← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 16636

بغية النقاد النقلة

ابن المواق

Полный текст (1 124 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المباحثة والمناظرة والمفاوضة وشدة الإعتناء، ووجود الكتب التعذر وجودها على غيرنا مما تيسر الإنعام به من الله سبحانه علينا له الحمد والشكر. فليس في كتاب أبي محمد عبد الحق حديث إلا وقد وقفت عليه في الموضع الذي نقله منه، بل وفي مواضع لم يرها هو قط، بل لعله ما سمع بها، إلا أحاديث يسيرة جدا لم أقف عليها في مواضعها، ولم آل جهدا، ولا أدعي سلامة من الخطأ لكني أتيت بالمستطاع، فإن أصبت فأرجو تضعيف الأجر، والله يعفو عن الزلل، ويتفضل بأجزال ثواب بذل المجهود، ولا حول ولا قوة إلا به، وهذا حين أبتدئ مستعينا بالله سبحانه". اهـ

стр. 142

الباب الثاني ابن المواق وكتابه "بغية النقاد " الفصل الأول: التعريف بابن المواق ومكانته العلمية الفصل الثاني: أنواع التعقبات في كتاب بغية النقاد الفصل الثالث: موارد ابن المواق في بغية النقاد الفصل الرابع: جهود ابن المواق في علوم الحديث الفصل الخامس: متفرقات

стр. 143

الفصل الأول التعريف بابن المواق ومكانته العلمية تمهيد: ندرة ترجمة ابن المواق وآثار ذلك على الباحثين المبحث الأول: اسم ونسب ابن المواق المبحث الثاني: البيئة العلمية التي نشأ بها ابن المواق المبحث الثالث: شيوخ ابن المواق المبحث الرابع: تلاميذ ابن المواق المبحث الخامس: المذهب الفقهي لإبن المواق المبحث السادس: المكانة العلمية لإبن المواق المبحث السابع: ابن المواق والتصحيح والتضعيف المبحث الثامن: ابن المواق وعلم الجرح والتعديل المبحث التاسع: ابن المواق وعلم علل الحديث المبحث العاشر: مصنفات ابن المواق المبحث الحادي عشر: تأكيد نسبة بغية النقاد لإبن المواق

стр. 144

تمهيد عام بين يدي ترجمة ابن المواق: من الملاحظ أن ترجمة ابن المواق شحيحة ونادرة، ولم تتناولها المصادر والمراجع بالشكل الذي يسمح بإعطاء صورة واضحة العالم عن هذه الشخصية العلمية الفذة، فليس لدينا ما يمكن أن نركب منه الجوانب المكونة لهذا النبوغ الذي كان لديه في علم الحديث، وغيره من العلوم التي شارك فيها. ندرة ترجمة ابن المواق في المصادر، وآثار ذلك على الباحثين: لو رجعنا إلى المصادر التي ترجمت لأبي عبد الله بن المواق، لما وجدنا ما يشفي الغليل في هذا الصدد، بل لعل أفضل من ترجمه هو ابن عبد اللك في "الذيل والتكملة لكتاب موصول الصلة"، ولم تصل فيه ترجمته لأكثر من صفحة ونصف، وحتى صاحب "الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام" لما تناول التعريف به لم يرد على نقل هذه الترجمة بنصها من "الذيل والتكملة"، اللهم إلا ما كان من التعريف بوالد المترجم، وذكر بعض شيوخه، وتسليط الضوء على بعض ما كان يتمتع به من مكانة علمية ... كل ذلك في إيجاز واقتضاب. أما غير هذين المصدرين فلا يعرج على ابن المواق إلا من خلال الكلام على كتابه "بغية النقاد"، أو"المآخذ الحفال ... "، أو نقول عنه وعزوها له ... وقد كان لهذا الشح في هذه الترجمة نتائج على التعريف به، نضرب لذلك أمثلة، منها: - عدم معرفته بالمرة عند بعض رجال العلم، ولا أقول من طرف المشارقة فحسب، بل حتى من طرف أقرب الناس إليه -أعني المغاربة- أسوق لذلك مثالا، فهذا محمد بن الحسين العراقي الحسني، الأستاذ بكلية القرويين وأمين خزانتها - لما قام بالتعليق على شرح الحافظ العراقي لألفيته المسمى بالتبصرة والتذكرة، وكذا على فتح الباقي للحافظ زكرياء الأنصاري، والتعريف بالأعلام الواردة في

стр. 145

الشرحين المذكورين قال في شأن الامام ابن المواق: "ابن المواق الحافظ، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر: هكذا في جل شروح الألفية، ولم أقف على من ترجمه في الكتب المعتمدة في التراجم". اهـ (١) - عدم ضبط اسم والده عند طائفة من الباحثين، إذ بعضهم قال فيه: (يحيى) (٢)، بينما اسمه: (أبو بكر)، وكنيته: (أبو يحيى). (٣) - بل أكثر من هذا نجد بعضهم زاد إغراقا في الخلط بين مترجمنا: ابن المواق، وبين المواق الفقيه، رغم أن المواق ليس من طبقة الأول: ولا يشترك معه لا في اسمه، ولا في نسبه، ولا فيما اشتهر به من علم، فالمواق اسمه: محمد بن يسوف، (٤) وقد اشتهر بالفقه، وهو الذي شرح "مختصر خليل" ... وصاحب كتاب "سنن المهتدين في مقامات الدين". وكانت وفاته سنة ٨٩٧، وممن تنبه إلى هذا الأمر، أبو سالم العياشي، فقد ذكر أنه اطلع على نسخة من "تكملة ابن الأبار"، جاء في هامشها -بخط

стр. 146

الإمام أبي عبد الله القصار- عند الكلام على عبد الحق الإشبيلي وابن القطان الفاسي ما نصه: (وتعقب الناقد المحقق أبو عبد الله المواق كتاب شيخه ابن القطان ... تعقبا ظهر فيه نبله). اهـ فقال أبو سالم العياشي تعفيبا على ذلك: (فظن بعض الأصحاب أن المراد به الواق شارح المختصر، فاستبعد ذلك، فلما ظفرت بهذا (أي كتاب المآخذ الحفال ... . لإبن المواق) علمنا أنه غيره). اهـ (١) وممن تنبه إليه كذلك محمد بن جعفر الكتاني حيث قال: (وابن المواق هذا غير محمد بن يوسف المواق شارح مختصر خليل خلافا لما قد يتوهم). (٢) ووقع في هذا الوهم حاجي خليفة (٣) وتبعه في ذلك إسماعيل باشا. (٤) ونفس الوهم نجده عند كثير من الباحثين المعاصرين الذين ذاع صيتهم، وكثر النقل عنهم، واعتمدت أحكامهم عند طائفة كبيرة من الناس. (٥)

стр. 147

المبحث الأول: اسم ونسب ابن المواق (٥٨٣ - ٦٤٢ ه ـ) محمد بن أبي يحيى (١)، أبي بكر بن خلف بن فرج بن صاف الأنصارين مراكشي، قرطبي الأصل قديما، فاسيه حديثا، كنيته أبو عبد الله، اشتهر بابن المواق. ولد ابن المواق في سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة، بمراكش، وبها نشأ وتعلم، وبها توفي سنة اثنتين وأربعين وست مائة. (٢) توليه القضاء: استقضي من طرف الموحدين ببلنسية أولا، ثم بفاس بعدها. (٣)

стр. 148

المبحث الثاني: البيئة العلمية التي نشأ بها ابن المواق تمهيد: خير ما يعرفنا بالبيئة العلمية التي نشأ بها ابن المواق هو تسليط الضوء على الحياة العلمية لوالده، وسأتعرض لذلك من خلال بعض وصفه به العلماء، وكذا دفاعه عن المذهب المالكي عند الخليفة، كما أترجم لشيوخه وتلاميذه. التعريف بوالد ابن المواق: (-٥٩٩ هـ) اسمه: أبو بكر بن خلف الأنصاري، وكنيته أبو يحيى، ويعرف بالمواق، كما يعرف بابن صاف. أصله من قرطبة، وسكن مدينة فاس، قال فيه ابن الأبار: (وكان حافظا حافلا في علم الفقه والخلاف فيه، ملازما للتدريس، تام النظر لا يدانيه أحد في ذلك، وله تنبيهات ومقالات مفيدة، منها: "المكاييل والأوزان"، وعني بالحديث على جهة التفقه والتعليل والبحث عن الأسانيد والرجال والزيادات وما يعارض وما يعاضد، ولم يعن بالرواية). (١) كان أبو بكر المواق حريصا على العمل بالسنة النبوية، يجيب من دعاه، ويشيع الجنائز، ويأتي أنواع الطاعات والقربات. (٢) حظي أبو بكر بخدمة السلطان بمراكش، فنال دنيا عريضة، واعتقل أموالا جليلة، وولي قضاء مدينة فاس، وتوفي بها، وهو يتولاه في آخر شوال من سنة تسع وتسعين وخمس مائة، ودفن بداره المعروفة به من درب ابن صافي في داخلها. (٣)

стр. 149

أبو بكر المواق ودفاعه عن المذهب المالكي: كانت دولة المرابطين ترعى المذهب المالكي وتلتزم بفروعه الفقهية، في حين قامت دولة الموحدين على نبذ التقليد في الفقه والتوجه إلى الإجتهاد وأخذ الأحكام مباشرة من الكتاب والسنة، ومن ثمة كان للدولة الموحدية صلات وثيقة بالمهيع العام في الفكر الظاهري، تتجلى في نوع من التعاطف مع هذا المذهب، وفي هذا الصدد تروى قصة عن أبي عبد الله بن زرقون المدافع عن المذهب المالكى أمام الخليفة عبد المومن الموحدي في مناظرته ... : "أراد (أي عبد المومن) حمل الناس على كتب ابن حزم، فعارضه فقهاء وقته، وفيهم أبي يحيى بن المواق -وكان أعلمهم بالحديث والمسائل- فلما سمع ذلك لزم داره وأكب على جمع المسائل المنتقدة على ابن حزم حتى أتمها -وكان لا يغيب عنه- فلما أتمها جاء إليه، فسأله عن حاله وغيبته -وكان ذا جلالة عنده ومبرا له- فقال له: يا سيدنا، قد كنت فى خدمتكم، لما سمعتكم تذكرون حمل الناس على كتب ابن حزم، وفيها أشياء أعيذكم بالله على حمل الناس عليها، وأخرجت له دفترا، فلما أخذه الأمير جعل يقرؤه ويقول: أعوذ بالله أن أحمل أمة محمد ﷺ -على هذا". (١) شيوخ أبي يحيى المواق: ما كان لمثل والد ابن المواق أبي يحيى أن يكون له شيوخ قلة، ولكن المصادر التي بين يدي شحيحة في هذا الباب، إذ لم يذكر له فيها إلا أبا الربيع بن سالم، وأبا إسحاق بن قرقول، وأبا عبد الله بن الرمامة، وأبا الربيع سليمان بن عبد الرحمن التلمساني.

стр. 150

١ - أبو الربيع بن سالم: هو: سليمان بن موسى بن سالم (١)، عرف بمشيخته لأبي بكر بن صاف، وممن ذكر ذلك: ابن الزيات في تشوفه. (٢) ٢ - أبو إسحاق بن قرقول: من شيوخ ابن قرقول محمد بن خلف بن موسى الأنصاري، الأوسي (٣)، وممن روى عنه: أبو بكر ابن صاف، (٤) وسمع منه بسلا محمد بن أحمد بن محمد بن خلف بن مفرج العمي البربري، (٥) وحضر مجلسه بمالقة عبد الله بن أيوب الأنصاري، أبو محمد المعروف بابن فروج. (٦) ٣ - أبو عبد الله بن الرمامة (٤٧٩ - ٥٦٧ هـ) هو: محمد بن علي بن جعفر بن أحمد القيسي، ويكنى أبا عبد الله ويعرف بابن الرمامة، أصله من قلعة بني حماد من حوز بجاية، وبها نشأ وتأدب، وروى بها عن الفقيه أبي إسحاق إبراهيم بن حماد. وبالجزائر عن خاله أبي الحسن على ابن طاهر بن محشرة. ودخل الأندلس في تحوله قبل طالبا للعلم، سمع عَلَى أبي يحيى وغيره، وأخذ عن أبي الوليد بن طريف، وأبي محمد بن عتاب، وابن رشد، وروى بالعدوة عن أبي محمد عبد الله المقري -من أهل مقرة ببلاد إفريقية- وأبي حفص التوزري، وابن النحوي، وغيرهم، وروى عنه أبوا إسحاق بنا المحمدين: ابن عبد الله الفهري، والأنصاري أبو شامة، وأباء الحسن: ابن محمد بن خيار، وابن عتيق بن مومن، وأبو ذر الخشني، وأبو يحيى أبو بكر بن

стр. 151

المواق، وألف كتاب تسهيل الطلب في تحصيل المذهب، وكتاب التبيين في شرح التلقين، وغير ذلك، واختصر كتاب الإحياء لأبي حامد، غلبت عليه علوم الدراية على الرواية لشغفه بالعلوم النظرية، فعكف على تحصيلها حتى صار رأسا فيها، ولي قضاء فاس مدة، ثم صرف عنه، وكان حسن السيرة، عادلا في أحكامه، فاضلا زاهدا، حسن الطوية، واشتغل في أواخر عمره بالتدريس، فانتفع به خلق كثير. (١) ٤ - أبو الربيع سليمان بن عبد الرحمن التلمساني: (-٥٧٩ هـ) أبو الربيع سليمان بن عبد الرحمن المعز الصنهاجي المعروف بالتلمساني قال ابن الزيات في التشوف: "أبو الربيع سليمان. . شيخ أبي بكر بن خلف -المعروف بالمواق-. . وكان زاهدا في الدنيا وأهلها، على سنن أهل الفضل والدين، وكان وثاقا بمدينة سلا؛ فإذا أعطاه أحد على الوثيقة أكثر من حقه، رده إليه. واستقر أخيرا بفاس، وبها مات سنة تسع وسبعين وخمس مائة". (٢) تلاميذ أبي يحيى المواق: وممن تتلمذ له واشتهر بالسماع منه: ١ - أبو الحسن بن القطان: ممن ذكر أخذ ابن القطان من أبي بكر بن صاف ابنُ الأبار في تكملته (٣) وممن أخذ عنه كذلك:

стр. 152

٢ - أبو محمد القرطبي: (٥٥٦ - ٦١١ هـ) عبد الله بن الحسن بن أحمد بن يحيى بن عبد الله الأنصاري، المالقي، قرطبي الأصل، حلاه لسان الدين ابن الخطيب فقال فيه: (كان في وقته ببلده كامل المعارف، صدرا في المقرئين والمجودين رئيس المحدثين وإمامهم، واسع المعرفة، مكثرا، ثقة، عدلا، أمينا مكين الرواية، رائق الخط، نبيل التقييد والضبط، ناقدا ذاكرا أسماء رجال الحديث وطبقاتهم وتواريخهم، وما حلوا به من جرح وتعديل، لا يدانيه أحد في ذلك، عزيز النظر، متيقظا، متوقد الذهن، كريم الخلال، حميد العشرة، دمثا، متواضعا، حسن الخلق، محببا إلى الناس، نزيه النفس، جميل الهيئة، وقورا معظما عند الخاصة والعامة، دينا زاهدا، ورعا، فاضلا، نحويا ماهرا، ريان من الأدب، قائلا الجيد من الشعر، مقصدا ومقطعا، وكان له بجامع مالقة الأعظم مجلس عام، سوى مجلس تدريسه، يتكلم (فيه) على الحديث إسنادا ومتنا بطريقة عجز عنها الكثير من أكابر أهل زمانه، وتصدر للإقراء ابن عشرين سنة). (١) ثم ذكر لسان الدين طائفة من شيوخ أبي محمد القرطبي، فعد من الذين أخذ عنهم بإشبيلية: ابن صاف. (٢) ٣ - محمد بن طلحة الأموي: (٥٤٥ - ٦١٨ هـ) محمد بن طلحة بن محمد بن عبد الملك بن حزم الأموي النحوي سكن إشبيلية، وأصله من يابرة -من أعمال الغرب: البرتغال- عني بالقراءات والعربية وأخذ عن أبي بكر بن صاف وأبي إسحاق بن ملكون، وأبي بكر بن الجد، وأبي زيد السهيلي، وغلب عليه التخصص في العربية والتمكن منها والتحقق من

стр. 153

غوامضها، فعكف على تعليمها حتى اعتبر في هذا الميدان أستاذ إشبيلية الذي لا يبارى، وقد انتفع به عدد من الشيوخ اللاحقين مثل أبي علي الشلوبين وغيره، وغلب عليه في أواخر حياته حب العزلة، فاعتكف عن الناس، وتوفي في صفر سنة ثماني عشرة وست مائة للهجرة، ومولده بيابرة سنة خمس وأربعين وخمس مائة. (١) ٤ - أبو علي الرندي: (٥٤٧ - ٦١٠ هـ). وهو: عمر بن عبد المجيد بن عمر الأزدي، المعروف بالرندي. (٢) المبحث الثالث: شيوخ أبي عبد الله بن المواق: من مقومات العالم العلمية وفرة الشيوخ وكثرة التلاميذ، وبقدر ما علا قدرهم وذاع صيتهم بقدر ما انعكس ذلك على الآخذ منهم، وخاصة إذا ما انضم إلى ذلك حرص على طلب العلم، وحسن استفادة التلميذ من شيخه. ولابن المواق طائفة من الشيوخ الأجلاء الذين كان يرجع إليهم في عصرهم من القاصي والداني، ولو لم يكن له إلا أبوه، وابن القطان لكفاه ذلك مفخرة، فكيف إذا أضيف إليهما، غيرهما ممن يقصد لأخذ الإجازة منهم والإغتراف من معين علمهم، ومن هؤلاء الشيوخ: ١ - أبوه: أبو بكر بن خلف الأنصاري: نشأ أبو عبد الله بن المواق في حضن والده بمراكش، فدرس علم يد والده، وأخذ ما عنده من العلم؛ من لغة وفقه ومسائل وحديث وتفسير. (٣)

стр. 154

٢ - أبو الحسن بن القطان الفاسي: إذا كان للشيوخ فضل ظاهر على تلامذتهم، فصاحبنا ابن المواق من هؤلاء الذين، لا يذكرون إلا بذكر شيوخهم، ذلك أنه تأثر بشيخه أبي الحسن بن القطان؛ لأنه كان من الملازمين له والمتفقهين به، والمتخرجين عليه، درس عليه كتاب "البيان"، ومنه أخذه وعليه قرأه ... (١) ٣ - أبو الحسن بن قطرال: (٥٦٣ - ٦٥١ هـ) علي بن عبد الله بن محمد بن يوسف الأنصاري، الفاسي مولدا، القرطبي نشأة، مالكي المذهب، ولد سنة ثلاث وستين وخمس مائة. سمع أبا القاسم بن الشراط، وأبا العباس بن مضاء، وأخذ عنه أصول الفقه، وأبا خالد بن رفاعة، وأبا الحسن بن كوثر، وابن الفخار وعبد الحق بن بُوْنُه، وأخذ قراءة نافع والنحو عن أبي جعفر ابن يحيى، وسمع من يحيى المجريطي، ولازمه في الحضر والسفر، وسمع بسبتة من أبي محمد بن عبيد الله، وأجازه أبو بكر بن الجد، ولما انتقل إلى مراكش حضر مجلس أبي الحسن بن القطان، فكان ابن القطان يجله ويعرف حقه ويحض أهل مجلسه على الرواية عنه والتردد إليه. وكان يحفظ صحيح البخاري عن ظهر قلب. روى عنه ابناه: أبو عبد الله، وأبو محمد عبد الله، وأبو الحسن -بن ابنه أبي محمد عبد الله- وأبو عبد الله بن الأبار، وابن صالح الشاطبي، وطائفة. وولي قضاء أبذة -من أعمال جيان- ثم قضاء شاطبة، ثم شريس، ثم قرطبة، ثم أعيد إلى قضاء شاطبة وخطتها، ثم قضاء سبتة، ثم قضاء فاس، وقضاء أغمات مع خطة المناكح وأحكام النساء بها، وكان من رجال الكمال علما وعملا، يشارك في عدة فنون ويمتاز بالبلاغة والإدراك في الكتابة مع دماثة الخلق

стр. 155

ولين الجانب. وتوفي بمراكش سنة إحدى وخمسين وست مائة. ذكر مشيخته لإبن المواق ابنُ عبد الملك. (١) ٤ - أبو ذر بن أبي ركب: (- ٦٠٤ هـ). أبو ذر الخشني: مصعب بن محمد بن مسعود بن عبد الله بن مسعود الخشني، الجياني، الأندلسي، المعروف بالقاضي ابن أبي الركب، كان عالما بالحديث والسير والنحو، أخذ عن والده أبي بكر علم العربية والآداب واللغات، وعن أبي بكر بن طاهر، وسمع من أبي الحسن بن حنين وأبي عبد الله ابن الرمامة، وعبد الحق الإشبيلي، وأجازه أبو طاهر السلفي. قال ابن الأبار: "أخذ عنه جلة. . ولي خطابة إشبيلية، ثم قضاء جيان، ثم سكن فاس مدة، وبعد صيته". له شعر وكتب؛ منها: "شرح غريب السيرة النبوية"، و"شرح الإيضاح"، و "شرح الجُمَل"، توفي بفاس سنة أربع وست مائة. لا يذكره ابن المواق في البغية إلا بـ (شيخنا)، وذكره ابن عبد الملك ضمن مشيخة ابن المواق كذلك. (٢)

стр. 156

٥ - أبو العباس أحمد النباتي: (-٦٣٧ هـ) أحمد بن محمد بن أبي خليل النباتي، يعرف بالعشاب، وابن الرومية، وهي أشهرهما وألصقهما به. درس الحديث على جماعة من علماء عصره مثل عبد المنعم بن فرس، وأبي ذر الخشني، والحافظ أبي بكر بن الجد، وأبي العباس بن سيد الناس. قال ابن عبد الملك: "إمام المغرب قاطبة فيما كان سبيله، جال الأندلس ومغرب العدوة، ورحل إلى المشرق فاستوعب المشهور من إفريقيه، ومصرهِ، وشامهِ، وعراقهِ، وحجازهِ. . فصار واحد عصره فردا، لا يجاريه فيه أحد بإجماع من أهل ذلك الشأن". كان النباتي ظاهري المذهب، من أنصار الإمام ابن حزم، شديد التعصب له، شديد النكير على أهل الرأي والفروع. كان النباتي غزير التأليف، عامة مؤلفاته في الحديث وعلومه ورجاله، أو في علم النبات والأدوية، وما يتصل بذلك. من مؤلفات النباتي في علم الحديث ورجاله. - المعلم بزوائد البخاري على مسلم. - اختصار غرائب حديث مالك. - حكم الدعاء في أدبار الصلوات. - نظم الدراري فيما تفرد به مسلم على البخاري. - الحافل في تذييل الكامل. توفي ﵀ سنة سبع وثلاثين وست مائة بإشبيلية. ذكر ابن المواق أخذه عن النباتي في "البغية"، وأورده ابن عبد الملك ضمن

стр. 157

من تتلمذ عليه في الذيل والتكملة. (١) ٦ - أبو القاسم بن بقي: (٥٣٧ - ٦٢٥ هـ) أحمد بن أبي الوليد؛ يزيد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن أحمد مَخْلد بن عبد الرحمن بن أحمد بن شيخ الأندلس الحافظ بقي مخلد الأموي، مولاهم، البقوي، القرطبي الالكي. حلاه الذهبي بقوله: الإمام العلامة المحدث المسند. سمع أباه وجده أبا الحسن، ومحمد بن عبد الحق الخزرجي صاحب محمد ابن فرج الطلاعي، وخلف ابن بشكوال وأبا زيد السهيلي، وطائفة. ولي قضاء الجماعة بمراكش مضافا إليه خطتا المظالم والكتابة العليا، فحمدت سيرته ولم تزده الرفعة إلا تواضعا. قال ابن الزبير -أو غيره- كان له باع مديد في النحو والأدب، تنافس الناس في الأخذ عنه. روى عنه المعمر أبو محمد بن هارون، وأبو الحسين بن أبي الربيع، وآخرون. ولد سنة سبع وثلاثين وخمس مائة، وكانت وفاته في منتصف رمضان من سنة خمس وعشرين وست مائة. ذكر مشيخته لإبن المواق ابنُ عبد الملك. (٢)

стр. 158

٧ - أبو الربيع بن سالم الكلاعي: (٥٦٥ - ٦٣٤ هـ) سليمان بن موسى بن سالم بن حسان الحميري الكلاعي البلنسي، ولد سنة خمس وستين وخمس مائة، وكان من كبار أئمة الحديث اهتم في نشأته الأولى بدراسة الأدب والحديث، فدرس على كبار شيوخ بلده بلنسية، ثم انتقل إلى سائر نواحي بلاد الأندلس، وعني كل العناية بالتقييد والرواية. من أبرز شيوخه: الحافظ أبو بكر بن الجد، وأبو القاسم بن حبيش، وابن صاف، وأبو عبد الله بن زرقون، وممن أجازه أبو العباس بن مضاء، وأبو محمد عبد الحق الإشبيلي -صاحب كتاب "الأحكام" - ومن أكبر تلاميذه الذي أخذوا عنه العلم ابن المواق، وابن الأبار -صاحب التكملة-. قال أبو عبد الله بن الأبار: وكان إماما في صناعة الحديث بصيرا به حافظا حافلا عارفا الجرح والتعديل ذاكرا بالواليد والوفيات، يتقدم أهل زمانه في ذلك .. وكتب الكثير وكان خطه لا نظير له في الإتقان والضبط. له تصانيف مفيدة في فنون عديدة، منها: كتاب الاكتفاء في مغازي المصطفى والثلاثة الخلفاء، وكتاب: مصباح الظلم، وكتاب أخبار البخاري. استشهد أبو الربيع بن سالم بواقعة أنيشة -من عمل بلنسية- مقبلا غير مدبر في سنة أربع وثلاثين وست مائة. (١)

стр. 159

٨ - أبو مروان الباجي: (- ٦٣٥ هـ) محمد بن أحمد بن عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أحمد بن محدث الأندلس أبي محمد عبد الله بن محمد بن علي بن الشريعة اللخمي الباجي ثم الإشبيلي المالكي، من بيت كبير شهير ولي خطبة إشبيلية زمانا، ثم استقضاه العادل عليها، ثم أضيف إليه قضاء الجماعة في أول مدة المأمون، كان عدلا في الأحكام، حسن التلاوة، سريع السرد للحديث، له معرفة بالرجال، روى عن أبيه عن جده، وقرأ بالسبع على أبي عمر، وعياش بن عظيمة، وسمع صحيح البخاري من أبي بكر بن الجد، وقرأ عليه عدة كتب، وسمع من أبي عبد الله بن مجاهد، رحل إلى المشرق حاجا؛ وسمع بدمشق من محدثها الشهير ابن الصلاح تأليفه في علوم الحديث، وحدث بها، وبالموطأ، ومات عقيب حجه بمصر سنة خمس وثلاثين وست مائة. ذكره في شيوخ ابن المواق: ابن عبد الملك في الذيل والتكملة. (١) ٩ - أبو عبد الله بن دادوش: (٥٦٩ - ٦٣٩ هـ) محمد بن عبد الله بن محمد بن عيسى بن محمد بن عبد الوهاب بن يوسف بن محمد بن دادوش اليفرني، الفاسي، كنيته: أبو عبد الله، واشتهر بابن دادوش. روى عن أبي بكر بن أبي جمرة، وأبي عمر بن عات، وأبي بكر بن أبي زمنين، وأبي جعفر بن مضاء، وأبي ذر بن أبي الركب، وأبي العباس بن سعود القرطبي، وأبي القاسم عبد الرحمن بن ملجوم، وأبي محمد التادلي، وأبي الحسن ابن نجبة.

стр. 160

روى عنه أبو الحسن الرعيني، وأبو عبد الله بن المواق، وأبو العباس بن فرثون. قال ابن عبد الملك: "وكان ففيها حافظا، ذاكرا الآداب والتواريخ، حسن المحادثة، ممتع المحاضرة بهي المنظر، جميل الرواء، نظيف اللبس، سري الهمة". استقضي بغير موضع فشكرت سيره، وارتسم بالعدالة والنزاهة والجزالة وإعداء المظلوم على الظالم، وامتحن بأسر العدو الرومي إياه في البحر، واحتمل إلى إرشبونة، ثم افتك. كان مولده بفاس في ذي القعدة من سنة تسع وستين وخمس مائة، وتوفي بسبتة صدر تسع وثلاثين وست مائة. (١) ١٠ - أبو الحسن الشآري: (٥٧١ - ٦٤٩ هـ) علي بن محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن يحيى، الغاففي، يشهر بالشآري -وشآرة بليدة صغيرة من عمل مرسية، وهي محتده، وسبتة مولده. سمع من أبيه أبي عبد الله، وقرأ عليه القرآن، وأخذ القراءات عن أبي بكر الهوزني الإشبيلي، وسمع من المحدث العلم أبي محمد الحجري وأكثر عنه، ووجده معولا فعول عليه، وأسند عالي روايته إليه، وتلا عليه بالسبعة في ختمة واحدة، وقرأ عليه الموطأ -رواية يحيى بن يحيى الأندلسي- والمسند الكبير، لأبي بكر البزار، وسير النبي ﷺ تأليف ابن إسحاق، تهذيب ابن هشام، وغير ذلك، وأخذ عن أبي ذر الخشني وعلي بن خروف علم العربية. ممن سمع منهم ببلده -سبتة- أبو عبد الله محمد بن الغاز السبتي، وأبو الصبر أيوب الفهري، وارتحل إلى فاس فلقي بها جماعة منهم: أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الكريم الفندلاوي، شهر بابن الكتاني،

стр. 161

حضر عنده علم الكلام وأصول الفقه، وأجازه له. وممن سمع منهم وأجازوه: أبو الحجاج بن نمي، وأبو القاسم عبد الرحيم بن الملجوم، وأبو الحسن علي بن عتيق بن مؤمن القرطبي، وأبو الحسن بن خروف. وممن أجازوه ولم يلقهم: أبو جعفر بن مضاء، وأبو الحسن بن القطان، وأبو الحسن نَجبة بن يحيى، وأبو محمد عبد النعم بن فرس، وأبو القاسم بن حبيش. حدث عن أبي الحسن الشآري جماعة من الجلة منهم: أبو فارس عبد العزيز ابن إبراهيم، وأبو الحسن الرعيني، وابن المواق، وأبو جعفر بن الزبير، وأبو عبد الله ابن إبراهيم البكري الفاسي، وحدث عنه بالإجازة أبو عبد الله بن الأبار. قال أبو جعفر بن الزبير: "وكان ثقة متحريا، ضابطا عارفا بالأسانيد والرجال والطرق، بقية صالحة وذخيرة نافعة .. منافرا لأهل البدع والأهواء، معروفا بذلك، حسن النية، من أهل المروءة والفضل التام، والدين القويم، منصفا، متواضعا، حسن الظن بالمسلمين، محبا في الحديث وأهله". وقال ابن رشيد السبتي: "أحيى الشآري بسبتة العلم حيا وميتا، وحصل الكتب بأغلى الأثمان، وكان له عظمة في النفوس ﵀". اقتنى من الدفاتر وأمهات الدواوين شيئا عظيما، لم يكن، عند أحد من أبناء عصره مثله، فبنى مدرسة بسبتة وحبس عليها كتبه، لكنه غرب عن بلده إلى المرية. ولد أبو الحسن الشآري يوم الخميس بخمس خلون من رمضان سنة إحدى وسبعين وخمس مائة، وتوفي ﵀ بمالقة في التاسع والعشرين من رمضان سنة تسع وأربعين وست مائة. (١)

стр. 162

١١ - أبو أمية بن عفير: إسماعيل بن سعد السعود بن عفير، من شيوخه: أبو العباس النباتي، المعروف بابن الرومية. (١) وممن أجاز أبو أمية: أبا القاسم عبد الرحمن بن إبراهيم؛ يعرف بابن الحكيم. (٢) أديب شاعر لما توفي شيخه النباتي رثاه بقصيدة فريدة -تبلغ سبعين بيتا- وفاء لجهاده العلمي وإخلاصه المهني، ومما جاء فيها: من ذا يطهر بالإماطة سنة ... تشكو ذي الآراء والاقياس من ذا يعالج داءها من حفظه ... بعلاج لا ناس ولا متناس جاريت فرسان العلوم ففتهم ... وأتى جوادك أول الأفراس (٣) ١٢ - أبو العباس العزفي: (ت ٦٣٣ هـ). أحمد بن محمد بن أحمد اللخمي العزفي السبتي، ذكره ابن عبد الملك (٤) ضمن شيوخ ابن المواق، من مصنفاته: "الدر المنظم في مولد النبي المعظم"، لكنه لم يتمه، فأكمله ولده أبو القاسم، ذكر فيه ما خص به النبي ﷺ ، وهو موجود، في خزانة الأستاذ عبد الهادي الحسيسن (٥) وله كذلك: "إثبات ما لا منه بد لمريد الوقوف على حقيقة الدينار والدرهم والصاع والمد" (٦) توفي سنة ثلاث وثلاثين وست مائة للهجرة.

стр. 163

١٣ - أبو علي الرندي: (٥٤٧ - ٦١٠ هـ). عمر بن عبد المجيد بن عمر الأزدي، المعروف بالرندي -من أهل رندة- روى عن الحافظ عبد المنعم بن محمد المعروف بابن فرس، وأبي زيد السهيلي، وأبي محمد القاسم بن دحمان، وأبي عبد الله بن أبان، وعنهم أخذ القراءات السبعة، وعن أبي إسحاق بن قرقول، وأبي عبد الله بن الفخار، وابن صاف، وكان أبو علي الرندي من جملة المقرئين، وجهابذة الأساتذة، مشاركا في فنون عدة، نقادا فاضلا، من تآليفه: شرح جمل أبي القاسم الزجاجي، وجزءا سماه "الحُقْبَى في أغاليط القرطبي"، وألف برنامجا جامعا. ذكره في شيوخ ابن المواق ابنُ عبد الملك. (١) شيوخ آخرون لإبن المواق ذكرهم ابن عبد الملك، وكذا التارجي في إعلامه، ولم أقف لهم على ترجمة، وهم: ١٤ - أبو محمد عبد الحق الزهري. ١٥ - أبو الوليد بن الحاج. ١٦ - أبو بكر يحيى بن عبد الرحمن بن ثابت. ١٧ - محمد بن سلمون. ١٨ - أبو عبد الله بن خلفون. (٢)

стр. 164

المبحث الرابع: تلاميذ ابن المواق: قد يكتب لعلم من الأعلام أن ينتشر علمه ويذيع، بأن يفيض الله له تلاميذ يجتهدون في بث ما تلقوه من علم شيخهم، وقد لا يرزق عالم آخر تلاميذ ممن يعول عليهم في نشر العلم وبثه، فينحبس العلم في صدور من تلقوه لا يتعداهم إلى غيرهم، ولعل ابن المواق من هذا الصنف الثاني، وقديما قيل كم من عالم جليل أضاعه تلاميذه. وهذه أسماء من عرف بالأخذ عن أبي عبد الله بن المواق: ١ - أبو الحسن الرعيني (شيخ ابن عبد الملك)، ذكره فيمن أخذ عن ابن المواق ابن عبد الملك. (١) ٢ - أبو محمد بن القاسم الحرار، أديب شاعر، أخذ عن ابن المواق، واشترك معه في مشيخة أبي العباس النباتي لهما. لما توفي أبو العباس النباتي رثاه الحرار بقصيدة تناول فيها فضائل المرثي، ثم ألف كتابا جمع فيه مراثي النباتي، فذكر من الشعراء الذين رثوه: أبا أمية إسماعيل بن عفير، وأبا الأصبغ عبد العزيز الكبتوري، وأبا بكر محمد بن محمد بن جابر السقطي، وأبا العباس بن سليمان. (٢) ٣ - يوسف بن علي بن عشرة السلاوي، أبو الحجاج، أخذ ببلنسية عن أبي عبد الله بن المواق. (٣)

стр. 165

٤ - أبو محمد بن مطروح (٥٧٣ - ٦٣٥) وهو: عبد الله بن محمد بن عبد الله بن مطروح، التجيبي، الإمام الفاضل الفقيه، العالم بالأحكام والنوازل، العاكف على عقد الشروط، الأريب الشاعر، من أهل الشورى والفتيا، سمع أباه، وأبا العطاء بن نذير، وأبا عبد الله ابن نوح -وأخذ عنه القراءات والعربية والأدب، ولزمه طويلا- وأبا ذر الخشني وطائفة، ولي القضاء ببلنسية، وتوفي مصروفا عنها. (١) ٥ - أبو بكر بن عثمان بن السجلماسي ٦ - محمد بن عتيق بن علي ٧ - أبو الخطاب سهل بن زغبوش ٨ - أبو زكريا بن عبد الله بن يعقوب ٩ - أبو عبد الرحمن بن عبد الله بن زغبوش ١٠ - أبو جعفر بن محمد بن عبد الحميد ١١ - أبو الفضل الغرابيلي. (٢) هل أخذ ابن رشيد عن ابن المواق؟ وأثناء عودة ابن رشيد السبتي من رحلته إلى الحرمين -مكة وطيبة- وعبوره لتونس ذكر عددا من الشيوخ الذين التقى بهم وأجازوه الإجازة العامة، فذكر ابن المواق من جملتهم، وذلك بقوله:

стр. 166

"والقاضي أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن خلف الأنصاري -هو ابن المواق-". اهـ (١) وعرف به محقق كتاب الرحلة -فضيلة الشيخ الدكتور محمد الحبيب بن الخوجة- في الهامش بقوله: (هو القرطبي المراكشي الفاسي: ٥٨٣ هـ / ١١٨٧ م- ٦٤٢ هـ/ ١٢٤٤ م. له شيوخ الدارقطني ... الإعلام ٤/ ٢٣١ ..). (٢) هكذا ذكر في الرحلة، وهكذا تم التعريف به في الهامش من طرف المحقق، لكن في الأمر إشكالًا، ذلك أن ابن المواق توفي سنة ٦٤٢ ص، بينما لم يولد ابن رشيد إلا في سنة ٦٥٧ هـ، فكيف يعقل أن يلتقى به؟ إذ بين وفاة ابن المواق وولادة ابن رشيد خمس عشرة سنة!. ومن الملاحظ أن مترجمنا (ابن المواق) يشترك معه علم آخر في الإسم والكنية والشهرة بابن صاف، وهو: محمد بن خلف بن محمد بن عبد الله بن صاف، أبو بكر الإشبيلي المقرئ النحوي المتوفى سنة خمس وثمانين وخمس مائة (٥٨٥ هـ). (٣) وبهذا يتبين أن هذا هو الآخر ليس مرادا، إذ هو في طبقة قبل طبقة مترجمنا ابن المواق، والذي ادعى ابن رشيد أنه التقى به في طبقة متأخرة عن طبقة ابن المواق ... والخلاصة أنه من المستبعد أن يكون المقصود (ابن المواق) آخر غير صاحب البغية، ذلك أنه وصفه بكونه كان قاضيا، ثم كناه بنفس كنيته، ثم نسبه فسمى والده وجده، وذكر نسبته: (الأنصاري)، بل وختم بكونه المشهور بـ (ابن

стр. 167

المواق)، فيبعد أن تنطق كل هذه الأوصاف على غير مترجمنا، ثم إن ابن رشيد، ﵀، مجمع على ثقته وعدالته، فلم يبق إلا أن يقال إنه وهم فيما ذكر من إجازة ابن المواق له، ولم ينتبه إلى ذلك فضيلة الشيخ الدكتور محمد الحبيب بن الخوجة. المبحث الخامس: المذهب الفقهي لإبن المواق: تمهيد: المذهب المالكي عريق الجدور في الغرب، وما إذ دخل المذهب هذا البلد حتى أصبحت له في نفوس المغاربة مكانة خاصة، وتمذهب به عامتهم، لا فرق بين عالمهم وعاميهم، بل أصبح لا يسأل عن مذهب من علم انتسابه إلى المغرب، ولهذا اهتم العلماء بذكر من لم يكن على المذهب من المغاربة. وقد تقدم ذكر قصة دفاع والد ابن المواق على المذهب المالكي بحضرة الخليفة عبد المومن لما أراد هذا الأخير إلزام الناس بمذهب ابن حزم الظاهري، مما اضطره أن يتراجع عما أراد أن يحمل الناس عليه. (١) أما أبو عبد الله بن المواق -وهو المعني هنا- فقد صرح بمالكيته عند كلامه على حديث ابن وهب (ح: ١٨٩): " ... ومن أجاز عرنة قبل غروب الشمس فلا حج له"، حيث قال ما نصه: (ومن أصحابنا من قال على التراخي؛ لأن أصل الحج على التراخي ..)، والمراد بأصحابنا المالكية. المبحث السادس: المكانة العلمية لابن المواق: احتل الإمام ابن المواق مكانة علمية خاصة، وقد امتدحه وأثنى عليه طائفة من كبار المحدثين، والذي يعود إلى الكتب المعتمدة في علوم الحديث ومصطلحه، وفي نقد الرجال، وكذا كتب الجرح والتعديل والتصحيح والتضعيف يجد

стр. 168

أصحابها يرجعون إلى أقواله تارة لذكرها والاستدلال على صحتها، وأخرى لعرضها ومناقشتها، وثالثة لإبراز أهميتها بين أقوال ذوي الشأن والإختصاص في هذه العلوم، ولا يفهم من هذا أن علم ابن المواق قد انحصر في علوم الحديث فحسب، بل كانت له دراية ومعرفة بعلوم الَالة (١)، وباللغة العربية وغريبها (٢) وشواهد قواعدها، وبالفقه وأصوله (٣)، وبالقرآن وعلومه. وهذه بعض هذه الشهادات العامة؛ التي تلقي الضوء على ما كان يتمتع به هذا العَلَم من المكانة العلمية السابقة: قال فيه ابن عبد الملك: (وكان فقيها حافظا محدثا مقيدا ضابطا متقنا، نبيل الخط بارعه، ناقدا محققا ذاكرا أسماء الرجال وتواريخهم وأحوالهم). اهـ (٤) وقال في وصف تعقبه على كتاب شيخه ابن القطان "بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام": (ظهر فيه إدراكه ونبله ومعرفته بصناعة الحديث، واستقلاله بعلومه، وإشرافه على علله وأطرافه، وتيقظه وبراعة نقده واستدراكه) اهـ. (٥) وقد وقف ابن عبد الملك على قسم لابن المواق من شرح الموطأ، فقال فيه: إنه في غاية النبل وحسن الوضع. (٦) ولما ذكر ابن عبد الملك طائفة من مؤلفات ابن المواق عقب على ذلك بقوله:

стр. 169

(وكل ذلك شاهد بوفور معارفه وتبريزه) اهـ. (١) ووصفه ابن رشيد السبتي بقوله: (الحافظ الناقد أبو عبد الله بن الإمام أبي يحيى بن المواق). (٢) ولما تكلم محمد بن جعفر الكتاني على "الأحكام"، لعبد الحق الإشبيلي، ثم على: "بيان الوهم والإيهام على كتاب الأحكام"، لابن القطان الفاسي، قال ما نصه: "وقد تعقب كتابه هذا في توهيمه لعبد الحق تلميذه: الحافظ الناقد المحقق، أبو عبد الله محمد بن الإمام يحيى بن المواق في كتاب سماه: المآخذ الحفال السامية، عن مآخذ الإهمال في شرح ما تضمنه كتاب بيان الوهم والإيهام من الإخلال والإغفال، وما انضاف إليه من تتميم وإكمال. تعقبا ظهر فيه كما قال الشيخ القصار: إدراكه ونبله وبراعة نقده". اهـ (٣) المبحث السابع: ابن المواق وتصحيح الأحاديث وتضعيفها: (قام أئمة الحديث منذ العصور الأولى بنقد الأحاديث وتمييز مقبولها من مردودها، وتكلموا في عللها، وأتوا في ذلك بأبحاث دقيقة تكشف خبايا الأسانيد والمتون، كأنما كانوا يطوفون مع الرواة، وينتقلون مع المتون خلال حلقات الإسناد. فكانت أبحاثهم وأحكامهم حجة تلقاها العلماء بالقبول واحتجوا بأحكامهم في صحتها وحسنها، وعملوا بمقتضاها). (٤) وبمرور الزمن خشي بعض الأئمة الأعلام من أن تقع أحكام المتأخرين في غير محلها، ولهذا نجد أبا عمرو ابن الصلاح يقول:

стр. 170

"إذا وجدنا فيما يروى من أجزاء الحديث وغيرها حديثا صحيح الإسناد، ولم نجده في أحد الصحيحين، ولا منصوصا على صحته في شيء من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة، فإنا لا نتجاسر على جزم الحكم بصحته، فقد تعذر في هذه الأعصار الإستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد؛ لأنه ما من إسناد من ذلك إلا وتجد في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه، عريا عما يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان؛ فآل الأمر إذن في معرفة الصحيح والحسن، إلى الإعتماد على ما نص عليه أئمة الحديث في تصانيفهم المعتمدة المشهورة التي يؤمن فيها، لشهرتها من التغيير والتحريف، وصار معظم المقصود لما يتداول من أسانيد خارجا عن ذلك، إبقاء لسلسلة الإسناد التي خصت بها هذه الأمة زادها الله شرفا آمين". (١) وخالف ابن الصلاح طائفة من أهل العلم، منهم الإمام النووي، حيث قال: "والأظهر عندي جوازه لمن تمكن وقويت معرفته". وقال سراج الدين البلقيني في "محاسن الإصطلاح": (والمختار أن المتبحر في هذا الشأن، له ذلك بطرقه التي تظهر له). (٢) وقال الحافظ العراقي: (وما رجحه النووي، هو الذي عليه أهل الحديث، فقد صحَّح جماعة من المتأخرين أحاديث لم نجد لمن تقدمهم فيها تصحيحا). (٣) ونقل الحافظ السيوطي عن شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر ﵀ قوله: (وقد اعترض على ابن الصلاح كل من اختصر كلامه، وكلهم دفع في صدر كلامه من غير إقامة دليل ولا بيان تعليل، ومنهم من احتج بمخالفة أهل عصره ومن بعده له في ذلك، كابن القطان، والضياء المقدسي، والزكي المنذري، ومن

стр. 171

بعدهم، كابن المواق، والدمياطي، والمزي، ونحوهم). (١) وبدر الدين الزركشي من الذين يرون أن مسألة التصحيح ماضية لمن كانت له الأهلية لذلك، ولذا نراه يسوق أسماء طائفة من أعلام المحدثين المتأخرين الذين كان لهم التصحيح، فذكر منهم: ابن القطان، وابن المواق، والضياء المقدسي، والزكي المنذري، والمزي، والذهبي. (٢) وهكذا نراه هو الآخر يعترف لأبي عبد الله بن المواق بهذه المرتبة التي مكنته من أن يدرج اسمه ضمن الذين كانت لهم هذه الأهلية. المبحث الثامن: ابن المواق وعلم الجرح والتعديل: علم الجرح والتعديل من أهم العلوم، وأعظمها خطرا، إذ هو واجب لصون الشريعة وحفظ الدين من تحريف الغالين، واتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ولا يقدر على القيام به إلا الأفذاذ الجهابذة، والنقاد الصيارفة، الذين اتصفوا بالمهارة العلمية، والعفة الخلقية، مع الدين المتين، والخشية من الله رب العالمين. ومن تتبع سيرة أئمة الجرح والتعديل رآهم من خيرة الناس في علمهم، ودينهم وورعهم، وبعد مداركهم ونبل غاياتهم، فقد تحملوا التعب والنصب والجوع والعطش وصبروا على الإيذاء والكره وهجران الأهل والأوطان لينفوا عن دينهم الزيف والفساد، كي يبقى غضا طريا. (٣) وقد نص كبار أهل هذا الشأن على الشروط التي تشترط في المتكلم في الرواة بالجرح والتعديل، فهذا الذهبي يقول في ميزان الاعتدال: (والكلام في الرجال لا

стр. 172

يجوز إلا لتام المعرفة، تام الورع). (١) ويقول في الموقظة: (والكلام في الرواة يحتاج إلى ورع تام، وبراءة من الهوى والميل، وخبرة كاملة بالحديث وعلله، ورجاله). (٢) وقال في تذكرة الحفاظ: (لا سبيل إلى أن يصير العارف الذي يزكي نقلة الأخبار ويجرحهم جهبذا إلا بإدمان الطلب والفحص عن هذا الشأن وكثرة المذاكرة والسهر والتيقظ والفهم مع التقوى، والدين المتين والإنصاف، والتردد إلى مجالس العلماء، والتحري والإتقان). (٣) ومعنى هذا أنه ما كان لكبار المحدثين أن يشهدوا لإبن المواق بمعرفة بالجرح والتعديل لولا ما علموا من مكانته العلمية في هذا العلم بالذات، والذي يعود إلى الكتب المتأخرة التي تتكلم على الرواة تعديلا وتجريحا يجد فيها نقولا عن ابن المواق في نقد الرجال. وهذه بعض النماذج لذلك: - لما ترجم الحافظ ابن حجر ل: عمر بن حفص بن سعد بن مالك الحميري الوصابي، ذكر ما نصه: "قلت: قال ابن المواق: لا يعرف حاله". ولا يخفى أن شيخ الإسلام ابن حجر قد قبل من ابن المواق الحكم على هذا الراوي بجهالة الحال، ولذا ساق كلامه دون أن يعقب عليه. (٤) - قال أبو عبد الله بن المواق في عصمة بن عبد الله: (مجهول، لا أعلم أحدا

стр. 173

ذكره). (١) - وقال في محمد بن داود بن سفيان: (مجهول بالنقل، لا أعلم روى عنه غير أبي داود). (٢) - وقال في أبي بكر بن أبي سبرة: (راو متروك، موصوف بالوضع)، (٣) وغير ذلك كثير. (٤) المبحث التاسع: ابن المواق وعلم علل الحديث: كانت بداية هذه السلسلة من كتب الحديث بكتاب "الأحكام الشرعية" لعبد الحق الإشبيلي، وهو كتاب يجمع بين أحاديث الأحكام وعلم العلل، لذلك لا غرابة إذا كان مرتكز كتاب أبي الحسن بن القطان: "بيان الوهم والإيهام" خالصا في علم العلل، ثم يأتي كتاب: "بغية النقاد" لإبن المواق في نفس لنسق لأنه إنما وضعه لتعقب أوهام وإيهامات شيخه ابن القطان من جهة، وكذا عبد الحق الإشبيلي من جهة ثانية، وإن كان الكتاب لا يخلو من تعقبات على غيرهما، ومعرفة ابن المواق بعلم العلل بارزة من خلال استدراكاته في جل الأحاديث التي تناولها. المبحث العاشر: مصنفات ابن المواق: لابن المواق مصنفات في مجالات متعددة، ولكن الذي يغلب عليها علما الحديث والفقه، ولم يذكر له عند من ترجمه سوى كتب قليلة، فهذا ابن عبد الملك يذكر له:

стр. 174

- شيوخ الدارقطني - شرح مقدمة صحيح مسلم - شرح الموطأ ثم يقول بعد ذلك: وله مقالات كثيرة في أغراض شتى حديثية وفقهية وتنبيهات مفيدة. وذكر له تعقبا على كتاب "بيان الوهم والإيهام" طائفة من العلماء، منهم: ابن عبد الملك (١) والعبدري في رحلته، وآخرون. (٢) وذكر ابن رشيد -له كتاب: "المآخذ الحفال السامية عن مآخذ الإغفال في شرح ما تضمنه كتاب بيان الوهم والإيهام من الإخلال أو الإغفال، وما انضاف إليه من تتميم أو إكمال" (٣) أما كتاب: "بغية النقاد النقلة فيما أخل به كتاب "البيان" وأغفله، أو ألم به فيما تممه ولا كمله" فقد نسبه له كثير من الأئمة، منهم: بدر الدين الزركشي (ت: ٧٩٤ ص)، (٤) والحافظ زين الدين العراقي (ت: ٨٠٦ هـ) (٥)، الحافظ ابن

стр. 175

حجر (ت: ٨٥١ هـ)، (١) والعباس بن إبراهيم التعارجي (ت: ١٣٧٨ هـ) (٢)، ورضا كحالة (٣)، وحاجي خليفة (٤)، وإسماعيل باشا (٥)، وعبد العزيز بن عبد الله (٦)، والدكتور محمد بن شريفة (٧). ورضا كحالة، ومن بعده ممن ذُكِروا سموا الكتاب: (بغية النقاد في أصول الحديث). وقد جاء في تكملة ابن الأبار -عند ذكر عبد الحق الإشبيلي- أن ابن القطان ألف في أوهام كتاب "الأحكام"، فكتب الإمام القصار في هامشه: (وتعقب الناقد المحقق أبو عبد الله المواق كتاب شيخه ابن القطان هذا تعقبا ظهر في إدراكه ونبله). اهـ (٨)

стр. 176

المبحث الحادي عشر: تحقيق اسم الكتاب ونسبته إلى ابن المواق يستخلص مما تقدم أن العلماء أجمعوا على أن لإبن المواق تعقبا على شيخه أبي الحسن بن القطان، -في كتابه: "بيان الوهم والإيهام"- لكن بقي هناك إشكال في اسم الكتاب؟ هل هو: المآخذ الحفال ... ؟ أو: بغية النقاد ... فالجواب: أولا إذا أخذنا بقول ابن رشيد وغيره، فإننا سنذهب إلى أن اسم الكتاب: "المآخذ الحفال السامية عن مآخذ الإغفال في شرح ما تضمنه كتاب ييان الوهم والإيهام من الإخلال أو الإغفال، وما انضاف إليه من تتميم أو إكمال". وقد وافقه على ذلك صاحب الرسالة المستطرفة، وآخرون. (١) ثم إن ابن رشيد قد نقل نصا طويلا من هذا الكتاب بالذات (أي المآخذ الحفال)، وقال في آخر نقله عنه:

стр. 177

"انتهى كلام القاضي أبي عبد الله، أوردناه بجملته، وإن كان فيه بعض ما لا تمس حاجتنا إليه في الموضع، لكنه اشتمل على فوائد ومحاسن، فاخترنا إيراده بكماله، والله ينفع بذلك الجميع". (١) ومن المعلوم أن أبا عبد الله بن المواق، قد توفي، ﵀، قبل أن يتم إخراج كتابه من المبيضة، فتولى إخراجه وتتمته ابن رشيد السبتي (٢)، وهذا ما ذكره ابن القصار بقوله: "إلا أنه تولى تخريج بعضه من المبيضة، ثم اخترمته النية ولم يبلغ من تكميله الأمنية، فتولى تخريجه، مع زيادة تتمات وكتب ما تركه المؤلف بياضا أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن رشيد السبتي الفهري المالكي ... ". اهـ (٣) فيظهر لي أن ابن رشيد السبتي هو الذي سمى الكتاب بعد تبييضه: "بغية النقاد ... " لكن يبقى أن يقال ما هو الفرق بين الكتابين؟ -يعني "المآخذ الحفال .... " و"البغية"- ثم إلى أي مدى تصح نسبة الكتاب إلى ابن رشيد أو

стр. 178

إلى ابن المواق؟ (١) أولا: لا خلاف بين الجميع أن أصل الكتاب من تصنيف ابن المواق. ثانيا: من المعلوم الذي لا مرية فيه -كما تقدم- أن ابن رشيد هو الذي أخرج الكتاب من التبييض. ثالثا: الذي يعود إلى النص المخطوط يتضح له أن الذين لهم ذكر في صلبه هم ثلاثة فقط: - الأول: عبد الحق الإشبيلي، وهذا دائما يؤتى بكلامه ليكون موضع نقد، سواء كان بالتصويب أو التخطئة أو التوهيم. - الثاني: أبو الحسن بن القطان، ويؤتى بكلامه كذلك لنفس الغاية. - الثالث: هو أبو عبد الله بن المواق، وهو آخر من يتكلم معقبا على كلام الأول، أو على الثاني، أو عليهما معا. أما ابن رشيد فوجوده في النص فباهت، بحيث يمكن أن نقول: - إن الدور الذي قام به في هذا الكتاب يمكن تحديد جوانبه بصورة عامة، إذ بتتبع الكتاب واستقرائه شكلا ومضمونا تترجح أمور؛ منها: - أن ابن رشيد السبتي -الذي أخرج الكتاب من التبييض- كان أمينا في

стр. 179

النقل عن ابن المواق، ولم يكن يسمح لنفسه بالتصرف في الكتاب بالزيادة أو النقص، بل حتى في تغيير موضع حديث بالتقديم أو التأخير، بحيث نرى في عدة صفحات كتابة الحديث وتعليقه، وبهامشه أن المؤلف أوصى بجعل هذا الحديث في مكان كذا، أو نقله إلى مكان كذا. فنجده يكتب الحديث كما وجده، وبهامشه وصية المؤلف المتعلقة به. - لا وجود لكلام أجنبي عن الثلاثة (عبد الحق الإشبيلي، وابن القطان، وابن المواق)، باستثناء وجه ب من لوحة ٢٦ الذي فيه تعقيب طويل من ابن رشيد السبتي على ابن القطان وابن المواق، وقد ابتدئ هذا التعقيب في -ورقة جديدة بصيغة تنبئ بكونه مستقلا عن النص، حيث افُتتِح بـ: (الحمد لله قول أبي الحسن ﵀ ...) واختتم بـ (اهـ من خط ابن رشيد) وبعده كلام لابن التجيبي. آخره (اهـ ما بالأصل). وفي لوحة ٢٧ وجه ب أثبت في الهامش (انظر ما في الوريقة) وهي إشارة إلى التعقيب المذكور. كل هذا يبين أن هذا التعقيب مستقل عن صلب النص. أما في هامش النص وجه ب من لوحة ٢٩، فقد أثبت فيه: (قال ش (١) الذي رأيته في كتاب البيان إنما فيه: يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه. على الصواب، لا ما ذكره م). (٢) وملاحظة هامة في هذين التعقيبين أنهما أوردا مستقلين عن صلب الكتاب، ولم يدرجا في الصلب، ففي الأول ابتدئ بقول: الحمد لله، وهي مشعرة بالبداية، ولم تجر عادة المصنف أن يبدأ بها في كل تعقيب تعقيب، إذ المعهود في طريقته البداية بقوله: (وذكر في باب كذا ..)، أو نحوها، أما التعقيب الثاني فإثباته بالهامش يكفيه دليلا على استقلاله عن النص، وبالتالي لو أريد حذف

стр. 180

هذين التعليقين من الكتاب فإن ذلك لا يخل بالسياق العام للكتاب. والمعتاد في الكتاب كله ألا يذكر فيه إلا ما سيحتاج للتعقيب عليه، ثم بعده مباشرة يأتي كلام ابن المواق، وهذا خلاف ما في النص (ح: ٧٥) إذ فيه التعقيب من ابن رشد بعد انتهاء تعقيب ابن المواق كاملا، ثم هناك كلام آخر لابن التجيبي بعد كلام ابن رشيد. - إن الذي يستقرئ هذا المخطوط لا يبقى عنده شك أنه لإبن المواق، ذلك أنه في نصوص كثيرة منه يصرح بتلقيه عن شيخه ابن القطان، ففي الحديث (٧٨) يقول ما نص: " ... يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب إليه .. الحديث. هكذا رويته عن ع بعد النقل من مبيضته بخطه، وقرأته عليه كذلك". وفي الحديث (١٤٨) يقول ما نصه: " ... هكذا بالجيم من ترجيل الشعر، وهكذا تلقيناه عن شيخنا عند قراءة كتاب البيان عليه .. ". وفي الحديث (١٩٢) قال في التعقيب الثالث ما نصه: "لقب الحسن هذا (عجرة)، وهكذا أيضا تلقيناه عن ع بالعين المضمومة والراء ... ". ونفس الأمر نَص عليه في الأحاديث (٢١٠) و (٢٦٠) و (٣١٧). أما في الحديث (٣٤١) فقد نص ابن المواق على أنه نقل من مبيضة ابن القطان (محمد بن عبيد الله)، قال: "فلما كان وقت القراءة عليه رده علي: (محمد بن عبد الله)، فأصلحته، فهو عندي مصلح مصحح عليه". هذه نصوص من داخل الكتاب دالة دلالة قاطعة أن صاحبه هو ابن المواق، إذ هو الذي ثبتت تلمذته على ابن القطان، وهو الذي أخذ كتاب البيان على شيخه
следующие страницы →