← Акыда

Акыда · id 16618

لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية

السفاريني

Полный текст (799 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

الإيمان" ذكره البخاري في صحيحه (١). وقد دل على دخول الأعمال في الإيمان قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وفي الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال لوفد عبد القيس: "آمركم بأربع: الإيمان باللَّه، وهل تدرون ما الإيمان باللَّه؟ شهاده أن لا إله إلا اللَّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا من المغانم الخمس" (٢). وفي الصحيحين أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا اللَّه، وأدناها

стр. 667

إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (١). قال شيخ الإسلام -روح اللَّه روحه-: قال (أبو القاسم) (٢) الأنصاري شيخ الشهرستاني في شرح الإرشاد لأبي المعالى (٣) بعد أن ذكر قول أصحابه الأشاعرة من أن الإيمان مجرد التصديق. وذهب أهل الأثر إلى أن الإيمان جميع الطاعات فرضها ونفلها وعبروا عنه بأنه: إتيان ما أمر اللَّه فرضًا ونفلًا والانتهاء عما نهى عنه تحريمًا وأدبًا، قال: وبهذا كان يقول أبو علي الثقفي (٤) من متقدمي أصحابنا وأبو العباس القلانسي (٥).

стр. 668

وقد مال إلى هذا المذهب أبو عبد اللَّه بن مجاهد (١) وهذا قول مالك بن أنس (٢) إمام دار الهجرة ومعظم أئمة السلف ﵃ فكانوا يقولون: الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان" (٣). زاد بعض السلف من أهل السنة: واتباع السنة لأن العمل لا يكون محبوبًا للَّه تعالى إلا بذلك. كما قال سهل بن عبد اللَّه التستري (٤): "الإيمان قول وعمل ونية وسنة لأن الإيمان إن كان قولًا بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولًا وعملًا بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولًا وعملًا ونية بلا سنة فهو بدعة" (٥). قال شيخ الإسلام -روح اللَّه روحه-: "الإيمان الذي أصله في القلب لابد فيه من شيئين: تصديق القلب وإقراره ومعرفته، ويقال لهذا قول القلب، فإذا كان في القلب معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة فلا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب، ولهذا قال ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة

стр. 669

إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب" (١). وقال أبو هريرة ﵁: "القلب ملك والأعضاء جنوده" (٢). قال شيخ الإسلام: "لابد في الإيمان القلبي من حب اللَّه ورسوله وأن يكون اللَّه ورسوله أحب إليه مما سراهما، والمحبة تستلزم إرادة والإرادة التامة مع القدرة تستلزم الفعل فيمتنع أن يكون الإنسان محبًا للَّه ورسوله مريدًا لما يحبه اللَّه ورسوله إرادة جازمة مع قدرته على ذلك وهو لا يفعله. فإذا لم يتكلم بالإيمان مع قدرته دل على أنه ليس في قلبه الإيمان الواجب الذي فرضه اللَّه عليه. ومن هنا يظهر خطأ قول جهم ومن وافقه حيث ظنوا أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعمله ثم جعلوا إيمان القلب هو الإيمان وظنوا أنه قد يكون الإنسان مؤمنا كامل الإيمان بقلبه، وهو مع هذا يسب اللَّه ورسوله ويعادي أولياء اللَّه ويوالي أعداء اللَّه ويقتل الأنبياء ويهدم المساجد ويهين المصاحف ويكرم الكفار ويهين المؤمنين. قالوا: وهذه كلها معاصي لا تنافي الإيمان الذي في القلب، بل يفعل هذا وهو عند اللَّه مؤمن في الباطن.

стр. 670

قالوا: وإنما تثبت له في الدنيا أحكام الكافر، لأن هذه الأقوال والأفعال أمارة على الكفر فيحكم بالظاهر، كما يحكم بالإقرار والشهود، وإن كان الباطن قد يكون بخلاف ما أقر به وشهد الشهود به. فإذا أورد عليهم الكتاب والسنة والإجماع على أن الواحد من هؤلاء كافر في نفس الأمر معذبًا في الآخرة. قالوا: هذا دليل على انتفاء التصديق، والعلم من قلبه والكفر عندهم شيء واحد وهو الجهل، والإيمان شيء واحد وهو العلم. وربما قالوا: الكفر تكذيب القلب والإيمان تصديقه فإنهم متنازعون، هل تصديق القلب شيء غير العلم أو هو هو (١). قال شيخ الإسلام: "وهذا القول مع أنه أفسد قول قيل في الإيمان، فقد ذهب إليه كثير من أهل الكلام، قال وقد كَفَّرَ السلف كوكيع (٢) بن الجراح والإمام أحمد وأبي عبيد (٣) وغيرهم ﵃ من يقول بهذا القول". وقالوا: إبليس كافر بنص القرآن، وإنما كفره باستكباره وامتناعه من السجود لآدم لا لكونه كذب خبرًا، وكذلك فرعون وقومه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]. وقال موسى ﵇ لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢].

стр. 671

فموسى هو الصادق المصدوق يقول لفرعون؛ لقد علمت ما أنزل هؤلاء يعني الآيات البينات إلا رب السموات والأرض بصائر. فدل على أن فرعون كان عالمًا بأن اللَّه تعالى أنزل هذه الآيات، وهو من أكثر خلق اللَّه عنادًا وبغيًا وفسادًا لفساد إرادته وقصده لا لعدم علمه" (١). قال شيخ الإسلام وهؤلاء غلطوا في أصلين: أحدهما: أنهم ظنوا أن الإيمان مجرد تصديق وعلم فقط ليس معه عمل وحال وحركة وإرادة ومحبة وخشية، وهذا من أعظم غلط المرجئة مطلقًا، فإن أعمال القلوب التي يسميها بعض الصوفية أحوالًا ومقامات أو منازل السائرين إلى اللَّه أو مقامات العارفين أو غير ذلك كلما فيها مما فرضه اللَّه ورسوله فهو في الإيمان الواجب وكل ما فيه مما أحبه اللَّه ورسوله، ولم يفرضه فهو من الإيمان المستحب. فالأول: لابد لكل مؤمن منه ومن اقتصر عليه فهو من الأبرار أصحاب اليمين. والثاني: للمقربين السابقين. والأصل الثاني: الذي غلطوا فيه: ظنهم أن كل من حكم الشارع أنه كافر مخلد في النار، فإنما ذاك لأنه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق. وهذا أمر خالفوا فيه الحس والعقل والشرع وما أجمع عليه طوائف بني آدم السليمي الفطرة وجماهير النظار فإن الإنسان قد يعرف الحق مع غيره ومع هذا يجحد ذلك لحسده إياه أو لطلب علوه عليه أو لهوى النفس، ويحمله ذلك على أن يعتدى عليه ويرد ما يقول بكل طريق وهو في قلبه يعلم أن الحق معه وعامة من كذب الرسل علموا أن الحق معهم وأنهم صادقون لكن الحسد وإرادة العلو والرياسة

стр. 672

وحبهم لما هم عليهم والفهم لما ارتكبوا أوجب لهم التكذيب والمعاداة لهم" (١). فإن قلت: إذا كان الإيمان المطلق يتناول جميع ما أمر اللَّه به ورسوله ﷺ فمتى ذهب بعض ذلك بطل الإيمان فيلزم تكفير أهل المعاصي كما هو قول الخوارج، أو تخليدهم في النار وسلبهم اسم الإيمان بالكلية كما هو قول المعتزلة، وكلا القولين باطل خبيث وهو شر من قول المرجئة، فإن من المرجئة جماعة من العباد والعلماء المذكورين عند (الأمة) (٢) بخير. وأما الخوارج والمعتزلة فأهل السنة من جميع الطوائف مطبقين على ذمهم. فالجواب: أولًا ينبغى أن يعرف أن القول الذي لم يوافق الخوارج والمعتزلة عليه أحد من أهل السنة، هو القول بتخليد أهل الكبائر في النار فإن هذا القول من البدع المشهورة. وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين على أنه لا يخلد في النار أحد ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، واتفقوا على أن نبينا ﷺ يشفع فيمن يأذن اللَّه له بالشفاعة فيهم من عصاة الموحدين وأهل الكبائر من أمته" (٣) كما تقدم (٤). "ومن بدع الخوارج الخارجة تكفيرهم المسلم بالذنب. وسلب المعتزلة عنه اسم الإيمان فهو عندهم ليس بمسلم ولا كافر كما تقدم (٥).

стр. 673

وهذه بدع قبيحة مخالفة للسنة والصحابة والتابعين لهم ولأئمة السلف من أهل السنة والجماعة، والحق مذهب أهل الحق أنه مؤمن ناقص الإيمان فهو مؤمن، بإيمانه فاسق بمعصيته فلا يعطى الاسم المطلق من الإيمان ولا يسلب مطلق الاسم". "وأما (١) قول القائل إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله فممنوع، وهذا مع كونه باطلًا فاسدًا ممنوعًا فهو الأصل الذي تفرعت منه البدع في الإيمان فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله. ثم قالت الخوارج والمعتزلة: الإيمان هو مجموع ما أمر اللَّه به ورسوله وهو الإيمان المطلق -كما قاله أهل الحديث- قالوا: فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء فيخلد في النار. وقالت المرجئة على اختلاف فرقهم لا يذهب من الإيمان شيء لا بارتكاب الكبائر ولا بترك الواجبات الظاهرة إذ لو ذهب منه شيء لم يبق منه شيء فيكون شيئًا واحدًا يستوى فيه -عندهم- البر والفاجر" (٢). ومذهب أهل الحق من السلف ومن وافقهم: أن الإيمان يتفاضل فيزيد وينقص. ولذا قال الناظم -رحمه اللَّه تعالى-: (وينقص): أي الإيمان يعني إيمان العبد المؤمن. (طورًا): أي حالًا ومرة ويجمع الطور على أطوار.

стр. 674

قال في القاموس: الطور: التارة (١). وفي حديث سطيح: (٢) "فإن ذاك الدهر أطوار دهارير" (٣). قال في النهاية: "الأطوار: الحالات المختلفة والتارات والحدود واحدها طور أي مرة ملك ومرة هلك ومرة بؤس ومرة نعم" (٤). (بالمعاصي): جمع معصية وهي ما يذم مرتكبها من كبيرة وصغيرة. (وتارة): أي مرة ونوبة، قال في القاموس: التارة: المرة ترك همزها لكثرة الاستعمال والجمع تير" (٥). (بطاعته): أي العبد المؤمن من ذكر وأنثى. (ينمو): أي يزيد، يقال نمى الشيء ينمو نموًا زاد وارتفع وكثر. (وفي الوزن): أي الميزان. (يرجح): ويثقل لزيادته بالطاعات. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه شرح الإيمان والإسلام، مذهب أهل السنة والحديث على أن الإيمان يتفاضل وجمهورهم يقول: يزيد وينقص. ومنهم من يقول: يزيد ولا يقول ينقص. كما يروى عن الإمام مالك في إحدى الروايتين.

стр. 675

ومنهم من يقتصر على القول بأنه يتفاضل كالإمام عبد اللَّه بن المبارك. وقد ثبت لفظ الزيادة والنقصان في الإيمان عن الصحابة ﵃ ولم يعلم لهم فيه مخالف منهم، وقد نطق القرآن بالزيادة في الإيمان في عدة آيات كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]. قال شيخ الإسلام: "وهذا يجده المؤمن إذا تليت عليه الآيات ازداد قلبه بفهم القرآن ومعرفة معانية من علم الإيمان ما لم يكن حتى كأنه لم يسمع الآية إلا حينئذ ويحصل في قلبه من الرغبة في الخير والرهبة من الشر ما لم يكن فيزداد علمه باللَّه ومحبته لطاعته وهذا زيادة الإيمان. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. فهذه الزيادة عند (تخويفهم) (١) بالعدو لم يكن عند آية نزلت فازدادوا يقينًا وتوكلًا على اللَّه وثباتًا على الجهاد وتوحيدًا بأن لا يخافوا المخلوق بل خافون اللَّه الخالق وحده. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]. وهذه الزيادة ليست مجرد التصديق بأن اللَّه أنزلها بل زادتهم بحسب مقتضاها فإن كانت أمرًا بالجهاد وغيره ازدادوا رغبة فيه، وإن كانت نهيًا عن شيء انتهوا عنه فكرهوه. ولهذا قال: ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ والاستبشار غير مجرد التصديق.

стр. 676

وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]. وهذه نزلت لما رجع النبي ﷺ هو وأصحابه من الحديبية فجعل السكينة موجبة لزيادة الإيمان، والسكينة هي الطمأنينة في القلب (١). وقوله تعالى: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] هداه لقلبه زيادة في إيمانه، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]. وقد روي من وجوه كثيرة شهيرة عن حماد بن سلمة (٢) عن أبي جعفر (٣) عن جده عمير (٤) بن حبيب الخطمي -وهو من الصحابة ﵃ أنه قال: "الإيمان يزيد وينقص، قيل: وما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا اللَّه تعالى ووحدناه وسبحناه فتلك زيادته وإذ غفلنا ونسينا فذاك نقصانه" (٥).

стр. 677

وكذا قال أبو الدرداء ﵁: "الإيمان يزيد وينقص" (١). وروى سيدنا الإمام أحمد ثنا يزيد ثنا جرير في عثمان قال: سمعت أشياخنا أو بعض أشياخنا أن أبا الدرداء قال: "إن من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أنه يزداد إيمانه أم ينقص وأن من فقه العبد أن يعلم نزغات الشيطان أنى يأتيه" (٢).

стр. 678

وروى إسماعيل بن عياش عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: "الإيمان يزيد وينقص" (١). وروى الإمام أحمد عن (ذر) (٢) قال: "كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لأصحابه: "هلموا نزداد إيمانًا فيذكرون اللَّه " (٣). وقال أبو عبيد (٤) في "الغريب" في حديث علي ﵁: إن الإيمان يبدو لمظة في القلب كلما ازداد الإيمان ازدادت اللمظة" (٥).

стр. 679

قال الأصمعي (١): "اللمظة مثل النكتة أو نحوها" (٢). وفي نهاية ابن الأثير في حديث علي: "الايمان يبدو في القلوب لمظة" اللمظة بالضم مثل النكتة من البياض ومنه فرس ألمظ إذا كان بجحفلته بياض يسير" (٣). والجحفلة بتقديم الجيم على الحاء المهملة للخيل بمنزلة الشفة وهي خاصة بالخيل والبغال والحمير (٤). وروى الإمام أحمد عن عبد اللَّه بن عكيم قال: سمعت ابن مسعود يقول في دعائه: "اللهم زدنا وإيمانًا ويقينًا وفقهًا" (٥) وصح عن عمار بن ياسر أنه قال: "ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان:

стр. 680

إنصاف من نفسه، والإنفاق من الإقتار، وبذل السلام للعالم". ذكره البخاري في صحيحه. (١). وقال ابن عمر وجندب بن عبد اللَّه وغيرهما من الصحابة تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فأزددنا إيمانًا" (٢). والآثار في هذا كثيرة جدًا -كما قال شيخ الإسلام روح اللَّه روحه- رواها المصنفون لآثار الصحابة في هذا الباب (٣) قال: (٤) وزيادة الإيمان من وجوه منها الإجمال والتفصيل فيما أمروا به فإنه وإن وجب على جميع الخلق الإيمان باللَّه

стр. 681

ورسوله، ووجب على كل أمة التزام ما يأمر (١) به رسولهم مجملًا، فمعلوم أنه لم يجب في أول الأمر ما وجب بعد نزول القرآن كله ولا يجب على كل عبد من الإيمان المفصل مما أخبر به الرسول ما يجب على من بلغه خبره فمن عرف القرآن والسنن ومعانيهما لزمه من الإيمان المفصل بذلك ما لم يلزم غيره. ولو آمن الشخص باللَّه والرسول باطنًا وظاهرًا ثم مات قبل أن يعرف شرائع الدين مات مؤمنًا بما وجب عليه من الإيمان وليس ما وجب عليه وما وقع منه مثل إيمان من عرف الشرائع فآمن بها وعمل بها بل إيمان هذا أكمل وجوبًا ووقوعًا. وأما قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. فالمراد في (٢) التشريع بالأمر والنهي لا أن كل واحد من الأمة وجب عليه ما يجب على سائر الأمة وأنه فعل ذلك، بل الناس متفاضلون في الإيمان أعظم تفاضل. ومنها الإجمال والتفصيل فيما وقع منهم فمن طلب علم التفصيل وعمل به فإيمانه أكمل ممن عرف ما يجب عليه والتزم به وأقر به ولم يعمل بذلك كله، وهذا الشخص المقر المقصر في العمل إنْ اعترف بذنبه وكان خائفًا من عقوبة ربه على ترك العمل أكمل إيمانًا ممن لم طب معرفة ما أمر به الرسول، ولا عمل بذلك ولا هو خائف أن يعاقب، بل هو في غفلة عن تفصيل ما جاء به الرسول مع أنه مقر بنبوته باطنًا وظاهرًا، فكل ما علم القلب بما جاء به الرسول فصدقه وما أمر به فالتزمه كان ذلك زيادة في إيمانه على من لم يحصل له ذلك، وإن كان معه إقرار عام وإلزام. وكذلك من عرف أسماء اللَّه تعالى ومعانيها فآمن بها، كان إيمانه أكمل ممن لم

стр. 682

يعرف تلك الأسماء، بل آمن بها إيمانًا مجملًا أو عرف بعضها. وكلما ازداد الإنسان معرفة بأسماء اللَّه تعالى وصفات وآياته كان إيمانه أكمل. ومنها أن العلم والتصديق يكون بعضه أقوى من بعض وأثبت وأبعد عن الشك والريب وهذا أمر مشهود لكل ذي لب كما أن الحس الظاهر بالشيء الواحد مثل رؤية الناس الهلال وإن اشتركوا فيها فبعضهم تكون رؤيته أتم من بعض وكذلك سماع الصوت وشم الرائحة الواحدة وذوق النوع الواحد من الطعام، فكذلك معرفة القلب وتصديقه يتفاضل أعظم من ذلك من وجوه متعدده. (والمعاني) (١) التي يؤمن بها من معاني أسماء اللَّه تعالى وكلامه يتفاضل الناس في معرفة ذلك أعظم من تفاضلهم في معرفة غيرها. ومنها أن التصديق المستلزم لعمل القلب أكمل من التصديق الذي لا يستلزم عمله. فالعلم الذي يعمل به صاحبه أكمل من العلم الذي لا يعمل به فهذا علمه أوجب له محبة اللَّه تعالى وخشيته والرغبة فيما عنده من الرضوان والنعيم والجنة والهرب من النار. والذي لم يعمل بعلمه لم يوجب له ذلك مع أن كلًا منهما يعلم أن اللَّه حق والرسول حق والجنة حق والنار حق، فعلم الأول أكمل لأن قوة المسبب تدل على قوة السبب. وقد نشأت هذه الأمور عن العلم، فالعلم بالمحبوب يستلزم طلبه، والعلم بالمخوف

стр. 683

يستلزم الهرب منه، فإذا لم يحصل اللازم دل على ضعف الملزوم. ولهذا قال ﷺ : "ليس "المخبر" (١) كالمعاين (٢) فإن موسى ﵇ لما أخبره ربه أنّ قومه عبدوا العجل لم يلق الألواح، فلما رآهم عاكفين على عبادته ألقاها. وليس ذلك لشك موسى في خبر اللَّه لكن المخبر وإن جزم بصدق الخبر فقد لا يتصور المخبر به في نفسه كما يتصوره إذا عاينه، ولهذا جعلوا اليقين ثلاثة أنواع: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين. ومنها أن الأعمال الظاهرة والباطنة من الإيمان والناس يتفاضلون في ذلك عيانًا (٣). وعلى كل حال الناس متفاضلون في الإيمان تفاضلًا ظاهرًا لا يخفى على ذي حس وعلم. ولهذا كان ما عليه سلف الأمة وجل الأئمة: أن الإيمان: قول وعمل ونية يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. قال الإمام عبد البر (٤) في التمهيد: "أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان

стр. 684

قول وعمل ولا عمل إلا بنية قال: والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان إلا ما ذكر عن أبي حنيفة (١) وأصحابه فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعات لا تسمى إيمانًا، قالوا إنما الإيمان التصديق والإقرار ومنهم من زاد المعرفة" (٢) وذكر ما احتجوا به إلى أن قال: "وأما سائر الفقهاء من أهل الرأي والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر منهم مالك (٣)؛ والليث (٤) بن سعد، وسفيان (٥) الثوري، والأوزاعي (٦)؛ والشافعي (٧)؛ وأحمد بن حنبل (٨)، وإسحاق (٩) بن راهويه، وأبو عبيد (١٠) القاسم بن سلام، وداود بن علي الظاهري (١١)؛ والطبري (١٢) ومن سلك سبيلهم قالوا: الإيمان قول وعمل، قول باللسان وهو الإقرار، واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح مع الإخلاص بالنية الصادقة.

стр. 685

وقالوا: كل ما يطاع اللَّه به من فريضة ونافلة فهو من الإيمان، قالوا: والإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي. قال: وأهل الذنوب عندهم مؤمنون غير مستكملى الإيمان -كما مر- ألا ترى إلى قوله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (١) الحديث: يريد مستكمل الإيمان ولم يرد به نفى جميع الإيمان عن فاعل ذلك بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر، إذا صلوا إلى القبلة وانتحلوا دعوة المسلمين من قراباتهم المؤمنين الذين ليسوا بتلك الأحوال" (٢). ثم قال: وعلى أن الإيمان يزيد وينقص يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية جماعة أهل الآثار والفقهاء أهل الفتيا في الأمصار. قال: "وهذا مذهب الجماعة من أهل الحديث والحمد للَّه" (٣). ثم رد على المرجئة وعلى الخوارج والمعتزلة بالموارثة وبحديث عبادة بن الصامت "من أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له" (٤). وقال: الإيمان مراتب بعضها فوق بعض فليس ناقص الإيمان ككامله، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ

стр. 686

زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] إلى قوله: ﴿حَقًّا﴾ أي هم المؤمنون حقًا. ومنه قول النبي ﷺ في عدة أحاديث: "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا" رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم من حديث أبي هريرة ﵁ (١). وروى الترمذي وابن حبان عن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وخياركم خياركم لنسائهم" (٢) إلي غير ذلك من الأحاديث. ومعلوم أن هذا لا يكون أكمل حتى يكون غيره أنقص منه وقوله ﷺ : "أوثق عرى الإيمان الحب في اللَّه" رواه الطبراني من حديث ابن عباس ﵄ (٣).

стр. 687

وقوله ﷺ : "لا إيمان لمن لا أمانة له" (١). فهذه الأحاديث تدل على أن بعض الإيمان أوثق وأكمل من بعض" (٢). وكذلك ذكر أبو عمر الطلمنكي (٣) إجماع أهل السنة على أن الإيمان قول وعمل ونية (٤). قال شيخ الإسلام: "ولما صنف الفخر الرازي (٥) " مناقب الإمام الشافعي ﵁ ذكر قوله في الإيمان: أنه إقرار باللسان وعقد بالجنان وعمل بالأركان (٦) كقول الصحابة والتابعين.

стр. 688

(استشكل قول الشافعي جدًا لأنه كان فد انعقد في نفسه شبهة) (١) أهل البدع في الإيمان من الخوارج والمعتزلة والجهمية والكرامية وسائر المرجئة وهو أن الشيء المركب إذا زال بعض أجزائه لزم زواله كله". قال شيخ الإسلام: "لكن الرازي لم يذكر إلا ظاهر شبهتهم". وأجاب شيخ الإسلام -قدس اللَّه روحه-: بأنه يسلم له أن الهيئة الاجتماعية لم تبق مجتمعه كما كانت لكن لا يلزم من زوال بعضها زوال سائر أجزائها" (٢). -يعني كبدن الإنسان إذا ذهب منه أصبع أو يد أو رجل ونحو ذلك لم يخرج عن كونه إنسانًا بالاتفاق، وإنما يقال له إنسان ناقص- (٣). والشافعي كسائر السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان والأئمة المقتدى بهم يقولون: إن الذنب يقدح في كمال الإيمان، ولهذا نفى الشارع الإيمان عن هؤلاء كالزاني والسارق وشارب الحمر ونحوهم، فإن ذلك المجموع الذي هو الإيمان الكامل لم يبق مجموعًا مع الذنوب لكن يقولون: بقى (٤) بعضه إما أصله، وإما أكثره وإما غير ذلك فيعود الكلام إلى أنه يذهب بعضه ويبقى بعضه.

стр. 689

ولهذا كانت المرجئة تنفر من لفظ النقص أعظم من نفورها من لفظ الزيادة، لأنهم يزعمون أنه إذا نقص لزم ذهابه كله عندهم إن كان متبعضًا متعددًا عند من يقول بذلك وهم الخوارج والمعتزلة. وأما الجهمية فهو واحد عندهم، فلا يقبل التعدد فيثبتون واحدًا لا حقيقة له كما قالوا مثل ذلك في وحدانية الرب ووحدانية صفاته عند من أثبتها منهم. والأصل الذي أوقعهم في هذا اعتقادهم أنه لا يجتمع في الإنسان بعض الكفر وبعض الإيمان أو ما هو كفر وما هو إيمان. وزعموا أن هذا متفق عليه بين المسلمين كما ذكر ذلك أبو حسن الأشعري وغيره من النظار (١). ولأجل اعتقادهم هذا الإجماع وقعوا فيما هو مخالف للإجماع الحقيقي إجماع السلف الذي ذكره غير واحد من الأئمة، بل وصرح غير واحد بكفر من قال بقول جهم في الإيمان (٢). قال شيخ الإسلام: وقد قال لي بعضهم مرة الإيمان من حيث هو إيمان لا يقبل الزيادة والنقصان فقلت له: قولك من حيث هو كقولك (الإنسان) (٣) من حيث (هو) (٣) إنسان، و (الحيوان) (٣) من حيث (هو) (٣) حيوان و (الوجود) (٣) من حيث هو وجود فتثبت (٤) لهذه المسميات وجودًا مطلقًا عن جميع القيود والصفات

стр. 690

وهذا لا حقيقة له في الخارج وإنما هو شيء يقدره الإنسان في ذهنه كما يقدر موجودًا لا قديمًا ولا حادثًا ولا قائما بنفسه ولا بغيره والماهيات من حيث هي هي شيء يقدر في الأذهان لا في العيان. وهكذا تقدير إيمان لا يتصف به مؤمن بل هو مجرد عن كل قيد، بل ما تم إيمان في الخارج إلا مع المؤمنين كما لا (١) ثم إنسانية في الخارج إلا ما أتصف بها الإنسان. فكل إنسان له إنسانية تخصه، وكل مؤمن له إيمان يخصه فإنسانية زيد تشبه إنسانية عمرو، وليست هي هي والاشتراك إنما هو في أمر كلي مطلق يوجد في الأذهان دون الأعيان، فلا وجود له في الخارج إلا في ضمن أفراده، فإذا قيل إيمان زيد مثل إيمان عمرو فإيمان كل واحد يخصه، وذلك الإيمان يقبل الزيادة والنقصان، ومن نفى التفاضل تصور في نفسه إيمانًا مطلقًا كما يتصور إنسانًا مطلقًا، ووجودًا مطلقًا عن جميع الصفات المعينة له ثم يظن أن هذا هو الإيمان الموجود في الناس، وذلك لا يقبل التفاضل بل لا يقبل في نفسه التعدد إذْ هو تصور معين قائم في نفس متصوره. ولهذا يظن كثير من هؤلاء أن الأمور المشتركة في شيء واحد هي واحدة في الشخص والعين حتى انتهى الأمر بطائفة من علمائهم علمًا وعبادة إلى أن جعلوا الوجود كذلك فتصوروا أن الموجودات مشتركة في مسمى الوجود وتصوروا هذا في أنفسهم فظنوه في الخارج كما هو في أنفسهم ثم ظنوا أنه اللَّه تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا". فجعلوا رب العالمين هو هذا الوجود الذي لا يوجد قط إلا في نفس متصوره لا

стр. 691

يكون في الخارج أبدًا وهكذا كثير من الفلاسفة تصوروا (١) أعدادًا مجرده وحقائق مجرده ويسمونها المثل الأفلاطونية وزمانًا مجردًا عن الحركة والمتحرك، وبعدًا مجردًا عن الأجسام وصفاتها ثم ظنوا وجود ذلك في الخارج". قال: "وهؤلاء كلهم اشتبه عليهم ما في أذهانهم بما في الأعيان" (٢). وتولد من هذا بدع ومفاسد كثيرة واللَّه المستعان. قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: "ذهب السلف إلى أن الإيمان يزيد وينقص وأنكر ذلك أكثر المتكلمين". قال الإمام النووي: "والأظهر المختار أن التصديق يزيد وينقص بكثرة النظر ووضوح الأدلة، ولهذا كان إيمان الصديق أقوى من إيمان غيره بحيث لا تعتريه الشبهة (٣) ". قال (٤) (ويؤيده) أن كل واحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى أنه يكون في بعض الأحيان أعظم يقينًا وإخلاصًا وتوكلًا منه في بعضها، وكذلك في التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها". وما نقل عن السلف يعني أن الإيمان يزيد وينقص صرح به عبد الرزاق (٥) في

стр. 692

مصنفه عن سفيان الثوري (١)؛ ومالك بن أنس (٢)؛ والأوزاعي (٣)؛ وابن جريج (٤)؛ ومعمر (٥)؛ وغيرهم وهؤلاء فقهاء الأمصار في عصرهم. وكذا نقله أبو القاسم اللآلكائي (٦) في كتاب السنة عن الشافعي (٧)، وأحمد (٨) بن حنبل، وإسحاق بن راهويه (٩)؛ وأبي عبيد (١٠)؛ وغيرهم من الأئمة (١١). و (يروى) (١٢) بسند صحيح عن البخاري (١٣) قال: لقيت أكثر من ألف

стр. 693

رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدًا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص (١) وأطنب ابن أبي حاتم (٢) واللآلكائي في نقل ذلك بالأسانيد عن جمع كثير من الصحاية والتابعين وكل من يدور عليه الإجماع من الأئمة (٣)، وحكاه فضيل بن عياض (٤)، ووكيع (٥)، عن أهل السنة" (٦). وقد روى الإمام أحمد في المسند من حديث معاذ بن جبل مرفوعًا: "الإيمان يزيد وينقص" (٧). وأخرجه الديلمي في "مسند الفردوس" من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا أيضًا (٨).

стр. 694

وتقدم ما نقلناه من الآثار عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين من أهل السنة والجماعة المعتبرين وأئمة الحدث وأعلام علماء الصوفية أهل المعرفة والتمكين بأن الإيمان قول باللسان وعقد بالجنان وعمل بالأركان يزيد بالطاعة ويضعف بالعصيان واللَّه ولي الإحسان (١). ولما ذكر الناظم -رحمه اللَّه تعالى- الإيمان وأنه قول وفعل ونية وأنه يزيد وينقص بعد نهيه عن القول بتكفير أهل الصلاة وإن اقترفوا كبائر الذنوب أردف ذلك بالنهي عن اعتقاد رأى الخوارج فقال: (ولا تعتقد) بجنانك. . . (٢) (رأى الخوارج): جمع خارج وأصلهم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وفارقوه

стр. 695

بسبب التحكيم كما مر وكانوا اثنى عشر ألفًا فأرسل إليهم ابن عباس ﵄ فجادلهم ووعظهم فرجع بعضهم وأصر على المخالفة آخرون. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق" (١) فقتلهم أمير المؤمنين علي ﵁ وطائفته وقال ﷺ في حق الخوارج المارقين: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا عند اللَّه تعالى لمن قتلهم يوم القيامة" (٢). وقد روى مسلم أحاديثهم في صحيحه من عشرة أوجه (٣). واتفق الصحابة ﵃ على قتالهم وفرح علي بقتالهم وأخبر أن النبي ﷺ أمره به (٤). ولما قيل له ﵁: الحمد للَّه الذي أراح (٥) منهم العباد قال: كلا والذي نفسي بيده إن منهم لفي أصلاب الرجال، وإن منهم لمن يكون مع الدجال (٦).

стр. 696

ولقبح سيرتهم وخبث سريرتهم قال الناظم -رحمه اللَّه تعالى-: (إنه) أي رأي الخوارج الذي هو اعتقادهم الخارج. (مقالٌ): شنيع ورأى فظيع (لمن) أي لكل (١) إنسان. (يهواه): ويميل إلى صريحه وفحواه وينحو منحاه. (يرديه): في مهاوى هواه (ويفضحه) في الآخرة عند مولاه، ولا ينفعه ما ألحمه (٢) وأسداه وينكشف ستره ويظهر مغطاه ولا ينفعه الندم عند زلة القدم ولا قوله يا ويلتاه. وهؤلاء تشعبوا إلى (سبع) (٣) فرق مارقة وهم أشد إلحادًا من الزنادقة. الأولى: المحكمة الذين خرجوا على أمير المؤمنين -علي ﵁ عند التحكيم وكفروه وهم أثنا عشر ألف كما مر ومن رأيهم أنه من نصب من قريش وغيرهم وعدل فهو إمام، ولم يوجبوا نصب الإمام واعتقدوا كفر عثمان بن عفان وأكثر الصحابة ﵃ أجمعين- واعتقدوا كفر كل مرتكب معصية. الثانية: البيهسية: وهم اتباع (أبي) (٤) بيهس (واسمه) (٥) الهيصم، زعموا

стр. 697

أن الإيمان هو العلم باللَّه تعالى وما جاء به الرسول ﷺ فمن وقع فيما لا يعرف أهو حلال أم حرام فهو كافر لوجوب الفحص عنه وقيل لا حتى يرجع إلى الإمام فيحده وما لا حد فيه فمغفور، وقيل إذا كفر الإمام كفرت الرعية حاضرًا كان أو غائبًا، والأطفال كآبائهم إيمانًا، وكفرًا". الثالثة: الأزارقة أتباع نافع بن عبد اللَّه بن الأزرق الخارجي اللعين، وقد خرج معه قوم من البصرة والأهواز وغيرهما من بلدان فارس وغيرها وعظمت شوكتهم وتملكوا الأمصار وكانت له آراء ومذاهب دانوا بها معه منها: أنه كفر عليًا ﵁ بسبب التحكيم وزعم أن قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ. . .﴾ [البقرة: ٢٠٤] نزل (١) في حق علي ﵁ وزعم أنه نزل في حق عبد الرحمن بن ملجم -قبحه اللَّه- ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]. ومنها: أنه كفر من لم يقل برأيه واستحل دمه وكفر القعدة عن القتال وتبرأ ممن قعد عنه. ومنها: أن من ارتكب كبيرة خرج من الإسلام وكان مخلدًا في النار مع سائر الكفار، وأستدل لذلك بكفر إبليس، وقال ما ارتكب إلا كبيرة حيث أمر بالسجود فامتنع، وإلا فهو عارف بوحدانية اللَّه تعالى. وحرم التقية وجوز قتل (أولاد) (٢) المخالفين ونسائهم، وقال لا حد للقذف، ولا للزنا حكى عنه خالد بن خداش قال: لما تفرقت آراء الخوارج ومذاهبهم، أقام نافع بن الأزرق بسوق الأهواز يتعرض الناس وكان متشككًا في ذلك، فقالت له

стр. 698

امرأة إن كنت كفرت بعد إيمانك وشككت فدع نحلتك ودعوتك، وإن كنت خرجت من الكفر للإيمان فاقتل الكفار حيث لقيتهم، تعنى المسلمين المخالفين لمذهبه وأثخن في النساء والصبيان كما (١) قال نوح: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] فقبل قولها وبسط سيفه فقتل الرجال والنساء، فإذا وطئ بلدًا كان ذلك دأبه حتى يجيبه أهلها فيضع عليهم الجباية والخراج. . . واشتدت شوكته وفشى عماله في السواد فارتاع لذلك أهل البصرة فمشوا إلى الأحنف بن قيس وشكوا إليه أمرهم، وقالوا ليس بيننا وبين القوم إلا ليلتان، فقال لهم الأحنف: إن سيرتهم في مصركم إن ظفروا بكم مثل سيرتهم في سواكم فخذوا في جهاد عدوكم وحرضهم الأحنف فاجتمع إليه زهاء عشرة آلاف في السلاح فأمر عليهم مسلم (بن عبيس) (٢) وكان شجاعًا دينا فخرج فلما صار بموضع يعرف بدولاب خرج إليه نافع بن الأزرق ومعه نحو ستمائة نفر فاقتتلوا قتالًا شديدًا فقتل في المعركة ابن عبيس (٣) وهو أمير على أهل (٤) البصرة وقتل نافع بن الأزرق أيضًا، فعجب الناس من قتل الأميرين، ثم أمر غيرهما وعاد القتال، فانهزم البصريون وتبعهم الخوارج فألقوا نفوسهم في دجيل (٥) فغرق منهم خلق كثير أكثرهم من الأزد وفي ذلك يقول شاعر الأزارقة:

стр. 699

يرى من جاء ينظر في دجيل ... شيوخ الأزد طافية لحاها (١) فقلق أهل البصرة لذلك، ودخل الرعب في قلوبهم من الخوارج فبينما هم كذلك إذ ورد المهلب بن أبي صفرة متوجهًا إلى خراسان وقد كتب له عبد اللَّه بن الزبير ﵄ عهده يها فلما مر بالبصرة قال الأحنف لوجوه أهل البصرة، واللَّه ما للخوارج غير المهلب فكلموه في ذلك فقال: هذا عهدي على خراسان وما كنت لأدع أمر أمير المؤمنين يعني عبد اللَّه بن الزبير فاتفق أهل البصرة مع الأحنف على أن يفتعلوا كتابًا على ابن الزبير يأمره بقتال الخوارج فكتبوه وفيه: أما بعد فإن الحسن بن عبد اللَّه كتب إليَّ يخبرني أن الخوارج أصابوا جندًا من المسلمين وأنهم أقبلوا نحو البصرة، وكنت كتبت عهدك على خراسان ووجهتك، وقد رأيت أن تبتدئ بقتال الخوارج، فإن الأجر فيه أعظم من مسيرك إلى خراسان، فلما قرأ المهلب الكتاب قال: واللَّه ما أسير إليهم حتى يجعل لي ما غلبت عليه وتقووني من بيت المال وانتخب من رجالكم وفرسانكم من شئت، فأجابوه إلا طائفة منهم من بني مسمع فحقد عليهم المهلب، وسار إلى الخوارج فكان عليهم أشد من كل من قاتلهم وبلغ ابن الزبير افتعال الكتاب فلم يقل شيئًا، وأقره على ذلك، وقتل المهلب أميرهم عبد اللَّه بن الماخور وكسر شوكتهم بعد وقائع يشيب لها الرضيع وخدائع يحتار فيها ذو الرأي البديع ومصارع يلين لها الصلد (٢) المنيع، واللَّه المستعان.

стр. 700

الرابعة: من فرق الخوارج: النجدية أتباع كدة بن عامر (الحنفي) (١) ومن رأيهم (أنه) (٢) لا حاجة إلى الإمام ويجوز نصبه ووافقوا الأزارقة على التكفير. الخامسة: (الأصفرية) (٣) وهم أتباع زياد بن الأصفر خالفوا الأزارقة في تكفير القعدة، وفي منع الحد على الزنا وفي قتل أولاد الكفار. وقالوا: المعصية الموجبة للحد لا يدعى صاحبها إلا بها، وما لا حد فيه لعظمه (كترك) (٤) الصوم كفر ويزوجون المؤمنة من الكافر في دار التقية دون العلانية. السادسة: الأباضية أتباع عبد اللَّه بن أباض، قالوا مخالفونا كفار غير مشركين تجوز مناكحتهم وتقبل شهادة مخالفيهم عليهم، ومرتكب الكبيرة موحد غير مؤمن، والاستطاعة قبل الفعل ومخلوق العبد مخلوق للَّه تعالى، ومرتكب الكبائر كافر كفر نعمة لا كفر ملة وكفروا عليًا وأكثر الصحابة، ثم افترقوا أربع فرق: * الحفصية أتباع أبي حفص بن أبي المقدام: زادوا أن بين الإيمان والشرك معرفة اللَّه، فمن كفر بأمر سوى الشرك أو بارتكاب كبيرة فكافر لا مشرك. * واليزيدية: زعموا أن سيبعث نبي من العجم بكتاب يكتب من السماء وتترك شريعة محمد ﷺ إلى ملة الصابئة وعندهم كل ذنب شرك.

стр. 701

* والحارثية: أتباع أبي الحارث الأباضي، خالفوا في العذر والاستطاعة قبل الفعل. * وفرقة رابعة منهم قالوا: بطاعة لا يراد بها اللَّه. السابعة: من فرق الخوارج: العجاردة: أتباع عبد الرحمن بن عجرد زادوا على النجدية وجوب دعوة الطفل إلى الإسلام إذا بلغ وأطفال المشركين في النار وتتشعب هذه الفرقة إلى إحدى عشر (١) فرقة. وقد ذكرتهم في شرح الدرة: "لوامع الأنوار" (٢) واللَّه ولى الأسرار، وجميع فرق الخوارج مارقة وللدين القويم مفارقة إلا من أتبع هداه وصادم هواه واللَّه أعلم. تنبيه: هذا البيت والذي بعده في الكلام على المرجئة (٣) يليان بيت: ولا تكفرن أهل الصلاة. . . إلخ. على ما في طبقات الأصحاب (٤) للعليمي (٥) ولكن في النسخة التي كنا

стр. 702

شرحناها أولا كما ذكرناها (١) وكنت رأيت القصيدة على ما شرحنا في مجموع من خط العلامة الشيخ موسى الحجاوي (٢) الحنبلي صاحب "الإقناع" رحمه اللَّه تعالى فلذلك اعتمدتها.

стр. 703

ثم قال الناظم -رحمه اللَّه تعالى-: (ولا تك) بحذف النون تخفيفًا -كما مر أول القصيدة- واسمها ضمير يرجع للمخاطب و (مرجئا) خبرها. والمرجئة: هم الذين يرجئون الأعمال عن النية والاعتقاد أي يؤخرونها فلذلك سموا المرجئة من الإرجاء وهو التأخير، أو لأنهم يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، لأن الإيمان عندهم هو التصديق والقول. وعند الجهمية: مجرد التصديق. وعند الكرامية: مجرد قول اللسان فقط كما مر، وربما سمى متكلموا المرجئة وفقهاؤهم الأعمال إيمانًا مجازًا لأن العمل ثمرة الإيمان ومقتصاه ولأنها دليل عليه ويقولون في قوله ﷺ : "الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا اللَّه وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" (١): هذا مجاز. قال شيخ الإسلام -روح اللَّه روحه- في كتابه شرح الإيمان والإسلام: المرجئة ثلاثة أصناف: الأول الذين يقولون الإيمان مجرد ما في القلب. ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب وهم أكثر فرق المرجئة كما ذكر أبو الحسن الأشعري أقوالهم في كتابه (٢) وذكر فرقًا كثيرة يطول ذكرهم ومنهم من لا يدخلها كالجهم بن صفوان ومن اتبعه كا (الصالحي) (٣) (وهذا

стр. 704

الذي نصره هو وأكثر أصحابه) (١). الثاني: من يقول هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية. الثالث: تصديق القلب وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم" (٢) قال شيخ الإسلام: "وهؤلاء غلطوا من وجوه: أحدها: ظنهم أن الإيمان الذي فرضه اللَّه على العباد متماثل في حق العباد وعليهم وأن ما وجب على شخص يجب مثله على كل شخص، وليس الأمر كذلك، بل ذلك يتفاوت ويتفاضل أشد تفاوت وتفاضل -كما تقدمت الإشارة إلى ذلك. فالإيمان الواجب متنوع ليس شيئًا واحدًا في حق جميع الناس. الثاني: من غلط المرجئة: ظنهم أن ما في القلب من الإيمان ليس إلا التصديق فقط دون أعمال القلوب -كما تقدم عن جهمية المرجئة. الثالث: ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تامًا بدون شيء من الأعمال،

стр. 705

ولهذا يجعلون الأعمال ثمرة الإيمان ومقتضاه بمنزلة السبب مع المسبب ولا يجعلونها لازمة له. والتحقيق أن إيمان القلب التام يستلزم العمل الظاهر بحسبه لا محالة ويمتنع أن يقوم كالقلب إيمان تام بدون عمل ظاهر" (١). قال شيخ الإسلام -روح اللَّه روحه- (٢): "ولهذا صاروا يقدرون مسائل يمتنع وفوعها لعدم تحقق الارتباط الذي بين البدن والقلب مثل قولهم: رجل في قلبه من الإيمان مثل ما في قلب أبي بكر وعمر ﵄ وهو لا يسجد للَّه تعالى سجدة ولا يصوم رمضان ويزنى بأمه وأخته ويشرب الخمر نهار رمضان، فيزعمون أن هذا مؤمن تام الإيمان فيبقى سائر المؤمنين ينكرون ذلك غاية الإنكار" (٣) ويعدون مثل هذا أنه يلعب بدينه ويهزأ بإيمانه. ولهذا قال الناظم -رحمه اللَّه تعالى: (ولا تك مرجئا لعوبًا بدينه) ولعوب من أبنية المبالغة. أي كثير اللعب واللعب ضد الجد. وفي الحديث: "لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعبًا جادًا" (٤) أي يأخذه ولا
следующие страницы →