كمثله تعالى شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
كما ذكره إمام المحققين ابن القيم (١) رحمه اللَّه تعالى في كتابه بدائع الفوائد (٢).
فائدة:
هذه القصيدة الآتى ذكرها من بحر الطويل من الضرب الثاني وله عروض واحدة مقبوضة والقبض حذف خامس الجزء وأضربه ثلاثة:
الأول صحيح وبيته:
أبا منذر كانت غرورا صحيفتي ... ولم أعطكم بالطوع مالي ولا عرضي (٣)
стр. 158
الثاني مثلها وبيته:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزودي (١)
والثالث وبيته: قول الشاعر:
اقيموا بني النعمان عنا صدوركم ... وإلا تقيموا صاغرين الرؤسا (٢)
والحذف هو ذهاب سبب خفيف كما في البيت.
وأجزاء البحر الطويل ثمانية وهي: فعولن، مفاعيلن، فعولن، مفاعيلن، فعولن، مفاعيلن، فعولن، مفاعيلن.
ولنقطع البيت الأول من قصيدة الناظم ﵁ ليقاس عليه نظائره: تمسك فعولن، بحبل الا مفاعيلن هو اتت فعول دخله القبض وهو حذف خامس الجزء ساكنا كما هنا.
بع الهدى مفاعلن بحذف خامسه ساكنا لأن عروضه لا تكون إلا كذلك.
ولات: فعول دخله القبض الذي هو حذف خامس الجزء ساكنا كما علمت كبدعيا مفاعيلن لعلك: فعولن مقبوضة كتفلح.
مفاعلن مقبوضة أيضًا والحرف المشدد في هذا الفن بحرفين، والمعروض مؤنثة وهي آخر المصراع الأول.
والضرب مذكر وهو آخر المصراع الثاني.
стр. 159
وأما القافية: فهي من آخر البيت الى أول متحرك قبل ساكن بينهما وتكون بعض كلمة كما في قول امريء القيس (١).
وقوفا بها صحبي عليَّ مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل (٢)
هي من الحاء إلى الياء. وتكون كلمة كقوله (٣) أيضًا:
ففاضت دموع العين في صبابة ... على النحر حتى بل دمعي محملي
وفي منظومة الناظم آخر البيت الواو الساكنة في جميع القصيدة والمتحرك الذي قبل ساكن هي التاء في البيت واللَّه أعلم.
تتمة: قال الإمام العلامة أبو عبد اللَّه عبيد اللَّه بن محمد بن حمدان المعروف بابن بطة (٤) أحد أعلام المذهب وهو ممن أخذ عن الحافظ أبي بكر بن أبي داود الناظم رحمهم اللَّه تعالى ورضي عنهم قال ابن أبي داود بعد سماعي هذه القصيدة الفريدة والعقيدة المفيدة هذا قولي وقول أبي الإمام الحافظ أبي داود وقول إمامنا الإمام أحمد بن حنبل وقول من أدركنا من أهل العلم ومن لم ندرك فيمن بلغنا عنه فمن قال غير هذا يعني ما يخالفه فقد كذب (٥). انتهى (٦).
стр. 160
فصل في الحث على اتباع السنة واجتناب البدعة
قال ﵁: (تمسك) أيها المسلم السني المتبع سنة رسول اللَّه وجماعة السلف الصالح من أهل الفرقة الناجية (بحبل) أى شرع اللَّه من الكتاب المنزل وما شرعه اللَّه تعالى على لسان نبيه المرسل والجار والمجرور متعلق بتمسك يقال أمسكت الشيء وبالشيء ومسكت به وتمسكت وامتسكت ومنه الحديث: "من مسك من هذا الفى بشيء" (١) أى أمسك وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٣] أى بدين الإسلام أو بكتابه لقوله ﷺ : "القرآن حبل اللَّه المتين" كما فى الترمذي (٢). استعار له الحبل من حيث أن التمسك به سبب النجاة عن التردي كما أن التمسك بالحبل سبب السلامة عن التردي الموثوق به والإعتماد عليه فهر استعارة مصرحة وذكر التمسك ترشيحا.
وقد أخرج الترمذي عن الحارث (٣) الأعور قال مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث فدخلت على علي ﵁ فأخبرته فقال أوقد فعلوها؟ قلت: نعم. قال: أما إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ألا إنها ستكون فتنة قلت فما المخرج منها يا رسول اللَّه؟ قال كتاب اللَّه فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم
стр. 161
وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه اللَّه ومن ابتغى الهدى في غيره أضله اللَّه وهو حبل اللَّه المتين وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيع به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه هو الذي لم ينته الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾. من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم (١) خذها إليك يا أعور.
قال الترمذي حديث غريب.
ونحوه حدث عمر ﵁ قال نزل جبريل ﵇ على رسول اللَّه ﷺ فأخبره أنها ستكون فتنة قال فما المخرج منها يا جبريل قال كتاب اللَّه فيه نبأ ما قبلكم ونبأ ما هو كاين بعدكم وفيه الحكم بينكم وهو حبل اللَّه المتين وهو النور المبين الحديث (٢).
وفي حدث ابن عباس ﵄ قال: جمع اللَّه في هذا الكتاب علم الأولين والآخرين وعلم ما كان وعلم ما يكون والعلم بالخالق ﷻ أمره وخلقه (٣).
стр. 162
(واتبع الهدى): أي الذي جاء به النبي المصطفى والرسول المقتدى والهدى بضم الهاء وفتح الدال المهملة الرشاد والدلالة ولو لم تكن موصلة خلافًا (١) للمعتزلة (٢).
يقال هداه هدى وهديا وهداية وهدية بكسرهما أرشده فتهدى واهتدى وهداه اللَّه الطريق دله.
قال الإمام (٣) المحقق في كتابه بدائع الفوائد: "الهداية أربعة أنواع:
أحدها: الهداية العامة المشتركة بين الخلق المذكورة في قوله تعالى ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] أي أعطى كل شيء صورته التي لا يشتبه فيها بغيره وأعطى كل عضو شكله وهيئته، وأعطى كل موجود خلقه المختص به. ثم هداه لما خلقه له من الأعمال.
قال وهذه الهداية تعم الحيوان المتحرك بإرادته إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره. قال وللجماد أيضًا هداية تليق به كما أن لكل نوع من الحيوان هداية تليق به وإن اختلفت أنواعها وصورها. وكذلك لكل عضو هداية تليق به: فالرجلين للمشي
стр. 163
واللسان للكلام والعين لكشف المرئيات وهلمّ جرا، وكذا هدى الزوجين من كل حبران إلى الأزدواج والتناسل وتربية الولد، والولد (١) إلى التقام الثدي عند وضعه ومراتب هدايته تعالى لا يحصيها إلا هو.
الثاني: هداية البيان والدلالة والتعريف لنجدي الخير والشر وطريقي النجاة والهلاك (٢).
وهذه الهداية لا تستلزم الهدي التام فإنها سبب وشرط لا موجب ولهذا ينتفي الهدى معها كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] أي بينا لهم وأرشدناهم ود للناهم فلم يهتدوا ومنها قوله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وهذه تنكرها المعتزلة.
فعندهم يلزم من الهداية الهدى فلا هداية عندهم إن لم تكن موصلة (والذكر الحكيم يرد قولهم وباللَّه التوفيق) (٣).
الثالث: هداية التوفيق والإلهام وهي الهداية المستلزمة للإهتدى فلا يتخلف عنها وهى المذكورة في قوله تعالى ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨].
وفي قوله تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧]
وفي قوله ﷺ : "من يهدي اللَّه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له .. " (٤).
стр. 164
وفي قوله تعالى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] فنفى عنه هذه الهداية وأثبت له هداية الدعوة والبيان في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
الرابع: غاية هذه الهداية وهي الهداية إلى الجنة أو النار إذا سيق أهلهما إليهما قال اللَّه تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩].
وقال أهل الجنة فيها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣].
وقال تعالى في حق أهل النار: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ (١) [الصافات: ٢٢].
وفي تفسير القاضي البيضاوي (٢) رحمه اللَّه تعالى: "الهداية دلالة بلطف
стр. 165
ولذلك تستعمل في الخير قال: وقوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] على سبيل التهكم. ثم قال: وهداية اللَّه تعالى تتنوع أنواعًا لا يحصيها عد لكنها تنحصر في أجناس مترتبة:
الأول: افاضته القوى التي بها يتمكن المرء من الإهتداء إلى مصالحه كالقوة العقليه والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة.
الثاني: نصب الدلائل الفارفة بين الحق والباطل والصلاح والفساد وإليه أشار بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠].
وقال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧].
الثالث: الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب وإياها عنى بقوله:
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣].
وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].
الرابع: أن يكشف على قلوبهم السرائر ويريهم الأشياء كما هي بالوحي أو الإلهام والمنامات الصادقة. وهذا قسم يختص بنيله الأنبياء والأولياء وإياه عنى بقوله:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] انتهى (١).
فمن تمسك بالدين القويم واتبع الهدي الذي جاء به النبي الكريم هدي إلى الصراط المستقيم وإلى جنات الخلود والنعيم المقيم.
ثم صرح الناظم رحم اللَّه تعالى روحه ونور ضريحه ما أشعر بنفيه ورفضه ناهيًا
стр. 166
عن الإتصاف به والمثول إلى غرضه فقال (ولا) ناهية (تك) أصلها تكون دخلت أداة النهي فسكنت النون فالتقى ساكنان النون والواو فحذفت الواو لالتقاء الساكنين فصارت اللفظة (تكن) فحذفت النون تخفيفا حذفا جائزا لا لازما فصارت تك. وكان القياس أن لا تحذف هذه النون لكنهم حذفوها تخفيفا لكثرة الإستعمال.
ومذهب سيبوية (١) ومن تابعه أن هذه النون لا تحذف عند ملاقاة ساكن فلا تقول: لم يك الرجل قائما. وأجاز ذلك يونس (٢) وقرئ شاذا ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١].
وأما إذا لاقت متحركا فلا يخلو إما أن يكون ذلك المتحرك ضميرًا متصلا أولا فإن كان لم تحذف النون اتفاقا كقوله ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁ في ابن
стр. 167
صياد إن يكنه فلن تسلط عليه وإن لا يكنه فلا خير لك في قتله (١) فلا يجوز حذف النون فلا يقال: إن يكه ولا إن لا يكه وإن كان غير ضمير متصل جاز الحذف والإثبات نحو: لم يكن زيد قائمًا، ولم يك زيد قائما (٢).
واسمها في النظم عائد على المخاطب وبدعيًا خبرها أي ولا تكن صاحب بدعة أي مرتكبا غير سبيل السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين المقتدى بأقوالهم وأفعالهم.
وأصل هذه الكلمة من الإختراع وهو الشيء يحدث من غير أصل سبق ولا مثال احتذى ولا ألف مثله ومنه قولهم أبدع اللَّه الخلق أي خلقهم ابتداء ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧].
وقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]، أي لم أكن أول رسول إلى أهل الأرض.
قال العلامة الفاضل أبو بكر محمد بن الوليد الفهري الطرطوشي (٣) المالكي في
стр. 168
كتابه (١): "وهذا الإسم يدخل فيما تخترعه القلوب وفيما تنطق به الألسنة وفيما تفعله الجوارح (٢)، وقد غلب لفظ البدعة على الحدث المكروه في الدين مهما أطلق هذا اللفظ ومثله لفظ المبتدع لا يكاد يستعمل إلا في الذم (٣).
وأما من حيث أصل الإشتقاق فإنه يقال: ذلك فى المدح والذم لأن المراد أنه شيء مخترع على غير مثال سبق ولهذا يقال في الشيء الفائق جمالًا وجودة: ما هو إلا بدعة.
قال (٤) والبدعة: الحدث في الدين بعد الكمال وهو ما لم يكن في عصر النبي ﷺ مما فعله أو أقر عليه، أو علم من قواعد شريعته الإذن فيه وعدم النكير عليه. وفي معنى ذلك ما كان في عصر الصحابة ﵃ مما أجمعوا عليه قولًا أو فعلًا أو تقريرًا، وكذا ما اختلفوا فيه فإن اختلافهم رحمة مهما كان للإجتهاد والتردد مساغ وليس لغيرهم إلا الإتباع دون (٥) الإبتداع (٦).
стр. 169
فإن قلت المحدثات منقسمة إلى بدع مستحسنة وإلى بدع مستقبحة (١) كما قال
стр. 170
الإمام الشافعي (١) ﵁: البدعة بدعتان: بدعة محمودة وبدعة مذمومة فما وافق السنة فهو محمود وما خالف السنة فهو مذموم (٢) واحتج قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في قيام رمضان "نعمت البدعة" (٣).
стр. 171
وقال الشافعي أيضًا: المحدثات من الأمور ضربان:
أحدهما ما أحدث يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا وإجماعا فهذه البدعة الضلالة.
والثاني: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لو أحدث من هذا فهي محدثة غير مذمومة (١).
قلت الأمر كذلك ولكن تسمية المستحسن من ذلك بدعة على سبيل التوسع والمجاز وإلا فالبدع المراد بها ما خالف المشروع وتعدى به إلى الممنوع.
وأما المحدثات الحسنة فجائزة ومنها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب (٢) مثل
стр. 172
بناء المنابر والربط والمدارس والمارستانات (١) وخانات السبيل وغير ذلك من أنواع البر التي لم تعهد فى الصدر الأول فإن فعل ذلك موافق لما جاءت به الشريعة من اصطناع المعروف والمعاونة على البر والتقوى (٢).
ومن أعظم ذلك صنعا وأحسنه وضعا وأعمه نفعا تصانيف الكتب فى جميع العلوم النافعة الشرعية على اختلاف فنونها وتقرير قواعدها وتقسيمها وتقريبها وتعليمها وكثرة التفريعات وفرض المسائل التي لم تقع وتحقيق الأجوبة عنها وتفسير الكتاب العزيز والأخبار النبوية، والكلام على الأسانيد والمتون والجرح والتعديل ولواحق ذلك.
وتتبع كلام العرب نثره ونظمه وتدوين كل ذلك وإستخراج علوم جمة منه كالنحو والمعاني والبيان والقوافي والأوزان، فهذا كله وما شاكله معلوم حسنه، ظاهرة فائدته معين على معرفة أحكام اللَّه تعالى وفهم معاني كتابه وسنة رسوله ﷺ فكل ذلك مأمور به ولا محذور فيه (٣).
وأما البدع المستقبحة فهي التي أطلق العلماء ذمها والمراد هنا بالبدع الإعتقادية المخالفة لما كان عليه السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين المعول عليهم والمشهود لهم بالتمكين والمجمع على إمامتهم بين علماء أهل السنة العاملين.
стр. 173
قال الحافظ ابن رجب (١): " (٢) يتعين في هذه الأزمنة التي بعد العهد فيها بعلوم السلف ضبط ما نقل عنهم ليتميز به ما كان من العلوم موجودًا في زمانهم وما حدث من ذلك بعدهم فتعلم بذلك السنة من البدعة.
وقد صح عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: إنكم قد أصبحتم اليوم على الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول (٣).
وروى ابن مهدي (٤) عن الإمام مالك (٥) ﵁ قال: "لم يكن شيء من هذه الأهواء في زمن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ (٦).
стр. 174
وكان مالك يشير بالأهواء إلى ما حدث من التفرق في أصول الدين من أمر الخوارج (١) والروافض (٢) والمرجئة (٣) ونحوهم ممن تكلم في تكفير المسلمين واستباحة أموالهم ودمائهم أو في تخليدهم في النار أو في تفسيق خواص هذه الأمة أو عكس ذلك فزعم أن المعاصي لا تضر أهلها وأنه لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد.
стр. 175
وأصعب من ذلك كله: ما أحدث من الكلام فى أفعال اللَّه تعالى من قضائه وقدره وكذب بذلك من كذب وزعم أنه نزه اللَّه تعالى بذلك عن الظلم.
وأصعب من ذلك ما أحدث من الكلام في ذات اللَّه تعالى وصفاته مما سكت عنه النبي ﷺ وأصحابه ﵃ والتابعون لهم بإحسان رحمهم اللَّه تعالى.
فقوم نفوا كثيرا مما ورد في الكتاب والسنة من ذلك وزعموا أنهم فعلوه تنزيهًا للَّه تعالى عما تقتضى العقول تنزيهه عنه وزعموا أنّ لازم ذلك مستحيل على اللَّه تعالى وقوم لم يكتفوا بإثباته حتى أثبتوا بإثباته ما يظن أنه لازم له بالنسبة إلى المخلوقين.
وهذه اللوازم نفيًا وإثباتًا درج صدر الأمة والرعيل الأول على السكوت عنها (١)(٢) وهو مذهب السلف واعتقاد الفرقة الناجية الذي أشار إليه الناظم رحمه اللَّه تعالى ورضي عنه.
стр. 176
وأراد بقوله: (ولا تك بدعيا) أي لا تكن ممن إعتقد إعتقاد أهل البدع في أصول الدين من الإثنتين وسبعين فرقة، فإنها في النار كما أخبر النبي المختار ﷺ : فمنهم الخوارج (١) والمرجئة (٢) والقدرية (٣)
стр. 177
والرافضة (١) والجهمية (٢) والمعتزلة (٣) وهذه الفرق تتشعب منها الإثنتان وسبعون فرقة (٤) واللَّه تعالى أعلم.
وقول الناظم ﵀ ورضي عنه (لعلك) أيها الأثري المقتفي لنظمي ونثري إن تمسكت كالشرع القويم من الكتاب العزيز القديم وبما صح عن النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم والسلف الصالح القويم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين المعول عليهم في سائر الأزمان وجانبت أهل البدع ولم تركن إلى أهوائهم وما انتحلوه وابتدعوه من دعاويهم ودعواهم ومباينة اعتقادهم ومجانبة فسادهم وإفسادهم. (تفلح): أي تفوز بالدرجات العالية والنعيم المقيم في عرصات الآخرة وجنات النعيم.
والفلاح: من الكلمات الجامعة لخيري الدنيا والآخرة.
قيل: إنه عبارة عن أربعة أشياء: بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعز بلا ذل، وعلم بلا جهل.
стр. 178
قالوا: فلا كلمة في اللغة أجمع للخيرات من كلمة الفلاح (١).
وكذلك النصيحة فإنها كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له ويقال إنها من وجيز الأسماء ومختصر الكلام (٢).
فال الخطابي: (٣) وليس في كلام العرب كلمة مفردة تستوفي بها العبارة عن معنى هذه الكلمة.
كما قالوا في الفلاح: إنه ليس في كلامهم كلمة أجمع لخيري الدنيا والآخرة منه أي الفلاح (٤) انتهى.
ومفهوم كلام (المصي) (٥) رحمه اللَّه تعالى أن لا فلاح لأهل البدع أصلا لأنه ترجى لمن أقتفى الآثار ونهج نهج الأتباع وجانب الأشرار وخالف أهل الإبتداع الفلاح ومن لا يكون كذلك فلا يرجى له الفلاح ولا يتوقع له الخلاص ولا النجاح.
стр. 179
ولما طلبت أم بشر بن غياث المريسي (١) الخبيث المعتزلي من الإمام الشافعي (٢) ﵁ أن ينهاه عن هواه قال له أخبرني عما تدعو اليه أكتاب ناطق؟ أم فرض مفترض، أم سنة قائمة؟ أم وجوب عن السلف البحث فيه، والسؤال عنه؟ قال بشر: ليس فيه كتاب ناطق ولا فرض مفترض ولا سنة قائمة ولا وجوب عن السلف البحث فيه، والسؤال عنه إلا أنه لا يسعنا خلافه. فقال له الإمام الشافعي ﵁: أقررت على نفسك بالخطأ فأين أنت عن الكلام في الفقه والأخبار يواليك الناس عليه فلم يفعل فلما خرج بشر عن عند الشافعي قال الشافعي ﵁: هذا رجل لا يفلح (٣) فجزم له بعدم الفلاح.
وكذلك قال سيدنا الإمام أحمد (٤) ﵁: عليكم بالسنة والحديث وما ينفعكم وإياكم والخوض والمراء (٥) فإنه لا يفلح عن أحب الكلام.
وقال ﵁ في علماء أهل البدع عن المتكلمة: لا أحب لأحد أن
стр. 180
يجالسهم ولا يخالطهم ولا يأنس بهم فكل من أحب الكلام لم يكن آخر أمره إلا إلى البدعة. فإن الكلام لا يدعوهم الى خير فلا أحب الكلام ولا الخوض فيه ولا الجدال. عليكم بالسنن والفقه الذي تنتفعون به ودعوا الجدال وكلام أهل الزيغ والمراء.
أدركنا الناس وما يعرفون هذا ويجانبون أهل الكلام وقال ﵁: من أحب الكلام لم يفلح عاقبة الكلام لا تؤول إلى خير أعاذنا اللَّه وإياكم من الفتن وسلمنا وإياكم من كل هلكة (١)(٢).
تنبيه:
قد أكثر السلف ﵃ في ذم الكلام والخوض فيه والتقصي عن دقائقه والتدقيق فيما يزعمون أنه قضايا برهانية وحجج قطعية يقينية، وقد شحنوا ذلك بالقضايا المنطقية والمدارك الفلسفية والتخيلات الكشفية والمباحث القرمطية، وكان أئمة الدين مثل الإمام مالك (٣) وسفيان (٤) وابن المبارك (٥) وأبى يوسف (٦)