← Указатели

Указатели · id 16626

فهرسة ابن خير - ت بشار

ابن خير الإشبيلي

Полный текст (667 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الكتاب: فهرسة ابن خير الإشبيلي المؤلف: ابن خير الإشبيلي (٥٠٢ - ٥٧٥ هـ) حققه وضبط نصه وعلق عليه: بشار عواد معروف - محمود بشار عواد الناشر: دار الغرب الاسلامي - تونس الطبعة: الأولى، ٢٠٠٩ م عدد الأجزاء: ١ أعده للشاملة: محمود الجيزي - عفا الله عنه - [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

стр. 2

[مقدمة التحقيق] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها صمدا، وأشهد أنّ سيّدنا وإمامنا وقدوتنا وأسوتنا وشفيعنا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله، بعثه الله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه ولو كره المشركون. يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) [آل عمران] يا أَيُّهَا اَلنّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاِتَّقُوا اَللهَ اَلَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَاَلْأَرْحامَ إِنَّ اَللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١) [النساء] يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اَللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (٧١) [الأحزاب] أما بعد: فيسعدني أن أقدّم للباحثين المعنيين بتاريخ الفردوس المفقود الأندلس كتاب «فهرسة ابن خير الإشبيلي»، وهو الإصدار الرابع من «سلسلة التراجم الأندلسية» التي رغب إليّ فيها صديقي الفاضل الخبير بالمؤلّفات الأصيلة الأستاذ حبيب اللّمسي صاحب دار الغرب الإسلامي المتفجر عليّ بنفحات معروفه، والفائض الخير الغامر البرّ، الناصب للتراث الأصيل أعلاما لا تشتبه، والباني له منارا لا ينهدم باختياره الجيد الحقيق بالنشر منه، مادة وفائدة وتحقيقا.

стр. 3

ابن خير الإشبيلي: هو أبو بكر محمد (١) بن خير بن عمر بن خليفة، مولى إبراهيم بن محمد بن يغمور اللّمتوني، وكان يكتب في نسبه الأموي - بفتح الهمزة - نسبة إلى أمة جبل بالمغرب (٢). وذكر تلميذه أبو القاسم عبد الرحيم بن عيسى بن يوسف الأزدي الزّهراني الفاسي المعروف بابن الملجوم (٥٢٤ - ٦٠٤) (٣) أنّه سأله عن مولده فقال: ولدت بفاس ليلة الأحد الثامن والعشرين من رمضان سنة اثنتين وخمس مئة (٤). وهذا يظهر خطأ كوديرا الذي ذكر أنه ولد بإشبيلية (٥)، فهو فاسي الأصل.

стр. 4

بدأ ابن خير بطلب العلم منذ مدة مبكرة من حياته حيث يذكر سماعه من شيخه الأديب أبي عبد الله محمد بن سليمان بن أحمد النّفزي المتوفى سنة (٥٢٥) هـ في منزله بإشبيلية سنة (٥١٨) هـ (١) عند قدومه إلى إشبيلية (٢)، وسمع بجامع إشبيلية في رمضان من سنة (٥٢٠) هـ من شيخه أبي الحسن عبّاد بن سرحان بن مسلم المتوفى نحو سنة (٥٤٣) هـ (٣). واتصل آنذاك اتصالا قويا بشيخه المقرئ أبي الحسن شريح بن محمد بن شريح الرّعيني المتوفى سنة (٥٣٩) هـ حيث لازمه طيلة حياته وأخذ عنه علما جما، كما يظهر واضحا من هذا الكتاب. ثم بدأ ابن خير بالتجوال في مدن الأندلس يقرأ على الشيوخ ويستجيزهم، ولا أراني بحاجة إلى ذكر شيوخه الكثر فقد ذكرهم هو في آخر هذا الكتاب حيث زادوا على المئة. كما أخذ عنه العديد من التلاميذ لما كان يتمتع به من الدقة والأمانة وسعة الرّواية، وكتب التراجم التي تناولت المئة السابعة تزخر بالعديد من تلامذته. وحين ذاعت شهرته ومنزلته في العلم طلبه والي قرطبة أبو عليّ الحسن ابن عبد المؤمن (٤) ليتولّى الصلاة بجامع قرطبة الأعظم سنة (٥٧٣) هـ، وهي من الوظائف الخطيرة، فبقي يتولاها إلى أن توفي سحر ليلة الأربعاء الرابع من ربيع الأول سنة (٥٧٥) هـ، ودفن بإزاء الدار التي أنزل فيها، وكانت جنازته مشهودة لم يتخلف عنها كبير أحد، وحضرها الوالي أبو علي الحسن بن عبد المؤمن، ثم نقل رفاته بعد ذلك إلى إشبيلية ليدفن في مقبرة مشكة (٥).

стр. 5

منزلته العلمية: نال ابن خير شهرة واسعة لما عرف عنه من سعة الرّواية والعناية المستديمة في طلب العلم، فضلا عن الدّقة والضبط والإتقان، فوصفه ابن عميرة الضّبّي بأنه «محدث من أهل الإتقان وجودة الضبط، مقرئ مجود» (١). وقبل ذلك أثنى عليه من أساتذته أبو الحسن يونس بن محمد بن مغيث القرطبي المتوفى سنة (٥٣٢) هـ وهو لمّا يزل شابّا يقرأ عليه، قال ابن الأبّار: «سمعت شيخنا أبا الخطاب بن واجب، وهو أحد المكثرين عنه، يقول: سمعت أبا عبد الله بن حميد يقول: سمعت أبا الحسن بن مغيث يقول: أبو بكر ابن خير خير ابن خير، وذلك وقت قراءته عليه في حداثته، قال أبو الخطاب: فكيف لو رآه حين رأيناه» (٢). وعني ابن خير عناية بالغة بضبط كتبه وأصوله ومقابلتها بالأصول الصحيحة حتى نوّه بذلك أكابر العلماء، قال ابن الأبار: «وكانت كتبه في غاية الصّحة والإتقان لكثرة ما عاناها وعالج تصحيحها بحسن خطه وجودة تقييده وضبطه، وفي ذلك قطع دهره وأنفق حياته، فلحق بالمتقدمين وأربى على المتأخرين، وأدّى ذلك إلى المغالاة فيها بعد وفاته حتى بلغت أثمانها الغاية، ولم يكن له نظير في هذا الشأن مع الحظّ الأوفر من علوم اللّسان» (٣). وقال ابن عبد الملك المراكشي: «وكانت كتبه وأصوله في غاية الصّحة ونهاية الإتقان لتهمّمه بمقابلتها وعكوفه على تصحيحها مؤيّدا على ذلك بحسن الخطّ وإتقان التّقييد والضّبط اللذين برز فيهما على متقدّمي الأكابر من مشاهير أهلهما، دأب على ذلك دهره وأنفد فيه عمره. وكتب بخطه الكثير

стр. 6

ومتّع بصحة بصره، فقد وقفت في بعض ما كتب، وهو قد جاوز السبعين من عمره بسنتين أو نحوهما على ما يقضى منه العجب؛ دقة خط وإدماج حروف مع البيان، فكان في ذلك وحيدا، وأثمر المغالاة فيها بعد وفاته حتى تجووزت في أثمانها الغاية التي لا عهد بها، وتمادت رغبة الناس في اقتناء ما يوجد بخطه أو بتصحيحه ومنافستهم فيه إلى الآن» (١). وذكر العلاّمة الكتّاني أنّ بمكتبة القرويين بفاس إلى الآن نسخته من «صحيح مسلم» التي قابلها مرارًا وسمع فيها وأسمع بحيث يعد أعظم أصل موجود من «صحيح مسلم» في إفريقية، وهو بخط الشيخ الأديب الكاتب أبي القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر الأموي الإشبيلي المالكي، فرغ منه سنة (٥٧٣)، وعليه بخط المترجم (ابن خير) أنه عارضه بأصول ثلاثة معارضة بنسخة الحافظ أبي علي الجيّاني شيخ عياض وغيره من الأعلام، وكتب المترجم بهامشه كثيرا من الطّرر والفوائد والشّرح لغريب ألفاظه وشروح بعض معانيه وفرغ من ذلك سنة (٥٧٣) أيضا (٢). وأشار ابن الأبّار إلى توسعه بالرّواية وإتقانه لها فقال: «وكان من الإكثار في تقييد الآثار والعناية بتحصيل الرّواية بحيث يأخذ من أصحابه الذين شركهم في السّماع من شيوخه»، ثم قال: «وكان مقرئا مجودا ضابطا، محدثا جليلا متقنا، أديبا نحويا لغويا، واسع المعرفة، رضى مأمونا، كريم العشرة، خيّرا فاضلا، ما صحب أحدا ولا صحبه أحد إلا أثنى عليه» (٣). وقال ابن الزبير: «أحد المقرئين المحدّثين المشهورين بحسن الضّبط وإتقان التقييد، مع معرفته بالعربية واللّغة والأدب والغريب أغنى النّاس بإكثار الرّواية حتى أخذ عن كثير من نظرائه» (٤).

стр. 7

وقال ابن عبد الملك: «وكان من أئمة المقرئين المجوّدين، وجلة المحدّثين المسندين ثقة فيما يرويه، رضى مأمونا، متسع الرّواية، أخذ عن النّظير والكبير والصغير، حتى اجتمع له في القراءات ما لم يجتمع لغيره من نظرائه. وكان متفنّنا في علوم اللّسان، متقدّما في النحو واللغة منها» (١). ووصفه الإمام الذهبي في «السير» بالشيخ الإمام البارع الحافظ المجّود المقرئ الأستاذ عالم الأندلس (٢)، وقال في موضع آخر: «وكان مكثرا إلى الغاية تصدّر بإشبيلية للإقراء والتسميع وكان قائما على الصّناعتين، مبرزا فيهما، نحويا لغويا، ثقة رضى، إليه المنتهى في التحرير وإتقان الأصول» (٣)، وأثنى عليه كل من ترجم له. على أنني لاحظت من المقدمة التي كتبها لفهرسته عدم تمرسه بالحديث الشريف مع سعة روايته، فإنه يكثر من إيراد الأحاديث الموضوعة والتالفة من غير أن ينبّه عليها، وهي آفة استشرت بين العلماء المتأخرين. كما أشار ابن عبد الملك إلى بعض أوهامه التي مصدرها الغفلة التي يقتضيها النقص البشري (٤). فهرسة ابن خير عني الكثير من العلماء بإثبات مروياتهم عن شيوخهم فكان كل محدّث يعنى بتدوين أسماء شيوخه الذين أخذ عنهم والمرويات التي سمعها منهم أو أجازوه بروايتها. وكان الكثير منهم يعيد تنظيم هذه المادة العلمية على وفق أساليب معينة، فمنهم من يعنى بترتيب أسماء شيوخه على حروف المعجم،

стр. 8

فيسميه أهل المشرق عندئذ «معجم الشيوخ» أو يذكرهم حسب وفياتهم أو تاريخ سماعه منهم، أو على البلدان التي سمع منهم فيها فتسمى عند أهل المشرق: «المشيخة». أما المغاربة فيطلقون على معجم الشيوخ والمشيخة اسم «البرنامج»، وهي لفظة فارسية معربة. وأما الذين يعنون بذكر المرويات فيطلق عليه المشارقة لفظة «الثّبت» بفتح الثاء المثلثة والباء الموحدة، وأما المغاربة فيطلقون عليه: «الفهرسة»، وهي لفظة فارسية معربة أيضا (١). وأشار العلامة المحدث الكتاني إلى أن بعض أهل الأندلس قد يستعمل البرنامج بمعنى الفهرسة أيضا (٢). وواضح من «فهرسة ابن خير» التي نحققها أنها معنية بالمرويات، وليس بسير الشيوخ الذين أخذ عنهم ابن خير وذكر شيوخهم ومواليدهم ووفياتهم ونحو ذلك مما تحويه كتب التّراجم عادة، فقد بدأ الكتاب بمقدمة تناول فيها ضرورة العمل بما يحمله الطالب من العلم، وبذله لأهله لما في ذلك من الأجر العظيم والثواب الجزيل، وسبب تأليفه لهذا الفهرسة، وفضل العلم والعالم والمتعلم، وضرورة تقييد العلم بالأسانيد والكراهية لما كان عريا منها. ثم تناول فيها ما يتعين على طالب العلم عند الحمل والرّواية وعند التأدية والتبليغ، مبينا مراتب الرواية (طرق التحمل) من سماع، وعرض، ومناولة، وإجازة. ثم تقديم حسن النّية والعمل بما يتعلّم، وتبليغه إلى مستحقه، والعناية بتعلّم اللّغة العربية وإتقانها، والعناية بشيوخه؛ برا ورفقا بهم وتملّقا لهم ليستخرج منهم بذلك الفوائد. وتطرق فيها أيضا إلى وظائف التأدية من تحري الصّدق وتوقي التدليس والتزين بزينة التقوى، والتباعد عن التساهل

стр. 9

في الأمور. وعني فيها بشرح رواية الحديث نصا وبالمعنى، فهي مقدمة في آداب طلبة العلم ورواته وبعض مصطلح الحديث. وحين انتهى من هذه المقدمة ابتدأ بمقصود الكتاب، وهو ذكر المصنّفات التي سمعها على شيوخه أو أجازوه بها، فابتدأ بعلوم القرآن والقراءات، وثنّى بذكر الموطآت وما يتصل بها، ثم المصنفات والمسانيد وسائر كتب الحديث وعلومه، من شرح لغريبه وبيان علله والمصنفات المؤلفة في معرفة رجاله، ثم كتب السّير والأنساب والتواريخ ونحوها. وتناول بعدها كتب الفقه وأصوله، وأصول الدين والزّهد والرّقائق لا سيما كتب ابن أبي الدنيا وأبي سعيد ابن الأعرابي وأبي بكر الآجري وأبي ذر الهروي. وتناول بعد ذلك كتب اللّغة والأدب والشعر، والعناية بما حمله أبو عليّ البغدادي منها إلى بلاد الأندلس. ثم ذكر بعض مؤلفات المشهورين. وتناول في آخر الكتاب: تفسير الإجازة العامة، وختم الكتاب بذكر أسماء شيوخه الذين روى عنهم أو أجازوا له مرتّبين حسب المدن. هذا هو محتوى كتاب «الفهرسة» لابن خير على وجه الإجمال، يذكر اسم الكتاب أو صفته، ومؤلفه، ثم الطريقة التي تحمّله فيها. والسؤال الآن: هل ألّف ابن خير هذا الكتاب أم ألّف كتابا آخر لشيوخه أطلق عليه اسم «البرنامج» أم إن البرنامج الذي يشير إليه بعض من أرخ له هو هذا الكتاب؟ والذي تحصّل عندي أنّ ابن خير ألف كتابين أحدهما لشيوخه وصفه ابن الأبار بقوله: «وعدد من سمع منه أو كتب إليه نيّف ومئة رجل قد احتوى على أسمائهم برنامج له ضخم في غاية الاحتفال والإفادة لا يعلم لأحد من طبقته مثله. وقد كتبت منه في هذا المصنف ما نسبته إليه» (١)، ثم ذكر فهرسته فقال: «وقال جابر بن أحمد القرشي: كتب إليّ يعني ابن خير يخبرني أن فهرسته عشرة

стр. 10

أجزاء كل جزء منها ثلاثون ورقة» (١). والدليل على ذلك أنّ ابن عبد الملك نقل عن برنامجه أشياء لا توجد في فهرسته نحو قوله في ترجمة محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن محرز السماني الألشي: «قال ابن خير: سألته عن مولده فقال لي: ولدت سحر ليلة الاثنين لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وأربع مئة قبل كائنة الزلاقة بشهر، وتوفي صبيحة يوم الثلاثاء أول يوم من جمادى الآخرة سنة تسع وستين وخمس مئة فكمل له من العمر تسعون سنة وعشرة أيام. روى عنه ابن خير ونجبه بن يحيى. . . الخ» (٢)، فهذا لا ذكر له في فهرسة ابن خير. ومنها أيضا: أن ابن الأابار نقل عن ابن خير وفاة أحمد بن عبد الله بن جابر ابن صالح الأزدي (٣)، وليس من ذلك شيء في الفهرسة. ومن ذلك قوله في ترجمة أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن خاطب الباجي: «وحكى ابن خير أنه لقيه بباجة في سنة ست وثلاثين وخمس مئة وحضر مجلسه واستجازه، فأجاز له ما يحمله عن ابن أبي العافية وغيره من شيوخه، قال: وتوفي ليلة الأربعاء قريبا من نصف جمادى الآخرة سنة اثنتين وأربعين وسنه نحو الثمانين» (٤)، ولا ذكر لمثل هذا في الفهرسة. ومن ذلك أنه نقل ترجمة مفصّلة لشيخ ابن خير: محمد بن خلف بن صاعد الغساني الشّلبي المعروف باللّبلي، وقال: «وتوفي ظهر يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين وخمس مئة ودفن يوم الجمعة بعده. ذكره ابن خير» (٥)، ولا وجود لمثل هذا في فهرسته أيضا.

стр. 11

ومن ذلك قوله في ترجمة عبد الله بن عيسى بن عبد الله بن أحمد بن سليمان الشّلبي: «توفي بهراة في جمادى الآخرة من سنة إحدى وخمسين وخمس مئة ... وقرأت وفاته بخط ابن خير» (١). وسماه ابن الأبار تارة: مشيخة ابن خير (٢)، وسمّاه تارة أخرى: برنامج ابن خير (٣). ونقل ابن الأبار في ترجمة أحمد بن محمد بن موسى بن عطاء الله الصنهاجي أبي العباس ابن العريف من «المعجم» أبياتا من الشعر ثم قال: «وهذه الأبيات أنشد أبو بكر بن خير في برنامجه أربعة منها، وقال: سألته أن يجيز لي جميع ما رواه وألّفه وأجاب فيه وجميع منثوره ومنظومه فأجاز لي ذلك كله في ذي القعدة سنة أربع وثلاثين وخمس مئة» (٤). وهذا صريح بأن البرنامج غير هذه الفهرسة، ولعل فيما قدمناه كفاية لبيان ذلك. ومن الجدير بالذكر أنّ جابر بن أحمد بن إبراهيم القرشي الحسني قد ألّف مشيخة لابن خير الإشبيلي نقل منها ابن الأبار في «التكملة» فقال في ترجمة شيخ ابن خير أحمد بن عليّ بن أحمد بن رزقون القيسي: «وقال جابر بن أحمد القرشي في مشيخة ابن خير من تأليفه أنه توفي في حدود سنة خمس وأربعين وخمس مئة عن سن عالية» (٥). وجابر بن أحمد هذا ترجمه ابن الأبار في «التكملة» فقال: «جابر بن أحمد بن إبراهيم القرشي الحسني، من أهل تلمسان يكنى أبا الحسن. . . وكان من أهل العناية بالرّواية والمعرفة بأسماء الرجال». وذكر تأليفه لمشيخة ابن خير فقال: «وجمع مشيخة ابن خير على حروف المعجم فافاد بها»، ولم يذكر تاريخ وفاته

стр. 12

لكنه رأى السّماع منه بإشبيلية في سنة (٥٧٨) هـ، وذكره التّجيبي في معجم شيوخه وذكر أنه توفي بتلمسان (١). وأستبعد أن تكون النّقول التي أشرت إليها آنفا مما ورد في هذه المشيخة لعدم التصريح بها من جهة، ولذكر ابن الأبار في بعضها أنه ينقل من برنامج ابن خير، ومن ثم فإن هذا لا يعكّر على ما ذهبت إليه. وصف النسخة الخطية هي نسخة فريدة محفوظة في مكتبة الإسكوريال بإسبانيا، تقع في (١٥٥) ورقة ذات وجهين مسطرتها (٢٣) سطرا، كتبت في العشرين من شهر رمضان سنة (٧١٢) هـ ولم يذكر اسم ناسخها، وهي خلو من العنوان بالخط الذي كتبت به النسخة، بل جاء بخط أحدث، وعلى النسخة بعض التملكات. ويظهر من كثرة الأخطاء الواقعة فيها أن ناسخها قليل المعرفة بالعلم الذي ينسخه، كما أنّه لم يقابل النسخة على الأصل المنتسخ منه يدل على ذلك عدم وجود أثر للمقابلة، فضلا عن أننا لم نقف في حواشي النسخة على ما يشير إلى أن أحدا من العلماء المعروفين قد قرأها أو قرئت عليه وصحّح ما فيها من أخطاء، فجاءت النسخة كثيرة التصحيف والتحريف والسّقط مما أتعبنا في تتبع كل ذلك. وعلى هذه النّسخة الفريدة نشر المستشرق الإسباني كوديرا وتلميذه طرغوه الكتاب سنة (١٨٩٣) م وطبع في مطبعة قومش بسرقسطة، وقدّما لها بمقدمة لاتينية، وهي نشرة راعت نقل النّسخة على ما هي عليها من كثرة التصحيف والتحريف، ولم يكن في مكنتهم إصلاح ما فيها من خلل لقلة خبرتهم بطبيعة التّراث العربي ولا سيما في تلك الأزمان التي لم تكن كثير من أمهات الكتب

стр. 13

العربية قد طبعت. على أن عملهم كان متميزا في حينه قد بذل فيه من الجهد المحمود ما يتعين تقديره والإشادة به إذا راعينا الزمن الذي نشر فيه. ثم قام المصريون بإعادة طبع الكتاب على طبعة كوديرا وتلميذه، ولم يكلف أحد نفسه بالاطلاع على النّسخة الخطية أو مراجعة الأخطاء الكثيرة التي وقعت فيها، فنشرتها مكتبة الخانجي والهيئة المصرية العامة وإبراهيم الأبياري. إنّ كثرة الأخطاء وجسامتها ومتابعة النّشرة الإسبانية متابعة عمياء أوقع الناشرين العرب بأخطاء لا يقع فيها من له أدنى معرفة بهذا العلم مع دعاواهم الكاذبة بالمراجعة والمقابلة والضّبط والتصحيح. ولعلي أضرب لذلك مثلا واحدا له مئات نظائر يستعظم على طالب علم مبتدئ أن يقع فيه، وذلك عند ذكر الشاعر الشهير الشريف الرضي فقد جاء اسمه في جميع النشرات كما يأتي: «. . . أبي الحسين محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن إبراهيم بن أبي طالب». وفي هذا الاسم المشهور أربعة أخطاء يعرفها من له أدنى معرفة بالتراث العربي: أولا: فهو يكنى أبا الحسن، فتحرفت كنيته إلى «أبي الحسين». ثانيا: موسى اسم جده، فهو محمد بن الحسين بن موسى، فسقط اسم الحسين وهو اسم أبيه. ثالثا: قوله: علي بن إبراهيم، وإنما هو علي بن الحسين. رابعا: قوله: إبراهيم بن أبي طالب، وإنما هو الحسين بن علي بن أبي طالب. فتأمل هذا الجهل المدقع الذي وقع فيه مثل إبراهيم الأبياري الذي يزعم أنه من أهل المعرفة بالعربية ودعاواه الفارغة في تصحيح الكتب ونشرها بهذه الصورة المخجلة، غفر الله لهم على ما اقترفوا بحق تراث الأمة.

стр. 14

نهج العمل في التحقيق: لما كانت النّسخة التي أقمنا عليها التّحقيق نسخة فريدة يكثر فيها التّحريف والتصحيف ولا يمكن الركون إليها والاعتماد عليها كلية، كان لا بد من بذل مزيد من الجهد لضبط النّص وإصلاح ما فيه من خلل. ومما زاد في صعوبة الأمر أنّ الناقلين من فهرسة ابن خير كانوا قلّة، وفي مقدمتهم ابن الأبار الذي نقل عشرات النصوص فقط مما لا يغني في تصحيح الكتاب كله. ومن هنا كان لا بد من اتباع قاعدة «الشك قبل اليقين»، وذلك بعرض الأسماء التي نشك في صحتها أو لا نحفظها، وهي ليست قليلة، على كتب التّراجم المتقنة للتأكد من صحتها، فإذا كانت صحيحة سكتنا، وإن وقفنا فيها على تحريف أو تصحيف علّقنا. لقد اضطررنا إلى عمل فهارس للكتاب قبل تحقيقه، ذلك أنّ الفهارس تكشف الأخطاء حين تتكرر الأسماء بصيغ مختلفة، فأعاننا ذلك على التصحيح والوصول إلى نص أكثر صحة. كما رأينا من المفيد أن نعرّف تعريفا وجيزا بأسماء مؤلفي المصنّفات وعرضها على بعض المصادر وفي مقدمتها «تاريخ الإسلام» للذهبي بتحقيقنا، دفعا لأي لبس قد يقع. ثم تتبعنا شيوخ ابن خير في جميع الكتاب ونظمنا بهم بطاقات قبل التحقيق، وعرضناهم على المصادر المتقنة مثل الصلة لابن بشكوال (وبين يدي إضافة إلى النسخة المطبوعة أربع نسخ خطية منها)، والتكملة لابن الأبار، وعندي منها نسخ خطية أيضا، وتاريخ الإسلام الناقل عن هذين الكتابين المهمين، فضلا عن موارد أخرى منها: الذيل لابن عبد الملك وصلة الصلة لابن الزبير، وغيرها.

стр. 15

ولم يكن هذا الأمر هينا فالمؤلف يذكر شيوخه وبعض الأسماء بصيغ مختلفة، فيذكرهم بكناهم وشهرتهم تارة، وينسبهم إلى أحد أجدادهم البعيدين تارة أخرى فهو يقول مثلا: «أحمد بن محمد بن بقي» ويريد به: «أحمد بن محمد ابن أحمد بن مخلد بن عبد الرحمن بن أحمد بن بقي»، ويقول: «أحمد بن عمر» ويريد به «أحمد بن محمد بن عمر» ويقول: «علي بن خلف الفقيه القابسي»، وإنما هو: «علي بن محمد بن خلف»، ويقول: «دعلج بن عبد الرحمن»، وإنما هو: «دعلج بن أحمد بن دعلج بن عبد الرحمن»، وهلم جرّا. وقد انقلبت على الناسخ الكثير من الأسماء استطعنا بحمد الله ومنه كتابتها على الصواب بعد التدقيق والمراجعة. ولا أراني بحاجة إلى ذكر ما عانينا في ضبط هذا النص المضطرب، وتفصيله لإظهار دلالاته ومعانيه، من وضع الفواصل والنقط وبداية الفقرات. وقد رأيت أن أضع أرقاما مسلسلة لأسماء الكتب والأجزاء التي قرأها المؤلف على شيوخه أو أجازوه بها، وجعلت اسم المؤلف بخط غامق إظهارا له، ووضعت أرقام أوراق النسخة الخطية في حاشية الكتاب مع إشارة بخط مائل في داخل النص لإظهار بداية الصفحة، ورمزت لوجه الورقة الخطية بالحرف «أ» ولظهرها بالحرف «ب»، تمكينا للقارئ العالم من المراجعة عند الضرورة. ويلاحظ القارئ أننا كتبنا الأسماء بالإملاء الحديث، ونسّاخ المخطوطات في تلك الأعصر يستعملون صيغا في الكتابة غير مستعملة في عصرنا فلا بد من تغييرها. ويلاحظ أيضا أننا كتبنا الأسماء المنتهية ب «ويه» على طريقة المحدّثين وليس على طريقة النّحويين، فالمحدّثون يضبطون «نفطوية» بضم الطاء وسكون الواو وفتح الياء آخر الحروف واعتبار الهاء تاء مربوطة، أما

стр. 16

النحويون فيفتحون الطاء والواو ويسكنون الياء «نفطويه»، ومثلها جميع الأسماء من هذا النوع، وإنما فعلنا ذلك لأن الكتاب الذي نحققه لمحدث يكتب هذه الأسماء على قاعدة المحدثين. ورأينا لزاما علينا أن نلحق بالكتاب أربعة فهارس تيسر على الباحثين طلبتهم، وهي فهرس الأحاديث المرفوعة، وهي قليلة، ثم أسماء المصنفات مع ذكر مؤلفيها مرتبة على حروف المعجم، وفهرس لشيوخ ابن خير الإشبيلي الذين روى عنهم هذه المصنفات أو أجازوه فيها، ثم فهرس للأمكنة والبقاع، فضلا عن قائمة بالمصادر والمراجع المعتمدة في التحقيق. وقد رأيت أن يشاركني في تحقيق هذا الكتاب ولدي محمود بشار بعد أن تدرج في مراتب العلم، فهو طالب تاريخ مجد ذو نهم في القراءة والتتبع، وهو ساع إلى مزيد من المعرفة، فقابل معي النصوص، وشارك في ضبط الأسماء وتخريج بعض ما احتجنا إليه من مصادر، نسأل الله جل في علاه أن يوفقه لكل خير وأن ينفع به العلم وأهليه، ويجعله من عباده الصالحين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعله خلفا لأبيه، وأن يجنبني وإياه مواطن الزلل، ويثبتنا بقوله الثابت في الحياة الدنيا والآخرة إنه سميع مجيب. كتبه بدار هجرته عمان البلقاء عاصمة الهواشم - أيدهم الله ووفقهم لكل خير - في أول شوال سنة ١٤٣٠ هـ. أفقر العباد بشار بن عواد

стр. 17

راموز طرة النسخة

стр. 18

راموز بداية النسخة

стр. 19

راموز الورقة (٣٩)

стр. 20

راموز الورقة (٨٠)

стр. 21

راموز الصفحة الأخيرة

стр. 22

[مقدمة المؤلف] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وسلّم تسليما (١) أحمد الله كفاء إنعامه وإفضاله، وأسأله الصلاة على محمد نبيّه الكريم وآله. وأسأله في أن يجعلنا بالعلم عملة، كما جعلنا له حملة؛ فإنّ الشيخ أبا حفص عمر (٢) بن إسماعيل، ﵀، حدّثنا قراءة عليه، قال: حدثنا الشيخ الفقيه أبو عبد الله الحسين (٣) بن أحمد بن محمد بن طحال المقدادي (٤)، قراءة عليه وأنا أسمع، قال: حدثنا أبو طالب الحسن بن مهدي بن أحمد بن عقيل العلويّ، قال: حدثنا أبو طالب عليّ بن الحسين الحسنيّ، قال: حدثنا أبو القاسم زيد بن عبد الله بن مسعود الهاشميّ، ﵀، قال: حدثنا أبو القاسم سليمان بن أحمد ابن أيّوب الطّبرانيّ، قال: حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله بن مسلم الكجّيّ، ويقال: الكشّيّ، قال: حدثنا أبو عاصم الضّحّاك بن مخلد النّبيل، عن محمد بن عجلان، عن المقبريّ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «العلم الذي لا يعمل به كالكنز الذي لا ينفق منه، أتعب صاحبه نفسه في جمعه، ثم لم يصل إلى نفعه (٥)». وأن يجعل ما وعيناه من ذلك علما بالقلب يصل

стр. 23

ثوابه إلينا، لا علما باللّسان يكون يوم القيامة حجّة علينا؛ فإنّ أبا حفص المذكور حدثنا بالسند المتقدّم آنفا إلى أبي القاسم زيد بن عبد الله المذكور، قال: حدثنا أبو حفص الفاروق بن عبد الكبير بن عمر الخطّابيّ (١)، حدثنا بالبصرة، قال: حدثنا أبو مسلم، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب الحجبيّ، قال: حدثنا عبد الرحيم بن زيد العمّي، عن أبيه، عن معاوية بن قرّة، عن ابن عمر، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «العلم علمان، علم باللّسان هو الحجّة عليك، وعلم بالقلب هو النافع لك» (٢). وأن يوفّقنا لبذله لأهله، كما وفّقنا لحمله ونقله؛ فإنّ أبا حفص المذكور حدثنا بالسند المتقدّم إلى أبي القاسم زيد ابن عبد الله المذكور، قال: حدثنا أبو موسى جعفر بن إبراهيم بن الهادي ببغداد، قال: حدثنا أبو سليمان محمد بن منصور، قال: حدثنا أبو سلمة موسى ابن إسماعيل المنقريّ، قال: حدثنا حمّاد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : «رحم الله من سمع مقالتي فوعاها، ثم أدّاها

стр. 24

إلى / من لم يسمعها؛ فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه» (١). وأن يجعلنا بذلك من أهل الخير، ويشركنا معهم في مذخور الأجر؛ فإنّ أبا حفص المذكور، حدّثنا بالسند المتقدّم إلى أبي القاسم زيد بن عبد الله المذكور، قال: حدثنا الحسين بن محمد، المعروف بأبي المعمّر، قال: حدثنا الحسن بن الصبّاح بن محمد، قال: حدثنا عثمان بن عمر، قال: حدثنا يونس، عن الزّهريّ، عن قبيصة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «العالم والمتعلّم (٢) شريكان في الأجر، ولا خير في سائر الناس من بعد» (٣). وإنه سألني سائلون ممّن له رغبة في العلم وعناية بتقييده وهمة في تحصيله أن أذكر لهم ما رويته عن شيوخي ﵏، من الدواوين المصنّفة في ضروب العلم وأنواع المعارف، وأن أذكر أسانيدي عنهم فيها إلى مصنّفيها، وما قرأته من ذلك عليهم أو سمعته عليهم بقراءتهم أو بقراءة غيري، وأن أضيف إلى ذلك ما ناولوني إياه وأجازوه لي.

стр. 25

ولمّا علمت ما لحملة العلم من الشّرف، عند السّلف والخلف، وعظم شأنهم، وعلوّ قدرهم، على قدر سائر أهل زمانهم، كما حدّثنا أبو حفص المذكور بالسند المتقدّم إلى أبي القاسم زيد بن عبد الله المذكور، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين الآجريّ، ﵀، قال: حدثنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحرّانيّ، قال: حدثنا عاصم بن عليّ، قال: حدثنا أبو معشر، عن يعقوب بن زيد بن طلحة بن زيد بن أسلم، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : «حملة العلم في الدّنيا خلفاء الأنبياء، وفي الآخرة من الشّهداء» (١). وعرفت ما أوجبه الله تعالى من حقوق طلبة العلم على الكافّة، وألزمهم إيّاه من التحنّن عليهم والرأفة، كما حدّثني به أبو حفص المذكور بالسند المتقدّم إلى أبي القاسم زيد بن عبد الله المذكور، قال: حدّثني شيخي أبو سعد عبد الله بن مسعود، قال: حدّثني محمد بن منصور، قال: حدّثني أبو سلمة موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حمّاد بن سلمة، عن أبي هارون عمارة بن جوين العبديّ، قال: كنا إذا أتينا أبا سعيد الخدريّ قال لنا: مرحبا بوصيّة رسول الله ﷺ : سمعته ﷺ ، يقول: «إنه سيأتيكم قوم من أقطار الأرض يطلبون العلم، فاستوصوا بهم خيرا» (٢).

стр. 26

وحدثنا ابن سرحان، قال: حدثنا أبو بكر بن طرخان، قال: حدثنا أبو الفضل الحدّاد، قال: حدثنا أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا أبو محمد بن حيّان، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، قال: حدثنا أحمد بن سعيد، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن أيّوب، عن عبيد الله بن زحر، عن ليث بن أبي سليم، / عن شهر بن حوشب، قال: كنا نأتي أبا سعيد الخدريّ ونحن غلمان نسأله، قال: فكان يقول: مرحبا بوصيّة رسول الله ﷺ ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيأتيكم ناس يتفقّهون، ففقّهوهم وأحسنوا تعليمهم». قال: وكان يجيبنا لمسائلنا، فإذا نفدت مسائلنا حدّثنا بعد حتى نملّ (١). وتيقّنت أن أجلّ ما أتحف به جملة حملة العلم ودعاته، وأهدي إلى سائر طلاّبه وبغاته، ما عظّم رسول الله ﷺ شانه، وأعلى رتبته ومكانه، فقال: ما حدّثنا به أبو حفص المذكور، بالسند المتقدّم المسطور، إلى أبي القاسم زيد بن عبد الله المذكور، قال: حدّثني أحمد بن هاشم بن حميد بواسط، قال: حدثنا الحسن بن سلامة السوّاق، قال: حدثنا أبو غسّان، عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاووس، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أهدى المسلم لأخيه هدّية أفضل من كلمة حكمة يسمعها، فانطوى عليها ثم علّمه إيّاها، يزيده الله بها هدى أو يردّه عن ردى، وإنها لتعدل إحياء نفس، ومن أحياها فكأنّما أحيا النّاس جميعا» (٢).

стр. 27

استخرت الله تعالى، وأجبتهم إلى ما سألوني إياه، ولم يسعني الانكفاف عنه إشفاقا من الوعيد في قوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ اَلْبَيِّناتِ الآية [البقرة: ١٥٩]، وامتثالا لأمر رسول الله ﷺ بالإلطاف والتّحديث لمن سأل الحديث، كما حدّثنا الشيخ أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن عتّاب ﵀، إذنا، قال: حدّثني أبي ﵀، قال: حدثنا خلف بن يحيى، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد، هو ابن الحدّاد، قال: حدثنا أبو سعيد ابن الأعرابي، قال: حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: حدثنا عليّ بن عاصم، قال: حدثنا أبو هارون عمارة بن جوين العبديّ، قال: كنّا إذا أتينا أبا سعيد الخدريّ قال لنا: مرحبا بوصيّة رسول الله ﷺ ، قال لنا رسول الله ﷺ : «إنه سيأتي من بعدي قوم يسألونكم الحديث، فإذا جاءوكم فالطفوهم وحدّثوهم» (١). وحدّثنا أبو عبد الله جعفر بن محمد، قال: حدثنا أبو مروان عبد الملك بن سراج، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن سعيد، قال: حدثنا أحمد بن فراس، عن محمد بن إبراهيم بن الفضل، عن أبي عبيد الله سعيد بن عبد الرحمن، عن سفيان بن عيينة، عن الزّهريّ، قال: كان عروة بن الزّبير يتألّف الناس إلى حديثه ورغبة في دعوة رسول الله ﷺ بالنّضرة لمن سمع فوعى ما سمع، فأدّاه كما سمع إلى من لم يسمع. كما حدّثناه أبو محمد بن عتّاب ﵀، إذنا، قال: حدثنا أبو عمرو عثمان بن أبي بكر الصّدفيّ، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن عليّ بن عبد الملك بن عمير، قال: حدثنا / أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطّاب (٢)، قال: حدثنا الأصمّ، قال: حدثنا الرّبيع بن سليمان، قال: حدثنا الشافعيّ، قال: أنبأنا سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن

стр. 28

عبد الله بن مسعود، عن أبيه، أنّ رسول الله ﷺ قال: «نضّر الله عبدا سمع مقالتي فحفظها ووعاها، فأدّاها كما سمعها، فربّ حامل فقه ليس بفقيه، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه» (١). قال بعض شيوخنا ﵏: ومعنى قوله: «نضّر الله امرءا»: الدعاء له بالنّضارة، وهي النّعمة والبهجة، يقال: نضّر الله وجهه ونضره بالتخفيف. وقال الحميديّ: سمعت سفيان بن عيينة يقول: ما من أحد يطلب الحديث إلاّ وفي وجهه نضرة، لقول رسول الله ﷺ : «نضّر الله امرءا سمع منّي حديثا فبلّغه». وفي قوله: «ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه» دليل على كراهية اختصار الحديث لمن ليس بالمتناهي في الفقه؛ لأنه إذا فعل ذلك فقد قطع طريق الاستنباط على من بعده ممّن هو أفقه منه. وفيه بيان أنّ الفقه هو: الاستنباط والاستدراك في معاني الكلام من طريق التفهّم. وفي ضمنه بيان وجوب التفقّه، والحثّ على معاني الحديث، واستخراج المكنون من سرّه، وفيه أيضا بيان في ترتيب الكلام وتنزيله منازله. ألا تراه ﵇، كيف رتّب الوعي على الحفظ فاشترط عليه الحفظ أوّلا، وهو تلقّف الألفاظ وجمعها في صدره، ثم أمره بالوعي، وهو مراقبته إياه بالذّكر وتخوّلها بالرّعاية والاستصحاب لها إلى أن يؤدّيها، فخرج من العهدة فيها.

стр. 29

وحدّثنا الشيخ أبو بكر عبد العزيز بن خلف، قال: حدثنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن سعدون، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عليّ المطّوّعيّ النّيسابوريّ، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله النّيسابوريّ الحاكم الحافظ، قال (١): حدثنا أبو العبّاس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا إبراهيم بن مرزوق (٢) البصريّ بمصر، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا شعبة، عن معاوية ابن قرّة، قال: سمعت أبي يحدّث عن النبيّ ﷺ ، قال: «لا يزال الناس من أمتي منصورين لا يضرّهم من خذلهم حتى تقوم الساعة». قال أبو عبد الله الحاكم: سمعت أبا عبد الله محمد بن عليّ بن عبد الحميد الأدميّ بمكة، قال: سمعت موسى بن هارون يقول: سمعت أحمد بن حنبل ﵀ وسئل عن معنى الحديث - فقال: إن لم تكن هذه الطائفة (٣) المنصورة أصحاب الحديث فلا أدري من هم! ! وحدّثنا أبو محمد بن عتّاب أيضا، قال: أخبرنا أبو عمر بن عبد البر، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: / حدثنا محمد بن بكر ابن داسة، قال: حدثنا أبو داود، قال (٤): حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة، قالا: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرّازي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله ﷺ : «تسمعون ويسمع منكم. ويسمع ممن يسمع منكم» (٥). وفي هذا الحديث أيضا دلالة على تبليغ العلم ونشره.

стр. 30

وقد جاء في نشر العلم وتعليمه أخبار كثيرة، منها: ما حدّثنا به أبو محمد ابن عتّاب، إذنا، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو القاسم خلف بن يحيى (١)، وأبو عثمان سعيد بن سلمة (٢)، قال: أخبرنا محمد بن أحمد ابن الخرّاز (٣)، قال: حدثنا أبو الفضل يوسف بن مسرور، قال: حدثنا فرات بن محمد العبديّ، عن موسى بن معاوية الصّمادحيّ، قال: حدثنا عبد الملك بن أبي كريمة التونسيّ، عن محمد بن سعيد، عن مكحول، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما شيء أعظم عند الله من رجل تعلّم علما فعلّمه الناس» (٤). وحدّثنا ابن عتّاب أيضا، قال: حدثنا ابن عبد البرّ، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن بكر بن داسة، قال: حدثنا أبو داود السّجستانيّ، قال (٥): حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم [عن أبيه] (٦)، عن سهل بن سعد، عن النبيّ ﷺ ، قال: «والله، لأن يهتدي (٧) بهداك رجل واحد خير لك من حمر النّعم» (٨).

стр. 31

وحدّثنا أبو بكر محمد بن أحمد، قال: حدثنا أبو علي حسين بن محمد، قال: حدثنا أبو العاصي حكم بن محمد، عن أبي الفضل أحمد بن قاسم البزّاز، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل التّرمذيّ، قال حدثنا نعيم بن حمّاد، قال: حدثنا ابن المبارك، قال (١): حدثنا ابن لهيعة، عن [ابن] (٢) أبي جعفر، أنّ رسول الله ﷺ حين بعث معاذا يعلّم الدّين، قال: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من الدّنيا وما فيها» (٣). وأخبرنا عيسى بن عمر، قال: سمعت حمّاد بن أبي سليمان يقول: يجيء الرّجل يوم القيامة فيرى عملا محتقرا، فبينما هو كذلك إذ جاء له مثل السّحابة حتى تقع في ميزانه، فيقال له: هذا ما كنت تعلّم من الخير فورث بعدك فأجرت فيه. وحدّثنا أبو بكر محمد بن أحمد أيضا، قال: حدثنا أبو عليّ حسين بن محمد، قال: حدثنا أبو العاصي حكم بن محمد، قال: حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الوهرانيّ، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عليّ بن مسلم (٤)، قال: حدثنا سيّار (٥)، قال: حدثنا جعفر (٦)، قال: حدثنا عبد الجليل (٧)، عن أبي

стр. 32

عبد السّلام (١)، عن كعب، قال: أوحى الله إلى موسى بن عمران ﵇ أن تعلّم يا موسى الخير وعلّمه الناس، فإنّي منوّر قبور معلّمي الخير ومتعلّميه حتى لا يستوحشوا بمكانهم (٢). وقد جاء أيضا / عن العلماء ﵏، في الحضّ على تقييد العلم بالأسانيد، والكراهية لما كان عريا منها؛ ما حدّثنا به أبو بكر محمد بن أحمد، قال: حدثنا أبو عليّ حسين بن محمد، قال: حدثنا أبو القاسم حاتم بن محمد، قال: حدثنا أبو سعيد السّجزيّ، قال: حدثنا أبو أحمد الجلوديّ، قال: حدثنا أبو إسحاق الفقيه، قال: سمعت أبا الحسين (٣)، قال: حدّثني محمد بن عبد الله بن قهزاذ، قال: سمعت عبدان، يقول: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: الإسناد من الدّين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. وروّينا أيضا، عن سفيان الثّوريّ، أنه قال: الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأيّ شيء يقاتل؟ (٤). وعن شعبة أنه قال: كلّ علم ليس فيه «حدّثنا» أو «أخبرنا» فهو خلّ وبقل (٥). وعن يزيد بن زريع أنه قال: لكلّ دين فرسان، وفرسان هذا الدّين أصحاب الأسانيد (٦).

стр. 33

واعلموا، رحمكم الله، أنّ على متقلّد هذه الطريقة وظائف: بعضها في الحمل والرّواية، وبعضها في التّأدية والتّبليغ. فأمّا التي في الحمل، فمنها: أن يعرف طرق الرّواية ومراتبها. فاعلموا أن للرّواية مراتب، أعلاها: سماع الراوي قراءة المحدّث للكتاب الذي رواه، أو إيراده للحديث من حفظه، وسماعه من فلق فيه. وبعدها: عرض الرّاوي للكتاب أو الحديث، وسماع الشيخ ذلك منه. ثم بعد ذلك: مناولة الشيخ للكتاب الذي رواه عن شيخه. ثم بعدها: إجازة الشيخ للطالب أن يحدّث عنه بالكتاب الذي رواه وإباحته ذلك له. فأمّا السّماع من الشيخ، فالأصل فيه: ما حدّثنا به أبو محمد بن عتّاب، إذنا، وغيره، قال: حدثنا أبو عمر بن عبد البرّ، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله ابن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن بكر بن داسة، قال: حدثنا أبو داود السّجستانيّ، قال (١): حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرّازي، عن سعيد بن حبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله ﷺ : «تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن يسمع منكم»، وقد تقدّم هذا الحديث؛ وقوله ﷺ : «نضّر الله امرءا سمع مقالتي فحفظها ووعاها فأدّاها كما سمعها». الحديث. . . وقد تقدّم أيضا. وأمّا العرض على الشيخ فالأصل فيه حديث ضمام بن ثعلبة (٢)، الثابت في الصحيح (٣)، أنه قال للنبيّ ﷺ : أمرك أن تصلّي الصّلوات الخمس؟ قال:

стр. 34

«نعم». . . الحديث. فهذه قراءة على النبيّ ﷺ . ثم أخبر بذلك ضمام قومه، فأخذوا بما أدّى إليهم من ذلك. واحتجّ مالك، ﵀، بالصّكّ يقرأ على القوم فيقولون: أشهدنا فلان، ويقرأ القارئ / على القارئ فيقول: أقرأني فلان (١). وقال يحيى بن عبد الله بن بكير: لمّا عرضنا «الموطأ» على مالك بن أنس ﵀، قال له رجل من المغرب: يا أبا عبد الله، أحدّث به عنك؟ قال: نعم. قال: وأقول: حدّثنا مالك؟ قال: نعم؛ أما رأيتني فرّغت نفسي لكم، وسمعت عرضكم، وأقمت سقطه وزلله، فمن حدّثكم غيري؟ نعم، حدّثوا به عنّي وقولوا: حدّثنا به مالك. وسماع العرض على الشيخ كالعرض سواء، لا فرق بينهما في المعنى. وأما المناولة فالأصل فيها حديث النبيّ ﷺ الصحيح، حيث كتب لأمير السّرّية كتابا وقال له: «لا تقرأ حتى تبلغ مكان كذا وكذا»؛ فلمّا بلغ ذلك المكان قرأه على الناس وأخبرهم بأمر النبيّ ﷺ (٢). فهذا النبيّ ﷺ قد ناول أمير السّرية كتابه ولم يقرأه عليه، ولا عرضه أمير السّرية عليه، ثم إنّ أمير السّرية قرأه على السّرية فامتثلوا ما في الكتاب وأخذوا به، وبلغ ذلك النبيّ ﷺ فرضيه وأقرّ عليه، فقامت بذلك الحجّة. وهذا قويّ في أمر المناولة جدّا. ويدلّ عليه أيضا ما حدّثناه الشيخ الفقيه أبو القاسم أحمد بن محمد ﵀، قال: حدثنا الفقيه أبو عبد الله محمد بن فرج، قال: حدثنا أبو الوليد يونس بن عبد الله القاضي، قال: حدثنا أبو عيسى يحيى بن عبد الله بن أبي عيسى، عن عمّ أبيه عبيد الله بن يحيى بن يحيى، عن أبيه يحيى بن يحيى، عن مالك بن

стр. 35

أنس (١)، عن عبد الله بن أبي بكر، أنّ في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: «ألا يمسّ القرآن إلاّ طاهر»، فهذا الحديث أصل في صحّة الرّواية على وجه المناولة؛ لأنّ النبيّ ﵇ دفعه إليه وأمره به، فجاز لعمرو بن حزم العمل به والأخذ بما فيه. وأما الإجازة وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان، فقد اختلف فيها، فأجازها أكثر أهل العلم كربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وعبد العزيز ابن الماجشون، وسفيان الثّوريّ، والأوزاعيّ، وسفيان بن عيينة، واللّيث بن سعد؛ واختلفت الرّواية فيها عن مالك ﵀، والأشهر عنه: جوازها، وعلى ذلك أصحابه الفقهاء، لا يعلم أحد منهم خالفه في ذلك. ومنعها بعض العلماء، ولا تقوم على منعها حجّة. والدّليل على جوازها: ما حدّثناه الشيخ أبو الحسن يونس بن محمد، ﵀، قال: حدثنا أبو عمر أحمد بن محمد ابن الحذّاء، قال: حدثنا أبو بكر حاتم ابن عبد الله بن حاتم البزّاز (٢)، قال: حدثنا أحمد بن خالد، قال: حدثنا محمد ابن وضّاح، قال: حدثنا أبو بكر بن [أبي] (٣) شيبة ومحمد بن قدامة، قالا: حدثنا جرير، عن منصور، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن / بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم، قال: كتب إلينا رسول الله ﷺ : «ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» (٤). وفي بعض طرق هذا الحديث: كتب إلينا قبل موته

стр. 36

بشهر، فكتب إلينا رسول الله ﷺ ، وعلم أنّ من كتب إليه يقف عند كتابه ويمتثل أمره ﷺ . وما حدّثنا به شيخنا أبو الحسن شريح بن محمد ﵀، قال: حدّثني خالي الشيخ أبو عبد الله أحمد بن محمد الخولانيّ، قال: حدثنا أبو ذرّ عبد بن أحمد الهرويّ في ما كتب به إليه، قال: حدثنا أبو العبّاس الوليد بن بكر، قال: حدثنا أبو محمد الحسن بن رشيق العدل الشافعيّ، بمصر، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن سلم المقدسيّ، قال: حدثنا محمد بن المصفّى، قال: سمعت بقيّة بن الوليد يقول: سمعت شعبة يقول: كتب إليّ منصور بأحاديث، ثم لقيته، فقلت له: أحدّث عنك بما كتبت به إليّ؟ فقال: نعم؛ أليس إذا كتبت إليك فقد حدّثتك؟ قال شعبة: فلقيت أيّوب فأخبرته، فقال لي: صدق منصور، إذا كتب اليك فقد حدّثك. فإذا ثبت ما ذكرناه فللإجازة شروط عند من يقول بها. حدّثنا الشيخ أبو الحسن عليّ بن موهب وغير واحد، قالوا: حدثنا أبو الوليد سليمان ابن خلف الباجيّ، قال: حدثنا أبو ذرّ الهرويّ، قال: حدثنا الوليد بن بكر، قال: ولمالك، ﵀، شروط في الإجازة؛ وهو: أن يكون الفرع معارضا بالأصل حتى كأنه هو. وشرط آخر، وهو أن يكون عالما بما يخبر به، ثقة في دينه وروايته، معروفا بالعلم. وشرط ثالث وهو: أن يكون المستجيز من أهل العلم ومتّسما بسمته حتّى لا يضع العلم إلاّ عند أهله. وكان يكره الإجازة لمن ليس من أهل العلم ولا ممّن خدمه وقاسى صناعته. وكان يقول: إذا امتنع من إعطاء الإجازة أحدهم، يحب أن يدعى قسّا ولم يخدم الكنيسة (١). واعلموا، رحمكم الله، أنّ الإجازة أمر ضروريّ في الرواية، وبها تتمّ وتكمل، وإلا كانت ناقصة لا محالة.

стр. 37

أخبرنا أبو محمد بن عتّاب، عن أبيه أبي عبد الله، وكان من أهل التيقّظ والتحرّز والتحفّظ في الرّواية، أنه قال: لا غنى لطالب الحديث عن الإجازة: سمع ما يحمله عن المحدّث، أو عرضه عليه، أو سمعه بعرض غيره عليه، لجواز الغفلة والسّنة والإسقاط والتّصحيف والتّبديل عليهما أو على أحدهما. فإن كان المحدّث هو القارئ بلفظه فجائز السّهو على المستمع وذهاب ما يقرأ عليه؛ وإن كان غيره فجائز أن يسهو الذي يقرأ عليه. فإذا أضيفت الإجازة إلى السّماع أو العرض احتوت الإجازة على جميع ما تقع فيه غائلة من هذه الغوائل. هذا معنى كلام الشّيخ دون / لفظه. قال أبو عبد الله: وعلى هذا اعتمدت في روايتي، والله أسأله الخلاص برحمته. وكان عبد الرحمن بن أحمد بن بقيّ بن مخلد يقول: الإجازة عندي وعند أبي وجدّي كالسّماع. وتوفّي في ربيع الأوّل سنة ست وثلاثين ومئتين. وقد حدّثنا أبو الحسن عليّ بن محمد بن هذيل، إذنا، في ما كتب به إليّ، قال: حدثنا أبو داود سليمان بن أبي القاسم المقرئ، قال: حدثنا أبو عمرو عثمان بن سعيد المقرئ، قال: حدثنا أبو الحسن عليّ بن محمد الرّبعيّ بالقيروان، قال: حدثنا زياد بن يونس السّدريّ، قال: قال عيسى بن مسكين (١): الإجازة قوّية، وهي رأس مال كبير، وجائز أن يقول: حدّثني فلان وأخبرني فلان. وأخبرنا أبو محمد بن عتّاب أيضا، إذنا، قال: أخبرنا أبو عمرو عثمان، عن أبي بكر السّفاقسيّ، قال: سمعت أبا نعيم الحافظ بأصبهان يقول: الإجازة على الإجازة صحيحة جائزة (٢).

стр. 38

واعلموا، وفّقكم الله، أنّ في الإجازة فائدتين، إحداهما: استعجال الرواية عند الضّرورات، والثانية: الاستكثار من المرويّ حتى لا يكاد أن يشذّ عمّن استكثر من الروايات حديث عن النبيّ ﷺ إلا وقد احتوت روايته عليه فيتخلّص بذلك من الحرج في حكاية كلامه من غير رواية. فقد سمعت الخطباء على المنابر، وأعيان الناس في المشاهد والمحاضر، يذكرون أقوال النبيّ ﷺ ولا رواية عندهم لها. وقد اتّفق العلماء، ﵏، على أنه لا يصحّ لمسلم أن يقول: قال رسول الله ﷺ كذا، حتى يكون عند ذلك القول مرويّا ولو على أقلّ وجوه الرّوايات، لقول رسول الله ﷺ : «من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار»، وفي بعض الروايات: «من كذب عليّ. . .» مطلقا دون تقييد (١). ومن وظائف الحمل أيضا: تقديم حسن النّية، وأن يزيد بروايته للحديث استفادة التفقّه فيه، والعمل بما يستفيده منه، ويبلّغه إلى مستحقّه. وفي هذه الفصول أخبار وآثار تركنا ايرادها مخافة التطويل. منها: ما حدّثنا به الشيخ أبو الحسن يونس بن محمد بن مغيث، ﵀، قال، حدّثني جدّي مغيث بن محمد بن يونس، عن جدّه القاضي يونس بن عبد الله ومن خطّه نقلته، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن طالب المؤدّب بالحسبة، قال: حدثنا أبو الطيّب العبّاس بن أحمد الشافعيّ، قال: سمعت أبا حفص بن عوزي يقول، وكان شيخا فاضلا: دخل رجل على سهل بن عبد الله ومعه محبرة، فقال له سهل: ماذا تكتب؟ قال: أكتب العلم؛ قال: اكتب، وإن استطعت ألا تموت / إلاّ وأنت تكتب فافعل، فقال له الرجل: حدّثني ما أكتب به عنك، قال: اكتب، الدّنيا كلها جهل إلاّ ما كان علما، والعلم كلّه على صاحبه حجّة إلا ما كان عملا، والعمل كلّه موقوف إلا

стр. 39

ما كان إخلاصا. قال أبو الطيّب (١): فعرضت هذه الحكاية على أبي بكر محمد ابن أحمد البغداديّ، وكان عالما، فقال: هي صحيحة، وقد بقي فيها لفظة، فقلت له: تقول؟ فقال: والإخلاص التّبرّي (٢). ومن وظائفه: العناية بتعلّم علم اللسان، لئلا يلحن في حديث رسول الله ﷺ أو يصحّف كلامه، فقد وقع في هذا كثير من المحدّثين. وقد ألّف أبو الحسن الدّارقطنيّ، ﵀، في تصحيف المحدّثين كتابا مفيدا. ومنها: اختيار الثّقة، المشهور بالرواية والحفظ، والإتقان لما جمع، المرتسم باتّباع السّنة وترك الابتداع، لما حدّثنا به الشيخ أبو الحسن عبّاد بن سرحان، ﵀، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن طرخان التّركيّ، قال: حدثنا أبو الفضل حمد بن أحمد ابن الحسن الحدّاد الأصبهانيّ، قال: حدّثنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ الأصبهانيّ، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو يعلى، قال: حدثنا عقبة بن مكرم، قال: حدثنا مسعدة بن اليسع، عن شبل بن عبّاد، عن عمرو ابن دينار، عن جابر بن عبد الله، أنّ رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: أيّ الناس أعلم؟ قال: «من يجمع علم الناس إلى علمه، وكلّ صاحب علم غرثان» (٣). قال أبو نعيم: وحدّثنا محمد بن عليّ بن حبيش، قال: حدثنا أحمد بن القاسم بن مساور، قال: حدثنا شريح بن يونس، قال: حدثنا أصرم بن غياث، عن سعيد بن سنان، عن هارون بن عنترة، عن أبي هريرة، قال: إنّ هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذونه. رواه محمد بن معاوية من حديث سعيد المقبريّ عن

стр. 40

أبي هريرة مرفوعا (١). والصّحيح من كلّ ذلك: ما حدّثناه أبو بكر بن خلاّد، قال: حدثنا محمد بن يونس السّاميّ (٢)، قال: حدثنا أزهر بن سعد، قال: حدثنا عبد الله بن عون، عن محمد بن سيرين، قال: إنّ هذا العلم دين، فانظروا عمّن تأخذونه (٣). وحدّثناه أبو النّضر شافع بن محمد بن أبي عوانة (٤)، قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق بن إسحاق بن حجر، قال: حدثنا محمد بن سليمان بن هشام، قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن حميد، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ هذا العلم دين، فانظروا عمّن تأخذونه» (٥). وحدّثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا هارون بن عليّ، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الحسّانّي، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا بقيّة بن الوليد، عن أبي العلاء، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله ﷺ : «هلك أمّتي في العصبيّة والقدريّة والرّواية من غير ثبت» (٦). حدثنا أبو بكر الطّلحيّ، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرميّ، قال: حدثنا محمد بن / بكّار. وحدّثنا (٧) أحمد بن محمد بن موسى، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن مكرم، قال: حدثنا محمد بن بكّار، قال: حدثنا حفص
следующие страницы →