← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 16636

بغية النقاد النقلة

ابن المواق

Полный текст (1 124 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

أصل هَذَا الْكتاب أطروحة قدمت لنيل دكتوراه الدولة فِي الدراسات الإسلامية "تخصص الحَدِيث وعلومه" بقسم الدراسات الإسلامية - كُلية الْآدَاب عين الشق - الدَّار الْبَيْضَاء بإشراف د. زين العابدين بِلَا فريج بتاريخ ٢٨ صفر الْخَيْر ١٤١٨ هـ الْمُوَافق ٤/ ٧/ ١٩٩٧ وأحرزت على تَقْدِير "حسن جدا"

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تصدير الحمد لله، والصلاة على رسول الله وآله وصحبه ومن اتبع هداه. أما بعد: فقد شهد تاريخ العلم عند المغاربة ميلاد مدارس عنيت بنقد الحديث النبوي، ومدارسة ثبوته أو عدم ثبوته وفق الصناعة النقدية التي ابتكرها نقاد الحديث وصيارفته، وكانت من إملاء الفؤاد وجود المخاطر، وتكلفت بصيانة السنة ووصولها إلى الناس غضة طرية، وكانت مستجيبة لقاعد الحفظ ومحققة لما وعد الله به: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. إن قواعد النقد لدى المسلمين قامت على القابلية الساذجة للقبول، وعلمت الناس ما يقبلون وما يردون، ونبهت على أن القبول منوط بشروط وأوصاف لابد من توفرها، وكان تكامل المنهج النقدي واستقامته في الجمع بين ركنين أساسيين في الرواية: العدالة والضبط. فالعدالة: هي السيرة الذاتية من لزوم الفرائض وترك النواهي، وهي باطنة وظاهرة، والضبط: هو القدرة العلمية من صحة الذهن في حفظه وصحة كتبه، وندرة الغلط أو انعدامه. إلى شروط اتصال السند: وهي تحقق الرواية بين الرواة على صفة مرضية للحديث أو الجزء المروي، وبراءة السند من التدليس؛ الذي هو ضرب من التعمية والإيهام، وخلوه من الشذوذ والنكارة، وهما المخالفة والإضطراب المؤذن بالضعف فتقديم الأوثق الأحفظ على من دونه، وتقدم الجماعة من الثقات على الواحد عند المخالفة هو الملحظ النقدي الذي يدل عليه العلم والعقل، فإن خالف الضعيف الثقة أدعى للرد. لقد دخل الحديث إلى بلاد الأندلس بواسطة معاوية بن صالح الحضرمي (ت

стр. 3

١٦٨ هـ) ﵀ في القرن الثاني الهجرىِ، وشهدت تلك البقاع نبوغ أساطين في نقد السنن، وأعلامًا في صناعهَ النقد الحديثي، برزوا وتميزوا في تاريخ العلم والسنة؛ ذكرهم محاط بالإجلال ويفتح علينا صرحًا من صروح العلم، ويدلنا على قلعة من قلاعه، منهم أبي عبد الرحمن بقي بن مخلد (ت ٢٧٦ هـ)، وابن وضاح (ت ٢٧٧ هـ) القرطبيين، وأبي عمر الطلمنكي (ت ٤٢٩ هـ) وابن أبي زمنين الإلبيري (ت ٣٩٩ هـ)، وابن عبد البر القرطبي (ت ٤٦٣ هـ) .. إلى عبد الحق الإشبيلي الشهير بابن الخراط (ت ٥٨٢ هـ)؛ صاحب الأحكام الثلاثة: الكبرى والوسطى والصغرى، فقد ظهرت عنايته بأحاديث الأحكام واشتملت كتبه على صناعة واستدلال. وكان ممنِ برز في نقد استدلالات ابن الخراط في أحكامه الناقد البصير علي بن الحسن ابن القطان الكتامي رأس طلحة العلم بمراكش - المراكشي الفاسي المتوفى سنة ٦٢٨ هـ. في كتاب حافل اشتمل على صناعة حديثية عالية ترجمت مستوى النقد في الغرب الإسلامي وحفلت بصنوف النقود ودراسه المنيفة، وأصبح عند المتأخرين ركنا يعولون عليه؛ وقد رد ابن القطان على ابن الخراط بعض ما صححه أو حسنه؛ فخطأه فيه وكلها دارت على مخالفاته له في أحكامه على الأحاديث تصحيحًا أو تحسينًا أو تضعيفًا. فكان كتاب ابن القطان ديوان نقد عالي القدر عند المعاصرين واللاحقين، واعتمده كبار نقاد عصره من المتأخرين كالذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، والزيلعي (ت ٧٦٢ هـ)، وابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) وغيرهم. ولم يقف الأمر عند هذا الحدُ بل تسلسل المسلسل؛ إذ أن حضور النقد وتمكنه من علماء الحديث لا يدعهم يسكنون على المساجلات العلمية والمطارحات النقدية ويلح عليهم دائماً منهج الرد والتعقيب والإستدراك، مما يشير إلى حيوية العلم ومواكبات تطوراته ومناقشة مناهجه وطرائقه، وأن العلم كان ولا يزال عند المسلمين يتميز بحراسة أصوله وقواعده، فلا يمكن استمرار الجميع في خطأ لا

стр. 4

يتأهل أو لا يهتدي أحد إلى كشفه وبيانه، بل عيون النقاد جاحظة وقلوبهم واعية .. يقظة. لم تقف السلسلة الثنائية حتى انبرى تلميذ أبي الحسن ابن القطان: أبو عبد الله ابن المواق المتوفى سنة (٦٤٢ هـ) عصري الجماعة المتأخرين الذين تكلموا على أحاديث لم يسبق لمن تقدمهم فيها كلام؛ وهم الزكي المنذري (ت ٦٥٦ هـ) والضياء المقدسي (ت ٦٤٣ هـ) وابن القطان الكتامي، والدمياطي المصري (ت ٧٠٥). برز التلميذ أيضًا آخذًا بالإمام، لاحقاً بالركب، فأخرج من بنيانه علومًا نقدية، ومعايير صناعية، واضعًا نفسه بين شيوخه ضاربًا لنفسه بحظه من العلم والنقد، على قاعدة: كم أبقى الأول للآخر. فخرج ديوان نقد على شيخه ابن القطان فيصلا بين المتخاصمين، وحكما بين المتجادلين، قطع فيه بأمور خطأ فيها شيخه وصوب ابن الخراط. وقد أشاد بعلوم هذا الناقد المغمور (١) جماعة من كبار علماء المتأخرين كالزين العراقي (ت ٨٠٤ هـ) وابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) والسخاوي (ت ٩٠٢ هـ)، والسيوطى (ت ٩١١ هـ)؛ فنقولهم عنه في الإتصال والتدليس وغيره من أعز النقول في علم ومصطح الحديث وأغزرها فائدة، وغلب على منهج ابن المواق الإستقراء لتقرير النتائج النقدية المتوخاة. وديوان النقد الذي فتح به الناقد ابن المواق بين ابن الخراط وابن القطان هو كتاب: ((بغية النقاد النقلة، فيما أخل به كتاب "البيان" وأغفله، أو ألم؛ به فما تممه ولا كمله)). ولا توجد منه إلا قطعة معروفة في خزانة الأسكوريال بمدريد. وقد انتدب لخدمة هذا الكتاب وتحقيقه ودراسته زميلنا الفاضل الأستاذ الوقور

стр. 5

محمد خرشافي الذي عرف بجده وهمته العالية في خدمة حديث رسول الله ﷺ فما إن أريته النسخة من كتاب بغية النقاد حتى وجدت الإستعداد والترحاب يعلو محياه، وأشرقت أسارير وجهه فرحًا بهذا الكتاب، كما هي أخلاق طلبة العلم. فبذل وسعه في تخريج أحاديثه وتتبع الطرق والروايات وإرجاعها إلى مظانها وكان قيمتها من قبول ورد، وأخرج النص سليماً من النسخة الفريدة، وقدم بمقدمة دراسية للمؤلف وعصره وللكتاب؛ فجاء عملًا جيداً مشرفًا وأظهر لنا كنزًا من كنوز العلم، وميراثاً من مواريث الحديث النبوي، أجزل الله له المثوبة وبارك فيه. وفي ختام هذه الكلمة نشكر صاحب مكتبة أضواء السلف بالرياض الأخ الفاضل الدؤوب علي صنهات الحربي على تتبعه نفائس التراث الإسلامي وسعيه في إخراجه وطباعته، بارك الله في جهوده وأكثر من أمثاله. والله من وراء القصد. وكتبه زين العابدين بن محمد بلافريج أستاذ التعليم العالي بجامعة الحسن الثاني كلية الآداب والعلوم الإنسانية الدار البيضاء - المغرب

стр. 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مُقَدِّمَةٌ إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي نه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١). ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣). إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد: فإن من منة الله على عباده المؤمنين أن أنزل كتابه الكريم هداية مبينة تنير لهم سبيل السعادة في دنياهم وأخراهم، وجعله أعظم رسالة سماوية وأعلاها مكانة، كما جعله معجزة خالدة إلى يوم الدين، فكان هو المصدر الأول للتشريع الإسلامي، وقد خصه بمميزات، منها أنه تكفل بحفظه، قال : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٤)، في حين أوكل حفظ كتبه

стр. 7

اِلسماوية السالفة للعلماء والمؤمنين بها من أتباع الرسل السابقين؛ قال تِعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾. (١) ومن تمام منة الله على هذه الأمة أن جعل السنة النبوية مبينة للقرآن الكريم، مفصِلة لمجمل أحكامه شارحة لما يحتاج للشرح منه، وفي ذِلك يقول : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢) كما يقول سبحانه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣) وهذا المعنى الذي ذكرته الآيتان هو ما نص عليه ﷺ في كثير من أحاديثه، منها قوله ﷺ : (ألا إنِّي أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ..) الحديث. (٤) وجاء في حديث أبي رافع -وغيره- مرفوعًا: (لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته؛ يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) (٥). فالسنة النبوية قسم من أقسام الوحي الموحى به للنبي ﷺ ولا يجوز مخالفتها؛

стр. 8

وقد أوجب الله على المؤمنين طاعة رسوله ﷺ ، وأمر بذلك في آيات كثيرة؛ منها قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١)، وجاء الِتحذِير من مخالفة أوامره ﷺ في قوله عز من قائل: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢) بل إننا نجد الله ينص على أن طاعته في طاعة رسوله ﷺ ، وبالتالي فعصيان الرسول عصيان لله ؛ قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ الآية (٣). وجاء في حديث العرباض بن سارية ﵁: (صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فما تعهد إلينا؟ قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشيا، فإنّه من يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافاً كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة") (٤). وقد نص غير واحد من العلماء على أنه يستفاد من هذا الحديث -وغيره كثير- وجوب الأخذ بهديه ﷺ في كل شيء، واجتناب كل البدع المستحدثة. ولا كان للسنة النبوية هذه المكانة السامقة، وكانت المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي وجدنا أن الأمة الإسلامية قد خصتها بالرعاية الفائقة والعناية التامة، واستعملت في المحافظة عليها أسلوبًا فريدًا لم يسبق لأمة من الأمم أن سلكته في سبيل الحفاظ على أحاديث رسولها؛ نلمس ذلك في خصيصة

стр. 9

الإسناد وما صاحبه من متابعة أحوال الرواة والكشف عن عدالتهم أو تجريحهم، وكذا ضبطهم أو غفلتهم، بل قد يسلم الحديث من سائر القوادح الظاهرة، ولكن فحول هذه الصناعة الحديثية يستطعون الكشف عما خفي على غيرهم من علل مؤثرة في صحته والإحتجاج به. بدأت بذور الإهتمام بالسند في عهد رسول الله ﷺ -كما يبدو ذلك في حديث ضمام بن ثعلبة حينما بلغته دعوة الإسلام، فلم يقنع بما وصله حتى جاء عند رسول الله ﷺ ؛ ليسمع منه بنفسه؛ فيتحقق له السند العالي في هذا الحديث: روى البخاري بسنده إلى أنس بن مالك؛ قال: (بينما نحن جلوس مع النبي ﷺ في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد - والنبي ﷺ -متكئ بين ظهرانيهم- فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له الرجل: ابن عبد المطلب، فقال له النبي ﷺ : قد أجبتك. فقال الرجل للنبي ﷺ : إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد علي في نفسك. فقال: سل عما بدا لك. فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: اللهم نعم. فقال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم. قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: اللهم نعم. قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا، فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي ﷺ : اللهم نعم. فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة ..) الحديث. (١) ثم صارت بوادر التثبت في الرواية تظهر في عهد الخليفة أبي بكر ﵁، ثم من جاء بعده من الخلفاء الراشدين، ولما ظهرت الفتنة وما صاحبها من الكذب على رسول الله ﷺ انبرى نقاد المحدثين للوضاعين يفضحونهم،

стр. 10

ويتابعون كذبهم لكشفه وتبرئة ساحة السنة من بهتانهم. روى الإمام مسلم عن محمد بن سيرين ﵀ أنه قال: (لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم) (١). وقيل للإمام عبد الله بن المبارك: (هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: يعيش لها الجهابذة) (٢). وهكذا بارك الله في جهود علماء الحديث حتى غدوا سدًا منيعًا وصخرة صلبة تكسرت عليها نصال الفتن وسهام الأهواء فرد كيد الكائدين وتم للبشرية لأول مرة في تاريخها إحصاء الكلمات والعبارات والأفعال والإشارات وأسماء الصغار والكبار والكذبة والأخيار، ومن حل ومن ارتحل؛ كل هذا -وغيره كثير- دُوِّنَ وصُنّفَ وضُبِطَ بقواعد دقيقة لم تعرفها أمة قبل، حتى أصبح لكل راو من الرواة سجل تفصيلي يحدد مرتبته بين الرواة وطبقاتهم؛ سواء من حيث العدالة والضبط، أو الجرح والوهم أو الغفلة. ولم يفت كبار أعلام الحديث أن الثقة العدل مهما علت مكانته وسمت مرتبته فإنّه معرض للخطأ والوهم، وأن هذا وإن كان نادرًا إلا أنه من الثقة العدل خطر؛ لأن روايته مقبولة عند الناس، وهو حجة عندهم في جميع منقولاته، ولمثل هذا أوجد علم العلل. يقول الدكتور محمد مصطفى السباعي، ﵀، في وصف جهود العلماء في مجال النقد: (لا يستطع من يدرس موقف العلماء -منذ عصر الصحابة إلى أن تم تدوين السنة- من الوضع والوضاعين وجهودهم في سبيل السنة، وتمييز صحيحها من فاسدها، إلا أن يحكم بأن الجهد الذي بذلوه في ذلك لا مزيد عليه، وأن الطرق التي سلكوها هي أقوم الطرق العلمية للنقد والتمحيص، حتى لنستطيع أن نجزم بأن علماءنا، ﵏، هم أول من

стр. 11

وضعوا قواعد النقد العلمي الدقيق للأخبار والمرويات بين أمم الأرض كلها، وأن جهدهم في ذلك جهد تفاخر به الأجيال، وتتيه به على الأمم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم) (١). وهذا الكتاب الذي بين أيدينا (بغية النقاد النقلة، فيما أخل به كتاب "البيان" وأغفله، أو أَلَمَّ به، فما تممه ولا كمله. للحافظ أبي عبد الله محمد بن أبي يَحْيَى؛ الشهير بابن المواق). هو ثمرة للجهود العلمية النقدية الحديثية التي ابتدأت بعبد الحق الإشبيلي بكتابه "الأحكام الوسطى"، ثم أينعت على يد أبي الحسن ابن القطان الفاسي بكتابه: "بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام" ونضجت بمؤلَّف "البغية" هذا. منهج التحقيق تنوعت مناهج المحققين بين اتجاهين: أحدهما: استشراقي غربي هدفه إخراج النص المحقق بغض النهار عن الرجوع إلى مواطن النقل والتخريج، ولا يتناول تراجم لأعلام النص، ولا التعليق على أفكار المصنفٌ، ومن سار على هذا المنهج آثر إخراج النص خلوا من الحواشي والتعليقات والتخريجات. الثاني: يهتم بالرجوع إلى موارد المؤلف ومقابلتها بالمنقول عنها فيه، وتخريج نصوصها، وبيان عزوها. والمنهج الأول قد يتواءم مع طبيعة بعض النصوص ويتناسب معها، فلا ضير في تحقيقها بالإعتماد عليه، في حين أن المنهج الثاني قد يكون هو الأنسب لنصوص أخرى.

стр. 12

ولما كان كتاب "بغية النقاد" من فصيلة التعقيبات العلمية بين العلماء، ثم إنه اشتمل على كثير من الأحاديث التي يدور موضوع تعقيبها على علم العلل، وهذه للعلماء فيها مآخذ قد تختلف بين هذا وذاك. ثم إن موضوع الكتاب يتناول أحاديث الأحكام، والحكم على الحديث فيها بالصحة أو الحسن أو الضعف يترتب عليه أمور أخرى تتعلق بالحكم الشرعي في أفعال العباد وبالحلال والحرام؛ ... كل هذا وغيره كفيل بأن يجعل أمر تحقيق هذا المخطوط يتطلب المنهج الثاني. ولهذا لا ضير إذا توقفت عند التعقيبات الواردة في الكتاب بالرجوع إلى مظانها واستحضار ونصوصها من مصادرها المنقولة منها، ثم تتبع جزئياتها لتمحيصها وبيان وجهها، بل ومناقشتها -حسب ما يتطلبه المقام- لاستصواب ما كان صوابًا، والتعقيب على ما يحتاج لذلك. وهذا مجمل هذه الخطوات: ١ - لما كانت نسخة المخطوط فريدة فإني اعتمدت في المقابلة ببنها وبين الأصول التي نقلت منها، كما قابلت بينها ويين النصوص المنقولة عنها، كما أمكنني ذلك. وهذا ما جعلني في كثير من الأحيان أطمئن لسلامة النص. ٢ - قمت بوضع ترقيم مسلسل للأحاديث الواردة في المخطوط، باعتبار أنه يتكلم على كل حديث منها وما فيه من وهم أو علة ... ٣ - جعلت بداية كل حديث من الأحاديث المتعقبة في صفحة جديدة إشعارًا مني بالمنهج الذي سار عليه المصنف في تعقيبه؛ حيث جمع الأحاديث المتعقبة التي يجمعها جامع واحد في فصل أو باب، وفصل بينها بعبارة دالة على هذا الفصل مثل: (وذكر)، ونحوها، وذلك عند ذكر كل حديث. ٤ - خرجت الأحاديث تخريجًا مسهباً -في قسم التحقيق- تناولت فيه أموراً؛ منها:

стр. 13

أ - عزو الحديث المذكور إلى مصدره المنقول منه، بذكر اسم المصنف، وكتابه، وبابه، والجزء والصفحة، ورقم الحديث فيه، إن كان مرقمًا. ب - تخريج الأحاديث التي لم يعثر عليها المصنف، أو التي تركها دون عزو بعد أن بذل مجهوده ولم يقف على موضعها. ج - في تخريج الأحاديث حرصت على معرفة طرق الحديث التي لم يقف عليها المؤلف، والتي قد تفيد في ذكر متابعة لراو، أو شاهد لحديث، أو تعضيد لرواية، مما يسهل معرفة درجة الحديث المتناول للتعقيب. ٥ - متابعة المصنف في أقواله ونقوله، وأحكامه على الأحاديث، والتعقيب على ما يستحق التعقيب منها. ٦ - الأحاديث التي ذكرها المصنف في موضعين من كتابه، تناولت التعليق عليها في الموضع الأول، ثم إذا وصلت إلى موضعها الثاني اكتفيت بالإحالة في الحاشية إلى كون الحديث قد سبق ذكره برقم كذا، وذلك تجنبا للتكرار. ٧ - درست رجال سند كل حديث من الأحاديث التي أوردها المصنف في كتابه، مما يسر لي أن أقف على أحكام رجال التعديل والتجريح للرواة في مصادرها الأصلية وفي أمهات الكتب، وكثيرا ما أكتفي بحكم الحافظ ابن حجر على الراوي، إذا كان ذلك هو الأنسب. ٨ - الصحابة، ﵃، كلهم عدول؛ لذلك لم أترجم لهم، اللهم إلا لمن كان غير مشتهر منهم، أو لمن ذكر بكنيته منهم، أو لنكتة علمية. ٩ - قد يظهر لي مخالفة المصنف فيما ذهب إليه من حكم، أو تعليل، أو غير ذلك، فأذكره في موضعه عند دراسة الحديث والتعليق عليه. وقد يظهر لي تأخير ذلك إلى الدراسة، وفي هذه الحالة قد أشير إلى ذلك في الهامش. ١٠ - عملت على الحفاظ على النص على الصورة التي وجدتها عليه، ولم أسمح لنفسي بالتدخل إلا فيما تسمح به ضوابط التحقيق ومناهجه؛ مثل

стр. 14

تصحيح ما لم يكتب وفق القواعد الإملائية الصحيحة، أو ما خالف في الرسم؛ مثل إضافة المد لكلمة (الحرث)، فأثبتها: (الحارث)، ونحو إضافة حرف الهمزة في آخر اسم (زكرياء). ١١ - قمت بشرح المفردات الغريبة في النص في الهامش، معتمدًا في ذلك على كتب شرح الغريب، وعلي المعاجم اللغوية. ١٢ - قد يكون بالنص سقط واضح أو معنى مضطرب فأحتاج إلى إثبات السقط أو توضيح المضطرب بكلمة أو نحوها، وفي هذه الحالة أجعل ما أضفت مما ليس في الأصل بين معقوفتين (..) وأضع بعدها مباشرة رقم إحالة في الهامش لبيان أن الإضافة ليست بالمخطوط. ١٣ - حافظت على ما ورد في النص المخطوط من رموز اصطلاحية حديثية دالة على صيغ التحديث وغيره: فإذا عبر بـ (ني) عن حدثني، أو بعبارة (نا) عن حدثنا، أبو بعبارة (أنا) عن أخبرنا، أو بـ (اهـ) عن انتهى؛ أبقيتها كما ذكرها، ولم أغيرها. ١٤ - عزوت الآيات الواردة في النص إلى أرقامها في السور المذكورة فيها، معتمدًا على رواية ورش عن نافع. ١٥ - سرت على المنهج المعروف في ترقيم أوراق المخطوط، كما قسمته إلى لوحات؛ وفي كل لوحة وجه أ، ثم وجه ب، وأشير إليها بخطين مائلين (//)؛ أضع بينهما رقم اللوحة والوجه. ١٦ - وضعت بعض الخرائط المساعدة على تصور سلسلة السند والاختلافات بين روايات الحديث الواحد، وذلك إذا كان الأمر يستدعي ذلك. ١٧ - وضعت فهارس فنية لتقريب البحث؛ منها: فهرس الآيات، وفهرس الأحاديث، وفهرس الأعلام، وفهرس الرواة المذكورين بجرح أو تعديل في بغية النقاد، وفهرس مصطلح الحديث، وفهرس الأمكنة والبقاع، وفهرس الغريب، وفهرس المصادر والمراجع.

стр. 15

الصعوبات التي واجهتني: - لعل أول الصعوبات التي واجهتني كون هذا المخطوط لا يوجد منه سوى نسخة وحيدة، وهي على يتمها مبتورة الأول والآخر، وهذا يجعل العمل فيها عسيرا. - صعوبة البحث عن النصوص المنقولة في الكتاب من مواردها التي نقل منها المصنف لمقابلتها بما في المخطوط، وكذا صعوبة العثور على جميع ما نقل المحدثون عن ابن المواق - سواء ما نسب منه للبغية بالنص الصريح، أو ما نسب لإبن المواق دون ذكر اسم الكتاب الذي نقل منه، وهذا ما جعلني ملزماً بجرد (١) عدة كتب؛ منها: ملء العيبة، لأبي عبد الله محمد بن عمر بن رشيد الفهري السبتي، والنكت على كتاب ابن الصلاح، للزركشي، والتقييد والإيضاح، للحافظ زين الدين العراقي، والتبصرة والتذكرة له أيضًا -وهو شرحه لألفيته- وفتح الباري، لإبن حجر العسقلاني، والنكت على كتاب ابن الصلاح، لإبن حجر كذلك، والتلخيص الحبير، له أيضًا، وفتح المغيث، للسخاوي، وتدريب الراوي، للسيوطي، وفتح الباقي على ألفية العراقي، لزكرياء الأنصاري، وتوضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار للصنعاني، والتعليق المغني على سنن الدارقطني، لأبي الطيب محمد شمس الحق آبادي، وكشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، لإسماعيل بن محمد العجلوني. - لم يقيد على النسخة سماع ولا رواية؛ وذلك بسبب البتر. - عدم استطاعة الجزم -في أول الأمر- بمؤلف هذا الكتاب: "بغية النقاد"، هل هو لإبن المواق، أو لإبن رشيد السبتي؟ - ترجمة ابن الواق نادرة، وليس في المصادر ما يشفي الغليل عن الحياة العلمية لهذا العَلَم. وعدم وجود دراسة عن ابن الواق تسلط الضوء على منهجه أو تتناول التعريف به.

стр. 16

خطة العمل قسمت الكتاب إلى قسمين: - قسم للدراسة. - وقسم للتحقيق والتعليق. أما قسم الدراسة: فيحتوي على: مقدمة وبابين. المقدمة: وقد تناولت فيها: - أسباب اختيار الموضوع. - وبيان المنهج الذي سلكته في تحقيق النص. مع الإشارة إلى الصعوبات التي واجهتني في هذا البحث. أما الباب الأول: فقد افتتحته بمدخل تمهيدي لعلم الحديث بالمغرب. وقسمت هذا الباب إلى قسمين، وجعلت في القسم الأول ثلاثة فصول. الفصل الأول: منها عقدته لعبد الحق الإشبيلي، وتحته المباحث الآتية: المبحث الأول: التعريف بعبد الحق الإشبيلي المبحث الثاني: شيوخ عبد الحق الإشبيلي المبحث الثالث: تلاميذ عبد الحق الإشبيلي المبحث الرابع: مصنفات عبد الحق الإشبيلي المبحث الخامس: المكانة العلمية لعبد الحق الإشبيلي

стр. 17

أما الفصل الثاني: فقد خصصته لإبن القطان الفاسي، وتحته المباحث الآتية: المبحث الأول: التعريف بابن القطان الفاسي المبحث الثاني: نشأته العلمية المبحث الثالث: شيوخ ابن القطان الفاسي المبحث الرابع: تلاميذ ابن القطان المبحث الخامس: مصنفات ابن القطان المبحث السادس: المكانة العلمية لإبن القطان المبحث السابع: أبو الحسن بن القطان محافظ مكتبة القصر الموحدي أما الفصل الثالث: فقد عقدته لإبن رُشَيْد السبتي، وتحته المباحث التالية: المبحث الأول: التعريف بابن رشيد السبتي المبحث الثاني: شيوخ ابن رشيد السبتي المبحث الثالث: تلاميذ ابن رشيد السبتي المبحث الرابع: مذهب ابن رشيد الفقهي المبحث الخامس: رحلة ابن رشيد إلى الأندلس وفاس المبحث السادس: مصنفات ابن رشيد المبحث السابع: مكانة ابن رشيد العلمية أما القسم الثاني من هذا الباب، ففيه تفصيل لحركة التأليف الحديثية من "الأحكام" إلى "البغية". صدرته بتمهيدين، يتلوهما فصلان التمهيد الأول: علم العلل

стр. 18

التمهيد الثاني: الكتب المؤلفة في أحاديث الأحكام الفصل الأول: عقدته لكتابي: الأحكام ("الكبرى" و"الصغرى") لعبد الحق الإشبيلي ابتدأته بتمهيد فيه وإن لسبب تأليف عبد الحق لكتب الأحكام بعده المباحث الآتية: المبحث الأول: الأحكام الكبرى المبحث الثاني: الأحكام الصغرى المبحث الثالث: الكتب المصنفة على الأحكام الصغرى الفصل الثاني وهو خاص بـ"الأحكام الشرعية الوسطى" وفيه المباحث التالية: المبحث الأول: التعريف بـ"الأحكام الوسطى". المبحث الثاني: منهج الإشبيلي في "الأحكام الوسطى" المبحث الثالث: مصادر الكتاب المبحث الرابع: القيمة العلمية للكتاب الباب الثاني: وقد عقدته للتعريف بابن المواق وكتابه "بغية النقاد" وقد اشتمل على خمسة فصول: خصصت الفصل الأول للتعريف بابن المواق ومكانته العلمية افتتحته بتمهيد: ركزت فيه على ندرة ترجمة ابن المواق وآثار ذلك على الباحثين، تلاه المباحث الآتية:

стр. 19

المبحث الأول: اسم ونسب ابن المواق المبحث الثاني: البيئة العلمية التي نشأ بها ابن المواق المبحث الثالث: شيوخ ابن المواق المبحث الرابع: تلاميذ ابن المواق المبحث الخامس: المذهب الفقهي لإبن المواق المبحث السادس: المكانة العلمية لإبن المواق المبحث السابع: ابن المواق والتصحيح والتضعيف المبحث الثامن: ابن المواق وعلم الجرح والتعديل المبحث التاسع: ابن المواق وعلم علل الحديث المبحث العاشر: مصنفات ابن المواق المبحث الحادي عشر: تأكيد نسبة كتاب "بغية النقاد" لإبن المواق أما الفصل الثاني فقد عقدته لبيان مضمن كتاب: "بغية النقاد". وقد حاولت فيه أن أضع ملخصاً للتعقيبات التي وردت في كتاب: "بغية النقاد". أما الفصل الثالث فقد خُصص لذكر موارد ابن الواق في "بغية النقاد"، وقد قسمتها إلى محاور كالآتي: - كتب متون الحديث - كتب العلل الحديثية - كتب التواريخ - كتب المعاجم

стр. 20

- كتب أطراف الحديث - كتب الجرح والتعديل - كتب المؤتلف، والمختلف، والمتفق والمفترق ... - كتب طبقات الصحابة - كتب الفقه - كتب في فنون وعلوم مختلفة أما الفصل الرابع فقد عقدته لبيان جانب من مشاركة ابن المواق في تأسيس علوم الحديث عنونته بـ: جهود ابن المواق في علوم الحديث، وتحته المباحث التالية: المبحث الأول: الحكم على السند المعنعن المبحث الثاني: الحكم على السند المؤنن المبحث الثالث: متى يحكم على الحديث بالانقطاع المبحث الرابع: حكم مراسيل الصحابة المبحث الخامس: حكم الرواية بالمكاتبة المبحث السادس: حكم النسبة إلى الجد المبحث السابع: هل سمع الحسن من ابن عباس، ﵄؟ المبحث الثامن: شرط البخاري ومسلم المبحث التاسع: الحديث الحسن المبحث العاشر: الجهالة وحكمها

стр. 21

المبحث الحادي عشر: بم تثبت العدالة؟ المبحث الثاني عشر: الرواية بالمعنى المبحث الثالث عشر: الإهتمام بنسبة روايات كتب الحديث إلى مؤلفيها وآخر هذه الفصول هو الفصل الخامس، وقد تناولت فيه أمورًا متفرقة لها علاقة بـ"بغية النقاد"، من ذلك: - التعقيب وآدابه عند ابن المواق - ضوابط النقل عند ابن المواق - أصول التخريج عند ابن المواق - فوائد كتاب: "بغية النقاد" - نقول عن ابن المواق - مؤاخذات على ابن المواق وبهذا ينتهي قسم الدراسة، ويليه قسم التحقيق والتعليق. هذا وإني لا أدعي الكمال فيما قمت به، بل هو جهد المقل، فما كان منه صوابًا فهو من توفيق الله ، وما كان فيه من تقصير فأستغفر الله منه. والله أسأل أن يثيبني على هذا العمل دنيا وأخرى؛ وأن ينفع به، إنه سميع مجيب. ثم لا يفوتني أن أتقدم بالشكر والعرفان بالجميل لفضيلة أستاذي الدكتور زين العابدين بلافريج على إشرافه على هذه الرسالة، والأساتذة الكرام: والدكتور محمد يسف، والدكتور الحسن العبادي، والدكتور محمد بن عبد الرحمن المغراوي، والدكتور محمد أبو الفضل، جازاهم الله بأحسن الجزاء على ما

стр. 22

قدموا من نصح وإرشاد. كما أتوجه بالشكر العميم للأخوة الأساتذة الذين مكنوني من بعض المصادر والمراجع التي لم يكن لي أن أحصل عليها إلا من طريقهم، كما أسجل هنا شكري الخاص للشيخ الجليل العالم محمد بوخبزة الذي أمدني ببعض المخطوطات القيمة. شكر الله لكل من تقدم ذكرهم ولغيرهم ممن لم أذكرهم، والله يتولى الصالحين. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على نبينا الكريم وعلي الله وصحبه أجمعين. وكتبه د/ محمد خرشافي أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء - عين الشق - المغرب

стр. 23

الباب الأول القسم الأول حلقات المحدثين المغاربة في القرنين السادس والسابع الهجريين الفصل الأول: عبد الحق الإشبيلي الفصل الثاني: ابن القطان الفاسي الفصل الثالث: ابن رشيد السبتي

стр. 24

مدخل تمهيدي لعلم الحديث بالغرب: كان دخول الحديث النبوي إلى بلاد المغرب والأندلس مع الفاتحين الأولى شأنه شأن القرآن الكريم، وكانت العناية به واضحة من أول يوم عرف المغاربة شريعة الإسلام، ذلك أنه أحد هذين الأصلين الذين بني عليها هذا الدين، ولكن لم يكن الأمر متسعاً بين سائر العلماء بالمغرب، ولهذا نلمس طائفة من المحدثين الذين يظهرون من حين لآخر؛ وهذه بعض من هذه النماذج: - معاوية بن صالح بن حُدير الحضرمي (ت ١٦٨ هـ) راوية أهل الشام، دخل الأندلس سنة ثلاث وعشرين ومائة، قال عنه النباهي: كان من جلة أهل العلم، ورواة الحديث. تولى التحديث بالأندلس، وقصده الناس للرواية عنه من كل صوب. (١) - داود بن جعفر بن أبي صغير، من أهل قرطبة، سمع من مالك بن أنس وسفيان الثوري، ومعاوية بن صالح، قال ابن وضاح: ورويت أنا عنه، وروى هو عني. ذكر أنه أملى على أحد تلامذته ثلاثة آلاف حديث. (٢) وظهور هذه العينات من المحدثين لم يكن يسمح بأن تكون صبغة الحديث صبغة عامة بالبلاد في هذه الفترة، ولكنها كانت بذوراً صالحة لأشجار باسقة فيما يعقبها من الزمن، وقد بدأ هذا التحول نحو هذه الغاية بعد العودة الثانية لمحمد بن وضاح بن بزيغ القرطبي (٢٠٢ - ٢٧٧ هـ) من رحلته المشرقية، حيث تم له الأخذ عن كبار المحدثين في عصره أمثال أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني. لذا يمكن أن يقال إن ابن وضاح هو أول من أدخل علم الحديث إلى بلاد الأندلس. (٣)

стр. 25

ويأتي بعد ابن وضاح أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد القرطبي (٢٠١ - ٢٧٦ هـ)، وله رحلتان إلى المشرق استغرق في الأولى عشرين سنة، وفي الثانية أربع عشرة سنة، وقد كانت الحصيلة العلمية لهاتين الرحلتين هامة، ويرجع الفضل لبقي بن مخلد في إدخال كثير من الكتب إلى الأندلس، منها: مصنف ابن أبي شيبة، كما كان له مزية الانتقال الفعلي للمغاربة من الإنكباب على الفقه المالكي بفروعه إلى دراسة الكتاب والسنة، واستخلاص الأحكام من هذين الأصلين، وقد ألف في التفسير والحديث وطبقات الصحابة. (١) ومن أعلام المحدثين بعد هذه الفترة قاسم بن أصبغ البيَّاني (٢٤٤ - ٣٤٠ هـ)، وهو الآخر من الذين ارتحلوا إلى المشرق، وجابوا الآفاق، وأخذوا عن كبار محدثي العصر، وإليه يرجع الفضل في إدخال كثير من كتب الحديث وتواريخ الرجال إلى الأندلس؛ مثل: كتاب التاريخ لأحمد بن زهير بن حرب، كما أنه بلغ شأوا عالياً في علم الحديث، له مصنفات قيمة؛ منها مصنفه الخرج على كتاب أبي داود، وغيره. اشتغل بالإقراء والتحديث، ولما طال عمره في ذلك صارت الرحلة تشد إليه، فاجتمع في الأخذ عنه الكبار والصغار، والشيوخ والكهول والأحداث. (٢) وممن اشتهر من المحدتين المغاربة آنذاك: أبو القاسم، خالد بن سعد القرطبي (ت ٣٥٢ هـ)، وكان له شأو وأي شأو في علم الحديث، حتى إن الحكم الستنصر (٣٠٢ - ٣٦٦ هـ) كان يقول في حقه: "إذا فاخرنا أهل المشرق بيحيى ابن معين (ت ٢٣٣ هـ) فاخرناهم بخالد بن سعد". (٣)

стр. 26

ومن المحدثين اللامعين في هذا العصر أحمد بن سعيد بن حزم الصدفي، كانت له رحلة إلى المشرق من أجل طلب الحديث، فلما رجع عنىِ بالآثار والسنن وجمع الحديث ونشره وروايته، ولم يزل كذلك بين أهل قرطبة حتى توفاه الله إليه سنة ٣٥٠ هـ. (١) وممن يذكر من محدثي المغرب في هذه الفترة: أبو عمر، أحمد بن محمد الطلمنكي (٣٤٠ - ٤٢٩ هـ) له رحلة إلى المشرق استفاد منها في علوم القرآن والحديث حتى صار إمامًا فيهما، وكان سيفاً مجرداً على أهل الأهواء والبدع، قامعاً لهم غيوراً على الشريعة شديدًا في ذات الله . (٢) أما يونس بن عبد الله بن محمد بن مغيث (٤٤٧ - ٥٣٢ هـ) فقد علا كعبه في علمي الحديث والفقه، وكان -مع سابقه- أحد أئمة هذا الشأن، وإليه يرجع الفضل في تكوين جيل من المحدثين في هذه الحقبة؛ أمثال ابن حزم الظاهري، وأبي الوليد الباجي، وأبي عبد الله بن عتاب. (٣) ويشهد المغرب في القرن الخامس الهجري ازدهاراً ملحوظاً في علم الحديث على يد أبي عمر يوسف ابن عبد البر (٣٦٨ - ٤٦٣ هـ) صاحب التآليف العديدة والتصانيف الهامة مثل: "التمهيد" و"الإستذكار" و"الإستيعاب". قال أبو الوليد الباجي عنه: (لم يكن بالأندلس مثل أبي عمر بن عبد البر في الحديث، وهو أحفظ أهل المغرب). (٤)

стр. 27

ومن كبار أعلام محدثي هذا القرن كذلك: أبو الوليد؛ سليمان الباجي (٤٠٣ - ٤٧٤ هـ)، له رحلة إلى الشرق -استغرقت ثلاثة عشر عامًا- جاور بمكة ثلاثة أعوام، لازم فيها أبا ذر الهروي، كما كانت له رحلة إلى مصر وبغداد وغيرهما من البلدان، وما عاد إلى بلاده حتى كان له القدم الراسخ في علم الحديث وعلله، والدراية الواسعة بعلم الجرح والتعديل، كما كان له إلمام بالفقه ودقائقه وأموره الخلافية. قال عنه تلميذه أبو علي الصدفي: (ما رأيت مثل أبي الوليد الباجي، وما رأيت أحدًا على هيئته وسمته وتوقير مجلسه، وهو أحد أئمة المسلمين). لأبي الوليد الباجي مؤلفات جليلة منها: "التعديل والتجريح لمن خرج عنه البخاري في الجامع الصحيح". (١) وعلي رأس حفاظ المحدثين المغاربة في هذا القرن: أبو علي الحسين بن محمد الغساني الجياني (٤٢٧ - ٤٩٨ هـ)، من شيوخه الذين أخذ عنهم، وتخرج على أيديهم: أبو عمر بن عبد البر، وأبو عمر بن الحذاء، وأبو الوليد الباجي. اهتم أبو علي الجياني بالحديث وكتبه، واشتهر بضبط رواياته مع المعرفة الكاملة بغريب اللغة والشعر والأنساب. وترك من المؤلفات ما يشهد بعلو كعبه في علوم الحديث أمثال: تقييد المهمل وتمييز المشكل في رجال الصحيحين (٢)، وكذا: التنبيه على الأوهام الواقعة في المسندين الصحيحين، وغيرهما. ومن حفاظ الحديث ذوي المكانة العالية كذلك: الحافظ أبو علي حسين الصدفي السرقسطي (٤٥٤ - ٥١٤ هـ)، له رحلة إلى المشرق استغرق فيها تسع

стр. 28

سنوات، ولما عاد إلى بلاده كان ذا علم غزير، فانصرف للإقراء والتحديث حتى توفاه الله إليه. (١) قال المقري عنه: (كان أبو علي عالمًا بالحديث وطرقه، عارفًا بعلله وأسماء رجاله ونقلته، بصيراً بالمعدلين والمجرحين، وكان حسن الخط جيد الضبط، وكتب بيده علماً كثيراً وقيده، وكان حافظاً لمصنفات الحديث قائمًا عليها، ذاكراً لمتونها وأساليبها ورواتها). (٢) وممن تتلمذ على أبي علي الصدفي: القاضي أبو بكر بن العربي، وأبو الفضل القاضي عياض. وفي القرن السادس الهجري يبرز على الساحة العلمية بعض تلاميذ الحافظين أبي علي الجياني، وأبي علي الصدفي؛ وأخص بالذكر منهم: أبا بكر بن العربي المعافري (٤٦٨ - ٥٤٣ هـ)، وهذا له رحلة علمية إلى المشرق، تمكن فيها من الأخذ على طائفة؛ منهم الإمام الغزالي، وأبي بكر الشاشي. (٣) ومن كبار المحدثين المغاربة في هذا القرن -السادس-: أبو الفضل القاضي عياض اليحصبي، السبتي (٤٧٦ - ٥٤٤ هـ)، كانت رحلته بين الغرب والأندلس، وعني بلقاء العلماء والمحدثين والأخذ عنهم، قال ابن الأبار عنه: ((كان لا يدرك شأوه ولا يبلغ مداه في العناية بصناعة الحديث وتقييد الآثار وخدمة العلم، من حسن التفنن فيه، والتصرف الكامل في فهم معانيه، إلى اضطلاعه بالآداب، وتحققه بالنظم والنثر، ومهارته في الفقه، ومشاركته في اللغة العربية، وبالجملة فكان جمال العصر ومفخر الأفق، وينبوع المعرفة، ومعدن الإفادة، وإن عدت رجالات الغرب فضلاً عن الأندلس حسب فيهم صدراً،

стр. 29

لعياض تآليف مفيدة؛ كتبها الناس وانتفعوا بها، وكثر استعمال كل طائفة لها)). (١) من هذه المصنفات: مشارق الأنوار على صحاح الآثار، والإلماع إلى معرفة الرواية وتقييد السماع، وإكمال المعلم في شرح مسلم، والشفا في التعريف بحقوق المصطفى ... قال أبو الحسن النباهي: (وممن سما ذكرهم بعد وفاتهم، وانقضاء أمد حياتهم، فبهرت ولايتهم، واشتهرت في الآفاق درايتهم، ومنهم كان القاضيان: أبو بكر بن عبد الله بن العربي، وأبو الفضل عياض، فجرت عليهما محن، وأصابتهما فتن، ومات كل واحد منهما مغرباً عن أوطانه، محمولاً عليه من سلطانه). (٢) هؤلاء بعض رجالات المغرب في علم الحديث، يستدل بهم على غيرهم، ومن لم يذكر من هم أكثر ممن ذكروا.

стр. 30

الفصل الأول عبد الحق الإشبيلي (٥١٠ - ٥٨٢ ه ـ) المبحث الأول: التعريف بعبد الحق الإشبيلي المبحث الثاني: شيوخ عبد الحق الإشبيلي المبحث الثالث: تلاميذ عبد الحق الإشبيلي المبحث الرابع: مصنفات عبد الحق الإشبيلي المبحث الخامس: المكانة العلمية لعبد الحق الإشبيلي

стр. 31

لا يمكن أن ندرس كتاب بغية النقاد دون الرجوع إلى المنبع الأول الذي أسست عليه هذه السلسلة من التعقيبات العلمية للعلماء الثلاثة عبد الحق الإشبيلي، وابن القطان الفاسي، وابن المواق. ولما كان لإبن رشيد الفضل في تبييض كتاب بغية النقاد وإتمامه وإخراجه للناس لينتفعوا به -مع مناقشة علمية حول صاحب كتاب بغية النقاد الحقيقي هل هو ابن المواق أو ابن رشيد السبتي- كان لزاماً أن ندرجه ضمن فصول هذه الأبواب فتكون أربعة فصول: الأول لعبد الحق الإشبيلي، والثاني لإبن القطان الفاسي، والثالث لإبن المواق، والرابع لإبن رشيد السبتي، لكن لما كان بيت القصيد في هذه الدراسة هو ابن المواق آثرت أن أجعل الفصل الثالث لإبن رشيد، وأؤخر ابن المواق لأفرده بالباب الثاني، وبالتالي يتسنى لي آنذاك أن أخصه بمزيد العناية سواء من حيث التعريف به، أو من حيث تفصيل منهجه في كتاب بغية النقاد، ومشاركته في بناء صرح علوم الحديث ... المبحث الأول التعريف بعبد الحق الإشبيلي: هو: عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين بن سعيد بن إبراهيم، الأزدي، الإشبيلي نشأة، البجائي موطناً وإقامة، كنيته أبو محمد، لقب بابن الخراط، وبه اشتهر. ذكر أبو العباس الغبريني أنه ولد في ربيع الأول سنة ٥١٠ هـ، وكانت وفاته في بجاية في ربيع الثاني عام ٥٨٢ هـ. (١) ويبدو أن كتاب الأحكام قد انتشر بين الناس حتى صار عبد الحق الإشبيلي يعرف به، وهذا ما حدا بالحجوي الثعالبي أن يقول في ترجمته:

стр. 32

(وأشهر من يسمى عبد الحق في المالكية المغاربة من أهل هذه الطبقة هذا؛ لإشتهار كتبه، وخصوصا "الأحكام"، فإذا أطلق هذا الإسم فإليه ينصرف). (١) ولعظم قدر هذا الإمام وصلاحه وتقواه وورعه أقحم الغبريني ترجمته في كتابه: "عنوان الدراية" مع تصريحه بأن ترجمته خارجة عن منهج الكتاب، لأنه إنما وضعه للعلماء الذين عرفوا ببجاية في المائة السابعة، مصرحاً بأنه ما أوردها إلا لإنتشار فضله .... (٢) المبحث الثاني: شيوخ عبد الحق الإشبيلي: لإبن الخراط شيوخ كثيرون، روى عنهم، وتخرج بهم، وأجازوه بمروياتهم، وهذا ذكر لأشهرهم، مرتبة حسب حروف المعجم: ١ - أحمد بن محمد بن أحمد الإصبهاني السلفي، عماد الدين، أبو طاهر (ت ٥٧٦ هـ) محدث اعتنى بالرحلة للسماع والتحصيل، سمع من شيوخ لا يحصون كثرة؛ منهم بأصبهان أكثر من ست مائة شيخ، وارتحل إلى بغداد فسمع بها، ومكة والكوفة والبصرة والمدينة ودمشق وقزوين وأذربيجان، والإسكندرية ... وكان متقنًا متثبتاً دينًا خيراً، حافظاً ناقداً، انتهى إليه علو الإسناد، وتسابق المحدثون في الأخذ عنه، استوطن الإسكندرية خمساً وستين سنة، وبها توفي، عن ستة ومائة عام. (٣) قال عبد الحق: (... وفيما أذن لي أبو طاهر السلفي أن أحدث عنه به،

стр. 33

وكتب إلي، سيما الديوان الذي وقع فيه ...). (١) ٢ - أحمد بن أبي مروان عبد الملك بن محمد، أبو جعفر -وكناه ابن الأبار أبا العباس- الأنصاري، الإشبيلي (ت ٥٤٩) الإمام الحافظ، سكن ليلة، وكان متمكناً من الحديث ورجاله، حتى كان يقال له: ابن معين وقته، وبخاري زمانه. قال ابن عبد الملك: وألف في السنن كتابه الكبير المسمى بالمنتخب المنتقي، جمع فيه مفترق الصحيح من الحديث الواقع في المصنفات والمسندات، وطريقه هذا حذا أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن في كتابه "الأحكام"، إذ كان ملازماً له مستفيداً منه. وقال ابن الأبار: سمع من شريح بن محمد، وأبي الحكم بن حجاج، ومفرج ابن سعادة، وكان حافظاً محدثًا فقيهاً ظاهرياً، له كتاب: "المنتخب المنتقى" في الحديث، وعليه بنى عبد الحق "أحكامه" تتلمذ له عبد الحق، استشهد في كائنة ليلة في سنة تسع وأربعين وخمس مائة. (٢) ٣ - خليل بن إسماعيل بن عبد الملك السكوتي، أبو الحسن. قال ابن الزُّبير: "انتقل -أي عبد الحق- في الفتنة إلى لبلة، ولازم بها أبا الحسن خليل بن إسماعيل، وقرأ عليه، وتفقه به وتأدب، وجرت له معه قصة ذكرتها في غير هذا الموضع، وروى معه عن أبي الحسن شريح وأبي بكر عبد العزيز بن خلف بن مدير". وكان فقيهاً حافظاً للفروع، له معرفة بالوثائق. (٣) ٤ - شريح بن محمد بن شريح بن أحمد بن شريح، أبو الحسن الرعيني (٤٥١ - ٥٣٩).

стр. 34

قال عنه عياض: "شيخ المقرئين المتصدرين في زمنه، ومن إليه الرحلة في هذا الشأن، القائمين بعلوم القرآن، والإستقلال بالنحو والعربية، وله سماع في الحديث من أبيه وأبي محمد بن خزرج، وأبي عبد الله بن منظور". وقال الحافظ خلف بن بشكوال: "كان (أبو الحسن) من جلة المقرئين، معدوداً في الأدباء والمحدثين، خطيباً بليغاً، حافظاً محسناً فاضلاً، حسن الخط، واسع الخلق، سمع الناس منه كثيراً، ورحلوا إليه، واستقضي يلده، ثم صرف عن القضاء، لقيته بإشبيلية سنة ست عشرة (وخمس مائة) فأخذت عنه وأجاز لي". ذكره عبد الحق في الأحكام الوسطى، ونص على تلمذته له الضبي، وابن الأبار، وابن الزبير، والذهبي، وابن فرحون. (١) ٥ - طارق بن موسى بن يعيش بن الحسين بن علي بن هشام ابن المنصفي المخزومي، أبو الحسن (ت ٥٤٩ هـ) عالم بالحديث، من أهل بلنسية، له رحلتان إلى المشرق جاور فيهما بمكة، سمع من محمد عبد الباقي المعروف بشقران، والطرطوشي، والسلفي ... له برنامج في مشيخته، توفىِ بمكة. قال ابن عبد الملك: "كان محدثًا ضابطاً عدلاً ثقة، صحيح السماع، ديناً خيراً، متواضعاً، تنافس الناس في الأخذ عنه والسماع منه لعلو سنده وصحة سماعه". يروي عنه عبد الحق، ذكر ذلك كل من: ابن عبد الملك، وابن الأبار، وابن

стр. 35

الزبير، والذهبي، وابن فرحون. (١) ٦ - طاهر بن أحمد بن عطية بن محمد بن عبد الله المري، أبو محمد: (كان حيًّا إلى غاية سنة ٥٣٧ هـ). حجازي ذكره في شيوخ عبد الحق: ابن عبد الملك، وابن الأبار، والذهبي، روى عن أبي بكر الميورقي وأبي جعفر بن غزلون، وأبي الحسن بن موهب، وكان فقيهاً محدثًا، راوية عدلاً، واستقضي. قال ابن الأبار: "ويحدث أبو محمد عبد الحق بتفسير عبد بن حميد عن أبي محمد طاهر بن عطية، عن ابن بشر هذا، عن أبي علي الصدفي ... " (٢) ٧ - عبد السلام بن عبد الرحمن بن -أبي الرجال- محمد بن عبد الرحمن اللخمي، المغربي، الإفريقي ثم الأندلسي الإشبيلي، شيخ الصوفية، يعرف بابن بَرَّجان، كنيته: أبو الحكم، وتوفي مغرباً عن وطنه بمراكش في سنة ٥٣٦ هـ. قال أبو عبد الله بن الأبار: (كان من أهل العلم بالقراءات والحديث، والتحقيق بعلم الكلام والتصوف (٣)، مع الزهد والإجتهاد بالعبادة، وله تصانيف مفيدة، منها تفسير القرآن، لم يكمله، وكتاب شرح أسماء الله الحسنى). أخذ عنه ابن الخراط كتابه في التفسير. (٤)

стр. 36

٨ - عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن النفطي (١) يعرف بابن الصائغ، أبو القاسم. قال ابن الأبار: (دخل الأندلس، وروى بها عن جماعة؛ منهم: أبو علي، وابن العربي، وغيرهما، وحدث أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الإشبيلي عنه بالموطأ، ومصنف النسائي، ومسند البزار، وسنن الدارقطني، وكتاب العلل له، وتاريخ ابن أبي خيثمة، والسن لسعيد بن منصور، وتفسير ابن حميد، وكتاب الحاكم في علوم الحديث، وكتاب هناد بن السري في الزهد، كلها عن أبي علي الصدفي، وله رحلة سمع فيها من أبي عبد الله بن منصور الحضرمي، وأبي الحسن محمد ابن مرزوق الزعفراني، وأبي بكر ابن طرخان التركي، وسواهم، وخرج من دمشق قاصداً نفطة بلده في سنة ٥١٨، فولي الصَّلاة والخطبة بتوزر. حدثنا الأستاذ أبو جعفر محمد بن علي بن عون الله الأنصاري في آخرين عن أبي محمد عبد الحق بن عبد الرحمن، وحدثنا أبو عبد الله بن أحمد الأندرشي وأبو الحسن علي بن هبة الله الشافعي، قالا: نا أبو القاسم بن عساكر الحافظ قال: هو وعبد الحق، نا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد النفطي إجازة ...). (٢) ٩ - عبد العزيز بن خلف بن عبد الله بن سعيد بن العباس بن مدير الأزدي، القرطبي، أبو بكر (ت ٥٤٤ هـ). له سماع صحيح عال؛ لقراءة أبيه أبي القاسم على أبي الوليد الباجي، وأبي العباس العذري، وأبي عبد الله بن سعدون القروي، وكان آخر مَنْ حَدّثَ عن هؤلاء بالسماع، ومن شيوخه كذلك أبو علي الغساني، وأبو الوليد ابن رشد.

стр. 37

روى عنه ابن بشكوال، وابن خير، وابن حبيش، وآخرون. "وكان من أهل المعرفة بالمسائل الفروعية، وعقد الشروط، ومن أهل العلم والذكاء والفهم." ذكر عبد الحق روايته عنه في الأحكام الوسطى. (١) ١٠ - عبد العزيز بن علي بن محمد بن سلمة بن عبد العزيز السماتي، يعرف بابن الطحان وابن الحاج، أبو محمد، وأبو الإصبغ (ت ٥٥٩ هـ): من أهل إشبيلية أخذ القراءات عن أبي الحسن شريح وأبي العباس بن عيشون، وسمع جامع الترمذي من أبي جعفر بن نميل، ومصنف النسائي من أبي الحسن ابن مغيث. روى عبد الحق كتاب "المؤتلف والمختلف" لأبي سعد الماليني عن أبي حميد السماتي. وكان ابن الطحان أستاذاً ماهراً في القراءات، من مصنفاته: شعار الأخيار الأبرار في التسبيح والإستغفار)، رحل إلى المشرق فأدى الفريضة، وحمل عنه، وكانت وفاته بحلب. (٢) ١١ - علي بن محمد بن علي بن هذيل، أبو الحسن، المقرئ، ولد ببلنسية وبها توفي (ت ٥٦٤) وأقرأ بها وأسمع أزيد من ستين سنة. ذكر أخذ عبد الحق عنه ابن عبد الملك. (٣) ١٢ - عمر بن عباد بن أيوب بن عبد الله اليحصبي، أبو حفص (ت ٥٤٥)، حج وسمع بمكة رزينا العبدري، والسلفي بالإسكندرية ... حدث عنه ابن خير

стр. 38

بـ (تجريد الصحاح)، و (أخبار مكة)، لرزين، وحدث عنه عبد الحق بالإجازة، وكان خيراً، زاهداً، فاضلاً، متقدماً في جملة معارف. نص على تتلمذ عبد الحق عليه كل من ابن عبد الملك، وابن الأبار، والذهبي، وابن فرحون. (١) ١٣ - محمد بن الحسين بن أحمد بن يَحْيَى بن بشر الأنصاري، الخزرجي، الميورقي (ت ٥٣٧ هـ) روى عن أبوي علي الصدفي والغساني، ورزين العبدري بمكة، والطرطوشي بالإسكندرية. حدث بالأندلس في عدة مدن، لتجوله فيها، ممن حمل عنه العلم ابن فرس. كان محدثًا واسع الرواية، عارفاً بالحديث وعلله وأسماء الرجال، مشهوراً بالإتقان والضبط، ثقة فيما نقل وروى، ديناً ذكياً، ظاهري المذهب، داوديه، امتحن من قبل علي بن يوسف؛ فضرب بالسوط وسجن، ثم سرح، وكانت وفاته بالجزائر. ذكر ابن عبد الملك أخذ عبد الحق عنه. (٢) ١٤ - محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد، بن العربي، أبو بكر، المعافري، الإشبيلي، المالكي (ت ٥٤٣ هـ)، إمام حافظ علامة، له رحلة إلى المشرق؛ سمع فيها على كثيرين بمصر والقدس والشام وبغداد، أخذ عن أبي بكر الطرطوشي، وأبي بكر الشاشي وطائفة، وعاد إلى الأندلس بعلم غزير لم يدخله أحد قبله ممن كانت له رحلة إلى المشرق، وكان من أهل التفنن في العلوم والإستبحار فيها والجمع لها، حريصاً على نشرها وأدائها.

стр. 39

ذكره الضبي ضمن شيوخ عبد الحق. (١) ١٥ - علي بن الحسن بن هبة الله الدمشقي، ابن عساكر، أبو القاسم (ت ٥٧١ هـ). سمع بدمشق، ثم رحل، فسمع ببغداد ومكة والكوفة ونيسابور وأصبهان ومرو وهراة، وعدد شيوخه ألف وثلاث مائة شيخ، ونيف وثمانون امرأة. له مصنفات كثيرة من أشهرها "تاريخ دمشق". قال عنه السمعاني: "حافظ ثقة متقن، دين خير، حسن السمت، جمع بين معرفة المتن والإسناد، وكان كثير العلم غزير الفضل، صحيح القراءة، متثبتاً". ذكر إجازَته لعبد الحق كل من: ابن الأبار، وابن فرحون، وابن شاكر. (٢) المبحت الثالث: تلاميذ عبد الحق الإشبيلي: إن الذي يرجع إلى كتب الشيخات والبرامج والإثبات وفهارس الشيوخ، أو الكتب المتأخرة الروية بالسند المتصل إلى أصحابها ليلحظ أن كتب "الأحكام" لعبد الحق قد أخذت مكانها من هذه الكتب، بحيث يتعذر على الباحث أن يحيط بذكر من رواها عنه من تلاميذه، وحسبي أن أذكر طائفة منهم: ١ - أحمد بن إبراهيم بن عبد الملك بن مطرف التميمي، أبو جعفر الأندلسي، (ت ٦٢٧)، له رحلات أربع إلى المشرق، لقي فيها شيوخاً وأخذ عنهم، عني كثيرًا بالرواية ولقاء المشايخ، كان عظيم الصيت واسع المعرفة، مهيباً موقراً، عند الخاصة والعامة، شيخ الطائفة الصوفية قاطبة بالغرب. أجازه عبد الحق الإشبيلي. (٣)

стр. 40

٢ - أحمد بن عبد المجيد بن سالم بن تمام بن سعيد الحجري، الجيار، أبو جعفر المالقي (ت ٦٢٤)، روى عن ابن بشكوال والسهيلي، وممن أجازه ابن الفرس وعبد الحق، روى عنه أبو بكر سيد الناس وأبو الحسن الرعيني، وكان محدثًا مكثراً حافظاً شديد العناية بشأن الرواية، سنياً فاضلاً، أحرص الناس على نشر العلم وإذاعته، معروفاً بالزهد والورع، جارياً على مناهج السلف الصالح. (١) ٣ - أحمد بن علي بن يحيى بن عون الله الداني، ثم المرسي، أبو جعفر الحصار، (ت ٦٠٩) مقرئ الوقت، قال ابن الأبار: "لم يكن أحد يدانيه في الضبط والتجويد، أخذ عنه الآباء والأبناء، اضطرب بأخرة، فأسند عن جماعة أدركهم، وكان بعض شيوخنا ينكر عليه". أجازه عبد الحق. (٢) ٤ - أحمد بن محمد بن أحمد بن إسماعيل بن الصميل الأنصاري، أبو جعفر، أجازه عبد الله بن الفخار، رحل إلى المشرق وحج، ولقي ببجاية عبد الحق، فسمع عليه جملة من تآليفه، ثم فقل راجعاً إلى الأندلس، واستوطن إشبيلية، ولزم بها إكتاب القرآن، وكان رجلاً من خيار عباد الله الصالحين ... (٣) ٥ - أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد اللخمي بن أبي عزفة، اشتهر بالعزفي، أبو العباس (ت ٦٣٣ هـ). ورد تلميذاً لعبد الحق في إسناد ذكره الذهبي لحديث: (كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء ...) الحديث من طريق الطّبرانيّ. قال الذهبي: قال أبو العباس بن فرتون: ثنا أبو العباس العزفي بسبتة، قال:
следующие страницы →