← Акыда

Акыда · id 16618

لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية

السفاريني

Полный текст (799 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

* والحارثية: أتباع أبي الحارث الأباضي، خالفوا في العذر والاستطاعة قبل الفعل. * وفرقة رابعة منهم قالوا: بطاعة لا يراد بها اللَّه. السابعة: من فرق الخوارج: العجاردة: أتباع عبد الرحمن بن عجرد زادوا على النجدية وجوب دعوة الطفل إلى الإسلام إذا بلغ وأطفال المشركين في النار وتتشعب هذه الفرقة إلى إحدى عشر (١) فرقة. وقد ذكرتهم في شرح الدرة: "لوامع الأنوار" (٢) واللَّه ولى الأسرار، وجميع فرق الخوارج مارقة وللدين القويم مفارقة إلا من أتبع هداه وصادم هواه واللَّه أعلم. تنبيه: هذا البيت والذي بعده في الكلام على المرجئة (٣) يليان بيت: ولا تكفرن أهل الصلاة. . . إلخ. على ما في طبقات الأصحاب (٤) للعليمي (٥) ولكن في النسخة التي كنا

стр. 702

شرحناها أولا كما ذكرناها (١) وكنت رأيت القصيدة على ما شرحنا في مجموع من خط العلامة الشيخ موسى الحجاوي (٢) الحنبلي صاحب "الإقناع" رحمه اللَّه تعالى فلذلك اعتمدتها.

стр. 703

ثم قال الناظم -رحمه اللَّه تعالى-: (ولا تك) بحذف النون تخفيفًا -كما مر أول القصيدة- واسمها ضمير يرجع للمخاطب و (مرجئا) خبرها. والمرجئة: هم الذين يرجئون الأعمال عن النية والاعتقاد أي يؤخرونها فلذلك سموا المرجئة من الإرجاء وهو التأخير، أو لأنهم يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، لأن الإيمان عندهم هو التصديق والقول. وعند الجهمية: مجرد التصديق. وعند الكرامية: مجرد قول اللسان فقط كما مر، وربما سمى متكلموا المرجئة وفقهاؤهم الأعمال إيمانًا مجازًا لأن العمل ثمرة الإيمان ومقتصاه ولأنها دليل عليه ويقولون في قوله ﷺ : "الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا اللَّه وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" (١): هذا مجاز. قال شيخ الإسلام -روح اللَّه روحه- في كتابه شرح الإيمان والإسلام: المرجئة ثلاثة أصناف: الأول الذين يقولون الإيمان مجرد ما في القلب. ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب وهم أكثر فرق المرجئة كما ذكر أبو الحسن الأشعري أقوالهم في كتابه (٢) وذكر فرقًا كثيرة يطول ذكرهم ومنهم من لا يدخلها كالجهم بن صفوان ومن اتبعه كا (الصالحي) (٣) (وهذا

стр. 704

الذي نصره هو وأكثر أصحابه) (١). الثاني: من يقول هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية. الثالث: تصديق القلب وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم" (٢) قال شيخ الإسلام: "وهؤلاء غلطوا من وجوه: أحدها: ظنهم أن الإيمان الذي فرضه اللَّه على العباد متماثل في حق العباد وعليهم وأن ما وجب على شخص يجب مثله على كل شخص، وليس الأمر كذلك، بل ذلك يتفاوت ويتفاضل أشد تفاوت وتفاضل -كما تقدمت الإشارة إلى ذلك. فالإيمان الواجب متنوع ليس شيئًا واحدًا في حق جميع الناس. الثاني: من غلط المرجئة: ظنهم أن ما في القلب من الإيمان ليس إلا التصديق فقط دون أعمال القلوب -كما تقدم عن جهمية المرجئة. الثالث: ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تامًا بدون شيء من الأعمال،

стр. 705

ولهذا يجعلون الأعمال ثمرة الإيمان ومقتضاه بمنزلة السبب مع المسبب ولا يجعلونها لازمة له. والتحقيق أن إيمان القلب التام يستلزم العمل الظاهر بحسبه لا محالة ويمتنع أن يقوم كالقلب إيمان تام بدون عمل ظاهر" (١). قال شيخ الإسلام -روح اللَّه روحه- (٢): "ولهذا صاروا يقدرون مسائل يمتنع وفوعها لعدم تحقق الارتباط الذي بين البدن والقلب مثل قولهم: رجل في قلبه من الإيمان مثل ما في قلب أبي بكر وعمر ﵄ وهو لا يسجد للَّه تعالى سجدة ولا يصوم رمضان ويزنى بأمه وأخته ويشرب الخمر نهار رمضان، فيزعمون أن هذا مؤمن تام الإيمان فيبقى سائر المؤمنين ينكرون ذلك غاية الإنكار" (٣) ويعدون مثل هذا أنه يلعب بدينه ويهزأ بإيمانه. ولهذا قال الناظم -رحمه اللَّه تعالى: (ولا تك مرجئا لعوبًا بدينه) ولعوب من أبنية المبالغة. أي كثير اللعب واللعب ضد الجد. وفي الحديث: "لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعبًا جادًا" (٤) أي يأخذه ولا

стр. 706

يريد سرقته ولكن يريد إدخال الهم والغيط عليه فهو لاعب في السرقة جاد في الأذية (١). قال سيدنا الإمام أحمد ﵁: ثنا (خالد) (٢) بن حيان، ثنا معقل ابن عبيد اللَّه (العبسى) (٣) قال قدم علينا سالم الأفطس (٤) بالإرجاء فنفر منه أصحابنا نفورًا شديدًا، منهم: ميمون بن مهران (٥)؛ وعبد الكريم بن مالك (٦) فإنه عاهد اللَّه أن لا يأويه وإياه سقف بيت إلا المسجد، قال معقل: فحججت فدخلت

стр. 707

على عطاء بن أبي رباح (١) في نفر من أصحابي وهو يقرأ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠] (٢). قلت: إن لنا حاجة فأخل لنا ففعل (فأخبرته) بالإرجاء وأن ناسًا أتوا به وأن الصلاة والزكاة ليستا من الدين، قال أوليس اللَّه يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] فالصلاة والزكاة من الدين، وذكر من أقوالهم وزعموا أنهم انتحلوك فتبرأ منهم. . . . وكذلك نافع (٣) تبرأ منهم، وكذلك الزهري (٤)، فقال (٥) سبحان اللَّه قد أخذ الناس في هذه الخصومات، قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (٦).

стр. 708

والجميع تبرأوا منهم وقالوا: "ليس إيمان من أطاع اللَّه تعالى كإيمان من عصاه" (١). قال شيخ الإسلام (روح اللَّه روحه) (٢): "المرجئة كلهم يقولون: الصلاة والزكاة ليستا من الإيمان وأما من الحدين فحكي عن بعضهم أنه يقول: ليستا من الدين ولا نفرق بين الإيمان والدين". قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا المعروف من أقوالهم (٣) ولم أر في كتاب أحد منهم أنه قال إن الأعمال ليست من الدين بل يقولون: ليست من الإيمان". (وكذلك) (٤) حكى أبو عبيد (٥) عمن ناظره منهم فإن أبا عبيد وغيره يحتجون بأن الأعمال من الدين فذكر قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. أنها نزلت في حجة الوداع فأخبر تعالى أنه أكمل الدين في آخر الإسلام في حجة

стр. 709

النبي ﷺ قال وزعم هؤلاء أنه كان كاملًا قبل ذلك بعشرين سنة من أول ما نزل عليه الوحي بمكة حين دعى الناس إلى الإقرار، قال حتى لقد اضطر بعضهم حين أدخلت عليه الحجة إلى أن قال: إن الإيمان ليس بجميع الدين، ولكن الدين ثلاثة أجزاء فالإيمان جزء والفرائض جزء والنوافل جزء. قال شيخ الإسلام: "هذا هو مذهب القوم". قال أبو عبيد: "وهذا غير ما نطق به الكتاب ألا تسمع إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فأخبر أن الإسلام هو الدين برمته، وهؤلاء يزعمون أنه ثلث الدين" (١). ولما كان الإمام أحمد، وكذا أبو ثور (٢) ونحوهما قد عرفوا قول المرجئة وهو قولهم: إن الإيمان لا يذهب بعضه ويبقى بعضه، فلا يكون ذا عدد اثنين أو ثلاثة فإنه إذا كان ذا عدد أمكن ذهاب بعضه وبقاء بعضه بل لا يكون إلا شيئًا واحدًا، قال لهم الإمام أحمد: من زعم أن الإيمان الإقرار فما يقول في المعرفة هل يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار وهل يحتاج أن يكون مصدقًا بما عرف فإن زعم أنه يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار فقد أقر أنه من اثنين وإن قال إنه يحتاج أن يكون مقرًا ومصدقًا بما عرف (٣) فهو من ثلاثة أشياء وإن جحدو قال: لا يحتاج إلى المعرفة والتصديق فقد

стр. 710

قال قولًا عظيمًا. قال: ولا أحسب أحدًا يدفع المعرفة والتصديق وكذلك العمل مع هذه الأشياء" (١) انتهى. قال شيخ الإسلام: "قالت الجهمية: الإيمان شيء واحد في القلب، وقالت الكرامية: هو شيء واحد على اللسان، كل ذلك فرار من تبعيض الإيمان وتعدده فالزمهم أبو ثور بما اجتمع عليه فقهاء المرجئة من أنه تصديق وعمل ولم يكن بلغة قول متكلميهم وجهميتهم، أو أنه بلغه ذلك ولم يعد خلافهم خلافًا. ولهذا دخل في إرجاء الفقهاء جماعة هم عند الأئمة أهل علم ودين، ولم يكفر أحد من السلف أحدًا من مرجئة الفقهاء، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا من بدع العقائد، فإن كثيرًا من النزاع فيها لفظي" (٢). ولم يثبت المدح إلا على إيمان معه عمل لا على إيمان خال من العمل كما جاء عن عطاء. فإذا اعترفوا أن الذم والعقاب واقع في ترك العمل كان بعد ذلك نزاعهم لا فائدة فيه، بل يكون لفظيًا مع أنهم مخطئون في اللفظ مخالفون للكتاب والسنة وإن قالوا إنه لا يضره ترك العمل، فهذا كفر صريح كما قاله شيخ الإسلام وهو ظاهر لا وقفة فيه. قال -قدس اللَّه روحه-: وبعض الناس يحكي هذا عنهم وأنهم يقولون: "إن اللَّه

стр. 711

فرض على العباد فرائض ولم يرد منهم أن يعملوها، ولا يضرهم تركها، قال: وهذا قد يكون قول الغالية الذين يقولون: لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد، لكن ما علمت معينًا أحكي عنه هذا القول, وإنما الناس يحكونه في الكتب ولا يعينون قائله، وقد يكون من لا خلاق له من الفساق والمنافقين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب أو مع التوحيد وبعض كلام الرادين على المرجئة وصفهم بهذا انتهى" (١). وهذا مشهور عنهم فإنهم يقولون: كما لا ينفع مع الكفر طاعة، لا يضر مع الإيمان معصية. وأما إذا اعتقدوا أنهم مؤاخذون بترك المأمور وارتكاب المحظور فالخلف (٢) معهم بحسب اللفظ فقط نعم اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب، فليس لأحد أن يقول بخلافه ولاسيما وقد صار ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام من أهل الإرجاء وغيرهم (و) (٣) إلى ظهور الفسوق فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سببا لخطأ عظيم في العقائد والأعمال. فلهذا عظم القول في ذم الإرجاء حتى قال إبراهيم (٤) النخعي "لفتنتهم يعني المرجئة أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة" (٥) يعني الخوارج

стр. 712

الذين تقدم ذكرهم (١). ولهذا الناظم قرن الطائفتين وعطف المرجئة على الخوارج. وقال الزهري: (٢) "ما ابتدع في الإسلام بدعة أضر على أصله من الإرجاء" (٣). وقال الأوزاعي: (٤) "كان يحيى بن أبي كثير (٥)؛ وقتادة (٦) يقولان: ليس شيء من الأهواء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء" (٧). وقال شريك (٨) القاضي: "المرجئة أخبث قوم حسبك بالرافضة خبثًا، ولكن المرجئة يكذبون على اللَّه" (٩).

стр. 713

وقال سفيان الثوري: (١) "تركت المرجئة الإسلام أرق من ثوب سابري" (٢). ولهذا قال الناظم -رحمه اللَّه تعالى-: (ألا): أداة استفتاح وتفيد التحقيق لما بعدها لتركبها من الهمزة ولا، وهمزة الاستفهام إذا دخلت على النفي أفادت التحقيق كما في القاموس وغيره. و (إنما): أداه حصر، (المرجي): بياء النسبه إلى طائفه من المرجئه وترك الهمز للوزن أو هو لغة والحق الثاني. قال في القاموس: "أرجأ الأمر أخره والناقة دنا نتاجها والصايد لم يصب شيئًا وترك الهمز لغة في الكل". وقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦] أي مؤخرون حتى ينزل اللَّه فيهم ما يريد.

стр. 714

قال في القاموس: ومنه سميت المرجئة وإذا لم تهمز فرجل مرجي بالتشديد، وإذا همزت فرجل مرجئ كمرجع لا مرج كمعط وهم المرجئة بالهمز والمرجية بالياء مخففة" (١). (بالدين): القويم والإيمان المستقيم. (يمزح): من مزح كمنع مزحًا والمزاحة ومزاحا بضمها دعب ولعب والدعابة بالضم اللعب وداعبه مازحه، وذلك لأن حاصل قول غلاة المرجئة: أنه كما لا ينفع مع الكفر طاعة، لا يضر مع الإيمان معصية، وهذا قول خبيث ينقض عرى الإسلام، وهو سلم لترك الصلاة ومنع الزكاة والحج وترك الصيام وذريعة لمعاطاة الزنا واللواطة وسائر الآثار، ولا يرتاب ذو لب أن هذا مزاح بالدين ولعب، ومن نهج هذا المنهج فهو على شفا جرف هار وهو لسيرة أهل الكفر والإلحاد أقرب منه لسيرة الأبرار. وحاصل ما لأهل الإسلام في الإيمان خمسة أقوال: الأول: هو ما عليه المعول مذهب سلف الأمة وخالص الأئمة: أنه عقد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان -كما تقدم ذلك بالنص والبرهان- فهو مركب من الثلاثة. والثاني والثالث والرابع: أن الإيمان بسيط لا مركب فهذه الثلاثة مذاهب: الأول: منها التصديق وحده، وهو قول الجهم بن صفوان ومن وافقه من الأشاعرة وغيرهم.

стр. 715

الثاني: القول وحده، وهو مذهب الكرامية. الثالث: العمل وحده وعزاه الكرماني (١) في شرح البخاري للمعتزلة -ولعله قول لبعضهم- وأما مذهب المعتزلة فقد قدمنا أنه كمذهب السلف إلا أنهم يخرجون مرتكبي الكبائر من الإيمان، من ترك مأمور، أو معاطاة محظور ويخلدونه إذا مات على كبيرته في النار، فهذا مذهب إمامهم واصل بن عطاء (٢)؛ وعمرو بن عبيد (٣)، والجبائي (٤) وغيرهم وهو من شر مذاهب أهل البدع (٥). الخامس: قول المرجئة وهو مركب ثنائي من التصديق والقول باللسان فقط. تنبيه: هل القول بقبول الإيمان للزيادة والنقصان مختص بمذهب السلف ومن تبعهم ممن يدخل الأعمال فيه من الحلف كالقلانسي (٦) وغيره من الأشاعرة أو يعم مذهب من قال إنه التصديق فقط؟ الحق كما قاله الإمام النووي (٧) وغيره وجماعة من محقق علماء الكلام أن الزيادة والنقصان تدخل الإيمان، ولو قيل إنه التصديق والإذعان (٨) لأن التصديق

стр. 716

القلبي يزيد وينقص أيضًا بكثرة النظر ووضوح البرهان وعدم ذلك، وما اعترض على هذا القول من أنه متى قبل ذلك كان شكًا مدفوع بأن مراتب اليقين متفاوته مع أنها لا شك معها وفي القرآن العظيم ما حكى عن خليله إبراهيم عليه وعلى نبينا وسائر الأنبياء أفضل الصلاة وأتم التسليم: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. وتقدمت قصة موسى الكليم لما رأى قومه عاكفين على عبادة العجل مع ما كان أخبره اللَّه تعالى به من ذلك فحصل له من الغضب وإلقاء الألواح وأخذه بلحية أخيه هارون ﵇ ورأسه ما لم يحصل له بإخبار اللَّه تعالى مع جزمه وتيقنه صدق الخبر ووقوع المخبر عنه بخبر من لا يبقي في القلب أدنى شك ولا ريبة، وباللَّه التوفيق (١). تتمة: مذهب السلف ومن وافقهم من الأشعرية جواز الاستثناء في الإيمان يقول الإنسان: أنا مؤمن إن شاء اللَّه خلافًا لمن يمنعه كالجهمية والمرجئة (٢). وخلافًا لمن يوجبه كابن كلاب (٣). ومن وافقه والقول بجواز الاستثناء مذهب أصحاب الحديث كالثوري وابن عيينة وأكثر علماء الكوفة.

стр. 717

ويحيى بن سعيد القطان فيما يرويه عن علماء البصرة وهو مذهب الإمام أحمد وغيره من علماء السنة فإنهم يستثنون في الإيمان وهذا متواتر عنهم لأن الإيمان عندهم يتضمن فحل جميع الواجبات فلا يشهدون لأنفسهم بذلك كما لا يشهدون لها بالبر والتقوى من غير شك في إيمانهم كما هو منصوص الشافعي وأحمد ﵄ خلافًا لأبي حنيفة ﵃ أجمعين- (١). ثم قال الناظم -رحمه اللَّه تعالى-: " (ولا تك من قوم) يعم أهل الاعتزال وأهل الرفض والوبال وأهل الكلام المحدث الذي ذمه وأهله السلف وبدعوا الذاهبين إليه والمعولين عليه. والحاصل أن الناظم أراد كل من اكتفى بالمعقول (٢) عن المنقول ومال إلى ما أصَّله الفلاسفة ونحوهم عما جاء به الرسول ﷺ ولهذا قال: (تَلَهَّوا) أي تلاعبوا (بدينهم) الذي أمروا به من ربهم وجاء به نبيهم.

стр. 718

واللهو: هو اللعب، يقال لهوت بالشيء الهو لهوا وتلهيت به إذا لعبت به وتشاغلت وغفلت به عن غيره والهاه عن كذا أشغله، ولهيت عن الشيء بالكسر الهى بالفتح لهيًا إذا سلوت عنه. ومن هذا قول النبي ﷺ : "إذا استأثر اللَّه بشئ فاله عنه" (١) أي أتركه وأعرض عنه ولا تتعرض له. وتلاعب مثل هولاء بدينهم أن يحدثوا له أصولا ويرتبوا له أبوابًا وفصولًا معتمدين على قواعد تعدوها وآراء اعتمدها زاعمين أنهم إنما يهتدون إلى الصواب بالعقول لا بالمنقول، وبابتداع الأصوال لا بقول الرسول. وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: "إن أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يعوها وتفلتت منهم أن يحفظوها فقالوا في الدين برأيهم فضلوا وأضلوا" (٢). وقال ﵁: أيها الناس اتهموا الرأي في الدين فلقد رأيتني وإني لأرد أمر رسول اللَّه ﷺ برأى فاجتهد ولا آلو وذلك يوم أبي جندل" (٣) -يعني في قصة الحديبية-".

стр. 719

وأضل كل رأي وأبطله وأفسده وأعطله الرأي المتضمن لتعطيل أسماء الرب وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهل البدع والضلالة من الخوارج والمرجئة والجهمية والمعتزلة والرافضة والقدرية ومن ضاهاهم من أهل الكلام حيث استعملوا قياساتهم الفاسدة وآراءهم الباطلة وشبههم الداحضة في رد النصوص الصحيحة، والآيات الصريحة فردوا لأجلها ألفاظ النصوص التي وجدوا السبيل بتكذيب رواتها وتخطئتهم وحرفوا المعاني التي لم يجدوا إلى رد ألفاظها سبيلًا فقابلوا النوع الأول بالتكذيب، والنوع الثاني بالتحريف والتأويل. وإلى الأول أشار الناظم -رحمه اللَّه تعالى- بقوله (فتطعن) أي تقع وتخوض. (في أهل الحديث): أي رواته وناقليه بالأسانيد المقبولة والروايات المنقولة. (وتقدح) في عدالتهم وصدقهم وتنسبهم إلى ما هم بريئون منه من الغلط وعدم

стр. 720

الضبط والكذب والتخليط وعدم الحفظ مع كونهم حفاظًا عدولًا مقبولين (١) الرواية معلومين (٢) العدالة. . وفي الحديث عن النبي ﷺ : "لا يكون المؤمن طعانًا (٣) أي وقاعًا في أعراض الناس بالذم والغيبة ونحوهما وهو فعال من طعن فيه وعليه بالقول يطعن بالفتح والضم إذا عابه. . . ". هذا مع قول النبي ﷺ : "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الجاهلين وإبطال المبطلين وتأويل الغالين". قال مهنا: سألت الإمام أحمد عن هذا الحديث وهو عن معان بن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري فذكره فقلت كأنه كلام موضوع. قال الإمام أحمد: لا هو صحيح، فقلت له سمعته أنت؟ قال من غير واحد، قلت: من؟ قال: حدثني به مسكين إلا أنه يقول عن معان عن القاسم بن عبد الرحمن. ورواه الخلال من حديث معان عن إبراهيم عن النبي ﷺ .

стр. 721

ورواه الحافظ أبو أحمد بن عدي عن عبد اللَّه البغوى ثنا أبو الربيع الزهراني ثنا حماد بن زيد ثنا بقية بن الوليد ثنا معان بن رفاعة عن إبراهيم ابن عبد الرحمن العذري قال: قال رسول اللَّه ﷺ فذكره. وقد روى من حدث أبي هريرة وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص وغيرهما من الصحابة ﵃ مرسلًا ومرفوعًا وفي لفظهما: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين" (١).

стр. 722

وقد أعتنى بهذا الحديث الإمام الحافظ ابن عبد البر وحاول تصحيحه واحتج به في أن كل من حمل العلم يعني علم الحديث فهو عدل (١). وقال الفضل (٢) بن أحمد: سمعت الإمام أحمد وقد أقبل أصحاب الحديث بأيديهم المحابر فأوما إليها وقال: هذه سرج الإسلام، يعني المحابر (٣). وقال الحافظ ابن الجوزي: قال الإمام الشافعي: "لولا المحابر لخطبت الزنادقة

стр. 723

على المنابر (١). وقد نص الإمام أحمد على أن أصحاب الحديث هم الطائفة في قوله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" (٢). ونص أيضًا على أنهم الفرقة الناجية في الحديث الآخر (٣). وكذا قال يزيد بن هارون (٤). ونص سيدنا الإمام أحمد "على أن للَّه تعالى أبدالًا في الأرض" (٥).

стр. 724

وقال عنهم: إن لم يكونوا هؤلاء الناس يعني أهل الحديث فلا أدري من الناس (١).

стр. 725

ونقل نعيم (١) بن طريف عنه ﵁ أنه قال في قول النبي ﷺ : "لا يزال اللَّه تعالى يغرس غرسًا يشغلهم في طاعته. . . " (٢) قال: هم أصحاب الحديث. وروى البويطي (٣) عن الإمام الشافعي أنه قال: "عليكم بأصحاب الحديث فإنهم أكثر الناس صوابًا" (٤).

стр. 726

وقال أيضًا: "ومن كتب الحديث قويت حجته" (١). وقال سفيان: "سماع الحديث عز لمن أراد الدنيا ورشاد لمن أراد به الآخرة" (٢). وقال عبد الملك بن مروان (٣) للشعبي (٤): يا شعبي عهدي بك وإنك لغلام في الكتاب فحدثني فما بقى معي شيء إلا وقد مللته سوى الحديث الحسن وأنشد (٥): ومللت إلا من لقاء محدث ... حسن الحديث يزيدني تعليمًا (٦) وقال المعافى (٧) بن زكريا الجريري -وإنما قيل له الجريري لتفقهه على مذهب محمد بن جرير الطبري- في مثل قول عبد الملك:

стр. 727

ولقد سئمت مآربي ... وكان أطيبها الحديث إلا الحديث فإنه ... مثل اسمه أبدا حديث (١) ولسنا بصدد ذكر مناقب أهل الحديث فإن مناقبهم شهيرة، ومآثرهم كثيرة، وفضائلهم غزيرة، فمن انتقصهم فهو خسيس ناقص، ومن (بغضهم) (٢) فهو من حزب إبليس ناكص. كيف وقد دعا لهم النبي ﷺ بقوله: "نضر اللَّه امرءًا سمع منا شيئًا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع" رواه أصحاب السنن إلا النسائي من حديث ابن مسعود مرفوعًا وحسنه الترمذي (٣). فدعا لأصحاب الحديث بالنضارة وهى: النعمة والبهجة والحسن فيكون تقديره: جمله اللَّه وزينه (٤).

стр. 728

قال الخطابي في قوله ﷺ : "نضر اللَّه امرءًا" بتشديد الضاد المعجمة وتخفيفها (١). ورواه الإمام أحمد (٢)؛ وابن ماجة (٣)؛ والطبراني (٤) من حديث جبير بن مطعم قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ قول -بالخيف- خيف منى-: "نضر اللَّه عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وبلغها من لم يسمعها، فرب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل (٥) عليهن قلب مؤمن: إخلاص العمل للَّه والنصيحة لأئمة المسلمين ولزوم جماعتهم فإن دعوتهم تحفظ من ورائهم". وفي لفظ رواية الطبراني: "تحيط" (٦) بياء بعد الحاء وأحد إسنادي الإمام

стр. 729

أحمد فيه حسن (١). وقال ﷺ : "اللهم ارحم خلفائي، قلنا: يا رسول اللَّه ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي يروون أحاديثي ويعلمونها الناس" (٢) رواه الطبراني في الأوسط عن حديث ابن عباس ﵄. وفي حديث رواه ابن ماجة عن أبي سعيد ﵁: "سيأتيكم أقوام يطلبون العلم فإذا رأيتموهم فقولوا لهم: مرحبًا بوصية رسول اللَّه ﷺ (٣) (واقنوهم) " (٤).

стр. 730

وللنجم الغزي الشافعي العامري (١) -رحمه اللَّه تعالى-: لقد أوصى النبي الصحب يومًا ... بقوم يسألون العلم عنه إذا جاءوهم أن يكرموهم ... وينبوهم بما سمعوه منه فمن طلب الحديث فجل قدرًا ... ولا يدرك له كنه فكنه (٢) وللحافظ جلال الدين السيوطي -رحمه اللَّه تعالى-: من كان من أهل الحديث فإنه ... ذو نضرة في وجهه نور يسطع إن النبي دعا بنضرة وجه من ... أدى الحديث كما تحمل واتبع وله أيضًا ﵀: إن خفت يوم الحشر من هوله ... ورمت أن تحظى بكل المرام فعش على سنة خير الورى ... مقتفيًا أهل الحديث الكرام هم الألَى ينجون من هوله ... حين يقادون لدار السلام (٣) وإلى النوع الثاني وهو ما لا يقدرون على الطعن في رواته والتكلم في نقلته من

стр. 731

النصوص القرانية والأحاديث الصحيحة الشهيرة التي قد بلغت مبلغ التواتر أو كانت متواترة بالتحريف والتأويل بمقتضى رأيهم: فقال: (ودع) أي: أترك وذر (عنك) غير محتفل به ولا مكترث له، ولا مهتم به، يقال ودع الشيء يدعه ودعا إذا تركه. والنحاة يقولون: إن العرب أماتوا ماضي يدع ومصدره واستغنوا عنه بترك. والنبي ﷺ أفصح العرب وقد استعمله في قوله: "لينتهين (١) أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن اللَّه على قلوبهم" (٢). وإنما يحمل قولهم على قلة استعماله فهو شاذ في الاستعمال صحيح في القياس، وقد جاء في غير حديث حتى قرئ به (قوله تعالى) (٣) ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣] بالتخفيف (٤) وشذوذ الاستعمال إنما هو في الماضي منه ومصدره، وأما الأمر فشايع مشهور. (آراء الرجال): الآراء جمع رأي مصدر رأى رأيًا مهموز، وهو التفكر في مبادئ الأمور.

стр. 732

(ونظر) (١) عواقبها وعلم ما يؤول إليه من الخطأ والصواب. وأصحاب الرأي عند الفقهاء هم أصحاب القياس والتأويل كأصحاب أبي حنيفة، وأصحاب أبي الحسن الأشعري -رحمهم اللَّه تعالى- (٢) وهم (ضد أصحاب الظاهر (من) (٣) داود بن علي الأصبهاني) وأبي محمد بن حزم ومن اتبعهما. وأما أصحاب التأويل فهم ضد أصحابنا من أتباع المأثور والمرور كما جاء عن الشارع مع التفويض (٤) واعتقاد التنزيه عن التمثيل والتشبيه، فإن اللَّه تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وقد أنشد ابن حزم (٥) ﵀ لنفسه (٦): من عذيري من أناس جهلوا ... لم ظنوا أنهم أهل النظر ركبوا الرأي عنادًا فسروا ... في ظلام تاه فيه من غبر

стр. 733

وطريق الرشد نهج مهيع ... مثل ما أبصرت في الأفق القمر وهو الإجماع والنص الذي ... ليس إلا في كتاب أو أثر والرجال جمع رجل والمراد آراء مطلق الناس من ذكر بالغ أو غير بالغ، أو آراء النساء، ولكن لما كان الغالب أن يكون أصحاب الرأي رجالًا خصهم بالذكر (و) دع عنك (قولهم) لا تهتم به ولا تجعله لك مذهبا لأنه عرضة للخطأ وغير مضمون لأصحابه الصواب، ولكن إن كنت تبغي النجاة والفوز بالدرجات العالية والنعيم المقيم (فـ) أتبع (قول رسول اللَّه) ﷺ المعصوم من الزلل والخطأ والمضمون الإصابة في كل ما بلغه لأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. فهو (أزكى): أفعل تفضيل مأخوذ من زكى يزكو زكاء وزكرا نمى كأزكى أي أطهر وأصفى وأخلص من جميع أقوال الناس وآراءهم لأنه خرج من مشكاة نور الهداية وينبوع عين الفلاح. (وأشرح) أي أبين وأوضح وأوسع وأفسح من مقالات المتحذلقين وآراء المتعمقين وتأويلات المتنطعين فإنهم حرفوا النصوص عن مواضعها وأخرجوها عن معانيها وحقائقها بالرأى المجرد الذي حقيقته زبالة الأذهان ونحاتة الأفكار وعصارة الأوهام ووساوس الصدور وحوادس الخواطر فملأوا به الأوراق سوادًا والقلوب شكوكًا والعلم فسادًا، فكل من له مسكة من علم ودرية من فهم يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الآراء على الوحي والهوى عن النقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه ولا في أمة إلا وفسد أمرها أتم فساد (١).

стр. 734

وقد قال سيدنا الإمام أحمد ﵁: رأي فلان ورأي فلان ورأي فلان عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار (١). وروى ابن عبد البر (٢) بسنده عن عبد اللَّه الحافظ المتقن ابن الإمام أحمد عن أبيه ﵁ (٣): دين النبي محمد آثار ... نعم المطية للفتى الأخبار لا تعد عن علم الحديث وأهله ... فالرأي ليل والحديث نهار ولربما جهل الفتى طرق الهدى ... والشمس طالعة لها أنوار وقال غيره من أهل العلم (٤): العلم قال اللَّه قال رسوله ... قال الصحابة ليس خلف فيه ما العلم نصبك للخلاق سفاهة ... بين النصوص ودين رأي فقيه كلا ولا رد النصوص تعمدًا ... حذرًا من التجسيم والتشبيه حاشا النصوص من الذي رميت به ... من فرقة التعطيل والتمويه وقال أبو محمد هبة اللَّه (٥) بن الحسن الشيرازي -رحمه اللَّه تعالى- (٦):

стр. 735

عليك بأصحاب الحديث فإنهم ... على منهج للدين ما زال معلمًا وما النور إلا في الحديث وأهله ... إذا ما دجى الليل البهيم وأظلما وأعلى البرايا من إلى السنن اعتزى ... وأغوى البرايا من إلى البدع انتما ومن ترك الآثار قد ضل سعيه ... وهل يترك الآثار من كان مسلما وقال المجد بن أحمد الأربلي (١) -رحمه اللَّه تعالى-: إذا شئت أن تتوخى الهدى ... وأن تأتي الحق من بابه فدع كل قول ومن قاله ... لقول النبي وأصحابه فلم ينج من محدثات الأمور ... بغير الحديث وأصحابه (٢) وقال غيره: أحب الحديث وأصحابه ... وللفوز نفسي لهم راجية وسجاياهم عذبه المجتبى ... وعيشتهم رغدة راضية فإن ما دجت ليلة في الظلام ... فهم أنجم الليلة الداجية وإن ما نجت فرقة في المعاد ... فما هم سوى الفرقة الناجية وقال آخر (٣):

стр. 736

عليكم بالحديث فليس شيء ... يعادله على كل الجهات نصحت لكم فإن الدين نصح ... ولا أخفي (نصائح) (١) واجبات وجدنا في الرواية كل فقه ... وأحكام ومن (كل) (٢) اللغات (لذكر المسندات جعلت حفظي) (٣) ... وحفظ العلم خير العائدات أئمته (٤) النجوم وهل رشيد ... تكلم في النجوم الزاهرات (٥) وقال الأوزاعي (٦) عليك بالأثر وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول، فإن الأمر ينجلي وأنت على طريق مستقيم (٧). وقد روى الناظم ابن أبي داود رحمهما اللَّه تعالى قال: حدثنا عبد اللَّه بن أحمد ابن حنبل قال: سمعت أبي ﵁ يقول: لا تكاد ترى أحدًا نظر في الرأي إلا في قلبه دغل (٨).

стр. 737

وروي عن الحافظ عبد العظيم المنذري (١) قال: أنشدنا أبو الحسن المقدسي (٢) لنفسه (٣): أيا نفس بالمأثور عن خير مرسل ... وأصحابه والتابعين تمسكي عساك إذا بالغت في نشر دينه ... بما طاب من نشر له أن تمسكي وخافي غدًا يوم الحساب جهنما ... إذا نفحت نيرانها أن تمسك وأنشد الشيخ أبو طاهر الأصبهاني (٤) بسنده لبعض الفضلاء (٥): قناديل دين اللَّه تسعى بحملها ... رجال بهم يحيا حديث محمد هم حملوا الآثار عن كل عالم ... تقي صدوق فاضل متعبد محابرهم زهر تضيئ كأنها ... قناديل حبر ناسك وسط مسجد تساق إلى من كان بالفقه عالمًا ... ومن صنف الأحكام من كل مسند وكم وكم في مدح المأثور من منظوم ومنثور واللَّه ولي الأمور. تنبيه: المذموم من الرأي، هو الذي لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا قياس جلي، أو كان قياسًا ولو جليًا في مقابلة نص فمذموم أيضًا.

стр. 738

والحاصل أن الرأي المذموم هو الذي مستنده الحدس والتخمين والخرص والتفكير، فهذا الذي ذمه السلف وعابوه وحذروا منه (وأنبوّة) (١) بخلاف الرأي المستند إلى استدلال واستنباط من النص وحده، أو من نص آخر معه في الأحكام فهذا من أحسن فهم النصوص وأدقه وأنفعه، وكل ما ورد عن السلف مما يشعر بمدح الرأي وقبوله فالمراد به هذا، وما يشعر بالذم والتحذير فالمراد به الأول (٢) واللَّه أعلم. ثم قال الناظم -رحمه اللَّه تعالى- (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بما في جوابه من فعل وشبهه على المشهور. و (ما): زائدة لمزيد إثبات ما بعدها. (اعتقدت): الاعتقاد هو حكم الذهن الجازم فإن وافق الواقع فهو اعتقاد صحيح، وإن خالف الراقع في نفس الأمر فهو اعتقاد فاسد وحاصل تعريف الاعتقاد: أنه أمر خبري يحتصل متعلقه النقيض عند الذاكر على الفرض والتقدير ثم ينظر فإن طابق هذا الاعتقاد لما في نفس الأمر فهو اعتقاد صحيح وإلا ففاسد، وتقدم في صدر الشرح لهذه المنظومة ما لعله يشفي ويكفي (٣). (الدهر)؛ أي مد الزمان الطويل والأمد الممدود وهو بفتح الدال المهملة وسكون الهاء وقد تفتح أمد مفعولات اللَّه في الدنيا أو فعله لما قبل الموت.

стр. 739

وزعم الدهرية والمعطة أن الدهر حركات الفلك وأمد العالم ولا شيء عندهم سواه، وهذا خطأ فاحش وكفر عظيم، وإنما الدهر هو الزمان وهو مخلوق من جملة خلق اللَّه تعالى، وغلط من عد من أسمائه تعالى وتقدس (١) والجمع أدهر ودهور. (يا صاح): مرخم صاحب وهو شاذ لعدم علميته، ولكنه استعمل كثيرًا. (هذه): الأصول المذكورة في هذه المنظومة فإنه ضمنها جملة صالحة من المسائل الاعتقادية السلفية التي قد خالف فيها أكثر الناس من المعتزلة والقدرية والجبرية والخوارج والروافض والمرجئة والجهمية والفلاسفة والملاحدة ومن نحا نحوهم. وقد أشرنا إلى خلاف كل طائفة من هؤلاء في الأصل الذي خالفوا أهل السلف وأصحاب الأثر فيه فراجعه تظفر بما تريد.

стр. 740

(فأنت): الفاء في جواب إذا وأنت مبتدأ، كائن. (على خير): ومستمر على هدى لتمسكك بالمأثور واعتقادك ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين المعول عليهم دون رأي فلان ونظر فلان. (تبيت): في خير وأمن مطمئن القلب سالم من شكوك المتكلمة وظنون المتحذلقة وخواطر الملحدة وأفكار النظار، قد اتبعت المأثور واقتفيت الرعيل الأول، والصدر الذي عليه المعول والرب المشكور. (وتصبح): في أمن وأمان (واطمأنينة) (١) صدر وعرفان لا تستفزك الأشكال الفلسفية ولا القواعد الاعتزالية ولا الخواطر السالمية، ولا المقدمات الكلامية، قد ألجأت ظهرك وأسندته إلى ركن وثيق، وأدخلت قلبك في حصن حصين سالم من الدخل والضيق، وجعلت معولك على الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح والتابعون لهم بإحسان من أهل العلم والتحقيق واعتقدت أن النجاة كل النجاة في اقتفاء آثارهم والتعويل على أخبارهم، دون ما اعتمده كل متحذلق وملحد وزنديق، فإن من لم يسلم لم يسلم ومن لم يقتف السلف لم يربح ولم يغنم. واللَّه أعلم. جاء في نسخة الأصل ما يلي: قال شيخنا الشيخ محمد السفاريني فرغت من تعليقه بعون اللَّه تعالى وتوفيقه نهار السبت لعشر بقيت من شعبان من شهور سنة ألف ومائة و (ست) (٢) وسبعين من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام.
следующие страницы →